← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

فأما عمة وبنت أخ فلا، والأول أصوب أن يعطى الأقارب من النساء إذا كن فقراء، وسواء كن من الرجال أو النساء؛ لأن المرجع ليس فيه شرط، وهو بمنزلة حبس لم يسمَّ من يصرف فيه؛ لأن المحبس مات وهو يرى أن العقب لا ينقرض، فكان الوجه أن تصرف في الأقربين لحديث أبي طلحة (١). وقد قال مالك في كتاب محمد: الذكر فيه والأنثى سواء، وإن اشترط في أصل الحبس للذكر مثل حظ الأنثيين، قال: لأن المرجع ليس فيه شرط ولا هو تصدق بها على من رجعت إليه. ولو لم يكن له يوم يرجع إلا ابنة واحدة كان لها جميعه، قال: وإن انقرض المحبس عليهم إلا امرأة واحدة أخذت جميعه، وإن شرط أن للذكر مثل حظ الانثيين (٢)؛ لأن معنى قوله إن كان معها رجل.

стр. 3502

باب فيمن حبس في مرضه على ولده وولد ولده قال ابن القاسم فيمن حبس في مرضه دارًا على ولده وولد ولده ثم مات والثلث يحملها، تقسم الدار على الولد الأعيان وولد الولد، فما صار لولد الولد أخذوه على وجه الحبس، وما صار لولد الأعيان دخلت فيه الزوجة والأم وقسم على فرائض الله (١)، يريد: لأن الحبس على وارث وغير وارث، فما ناب الوارث شاركه فيه بقية الورثة، فإن كان الولد أربعة وولدهم أربعة ولم تجز الزوجة والأم الحبس قسم في الأول قسم الحبس، فما صار للورثة قسم على الميراث ودخلت فيه الزوجة والأم. فإن مات بعد ذلك أحد هذه الطوائف الأربعة الزوجة أو الأم أو الولد الأعيان، أو ولدهم افترق الجواب، فإن ماتت أم الميت (٢) وهي جدة الولد الأعيان لم ينتقض القسم، فإن كان لها ولد غير الميت المحبس كان نصيبها لولدها، ولا ينتزع منه إلا بموت الأعيان أو بموت أحدهم. وكذلك إن ماتت الزوجة ولا ولد لها إلا الولد الأعيان، فإنهم يأخذون نصيبها الذي كانت أخذته منهم، ولا حق لولد الولد فيه، ويكون ما في أيديهم بوجهين بميراث من قبل الأب وبميراث من قبل الأم. وإن كان إنما مات واحد من الولد الأعيان انتقض جميع نصيبه، وقد كان صار له الثمن فيه، فينتزع من يد الزوجة والأم ما أخذتا منه، فيكمل ثُمُنًا ثم

стр. 3503

يقسم ذلك الثمن أسباعًا فيأخذونه أربعة أسباع، والولد الأعيان ثلاثة أسباعه، فتأخذ الزوجة والأم منه ميراثها وهو السدس والثمن، ثم يضم الباقي إلى ما بيد الولد الأعيان، ويحيى الميت بالذكر، ويقسم أرباعًا فيأخذ الولد الأعيان ثلاثة أرباعه، ويأخذ ابن الميت من الولد الأعيان فيصير ما في يده من وجهين بالحبس من جده وبالميراث من أبيه، وهكذا إن مات ثانٍ وثالث من ولد الأعيان يُجْمَعُ نصيبه في الميراث عن أبيه، فيقسم قسم الأحباس ثم قسم الميراث. فإن مات الرابع انتزع جميع ما صار للولد الأعيان، وما في يد الزوجة والأم، وسلم ذلك لولد الولد بالحبس، وسقط القسم بالميراث، وإن كان الميت أولًا واحدًا من ولد الولد قسم ما كان أخذه أسباعًا، فأخذ ولد الولد الثلاثة ثلاثة أسباعه، وأخذ الولد الأعيان أربعة أسباعه فيقتسمونه على الميراث عن الميت المحبس، وتدخل فيه الزوجة والأم. وقال سحنون: لا يدخلان فيه (١)، ورآه كمراجع الأحباس. والأول أصوب؛ لأنهم المحبس عليهم، وإنما يأخذون ذلك بعطية من الميت، وإنما يكون مرجع الحبس بعد انقراض من حبس عليه، وإن لم يحمل الثلث الدار ولم يُجِزِ الورثة، فما حمله الثلث مِنْه (٢) عمل فيه حسب ما رسم الميت لو (٣) حملها الثلث؛ لأنه لا يصح أن (٤) يقطع بالثلث شائعًا، فيحبس ما لم يقصد الميت إلى تحبيسه أو لا يحبس فتغير وصية الميت، وإنما يجمع ثلثه في الدار كالعتق إذا أوصى به فلم يحمل الثلث، فإنه

стр. 3504

يجمع في غير (١) ذلك العبد. وقال محمد فيمن حبس في مرضه داره على جميع ورثته، ولم يدخل غيرهم ولا بعدهم: فليس بحبس، ولهم إن شاءوا باعوا، وإن شاءوا حبسوا. قال مالك: وكذلك لو قال: حَبْسٌ على ولدي ولم يدخل في ذلك غيرهم. وقاله ابن القاسم وأشهب (٢)، وإنما أبطل الحبس ها هنا؛ لأنه وصية لوارث، فمن مات قَبْلُ (٣) كان نصيبه لمن بعده، فصار ميراث الآخر أكثر، وهذا على أحد (٤) القولين: إن الحبس المعين يرجع ميراثًا، وعلى القول أنه يرجع مراجع الأحباس لا يبطل الحبس، ويصير بمنزلة من حبس على ورثته وغيرهم.

стр. 3505

باب في إخراج البنات من الحبس اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: فقال مالك في المجموعة: أكره ذلك (١). وقال في العتبية: إن أخرج البنات إن تزوجن فالحبس باطل، قال: وهو الشأن. وقال ابن القاسم: إن كان المحبس حيًّا فأرى أن يفسخه ويُدخِل فيه البنات، وإن حيز أو مات فات، وكان على ما حبسه عليه (٢). وقال أيضًا: إن كان المحبس حيًا فليفسخه ويجعله مسجلًا، وإن مات لم يفسخ (٣)، فجعل له أن يرده بعد الحوز ويجعله مُسْجَلًا ما لم يمت؛ لأنه لو لم يحزه الذكور حتى مات بطل وكان ميراثًا، ولم يكن للذكور ولا لغيرهم شيء. وقال ابن شعبان: من أخرج البنات بطل وقفه، وهذا مثل قول مالك في العتبية، وذكر أبو بكر ابن حزم أن عمر بن عبد العزيز مات وهو يريد أن يرد صدقات الناس التي أخرجوا منها النساء (٤)، وعلى هذا يجري الجواب في الصدقات إذا تصدق على الذكور خاصة أو على بعض الذكور، فعلى القول الأول يكره، فإن نزل مضى، وعلى القول الآخر يبطل إن لم يشركهم فيه، وعلى أحد قولي ابن القاسم يفسخ ما لم يُحَز، وعلى القول الآخر يفسخ وإن حيزت ما لم يمت. وقال في كتاب محمد: لا بأس أن ينحل بعض ولده، وإنما يكره أن ينحل جل ماله، قيل: فإن فعل أترى أن يرد؟ فلم يقل شيئًا (٥).

стр. 3506

والأصل في المنع حديث النعمان بن بشير، قال: أتى بي أبي إلى النبي ﷺ فقال: إنِّي نَحَلْتُ ابني هذا غلامًا، قال: "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟ ". قال: لَا. قال: "فَارْجِعْهُ" (١). زاد في كتاب مسلم: "لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ" (٢)، وقال: "لَا تُشْهِدْنِي إِلَّا عَلَى حَقٍّ" (٣)، وقال: "اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا فِى أَوْلاَدِكُمْ "وقد وافقه البخاري على بعض هذه الألفاظ (٤). وكل هذا يتضمن منع عطية بعض الولد لعدم المساواة، فأخذ مالك مرة بهذا، وحمله على الوجوب، ومرة حمله على الندب (٥)، ولا يحسن حمل الحديث على من وهب جل ماله أو جميعه لقول النبي ﷺ : "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟ " فأبان أن الرد لعدم المساواة، ولأن ما يبقى الآن بيد الأب لا يفيد من لم يعط شيئًا؛ لأنه إن بقي فورثوه تساووا في ميراثه, وكان ذلك المعطى قد فضل من لم يعط.

стр. 3507

واختلف في صفة العدل إذا كان ذكرًا وأنثى، فقيل: هو أن يعطيها مثل ما يعطي أخاها، وإلى هذا ذهب أبو الحسن ابن القصار، واستحسن ابن شعبان أن يكون على فرائض الله ، وهو أحسن؛ لأنه حظها من ذلك المال لو بقي في يد الأب حتى يموت، فقد عجل قسمته بينهم، وقد يحمل الحديث "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْته مِثْلَ هَذَا؟ " على أن ولده كانوا ذكورًا، وأما عطية أبي بكر لعائشة ﵂ دون إخوتها (١) فيحتمل أن يكون ذلك؛ لأنه علم من بَنيه أنهم لا يكرهون ذلك لمكانها من رسول الله ﷺ ، أو لأنه كان أعطاهم قبل ذلك. فصل [في أحوال الحبس على البنات] وقال محمد: من حبس على بناته حياتهن في صحته (٢) وشرط أن من تزوج منهن فلا حق لها، فتزوجت واحدة أو كلهن ثم تأيمت فلا حق لها، وسواء كان ذلك في الصحة أو وصية إذا كانت غير وارثة، وقد انقطع ما أوصى لها به، وكذلك إن أوصى بأن ينفق على أمهات أولاده ما لم يتزوجن أو يسكُنَّ (٣)، قال: ولو حبس وله بنات متزوجات لم يدخلن في الحبس (٤) قال: والمردودة تدخل في حبسي، فإنها تدخل معهم متى رجعت من ذي قبل، وإن قال: من تأيَّم من بناتي

стр. 3508

ولها مسكن بعينه كانت أحق به، ولا حق لها فيها. قيل: ولو شرط لمن هو في حبسه، فقال: فمن تزوجت فلا حق لها، فإن رجعت فإنها تسكن (١)، كذا لم يكن لها في حين تزويجها شيء حتى ترجع فترجع فيما مضى فليست كالتي لم يذكر رجعتها؛ لأنه إذا سمى رجعتها (٢) فكأنه حبس عليها حقها إلى رجعتها فتأخذه، وإن قال: إن رجعت دخلت في حبسي كان لها من يوم ترجع (٣). وقال عبد الملك في المبسوط فيمن شرط في حبسه أن من تزوج من بناتي فلا حق لها ما دامت عند زوج، فتزوجت واحدة منهن- كان نصيبها لمن هو معها في الحبس من أخواتها ما دامت متزوجة، فإن رجعت أخذته، قال: ولو تزوجن كلهن وقفت عليهن الغلة، فإن رجعت واحدة أخذته كله، ما وقف وما يستقبل كأنها لم تتزوج (٤). وعلى القول المتقدم لا شيء لها في الماضي، وهذا في الغلة، وأما إن كان الحبس سكنى فذلك أبين ألا شيء لمن تزوجت في الماضي وتسكن في المستقبل. وقال محمد: وإن قال: فمن تزوج منهن فلا حق لها، ونصيبها رد على أصحابها أو على أحد سماه، إلا أن يردها الزوج- لم يكن لها إن رجعت، إلا في المستقبل؛ لأنه سمى نصيبها في تزويجها لغيرها، وكذلك إن قال: فمن تزوج منهن فلا حق لها إلا أن ترجع فتدخل في حبسي؛ فإنه يستأنف لها (٥).

стр. 3509

باب في من حبس حائطًا أو دارًا أو عبدًا (١) على جماعة فمات أحدهم ومن المدونة قال مالك فيمن حبس حائطه على قوم بأعيانهم وكانوا يسقون ويلون، ثم مات أحدهم بعد الإبار: فلا حق له، ونصيبه في المستقبل على أصحابه، وإن مات بعد الطيب ورث عنه نصيبه (٢). وقال أشهب: له ذلك بالإبار (٣)، وإن كانت تنقسم عليهم، وليسوا يلون عملها فمات أحدهم- لم يستحق نصيبه بالإبار، واختلف هل يستحقه بالطيب أو يكون لمن أدرك القسم. واختلف عن مالك في نصيبه في المستقبل هل يرجع إلى المحبس أو يكون لبقية أصحابه، وهو الذي ثبت عليه أنه لأصحابه (٤). وكذلك إن كان المحبَّس دارًا لسكنى أو عبدًا يستخدم رجع نصيب من مات عند أصحابه حتى ينقرض آخرهم فترجع إلى المحبس (٥)، فإن كانت الدار للغلة والعبد للخراج كان نصيب من مات على القولين هل يرجع إلى أصحابه أو إلى المحبس؟ وحكى أبو محمد عبد الوهاب في المعونة في العبد للخدمة والدابة لتركب عن مالك قولًا آخر أن نصيب من مات لا يكون لأصحابه (٦)، وهو أقيس.

стр. 3510

ولا فرق بين ما يراد للغلة أو للسكنى، ولا فيما يلون عمله ولا يلونه، فإن كان الحبس على خمسة، فإنما جعل لكل واحد الانتفاع من ذلك الحبس بخمسه (١)، فلا يزاد إن مات أحدهم نصيب صاحبه، وإنما يرد إلى المحبس، وإلى من جعل المرجع إليه إلا أن يكون العادة رجوع ذلك إلى بقية أصحابه. وإن جعل لكل واحد مسكنًا بعينه، أو قال في العبد: يخدم فلانًا يومًا وفلانًا يومين وفلانًا ثلاثة أيام، أو قال في الثمار: لفلان وَسْق ولفلان ثلاثة، ولفلان خمسة، لم يرجع نصيب من مات إلى بقية أصحابه، وذلك راجع إلى المحبس أو إلي من جعل المرجع إليه. وإن قال: لفلان وسق، ولفلان وسقان، ولفلان ثلاثة أوسق، ولفلان عشرة أوسق، فأخرج الحائط أكثر من تلك التسمية كان الفاضل لصاحب الحائط، وإن أخرج أقل تحاصُّوا في العاجز، وإن مات أحدهم ولم يوفِّ الحائط حُوصِصَ نصيب الميت ولم يرجع نصيبه إلى أصحابه. وقال مالك في كتاب محمد: إن سمى ما يعطى لأحدهم كل عام من الكيل ولم يسمِّ للآخرين بُدِّئ الذين سمَّى لهم إلا أن يعمل فيه عامل فيكون أولى بإجارته (٢)، وأرى إن سمى لأحدهم مكيلة ولآخرين جزءًا، وقال: يعطى فلان عشرة أوسق وفلان ربع الثمرة، وفلان سدسها، وفلان نصف سدسها كان جميع الأجزاء نصف الثمرة، فإن كان نصف الثمرة عشرة أوسق أخذ كل واحد تسميته، وإن كان جميعها ثلاثين وسقًا كان للموصى لهم بالأجزاء نصف

стр. 3511

الثمرة، وللآخر عشرة، ويرجع خمسة إلى المحبس أو إلى من جعل المرجع إليه. ويختلف إذا كان جميعها أقل من عشرين وسقًا هل يتحاصان، أو يسلم النصف إلى الموصى له، ويكون النقص على أصحاب الأوسق وهو أحسن؛ لأن المحبس أعطى لهذا وجعل الأوسق في النصف الآخر. وإن حبس على معين وقال: من مات منهم فنصيبه في وجه كذا كان كما قال: يصرف إلى ما سمى، ولا ينتظر موت أحدهم، ويختلف إذا قال: فإن انقرضوا رجع ذلك الحبس في وجه كذا، فمات أحدهم وكان المحبس هو الذي يلي السقي والعلاج هل يكون نصيب من مات لبقية أصحابه أو للمحبس حتى يموت أحدهم فيرجع فيما جعل المرجع فيه، أو يجعل من الآن في ذلك، وأرى أن يرجع إلى المحبس حتى ينقرض آخرهم فلا يرجع نصيب الميت إلى أصحابه؛ لأنه جعله بينهم على أعدادهم، ولا يرجع مراجع الأحباس لقوله: فإذا انقرضوا، وذلك بعيدة انقراض جميعهم. فصل [في حكم ما يعمله المحبَّس عليه في الحبس من بناء أو إصلاح] اختلف فيما يعمله المحبس عليه في الحبس من بناء أو إصلاح، فقال ابن القاسم: إن بنى أو أدخل خشبًا أو أصلح قليلًا أو كثيرًا ثم مات ولم يذكره لم يكن لورثته فيه شيء، فإن قال: خذوه كان ذلك لهم وإن قل (١)، وجعل ذلك المغيرة موروثًا، وإن لم يوص بأخذه إلا ما كان لا قدر له (٢).

стр. 3512

قال محمد: أما كل ما يرى أنه أراد به الحبس وإصلاحه، وإتمامه فلا حق له فيه، أوصى به أو لم يوص، وأما (١) كل ذي بال من العمل والبنيان، ومثل المسكن يحتاج إليه يبنيه ناحية من الدار أو الحجرة (٢)، أو ما يرى أنه لم يرد به الحبس من طريق المرمة (٣) فأراه حقًّا لورثته، ورواه أصبغ عن ابن القاسم، وقال عبد الملك: كل (٤) ذلك حبس ولا شيء لبنيه (٥). وأرى أن كل ما لا بال له مثل الخشبة تزاد، وما أشبهها فهي حبس، وإن أوصى به، وما كان له قدر مثل البيت فهو موروث إن وصى به، وإن لم يوص به فلا شيء لورثته فيه؛ لأن أمره فيه مشكل، هل بناه حبسًا أو على وجه الملك، فإذا لم يذكر كان دليلًا على أنه أراد به حبسًا إلا أن يكون مثل ذلك البناء (٦) لا يبنى على وجه الحبس.

стр. 3513

باب في حيازة الأحباس الأحباس تفتقر إلى حوز كالهبات، فإن بقي في يد المحبس ينتفع به أو لا ينتفع به، وأمكنه أن يصرفه فيما حبس فيه، أو غلته فلم يفعل حتى مات كان ميراثًا، واختلف إذا لم يكن إصرافه فيما حبس له حتى مات. والحبس أصناف: صنف لا يصح بقاء يد المحبِّس عليه, ولا يحتاج إلى حائز مخصوص وهي المساجد والقناطر والمواجل (١) والآبار، فإذا خلى بين الناس وبينها صح حبسه, وصنف لا يصح بقاء يد المحبِّس عليه ويتعين حائزه وهو المحبس على معين إذا كان مما ينتفع بعينه كالديار لتسكن والعبيد لتخدم والدواب لتركب، وصنف يصح بقاء يده عليه إذا أنفذه فيما حبسه عليه كالخيل يغزى عليها والسلاح يقاتل بها والكتب ليقرأ فيها، فإذا لم يكن الحبس على معين صح أن يعود إلى يده بعد قبضه. ويختلف إذا لم يأت وقت العادة للجهاد، ولم يطلب الآخذ للغزاة حتى مات المحبس، فقيل: يبطل الحبس ولو كان يركب الدابة إذا عادت إليه ليروضها لم يفسد حبسه, وإن كان يركبها حسب ما يفعل المالك بطل حبسه، وقراءة الكتب إذا عادت إليه خفيف، وإن أنفذ بعض الحبس صح ما أنفذ، وإن قل وهو كحوز الكبير اليسير من صدقة الأب وصنفه مختلف فيه هل يصح بقاء يد المحبس عليه وهو كل حبس على غير معين، والمراد غلاته كالثمار والحوانيت وعبيد الخراج، وهذا الصنف على أربعة أوجه, فإن أخرجه عن يده

стр. 3514

وأقام بحوزه وأنفذ غلاته صح (١). واختلف إذا علم أنه كان ينفذ الغلة في الوجه الذي حبسه له أو كان جعله على يدي غيره وكان هو المخرج لغلاته هل تمضي، فقال مالك وابن القاسم: يبطل الحبس (٢)، وقال مالك أيضًا والمغيرة ومحمد بن مسلمة في المبسوط: الصدقة ماضية، وإن بقي في يديه إذا كان يخرج الغلة. وقال مالك في كتاب محمد: إن أسلم ذلك إلى من يحوزه عنه والمحبس يقسم غلاته بين أهله جاز. وقال: وأباه ابن القاسم وأشهب (٣). وأرى ذلك في الوجهين جميعًا؛ لأنه حبس أنفذ فيما (٤) حبس له، ولم يعد فيه محبِّسُه ولا كان ينتفع به. فصل [في من تصدق بصدقة فلم يقم عليه حتى مرض المصدق] ومن المدونة قال ابن القاسم في من تصدق بصدقة فلم يقم (٥) عليه حتى مرض المتصدق: لم يجز للمتصدق عليه قبضها وكانت ميراثًا (٦). وقد اختلف في موضعين: أحدهما: إذا كان المرض بفور الصدقة هل

стр. 3515

يخرج من رأس المال؟ والثاني: إذا فرط في القبض هل يخرج من الثلث أو يسقط أو يكون له ثلثها؟ فقال مالك مرة: إن لم يفرط في القبض كانت له من رأس المال، وقال مرة: يسقط وإن فرط لم يخرج من رأس المال، قال ابن القاسم: ولا من الثلث. وقال في كتاب العتق الأول في من أعتق نصيبًا من عبد فقيم عليه في المرض أنه يقوم عليه في الثلث، فعلى هذا يخرج الصدقة من ثلثه (١). وقال أشهب في كتاب محمد: يقضى له الآن بثلثها، فإن صح قضى له بقيتها، قال: ولا أرى قول من قال: يجوز له كلها من ثلثه، ولا من قال: لا شيء له منها (٢). واختلف إذا لم يقم عليه حتى مات بفور الصدقة، فقال: يسقط جميعها (٣)، وقال في غير موضع: تصح من رأس المال، فإن فرط لم يصح من رأس المال ولا من الثلث. قال محمد: فلم تخرج من الثلث لأنه سبق فيها حوز الورثة قبل حوز المتصدق عليه بها، وقد صار ما جعل من ذلك لغيره إذ ترك لورثته ولم يستثن ثلثًا ولا غيره. قال: وهو بمنزلة من تصدق بصدقة ثم تصدق بها فقبضها الآخر فهو أحق بها بحوزه. قال: وقال أشهب: قال ربيعة: إن مات المعطي قبل الحوز كان للمعطى ثلثها، وقال ابن شهاب: بل هي للمعطى إن حملها الثلث (٤)، وقول ابن القاسم: "إذا قيم عليه في المرض تكون في الثلث" حسن؛ لأن ثلثه باقٍ على

стр. 3516

ملكه تجوز أحكامه فيه حسب ما كانت تجوز في الجميع في الصحة. فصل [في موت المهدي قبل إهدائه هل تصير هديته ميراثًا ؟] وقال مالك فيما يشتري الناس في حجهم من الهدايا لأهليهم ثم يموت قبل أن يصل (١): فإن كان أشهد على ذلك كانت لمن اشتريت له، وإن لم يشهد فهي ميراث (٢)، وقال في كتاب محمد: فيمن تصدق على ابنته أو امرأته، وهو في سفر بعيد والعبد في يديه على وجه الاختدام ثم مات قبل أن يقدم، قال: إن أشهد من يعلم أنهم يبلغونها فذلك جائز، وإن أشهد من لا يعرف المرأة ولا الولد فلا أدري ما هذا (٣). فأمضى الصدقة للزوجة مع عدم القبض لما لم تكن له تهمة في ترك القبض ولم يكن من المتصدق عليه في ذلك تفريط، واستخف استخدام العبد لما كان باقيًا في نفقته حتى يصل، وعلى قوله إن من شرطها القبض لا تصح للزوجة، وتصح للابنة إن كانت بكرًا أو ثيبًا في ولاية. وقال مالك في الضحايا يشتريها الرجل ثم يموت قبل أن تذبح، قال: إن كان أشهد في شيء منها أنها لأهله فهي له من رأس المال، وإلا فهي ميراث، وأما أضحية نفسه فهي ميراث وإن أشهد؛ لأنه لا يضحى عن ميت، وإن مات بعد أن ذبح أضحيته أو عقيقته لم تبع لدين ولا لغيره، وأما الهدي فإن مات بعد

стр. 3517

أن قلد فهو مثل الأضحية بعد الذبح (١). وقال مالك فيمن بعث بهدية أو صلة لرجل فمات الباعث أو المبعوث إليه قبل أن تصل (٢): رجحت إلى الباعث أو لورثته (٣). قال ابن نافع: لأن صاحبها كان فيها بالخيار. قال مالك: وإن كان أشهد على إنفاذها حين بعثها فهي نافذة، مات الباعث أو المبعوث إليه (٤)، وقال عبد الملك في ثمانية أبي زيد: إن قبضها على وجه الرسالة فلا شيء للمعطى فيها مات المعطي أو المعطى، وإن قبضها على وجه الحيازة للغائب فذلك حوز له. ومن تصدق على غائب وجعلها على يدي غيره ثم مات المعطي، فإن قال له: لا تعطه إياها حتى آمرك -كانت ساقطة، وإن قال: حتى أموت- كانت من الثلث، وإن قال: وصلها إليه، وأَشْهَد له بها، وقال خذها له- مضت من رأس المال، وإن لم يقل خذها عني كانت على الخلاف المتقدم، وإن علم المتصدق عليه، فقال: اتركها عندك- مضت له من رأس المال، واختلف إذا لم يأمر المتصدق بدفعها ولا بحبسها- فقال: ها هنا هي ماضية (٥)، وقال بعد ذلك: هي ساقطة.

стр. 3518

باب في الرجل يشتري صدقته أو هبته أو عريته, والأب يشتري ما تَصدَّقَ به على ولده أو وهبه وقال مالك: ولا يشتري الرجل صدقته من المتصدق عليه ولا من غيره (١)، والأصل في هذا حديث عمر ﵁ قال: حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان له عنده، فأردت (٢) أن أشتريه وظننت أنه بائعه برخص، فقال له النبي ﷺ : "لاَ تَشْتَرِهِ، وإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِى صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِى قَيْئِهِ" (٣). وقال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "لَيْسَ لنا مَثَلُ السَّوْءِ؛ الْعَائِدُ فِى هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِى قَيْئِهِ" (٤). وقد اختلف في خمسة مواضع: أحدها: هل النهي على الوجوب أو الندب؟ والثاني: هل النهي عن الشراء من المتصدق عليه خاصة، أو منه وممن صارت إليه؟ والثالث: هل تدخل في ذلك الصدقات الواجبة كالزكاة؟ والرابع: هل الهبة في ذلك كالصدقة؟ والخامس: هل عطية المنافع كالعرية أو

стр. 3519

العرية كالرقاب؟ فالمشهور من المذهب أن النهي في ذلك على الندب، قال مالك: لا ينبغي أن يشتريها، وقال: يكره (١). وقال الداودي: ذلك حرام. فعلى القول الأول: إذا نزل مضى، وعلى القول الآخر يفسخ، وظاهر ما في كتاب محمد أنه لا يجوز، والأول أحسن؛ لأن المثل ضرب لنا بما ليس بحرام على فاعله؛ لأنه ليس بمخاطب، وقال مالك في كتاب الزكاة: لا يشتري الرجل صدقة حائطه ولا زرعه ولا ماشيته، وذكر عن عمر وابن عمر وجابر أنهم كرهوا ذلك (٢). وقال ابن القاسم في كتاب النذور: كره مالك للرجل أن يشتري صدقه التطوع فهذا أشد كراهية (٣). وقال يحيى بن سعيد: من الناس من لا يرى بذلك بأسًا (٤). وفي البخاري قال طاوس: قال: معاذ لأهل اليمن: إيتوني بعرض من ثياب خميص أو لبيس (٥) في الصدقة مكان الشعير والذرة (٦). واختلف بعد القول ألا يفعل إذا نزل هل يجزئه؟ وأرى أن تجزئ قياسًا على التطوع، وإن كان لا ينبغي ذلك ابتداءً، ولا يتبع نفسه شيئًا أخرجه لوجه الله ، فيرده إلى ملكه، وأعظم لأجره ألا يعود إليه، وقد رَثَى النبيُّ ﷺ سعدَ بن خولة أن مات بمكة في وطنه (٧)؛ لأن موته في الموضع الذي هاجر إليه

стр. 3520

متغربًا- أعظم لأجره. وأما الهبة، فقال مالك في كتاب محمد فيمن حمل على فرس، قال: إن لم يكن للسبيل ولا للمسكنة فلا بأس أن يشتريه (١). يريد: إن لم يكن صدقة. وقال أبو محمد عبد الوهاب: يكره ذلك (٢)؛ لأن الوهوب أو المتصدق عليه قد يستحي فيسامحه فيها، فيكون رجوعًا في ذلك القدر، وهذا أحسن، وليس من مكارم الأخلاق أن يرجع في هبته، وإن كانت الصدقة أبين. وأما إن لم يكن ذلك لرغبة من المتصدق ولا من الواهب، وإنما هو بسؤال من المتصدق عليه أو من الموهوب له- جاز له؛ لأن ذلك يرجع إلى أنه معروف ثانٍ، ومكارمة من المهدي، وقد أُهدي للنبي ﷺ خميصة لها أعلام ثم ردها إلى صاحبها لما ألهته أعلامها في الصلاة (٣)، وكذلك فعل معاذ، لم يكن بحرص من المعطي على بقاء الأول، وإنما كان ذلك طلبًا لرضا المعطى، وقد يستخف هذا في الهبة دون الصدقة. ويختلف في العارية والعرية، وإذا أخدم عبدًا أو أسكن دارًا أو غير ذلك

стр. 3521

من إعطاء المنافع، فقال ابن المواز: كل من تصدق بغلة سنين ولم يبتل الأصل فلا بأس أن يشتري المتصدق ذلك، وإن كان له الأصل، قال: وأبى ذلك عبد الملك واحتج بالحديث في النهي عن الرجوع في الصدقة، وأجاز لورثته أن يشتروا المراجع، قال محمد: والحجة لمالك ما بَيَّنَه رسول الله - صلي الله عليه وسلم - في العرية فهي أعم فيما بتل أصله وأرخص العرية (١). وقول عبد الملك هو الأصل، ولا فرق بين الرجوع في الرقاب أو النافع، وكل ذلك داخل في النهي عن أن يعود في الصدقة، ولم يخص. وأما العرية فإنما أجيزت لأنها على وجه المعروف، يضمنها ويكفيه مؤونتها، فهي معروف ثانٍ. وقيل: على وجه دفع الضرر، والضرورات تنقل الأحكام، وقد أجاز بعض أصحاب مالك في النخلة تكون في الحائط يشتريها بخرصها لدفع الضرر (٢)، ولو اعترف المعري أنه يشتريها لرغبة في الشراء لا (٣) لإرادة معروف ولا لرفع ضرر- لم يجز. وقد تكون العرية على وجه الهبة فيكون ذلك أخف، وقد منع ابن القاسم في المدونة من تصدق بصدقة أن يأكل من ثمرتها أو يركبها أو ينتفع بشيء منها (٤)، فإذا منع أن ينتفع بالغلات كان بَيِّنًا إذا كانت الغلات هي المتصدق بها أن يمنع من الانتفاع بها.

стр. 3522

فصل [في الشيء يجعل لله تم يريد المتصدق نفسه أن يشتريه] واختلف فيمن جعل من ماله شيئًا لله ، وكان مما لا يتصدق بعينه, وإنما يتصدق بثمنه، هل يجوز للمتصدق أن يشتريه؟ فقال مالك في العتبية فيمن قال في دابة أو عبد: أنا أهديه- إنه مخير في ثمنه أو قيمته، ويجعله في هدي (١). وقال في كتاب محمد في امرأة جعلت خلاخلها (٢) في سبيل الله إن شفاها الله ، فصحت، هل تخرجهما أو تحبسهما لتخرج قيمتهما؟ فإنه كان يقال: أنجز لله ما وعدته (٣). وهذا أحسن، والأصل أنه يكره أن يتملك شيئًا جعله لله أو يعود إلى كسبه، ولا فرق بين المسألتين إلا أن يقول المتصدق: نويت الثمن. وقال مالك فيمن تصدق على ولده الصغير بجارية فتبعتها نفسه فله أن يقومها على نفسه (٤). وقال مالك في العتبية مثل ذلك إذا كانت الصدقة بعبد: إن له أن يشتريه (٥).

стр. 3523

وقال في كتاب محمد فيمن تصدق على ابن له بغنم فلا بأس أن يأكل من لحمها ويشرب من لبنها ويلبس من صوفها إذا أعطاه ولده ذلك، ويأكل من ثمرة الحائط، قال ابن القاسم: وكذلك الأم (١)، وقال ابن نافع في شرح ابن مزين: أكره أن ينتفع بصدقته على ولد كانت أو أجنبي، ولا أحب أن ينتفع بشيء منها، وهذا أحسن لعموم قوله ﷺ : "الْعَائِدَ فِى صَدَقَتِهِ" (٢) ولم يفرق، ولأن كل ذلك أراد به وجه الله ، فلا يرجع في شيء منه، وله أن يشتري الهبة؛ لأن له أن يعتصرها بغير شراء فهو في الشراء أخف. فصل [فيمن وهب شيئًا واشترط له شروطًا] وقال ابن القاسم فيمن وهب نخلًا واشترط ثمرها عشر سنين، فإن النخل يسقى بماء الموهوب له- لم يصح؛ لأنه لا يدري هل يَسْلَمُ النخل إلى ذلك الأجل أم لا (٣)، ويجوز الهبة إذا كان السقي على ربها. وقال محمد: ولو طلب أخذ النخل لم يكن ذلك له؛ لأنه قال: لك نخلي هبة بعد عشر سنين (٤).

стр. 3524

وأرى إن قال "هي لك الآن وثمرتها إلى عشر سنين وسقيها" أن يجبر على أن يحوزها إياه الآن، ولو تعدى عليها رجل وقطعها كانت القيمة للموهوب له، وإن قال: هي لك بعد عشر سنين كانت القيمة للواهب. تم كتاب الحبس والحمد لله حق حمده

стр. 3525

كتاب الصدقة والهبة النسخ المقابل عليها ١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١) ٢ - (ق ٢) = نسخة القرويين رقم (٣٧٠) ٣ - (ق ٨) = نسخة القرويين رقم (٣٦٩) ٤ - (ق ٩) = نسخة القرويين رقم (٣٦٩)

стр. 3526

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلي الله علي سيدنا ومولانا محمد وعلي آله وسلم تسليما كتاب الصدقة والهبة (١) باب ما جاء في الصدقة والهبة (٢) نقل (٣) الملك بغير عوض كالصدقة والهبة جائز (٤)، والصدقة ما أريد به وجه الله ، والهبة ما أريد به وجه المعطى، وكلاهما مندوب إليه وغير داخل في قول الله (٥): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. والأصل في الصدقة قول الله : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، وفي الهبة قول الله : ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فحض سبحانه على مكارم الأخلاق بتنزيله فمدحه (٦) فأخبر أنه أقرب للتقوى، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو

стр. 3527

الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى. . .﴾ [النور: ٢٢]. وكان النبي - صلي الله عليه وسلم - يهب ويقبل الهبة (١). ووهب بعيرًا لجابر اشتراه منه (٢) (٣)، ولعبد الله بن عمر بعيرًا (٤)، وقال النبي ﷺ : "لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ" (٥). وقال النبي ﷺ : "تَهَادُوا تَحَابُّوا" (٦). فصل [ما يراعى في الصدقه] ويراعى في ذلك ثلاث أحوال (٧): حال المعطي، وقدر العطية (٨)، وفي من توضع، فأفضل ذلك حال (٩) الصحة، لقول النبي - صلي الله عليه وسلم - وقد سئل: أي الصدقة

стр. 3528

أفضل؟ فقال: "أَنْ تَتَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمَلُ الْغِنَى وَتَخْشَى (١) الْفَقْرَ وَلَا تُمْهِلُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلفُلَانٍ كَذَا. أَلا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ" (٢). وأما القدر فأفضله ما خلف غنى، لقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، قال محمد (٣) ابن جرير الطبري: العفو الفاضل (٤). فأرشدنا الله عندما سئل نبيه ﷺ عن القدر الذي يتصدق به أن يكون الفاضل عما يحتاجون إليه، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ. . .﴾، وفي البخاري ومسلم (٥) قال النبي - صلي الله عليه وسلم -: "لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ" (٦). وقال كعب بن مالك: إن (٧) من توبتي أن أنخلع من مالي. فقال رسول الله ﷺ :

стр. 3529

"أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" (١). وقال سحنون في العتبية: إن تصدق بجل ماله ولم يبق (٢) ما يكفيه ردت صدقته (٣). وقال مالك في كتاب محمد: يجوز أن يتصدق بجميع ماله (٤)، وقد فعله أبو بكر الصديق (٥). والأول أحسن، للقرآن وللأحاديث المروية في ذلك (٦)، وأما صدقة أبي بكر ﵁ فقد كانت لاستئلاف الناس واستنقاذهم من الكفر، وذلك حِيِنئذٍ واجب, ويستحب أن يتصدق من أنفس ماله، لقول الله : ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقياسًا على العتق (٧)، لقول النبي ﷺ حين سئل (٨): أي الرقاب أفضل؟ فقال: "أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عَنْدَ أَهْلِهَا" (٩).

стр. 3530

ويستحب أن يجعل ذلك في أقاربه ثم جيرانه وفي من يستصلح به نفسه، ويرفع به الشحناء، فأما (١) الأقارب فلحديث أبي طلحة، وقد تقدم (٢)، وقال النبي - صلي الله عليه وسلم - لميمونة وقد أعتقت خادمًا لها: "لَوْ أَعْطَيْيهَا أَخْوَالَكِ لَكَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ" (٣). فقدم العطية للأقارب على العتق، وقال: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ فِي أَجَلِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (٤). وقال مالك في كتاب محمد في من أحب أن يعتق عبدًا أو يتصدق به على ابني عمه وهما يتيمان فقال: يتصدق (٥) به عليهما (٦). وأما الجار فلقوله ﷺ لعائشة ﵂ وقالت: يا رسول الله إن لي جارين،

стр. 3531

فإلى أيهما أهدي؟ قال: "لِأَقْرَبِهِما مِنْكِ بَابًا" (١). وقال: "لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لجِارَتِهَا وَلَوْ فِرْسَنِ شَاةٍ" (٢). وجميع هذه الأحاديث أخرجها البخاري.

стр. 3532

باب في هبة المجهول والغرر هبة المجهول والصدقة به ماضية، ويستحب ألا يفعل إلا بعد المعرفة بقدره وصفته خوف الندم بعد معرفته به، فكره مالك في كتاب محمد أن يقول الرجل للرجل (١): اشترِ هذا الفرس وأحملك عليه. ولا يدري كم يبلغ من الثمن، حتى يوقتا له وقتًا (٢). واختلف إن هو فعل ثم تبين أنه (٣) على خلاف ما كان (٤) يظن، فقال ابن القاسم في العتبية في من تصدق بميراثه من رجل (٥) ثم تبين أنه خلاف ذلك إن له أن يرد عطيته، وكذلك (٦) في كتاب ابن حبيب له رد عطيته (٧). وقال محمد بن عبد الحكم: لا رجوع له (٨). وأرى أن يكون (٩) له في ذلك مقال، فيرد الجميع تارة والبعض تارة من غير شرك، وتارة يكون شريكًا، فإن كان الوارث يرى أن الموروث دارا (١٠)

стр. 3533

يعرفها في ملكه فأبدلها الميت في غيبته بأفضل كان له أن يرد (١) جميع العطية إذا قال: كان قصدي تلك الدار. وإن خلف مالًا حاضرًا ثم طرأ له مال لم يعلم به مضت العطية فيما علم خاصة (٢)، وإن كان جميع (٣) ماله حاضرًا وكان يرى أن قدره كذا فتبين أنه أكثر كان شريكًا بالزائد. ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن قال: وهبتك نصيبًا من داري، فليقر بما شاء مما يكون نصيبًا (٤). وهذا صحيح على مراعاة الألفاظ، وأما على مراعاة المقاصد فإن أقر بما لا يشبه أن يهبه مثله لمثله (٥) لم يصدق ويعد نادمًا، فإن رجع إلى ما يشبه وإلا أعطاه الحاكم ما يشبه، وهذا مع دعوى المعطي النية (٦)؛ فإن لم تكن له نية أعطي ما يشبه أن يعطيه لمثله. فصل [في من قال: لكـ في مالي مائة دينار وليس في ماله وفاء] ومن قال: لك في مالي مائة دينار، فلم يكن في ماله وفاء سقط الزائد، وإن قال: لك في ذمتي مائة دينار. أُتبع بالباقي.

стр. 3534

وقال ابن القاسم فيمن قال: وهبتك عشرة أقساط من دهن جلجلان. جاز وعليه عصره، فإن قال: أنا أعطيك (١) من غيره عشرة أقساط. لم يعجبني (٢). وقال أشهب في كتاب محمد: لا يجبر على عصره. والأول أصوب؛ لأنه وهب دهنًا لا جلجلانًا ودفعه دهنًا من غيره على (٣) ثلاثة أوجه، فيجوز أن يعطيه مثل مكيلته (٤) على وجه القرض ليعصر ويستوفي ذلك (٥). فإن ضاع (٦) قبل العصر أو بعد العصر وقبل الكيل رجع على الموهوب له، ويجوز أن يدفع ذلك على وجه البيع ليبقي (٧) له الجلجلان ليس أن يعصره ويستوفي؛ لأنها مناجزة من الآن، ولا يجوز ذلك (٨) على وجه المبايعة ليقبض (٩) ذلك بعد العصر. ومن كان له على ميت دين فقال لورثته: وهبت ديني للميت. أو أسقطته عنه. اقتسم ذلك الدين الورثة على سهامهم، وإن قال: وهبت ديني (١٠) لكم.

стр. 3535

اقتَسَموه بالسواء، الذكر والأنثى والزوجة، إلا أن يقول: أردت أن (١) يكون بينهم على سهامهم. وقال محمد في رجل مات عن ولد وزوجة فاقتسما تركته ثم طرأت زوجة أخرى فقالت: قد صار إلي ميراثي. أو (٢): تركته لكما. فذلك سواء يقتسمانه على المواريث (٣)، وينبغي إذا قالت: تركته لكما. أن يقتسماه بالسواء (٤). وإن طرأ غريم آخر فإن كان الأول قال: وهبت ديني لكم، كان للورثة أن يضربوا بدين الأول ويأخذوا ما ينوبه، وقال محمد بن عبد الحكم: إن قال: أسقطت ديني عن الميت، لم يحاص الورثة بدينه، يريد (٥) إذا كان الميت معروفًا بالدين، وإن لم يكن معروفًا بالدين (٦) وكان الورثة فقراء حمل تركته (٧) على الرفق بالورثة فيتحاصون به (٨).

стр. 3536

باب في الصدقة بالمشاع ومن المدونة قال مالك في من تصدق بنصيبه من دار أو وهبه: ذلك جائز. قال ابن القاسم: والحوز أن يحل محل الواهب يحوز (١)، ويمنع مع شركائه، وكذلك إن وهب نصيبه من عبد (٢) (٣). واختلف إذا كان جميع الدار أو العبد للواهب فوهب نصف ذلك هل تصح العطية مع بقاء يد الواهب على (٤) الموهوب له؟ واختلف أيضًا إذا وهب بعض ذلك لولده الصغير هل يحوز جميعه (٥) لنفسه ولولده؟ فأجاز في كتاب محمد إذا تصدق بنصف عبده أو داره أن تبقى يده مع (٦) المتصدق عليه، قال: ويكون العبد إن كان للخدمة يخدمهما جميعا (٧) يومًا بيوم وعشرة أيام بعشرة أيام، وأجاز في موضع آخر شهرًا بشهر، قال: وإن كان من عبيد الغلة آجراه واقتسما إجارته (٨). وعلى هذا إن كانت الصدقة دارًا للسكنى سكناها شهرًا بشهر وسنة بسنة؛ لأنها مأمونة، وإن كانت دار غلة أو حانوتًا أو حمامًا آجراه واقتسما الإجارة.

стр. 3537

وقال سحنون في كتاب ابنه: الصدقة باطلة، ولا تتم مع بقاء أيديهما عليها (١). وقد تقدم الاختلاف (٢) في الرهن إذا رهن بعض ملكه، هل يصح أن يكون تحت أيديهما؟ والأول أحسن؛ لأن المتصدق عليه والموهوب له قد حاز نصيبه بالسكنى والكراء. وقال مالك في كتاب محمد فيمن تصدق على ولده الصغير، أو على يتيم يلي عليه بمائة من غنمه ولم يفرزها حتى مات، فذلك جائز (٣)، ويكون شريكًا فيها، وله حظه فيها من النماء والنقصان. وقال أيضًا: إن لم يفرزها بأعيانها أو يسميها (٤) لم يجز. قال (٥): وأهل الإبل (٦) يسمون الإبل والغنم كما يسمي أهل مصر الخيل لمشتريها (٧). قال ابن القاسم: فإن سماها جازت إذا عرفت بذلك، وإن كانت غائبة عن الشهود إذا كان في حجره (٨). وقال ابن القاسم أيضًا: يجوز إذا تصدق بعدة من خيله أو غنمه ويكون شريكا (٩).

стр. 3538

واختلف إذا وهب أو حبس على ولده الصغير وعلى أجنبي بعبد أو حائط، فلم يحز الأجنبي حتى مات المعطي، فقال مالك في المدونة (١): الحبس باطل قال: (٢) ولا يعرف إنفاذ الحبس للأصاغر إلا بحيازة الأكابر، وقاله ابن القاسم. وقال ابن القاسم (٣): وكذلك إن وهب لولده الصغير ولأجنبي كبير، فلم يحز الكبير حتى مات الأب فالهبة باطل، وروى علي بن زياد وابن نافع عن مالك أن نصيب الصغير جائز في الهبة والصدقة، وباطل في الحبس، قال: من قِبَلِ أن الصدقة تقسم، وقد قبض عليه من هو جائز القبض له، وأن الحبس إن أسلم إلى من يقبضه له أو للكبير لم تجز فيه قسمة (٤). وقال مالك في كتاب محمد (٥): إن حاز ذلك الأب من العبد (٦) لابنه وعرف أنه أفرزه (٧) ومنع (٨) نفسه من منافعه جاز نصيب الابن. قال: والحبس والصدقة في ذلك سواء (٩). ولا خلاف في نصيب الكبير أو الأجنبي أنه باطل إذا لم يحز ذلك وبقي في يد الأب، وإنما الاختلاف في نصيب الصغيرة فأجيز وأبطل، وأجيز مرة في الصدقة وأبطل في الحبس.

стр. 3539

وكل هذا راجع إلى الاختلاف في هبة المشاع، هل يصح أن تبقى في (١) يد المتصدق والمتصدق عليه جميعًا؟ وعلى (٢) القول بجواز ذلك يصح نصيب الصغير؛ لأنه لو قام الأجنبي بالحوز كانت يد الأب معه على تلك الهبة أو الحبس فهو حائز لولده، وبطل نصيب الأجنبي، لعدم الحوز، وعلى القول ألا يصح في هبة المشاع بقاء يد المعطي مع المعطى يبطل الجميع؛ لأنه لو قام الأجنبي بالحوز لرفعت يد الأب عن الجميع، وجعل جميع ذلك على يد الأجنبي، أو يجعل معه من يحوز للصغير فكان بمنزلة من تصدق على صغير ولده على أن لا يحوز (٣) له وأن يكون الحائز له فلانًا فلم يحز فلان حتى مات الأب، فإن الحبس يرجع ميراثًا بخلاف الصدقة؛ لأن الأجنبي لو قام بالحوز في الصدقة لقال له الأب: أنا أقاسمك أو أبيع معك لولدي، ولا ترفع (٤) يدي؛ لأنه أمر لا يتأخر. وألحق مرة الصدقة بالحبس ورأى أن من حق الأجنبي أن يكون جميعها (٥) على يديه، أو على يدي أجنبي يقاسمه.

стр. 3540

باب فيمن باع عبدًا (١) بيعًا فاسدًا ثم وهبه قال ابن القاسم في من باع عبدًا بيعًا فاسدًا ثم وهبه: فإن لم يفت أخذه الموهوب له ورد البائعُ الثمنَ (٢)، وإن فات لم تجز الهبة فيه (٣). قال مالك: وإن أعتقه البائع جاز عتقه، إلا أن يموت البائع فلا يكون للموهوب له فيه (٤) شيء وإن لم يتغير سوقه (٥). يريد (٦) وإن لم يعتق. وقال محمد: هو أحق به، وإن مات الواهب إذا قام به قبل أن يفوت، وإن لم يقم حتى فات بيد المشتري فلا شيء له فيه (٧). وأرى (٨) إذا وهبه قبل الفوت ورضي المشتري أن تمضي الهبة فيه (٩) جاز وانتقض (١٠) البيع، وصار وديعة في يد المشتري، ولا ضمان عليه فيه (١١) إن هلك أو حدث فيه عيب، فإن قال الموهوب له: أنا أحوزه لك، كان حوزًا ولم يبطله فلس ولا موت، وإن لم يقل ذلك جرت على القولين (١٢) في هبة الوديعة،
следующие страницы →