← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] واختلف في معنى قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ وهو ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فقيل: منكم: مسلم. ومن غيركم: غير مسلم (١). وقيل: من غير قبيلتكم؛ لأنه شرط العدالة في المسلم، فإذا كان ذلك لم تجز شهادة الكافر. وقيل: إنما شرطت العدالة إذا كانت الشهادة في الحضر. والوقف في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ والابتداء من (٢) ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فتجوز للضرورة، وعلى هذا تجوز شهادة المسلم في السفر، وإن لم يكن عدلًا. وقال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فأمر بالإشهاد على الرجعة أو الفرقة (٣) أيهما اختار، فتضمنت الإشهاد على الطلاق، ولأن الرجعة لا تكون إلا عن طلاق، فالإشهاد على الرجعة إشهاد على تقدم الطلاق. وكذلك الإشهاد على الفراق هو إشهاد على الطلاق؛ لأن العدة والفراق لا يكونان إلا عن طلاق. وقال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]. وقال: فيما ينفى به الحد عن القاذف: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤].

стр. 5392

باب في شهادة الأجير لمن استأجره، والغريم لمن له عليه دين والخصم والعدو على عدوه أو ولده (١) ومن المدونة قال ابن القاسم: لا تجوز شهادة الأجير لمن استأجره، إلا أن يكون مبرزًا، وإن كان في عياله لم تجز (٢). وقال سحنون: من ليس في عياله هم الصناع (٣). وأما الذي يصير عمله للذي استأجره، فلا تجوز شهادته له وإن لم يكن في عياله، وإن دفع إليه أجرته. وظاهر قول ابن القاسم: إن المنع إذا كان في نفقته، كانت النفقة بالطوع (٤) أو من الإجارة، والظنة تتعلق بالوجهين جميعًا، إذا كان في نفقته أو (٥) منقطعًا إليه؛ لأنه يخشى إن لم يشهد له أن يصرفه (٦)، وكذلك الأجير المشترك: القَصَّار والطَّرَّاز، يشهد لمن شأنه التجر بذلك؛ لأنه يتهم في شهادته له أن يخصه بأعماله. وتجوز شهادة المستأجر للأجير؛ لأنه هو المتفضل عليه، إلا أن يكون أجيرًا مرغوبًا في عمله ومن يتشاح فيه، وتجوز شهادة الغريم للطالب، والطالب

стр. 5393

للغريم إذا كان الغريم موسرًا، وسواء شهد بمال أو عرض (١)، ولا تجوز شهادة الغريم إذا كان معسرًا، للطالب بمال ولا بعرض ولا غيره (٢)؛ لأنه يتهم أن يشهد لينظره أو يرفق به. وقال ابن حبيب: لأنه صار كأسيره، ولا تجوز شهادة الطالب له بمال، وتجوز بغير مال بعرض أو غيره. وإن كان الغريم موسرًا، إلا أنه ملد مطول، لم تجز شهادة الطالب له بمال ولا غيره، إلا أن يكون الدين يسيرًا، وكل هؤلاء فلقول النبي ﷺ : "لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلاَ ظنينٍ، وَلاَ جَار لِنفْسِهِ، وَلا دَافِعٍ عَنْهَا" (٣). فشهادة الخصم والعدو غير جائزة فكذلك المتاجران. واختلف إذا اصطلحا فقال محمد (٤): الشهادة (٥) جائزة (٦). وقال مطرف وابن الماجشون -في كتاب ابن حبيب-: إن كانت الشهادة بحدثان الصلح لم تجز، وإن طال وامتحن صلحهما، وظهرت براءتههما من دخل العداوة والخصومة، جازت الشهادة (٧). وقال ابن كنانة: في الهجرة إن كانت خفيفة (٨) عن أمر خفيف جازت (٩). وهذا يحسن في المبرز.

стр. 5394

وقال ابن الماجشون: إن سلم عليه ولم يكلمه لم تجز الشهادة (١). وقال سحنون -في كتاب ابنه-: إن كانت العداوة غضبًا لله لجرمه وفسقه فالشهادة جائزة (٢)، وذلك أنّا نشهد على أهل البدع والملل. وهذا أحسن إذا لم يعلم من الآخر منهما (٣)، عند مهاجرته مقابحة بقول أو فعل. وقال ابن القاسم -في أربعة أتوا متعلقين برجل، فشهدوا عليه بالزنا-: لم تجز شهادتهم عليه (٤) لأنهم خضماؤه (٥)، وفي كتاب ابن حبيب: الشهادة جائزة (٦). وهو أحسن لأن أصل (٧) المنازعة من سبب الدين. وقال ابن سحنون عن أبيه -فيمن شهد على رجل، ثم شهد المشهود عليه على الشاهد بعد ذلك بشهرين-: ترد شهادته (٨). وقال أصبغ فيمن شهد على رجل حاضر، فلما أتم الشهادة قال للمشهود عليه (٩) والقاضي يسمع: إنك تشتمني وتشبهني بالمجانين-: لا تطرح شهادته إلا أن تتبين العداوة من قبل (١٠). وطرحها أحسن؛ لأن الشاهد مقر بتقدم ما يوجب العداوة والشحناء، إلا أن يكون

стр. 5395

مبرزا في حاله، بعيد التغير عند الأداء (١)، فذلك أخف. واختلف فيمن كانت عنده شهادة، وكان يذكرها ثم عاداه، واحتيج إلى القيام بها وقبولها، ها هنا أخف إذا كانت قد قيدت. واختلف في شهادة الرجل على ابن عدوه (٢) بمال أو بما لا يلحق الأب منه معرة، فأجازها محمد وإن كان الأب حيًا والابن في ولاء أبيه (٣). وقال ابن الماجشون: لا ترد إذا لم يكن في ولائه، وقال أيضًا: لا تجوز بمال إذا كان الأب حيا (٤). وبمال إذا لم يكن الأب حيًا (٥) يريد وإن كان رشيدًا قال: فإن شهد بعد موته بمال على الصبي جازت، وإن شهد بمال على الأب لم تجز، وإن كان المال صار للولد. وقال ابن القاسم: لا تجوز إذا كان عدو الأب على (٦) الصبي، ويشهد بعد موته ولو كان مثل ابن (٧) أبي شريح وسليمان بن القاسم (٨). واختلف أيضًا إذا شهد على صبي في ولاء عدو الشاهد. فأجازه ابن القاسم (٩). ومنعه مطرف وابن الماجشون؛ لأنه يخرج ما في يدي ولي (١٠) الصبي (١١).

стр. 5396

باب في شهادة الفقير والسائل الفقير أربعة: من لا يقبل الصدقة وفقير (١)، وسائل متكفف، وسائل غير متكفف، وغير سائل فإن أعطي أخذ، فإن كان لا يقبل الصدقة جازت شهادته في القليل، واختلف في الكثير فقيل: تجوز. وقال ابن كنانة: لا تقبل فيما يكثر كالخمسمائة (٢) دينار (٣). يريد إذا كانت بوثيقة؛ لأن العادة (٤) أن يقصد بالوثائق طبقة غير هؤلاء (٥). وأما إن قال سمعته أقر بذلك، فأرى أن تقبل وإن كثر، وكذلك إذا كان منقطعًا في الصلاح، أو ممن اشتهر في الشهادة ويقصده الناس بالكتابة بوثائقهم، فالريبة عنه منتفية وإن كثر المال. واختلف إذا كان متكففًا، فقيل: تجوز في اليسير. وقال ابن وهب -في العتبية: الحسن الحال (٦)، الظاهر الصلاح، يسأل الصدقة مما يتصدق به على أهل الحاجة، أو يسأل الرجل الشريف أن يتصدق عليه، وهو معروف بالمسألة ولا يتكفف الناس-: لم تجز شهادته، إلا أن يكون ممن يطلب الصدقة عند الإمام، أو إذا فرقت وصية رجل، وكذلك المعترض (٧) لإخوانه تجوز شهادته (٨).

стр. 5397

وقال ابن كنانة: إن كان يسأل الناس في (١) مصيبة في مسألة (٢) نزلت به، أو دية وقعت عليه لم ترد (٣) شهادته (٤). وأرى إذا كان ممن لا يسأل وان كان أعطي أخذ أن تجوز شهادته (٥) ولا تجوز شهادة أحد من (٦) هؤلاء لمن عادته رفقه أو يرجو ذلك منه.

стр. 5398

باب في شهادة الزوج لامرأته بالعتق والسيد لعبده بالطلاق والمعتق لمن أعتقه ولا تجوز شهادة الزوج (١) لزوجته بالعتق، وإن كان معه غيره. وإن كان الزوج عبدًا فاختارت نفسها كانت طالقا؛ لأن الزوج مقر أن اختيارها صحيح ولم يجز له إصابتها. واختلف إذا اختارت البقاء على الزوجية، هل يمنع منها، لئلا يرق ولده، أو لا يمنع لأن له حقًا في الإصابة؟ والتعدي من السيد في (٢) حال ثان. وأرى أن يمنع؛ لأن ذلك معونة منه على إرقاقه، وهو المسبب لذلك الباطل، إلا ألا ينزل، أو يعزل العزل البين، وكذلك إذا كان الزوج حرًا فردت شهادته؛ لأنه زوج يختلف في إصابته إياها. وإن شهد السيد لأمته أن زوجها طلقها، أو على عبده أنه طلق زوجته، لم تجز الشهادة؛ لأنه يتهم أن يفرغ أمته وعبده، فإن صدقت الأمة السيد، لم يجز لها أن تمكن الزوج منها (٣)، ولا يأتيها إلا وهي كارهة. وتجوز شهادة المعتق لمن أعتقه، ولا تجوز شهادة الرجل لسيد أبيه، ولا تجوز (٤) لسيد ولده، وشهادته لسيد ولده أبين في المنع؛ لأنه يتهم أن يجر بذلك

стр. 5399

إلى ولده، ورفقًا به (١) فيما للسيد (٢) عليهما من خدمة وغيرها وقال سحنون: لا تجوز شهادة الرجل على سيد ولده أنه باعه أو وهبه. يريد إذا علم ممن هو عنده الإساءة إليه أو يصير إلى من هو أرفق به وإلا فهي جائزة.

стр. 5400

باب في الشهادة بين الأقارب والزوجين والأصهار والصديق ولا تجوز شهادة الوالدين للولد، ولا شهادته لهما، ولا شهادة الأجداد ولا الجدات لولد الولد، ولا شهادته لهم. واختلف في شهادة الأب لأحد ولديه على الآخر، إذا لم يعلم (١) كيف منزلتهما عنده، فأجيز ومنع، لإمكان أن تكون شهادته لأقربهما منه رأفة، ولا تجوز شهادته لصغير على كبير، ولا لسفيه في ولائه على رشيد بمال؛ لأنه يتهم في بقائه تحت يده، ولا لبار على عاق، وتجوز للكبير على الصغير، وللعاق على البار، وهو قول ابن القاسم، إلا أن يتهم في المشهود له، بانقطاع ومحبة وإيثار، وجفوة للآخر (٢)، منع (٣). يريد إن كانا كبيرين وليس من أحدهما عقوق. ومنع سحنون ذلك جملة قال: لما جاء من السنة في منع شهادة الأب (٤). والأول أحسن. ولا ترد شهادة العدل، إلا أن تعتريها تهمة، ولا تهمة في الصفة التي أجازها ابن القاسم. ويختلف إذا كانا صغيرين أو سفيهين، أو صغير وسفيه كبير، هل تجوز شهادته لأحدهما على الآخر، إذا لم يعلم كيف منزلتهما من نفسه؟ واختلف في شهادة الابن (٥) لأحد أبويه على الآخر، فقال مالك -في

стр. 5401

المجموعة، وهو في كتاب محمد-: لا تجوز إلا أن يكون مبرزا في حالة (١)، ويكون ما شهد فيه يسيرًا. قال: والابن يهاب أباه وربما ضربه (٢)، فمنع شهادته للأب لهذا الوجه، وللأم (٣) لإمكان أن يكون ميله إليها (٤) أكثر. وقال ابن نافع: شهادته لأحدهما على الآخر (٥) جائزة، إلا أن يكون الابن في ولاء الأب، أو تزوج على أمه فأغارها، فيتهم أن يغضب لأمه (٦). والأول أبين؛ لأن كثيرًا من الولد يميل إلى أحد الأبوين (٧) أكثر من الآخر، لحنانه ورفقه (٨) به أكثر من الآخر، فلا تحمل شهادته على المضي، لإمكان أن تكون الشهادة لمن هو إليه أميل إلا أن يثبتا أن شهاداته على من هو إليه أميل (٩)، فتجوز كشهادة الأب للكبير على الصغير، ويلزم على قول ابن نافع أن تجوز شهادة الأب، بين الكبيرين أو الصغيرين أو السفيهين، وإن لم تعلم منزلتهما منه، وتجوز شهادة الابن على أبيه بطلاق أمه، إذا كانت منكرة لذلك (١٠). واختلف إذا كانت هي القائمة بالشهادة (١١)، فمنعها أشهب (١٢)، وأجازها

стр. 5402

ابن القاسم جملة من غير تفصيل، لإنكار أو غيره، وهو أبين إذا كان مبرزًا في حالة، وإن شهد بطلاق غير أمه لم تجز، إذا كانت أمه (١) في عصمة أبيه، وأجيزت إذا كانت أمه (٢) ميتة (٣). واختلف إذا كانت حية (٤) مطلقة، فمنعها ابن القاسم، وأجازها أصبغ (٥)، وكل هذا إذا كانت الأجنبية منكرة. واختلف إذا كانت هي القائمة بشهادة الوالدين (٦)، والأم في عصمة الأب، فأجازها أصبغ. ومنعها سحنون بعد أن قال: هي جائزة (٧)، والقياس أن تمنع سواء كانت الأم في عصمة الأب، أو مفارقة أو ميتة، كانت الأجنبية منكرة أو قائمة بالشهادة؛ لأن العادة جارية بين زوجة الأب وربيبها بالعداوة والبغضاء، وإن كانت شابة كان أبين؛ لأنه يخشى ما يكون من ولد فيشاركه في الميراث، ويميل بماله إليها، ويرضي أمه بفراقها إن كانت حية، وإن كانت الأم مفارقة.

стр. 5403

فصل [في شهادة الأخ لأخيه] شهادة الأخ لأخيه على سبعة أوجه: في الأموال وفيما ليس بمال، وهو مما يدرك (١) في مثله في الحمية والغضب (٢)، أو ما يدفع بها عن نفسه معرة، أو يكسب بها جاهًا ومنزلة (٣)، أو تعديله إياه وتعديله من شهد له، وتجريحه من جرحه (٤)، وتجريحه من شهد عليه، وتجريحه من جرح من شهد له، فلا تجوز شهادته له (٥) في ثلاث: فيما يدرك في مثله الحمية والغضب له (٦)، ولا فيما يكسب بها حظوة ومنزلة، ولا فيما يدفع بها معرة. واختلف في شهادته له في الأموال (٧) على أربعة أقوال: فقيل جائزة، وقيل: لا تجوز. وقيل: إن كان حوزًا (٨) جازت وإلا لم تجز. وقيل: تجوز في اليسير دون الكثير. وأرى أن ترد في الكثير الذي يؤدي إلى شرفه، ولا ترد في الوسط إذا كان مبرزا، ولا في اليسير مع عدم البروز، إلا أن يكون قد جرى (٩) بين الأخ المشهود له والمشهود عليه، شنآن ومقابحة وما تدرك في مثله الحمية

стр. 5404

والغضب (١)، فلا تجوز بحال. وإن كان أحد الأخوين في نفقة الآخر، لم تجز شهادة المنفق عليه للمنفق. ويختلف في شهادة المنفق على المنفق عليه حسبما تقدم، إلا أن تكون نفقته عليه لفقره (٢)، ولئلا تدركه في ذلك ضيعة أو معرة، فلا تجوز؛ لأنه يدفع عن نفسه (٣) بشهادته مؤنة الإنفاق أو معرة الترك، وإن شهد له بتزويج امرأة وأنكرت، فإن كان يشرف بمثلها (٤)، أو علم تعلق نفسه بها، أو لها يسار والمشهود له فقير، لم تجز، وإن عريت عن هذه الوجوه التي يتهم في مثلها، جرت على الخلاف المتقدم في الشهادة بالمال فتجوز وتمنع، وتجوز بشرط البروز وتمنع (٥) مع عدمه، ولا تجوز شهادته أن فلانًا قذفه؛ لأنه يدفع بها معرة. ويختلف في شهادته في جراح الخطأ؛ لأنها مال حسبما تقدم في الشهادة بالمال. واختلف في شهادته في جراح العمد، فالمعروف من المذهب المنع؛ لأنه مما يدرك في مثله الحمية. وأجازها أشهب في العتبية (٦). والأول أحسن. وقال -في كتاب محمد-: تجوز شهادته أن فلانًا قتل أخاه، إذا كان الولي والوارث غيره (٧). قال أصبغ: وفيه اختلاف (٨)، قال (٩) وهذا أحب إلينا. وأجاز الشهادة

стр. 5405

في مثل (١) العمد، وإن كان مما تدرك فيه (٢) مثله الحمية؛ لأن المثل (٣) موجود، ولابد أن يكون هناك قاتل، إلا أن يكون قوم يلطخون بالقتل غير القاتل، لئلا يبطل دمه فلا تجوز الشهادة، وكل موضع تمنع (٤) فيه شهادة الأخ لأخيه (٥)، فلا يجوز تعديله من (٦) شهد له بذلك، ولا تجريحه من جرح شاهده به، ولا تجريح من شهد عليه، بما إذا (٧) ثبتت الشهادة أدى إلى عقوبة الأخ أو حده أو قتله (٨) أو قطعه. واختلف إذا كان الأخ هو الشاهد، هل يجوز تعديل أخيه له؟ وأن لا يجوز أصوب؛ لأن ذلك مما يزيده شرفًا ويدفع عن نفسه (٩) معرة، وهذا إذا شهد بمال أو بما لا (١٠) يؤدي إلى عقوبة الأخ إذا لم تثبت شهادته، وإن شهد في زنا أو غيره، مما يلزمه إذا لم تثبت شهادته حد أو عقوبة لم تجز. ولا يجرح من جرح أخاه في زنا أو غيره (١١)؛ لأنه يدفع به معرة وهو في هذا بخلاف التعديل. قال محمد: وإن جرحه بهجرة أو عداوة جاز (١٢)، يريد بخلاف الجرحة بالإسفاه. قال

стр. 5406

محمد (١): ولا يجرح من جرح عمه (٢)؛ لأنه يدفع عن نفسه عيب من هو وجهه ولسانه، وأجاز ذلك في ابن الأخ وابن العم (٣). وأرى أن لا يجوز تجريحه لأحد هؤلاء، الأخ وابن الأخ والعم وابن العم، وإن كانت الجرحة بالعداوة والهجران؛ لأن رد الشهادة وصمٌ على الشاهد في الجملة، وهو مما تدرك به الحمية، ولأن مضمون رد الشهادة، وإن كانت من ناحية العداوة، أنه يتهم أن يكون شهد بزور وباطل لأجل ما بينهما. فصل [في شهادة الأقارب والأصهار والأصدقاء] وشهادة الرجل (٤) لابن أخيه ولعمه وابن عمه بالمال جائزة، ما لم يكن الشاهد في نفقة المشهود له، ولا تجوز فيما تجمعهم فيه الحمية والغضب (٥)، ولا فيما يدفع معرة أو يجتلب فيه شرفًا، وهم في هذا الوجه كالأخ. وقال ابن القاسم -في كتاب الديات-: إذا أقر أنه قتل فلانًا خطأً، قال: إن كان الذي أقر له (٦) ممن يتهم أن يكون أراد غنى ولده، مثل الأخ والصديق لم يقبل قوله. ورأى أنه مال كثير يشرف به، فلم تجز الشهادة لولد الأخ ولا لولد الصديق، فآباؤهم أحرى أن لا تجوز.

стр. 5407

وقال ابن كنانة -في كتاب ابن سحنون-: تجوز شهادة الرجل لأخيه وابن أخيه ولعمه، في الأمر اليسير من الدراهم والثوب، وكذلك الرجل المنقطع إلى الرجل (١)، ولا تجوز شهادة أحد الزوجين للآخر بمال ولا غيره، مما يدفع به معرة أو يجتلب به شرفًا. واختلف في شهادة الأصهار، فقال ابن القاسم -في العتبية (٢) -: لا تجوز شهادة الرجل لزوج ابنته، ولا لزوجة ولده (٣). وقال ابن كنانة -في كتاب ابن سحنون-: ولا تجوز لابن امرأته، ولا لزوجة ولده إلا أن يكون الشيء اليسير (٤). وقال سحنون: تجوز شهادة الرجل لزوج ابنته، ولأبويه ولابن امرأته (٥) ولأبويها، إلا أن تكون الزوجة ممن ألزم السلطان ولدها (٦) النفقة عليها، لفقر الزوج (٧). ووقف الشهادة في جميع هؤلاء أحسن، إلا أن يكون المبرز في العدالة، المنقطع في الصلاح والخير. فيستخف في أبوي امرأته، وأبوي زوجة ابنه (٨)، وكل من لا تجوز الشهادة له، فلا تجوز الشهادة لعبده (٩) بمال.

стр. 5408

ويختلف في شهادة الصديق الملاطف (١)، فقال مالك (٢): الشهادة (٣) جائزة إذا كان لا يناله معروفه ولا صلته (٤). وقال ابن كنانة: تجوز في اليسير (٥)، ولا تجوز شهادة الملاطف للملاطف في المال ولا غيره، وتجوز شهادة (٦) غير (٧) الملاطف على الملاطف في المال وغيره.

стр. 5409

باب في شهادة البدوي على الحضري شهادة البدوي بين الحضريين، جائزة في القذف والجراح والقتل، وما أشبه ذلك مما لا يقصد في مثله الإشهاد، وتجوز في الأموال والنكاح وغيرهما، إذا لم يستشهد وقال مررت بهما، أو كنت جالسًا في موضع فسمعته أقر له بكذا، أو باع منه سلعة، أو جرت منازعة في نكاح فاعترف أحدهما بالعقد، ولا تجوز في الوثائق ولا في الصدقات، ولا فيما يقصد فيه (١) الاستعداد بالشهادة لما بعد اليوم؛ لأن ذلك ريبة أن يعدل عن أخذ حظوظ أهل الموضع، والاستعداد بشهادتهم إلى مثله (٢)، إلا أن يعلم أنه مخالط لهما (٣)، أو يكون جميعهم سفرًا، وكذلك شهادته بين حضري وبدوي لا تجوز، إلا حسب ما تقدم ذكره (٤) بين الحضريين، إلا أن يكون البدوي من قرية (٥) الشاهد، فيشهد بمداينة كانت في قريته، أو في الحاضرة إذا كان معروفًا بالعدالة، وممن يعدل في المداينة على مثله.

стр. 5410

باب في شهادة النساء في الولادة والاستهلال، وما يقتصر فيه على الرجال أو على النساء، أو تجوز فيه شهادة الجميع وقال مالك -في شهادة امرأتين في الاستهلال-: جائزة (١). قال محمد: بغير يمين (٢). فيورث ويرث، فأجاز في هذا شهادة امرأتين بانفرادهما، وأقامهما مقام رجلين لما كان ذلك مما لا يحضره الرجال، والشهادة تختلف في العدد (٣)، واختصاصهما (٤) بالرجال ودخول النساء فيها، والأيمان، واختلاف المشهود فيه، وموضعه من الحرمة، لقول الله في آية الدين: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأجاز شهادة النساء في الأموال، وقال في الطلاق والرجعة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ولم يجعل (٥) للنساء في ذلك مدخلًا. وقال في الزنا: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وقال في الآية الأخرى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، ففاضل بين الشهادات لاختلاف حرمة المشهود فيه، والمشهود فيه على ستة عشر قسما: فالأول: الشهادة على الأموال في (٦) البيع (٧) والقرض (٨) والقراض، والوديعة والإجارة والكفالة بالمال، ودية الخطأ والعمد

стр. 5411

إذا كان لا قود فيه. والثاني: الشهادة على النكاح والطلاق والرجعة والإحلال والإحصان، والعتق والولاء والنسب، والسرقة والفرية. والثالث: الشهادة على مال وهي تؤول إلى ما ليس بمال، مما يتعلق بالأبدان من عتق أو طلاق، كالشهادة للمكاتب أنه دفع كتابته، وأن فلانًا باع عبدًا من أب العبد، أو ابنه أو أنه باع أمة من زوجها. والرابع: الشهادة على ما ليس بمال ولا يتعلق بمال (١)، والمستحق به مال كالشهادة على الوكالة بمال، والنقل عمن شهد بمال، والشهادة على كتاب القاضي، إذا كان متضمنه مالًا، وعلى النكاح بعد موت الزوج أو الزوجة، أو على ميت أن فلانًا أعتقه، أو على نسبه أنه ابن فلان أو أخوه، إذا لم يكن هناك أحد ثابت النسب. والخامس: الشهادة على التاريخ بما يتضمن مالًا، وهي تؤول إلى ما يتعلق بالأبدان، كالشهادة (٢) على التاريخ لمن حلف بطلاق زوجته، أو بعتق عبده ليقضين فلانًا حقه رأس الشهر، فشهد بعد الأجل أنه قضى قبله، وعلى من أعتق عبده أن عليه لفلان دينًا قبل العتق، ولمن وطء أمة أنه ابتاعها من سيدها قبل ذلك. والسادس: الشهادة على قتل (٣) العمد. والسابع: الشهادة (٤) على جراح العمد. والثامن: الشهادة على الزنا. والتاسع: الشهادة على الإقرار بالزنا (٥)، وعلى كتاب القاضي بالزنا وأن القاضي حد فلانًا في الزنا، أو على معتق أن سيده كان (٦) تبرأ من زناه في حين بيعه (٧).

стр. 5412

والعاشر: شهادة النساء على ما لا يحضره غيرهن، كالولادة والاستهلال والحيض وعيوب الفرج والرضاع. والحادي عشر: شهادتهن على من شهد منهن بمثل ذلك. والثاني عشر: شهادتهن فيما يقع بينهن في الصنيع والمأتم والحمام من الجراح والقتل. والثالث عشر (١): ما يقع بين الصبيان والصبيات من الجراح والقتل. والرابع عشر: الترجمان والقائف والطبيب، ومقوم العيب والقاضي ومكشفه، يسأل الرجل عن التعديل أو التجريح، إذا لم يأت على وجه الشهادة. والخامس عشر: الشهادة على الاستفاضة. والسادس عشر: الشهادة (٢) على السماع، وكل هذه مختلفة الأحكام. فأما الشهادة على الأموال فتستحق بأربعة أوجه: بشهادة رجلين وبرجل وامرأتين وبرجل ويمين وبامرأتين ويمين (٣). وأما النكاح وما ذكر معه فيستحق بوجه واحد، بشهادة رجلين ولا مدخل فيه (٤) للنساء، ولا يستحق بشاهد (٥) ويمين، إلا السرقة فيصح أن يستحق بما يستحق به المال؛ لأنها تتضمن حقين، حقا لآدمي وهو المال المسروق، وحقا لله -تعالى- وهو القطع، فلا يستحق القطع إلا برجلين، فإن شهد رجل وامرأتان استحق المال ولم يستحق القطع (٦)، وإن شهد رجل وامرأتان حلف واستحق المال ولم يقطع (٧).

стр. 5413

وأما الشهادة على مال، إذا كانت تؤول إلى غير مال، فإنما تجري على الأصل في الشهادة على المال، ولا يغير ذلك ما يؤول إليه، فإن شهد رجل وامرأتان لمكاتب أنه دفع كتابته لسيده، أو لرجل أنه باع أمته من أبيها أو من زوجها، جازت الشهادة وأعتق المكاتب والأمة على أبيها، ووقع الفراق بين الزوجين. واختلف إذا شهد رجل وامرأتان على رجل، أنه أوصى بخمسين دينارًا يشتري بها رقبة فتعتق. فقال محمد: لا تجوز الشهادة؛ لأنها إن اشتريت لم أقدر على (١) أن أنفذ عتقها إلا بشهادة رجلين، وإن شهدوا بذلك لعبد (٢) رجل بعينه، أجزت الشهادة وزدت لصاحبه مثل ثلث ثمنه، إن لم يشهدوا على ثمن مسمى (٣). وقال مالك -في النوادر فيمن أوصى بشراء رقبة بعينها، أو بغير عينها وشهد على ذلك رجل وامرأتان-: أن الشهادة جائزة، كما لو شهدوا أنه قال بيعوا عبدي فلانًا رقبة، أي (٤): للعتق (٥). وأما الشهادة على ما ليس بمال، والمستحق بها مال، كالوكالة وما ذكر معها فاختلف فيها، فأجراها ابن القاسم على حكم الشهادة على المال، لما كان المستحق بها مالًا، وأبقاها أشهب وعبد الملك على الأصل؛ لأنها ليست على

стр. 5414

مال، كالنكاح وما أشبهه (١). فإن شهد رجل وامرأتان على نكاح (٢)، بعد موت الزوج أو الزوجة، أو على ميت أن فلانًا أعتقه، أو على نسب أن هذا ابنه أو أخوه، ولم يكن له وارث ثابت النسب، صحت الشهادة على قول ابن القاسم، وكان له الميراث، ولم تجز على قول أشهب؛ لأنه قال: لا يستحق الميراث إلا بعد ثبات الأصل بشهادة رجلين، فإن ثبت ذلك ثم شهد واحد، أنه لا يعلم له وارثًا سوى هذا، جازت واستحق المال. وأجاز ابن القاسم شهادة رجل وامرأتين على الوكالة، وعلى النقل عن شهادة رجلين، ومنع ذلك عبد الملك وسحنون وقالا (٣): كل موضع لا يجوز فيه شاهد ويمن، فلا تجوز فيه شهادة النساء، داذا لم يكن للنساء في ذلك مدخل لم تجز إلا بشهادة رجلين (٤). فصل (٥) [في الشهادة على التاريخ] وأما الشهادة على التاريخ، فاختلف فيها على (٦) نحو الاختلاف على (٧) ما ليس بمال والمستحق بها مال، فمن ذلك الرجل يحلف بالطلاق ليقضين فلانًا حقه لأجل سماه (٨)، مضى الأجل ثم ادعى أنه قضاه قبل الأجل، فرأى (٩) مالك

стр. 5415

أن الطلاق قد وقع بمضي الأجل (١)، فلا يرتفع حكمه إلا بما يقع به (٢)، وهو شهادة رجلين، ورأى مرة أنه يسقط بسقوط الدين، إما بإقرار الطالب بالقبض، أو يمين المطلوب عند نكول الطالب، أو بشاهد ويمين، وكذلك إذا شهد أربعة على رجل، أنه وطئ أمة فلان، فزعم الواطئ أنه اشتراها من سيدها، فلم ير ابن القاسم عليه حدًا متى ثبت الملك، إما بإقرار السيد بتقدم الشراء، أو بشاهد ويمين، أو بيمين الواطئ عند نكول السيد. وقال أشهب: يحد ولا يسقط الحد إلا بشهادة رجلين (٣)، ولا يسقط بإقرار السيد ولا بشاهد ويمين، واستحسن إذا شهد رجل وامرأتان بتقدم الشراء، أن يدرأ الحد، وكذلك إذا أعتق رجل (٤) عبده، ثم أقام رجل شاهدًا بدين قبل العتق، و (٥) أنه كان ابتاعه منه، فاختلف هل يرد العتق إذا حلف المشهود له؟ فهذا كله أصل واحد. فقيل: الشهادة على تقدم ذلك شهادة (٦) على مال فتمضي كالأول. وقيل: هي شهادة على وقت والوقت ليس بمال، والطلاق والعتق والوطء ليس بمال. وأرى أن لا يطلق على الزوج؛ لأن القيام بالطلاق والطلاق (٧) ها هنا من باب النهي عن المنكر، والشبهة التي تقدمت في القضاء (٨) تمنع من أن يقطع أنه

стр. 5416

على منكر، ولا يحد الآخر؛ لأن ذلك شبهة يدرأ بها الحد. وقال مالك -في الموطأ-: لو ادعى رجل على رجل (١) أنه أعتق عبده بدين، وبينهما مخالطة فنكل المدعى عليه، وحلف الآخر فثبت حقه (٢) لرد عتق (٣) العبد (٤). وقال ابن القاسم لا (٥) يرد العتق (٦). وهو أبين وليس بمنزلة من أقام شاهدا بدين على من أعتق عبده (٧). وأما العبد (٨) فإنه يستحق بشهادة رجلين، ولا يستحق بشهادة رجل وامرأتين، ويستحق بشاهد واحد والقسامة (٩)، إذا كان عدلًا والشاهد ها هنا لوث. واختلف عن مالك إذا لم يكن عدلًا، فقال -في المدونة-: لا يقسم معه (١٠). وقال -في كتاب محمد-: يقسم معه (١١). والأول أحسن، ولا يراق دم مسلم بغير عدل.

стр. 5417

واختلف في (١) شهادة النساء بانفرادهن، هل تكون لوثا؟ فقال مرة: ليست بلوث، وقال مرة: يقسم مع امرأتين. وروى أشهب عن مالك (٢) في كتاب محمد أنه قال (٣): يقسم مع المرأة (٤) الواحدة (٥). وقال أبو مصعب: يقسم مع جماعة النساء والصبيان، والقوم ليسوا بعدول. وأرى أن يقسم مع شهادة امرأتين عدلتين؛ لأنهما يوجبان من اللطخ ما يوجبه الشاهد العدل، ويقسم مع الجماعة كما قال أبو مصعب، وإن لم تكن عدالة (٦)، إلا أن تكون هناك تهمة في شهادتهم (٧) على مواطأة (٨) في ذلك، وهذا مما (٩) يعرف عند النزول. وأجاز ربيعة في المجموعة القسامة مع شهادة الصبي والذمي (١٠). وليس بحسن. وأجيز في كتاب محمد القسامة (١١) مع شهادة (١٢) السماع المستفيض، وإن لم تكن الشهادة على المعاينة، قال: مثل ما لو عدا رجل على رجل، علانية في مثل سوق الأحد (١٣)، وما أشبهه من كثرة الناس والغاشية، فقطع من حضر عليه

стр. 5418

الشهادة. فرأى بعض أهل العلم إذا كثر هكذا (١) وتظاهر أنه (٢) لوث يوجب القسامة، وبقية هذا القسم في كتاب الديات. وأما جراح العمد فاختلف فيها على ثلاثة أقوال: فأجاز في كتاب الأقضية قطع اليد بشاهد ويمين، وهذا قياس منه على القتل (٣). وقال -في كتاب الشهادات-: كل جرح لا قصاص فيه كالجائفة والمأمومة، فإنما هو (٤) مال فلهذا جاز فيه شاهد ويمين. وهذا اختلاف قول منه؛ لأنه لم ير اليمين مع الشاهد إلا عند عدم القصاص. وقال سحنون: كل جرح فيه قصاص، فشهادة رجل ويمين الطالب يقتص به (٥). وقيل: يجوز بشاهد ويمين فيما صغر من الجراح، ولا يجوز فيما كثر (٦). ووجه هذا القول أن الشهادة مبنية على الجرح، فما كان له قدر وبال ألحق بالحدود. وقد اختلف في مثل هذا فقيل: فيما كان من الشتم دون القذف، يجوز فيه شاهد ويمين ويعاقب المشهود عليه لما كان في الحرمة دون القذف. وقيل: لا يجوز إلا (٧) بشهادة رجلين؛ لأنه مما يتعلق بالبدن. فعلى القول أنه يقتص بشاهد ويمين، يقتص بشهادة رجل وامرأتين.

стр. 5419

فصل [في الشهادة على الزنا ووجه ثبوتها] وأما الشهادة على الزنا (١)، فإن كانت على المعاينة (٢) لم تقبل أقل من أربعة، إذا أتوا معًا وأخبروا عن موطن واحد ووطء واحد (٣)، وكانت الإصابة على الطوع. وإن كانت الشهادة أنهما أكرها، كانت الشهادة (٤) على قولين: فعلى القول أن الرجل يحد مع الإكراه، لم يجز أقل من أربعة، ومن قال لا حد عليه يجزئ في ذلك شهادة رجلين. وفائدة الشهادة ما تستحقه المرأة من الصداق على الرجل، أو على المكره. وفي كتاب الرجم ذكر البينة تأتي مفترقة فتخبر عن موطن واحد، أو مجتمعة وتخبر عن موطنين، والاختلاف في ذلك، أو تختلف فيقول بعضهم أصابها طائعة، ويقول (٥) بعضهم: أصابها مكرهة. فصل (٦) [الشهادة على الإقرار بالزنا إذا رجع المقر] وأما الشهادة على الإقرار (٧) بالزنا (٨)، إذا رجع ولم يأت بعذر، على القول

стр. 5420

بحده وما ذكر معه فقيل: يقبل في ذلك شهادة رجلين، ويحد المقر المشهود عليه (١). وقيل: لا يقبل في ذلك إلا أربعة. قال محمد: إن شهد شاهدان على كتاب القاضي (٢) بالزنا، يقام الحد على المشهود عليه (٣)، إذا ثبت عند الأول بأربعة (٤). وفي كتاب ابن سحنون: لا يقام الحد إلا أن يشهد أربعة على كتاب القاضي (٥). وقال محمد -فيمن قذف رجلًا وأقام شاهدين، أن فلانًا الوالي ضربه الحد (٦) بشهادة أربعة- قال: يحد القاذف والشاهدان، إلا أن يقيم أربعة على فعل القاضي، قال: وهو قول مالك، قال مالك: قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] (٧) يريد أنه يشهد بحده أربعة، فلا يسقط عن القاذف الحد إلا بأربعة على حد القاضي. وقال في كتاب ابن حبيب: يحد القاذف ولا يحد الشاهدان، قال: لأنهما لم يشهدا على رؤية (٨)، وإنما شهدا على فعل غيرهما (٩). وقال أبو مصعب: لا حد على القاذف؛ لأنه خرج مما قال: فلا يحد القاذف (١٠) ولا الشاهدان. قال عبد الملك: وكذلك لو أقام القاذف أربعة،

стр. 5421

شهدوا (١) أن سيده إذ باعه تبرأ من زناه (٢)، قال: ولو شهد أقل من أربعة، لم أر على الشهود (٣) حد الفرية؛ لأنهم لم يشهدوا على رؤية (٤)، وإنما مخرج شهادتهم على وجه الشهادة. يريد أن الحد على القاذف دون البينة، إذا كانوا أقل من أربعة، وأرى أن يقام الحد بشاهدين في الإقرار وفي كتاب: محمد (٥) القاضي، وإنما يكون الأربعة في المعاينة حسبما ورد القرآن، فإن لم (٦) تكن معاينة جرت الشهادة على الأصل في (٧) الإقرار، فيحد المقر إذا لم يأت بعذر (٨)، ولا يحد القاذف إذا أتى بشاهدين على الإقرار أو على حد القاضي. واختلف إذا شهد شاهدان على الزوج بطلاق الثلاث، وأنكر الزوج الطلاق واعترف بالوطء، أو شهد على السيد بعتق أمته، فأنكر واعترف بالوطء (٩)، هل يحد؟ أو شهد شاهدان بالغصب لهذه الأمة، فاعترف بالوطء وأنكر الغصب، هل يحد الواطئ؟ لأن الشهادة ليست على معاينة الوطء فأشبهت الإقرار، فعلى القول أن الحد يقام على المقر بشاهدين يحد هؤلاء،

стр. 5422

وعلى القول الآخر (١) لا يحدون إلا أن يشهد أربعة على الأصل. وقال أشهب -في كتاب محمد-: لا يقام الحد على السيد، لإمكان أن يكون نسي العتق، وإن شهد أربعة بالطلاق وهو مقر بالوطء حد. وروى علي بن زياد عن مالك، فيمن شهد عليه أربعة بطلاق البتة، وأنهم رأوه يزني بها بعد ذلك (٢)، أو كان مقرًا بالمسيس-: يفرق بينهما ولا حد عليه (٣). قال سحنون: وأصحابنا يأبون هذه الرواية، ويرون عليه الحد (٤). ومحمل (٥) قول مالك على مثل ما في كتاب محمد، أنه يحتمل أن يكون نسي، والنسيان يحسن إذا كان الطلاق والعتق بيمين فيحنث. وأما إذا كان ابتداء بغير يمين فليس يحمل فيه (٦) أحد على النسيان. واختلف إذا أنكر العتق والطلاق والإصابة، فشهد عليه شاهدان بجميع ذلك. فقال عبد الملك -في كتاب محمد فيمن شهد عليه شاهدان، بطلاق امرأته البتة وأنه زنى (٧) بها بعد ذلك، أو أنه أعتق أمته ثم زنى بها-: لم تجز الشهادة، قال: لأني إن أجزتها أوجبت عليه (٨) الحد، وشهادة المحدود لا تجوز في طلاق ولا عتق، فصارت المرأة زوجة على حالها والأمة رقيقًا، ولأن من

стр. 5423

قذف رجلًا بامرأته أو (١) أمته، فقال: زنيت (٢) كان كاذبًا ولم يكن قاذفًا، قال محمد: وفيه اختلاف؛ لأن من قول ابن القاسم إن شهادة القاذف جائزة حتى يقام عليه الحد (٣). يريد أنه يقضى عليه بالطلاق والعتق، ثم يكون النظر في القذف، فقد يوجب عليهما الحد أو يسقط (٤)، لإقرار الآخرين أن الزوجة والملك باق على حالة. وقال أصبغ -في العتبية-: لا تجوز شهادتهما ويحدان (٥). قال محمد: ولو قال الزوج طلقت وما أصبت، وقال السيد أعتقت وما أصبت، حد الشاهدان (٦). فصل [في انفراد النساء بالشهادة] فأما شهادة النساء بانفرادهن، فتجوز فيما لا يطلع عليه الرجال، قال محمد (٧): تجوز شهادة (٨) امرأتين بغير يمين، إذا كانتا عدلتين فيما لا يطلع عليه الرجال (٩)، كالولادة والاستهلال والسقط، وعيوب الفرج في الإماء

стр. 5424

والحمل (١) والحيض والرضاع (٢). قال أصبغ: وما تحت الثياب والشهادة في الولد على ثلاثة أوجه: على نفس (٣) الولادة، وعلى الاستهلال، وعلى أنه ذكر، فتجوز شهادتهما على الولادة مع وجود الولد، أن هذه ولدته. واختلف إذا لم يكن الولد موجودًا، فأجازها ابن القاسم (٤). ومنعها ربيعة وسحنون (٥). وأرى إن كانت المناكرة بقرب الولادة أن لا تقبل الشهادة؛ لأنه يقدر على إظهاره وإن كان مقبورًا، وإن كانت الشهادة بعد طول الأمد، وإنما احتيج إليها الآن عند قدوم من أنكر الولادة، أو قالت الأم كنت مقرًا به وجحدت الآن، كانت الشهادة (٦) جائزة، وإن شهدتا (٧) على الاستهلال، جازت الشهادة إذا كان البدن حاضرًا (٨)، إلا أن يقال إن مثل ذلك لا يستهل؛ لأنه لم يتم خلقه، وإن لم يوجد البدن (٩) عاد الخلاف المتقدم، إلا أن يكونا متفقين على الولادة، وإنما الخلاف في الاستهلال فتقبل الشهادة وإن عدم الولد. واختلف إذا شهدتا على (١٠) أنه ذكر على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم:

стр. 5425

يحلف المشهود له مع شهادتهما ويستحق (١). فأقامهما (٢) ها هنا (٣) مقام شهادة رجل (٤)؛ لأن كونه ذكرًا مما يطلع عليه الرجال والنساء، وهي شهادة على ما ليس بمال يستحق بها مال. وقال أشهب: لا تجوز شهادتهن (٥). ومر في ذلك على أصله في الشهادة على ما ليس بما يستحق بها مال (٦)، وقد تقدم. وقال أصبغ: إن فات أمره بالدفن وطال مكثه، حتى لا يمكن إخراجه، لتغيره، نظرت فإن كانت فضل (٧) ذلك المال ترجع إلى بيت المال، أو إلى العشير (٨) البعيد أجزت الشهادة (٩)، وإن كان يرجع إلى بعض الورثة دون بعض، أخذت بقول أشهب، قال محمد: وذلك (١٠) سواء (١١)؛ لأن حق بيت المال كحق أقرب الورثة، ولو (١٢) عدمت البينة ومات رجل عن زوجة حامل وبنت وعاصب، فوضعت الزوجة وقالت البنت (١٣) والزوجة كان غلامًا، وقال العاصب كانت

стр. 5426

أنثى، فعلى قول الزوجة والابنة تكون الفريضة من أربعة وعشرين، للابنة من ذلك أربعة عشر سهمًا، منها (١) سبعة عن الأب وسبعة عن الأخ، وللزوجة الثمن عن الزوج وهو ثلاثة، والثلث عن الولد وهو خمسة إلا ثلث، والباقي على قوليهما للعاصب وهو سهمان وثلث. وعلى قول العاصب إنها أنثى يكون للزوجة الثمن وهو ثلاثة (٢)، وللابنتين الثلثان فذلك تسعة عشر، والفاضل على قوله عن الزوج (٣) خمسة، وعن الابنة سهم وثلث، الجملة ستة وثلث (٤)، وقد قبض بتسليم الورثة الأم والبنت سهمين وثلثًا، فالمتنازع فيه على قولهم أربعة إلا ثلثًا (٥)، يتحالفون فيها تقسم بينهم (٦) على قدر دعواهم، فالعاصب يقول جميعها إلي، والزوجة والابنة يقولان جميعها لنا، فيأخذ العاصب نصفها، ثم تقسم الزوجة (٧) والبنت النصف الآخر نصفين. فصل [في شهادة النساء على عيوب الفرح] وشهادتهن على عيوب الفرج على وجهين: فأما الحرة يدعي الزوج أن بفرجها عيبًا يوجب الرد، فينظر إليها النساء. وقال سحنون وأصحابنا يرون (٨)

стр. 5427

أنها مصدقة، وأنا أرى أن ينظر إليها النساء (١). وهو أحسن لأنها تتهم في أن تدفع عن نفسها فلا تصدق (٢)، والنظر والشهادة في ذلك ضرورة (٣). واختلف إذا كان العيب بغير الفرج، هل يبقر الثوب عن ذلك الموضع ليراه الرجال أو يرجع فيه إلى شهادة النساء؟ وقد تقدم قول أصبغ، أن شهادتهن (٤) تجوز فيما تحت الثياب فلا يحتاج إلى أن يبقر عن الثوب. وأما الإماء فإن كان العيب بالفرج، وهو مما لا يعلمه الرجال، وإنما يعلمه النساء ولا يدري الرجل، هل ذلك صفة خلق كثير منهن أم لا؟ فإن كانت الشهادة عن فائتة؛ لأن الأمة ماتت أو غابت، أو كان القائم بالعيب هو الذي أتى (٥) بهن، ليشهدن له، لم يقبل في ذلك أقل من امرأتين ولا يمين عليه، وإن كان الحاكم الباعث في الكشف عن ذلك، كان فيه قولان: هل يقبل قول امرأة واحدة؛ لأنه من باب الخبر أو امرأتين؟ ولا أرى أن يقبل اليوم أقل من امرأتين؛ لأن العدالة ضعفت. وإن كان العيب مما يعلمه الرجل كالبكارة، يقول وجدتها ثيبا وكذبه البائع، ولم يبعث الحاكم في ذلك أقل من امرأتين (٦)، لم يقبل في ذلك أقل من امرأتين، واختلف في اليمين (٧).

стр. 5428

فصل [في انفراد النساء بالشهادة فيما يقع بينهن مما لا يجوز الانفراد به] اختلف في شهادة النساء بانفرادهن، فيما يقع بينهن في العرس والمأتم والحمام، من الجراح والقتل. فذكر ابن الجلاب في ذلك قولن: الجواز والمنع (١). فالجواز (٢) قياسًا على شهادة الصبيان؛ لأنه مما تدعو إليه الضرورة، فيجوزان (٣) وإن لم (٤) تكونا عدلتين؛ لأنه موضع لا يحضره العدول. وأرى أن يقسم معهما في القتل والمنع أولى؛ لأن النساء يتهمن أن يرمين بذلك من لم يجز، وليس قول المرأة من أولى (٥) على الصدق فإذا لم تحمل على الصدق فإنه يختلف هل يقسم معهن في القتل؟ (٦) وتحلف إن جرحت وتقتص، وإن عدل منهما اثنتان (٧) اقتص له (٨) في القتل بغير قسامة، واقتصت في الجراح بغير يمين؛ لأن شهادة اثنتين فيما لا يحضره غيرهن، كالرجلين فيما يحضره الرجال. وأجاز محمد في المرأة تدعي علي زوجها، أنه بنى بها وأرخى الستر

стр. 5429

عليها (١)، شهادة امرأتين (٢) ويمين (٣)، لما كان ذلك مما لا يطلع عليه إلا النساء (٤)، والزوج يدعي المعرفة، وقد قيل في هذا الأصل: لا يمين عليها والمرأتان كالرجلين، ولا يقضى بشهادة امرأة واحدة في الأموال؛ لأنها ربع شهادة. ويختلف فيما لا يطلع عليه إلا النساء فقال محمد: لا يلطخ (٥) بشهادة امرأة واحدة شيئًا، لا في قتل ولا رضاع ولا استهلال، ولا حيض ولا حمل، ولا في عيب ولا في غير ذلك (٦) من جميع الأشياء، أقل من امرأتين (٧). وقد اختلف في جميع ذلك، فأجاز أشهب (٨) القسامة مع المرأة الواحدة في العمد والخطأ (٩)، ورآها لطخًا وليس بالبين. ولا أرى أن يراق دم امرئ مسلم بقول امرأة، وهو في الخطأ (١٠) أبين أن لا تجوز لأنها شهادة على مال. وأجاز ابن القاسم في كتاب النكاح الثاني، بشهادة امرأة واحدة على الرضاع. وأجازها مالك في كتاب محمد إذا فشا عند المعارف والأهلين (١١).

стр. 5430

وقد أمر النبي ﷺ بالفراق بقول امرأة أنها أرضعت (١)، وإن لم يعرف ذلك من قولها قبل، فهو في هذا أبين. وحلف ابن القاسم السيد بشهادة امرأة واحدة (٢)، على أمته (٣) أنها ولدت منه (٤)، إذا شهد شاهدان على الوطء، قال: لأنها لو أقامت امرأتين، ثبتت الشهادة على الولادة، فإذا قامت امرأة حلف (٥). يريد أن شهادة امرأتين (٦) في هذا الموضع، بمنزلة شهادة (٧) رجلين في غيره، وعلى هذا أن (٨) شهادة امرأة واحدة نصف شهادة، يحلف بها السيد كما يحلف على شهادة رجل في (٩) غيره. وعلى هذا إن شهدت امرأة واحدة (١٠) على الاستهلال، حلف من قام بشهادتها واستحق، وأدنى منازل شهادتها أن يحلف المنكر للشهادة، إذا قالت الأمة إنه علم، وإن شهدت امرأة على الحبل (١١)، حلف المشتري ورد، وإن شهدت على الحيض، وكانت الشهادة بعد أن انتقلت إلى الطهر، حلف البائع وسلمها واستحق الثمن، ولا يصيبها المشتري، ويحال بينه وبينها إذا كان قد
следующие страницы →