Полный текст (727 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الولد منه ثم تخمس بأن تقول غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وعدة الملاعنة كعدة المطلقة ثلاث حيض.
ولا تجب الملاعنة إذا كان الزوج والمرأة من أهل المصر إلا بع ثبوت الزوجية، وإن لم تثبت الزوجية لزم الحد الزوج وإن لم يكونا من أهل المضر وجبت الملاعنة وإن لم تثبت الزوجية.
وقال ابن لبابة فيمن قال لامرأته: إن هذا الحمل الظاهر لها ليس مني، ثم قال: إن كانت حاملا فليس مني: ليس يضره هذا الاختلاف لأنه في كلا القولين منتف من حملها ويلاعن إن شاء الله، ومن طلق فزعمت أنها حبلى وقال هو: استبرأتها قبل طلاقها أمر القاضي بالنظر إليها فإن ثبت حملها وجب اللعان بينهما، وإن لم يتبين أخرت إلى أن يتبين، ولا نفقة لها حتى يتبين فإن لاعن برئ من النفقة والولد، وإن لم يلاعن أنفق. قاله أيوب بن سليمان وغيره.
وفي مسألة أخرى: فهمنا ما قاله قاسم بن طالب من أنه رأى زوجة سعدونة بنت سعيد تزني فقام إذ رآها يريد ملاعنتها، وذكر أنه قد استبرأها قبل ذلك، واعتزلها منذ أربعة أشهر فالذي يجب أن تدعي المرأة، فإن أقرت بما قال زوجها رجمت وإن أنكرت ذلك لاعتها. قاله ابن لبابة وابن وليد وسعد بن معاذ.
стр. 247
باب الحلف بالأيمان اللازمة والحنث فيها
قام عبد العزيز صاحب الأحكام بقرطبة محمد بن الليث بن حريش محتسب على أحمد بن علي بن دلهاث في حلفه بالأيمان اللازمة على أخي زوجته ألا يدخل داره، وقال هو مقر بيمينه هذه وبحنثه فيها بدخول صهره في الدار المحلوف عليها، وأظهر إليه عقد بذلك (استرعاه) تاريخه أول ذي الحجة سنة سبع وخمسين وأربع مائة تتضمن ما يقدم من إقراره باليمين وأن شهوده سمعوا منه إقراره بها وعاينوا دخول المحلوف عليه وثبت عنده العقد وزكى عنده الشهود، وأعذر إلى الحالف وأجله في (الدفع) الذي ادعاه آجلا ادعى عند انقضائها أن الذين شهدوا عليه (علموا) ببقائه مع زوجته بعد حنثه الذي شهدوا به عليه إلى صدر صفر سنة ثمان (١ - ٦٧) وخمسين وأفتى بعض الفقهاء بأن يؤجل في إثبات هذه الدعوى خمس عشرة يوما وانصرمت (الآجال) قد غاب عن قرطبة مع زوجته إلى (نماسه) وشاور في ذلك كله.
فجاوب عبد الله بن عتاب:
إذ قد ثبت عندك ما ذكرت وأعذت حسبما وصفت؛ فالقضاء بإنفاذ ما شهد به عليه واجب وإلزامه الطلاق بالسنة عليه لازم (وعتق) من يملك العبد (والإماء) وتأمره يريد إذا حضر من غير أن يقضي بالصدقة ثلث ماله والمشي (إليه) في حج أو عمرة وكفارة يمين بالله تعالى، وهو مخير في عتق رقبة فيها أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم فإن لم يجد (فصيام ثلاة أيام) ويجب الإعذار إلى الزوجة إن أمكنك ذلك، وإن تعذرت انفذت نظرت وأرجأت الحجة على مذهب من يرى من أصحابنا أنه لا يقطع حجة غائب ومن يرى منهم أنه لا ترجأ له الحجة لم يرجئها له، فأنفذ من ذلك ماتعتقده وقيده من نظرك موفقًا للصواب إن شاء الله وتأمر الزوجة بالعدة بعد إنفاذ القضاء الواجب فيه والله أعمل بحقيقة الصواب في ذلك، (والسلام).
وجاوب (أب عمر) ابن القطان:
قرأت ما خاطبتنا به وما أدرجته، و (ذكرت) في خطابك أن الشهود زكوا عندك وأنك أعذرت فيما ثبت عندك إلى الحالف، ولم تذرك (فيما أعذرت في المزكين واجب إذا كانت التزكية في الظاهر لقوم معروفين، فإن كان الأمر كذلك وأعذرت في جميعه فأنفذ الحكم عليه بالطلاق والعتق إن كان له ما يعتق عليه، وإن كانت
стр. 248
لم تعذر في المزكين وكانوا معروفين ولم يكن تعديلهم عندك يشكف من كشف لك عنهم؛ فأعذر إليهم بذلك يتم الحكم على الحالف إن شاء الله.
وقال القاضي:
قوله: فاعذر إليهم، صوابه: إليه، إن كان أراد الحالف وهو الظاهر؛ لأنه لم يتقدم في الإعذار (ذكر) لغيره، وإن كان أراد الزوج (والزوجة) فالبين: فأعذر إليهما، والأغلب أنه على الوهم جرى والله أعلم.
(وأفتى) أبو محمد بن أبي عبد الصمد بنحو ما تقدم، وقال: يحكم عليه بعتق من كان يملكه في حين اليمين المذكورة.
وجاوب (أبو مروان) ابن مالك: (سيدي) وولي من وفقه الله وتولى إرشاده ووالي من إمداده؛ وقفت على سؤالك وما جاوبت به ولن تجد مني خلافا في ذلك (رحمك الله) على الصواب برحمته (والسلام عليك يا سيدي ورحمة الله وبركاته).
قال القاضي:
قول أبي عبد الله (في جوابه): وتأمر الزوجة بعد إنفاذ القضاء بالعدة فيه نظر، والصحيح عندي أن تكون العدة من يوم الحنث؛ لأنها من ذلك اليوم بانت وطلقت وانقطعت العصمة إلا إن كان ذهب إلى ما في الشورى من بقاء الزوج مع الزوجة ولم يعتزلها، فإن كان ذهب إليه فهو الصحيح.
كما ذكر (إنها) يجب أن تكون عدتها ثلاثة قروء من يوم القضاء هذا أيضًا إن كانا حاضرين، أعني الزوجين يوم القضاء، وأما إن كانا حيث نفاذه غائبين كما في السؤال أنهما غابا إلى بياسة، فالعدة ثلاثة قروء من يوم يؤمران بالافتراق مشاهدة لاتصال بقائهما وخلوتهما على ما كان عليه من الزوجية، وإن كانت العدة من (يوم) الحكم عليها بالطلاق قد انصرمت فلابد من استئناف ثلاثة قروء من الآن استبراء للزوج من الوطأ الفاسد، وذلك بين، والله الموفق إلى الصواب.
وفي سماع بن القاسم:
قال مالك: من حلف في طلاق امرأته فشك في يمينه يريد في الحنث فيها، (فوقف) (ويسأل) ويستفتي ثم يتبين له حنثه. قال مالك: تعتد من حين وقف عنها (وليس من حيث تبين له). (قيل لابن القاسم: فإن مات قبل ذلك أيتوارثان؟ قال: ينظر في يمينه، فإن كان
стр. 249
يحنث فيها لم ترثه وإلا ورثته) (فجعل مالك العدة فيها من يوم وقف عنها)؛ لأن وقوفه عنها معناه اعتزاله إياها، وهو الذي ذهبنا إليه في تأويل جواب الشيخ أبي عبد الله في مسألة الإيمان اللازمة المسطورة فوق هذا.
وفي آخر الإيمان بالطلاق من المدونة:
قال ربيعة في نفر ثلاثة شهدوا على رجل بثلاث تطليقات، شهد كل (رج) منهم على واحدة ليس معه صاحبه، فأمر أن يحلف أو يفارق، فأبى وقال: إن كانت على شهادة قاطعة فأنفذها، قال أرى أن يفرق بينه وبينها، (وأن) تعتد عدتها من يوم أن يفرق بينهما؛ لأني لا أدري عن أي شهادات النفي نكل، فتعتد من اليوم الذي نكل فيه.
وقال الفقيه أبو عبد الله بن أبي زمنين في المغرب هذه العدة إنما هي احتياط لتحل بذلك للأزواج، إذ لم يعرف اليوم الذي طلقها فيه وثبتت الشهادة، وأما العدة التي بانقضائها تنقطع عصمة النكاح فإنما هي من يوم طلقها الزوج، فتدبر ذلك فهو خفي (جيد)، وغير خارج عن أصولهم، وقد فسرها بن أبي زيد أيضًا بما لا يخرج عن الاعتبار عن هذا المعنى (إن شاء الله) .
وكان قد كتبنا سؤالا عن هذه اليمين وما يجب على الحانث قبل (اجتماع شيوخ) قرطبة فأتى جواب ابن عتاب بمثل ما تقدم، وكان زاد حينئذ في جوابه: أن بعض الشيوخ كان يفتي بأن تلزمه مع الخمسة الأشياء المذكورة الظهار، ولم أر غيره ذكره، وأما الوجوه الخمسة فكانوا عليها متفقين وبها قائلين، وقد رأيت لبعض من لقيت في جوابه أن الحالف بهذا اليمين يؤدب، وهو صحيح.
وقد ذكر ابن حبيب في كتابه أن هشام بن عبد الملك كتب أن يضرب من حلف بطلاق أو عتاق عشرة أسواط، واستحسن مالك ذلك، وكذلك الحالف بالمشي إلى بيت الله، ومن تكرر حلفه بذلك وعرف (كان) جرحه في شهادته وأن يرفأ حلفه بها.
ورأيت معلقًا في كتاب (ابن) الباجي علي بن محمد كتب إليه بهذه اليمين في سنة إحدى وثلاثين، فجاوب: أن على (الحالف بها) الحانث فيها طلاق الثلاث في نسائه وعتق ما يملك من رقيقه، والمشي إلى بيت الله يؤمر به، وكذلك يؤمر بصدقة ثلث ماله وبكفارة يمين الله.
وسئل عنها القرشي أبو مروان بن الأصبغ فأفتى فيها بمثل ذلك، وقال القرشي
стр. 250
التيمي: هذه اليمين ليست في كتبنا، وإنما في كتبنا) من حلف بأشد ما حمل أحد (عن أحد (فحنث)، ومن قول ابن القاسم فيها: أنه يلزمه الطلاق ثلاث وعتق رقيقه والصدقة بثلث ماله والمشي إلى مكة وكفارة يمين والأيمان اللازمة عندي أولى أن يلزمه فيها، فهذا هكذا وجدته للتيمي فتدبره.
قال: وسألت عنها الفقيه أبا عبد الله بن العطار وقت مناظرتنا عليه فقال لي: هي يمين لم تعرف بالمشرق ولم تصل إلينا فيها رواية، إلا أن الشيوخ كانوا يشبهونها بما رواه عيسى عن ابن القاسم في نذور العتبة، فيمن قال: على عهد الله وغليظ ميثاقه وكفالته وأشهد ما (أخذ) أحد، على أحد، وقد ذكرت لنا هذه الرواية بعد هذا وبيانها.
قال: سألت عنها الفقيه (أبا بكر) ابن عبد الرحمن فقال: إن شيوخنا بالأندلس أفتوا فيها بالطلاق وبالعتق والمشي إلى مكة وبصدقة ثلث ماله وكفارة اليمين بالله، قياسًا على ما رواه عيسى عن ابن القاسم، (وذكر الرواية).
قال القاضي:
هذه اليمين (محدثة) كما ذكروا؛ ولذلك لا يوجد الجواب عن متقدم، إلا أن أصل جواب الشيوخ فيها موجود، وهو ظاهر على المذهب، ولا يجوز لمن نصح نفسه واحتاط لها أن يتعدى فيها جوابهم ولا أن يترخص في شيء من وجوهها، فقد كان بعض فقهاء طليطلة يفتي أن الذي يلزم الحالف بها إذا حنث فيها في زوجته طلقة مبارأة لا ثلاث، ولا أعلم لهذا القول وجها؛ لأن الطلقة البائنة لا تكون إلا في حكم أو وجوه معروفة أوجبها النظر، كالأمة تختار فراق زوجها العبد إذا أعتقت وفراق العنين وشبهه.
ورأيت (أن) أبا بكر زرت كان يفتي بها بالطلاق واحدة وباقي الوجوه على ما ذكرت، وقد سكن طليطلة، فلعل المفتي بطلقة مبارأة إنما أخذ ذلك عنه، وكان بعض فقهاء طليطلة أيضًا ينكر هذا على من أفتى به، ويرى الصواب فيما قاله الشيوخ بقرطبة، وقد ذاكرت فيها أبا المطرف عبد الرحمن بن سلمة، وقال الصواب أن تلزمه ثلاث تطليقات في (زوجه) ولا تحل له إلا بعد زوج (لأنه من باب من طلق امرأته فلم يدرك كم طلقها: أو واحدة أو اثنين أو ثلاث؟ قال مالك: لا تحل له إلا بعد زوج).
وفي المدونة:
قال ابن القاسم: بلغنا عن مالك فيمن حلف فحنث ولم يدر بما حلف أبصدقة أم
стр. 251
بطلاق أم بعتق أم بمشي: أنه يطلق امرأته وبعتق عبده ويتصدق بثلث ماله ويمشي إلى بيت الله وقول مالك هذا أصل للزوم ذلك الحالف بالأيمان اللازمة إذا ألزمه ذلك حال شكه كان أجدر (بأن) يلزمه في حال يقينه إياها وعند جمعه إياها في) يمينه وعقده لها على نفسه، قال الله (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود). قال ابن العباس والسدي وغيرهما: هي العهود. وكذلك قال تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم). وقال الحسن: العقود عقود الدين وكلها طاعة الله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) (فعقدها) أن يحلف ألا يفعل فيفعل (فيحنث فتجب عليه الكفارة أو يحلف ليفعلن ثم لا يفعل.
وقال أصحاب المعاني: (معنى) العقد الجمع بين الشيئين بما يعسر انفصال أحدهما من الآخر، وأصله الشد كعقد الحبل بالحبل، ونقضه حله. والعقد الذي يجب به الوفاء كل ما كان لله طاعة مما عقده الإنسان على نفسه امتدح الله تعالى في عبر ما موضع من كتابه من أوفى بنذره فقال : (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا). وقال: (رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم). ومعنى الوفاء: إتمام العقد بفعل ما عقد عليه، ونقبض الوفاء: الغدر، فدل هذا كله أن من عقد على نفسه عقدا، أو عهد الله عهدا، أو نذر نذرا فعليه الوفاء به: وسواء كان في يمين أو في غير يمين واليمين أوكد، وقال الله : (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) وأخبر تعالى أنه يؤاخذ بعقد الأيمان. وإذا قال القائل: امرأته طالق ثلاث، أو قال: واحدة إن دخلت هذه الدار. فدخل لزمه الطلاق بالحنث. وكذلك إن قال: إن دخلتها فغلامي حر، أو قال: إن كلمت زيدا فعلي المشي إلى مكة، أو قال فمالي للمساكين صدقة، فلزمته اليمين في هذه الوجوه بانفرادها إذا حنث فيها. وكذلك لو قال: إن أكلت هذا الخبز فمالي صدقة أو امرأته طالق وجاريتي حرة وعلي المشي إلى مكة فحنث بأكل الخبز؛ لزمه ذلك كله.
(فكذلك) إذا قال: هذه الأيمان لي لازمة إن أكلت هذا الخبز فأكله لزمته الأيمان كلها التي جمعها في عقده والتزمها (بلفظه) كما لزمته إذا فرقها ولفظ بها وجها وجهًا، ولا فرق بين ذلك (كله) عند من أنعم الله عليه بهداه ومن عليه بتقواه ولم يتخذ إلهه هواء ولا جعل الخلاف هجراه. وهو أبين من أن يحتاج فيه إلى هذا البيان لكن أطلت فيه الكلام. لما حدث في الإسلام من انحلال النظام. حتى أبدى خلاف السلف من لم ير لهم
стр. 252
حق من الخلف. وقال في هذه اليمين ... بما لم يسبق إليه من أئمة المسلمين وفقنا الله أجمعين.
ومن الشاهد لصحة ما أجمع عليه شيوخنا وشيوخهم فيها مما تقدم وصفنا له: ما رواه عيسى عن ابن القاسم فيمن قال: على عهد الله وغليظ ميثاقه (وكفالته) وأشد ما اتخذه أحد على أحد إن فعل كذا ففعله فإن كان لم يرد العتاق ولا الطلاق وعزله عن ذلك فليكفر ثلاث كفارات لا غير في قوله: عهد الله كفارة وغليظ ميثاقه كفارة، (وفي قوله) أشد ما أتخذ أحد على أحد كفارة، وإن لم تكن له نية حين حلف فليكفر كفارتين في قوله: عهد الله وغليظ ميثاقه وبعتق رقيقه وليطلق نساءه ويمشي إلى بيت الله ويتصدق بثلث ماله في أشد ما اتخذه أحد على أحد.
وهذا كالنص من قول ابن القاسم في وجوه تلك الأوجه في الأيمان اللازمة؛ لأنه أوجبها عليه مجتمعة لقوله: وأشد ما اتخذ أحد على أحد، وهو لفظ محتمل إذ قد يراد به ما أفتى به ابن القاسم من جمعها على الحالف الأشياء التي (جرى) على (ألسنة الناس) وفي متعارفهم الحلف بها، ويكون الغرض أن يحلف بواحد من الأشياء المحلوف بها يكون من أشدها من طلاق أو عتاق أو شبهه لا (بجميعه) كان الظاهر الذي لا خفاء (به) فيمن حلف بالأيمان اللازمة جمعها عليه لجمعه إياها على نفسه بلفظ لا يجوز تأويله على غير ذلك، ولا حمله على سواه؛ لأن لفظة الأيمان لا يجوز في اللسان حملها على يمين واحدة، وهي موضوعة للجميع، كما لا يجوز أن يحمل تقوله نسائي (طوالق) أو عبيدي أحرار على أنه أراد واحدة من نسائه أو واحدا من عبيده، وإن ادعى أنه أراد ذلك لم يقبل ولا أصغي إليه بما يلزم في الجمع عليه.
وإن اعترض (معترض في ذلك) ممن لم يعن النظر بقول ابن وهب في سماع ابن الحسن: في أشد ما (أخذ) أحد على أحد كفارة يمين، وقال: يجب على هذا أن يكون في الأيمان اللازمة (كذلك كفارة يمين. قيل له) هذا لا يسوغ فيها لا على قول ابن وهب ولا غيره؛ لأن الأيمان جمع يمين، وقد التزم الجميع وعقد على نفسه الكل مؤكد الحلف؛ فلا يجوز إسقاط شيء منها عنه ولا رده إلى واحد منها بغير دليل عليه وقد قال الله تعالى (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان)، وقال (عز من قائل): (وأوفوا بالعقود)، وقال: (يوفون بالنذر) وقال النبي ﷺ "من نذر أن يطيع الله فليطعه"، وهذا كله يؤكد أن
стр. 253
الحالف بها (يريد) جميعها لا بعضها، مع قول مالك الذي ذكرناه من المدونة وقول ابن القاسم الذي رواه عنه عيسى.
وأما إذا حلف بأشد ما حمله أحد على أحد فلم يأت بلفظ يقطع به على (أنه) أراد الجميع بل هو أقرب في عرف اللسان وبساط البيان إلى أن المراد به الواحد الشديد من جملة ما يحلف به؛ لأنه لو قيل لعربي: ما أشد الأيمان المحلوف بها (أجاب) ...
(يقول: الطلاق أو العتاق أو غيرهما مما هو أشدها عنده (وأثبتها) عليه ولم يكن جوابه) الطلاق والعتاق واليمين بالله وكذا وكذا فيأتي بجميعها؛ لأن هذا إنما هو واجب من قيل له: ما الأيمان كما أن من قيل له: ما الأعمال الزاكية؟ جوابه: الصلاة والزكاة والحج وكذا وكذا، ولو قيل (له): ما أفضلها؟ لسمي واحد منها (لا جميعها) كما قال النبي ﷺ حين سئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة".
لم يأتي بجميعها وكذلك من قال: ما الأعمال الشاقة؟ فجوابه: نحت الحجارة والعمل (بالزواريق)، ونزول الآبار، وكذا وكذا. ولو قال: ما أشد الأعمال؟ (لقيل له): نحت الحجارة أو كذا، إنما يسمى له واحد منها؛ لأنه عن ذلك سأل.
هذا المتعارف في لسان العرب، ولذلك لم يلزمه ابن وهب في قوله: وأشد ما حمل أحد على أحد إلا كفارة يمين؛ لأن اليمين بالله هي اليمين المأمور بالحلف بها المأخوذ على المرء ألا يحلف بغيرها وهي اليمين الشديدة المعظمة بتعظيم المحلوف به فيها، وهو الله الذي لا إله إلا هو الكبير المتعالي.
وجعل ابن وهب ﵀ شدتها في قصد الكذب فيها والمخادعة بها والتقصير في تعظيمها لا فيما يلزم (الحانث) فيها من كفارتها، ألا ترى قول عمر ﵁: اليمين الغموس (تترك) الديار بلاقع. يريد الحلف بالله كذبًا.
وقال رسول الله ﷺ : "م حلف (بالله) كاذبًا ليقتطع بيمينه مال أخيه (المسلم) لقي الله وهو عليه غضبان".
ورأى ابن القاسم ﵀، أن قصد الحالف بأشد ما اتخذه أحد على أحد إنما هو إلى ما يلزمه بالحنث في يمينه من المشقة فيما يخرج عنه من مال وغيره، فجمع لذلك تلك الأوجه (عليه) إذ قد يتخذها المستحلف على المستحلف تحريجا عليه لما يخاف من مخادعته إياه ومكره به فيما يحلف له به، وأما الأيمان اللازمة فلا يسوغ لأحد إخراجها عن معناها
стр. 254
ولا تأويلها على غير ظاهرها؛ لأنه باطنها.
وإنما أطلت الكلام في ذلك لأني قد رأيت من يشير إلى أن في قول ابن وهب بعض التخفيف في الأيمان اللازمة، وإن كان هذا المشير إليه لم يصرح بذلك، والذي بينهما ظاهر الافتراق، والله تعالى ولي التوفيق.
مسألة أخرى في الأيمان اللازمة نزلت ببياسة:
كان رجل قد عهد من زوجته أنها أخفت بعض ثيابها باعتها أو أعطتها أحد أبويها، فلم ينكر ذلك عليها ثم أخبر بعد ذلك بمدة وهو في بعض أشغاله خارجا عن داره أن بعض ثياب امرأته سرق فوقع ظنه على إخفائها لها كما عهد منها، فقال: الأيمان كلها لازمة وهي طالق. إن كانت لي بامرأة إلا أن تصرف الثياب أو عوضها، فلم توجد الثياب وكتب بها إلى قرطبة وغيرها.
فجاوب أبو عبد الله بن عتاب:
إن صرفت المرأة الثياب في قرب ذلك وفوره؛ كقيامها فيها إلى بيت أخرى، أو إلى دار جارة لها في ذلك الموضع، أو تلك القرية أو سيرها إلى السوق في ذلك الحين لشراء العوض إن كانت تلفت، وفعلت ذلك دون توان أو تربص، فلذلك مخرج له من حنثه ووقع الطلاق عليه.
وكذلك إن كانت في قرية أخرى فخرجت أو أرسلت فيها؛ فإن تربصت أو امتنعت من صرفها؛ وقع الحنث على الحالف في ذلك الحين دون تلوم أو ضرب أجل، إلا ما ذكرت لك، والطلاق في ذلك هو البتات.
وأما الحالف بالأيمان اللازمة أن لا تكون له بامرأة؛ فإن بارها، أو خالعها أو صالحها في ذلك الحين؛ ملكت بذلك أمر نفسها وخرجت من عصمته؛ لم يقع عليه الحنث، وإن لم يفعل ذلك حنث، والمشي واجب لحنثه في ذلك الوقت مع إمكان الصحابة والوقت، فإن أخر لم يحكم عليه بالخروج لذلك، والله حسيبه ويحكم عليه بالعتق والطلاق، والله أسأله التوفيق.
وجاوب (أبو مروان) ابن مالك:
أول منازل مسألتك في هذه اليمين أنه إن كان نوى بها أن زوجه غيبت الثياب، وخرجت (يمينه) على ذلك، ثم تبين له أنها لم تغيبها فاليمين غير لازمة له. وكذلك في سماع
стр. 255
ابن القاسم.
وإن لم تكن يمينه هكذا؛ نظرت: فإن كان أقام (بعدها) مع الزوجة على هينتها قبل اليمين، ولم يعتزلها قبل صرف الثياب أو عوضها؛ فقد حنث وإن كان (تخلى) من ذلك واعتزلها من حين حلف؛ عصمه من الحنث أن تبتاع من الثياب.
وتصرفها إن كان عوضا كاملا وافيا لا يقصر فيه عن الثياب المحلوف عليها، أو يتلوم لها في ذلك إن امتنعت منه أو تأخرت عنه وهما في التلوم معتزلان بحال بينهما إن لم يكن رجل ثقة مأمونا؛ فإن كان مأمونا (بقي معها) على أن لا ينظر إلى شعرها، فكيف سوى ذلك؟!
هذا قول ابن القاسم في مثل هذا وقدر التلوم عنده في ذلك قدر ما يرى أنه أراده في ناحية يمينه. كذلك في المدونة وكذلك روى عن عيسى في المستخرجة وروى عنه في ناحية يمينه. كذلك في المدونة وكذلك روى عن عيسى في المستخرجة وروى عنه في موضع آخر منها أنه يؤجل في ذلك أربعة أشهر، وهذا إذا وعدت بصرفها أو (عوضها) وإن وقفت وقالت: لا أرد شيئًا لزمه الحنث مكانه، على ما في المدونة.
قال ابن القاسم في رواية عيسى: وإن كان قد مضى من المدة قبل أن يرافعها قدر التلوم؛ لم يتلوم له، ومن حنث بالمشي إلى مكة خرج لذلك إذا أمكنه كذلك في رواية أشهب عن مالك هذا جواب مسألتك عن اليمين.
(وقال) أبو عمر بن رشيق (بالمرية): الجواب أن يمنع (الزوج) عن وطئها؛ فإذا أجابت إلى رد الثياب أو عوضها إن لم توجد تلوم عليها في ذلك قدر ما يرى السلطان من قدرتها عليه. فإن أتت بها أو بالعوض، إن لم تجدها سقطت اليمين عنه.
وإن أبت عن رد أحد الأمرين، ولم تجب إليه، فإن طلقها عند ذلك بالفور طلقة مبارأة برئ في يمينه، وله أن يتراجعا نكاحا جديدا إن أحبا، فإن لم يفعل وبقيت في عصمته لزمته الثلاث ولم تحل له إلا بعد زوج.
قال القاضي:
قول أبي عبد الله في جوابه إن صرفت المرأة الثياب أو (عوضه) بفور اليمين وقربها؛ بر وأخرجه ذلك من الحنث فيها، وإن امتنعت أو تأخرت واقعه الحنث وطلقت منه (بالثلاث) يخرج على أحد وجهين: أن يكون ذهب إلى أن يمينه إنما وقعت على (تعجيل) صرف الثياب أو عوضها، (وأن) التلوم في ذلك الساعة ونحوها إذا مضى وقع الحنث
стр. 256
حينئذ، على ما رواه عيسى عن ابن القاسم في كتاب الأيمان بالطلاق، وإليه أشار ابن مالك في جوابه في هذا الفصل.
وكذلك الطلاق من الواضحة، أن يكون رآها من شرح ما في المدونة من قول ابن القاسم فيمن قال لامرأته: أنت طلاق إن لم أطلقك: (أن الطلاق يقع عليه) مكانه، وقد قال: لا يطلق عليه إلا بعد رفع السلطان وتوقيف.
والقول الأول (احتج)، وأنه بخلاف قوله: أنت طالق إن لم أدخل الدار، إن وقع ذلك كان موليا، وإن دخل سقط عنه الطلاق. وهذا لابد له إلا بالطلاق على كل وجه، وكذلك عنه في الواضحة.
وقال أصبغ: لا يعجل عليه الطلاق حتى يحكم عليه السلطان، واختاره ابن حبيب، ووجه الجمع بين هذه والذي أفتى فيها ابن عتاب؛ لأن قوله: الأيمان كلها لازمة إن كانت لي بامرأة لم تصرفها؛ فقد جمع فيها الطلاق. وقوله: إن (كانت) لي بامرأة في معنى (إلا) فارقتها؛ فصار كقولك: أنت طالق إن لم أطلقك، فرأى تعجيل الطلاق عليه إن لم تعجل بصرف الثياب أو عوضها.
وأما ابن مالك فإنما جعلها من باب حلف بالطلاق على غيره ليفعلن فعلا كقوله: (امرأته) طالق لتقضين حقي الذي لي عليك، أو لتهبني دينارا، أو قال: لتدخلن الدار.
والجواب المشهور فيها في المدونة والواضحة والموازية والعتبية: أنه يتلوم له في ذلك بقدر ما أراد بيمينه منه ما يكون ساعة، ومنه ما يكون شهرا أو أزيد أو أقل.
هذا إن وعد المحلوف عليه بفعل ذلك، لا أفعل ما حلف علي أن أفعله؛ عجل على الحالف بالطلاق، هكذا في العتق (الأول) من المدونة وفي النذور من الواضحة في هذا الأصل خلاف لابن الماجشون، وقال: من حلف بالطلاق على فعل غيره (كمن) حلف به على فعل نفسه في جميع وجوهه، كذلك سمعت مالكا وغيره من علماء المدينة يقولون: يريد أن يكون موليا.
قال ابن حبيب: وهو أحب إلي وأقوى عندي، وبه أقول ولابن القاسم في رسم حمل صبيا على دابة مثله، وقاله عيسى بن دينار، وقد روى عنه التفريق بينهما على ما في المدونة وغيرها وهو الأكثر والأشهر، وقد أشار ابن مالك في جوابه إلى هذا الخلاف الذي ذكرناه.
стр. 257
وأما قوله: أول منازل مسألتك في اليمين أنه إن كان نوى بها أن (زوجه) غيبت الثياب، وخرجت يمينه على ذلك، ثم تبين له أنها (لم) تغيبها؛ فاليمين غير لازمة له.
كذلك في سماع ابن القاسم يريد ما رواه عن مالك في رسم طلق بن حبيب من كتاب الإيمان بالطلاق، فيمن كان له سوط وغاب عن أهله شهرًا ثم قدم فعتب على غلام له فأراد ضربه فسألهم (السوط أن يعطوه) فقالوا: ما نعلم مكانه فظن أنهم خبوه عنه كراهة ضرب الغلام فقال: حرم علي ما أحل لي إن لم تأتوني به فطلبوه فلم يجدوه ووجدوا سوطًا آخر فأتوا به، وقالت وغيرها من أهل البيت: هو هو ولم يعرفوه وأنكروا أن يكون (هذا).
فقال مالك: إن لم يكن عرفه فقد (لزمه) الطلاق، ولو كانت له نية نويته، يريد أن يقول: لم أرده، إنما أحلفت على أني أظن أنهم غيبوه، فإذا كانت تلك نيته؛ فلا شيء عليه، كمن قال لجاريته: أنت حرة إن لم أبعك، فإذا هي حامل منه ولم يعلم فهي حرة إلا إن أراد أن تكون حاملا.
ولهذه المسائل نظائر يطول الكتاب بذكرها، وكذلك تركت أيضا ذكر ما في سماع أشهب وغيره في تأخير المشي لمن حنث في الحلف به أو في الأيمان اللازمة.
مسألة ثالثة في الأيمان اللازمة:
شاور بعض القضاة في قرطبة في رجل حضر مجلس نظره فدعا إلى أنه يزال ربيبتاه عنه، فقيل له: لا تفعل. فقال: لزمتني يمين (ألا تبقيا عندي. فقيل له: تكفر يمينك. فقال: هي يميني) لا تكفر. فقيل له: عرفنا بها. فقال: لا كفارة لها، ولا يحل لي دخول الدار التي أسكنها (معها). فقيل له: متى حلفت؟ فقال منذ خمسة عشر يومًا. فقيل: هل أدخلت الدار بعد ذلك؟ فقال: دخلت.
فلما قيل له قد حنثت. فقال: إنما حلفت أني إذا حضرت مجلس نظر القاضي فلا تكون معي بعد ذلك.
واستفتي عن اليمين، فقال: كانت بالأيمان اللازمة، وكان بين قوله: لا يحل لي دخول الدار؛ مهلة صالحة.
فجاوب بن عتاب: تصفحت رحمنا الله وإياك. خطابك، (وإذ) قد أقر الحالف أن يمينه التي ذكر وادعي ما ادعي؛ الحكم عليه العقوبة مع ذلك لحلفه ما حلف، وأفلا يصدق
стр. 258
في ذلك ولا ينوي فيه، والقضاء عليه بالطلاق والبتات واجب، وكذلك إن كان في ملكه من يعتق عليه بالقضاء ولله أسأل التوفيق.
مسألة رابعة في الأيمان اللازمة من مسائل أبي بكر بن زرب: سأله ابن ديحون عمن قال لزوجته: الأيمان له لازمة إن دخلت دار فلان إن كنت لي زوجة، (فدخل) الدار، ثم بارأها فهل يجوز له بعد ذلك ردها وهل مبارأته إياها مما يخرجه من يمينه.
قال ابن دحون: نزلت فتحير فيها أهل بلدنا فقال القاضي: إذا بارأها فقد (بر في يمينه) وله أن يردها بعد ذلك ولا حنث عليه، وهو بمنزلة الرجل يحلف فيقول لزوجته: أنت طالق إن لم أطلقك (بر) في يمينه.
فقال له أبو الأصبغ الحشا وغيره: ليست هذه مثلها لأنه قال: لا (كانت) ومني (صار) فقد صارت له زوجة ويلزمه الحنث. فقال القاضي: هي عندي مثلها، ولا حنث عليه (إذا) بارأها إلا أن ينوي لا كانت لي بزوجة أبدًا، فإذا كانت هذه نيته لزمه الحنث فيها متى تزوجها. وما لم تكن هذه نيته فلا حنث عليه إذا تزوجها بعد مبارأته.
وقال بعض في المجلس: إن بعض فقهاء بلدنا أفتى فيها أنه يلزمه الطلاق (البتات) فيها، ولا تنفعه المبارأة (ثم) لا يجوز له أن يتزوجها بعد زوج.
وقال ابن محسن: نزلت هذه المسألة بقرطبة، وكتب فيها إلى ابن أبي زيد فقيه القيروان، وأفتى فيها: يفتي القاضي. فقال (له) القاضي: أكتب بها إليه؟ فقال: نعم، منذ أربعة أعوام أو نحوها. فقال ابن دحون: نزلت عندنا هذه الجمعة، واختلف فيها الفقهاء.
مسألة خامسة في الأيمان اللازمة:
سئل أبو محمد بن دحون بمسجد الوليد في محضر نكاح شهد عقده عن رجل بارأ زوجته فقيل له: ارتجعها وكرر عليه ذلك فقال: الأيمان (له) لازمة إن راجعتها أبدًا.
فأفتى له أن يراجعها ولا يلزمه الحنث إلا فيمن (يملك) عصمته وفيمن ملك حينئذ لا فيما أفاد بعد ذلك، وذلك في مثل الزوجات يكن عنده، والمشي إلى مكة وصدقة ثلث ماله، وعتق عبيده.
فراجعه أبو الخيار (الشتزيني)، وكان بالحضرة، فقال له: ما نكح من الزوجات وأفاد من المال يلزمه الحنث (فيها ويكون) عليها واقعًا.
واستشهد بالمسألة التي في التمليك فيمن حلف ألا يتزوج، ولم يسم بلدا بعينه، ولا
стр. 259
قبيلة بعينها: أن له أن يتزوج إن شاء الله، والله المستعان.
كذا كانت هذه المسألة عندي- أعني التي سئل ابن دحون عنها، وأجاب فيها في نفس كتاب مسائل ابن زرب متصلة بمسألة ابن زرب بأجزائها، إلا أنها لم تكن في كتاب أبي عبد الله الذي قوبل كتابي به، فضرب (عليه) في كتابه إلا أن جواب ابن دحون فيها صحيح، وله تفسير لم أجد نشاطًا لبسطه، والله تعالى يعيننا على طاعته برحمته.
وقد سئل منذ أعوام كثيرة عن رجل قال: الأيمان له لازمة إن لم أبار زوجتي، فكتب مبارأتها فحضر قبل إشهاده فيها على إمساك زوجته وترك إمضاء مبارأتها.
فقال: الأيمان له لازمة، إن كانت (له) بزوجة أبدًا ولم يتقدم لي فيها جواب فأثبته هنا غير أني قد أوردت في كتابي هذا في الأيمان اللازمة ما لم يذكره ولا رأيته مجموعا لسواي مما فيه مقنع لمن أنصف، ولم يهن بما لا يعرف، ولا اتخذ الدين لعبا، وكلام الأئمة باطلا (لا) عاملا وساقطا لا لازما، وهذه عصابة قد (شاب سلها) الاستخفاف وهجيرها التعطيل إذا رأت الناس سدى والإسلام مهملا لا وازع له ولا حامي لحرزته من قاضي يرعاه أو إمام يتقواه، وفقنا الله لرضاه لما يحبه منا ويرضاه.
ولو لم يكن في هذه اليمين ما يعتمد عليه فيها إلا قول الشيخ لكان يجب، لمن نصح لنفسه، وحرص على الترقي في دينه- أن يوافقهم فيما اتفقوا عليه، وينتهي فيها إلى ما انتهوا إليه، فكيف وأصلها لمالك وأصحابه موجود، والكتاب والسنة (بصحبة) ذلك شهيد، لكن الإزراء على المتقدمين، وإرادة الظهور على المتأخرين، يحمل على الخلاف، وترك الإنصاف، وقلة الائتلاف، والله يوفق بفضله من شاء هداه من خلقه كما يخذل من أراد منهم بعدله.
وذكر بعض من ألف بعض أخبار فقهاء الأندلس أن أبا بكر محمد ابن أحمد اللؤلؤي شيخ القاضي أبي بكر بن زرب والفقيه بن أبي زمنين وغيرهما كان له حقل يجاوره حقل جار له وكان حريصًا أن يضيف حقل جاره إلى حقله، فاحتال عليه في ذلك بكل حيلة واستعمل فيها كل وسيلة، فأبى صاحبه عليه ولم يجبه إليه إلى أن اعتل فعاده اللؤلؤي (مستطلعا) له متحفيا به، فأظهر له الرجل من السرور لعيادته والشكر على (مشاركته) ما أطمع اللؤلؤي في قضائه بحاجته في ذلك الحقل، فكلمه فيه ورغب إليه في تصييره له بما رسم من (ثمن) أو معارضة فأظهر له الإسعاف لما رأى منه من الإلحاف، وقال له: أشهد
стр. 260
علي بذلك وجماعة بعده من الفقهاء أصحابه وأدخلهم عليه فإذا به قد أظهر انهداد (قواه)، وضعف منطقه ودني الفقيه منه، فقال له: يا أبا فلان، أشهد الفقهاء- حفظهم الله- على بيعك مني. فقال له: أشهدكم أن الفقيه اللؤلؤي هذا قابلي متعمدًا لقتلي، وأنه الأخوذ بدمي، فإذا حدث بي حدث الموت استقيد منه لي فبعنقه دمي، وأنتم رهناء بالصدق عني، فدهش الفقيه ومن معه وأقبل على الرجل يتثبت ذهنه ويذكره ما جرى بينه وبينه ويخوفه الله ويعظه وسلك أصحابه في ذلك سبيله، فلم يرجع عن ذلك فخرجوا عنه.
وسألهم اللؤلؤي أن يتوفقوا عليه ساعة بالباب ليخلوا به؛ ففعلوا وتفرد به وعزله وقال له: تعصي الله في أمري وتدمي في غير حق علي؟ فقال له: وهل قلت إلا ما فعلت، دخلت علي وأنا أحسبك عائدًا مشفقا، فسررت بذلك وإذا بك باغي فرصة فلما مستني في سويداء قلبي في أمر هذا الحقل المشئوم فما تعلم كرهه إلي فزعتني وأتيت علي، فهل أردت إلا قتلي إذا طلبت أخذ كريمة مالي؟
فاعتذر إليه اللؤلؤي، وقال: إنه تائب معترف بخطئي، فأبقي الله في فبعد لأي ما أجابه إلى ذلك. وقال له: أما وقد صرت إلى هذه الإنابة، فاحلف بالأيمان اللازمة أنك لا تلتمس هذا الحقل في حياتي ولا بعد مماتي، ولا تسعى لملكه ولا تصييره إليك ببيع ولا غيره وأن تحرمه على نفسك ولو صار إليك بميراث أغيره وأنك لا تهم لي تعد ذلك بمساءة، ولا تحقد بعد (ذلك) على ذريتي، فحلف له بذلك كله، وتوثق منه فيه، وعند ذلك أذن له بإدخال الفقهاء عليه فلما دخولا أشهدهم أنه قد عفا عنه الله تعالى وأسقط عنه تبعة دمه.
فقال له اللؤلؤي: إنما أريد أن يكذب نفسك وتعود (لشأنك)، هذا هو الحق فإن أقنعك عفوي عنك وإلا فإني على ما عقدته عليك. فرضي منه اللؤلؤي بذلك وتوثق من الإشهاد به عليه، واتخذ حديثه معه موعظة اعتقد بها ألا يفتي في تدمية بعدها.
وتوفى اللؤلؤي سنة خمسين وثلاث مائة، وقيل سنة إحدى وخمسين بعدها أول دولة الحكم ﵀، وأدخلت حكايته هذه لما فيها من استحلاف الرجل له بالأيمان اللازمة، ولست أعرف لها ذكرا في أبعد من وقت هذه الحكاية، وفيها دليل على إلزام الحالف فيها ما قد ذكرناه من وجوهها، وإنما لم تكن عندهم كل شيء، كما يذكر عن بعض المستخفين من المتسمين بالعلم من (معاصرينا) منحنا الله بفضله هداه وألهمنا تقواه وما (تجود) به رضاه.
стр. 261
باب في البيوع
(قال القاضي):
البيع على أربعة (أوجه):
بيع حاضر مرئي.
وبيع (معين) غائب موصوف أو معروف العين، برؤية تقدمت لهما فيه.
وبيع غائب موصوف في الذمة، وهو السلم إلى أجل معلوم في صفة معلومة من طعام أو غيره محصور المقدار بعدد أو كيل، أو وزن ويعجل فيه رأس المال.
وبيع السلفة وهو في بعض وجوهه كالسلم وذلك أن تدفع إلى (صاحب الرطب) دينارا في ربعين أو ثلاثة من رطب طيب مستناهي النضج والطيب ويعطيط كل يوم منه نصف ربع، أو أربعة أرطال (إعطاء) متصلا حتى ينفد.
وكذلك إن دفعت إلى الخباز ربع دينار، أو نصف دينار في ثلاثين قرصا من خبز قمح حسن العمل والطبخ، كل قرص من رطل دقيق على أن تأخذ كل يوم قرصا أو قرصين، حتى يتم العدد الذي تواجبه عليه.
وكذلك إذا أعطيت لبانا عشرين (درهما) في أثمان لبن (الحليب) طيب، وتذكر (الأثمان عدة) ولبن بقر أو غنم أو غيرهما وتأخذ كل يوم من ذلك ما تتفقان عليه، وكذلك ابتياع اللحم من القصاب، ويجوز في هذا النوع تأخير رأس المال بخلاف السلم.
وقد قيل البيوع ثلاثة أضرب وأسقط منها ذكر السلفة والتقسيم الأول أصح، والله الموفق (للصواب).
أخبرني أبو مروان (عبد الله) (بن محمد) بن مالك: أن إنسانا من أهل تاكرنة استسلف مالا وأخذ سلما، وقال: أؤدي إليك من مالي بتاكرنة فمنع من (ماله)، وحيل بينه (وبينه)، وقام المسلم يطلبه بدينه فأفتى صاحب المظالم؛ أبو عبد الله بن عبد الرؤوف، وأبو محمد (عبد الله) بن الشقاق، وأبو محمد بن دحون وغيرهم: أنه (يلزمهم) أداء دينه، وإن حيل بينه وبين ماله الذي ذكره.
وأفتى القاضي (أبو المطرف) عبد الرحمن بن بشر أنه لا يلزمه أداء دينه إلا من ماله بتاكرنة قال لي: فعرض جوابه هذا على الفقهاء المذكورين، فرأوه صوابا، ورجعوا إليه
стр. 262
وتركوا جوابهم الأول، واحتج لجوابه لما رواه أشهب وابن نافع عن مالك، في الرجل يتعين عطاؤه فيحسن العطاء وله مال فيه وفاء بما عليه من تلك العينة. قيل لمالك: أو يأخذ ذلك من ماله؟ قال: لا أرى ذلك.
وذكرت هذه النازلة لأبي عبد الله بن عتاب، فقال لي: لست أذكر أنها جرت عندنا، وينبغي ألا تجوز، كما قال ابن القاسم فيمن ابتاع سلعة بدنانير له معينة غائبة، يريد أنه قبض السلعة، ولم يشترط خلف الدنانير إن ضاعت، على ما في كتاب الرواحل من المدونة.
وفي سماع عيسى (من العتبية) قال لي: وليست مسألة العطاء من ذلك، لأن العطاء كان مأمونًا ولا يخاف (تواه) في الأغلب، وذكر ابن حبيب في كتابه عن أشهب، قال: سئل مالك عمن باع رزقه الذي يخرج له بالجار سنتين ثم مات، فقام الغريم على الورثة في ذلك، أيكون ذلك له عليه حالا، قال: نعم، ذلك لهم عليهم حالا، يعطونه قمحًا مثل القمح الذي باعه من رزقه، وعلى صفته، وكذلك الذي بيبع عطاءه ثم يموت، يؤخذ ذلك من ميراثه، وقال فضل: هذا يدل على أنه إن قطعه السلطان منه بعد ما باعه، فعلى البائع أن يحضر ممثله عند الأجل.
قال (القاضي): وفي المدونة في كتاب البيوع الفاسدة؛ عن نافع عن ابنعمر (أنه كان يبتاع البيع ويشترط على (صاحبه)، أن (يعطيه) إذا خرجت غلته أو إلى إعطائه.
من ابتاع أرضًا أو دارًا فيها شجر قد أبرت ثمرته أو طابت:
قال أبو عبد الله بن عتاب: شاهدت أبا عبد الله محمد بن عمر بن الفخار، (رحمه) الله في سنة أربع مائة، استفتى في رجل باع ملكا بقرية، وفي الملك شجر زيتون قد طاب ثمرها، ولم يشترط المبتاع الثمر، إلا أن في الوثيقة اشترى فلان من فلان جميع ما حوته أملاكه في الأرض والشجر، على نحو ما يجري في العقود، ولم يذكر الثمرة فأراد المبتاع أخذها.
فأفتى أبو عبد الله بن الفخار: بأنها له، واحتج على ذلك بأن الشجر نفسه لو لم يذكر في الابتياع لدخل فيه، وكان تبعا للأرض، فإذا دخلت (الأصول) في الشراء، فالثمرة المتولدة (فيها) هي فرع منها، أحق بالدخول فيه. قال ابن عتاب: ولم يذكر أبو عبد الله هل جوابه عن رواية، ولم يسأل عن ذلك إذا كان لا يجترئ عليه بالسؤال عنه،
стр. 263
لاسيما من صغرت سنه، وكان ابتداء طلبي، ثم انتقل عن قرطبة سنة ثلاث وأربع مائة ولم يمكني استفهام (عنه) فاعتقدت ذلك من فتواه، وكان حافظا ذاكرا للروايات، ولم أزل أطلب ذلك إن كان عن رواية.
فلما امتحنا بالفتوى نزلت هذه المسألة في دار بيعت وفيها نخلة مزهية، فأفتيت فيها بما كنت ضبطه عنه وحفظته منه، إذ حقق ذلك عندي النظر وصحة الخبر في الحجة التي احتج بها؛ أن الأصل تابع للأرض (فثمرته تابعة له) وخولفت في ذلك ولم أزل أطلبها أواصل البحث عنها، وأذاكر أهل الحفظ بها، فمن مستغرب لها مصوب، ومنكر مشعب.
إلى أن ظفرت بها سنة سبع وثلاثن وأربع مائة، لمحمد بن عبد الحكم في كتاب الشروط من تأليفه، قال محمد بن (عبد الحكم): من الناس من يقول (إذا) اشترى دارا بما فيها، وفيها نخل، فالثمرة للمشتري طابت أو لم تطب. فأما نحن فنجعل ذلك للبائع إذا أبرأ، إلا أن يشترطه المبتاع اتباعا للسنة فيه الآثار والذي أقوله في ذلك، ما شاهدت الفتيا به، وبه نفذ الحكم، وبالله التوفيق.
مسألة بيع الحرير التي هي من زي الرجال والذهب المغزول:
سئل ابن عتاب عمن صناعته عمل الحرير، وهل هو في سعة من عمل عمائم منه وشبهها مما لا يلبسه إلا الرجال، وهل بيعها مباح له؟ فقال: لا بأس بيعها وعملها، وإن كانت مما (يلبسه) الرجال؛ لأنه قد يشتريها من لا يلبسها، ومن يصرفها في غير الملبس.
وفي ثمانية أبي زيد هذا المعنى، قال أبو زيد سئل عبد الملك عن بيع ثياب الحرير من الوشي وغيره ممن يلبسها ولا يتحرج لباسها من المسلمين، كقلانس (وشي) الحرير، وجباب الحرير من الوشي، وغير ذلك، هل ترى على بائعه شيئًا؟ قال: لا شيء عليه، وليس هذا مما ينهي من بيعه، قد يشتريه من يلبسه، ومن لا يلبسه، وليس هذا بشيء، (ورأيته) ضعف ذلك. قال: وقال الأصبغ مثله.
وسألت أبا المرطف بن سلمة: عن بيع الذهب المغزول المحمل على الجلد، هل يجوز بيعه بالذهب؟ فقال: لا يجوز لأنه التفاضل بين الذهبين، ويجوز بيعه بالفضة يدًا بيد (إن شاء الله).
стр. 264
قال القاضي:
وهذا عندي صواب وكان قد حكى لي عن أبي عمران بن القطان فيها شيء لم أتحققه، وبالله التوفيق.
باع دارا أو أسطوان دار، وشرط على المبتاع ألا يجعل فيها طاحونة: ابتاع رجل أسطوان دار، وعقد الوثيقة في ذلك أبو محمد بن الشقاق، فكتب اشترى فلان بن فلان من دراه التي بحاضرة قرطبة، بحومة مسجد كذا وحدها كذا، جمع أسطوان هذا الدار (المكشوف إلا على بقاعة هذا الأسطوان)، وحيطانه (المحدقة به) من جهاته الأربع، مع باب الدار، والعتبة، وما تبقى من حوائز الغرفة التي كانت عليه، والمدخل إلى ذلك كله، والمخرج منه إلى باب الدار، على أن يقلع البائع باب الفصيل الذي كان يفضي منه إلى الدار المحددة، ويبني البائع باب الفصيل بنيانا حسنًا بالطوب، بعد أن يجعل لها أساسًا مما يصلح له.
وشرط البائع على المبتاع؛ ألا يجعل في هذا الأسطوان طاحونة يطحن عليها كما يطحن على المطحونات، وعلى ذلك انعقدت صفقة التبايع، ثم إن المبتاع جعل في الأسطوان طاحونة، فقام عليه البائع في ذلك عند صاحب السوق فشاور فيه.
وجاوب ابن طاحون وأبو على المسيلي:
البيع جائز والشرط ساقط، وللمبتاع إقامتها. زاد المسيلي: ويمنع من الضرر.
وجاوب أبو المطرف (عبد الرحمن) بن جرح:
البيع جائز، والشرط جائز، ويقضي على المبتاع بقطع الطاحونة.
وجاوب أبو عبد الله بن عتاب:
قرأت ما خاطبتنا به، وفحصته، والعقود المنعقدة في البيوع بالشروط في مددها تنقسم إلى أربعة أقسام:
قسم منها: يصبح فيه البيع والشرط، وقسم ثان: يصبح البيع فيه ويبطل الشرط، وقسم ثالث: يبطل البيع فيه والشرط، ويغلبان على فسخ ذلك.
وما خاطبتنا به ليس من هذه الأقسام الثلاثة ولا من بابها، وهو من القسم الرابع: الذي الشروط فيه مكروهة، فإن وقع البيع بها؛ خير مشترطها إن كان المبيع لم يفت في إسقاطها، ويصح البيع وينفذ، أو التمسك بها ويفسخ البيع بها، وإن فات المبيع سقط
стр. 265
الشرط ووجبت القيمة في ذلك، فإن كان الأسطوان على حاله يوم التبايع فالبائع مخير، إن أحب إسقاط الشرط نفذ البيع وجاز وإن لم يسقط فسخ البيع فيه، وإن كان الأسوان قد فات بما تفوت به الأصول من الهدم والبناء سقط الشرط ولزم المبتاع في القيمة، إلا أن تكون أقل من الثمن الذي ابتاع به، فلا ينقضي منه؛ لأنه قد رضي بذلك الثمن من الشرط الذي التزمه، فإذا سقط عنه الشرط لم تكن له حجة، فإن أثبت البائع عندك ضررًا بطاحونة نظرت له في ذلك إن شاء الله .
ابتاع كرم بثمن مؤجل على أن ينفقه في تحصين الكرم وعمارته:
ابتاع فرج من رجل اسمه سليمان نصف كرم، وعقد البيع بينهما أبو محمد بن دحون فلما بلغ موضع ذلك الثمن، قال بعد معرفتهما بقدر ما تبايعاه ومبلغه بخمسة عشر مثقالا عيونًا ذهبًا: صارت هذه العدة لسليمان قبل فرج ذمته وماله منجمة عليه في ثلاثة أعوام.
أولها تاريخ هذا الكتاب، ويضيف إليها من ماله مثلها، ويتولى إنفاق الجميع في تحصين هذا الكرم المحدود، واعتماد جميعه في الثلاث الأعوام المذكورة، وذلك في استقبال أول عام منها مثقالان في قطع الشعراء منه، ثم في أبان الزبر والحفر من هذا العام الأول يحفره ويزبره بثمانية مثاقيل من العدة المجتمعة، ثم في استقبال العام الثاني تحصين جميعه بحائط يحدقه به، ينفق فيه من العدة المجتمعة عشرة مثاقيل، وينفق فيه في هذا العام الثاني لزبره وحفره، مع ما يستزف من غلته في زبر جميعه وحفره في العام الثالث تتمة للعدة المذكورة.
ويكون المبتاع وفرج المذكور متولي النظر في ذلك كله، والتعاهد به في المدة المذكورة، وكله على ذلك يليان توكيلا أقامه فيه مقام نفسه، وقبل فرج ذلك من توكيله والتزمه، وخلص للمبتاع فرج بهذا الابتياع ملك النصف المبيع من الكرم المحدود، وصار جميعهما مشتركا بينهما بالسوية لا فضل لواحد منهما في شيء منه على صاحبه، بيعًا صحيحًا تامًا عرفًا قدره، وبلغ المؤمنة في العمل المذكور، وتواصفاه صفة عرفاها ووقفا عليها وأكمل العقد.
فقال البائع سليمان عند الوزير صاحب السوق أبي علي حسن بن ذكوان فشاور في ذلك، فاختلف فيه.
стр. 266
جاوب ابن جرح:
تصفحت ما خاطبتنا به، والعقد الذي انعقد بين فرج وسليمان في ابتياع نصف الكرم على الشروط التي تضمنها كتاب الابتياع فاسد من وجوه وعلل كثيرة منها أن فرجا ابتاع نصف الكرم خمسة عشر مثقالا على أن يعتمر جميع الكرم بها وبمثلها من ماله في ثلاثة أعوام، أولها تاريخ الابتياع، فصار لا يمتلك النصف الذي ابتاع إلا بعد مرور الأعوام التي اشترط اعتمار الكرم فيها، ومثل هذا البيع لا يجوز عند مالك، روى ذلك عنه ابن القاسم وأشهب، ومالهما من مخالف عن أصحابهما.
قال مالك فيمن ابتاع من رجل نصف سلعة على أن يبيع المبتاع النصف الثاني لصاحبه في غير البلد الذي باع منه النصف، لا يعجبني هذا البيع.
وقال ابن القاسم: لا يجوز هذا البيع، وكذلك لو قال: أبيعك نصف هذه الأشياء على أن تبيع لي النصف الآخر في موضع كذا لبلد آخر.
وقال أشهب: أنه إن ضرب أجلا لبيعه في البلد الذي ابتاع فيه، فلا يجوز وهو أحرم له.
ومن علل هذا البيع، أنه لم يشترط خلف الخمسة عشر مثقالا نصف ثمن الكرم، ولم يشترط في العقدة خلفها إن تلفت، والذي أقوله أن يقضي بفسخ هذا البيع بينهما، ويكون على فرج قيمة نصف الكرم على هيئة يوم قبضه؛ لأن البيع الفاسد إذا فات لزمت المبتاع قيمة ما ابتاع يوم قبضه.
وجاوب ابن دحون:
بأن البيع جائز ماض على حسب ما وقع، وقال المسيلي: قول في هذه المسألة على قول الشيخ يريد ابن دحون. فله سابقة ورسوخ، وهو كما قال الأول:
إذا ما جرى للمسجد والقوم خلفه تناول أقصى جهدهم وهو وداع.
وجاوب ابن الشقاق:
لم يحضرني في هذا جواب أرتضيه، وقد جاوب الفقيه أبو محمد بما تراه، والله يحملك على الصواب.
وجاوب أبو عبد الله بن عتاب:
سيدي ووليي، قرأت ما خاطبتنا به وتصفحت عقد ابتياع ابن فرج لنصف الكرم
стр. 267
الذي ابتاعه، فرأيت فيه عللا ووجوها من الفساد، منها: ما ذكر فيه أنه اشترى من سليمان يصف الكرم بخمسة عشر مثقالا، صارت هذه العدة لسليمان قبل فرج في ذمته وماله، منجمة عليه في ثلاثة أعوام، وهذا دين لازم لفرج.
ثم ذكر في العقد أن المبتاع يضيف إليها من ماله مثلها، ويتولى إنفاق الجميع، مع ما يغل الكرم في الأعوام الثلاثة في الوجوه التي ذكرها، وفيه أن سليمان وكل فرجا على الإنفاق المذكور، ثم أعقب هذا اللفظ بما ينقضه، وذلك قوله بيعًا صحيحًا، عرفًا قدره ومبلغه ومبلغ المؤمنة فيه، وتواصفا العمل الموصوف صفة عرفاها ووقفا عليها، ففسخا العدة التي صارت في ذمة فرج المنجمة عليه في ثلاثة أعوام، مع ما يضيف إليها ومع غلة الكرم في الأعوام الثلاثة في عمل تواصفاه ووقف عليه، لا يتعجل البائع سليمان قبضه.
وهذا والله أعلم داخل في حكم الدين بالدين الذي نهى عنه الرسول ﷺ ، والذي بالدين عند مالك إنما هو في المضمون جميعًا، قد حكم مالك بما أشبهه، ودخل في معناه بحكم الدين بالدين، وجعله من بابه، كما جعل الذمة بالذمة من وجه الدين بالدين، وحكم لها بحكمه.
ومن وجوه فساد هذا العقد، قوله فيه: أن يضيف فرج إلى الثمن مثله وينفق الجميع في الكرم، فاستجد البائع- بما يضيفه المبتاع من ماله ونفع مال غيره، وقد يحط البائع من الثمن لذلك، وقد كره مالك ما يشبهه، ووقع في كتاب القراض؛ قال مالك: لا يصلح أن تقول: أقارضك بألف أن تخرج من عندك ألفًا، وتعمل بها جميعًا.
قال ابن القاسم: وإنما كررهه الاستغزار الشراء، ولأنه يجز إلى نفسه منفعة مال غيره.
ومما يفسده أيضًا؛ التزامهما لنفقة غلة الكرم في الأعوام الثلاثة، فصار فرج لا يمتلك نصفه ملكًا تامًا، ولا يتصرف في اغتلاله إلا بمرور هذه الأعوام، ولهذا من مسائل مالك يطول ذكرها.
وذكر في العقد أن سليمان وكل فرجًا على نفقة الخمسة عشر مثقالا التي صارت في ذمته في الكرم المذكور، وإنما يصح هذا ويسلم من المكروه فيه؛ إن كان البائع حاضرًا وقت النفقة، وأما إن لم يكن حاضرًا؛ فقد كره مالك ذلك.
قال في كتاب الوكالات، فيمن له على رجل ألف درهم، فيقول: اشتر لي بها سلعة
стр. 268
أو دابة أو جارية، قال: إن كان الأمر صاحب الدين حاضرًا، حيث يشتريها له المأمور الذي عليه الدين، لم أر بذلك بأسا، وإن كان غير حاضر، لم يعجبني فهذه الوجوه مما تفسد البيع.
وحكم البيع الفاسد إذا لم يكن حرام بينًا؛ الفسخ، إلا أن يفوت، فإن فات وجبت فيه القيمة يوم القبض، واختلف فيما تفوت به الدور والأرضون في البيع الفاسد.
فقال ابن القاسم: لا تفوت إلا ببيع، أو بناء، أو هدم، أو غرس، ولا تفوت بحوالة أسواق، أو طول أزمان. وقال أصبغ في ثمانية أبي زيد: إن اختلاف الأسواق في البيع الحرام، فوت في الدور والأرضين وكل شيء، فإن كان المبتاع قد فوت النصف بالغرس والعمارة؛ لزمته قيمته يوم قبضه ما بلغت القيمة، وله الغلة، وأما ما أنفقه فرج في نصف سليمان؛ فقد اختلف قول ابن القاسم فيما يشبه هذا، فقال: له ما أنفق، وقال قيمة ما أنفق.
والذي أرى في المسألة: أن له ما أنفق؛ إذا كانت نفقته سدادا؛ لأنه أنفق لسليمان وبإذنه، فيرجع به عليه، ولسليمان النماء، وعليه النقصان، ولأن بنفقة فرج كثرت الغلة، وقد استغل سليمان نصفه. ومن شبه هذه المسألة بقول مالك فيمن باع بدنانير على أن يأخذ فيها دارهم، فقد شبهها بما لا يشبهها، إذ البيع في مسألة مالك إنما وقع بالدراهم، وبها يرجع إن كان استحقاقا، وإياها يرد إن رد بعيب، ولم يجب عليه قط دنانير لا يستطيع البائع أن يأخذها أبدًا في هذه المسألة، وبها احتج ابن القاسم في جوازها.
وفي مسألة بيع نصف الكرم، إنما وجب للبائع في ذمة المبتاع دنانير يصرفها في عمل، وكذلك تشبيه بقول مالك فيمن اكترى دارًا على أن عليه مرمتها من الكراء، أن ذلك جائز، وهذه المسألة لم يذكر فيها أن الكراء وقع بنقد أو دين، ولا يكف عرف أهل البلد في الكراء، وإذا لم يذكر ذلك فيها؛ فكيف يصح له الاحتجاج بها؟ والبيع بتمام عقده يجب على المبتاع دفع الثمن، وعلى البائع إسلام ما باعه، والكراء مخالف له، ليس يجب على المكتري بتمام عقد الكراء إذا لم يكن عرف، ولا شرط في تعجيل دفع الكراء، وإنما يجب عليه بالسكنى.
فالذي وجب على مكتري الدار، واشترط مرمتها، وتعلق بذمته دنانير، لا ما يواها من المرمة، وفي هذا بيان لمن أنصف.
ومن جعل من علل العقد الذي شاورت فيه؛ ترك اشتراط خلف ثمن نصف الكرم
стр. 269
إن تلف، وشبه ذلك بمسألة مالك في الذي يبيع السلعة على أن يتجز له بثمنها سنة، أنه إن لم يشترط الحلف فيها لم يجز.
فشبه شيئًا بما لا يشبهه، وكيف رأى اشتراط خلف ثمن نصف الكرم وهو في ذمة المبتاع، أم كيف يخاف تلف ما في الذمة إلا بعدم يصحبها إلى الموت، فتلف الدين بتلفها، وإنما يحسن اشتراط الخلف في مسألة مالك، لأن الدنانير إذا صرفها في التجر قد يخسر فيها، وينقص بذلك عددها، حتى تتلف السلع المشتريات فيها، لذلك رأى اشتراط خلفها.
وفي مسألة مالك معنى لطيف، ليس هذا موضع ذكره، إذ ليس من المعني الذي شاورت فيه، وبالله التوفيق.
قال القاضي:
الذي أشار إليه ابن عتاب بقوله هذا، والله أعلم، أن في المدونة، في مسألة: من باع سلعة بمائة دينار على أن يتجر بها المشتري للبائع سنة، جاز، إن اشترط إن ضاع المال أخلفه البائع، فإن ضاع ولم يرد أن يخلفه، قيل له: اذهب بسلام ولا شيء على المشتري، فدل قوله في اشتراط خلف المائة على البائع، أن ضمانها منه إن تلفت، وأنه في أمانة المشتري لا في ذمته، وإنما يصح ذلك بأن يخرج المشتري المائة ويحضرها، وحينئذ يتجر بها في المستقبل، لتنتقل من ذمته إلى أمانته.
فما كان فيها من ربح أو وضيعة، كان من البائع، فإن استحقت السلعة المبيعة من يد المشتري، لم يكن له على البائع إلا المائة دون ربحها، مع أجرة مثله في تجارته بها. وهذا الذي أراد ابن عتاب والله أعلم.
ولهذا بسط وبيان تركته كراهة التطويل، وكذلك في تهذيب أجوبتهم كلام طويل، لاعتراضات فيها، واختلال في بعض معانيها، وأبين ما في ذلك العقد عندي من الفساد؛ أنه باع نصف كرمه بثمن وأجرة مجهولة، لاشتراطه على المتاع-فرج- عمارة الكرم وتحصينه بالثمن، ومثله معه، وبما يأخذ في الأعوام الثلاثة من غلة، والحاصل في الغلة مجهول، وكذلك التصرف في إنفاقه مجهول.
لأن الاشتغال بإنفاق مائة دينار، أكثر من الاشتغال بإنفاق عشرة دنانير أو عشرين في إصلاحه وقد لا يغل، وليس في المخاطرة والغرر أبين من هذا، وكأنه قال له: أبيع منك نصف هذا الكرم بخمسة عشر منجمة في ثلاثة أعوام، على أن تنفقها ومثلها من عندك،
стр. 270
وما بغلة الكرم في هذه الأعوام. في مصالح الكرم وعمارته، وإن لم يغل شيئاً، نظرت في إنفاق الثمن ومثله معه لا غير.
وأين هذا من قوله، وعرف قدر المؤنة فيه.
وروى عيسى عن ابن القاسم، فيمن قال استأجرك شهرًا بعشرة دراهم، على أن تبيع لي ما جائني، فإن لم يجني شيئًا فلك إجارتك كما هي؛ أنه لا خير فيه، ولا يصح حتى يكون شيئًا ثابتًا، يقول: أستأجرك على أن تبيع لي، فإن جاءه ما يبيع له، باع، وإلا أجره في مثله لا خير فيه، يكون هكذا وراءه من الغرر إذا كان على غير شرط، هذا نص الرواية في العتبية، وهي نفس مسألة الكرم وبالله التوفيق.
وسحنون لا يجيز البيع والأجرة إذا كانت الإجازة في البيع نفسه، فعلى مذهبه لا تجوز مسألة الكرم أيضًا، لأن النظر والإصلاح في المبيع نفسه، وهو الكرم، وهو يجيز مسألة بيع السلعة بمائة، على أن يتجز المشتري بها سنة، وإن لم يشترط خلفها، وكذلك يأتي على مذهب ابن حبيب في هذا الأصل.
السلم وشبهه في الدار المبيعة لمن يكن:
سألت ابن عتاب: عمن باع دارًا فيها مطاحن لم تذكر في التبايع، فأراد البائع أخذها، ومنعه المبتاع منها.
فقال: إن كانت مبنية فهي للمبتاع، وكذلك الدرج المبني، وإنك كانت غير مبنية فهي للبائع، وكذلك السلم الذي ينقل من موضع إلى موضع.
وقال بعض من حضر: اختلف في الحجر الأعلى من المطاحن، وفي وثائق ابن العطار؛ في الحجر الأعلى؛ أنه للبائع، وفي الأسفل أنه للمبتاع، لأنه مبني، فهو كسائر الدار، وقال في السلم، هو للمبتاغع، بخلاف ما قال ابن عتاب.
وقال القاضي أبو بكر بن زرب في مسائله:
مما يؤكد أن السلم يكون في الدار، أنه لمبتاعها؛ ما ينعقد في وثائق أشرية الدور بجميع منافعها ومرافقها، فالسلم من المنافع، ولا يوصل إلى الغرفة إلا به. قال له ابن محسن: قد رأيت لابن حبيب ما ذهبت إليه، أن السلم يدخل في البيع. فقال: ما رأيته، ولكن جئني به لأراه، فقال: نعم، آتيك به إن شاء الله، فقال بعض أصحابه: ينبغي على هذا القول أن يدخل الدلو والحبل والبقرة في البيع، إذ لا يوصل إلى الانتفاع بالبئر إلا
стр. 271
بذلك، كما لا يوصل إلى الغرفة إلا بالسلم، فقال: ليس هذا مثله، والسلم خلاف ما ذكرت، والسلم عندي من منانفع الدار، وهو داخل في البيع، وليس للبائع أخذه هذا مذهبي.
قال القاضي:
يؤيد ما ذهب إليه القاضي وابن العطار في السلم، وما في سماع عيسى عن ابن القاسم فيمن اكترى منازل سنة، وفيها علي ليس له سلم، فقال لصاحب المنازل: اجعل للعول سلمًا، ولم ينتفع به المكاري، حتى انقضت السنة قال: ينظر إلى ما يصيب ذلك العلي من الكراء، فيطرح على المكاري.
ابتاع دارًا يتصل بها حانوت أو جنة، وادعى دخول ذلك في ابتياعه:
كتبت إلى شيوخنا في قرطبة في سنة أربع وخمسين وأربعمائة، فيمن باع داراً ينتظم بها حانوت، له باب يفضي منه إلى الدار، وباب آخر ينجز عليه، وعقد العقد وقيل فيه، بمنافعها، أو لم يعقد. وآخر باع دارًا تتصل بها جنة، محدق عليها، وليس لها باب ولا طرق إلا على الدار، وادعى المبتاع دخولها في صفقته، وخالفه البائع.
فجاوب ابن عتاب:
أما الدار والجنة، فإن حدود المبيع في عقد التبايع، دخل في البيع ما اشتملت عليه الحدود، فإن اشتملت عليه جميعًا، نفذ البيع فيهما، وإلا لم يدخل فيه ما خرج عنهما، وهذا ما ذكرت أنه لا مدخل لها إلا على الدار، والحانوت مخالف للجنة عندي، إذ له باب آخر، ولا يصح الجواب فيه إلا بعد الوقوف على ما يقوله المتبايعان.
وقد يمكن أن يستدل على هذه القصة بما في الواضحة لابن حبيب، في تأويل الحديث الذي وقع أيضًا في المستخرجة من جامع البيوع، أن مروان اشترى من إبراهيم بن نعيم بن النحام نخلاً له، فقال إبراهيم: إنما بعتك النخل وحدها، وقال مروان إنما اشتريت النخل والبقعة. ولا أتقلد الجواب إلا بعد البيان، ولا أحسبها نازلة فتركت الاشتغال بها، ونبهت على موضع الاستدلال لها، والله أسأل التوفيق.
وجاوب أبو عمر أحمد بن محمد بن القطان:
أما الحانوت فلا يدخل في بيع الدار، وإن كان له إليها باب مفتوح، إلا أن تحد وتشتمل عليها الحدود، وإلا فالحانوت غير الدار، وكذلك الجنة، إذا لم يقع تحديد لأنها
стр. 272
غير الدار.
وجاوب ابن مالك:
إذا كان المتبايعان حد الدار، فيحسب المتبايعان والوقوف عند ذلك، وإن كان لم يحداها ويعرفانها؛ فالحانوت لا يقال له دار في المتعارف، فلا يدخل في البيع والجنة أيضًا لا تدخل في البيع، ولعله يمكنه مدخل يوما ما.
قال القاضي:
الذي نبه عليه أبو عبد الله بن عتاب من خبر بن النحام، ذكره ابن حبيب من آخر العاشر من بيوع الواضحة، عن أبي معاوية المزني عن يزيد بن عياض: أن مروان بن الحكم اشترى من إبراهيم بن نعيم بن عبد الله بن النحام نخلال له، كانت في موضع دار مروان أو في بعضها، فقال إبراهيم إنما بعتك النخل دون البقعة، وقال مروان بل اشتريت النخل والبقعة، فنكل عن اليمين، فسلم المبيع لمروان مع يمينه.
قال ابن حبيب: وتفسيره أن يقول البائع: إنما بعتك النخل وحدها، نصصت ذلك وبينته، ويقول المبتاع: إنما بعتني النخل والأرض جميعًا، نصصته نصًا، فيكون القول قول البائع مع يمينه إن كان انتقد الثمن، فإن نكل؛ حلف المبتاع، وصدق، ولا يتحالفان ويتفاسخان، فأما إن تقارا أن البائع قال: أبيعك هذه الحديقة وهذا الحائز؛ فالأرض والشجر جميعًا يجمعهما البيع، وكذلك إن قال: أبيعك أرضي هذه، أو الأرض التي لي بموضع كذا وفيها شجر، والشجر تبع لها، كما الأرض تبع للشجر، على ما ذكرنا.
وهكذا، أوضح لي مطرف، وابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ، وقال لي أصبغ: وهو قول ابن القاسم أيضًا.
قال القاضي:
تركت كثيرًا من هذه المسألة اختصارًا، ووقع خبر ابن النحام في نوازل سحنون على ما ذكره ابن حبيب، ولو كان البائع لم ينقد الثمن، وقال: إنما بعت النخل وحدها، وادعى المبتاع أنه اشتراها جميعًا، وبين ذلك؛ تحالفًا وتفاسخا. وكذلك في مسألة الدار والحانوت والجنة، إن ادعيا البيان واختلفا، تحالفا وتفاسخًا.
وبهذا الوجه يتم جوابها، وإنما وقع جواب الشيوخ فيها على أنهما لم يبينا، ووقع التبايع منهما بينهما، وكذلك في هذا الفصل من كتاب القسمة بينهما من المختلطة، ابتاع
стр. 273
من هذا التسعة الأثواب بدينار، وقال المبتاع: وهذا الثوب العاشر معهما أنهما يتحالفان ويتفاسخان، والله تعالى أعلم بالصواب وهو الهادي إليه بفضله لا شريك له.
وسئل أبو عمر بن القطان:
عمن باع جميع أملاكه بقرية كذا، وقال في عقد الابتياع في الدور والدمن والأفنية والزيتون والكرم، ولم يزد في الوثيقة على هذا، وللبائع في القرية أرجاء لم تذكر في الوثيقة، وما لم أذكر -وهو الأرجاء- لم يدخل في المبيع فكتب بخطه: الأرجاء للمبتاع، وجميع ما بالقرية من العقار.
قال القاضي:
هذا الجواب يوافق ما في سماع أصبغ في كتاب الصدقة، ويخالف قول قاسم بن محمد، هكذا ألفيت هذه المسألة في بعض الكتب، وقد مرت نظيرتها من جواب ابن زرب في الوصايا.
البيع بثمن يحل في شهر كذا:
في مسائل ابن زرب، قال القاضي فيمن باع بيعًا، واشترط محل الحق عليه وكان ابن لبابة يقول: هو أجل مجهول، إلا أن يقول أول الشهر أو آخره أو وسطه، قال: ولست أقول بهذا، وقد رأيت لمالك في المبسوط: أنه أجل معلوم ويكون محل الأجل في وسط الشهر إذا قال في شهر كذا، وفي وسط السنة إذا قال في سنة كذا، واستحسن القاضي هذا، وقال: أليس البيع إلى الجذاذ أو الحصاد جائز، وهذا حق بالجواز.
قال القاضي:
ولمالك في كتاب شك في طوافه نحو ما جاء عنه في المبسوط، سئل عن رجل صالح في دم، على أن يعطي في كل سنة كذا وكذا وكان شرطه أن يعطاها جملة، وقال الذي عليه الإبل: آتيك بها رسلا رسلا يتبع بعضها بعضًا، وقال الذي له الإبل: وأنا على شرطي، ولا آخذا إلا جملة واحدة، قال مالك: ما أرى بأسًا أن يأخذا رسلا رسلاً، فردد عليه، فرأى ذلك أن يعمل به، فقيل له: إنما اشترط عليه في سنة، ولم يسمها في شيء من السنة قال: أرى أن يعطى في وسطها يعني السنة.
قال القاضي:
وسألت أبا عمر ابن القطان عن العقد يؤرخ لصدر شهر كذا من سنة كذا، كم
стр. 274
الصدر؟ فقال لي: الثلثان والنصف:
واحتج بما في سماع ابن القاسم عن مالك: فيمن له على رجل حق، فقال لغريمه: إن لم يقبض صدرًا من حقي يوم كذا وكذا؛ فعلي المشي إلى بيت الله إن لم ألزمك بحقي كله، قال مالك: إن الصدر ثلثا، ولو قيل النصف، لكان قولا، ولكن الثلثين أحب إلي، إلا أن يكون حين حلف قد أجمع على شيء من أمره؛ فهو على ما أجمع.
وسألت ابن مالك عن ذلك فقال: اليمين يتقي فيها دخول الحنث؛ إن لم يستوف ما حلف عليه، وذهب إلى أن الصدر في العقد أقل من ذلك، وهو الأشبه فيه عندي أن يكون ثلث الشهر أو ما قارب منه، وقد قال ابن حبيب فيمن حلف ليرضين غريمه إلى أجل سماه، فلما حل الأجل أحاله به على غريمه، أو أعطاه به عرضًا، أو رهنًا، أو قضاه منه صدرًا مثل الثلث فما فوقه، أو جميلا أو أرضاه بذلك كله، بره. قاله مالك.
ورواه ابن وهب وغيره، وقاله ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك، لم أعلمهم اختلفوا فيه، فقد أطلق في هذه المسألة صدر على الثلث فأزيد، والله أعلم بالصواب.
بيع أنقاض الحصاد المبنية في أفنية السلطان وفي الأرض المحبسة:
في كتاب الشفعة من المختلطة: من أذن لرجلين أن يبنيا عرضة له فبنياها، فباع أحدهما حصته من النقض؛ فلشريكه الشفعة فيه؛ إن لم يرد رب البقعة أخذه بالقيمة، وفي غيرها عن أشهب وسحنون: أن بيعه لا يجوز؛ لأن رب العرصة له أخذه، فتارة يشتريه بناء، وتارة نقضًا.
وسئل مالك عن قوم حبست عليهم دار، فبنوا فيها، ثم مات أحدهم، فأراد بعض ورثته أن يبيع نصيبه من ذلك البنيان، هل لإخوته شفعة؟ فقال: إذا نزل مثل هذا؛ فلهم فيه الشفعة. قال ابن عبدوس: قال سحنون: هو يقول ما بني في المحبس فليس له أخذه، ولا بيعه، ويكون محبسًا، قيل له: فلعله أراد حبس عمري، قال: فبيع النقض إذاً لا يجوز، وينقض، ولا شفعة فيه؛ لأنه بيع فاسد، وهو قول أشهب. وقال: لا يجوز بيعه إلا لضرورة في دين وشبهه فيجوز، وقال: هو كالشريك يبيع حصته من العبد بعد عتق شريكه، فلذلك غير جائز.
وفي العتبة، في سماع أشهب عن مالك، فيمن ابتاع قصبًا وأبوابًا وكل بنيان في الدار، إلا أن البقعة قطيعة من أمير المؤمنين، على أن أتباعه في كل ما اشترى على البائع إلا
стр. 275
البقعة، لحق المشتري في شيء مما اشترى سوى البقعة، فهو على البائع قال: هذا البيع ليس بجائز، ولا حسن.
وفي كتاب ابن المواز: ومن ابتنى في أرض من أرض السلطان، ويؤدي إليه الكراء، فبيع الباقي النقض قائمًا، وربما زاد عليهم السلطان في الكراء، فإذا باع النقض ولم يشترك كراء مسمى ولا يقول: أحول اسمك مكان اسمي، جاز. قال محمد: إنما هذا في أرض السلطان التي لا تنزع ممن بني فيها، فأما لغيره فلا يجوز للباقي بيع النقض ولا شيئًا منه على حال.
قال القاضي:
يريد: لأن رب الأرض مقدم في دفع قيمته منقوضًا. وفي وثائق ابن العطار: ولا يجوز بيع حوانيت الحصى، التي قاعتها للسلطان، منالموت وشبهها من المباني المحدثة في الموات، وبطون الأودية المجاورة للعمران، على أن يبقى بنيانها قائما فيها على حسبه وقت التبايع، إذ القاعدة لغير البائع. ولا يدري كم يترك بنيانها فيها فيدخله الغرور والفساد وإن وقع هذا؛ فسخ البيع ورد المبيع إلى بائعه، وإن فات بهدم وشبهه؛ فعلى المتاع قيمته منقوضًا.
وإن باعه على أن ينقضه المبتاع، ووقف على ما فيه من صخر وغيره؛ جاز إن لم يضمر بقاءه قائمًا على حاله، فإن أضمرا ذلك وشرطاه؛ لم يحل، وإن أظهر في العقد أمرًا صحيحًا لأنه يزيد في الثمن لذلك، وهو لا يدري متى يخرجه السلطان، أو يأخذه بقيمته، ويفسد أيضًا من وجه آخر إن شرط إبقاءه، ويؤدي عن القاعة خراجها شهرًا فشهرًا إلى السلطان، فيكون قد أكراه إلى غير مدة معلومة، يخرجه السلطان عنها إن شاء، ولا يمكنه من الانحلال عنها إذا أراد، وإن مات اتبع السلطان ورثته بخراجها، فصار كالمغارم التي يتبرأ بها عن الأملاك المبيعة.
وفي مسائل القاضي أبي بكر بن زرب قال:
لا يجوز بيع أنقاض الحوانيت التي تقام في أفنية السلطان بالحصاة والحساس ونحوها، فإن انعقد البيع فيها دون الأصل لم يجز، إذ المعلوم فيها لولا رجاؤه بتركه فيها لم يعط صاحبها ذلك الثمن بها، قال له ابن دحون: فلو باع هذا النقض صاحبه، واشترط على المبتاع قلعة، فتبسم وقال: هذه حيلة لو سمعها الناس لاحتالوا بها.
стр. 276
وذهب إلى أن ذلك جائز إذا اشترط أنه بقلعه، قال له ابن دحون: فلو أوصى رجل ببيع نقض حانوت له في هذه المواضع، وأن يفرق ثمنه على المساكين فقال القاضي: أما أنا فما كنت أبيعه، وإذا نزل في مثل هذا، لم أعقد البيع فيه، وقلت لموصي أذهب عني وافعل ما ظهر لك، فيتولى الوصي بيعه، فأفتى بقرطبة ابن عتاب وابن القطان وابن مالك: بنقض بيع الأنقاض المقامة في الأرض المحبسة، وإن كتب في العقد أنه إنما ابتاعها ليهدمها وينقضها، وأنه يعرف قدر المؤنة في قلها ونقضها.
قال القاضي:
وشاهدت الحكم في ذلك بقولهم: هذا إذا كان المعروف من فعلهم إبقاء الأنقاض في مواضعها، وإن اشترطوا قلعها، فقال لي ابن عتاب: فإن فات ذلك بهدم المشتري الأنقاض وقلعها؛ مضى البيع فيها بالثمن ولم يفسخ ولا رد إلى قيمته. وقال ابن مالك مثله، وصوبه إذا أعلمته به، وقال: لأنه إنما فسخ لاتهامها بإضمار إبقائها، إذا هو المتعارف من فعلهم، فإذا هدما ونقضها؛ ارتفعت التهمة عنهما، وصدق فعلهما قولهما، ووجب إمضاء البيع بينهما إن شاء الله .
قال القاضي:
وهذه مسألة قد جمعت مفترقها، ونظمت مشتبهها، وذكرت قول مالك ومن بعده فيها؛ واجتمع من ذلك؛ أن ما تضمنته المدونة منها لم يجر به عمل، ولا أفتى به المتأخرون، والصحيح فيها ما ذهب إليه سحنون وأشهب، وما احتال به المتأخرون من ابتياعه بشرط القلع؛ غير سالم من الاعتراض، إذ لرب البقعة أخذ النقض بقيمته مقلوعًا، ومنع مشتريه من قلعه.
وقد أشار أبو عبد الله بن أبي زمنين إلى السلامة من هذا في وثائقه، فذكر فيمن أعار رجلا بقعة ليبني فيها، فبنى المعار فيها بنيانا، ثم أراد بيعه من غير صاحب؛ أنه جائز عند ابن القاسم؛ ثم لرب البقعة أن يعطي المشتري الأقل من قيمة نقضه، أو الثمن الذي اشتراه به، قال: وقد ذهب غير ابن القاسم إلى أن ذلك غير جائز إلا أن يباع في دين لحق صاحب النقض، فيجوز حينئذ لضرورة الدين.
قال: فإن بيع في دين، لفوجهه عقد الوثيقة في ذلك أن تقول: اشترى فلان من فلان جميع النقض والبنيان الذي بناه في بقعة، الحانوت الذي بموضع كذا، وحدوده كذا، وكان
стр. 277
فلان بن فلان قد أذن لفلان أن يبني في هذه البقعة حانوتًا على صفة كذا، فلما بناه فلان وأكمله، لحقه دين لم يجد له قضاء إلا ببيع هذا البنيان والنقض، فعرض جميعه على فلان صاحب البقعة، وخيره بين أن يعطيه قيمته، وبين أن يطلق يده على بيعه، فأذن له في بيعه، وأن يصنع فيه ما أحب، فعند ذلك باعه فلان من فلان بكذا وكذا قبضه منه وأرسل إليه جميع المبيع الموصوف، وأنزله فيه، وصار إليه من عمارة هذا الحانوت وسكناه وإسكانه وإكرائه، مثل الذي كان له هو فيه، وصار إليه من عمارة هذا الحانوت وسكناه وإسكانه وإكرائه، مثل الذي كان له هو فيه، إلى أن يريد صاحب البقعة إخراجه فيصير في ذلك إلى ما توجبه السنة ثم أكمل العقد والله ولي التوفيق.
اشترى وطاع بالثنيا أو باع وتبرأ من وظيف الملك المبيع:
قال ابن في مسائله: منابتاع شيئًا، وذكر في عقد ابتياعه أنه طاع البائع إن أتاه بالثمن إلى عام أو مدة ذكره فالمبيع عليه رد، فانصرمت المدة ولم يأت البائع بالثمن، فأراد المبتاع تملك ذلك، وقطع ما التزمه للبائع؛ إذ ذلك يأتيه بالثمن للمدة، فقال له البيع إنما كان ارتهانًا، وعقدناه بالثنيا، تحيلا في إسقاط الحيازة التي لا يتم الرهن إلا بها.
قال القاضي: أرى اليمين على المبتاع أن ابتياعه كان صحيحًا، وإنما طاع بالثنيا بعد العقد، فإن نكل عن اليمين حلف البائع، وأدى إليه الثمن، ورجع فيما باع، قال: ومثل ذلك الذي يبتاع المال الموظف، ويعقد بالوظيف تبرئة يذكر فيها أنه تبرأ إليه بعد انعقاد صفقة التبايع، ثم ادعى أحدهما أنهما علم بالوظيف قبل البيع، ويدعو إلى يمين صاحبه، فإن اليمين واجبة في هذا، وإن قامت بينة على ما أشهد به على أنفسهما من التبري بعد العقد، قال: وإنما وجبت اليمين في هاتين المسألتين للمتعارف بين الناس أنهم يتحيلون في الارتهانبالثنيا، وأن المبتاع لا يبتاع ملكًا حتى يعرف ما عليه من الوظيفة.
قيل له: فهل ترى الموثق يطلع على معرفتهما بالوظيف قبل انعقاد البيع، أن يعقد لهما عقد التبايع والتبري؟ فقال: لا ومسألة الثنيا في البيع في كتاب الآجال من المدونة، وفي سماع أشهب وابن نافع في العتبية، وفي سماع ابن خالد، وسماع سحنون، وآخر نوازل أصبغ، وفي أول رسم من سماعه.
وقال ابن أبي زمنين: كان فقهاؤنا يقولون: لا يجوز أن تباع الأرض المغرمة، بشرط أن يحتمل المبتاع مغرمها، وأصلهم في ذلك ما رواه سحنون عن ابن القاسم في أصل الصلح، يبيع اتحدهم أرضه ويشترط خراجها على المبتاع، أن ذلك لا يجوز.
стр. 278
وقال أشهب لا بأس أن تشتري أرض الصلح، على أن يتحمل المبتاع مغرمها، فإذا أسلم البائع سقط الخراج عن المبتاع، قال ابن أبي زمنين: وروي ابن وضاح عن سحنون، أنه كان يقول: لا أرى ببيع أرض العشور بأسًا، والعشور على المشتي، قال سحنون: وقد كنت أكرهه ثم رأيته خفيفًا. وفي وثائق ابن العطار وغيره بيان هذا المعنى.
وقول ابن القاسم وأشهب في المدونة، في كتاب التجارة إلى أرض الحرب، وقد نبهنا على مواضعها لمن أراد مطالعتها في الأصول، وتركنا اجتلابها كراهة التطويل.
وفي أحكم ابن زياد:
البيان في العشور بعد الصفقة براءة، ولا تكون حتى يبين قمحه من شعيره، وأين يورد، وعمن، وكيف، فإنه قد يغلق على قليل فتخف المؤمنة، ويغلق على عدد كثير فيكون ضررًا، وذلك عيب الرد، ولا تكون البراءة بعير ما قلناه.
فإن قال البائع ذلك كله، وأنكره خصمه، حلف المنكر، إلا أن تقوم عليه بينة، وله رد اليمين، قاله ابن لبابة وغيره.
باع نصف غنمه بثمن منجم أعوامًا، والتزم المشتري أنه متى عدي إلى المقاسمة فيها حل الثمن، أو ما نفق منه عليه.
كثيرًا ما تنزل هذه المسألة عندنا بقرطبة، وعملها، وتنعقد وثائقهم بذلك، يبيع الرجل نصف غنمه التي عدتها كذا، بثمن مبلغه كذا، منجم على المبتاع في أعوام يذكرونها، يؤدي من ذلك إلى البائع كل نجم كذا حتى يتم الثمن من آخره.
ونقول في العقد: وقبض المبتاع فلان جميع الغنم المذكورة، وصارت بيده على أن عليه استئجار رعيها، والنظر فيما يعود من لبنها وصوفها وغير ذلك من مصالحها، ويتبع الراعي الخصب بها في الأعوام المذكورة، وعلى البائع خلف ما ضاع من نصيبه في هذه الغنم، أو مات، وانتزع المبتاع فلان طائعًا من غير شرط للبائع فلان، أنه متى أراد قسمة هذه الغنم، أو دعي إلى ذلك، فالثمن أو ما بقي منه حال عليه حينئذ قبض باقي الثمن، وشاور الحكم في ذلك برسول أرسله معهما.
فأفتى ابن عتاب وابن القطان:
أن للبائع المقاسمة، ويؤدي المبتاع إليه الثمن معجلا من نصيبه من الغنم، يريد أو من غيرها، فأنكرت ذلك من جوابهما، وتكلمت فيه مع ابن مالك، فقال لي: لا يلزم المبتاع
стр. 279
تعجيل باقي الثمن، ويبقى عليه إلى أجله إذ لم يدع هو إلى قسمة الغنم، وهذا الذي رأيت أنا فيها، ثم وقفت ابن عتاب على جوابه المنقول الذي نقله عن الرسول؛ فأنكره، قوال: لا يلزم المبتاع تعجيل الثمن إلا إن كان هو الذي دعي إلى القسمة على ما كان التزمه، ووقفت أيضًا ابن القطان على جوابه المذكور، فالتزمه وأقر به وثبت عليه والله الموفق للصواب.
ابتاع أرضًا وسأل الإنزال فيها:
من أحكام ابن زياد: فهمنا وفق الله القاضي. ما ذكره من أن ابن عبدوس قام بكتاب ابتياع عنده لخمسة أمداء من أرض في أحقال بأعيانها، ابتاعها من البهاء بقرية أطرانة، وأن القاضي أشهد على ثبوت ذلك الكتاب عنده، وحكم بما فيه على البهاء بواجب السنة، ثم سأله ابن عبدوس ضم البهاء إلى أن ينزله في تلك الأرض؛ فتكوركت، وأتى ابن عبدوس ببينة إلى القاضي، فشهدوا عنده: أنهم يعرفون الأحقال المذكورة في كتاب الابتياع؛ لملكًا للبهاء، ويحوزونها ولا يعلمون ملك البهاء زال عنها، إلا أن بلغهم أنها باعتها من ابن عبدوس.
وأحب القاضي معرفة الواجب في هذه الشهادات، فالواجب فيها إن كان قبل الشهود في معرفة الأحقال، أو رجلين منهم أن يكلف المقبولين حيازتهما. ويرسل معهم عدلين أو أكثر، إن أحب يشهدان الحيازة، فإذا حيزت وثبت عنده الحيازة، أنزل فيها ابن عبدوس إن كان لخمسة أمداء، وإن كانت أقل بشيء يسير دفع إليه ما ألفى فيها، ورجع على البهاء بقدر الناقص من العدة التي باعت عليها، وإن ألفيت أكثر من خسمة أمداء؛ أنزل ابن عبدوس في خمسة أمداء منها، ويقتسم ذلك من يقدمه الاقضي لقسمة، ويقر الباقي على يد رجل للبهاء لثبوت توركها. قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة، وعبيد الله بن يحيى ومحمد بن وليد، وجماعتهم.
مسألة أخرى من هذا المعنى:
قرأنا وفقك الله الكتاب المعقود لمحمد بن عمر على خصمه، فنظرك له، وفيه قول الخصم: أن المال الذي بعته برة ملك له، ولم يقل أنه بيده، فكان على محمد بن عمر أن يقيم البينة على خصمه أن المال الذي ابتاعه من برة بيده، فيقال له: أنزله فيما ثبت له عليك، فأظهر محمد كتابًا بإقرار عبد الله؛ أن الذي باعته أخته برة من محمد بن عمر ما
стр. 280
ذكر في كتاب ابتياعه منها بيده، وفي ملكه، فوجب على محمد بن عمر إثبات ذلك الكتاب، ثم يعذر إلى عبد الله في الشهادات، فإن لم يأت بمدفع؛ وجب عليه إنزاله في هذه الخصومة لثبوت عدة ورثة عبد الملك، وبثبوت ذلك يعلم أن برة باعت ملكها وما وجب لها بالفرض عن أبيها في الذي هلك عنه بهذه القرية إن كان الموروث معلوم العين، إلا أن يجوز عبد الله شيئًا يصدقه فيه محمد بن عمر، فإن أكذبه؛ وجب على محمد حيازة المال. قال بذلك ابن لبابة، ومحمد بن وليد، ومحمد بن غالب، وأيوب بن سليمان.
وفي هذا المعنى حضرنا-وفقك الله- قول ابن الرعدي:
أن المال الذي ابتاع ابن عمر مصاب أخته بيده، فأوجبت الفتيا عندك، وكتبنا بذلك أن عليه إنزاله في هذه المصابة لثبوت عدة ورثة أبيه عندك وابتياعه من أخيه، فترسل ابن الرعدي، وتأمره بإنزاله في هذه المصابة، وتضمه إلى ذلك بالحق ضمًا، لا تطاول فيه، فقد أنقضت معاذيره إن شاء الله.
قال بذلك عبيد الله بن يحيى وابن لبابة ومحمد بن غالب ومحمد بن وليد ويحيى بن عبد العزيز وسعد بن معاذ.
وفي وثائق ابن الهندي أحمد بن سعيد عقد بإنزال البائع للمتاع، يشهد المسمون في هذا الكتاب من الشهداء: أنهم حضروا في شهر كذا، من سنة كذا، إنزال فلان بن فلان لفلان بن فلان فيما احتيج إلى وصفه، مما باعه منه، بقرية كذا من أقليم كذا، من عمل موضع كذا، وذلك في دمنة كذا، وحدودها كذا وكذا، فإذا أوعيت ذكر الجميع قلت: ورضي المبتاع فلان بما أنزله فيه البائع فلان مما وصف في هذا الكتاب، وأقر أن ذلك جميع ما كان أراه إياه، مما احتيج إلى وصفه، سوى ما استغنى عن ذكره من أبوار القرية المشتركة بين جميع أهلها ومروجها ومسارحها وشربها وشعرائها ومرافقها، ونزل المبتاع فلان في جمع ما ابتاع، مما وصف وغيره، وأبرأ البائع من دركه الإنزال في ذلك، شهد بذلك من حضره ممن أشهده فلان وفلان على أنفسهما بالمدور فيه عنهما إلى أخر العقد.
ثم قال ابن الهندي: وقد مضى العمل بالحكم بالإنزال وإلزامه البائع، والرواية تدل على أنه ليس من الأصول؛ لأنه قد رووا أن ما أصاب المبيع من دار أو أرض، من هدم أو غرق أو غيره، بعد عقد البيع، فهو من المبتاع ولا شيء له على البائع، وهذا مما لم
стр. 281
يلزم الإنزال، وأنه إذا أقر المتاع بأنه عمر أو ثبت ذلك عليه؛ أن الإنزال سقط عن البائع، وإنما في الإنزال من المنفعة للمبتاع؛ لأنه إن استق عليه يومًا ما شيئًا من المبتاع، ولم يكن البائع أنزله فيما باع منه بمحضر بينة عدل، فيحتاج المبتاع عند الرجوع بقيمة ما استحق من يده على البائع إن كان يسيرًا، أو ينقض الصفقة إن كان كثيرًا، أن يثبت أن ذلك مما باع منه البائع إن أنكره أن يكون من المبيع، فتلحقه في ذلك كلفة ومؤنة.
وإذا كان قد أنزله بمحضر عدول في معروف محدود، واستحق منه شيء استدل بالحدود، وكان أسهل على المبتاع في الرجوع على البائع، وإن احتاج إلى حيازة ذلك، حازه الشهود الذين حضروا الإنزال أو غيرهم، وإذا حدد المبيع في عقد الابتياع، ووصف قرب من معنى الإنزال، وإنما تتأكد حاجة المبيع إلى الإنزال إذا ابتاع جزافًا غير محدود ولا موصوف.
قال القاضي:
وهذا الذي علل ابن الهندي به الحكم بالإنزال حسن، لأن المبتاع لا يخلو أن يكون ابتاع ما يعلم، ابتاع ما لا يعلم، فإن كان ابتاع ما قد رآه وعلمه، فلأي شيء يكلف البائع إنزاله فيه، وإن كان ابتاع ما لم يره ولم يعلمه ولا وصف له؛ فابتياعه فاسد مفسوخ ولا يصححه الإنزال، إلا أن يكون ابتاع على أن ينظر إليه ويراه، فيصح ابتياعه إن شاء الله.
ولسحنون في نوازله في جامع البيوع، فيمن ابتاع دارًا أو أرضًا أو غيرهما، وقد عرفه المبتاع في يد البائع، فلا حوز عليه، وإن دفعه عما اشترى دافع؛ فتلك مصيبة دخلت على المبتاع، وهذا يؤيد ما بيناه.
وقوله: إن دفع عما اشتراه فتلك مصيبة دخلت عليه، فيه تنازع فتأمله في نوازله في
стр. 282
آخر الدعوى، وفي كتاب الاستحقاق في سماع عيسى، وفي استحقاق المقربة والمختصر.
وبقرب من هذا المعنى:
مسألة كانت جرت بين يدي وحكمت فيها، وهي مسألة الحسن وصلتان ابني تمام بن صلتان، مع ابني بنيدو محمد بن منتيل المعروف بابن الأرملة.
ابتاع الحسن وصلتان من ذونة ابنة أبي حميد بن أبي عيسى ومن خلف بن وزير صاحب الأحباش والمواريث ببياسة وعملها، بعقد قاضيها إسماعيل بن محمد بن الفخار إياه على ذلك، أملاكًا بقرية محاطش من قرية بياسة، بثمن قبضه المتبايعان ذونة وخلف بن وزير منهما، واعتمر الملاك نحو أحد عشر عامًا بعد ابتياعهما، بحضرة أحمد وحزم ابني بنيدو، وبحضرة أحمد بن منتيل، لا يغيرون عليهما في هذه المدة شيئًا.
ثم تسوروا عليهما فيها ومنعوهما منها وقام بذلك عنذي، وكنت حينئذ حاكم ببياسة والشمنتان وكشطر وأعمالها، بتقديم ابن صمادح صاحب المرية، وثبت عندي عقد استرعاء بابنياعهما للأملاك من ذونة وصاحب المواريث وقبضهما للثمن وإيراد صاحب المواريث خط بيت مال المسلمين منه حيث وجب إيراده، وبتحديد الأملاك شيئًا شيئًا وموضعًا موضعًا، واعتمارها لها بحضرة المذكورين المدة المسماة، وبتسورهم عليها بعد هذه المدة، وأنهما لم يفوتا شيئًا منهما في علم شهداء ذلك إلى حين التسور، وحيزت الأملاك وثبت عندي حيازتهما، واعتذرت إلى أحمد وحرم ومحمد، وأحلت لهم في المدفع الذي أدعوه، فلم يأتوا بشيء، فحكمت لهما وسجلت بذلك ويقطع حجة المتسورين المذكورين، وتاريخ السجل عقب ذي الحجة من سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة.
ثم غاب المحكوم لهما عين أبناء صلتان- عن بياسة إلى شرق الأندلس؛ للفتنة التي صارت فيها بياسة إلى باديس بن حبوس، وبقيا عنها نحوًا من عشرين عامًا، ورجع المحكوم عليهم في الأملاك في غيبتهما، ومات صلتان منهما، ورجع الحسن إذ صارت بياسة إلى ابن ذي النون، وطلب الأملاك، واستظر بالسجل، وأثبته عند حكمها- عبد بن بحيى بن أبي رجا وكلفه حيازة الملاك فحازها من لم يزل عنده من الشهود، وكان الحوار ذلك في السجل قد ماتوا، وزعم المحكوم عليهم أنهم لم يعذر إليهم، ولا شرور في حكمهم، وجرحوا جواز السجل عند الحكم المذكور، واستفتى في ذلك الفقهاء.
стр. 283
فجاوب فقيه طليطلة وما بعدها:
أبو المطرف عبد الرحمن بن سلمة على ظهر نسخة من السجل؛ تصفحت جميع السجل المنتسخ في بطن هذا الكتاب والسؤال الذي على ظهره، قرأيت وبالله التوفيق- أن السجل المذكور عقده صحيح، والحكم به لازم للمحكومين عليهم، ولا يقبل منهم ما يذهبون إليه من تجريح الحائزين ولا غيرهم من الشهداء ولا ما يدعون أنهم لم يعذر إليهم فيه، وقول الحكم مقبول أنه قد أعذر إليهم، والحكم في ذلك عليهم لازم لجميعهم، والوجه في هذا أن يرسل الحكم من يثق به إلى الأملاك المذكورة في السجل، فما وافق حدوده حدود ما في السجل حكم للمحكومين لهم به، فإن أصيبت الحدود وقد غيرت، وثبت أن الأملاك المحكوم عليهم فيها حيث بأيدي المحكومين عليهم فيها؛ وقفت جميع ما بأيديهم حتى يقروا بما حكم عليهم منها، مع إيمانهم أن الذي حازوه هو الذي حكم عليهم به.
فإن أبوا عن الإقرار ولجوا في الإنكار قيدت للمحكومين لهم بما حازوا منها لأنفسهم، بعد إيمانهم أن الذي حازوا الذي قضى لهم به، فإن لم يقفوا على حيازة ذلك لتغيرها؛ وجب إيقاف جميع الأملاك إلى أن يفتي جميع المحكومين عليهم بما في أيديهم من ذلك إن شاء الله.
قال القاضي:
نقلت هذا الجواب، وكان بخط يده على نص ما كتب هو، حرفًا بحرف وكان فيه لحن أعتذر منه، وهو من أهل الفقه إلا أنه غير بصير باللسان.
ومما يشكل هذا المعنى:
مسألة عبد الرحمن وفطيس ابن عيسى بن عبد الرحمن بن فطيس، أثبتا عند صاحب المظالم بقرطبة أبي بكر بن أدهم ﵀ عقد استرعاء بملك أبيهما عيسى الأرض بقرية دوس الجبل في أقليم الجنطان من عمل قرطبة حدها كذا وأنه اغترسها كرما ولم يفوت شيئًا من ذلك في علم شهدائه إلى أن توفى، وأنهما تملكاه بعده ولم يفوتاه، وأن عبد الملك ابن جهور تسور عليهما في قطعة منه تعرف بالسهلة ولم يقدما على التحكم في ذلك لتملكه على قرطبة، وأثبت عنده موت أبيهما ووراثته وانفرادهما بالكرم وحيز الكرم والقطيع وثبتت حيازتهما عنده، وأشهد بذلك كله، ولم يبين في تقييده حد القطيع
стр. 284
المغصوب.
ثم قاما بما قيد ابن أدهم لهما وأثبتاه عند القاضي محمد بن إبراهيم بن بقي وسألاه إنزالهما في ذلك.
فأفتى محمد بن فرج مولى الطلاع:
أن إنزالهما فيما غصب لهما واجب والحكم بذلك لازم قال: ووجه الإنزال أن ترسل شاهدين ممن حيز عليهما الكرم المغصوب، والذين وجه للحيازة مع غلام من قبلك مع عبد الرحمن وفطيس إلى الكرم وينزلان فيه بأمرك، وتشهد على ذلك من حكمك.
قال القاضي:
وأفتيت أنا أن هذا الحكم نافذ لهما لا يحتجان معه إلى ما سألاه من الإنزال، وأيديهما مطلقة على ما نص في تسجيله لهما، ولو لزمك ذلك للزم غيرك بعدك مثله لهما ولا يصل الحكم إلى غير غاية، وهذا أمر لا معنى له ولا سمع به، إلا إن كان منعهما منه مانع ودفعهما عنه دافع؛ فوجه الحكم حينئذ أن يحضر مجلس نظرك ذلك المعترض أو وكيله، وتقيد قوله بتبين اعتراضه ثم يجري الخصام فيه على وجه بحسب العادة فيه، والإنزال أيضًا لا يكون إلا في معين محدود الأقطار والجهات، والقطيع المغصوب الذي جرى فيه الحكم لم يذكر تحديده ولا زرعه ولا في أي جهة من الكرم هو، وفيما يلزمها لو لزمك ذلك وفي أي قطيع ترجى الحجة للغائب حملنا الله وإياك على ما يقرب منه برحمته.
قال القاضي:
هذه المسألة والتي قبلها كان باب الأقضية والأحكام أليق بهما من هذا الباب، لكنا ذكرناهما هنا لما فيهما من كتاب الإنزال إذ اتصل بذكر الإنزال في الأملاك المبيعة، والله ولي التوفيق.
بيع قطيع من دار ظهر فيها ارتهان من أحكام ابن زياد:
كشفت -وفقك الله- عما يجب للمرأة القائمة عندك بكتاب ابتياع قطيع من دار زوجها ابن حرب وفي الكتاب حدود الدار وموضعها وما شهد به الشهود عندك في ذلك الكتاب وقبولك لشهادتهم وما ألفيت من تقديم تاريخ الابتياع لتاريخ كتاب الارتهان الذي قام به عندك مرتهن الدار من مروان.
стр. 285
فنقول - ونسأله التوفيق إن التاريخ المتقدم أحق وأولى مما جاء بعده، فإذا جاز الشهود القطيع المبيع قبل الرهن وثبتت حياته عندك كان الرهن في باقي الدار، وكان المبيع من أملاك زوجة ابن حرب مطلقًا من الرهن بعد يمينها أنها ما علمت بارتهان زوجها لجميع الدار، هذا قولنا والله نسأل التوفيق. قال ابن لبابة وابن وليد وابن غالب.
اختلاف المتبايعين في المبيع من دار وفي الثمن:
وقد مر منه اختلاف المتناكحين ويأتي منه فهمنا -وفقك الله- ما ذكرت ضبيعة أنها باعت نم أصبغ دارًا بحاضرة قرطبة وأنها أقبضته الدار ولم تقبض منه الثمن، وقول أصبغ: إنه إنما ابتاع منها ربع الدار بثلاثة دنانير وستة دراهم منذ أربعة عشر سنة، ولم تجر بينه وبينها في ثلاثة أرباع الدار مبايعة وأن الثلاثة الأرباع لم تزل بيد أصبغ وفي ملكه.
فالذي نقول به: إن قبلت البينة التي أقامها أصبغ أخذت له بها بعد الاعتذار وإلا حلفت المرأة أنها إنما باعت منه بستين وكانت أكرت منه قبل ذلك وسكن بالكراء وأنها ما قبضت ثمنًا في الربع الذي أقر بابتياعه.
ثم يحلف المبتاع على ما ادعاه من ابتياع الربع بالثمن الذي ذكر ثم يجب التفاسخ بينهما ولها عليه اليمين في ثلاثة أرباع الدار إن عجزت عن إثباتها. قاله ابن لبابة وأيوب بن سليمان ومحمد بن وليد.
صبي ابتاع رحى وباعها:
نظرنا- وفقك الله- فيما قلت وفهمنا ما أشهد به عليك من القيمة بمحضرنا، وقلنا لا معنى للقيمة وإنما ينظر إلى ما باع به الصبي وما ابتاع به وما دفعه إلى البائع منه:
فإن كان الصبي باع بأكثر مما ابتاع به فليس عليه إلا ما كان ابتاع به.
وإن كان باع بأقل مما ابتاع كان الفضل للصبي، ونقض فعل الصبي في الرحى وفسخ بيعها وردت إليه رحاه قاله عبيد الله بن يحيى وابن لبابة وأيوب بن سليمان ويحيى بن عبد العزيز وسعد بن معاذ ومحمد بن وليد.
قال القاضي:
قد قدمنا قبل هذا في باب النكاح ما عليهم من الاعتراض في مثل هذا الجواب من الواضحة وغيرها، فغنينا بذلك عن إعادته، والله الموفق للصواب.
следующие страницы →