← Фикх малики

Фикх малики · id 14593

ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام

القاضي أبو الأصبغ ابن سهل

Полный текст (727 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

باب في مسائل أداء الشهادات، ونقلها، والإشهاد عليها، والشهادة على الخط، ومن سأل أن يدفع له نسخ ما يشهد به عليه، أو سأل القاضي أن يعطيه المشورة التي شاور بها قال محمد بن عبد الحكم في كتابه: إذا شهد شاهدان أن لفلان على فلان مائة دينار ولم يقولا: أقر بذلك، ولا غيره، إنما أطلقا الشهادة هكذا، لم أر شهادتهما تحقق شيئًا لن شهادتهما كأنهما حاكيان حتى يبينا ذلك فيقولا: أسلفه، أو أقر عندنا، أو ما يثبتان به ما شهدا فيه قد يجد من الناس من يحل يبيع النبيذ المسكر ويجعل له ثمنا أو غير ذلك. ولو قالا: نشهد أن له عليه مائة دينار من ثمن سلعة اشتراها منه لم أقبل ذلك ولم ألزمه الشيء حتى قولا: وقبض السلعة. وكذلك لو قالا: باعه سلعة بمائة دينار لم يقض بذلك عليه؛ لأنه ليس في شهادتهما ما يوجب أنه بقض لسلع. وفي كتاب إن خرجت من هذا الدار في أمتى قرئ عليه كتابٌ فقال: اشهدوا علي بما فيه. وهو لا يصف شيئًا مما فيه حتى يقرأ عليه. قال ابن القاسم: شهادته جائزة، وليس كل الناس يسوق ما أشهد عليه، وإن كان يكبت حتى يقرأ الكتاب، فإذا أقرته عرف شهادته وحفظها. فإن كان عدولا وأثبت ما أشهد عليه جازت شهادته. وقال سحنون: من رأى خطه في الكتاب لا يشك فيه ولا يذكر كل ما فيه، فقد اختلف أصحابنا في ذلك. والذي أقول به: أنه إذا لم يرى في الكتاب محوًا، ولا لحقًا، ولا شيئًا ينكره ورآه خطًا وحدًا فأرى له أن يشهد بما فيه ويقول: شهد بما فيه، ولا يستطيع أحد أن يذكر جميع ما في الكتاب. وكذلك إن لم يذكر من الكتاب شيئًا إلا أنه عرف خط الشهادة ولم يشك أنه بيده. وفي سماع أبي زيد: قلت لابن القاسم: كنت قاعدًا عند ضمام فجائني رجل فأشهدني على شهادة ضمام، فكتب شهادتي. ثم جاءني الرجل بعد حين بكتاب فيه شهادتي، وعرفت خطي، وأثبت أن ضمامًا أشهدني على شهادته في أمر دار، أذكر ذلك، غير أني

стр. 37

لا أحفظ أن هذا الكتاب الذي فيه شهادتي قرئ علي، ولا أحفظ أنه أشهدني على هذه الدار التي في هذا الكتاب؟ قال: إن لم تثبت شهادتك بما في هذا الكتاب حرفً برف فلا تشهد. وهكذا في "المدونة" فيمن عرف خط ولا يذكر الشهادة لا يشهد بها حتى يستيقنها ويذكرها. وقال في سماع أشهب: يرفعها إلى السلطان على وجهها ويقول: أرى كتابًا يشبه كتابين، وأظنه إياه، ولست أذكر شهادتي، ولا يقل هذه شهادتي بخط يدي. وقال عنه ابن نافع في المجموعة: قد أثبت غير مرة بخط يدي، ولم أثبت الشهادة، فلم أشهد، يقول الله سبحانه: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ (يوسف: من الآية ٨١). وفي مسائل ابن زرب: قال: إذا كانت الوثيقة منعقدة على الشهادة المشهدين لهم كالابتياع والصدقة ونحو ذلك فلا ينبغي أن يؤخذ الشهود بحفظ ما في الوثيقة، وحسبهم أن يقولوا أن شهادتهم فيها حق، وأنهم يعرفون المشهدين لهم. وإذا كانت الوثيقة مبنية على معرفة الشهود كعقود الاستدعاء: يشهد المسمون في هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون كذا وكذا، ورأى الحكم ريبة توجب الاستثبات فينبغي أن يقول لهم: ما تشهدون به؟ فإذا نصوا شهادتهم بألسنتهم على ما في الوثيقة نفذت إلا ردها، ولست في كل موضع ينبغي له أن يفعل هذا، ولا بكل الشهود، وإنما ينبغي أن يفعله ممن يخشى عليه الخديعة من الشهود. قال: وربما فعلته. وفي باب الأقضية في الثاني مسائل من الشهادات والرجوع فيها فتأملها. وقال محمد بن عبد الحكم: ينبغي للحاكم أن يكتب شهادات الشهود بين يديه، ولا يلقن الشاهد، ويترك على ما عنده من العلم. ولا بأس أن يسأله عن تارخ شيء إن احتاج إليه، ولا يسأله عما يخاف أن يزيد في شهادته ولا ينقص منها. وقال سحنون في المجموعة: إذا كتب الشهادة فيختمها ويضعها بموضع يثق به حتى ينفذ قضاؤه، وكذلك في كتاب ابن المواز. وقال ابن حبيب: سمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان: ينبغي للقاضي أن يمكن

стр. 38

الناس من إيقاع شهاداتهم بأيديهم، ثم يرفعونها ليه موقعة. وهو فعل النسا عندنا بالمدينة في القديم والحديث؛ لأن الشاهد ربما أخجله مجلس القاضي فلا يقوم بشهادته. قال أشهب في المجموعة مثله إلا أن يتهم القاضي أحد الشهود إذا كان للتهمة أهلا، فيكون له إيقاع شهادتهم عنده، ولا يقبلها منه موقعة في رقعة، ويكشفه لذلك عن تلك الشهادة، ويختبره بكل ما استطاع حتى يقف منه على حقيقة أمر أو يردها. قال مطرف وابن الماجشون: وإن تولى القاضي أو كاتبة إيقاع شهادات النساس فلا بأس، وينظرها إذا أوقعها كاتبه. وينبغي للقاضي إذا شهد الشاهد عنده أن يكتب شهادته واسمه وقبيلته ونعته، ومسكنه، ومسجده الذي يصلى فيه، والشهر الذي شهد فيه، والسنة. ثم يوقع ذلك في صك عنده ثم يجعله ديوانه لئلا يسقط للمشهود له شهادته، فيزيد فيها الشاهد أو ينقص. وفي الخامس من كتاب المشتمل في الوثائق لابن أبي زمنين في تسجيل القاضي ببراءة في بتنفيذ وصيفة بعد ذكره انتساخ كتاب الوصية. وأتى الوصي فلان إلى القاضي فلان بفلان ابن فلان فشهد عنده أن الذي في كتاب الوصية المنتسخ في هذا الكتاب من شهادته حق على حسب وقوعها فيه، وأنه لا يعلم الموصى بدل عهد هذا بغيره إلى أن توفي، فأحاط بميراثه في علمهم ينوه يقول فلان وفلانة، وأتاه بفلان بن فلان وفلان بن فلان فذكر له أن بن فلان عليل الجسم، مثبت العلة، لا يقدر على أداء الشهادة بنفسه، وأنه سألهم أن ينقلا عنه شهادته إلى القاضي، فنقلا عنه إليه مثل شهادة فلان بن فلان. قال القاضي أبو الأصبغ: وسألت الشيخ أبا عبد الله بن عتاب عن تقييد نقل شهادة المريض إلى القاضي كيف هو؟ فقال: الذي كان يعمل في ذلك شهدعند القاضي فلان بن فلان زيد بن فلان وبكر بن فلان أن فلان بن زيد بن فلان وبكر بن فلان أن فلان الفلاني أشهدهما لمرضه المانع له من الخروج أن شهادته الواقعة في هذا الكتاب حق حسب وقوعها فيه، قال: وما يكتب اليوم وسألهما نقله جهل لا يجب عمله. وأشهدني بحضرته في عقد له أبو محمد المغيطي، وأبو محمد الدباغ على شهادتهما،

стр. 39

وكان تاريخ العقد بعيدًا عن وقت إشهادهما لي، فقلت له: إن تاريخه بعيد. قال: لا ير ذلك، ولا يحتاج من أشهداه إلى ذلك تاريخ إشهادهما إياه. وكنت عند أبي عمر بن القطان فجرى ذلك عنده فقال مثل ذلك. وبه رأيت العمل بقرطبة لا يزيدون على كتب: وشهد على إشهادهما على شهادتهما بذلك. ورأيت أهل أشبيلية يؤرخون وقت إشهاد الشهود على شهادتهم. والأمر عندي فيه واسع. وقلت لابن عتاب: فما تختار لمن أشهد في عقد تاريخه غير وقت الإشهاد لأن بعض الناس يكتب وفلان بن فلان لفلاني: وكتب في شهر كذا من السنة المؤرخة أو من سنة كذا. فقال لي: كان الناس يكتبون: وكتب في شهر كذا من سنة كذا. وانتقد ذلك صاحب المظالم أبو عبد الله بن عبد الرءوف فقال: أصحيح أن يكتب أشهده المتبايعان، أو المتبايعون، أو فلان، وفلان بما في هذا الكتاب عنهما في شهر كذا من سنة كذا. يردي ويقول: ومما بالحالة الموصوفة فيه، أو وهما بحال الصحة والجواز. قال ابن عتاب: والصواب ما ذهب إليه ابن عبد الرءوف. قلت له: فلو كتسب الشاهد شهادته ولم يرخها؟ قال: لا يفعل ذلك. قال بعض من حضر: لأنه كذب؟ قال: هو كذب. قال: وقد يقع في المشهد فيه تخاصم ونزاع يضطر فيه إلى تاريخ الشهادات، فلابد من تقييد شهادته بتاريخ وقت الإشهاد. قال: وإنما استحب أكثرهم ترك تقييد وقت الإشهاد فيما أشهد فيه القاضاة والحكام من تسجيلهم وتقييدهم لأنه يؤمن فيه ما يخاف في الأول. ورأيت في عقد تاريخه مستهل ربيع الآخر سنة خمسين وأربعمائة شهادة أبي مروان ابن مالك بخط يده، وعبيد الله بن محمد بن مالك، وذلك في ربيع الآخر المؤرخ فيه وكتب وهو عندي حسن جدًا والمعنى وعبد الله بن محمد بن مالك أشهده الموصي وذلك في ربيع الآخر. قال: وقلت لابن عتاب: فمن نقل شهادته من الكتاب الذي أشهد فيه إلى كتاب انتسخ منه؟ فقال: لابد أن يذكر في شهادته ذلك؛ لئلا يكون الحق الذي فيه حقوقًا

стр. 40

كثيرة، فقلت له: إن المعمول به في ذلك بطليطلة أن يصل المستنسخ له بتاريخ العقد والكتاب منتسخ من الأصل للحاجة إليه، ثم يكتب الشهود شهاداتهم. فقال لي: ليس هذا بشيء؛ لأنه لا يفهم مثل هذا أهؤلاء شهود الأصل أم غيرهم. وهو كما قال. الذي كنا نكتبه ورأيت من يعمله: فلان بن فلان الفلاني نقل شهادته من الكتاب الذي نسخته هذا حرفًا بحرف، وذلك في شهر كذا من سنة كذا. وهذه كلها معان حسان لا يستغني عنها من رغب الازدياد في العلم والتوسع في القهم. الشهادة على الخط في حبس: ونزلت بقرطبة مسألة في حبس ثبت بالشهادة على خط شهوده إذ كانوا قد ماتوا، وكانت الدار المحبسة قد بيعت، فلما أعذر إلى مبتاعها في شهود تحبيسها وحائزيها استظهر بعقد أشهد فيه المحبس أنه متى حبس تلك الدار أو غيرها من أصوله فإنه إنما يفعله تقية لمن يخشى ظزلمه، وأنه متى أمكنه إبطال الحبس فإنه راجع فيه غير ممض له. وشوورنا في ذلك فاختلفنا فيه. ورأيت إثباتها هنا لأنه حسنة مشتملة على معان، وكان الناظر فيها آخرًا صاحب المظالم عبيد الله بن أدهم. فخاطبنا: يا سيدتي وأوليائي، نفذ إلي – أعزكم الله – توقيع المعتمد على الله، المؤيد بنصر الله، أبقاه الله، بالنظر في أمر الدار التي قام فيها بالتحبيس محمد بن سعيد على محمد ابن هشام، وهي الدار المعروفة بدار القلنية. فحضر محمد بن هشام وصيره عبد الملك وكيل زوجته تقية بنت محمد بن هشام الثابت توكيلها عندي في مجلس نظري، وحضر معهما أحمد بن عثمان وكيل محمد بن سعيد المذكور بعد أن أثبت عندي من توكيله له على الخصام عنه، وله بوكالة التفويض التامة ما جاز له به الخصام عنه. وأظهروا إلي نسختين متقدمتين في قطعتين، وهما تحت ختم عبد العزيز بن سوار ففضضتهما فرأيت إحداهما قد تضمنت عقد التحبيس الذي قام به محمد بن سعيد وحيازة الدار المذكورة فيه، وموت سعيد بن يوسف وورثته، وغير ذك مما تقيد فيه. وتضمنت الأخرى عقد التقية التي أظهرها محمد بن هشام وصهره عبد الملك وكيل لزوجته، وابتياع محمد بن عبد الله بن ذكوان للدار المذكورة من سعيد بن يوسف

стр. 41

وحيازتها، وغير ذلك مما تقيد فيها من الشهادات وغيرها. وألفيت حكم عبد الرحمن بن سوار قد انتهى إلى الأمر باعتقال الدار المذكورة والختم عليها، وإلى الإعذار وغيره مما ترونة. وشهد عندي بحكمه المذكور من قبلت شهادته. والعقد بذلك في طرة كل نسخة منهما. ثبت عندي على نصه، وثبت عندي بثبوته جميع ما حكم به ابن سوار إلى أن انتهى إلى اعتقال الدار وإلى الإعذار على ما تقدم. وتصفحت ذلك كله فوجدته قد أعذر منه إلى محمد بن سعيد فيما أثبته محمد بن هشام وصهره عبد الملك وكيل زوجه من ابتياع محمد بن ذكوان للدار المذكورة المتصيرة إلى محمد بن هشام دون أن يكلف إثبات ما يجب عليهما. فكلفتهما إثبات موت محمد بن عبد الله بن ذكوان مبتاع الدار المذكورة من سيعد بن يوسف وعدة ورثته وأن الدار جميعًا تصيرت إلى محمد بن هشام بالابتياع من الورثة ذلك فأثبتا ذلك كله عندي بمن قبلت شهادته، وأمر بحيازة الدار فحيزت، وثبت عندي حيازتها، وأمرت بعقلتها، وثبت عندي بالحيازة المذكورة أنها الدار التي جرى فيها حكم ابن سوار إلى أن أمرتها باعتقالها، وشهد فيها عندي في النسختين المذكورتين، وأعذرت في ذلك كله إلى أحمد بن عثمان وكيل محمد بن يوسف، وعرفته بثبوته عندي وبمن ثبت فدعا إلى انتساخ ما ثبت من ذلك كله والوقوف عليه، وقال إن عنده ما يحل به ما شهد به، فدفعت إليه نسخة تضمنت ذلك كله، وأجلته فيما ادعاه من ذلك على ماضي العمل في التأجيل، وأعذرت إلى محمد بن هشام وعبد الملك وكيل بقية فيما ثبت عندي لمحمد المذكور من ذلك، وعرفتهما بثبوت ذلك عندي، وبمن ثبت، وأجلتهما في ذلك بمثل ما أجلت به أحمد بن عثمان وكيل محمد بن سعيد. فحضرا مجلس نظري، وقالا: لا مدفع عندنا إلا بما قمت به عن موكلي في التحبس المذكور وسائر العقود أظهرتها وأثبت ذلك عندك، وأنفذ ما توجبه السنة. وثبت عندي قول كل واحد منهم على نصه بمن قبلت وأجزت، وقد أدرجت إليكم طي كتابي هذا النسختين المذكورتين أولا في قطعتي الرق، ونسخة تضمنت ما ثبت عندي من موت محمد بن ذكوان، وعدة ورثته، وعقد ابتياع محمد بن هشام للحصة التي

стр. 42

كمل بها جميع الدار المذكورة وحيازتها، فتأملوا ذلك وجاوبوني عنه مشكورين والسلام. فجاوب أبو عبد الله محمد بن فرج مولى الطلاع سيدي وولي، تصفحت خطابك وما أدركته فيه، فرأيت نظرًا حسنًا مستقصى، فزاد الله في توفيقك. وثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى (١) " والحبس الذي عقده سعد بن يوسف قد تبين بما عقده من التقية المتقدمة تاريخ الحبس أنه لم يرد به التقرب إلى الله تعالى، ولا التزام الحبس، وإنما أراد دفع من خافه على داره وأملاكه. وقديمًا فعل ذلك الناس، لا سيما أهل الخدمة. فلسعيد بن يوسف شرطه ألا يلزمه الحبس؛ لقول رسول الله ﷺ : "المسلمون عند شروطهم (٢) "، وقد أخذ بشرط وباع الدار من ابن ذكوان، وابتاعها محمد بن هشام من ورثة ابن ذكوان على حسب ما ثبت عندك، وذلك كله جائز نافذ صحيح. ولا حجة لمحمد بن سعيد بن يوسف بأن التقية لم تثبت إلا بالهادة على الخط، لأن الأصل في الشهادة على الخطوط من قول مالك وأكثر أصحابه أنها تجوز في الحقوق، والطلاق، والأحباس وغيرها، إلا أن الذي جرى به العمل من الشيوخ أن يجوز في الأحباس وما تعلق بها، قد حكم القاضي ابن زرب في جائحة في الأحباس مات شهود الجائحة، وشهد على خطوطهم فأجاز ذلك وقضى بالجائحة. وهذه التقية قد رأيتها ورأيت أصل الحبس هما جميعًا بخط ابن اسمح المعافري وشهادته فيهما جميعًا وشهادة غيره أيضًا، وذلك دليل بينٌ على صحة التقية، فلا يجوز الحكم بما فيه شك، فاستخر الله تعالى وحل العقلة عن الدار وأرددها إلى محمد بن هشام وسجل بأعمال التقية وإبطال الحبس إذْ لم يعتقده الذي عقده موفقًا إن شاء الله. وجاوبت أنا بعد سيدي وولي: المسلمون مجموعون على أن قضاء القاضي وحكم الحاكم إنما هو بالظاهر، وإن كان لا يقطع بصحة مغيبة لا بالباطن الذي علم حقيقته

стр. 43

مصروف إلى عليم السرائر المجازي على النبات والضمائر، وهو دليل كتابي تعالى وسنة نبيه ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وتُدْلُوا بِهَا إلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٨٨). وثبت من حديث مالك وغيره بالإسناد الصحيح المتصل أن رسول الله ﷺ قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحق بحجته من نبعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت لهب شيء من ق أخيه فلا يأخذ منه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار (١) ". فدلت الآية وهذا الحديث على أن الحكم قد يقع في ظاهره مما ألحق في باطنه، وأن الحاكم لم يتعمد بتعرف الباطن؛ إذ هو تكليف ما لا يطاق. ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦). واليقين قد حصل بصحة الحبس بالوجه الذي أجمع الشيوخ على تجويزه في الأحباس، وبيع المحبس إياه ونقله إلى ممتلك سواه غير مقطوع على صحته، وإن كان باع لأنه باع ما حبس. وبيع الحبس لا يجوز، وإذا بيع فالبيع يه مفسوخ، ولا خلاف في هذا عندنا. ورأيت شهود عقد الاسترعاء في بيع الدار المحبسة من ابن ذكوان قد قطعوا شهادتهم عما تضمنه العقد، وقيدوها على حسب ما شهدوا به عندك، وكانت الشهادة على نص العقد أقوى. وبهذا صار التبايع غير متيقن على الوجه الذي يجب به الحكم. وما خاطبنا به مدار الكلام فيه على فصلين: هذا أحدهما، وقد أشرنا بما يغني مثلك عن شرحه وبسط معانية. والفصل الثاني: الشهادة على الخط: وهي تنقسم على وجوه، منها: الشهادة على خط المقر على نفسه بحق من مال أو طلاق أو عتاق أو وصية وشبهها. وشهادة الشاهد على خط يده في شهادته وهو لا يذكرها. والشهادة على خط القاضي في خطاب أو حكم.

стр. 44

والشهادة على خط الشهود، وهي التي يلزم الجواب عنها والتكلم فيها؛ إذ هي نفس هذه النازلة، وعين هذه القضية، وسائر الوجوه نحن في غنى عن ذكرها إلا ما جرى في تضاعيف الكلام منها. ولمالك وأصحابه في الشهادة على خط الشاهد قولان، وروى مطرف عن مالك أنها جائزة على خط الميت أو الغائب إذا لم يستنكر شيء، ورواه ابن وهب عنه أيضًا. ذكره فضل، وقاله أصبغ وغيره. واختلف في حد المغيب الذي تجوز فيه الشهادة على خط الغائب، فقال ابن الماجون في يديوانه: ما نقصر فيه الصلاة، ونحوه عنه في المجموعة. وقال ابن سحنون عن أبيه: الغيبة البعيدة من غير تحديد. وقال ابن مزين في كتبه الخمسة عن أصبغ: مثل أفريقية من مصر، ومكة من العراق. ولابن وهب عن مالك في نوازل سحنون جواز شهادة العدلين على كتاب كاتب الحق إذا كان علادً مع يمين صاحب الحق. ونحوه في سماع عيسى. وذكر فصل أن ابن أبي جعفر روي عن مالك أن شهادة الشهود على خط الغائب أو الميت لا تجوز. وقال ابن المواز: أما الشهادة على خط المقر فلم يختلف قول مالك فيها. يريد في إعمالها على المقر. قال: وأما على خط الشهادة فما علمت من حكم به، وهما لو سمعا الشاهد ينص شهادته لم يجز أن ينقلاها حتى يقولا لهما: اشهدا بذلك. قال: والذي أخذ به لا تجوز الشهادة على الخط إلا خط من كتب شهادته على نفسه فهو كالإقرار. وقاله ابن القاسم، ورواه عن مالك. وقال محمد بن عبد الحكم: لا أرى أن يقضي في دهرنا بالشهادة على الخط لما أحدث الناس من الهجوم والضرب على الخط، وقد كان فيما مضى يجيزون الشهادة على طابع القاضي، ورأي مالك: ألا يجوز. وقال ابن الماجشون في غير الواضحة: الشهادة على الخط باطل، وما قتل عثمان ابن عفان ﵁ وهو خير هذه الأمة بعد نبينا ﵇ وبعد أبي بكر وعمر رضي الله

стр. 45

عنهما؛ إلا على الخط وما دهى به منه وكتب عليه. قال أرى أن يشهد على الخط ولا يشهد الرجل إلا بما يعرف على من يعرف وبعلمه فيمن يعلم. أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ (يوسف من الآية ٨١) ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ (الزخرف: من الآية ٨٦). وقال مطرف مثله. وقال: ممن ضعف أمر الخط وضعف الشهادة به أن رجلا لو قال وهو قائم صحيح: هذا خطي، ولست أذكر القصة، ولا أحظ المعنى الذي كتبت خطي فيه، لما كانت شهادةولا جازت جواز العلم والقول، فكيف يأتي رجل إلى خط غيره يشهد عليه، ويقطع أنه كتابه وعلمه فيمضي ذلك وينفذ. وهذا هو الصحيح عندي الذي لا أقول بغيره، ولا اعتقد سواء، وهو دليل المدونة وغيرها. قال بن القاسم: قال مالك: من رأى شهادته بخطه في كتاب ولم يذكرها فلا يشهد بها حتى يستقينها، ولكن يؤديها هذا كما قد علم. قلت: أتنفع هذه الشهادة إذا أداها هكذا؟ قال: لا (١). وقيل لمالك في سماع أشهب: أيقول هذه شهادتي بخط يدي إلا أني لا أذكر من الشهادة شيئًا؟ قال: لا، بل يقول: أرى كتابًا يشبه كتابي وأظنه إياه ولست أذكر شهادتي ولا أني ولا حتى كتبتها برفعها على وجهها إن لم يكن في الكتاب محو. وقال عنه ابن نافع: لا يشهد، وقال: قد أثبت غير مرة بخط يدي ولم أثبت على الشهادة فلم أشهد، وقاله ابن القاسم وأصبغ، قال ابن حبيب: وهذا أحوط، وإذا كان هذا قولهم في شهادة الشاهد على خط نفسه، فكيف يصح القول بشهادة شهود على خط شاهد أو شهود، لكني أذهب إلى جواز ذلك في الأحباس خاصة على ما أتفق عليه شيوخنا ﵏ اتباعًا لهم واستحسانًا لما درجت عليه جماعاتهم وقضى به قاضئهم وانعقدت سجلاتهم، وإن كان ابن لبابة قد قاد أصله ألا تجوز في حبس ولا غيره، وقد ذهب إلى ذلك غيره، ممن لا يلتفت إليه والجمهور أولى بالاتباع، وقد قال كثير منهم نظير هذا مما لم يكن عنده في النظر قويًا. وحسب المجتهد منا اتباع السلف وقد أجازوا غير ما شيء على الاستحسان فأخذوا فيه

стр. 46

بالتخفيف، وما أجمعوا على ذلك في الأحباس إلا حيطة عليها وتحصينًا لها من أن تحال عن أحوالها أو تغير عن سبيلها واتباعًا لمالك وأصحابه في المنع من بيعها والمناقلة بها والمعارضة فيها وإن خرجت وذهب الانتفاع بها، واحتج ببقائها بالمدينة خرابًا لا تحال عن وجوها التي سبيلت فهيا. وظاهر اختيارهم هذا يمنع من تجويز الشهادة على الخط في التقية وشبهها مما فيه توهينها ونقضها، فلا يجوز العمل به، ولا يسوغ القول بذلك إلا لمن اعتقد جواز الشهادة على الخط في كل شيء، ولم يخص شيئًا من شيء لا حبسًا ولا غيره، وخالف ما اتفق عليه الشيوخ وجرى به العمل، وأما من ذهب مذهبهم بتخصيص الأحباس بهذا فلا يصح له القول بذلك في التقية ولا في غيرها، والله المستعان. وقد شافهت في ذلك بعض من لقيت من العلماء فأخبرني أن اختياره إبطال التقية، وأنه شاهد القضاء بذلك وفي ذلك أدام الله توفيقك ما جرى فيه من القول عن القاضي ابن بكر بن منظور ﵀ بمحضر جميعنا، وقول أبي المطرف أنها نزلت، وأفى بذلك فيها الفقيهان ابن عتاب وابن القطان رحمهما الله تعالى، وهو الذي لا يجوز سواه. وقد كان هذا مذهبك حينئذ فاستخر الله تعالى في الحكم والتنفيذ له، وليس كون شهود التقية شهود الحبس بموجب تسوية القول فيها بالإجازة أو الرد؛ فقد قال مالك ﵀. كل شيء وسنته، ومن مضى أعلم ممن بقى، ولو لزم هذا للزم الشيوخ في إجماعهم على هذا في الأحباس أن يجيزوه في غيرها إذا كان الشهود سواء. وهذا مالك لم يختلف قوله في الشهادة على خط المقر في المال أنها عاملة جائزة على ما في سماع ابن القاسم، وفي آخر رسم نقدها، وفي سماعه في التفليس وفي الواضحة والموازية، وأصحابه على ذلك وردها أكثرهم في الشهادة على خط في الطلاق وغيره، والقياس يوجب سوية ذلك، وقال مالك في كتاب عرض من سماع ابن القاسم في وصية الميت توجد في بيته بخط يده ورجلان يشهدان أنه كتاب -: لا تجوز، وعسى أن يكون لم يعزم عليها. وشهادة النساء تجوز في شيء دون شيء، وكذلك الصبيان، ولا يوج تجويزها في موضع تجويزها في كل موضع، والرجال كذلك تجوز شهادة العدلين في الأموال العظام والقتل وإن شهدا في الزنا بطلت شهادتهما وحدًا، وهذا كله بين والحمد لله، ولكل شيء

стр. 47

وجه، وجميعه يشهد بصحة ما ذهبنا إليه. مع أنه لم ينص على التقية ولا سمي المتقي ولا ضمن العقد معرفة الشهود لها، ولو كان ثبت بشهادة شهوده لكان ماضيًا مع ذلك على ما ذكره بعضهم، وإذا حكمت بإمضاء الحبس وفسخ البيع وجب للمبتاع محمد الرجوع بما ابتاعه به على بائعه منه إن كانوا أحياء، أو من مات منهم عن مال رجع به في ماله إن وجده بعينه، وإلا فعلى من صار إليه ذلك المال من ورثته، ثم يرجع المرجوع عليهم على من باع منهم أو من مورثهم حتى ينتهي التراجع إلى البائع المحبس، فإذا انتهى إليه وثبت مبلغ الثمن الذي باع به وقبضه إياه رجع به فيما تخلفه من مال مطلق، وإن لم يثبت عدده ولا وقف شهوده على مبلغه استنزلوا فيه قليلاً حتى يقفوا منه على عدد لا يرتابون فيه؛ فيؤخذ من مال المحبس مثال هذا قول ابن القاسم ومطرف وابن كنانة وبه أقول، وروي أشهب عن مالك خلافه. وإن لم يتحقق الشهود منه شيئًا بطل، وكذلك يبطل إن لم يوجد له مال مطلق يؤخذ منه، وإن شهد بقبضة ومبلغه وشرط المحبس في كتاب التحبيس أنه إن انقرض عقبه في حياته رجع المحبس إليه ملكًا لا يوهن الحبس؛ إذْ قد ثبت بقاء عقبة من بعده، وكذلك استثناه، وسكن الدار حياته لا يوهنه لتفاهتها في جملة الحبس على ما تضمنته شهادة شهوده، وبه جرى العمل، وبإرجاء الحجة جرى العمل أيضًا لمن غاب من عقب المحبس فضمنه كتاب حكمك معصومًا موفقًا إن شاء الله. وكان القائم بالحبس ولد المحبس قد كتب مسألته إلى فقهاء أشبيلية إلى أبي عبد الله بن منظور وولد محمد بن زريق وغيرهما؛ فأفتى جميعهم بأن عقد التقية عامل وأهنه باطل، وكذلك أفتى أبو المطرف عبد الرحمن بن مسلمة فقيه طليطلة، وحجة أبي عبد الله بن فرح في جوابه بحكم ابن زرب في جائحة ثمرة حبس بالشهادة على خطوط شهود الجائحة، وقياسه التقية عليها ضعيفة غير قوية، وقيمة غير صحيحة؛ لأن ذلك ليس فيه إبطال الحبس ونقضه وصرف أصله عما سبل فيه، كما في إعمال التقية إبطاله، ولو ساغ هذا لساغ إبطال الحبس بدين قديم على المحبس قبل التحبيس، ولا يثبت إلا بالشهادة على خط شهود الدين إذا كان المحبس لا مال له حين التحبيس إلا الحبس، وهذا لا يقوله أحد. ومن الحجة البينة لنا – وإن كنا لم نضمنه جوابنًا – أن المقوم عليه المبتاع للدار قد

стр. 48

أقر بتحبيسها باحتجاجه بالتقية في عقد الحبس فيها، وبقتي التقية لم تثبت بوجه قاطع يوجب الحكم بها، والله يوف للصواب من يشاء؛ فقد ذلك بعض من تأخر من الشيوخ: أن اختيارهم لتجويز الشهادات على الخط في الأحباس؛ إنما كان لأنها لابد أن يقترن بها سماع التحبيس وفشوه عند الناس؛ فقويت بذلك الشهادة على الخط فيها وهو معنى معدوم في غيرها في الأغلب. وسئل ابن زرب عمن كتب وصيته وأشهد عليها، ثم كتب في أسفلها بخط يده: هذه الوصية قد أبطلتها إلا كذا وكذا منها فيخرج عني، وشهدت بينة أنه خطه. فقال: لا ترد بهذا وصيته التي أشهد عليها، وهو كمن كتب وصيته بخط يده، ولم يشهد عليها حتى مات. وشهد على خط فيها؛ فلا تنفذ. وفي أحكام ابن زياد في رجل تردد على القاضي مشتكيًا برجلين عدلين حينًا، ثم قام على المشتكي به ما رجل يدعوى فسأله القاضي بينه على دعواه فقال: يشهد لي شاهدان وسمي ذينك الرجلين اللذين شكاهما المطلوب وتظلم منهما، وقال القاضي: هل لك غيرهما؟ فقا: لا، فاستراب القاضي ذلك، وسأل الفقهاء الجواب في ذلك، فقالوا: التثبت – حفظ الله القاضي – فيالشهود من أولى الأشياء وأحقها لما ظهر في كثير من الناس من الشهادة بغير الحق، والذي استرابه القاضي – وفقه الله -، إلا في العدول المبرزين المعروفين بالفض والخير واستقامة الطريقة على طول الأيام ومرور المدد، فإن شهادة مثل هؤلاء لا يسقطها إلا التجريح بالعداوة، قال بذلك محمد بن وليد وابن لبابة وسعد بن معاد، وأيوب بن سليمان. ولأصبغ في نوازله فيمن شهد عند القاضي لرجل على رجل قائم يسمع شهادته، فلما فرغ منها تحول إلى المشهور عليه، فقال له – والقاضي يسمع -: إنكم تشتمين، وتشبهني بالمجانين، وتهددني: أن القاضي لا يطرح عنه شهادته لهذا الكلام وشبهه إلا أن يثبت بينهما عداوة قديمة فليطرح عنه شهادته. وفي الثانية فيمن شهد عند القاضي فلما وضع شهادته عنده قال: بلغين – رحمن الله – أن هذا – يريد المشهود عليه – يهددني وشتمني ويرميني بالمكروه، قال ابن الماجشون: قد أبطل شهادته ولا أرى للحكم أن يقبل؛ هذا بخير أنه عدوه فكيف يشهد عليه وفي أدنى من هذا الكلام طرح شهادته؟

стр. 49

وقال أصبغ: إن قاله على وجه الشكوى والإشهار في الأذى، ولم يكن على طلب خصومه لذلك ولا سمي الشتيمة فلا أراه شيئًا. وإن سمي الشتيمة، وفيها إن قام بها مطالبة أو مخاصمة أو كان على وجه الخصومة وإن لم يسمها ساعته؛ فشهادته ساقطة. والأحسن أن يشهد الشهود عند الحكم بمحضر المطلوب إن كان حاضر البلد أو قريب الغيبة، فإن شهدوا ولم يحضر ولم يستدعهم ولكن يعلمه بهم، فإن كانت له حجة وإلا حكم عليه. هكذا في المدونة، وفي سماع أصبغ مثله. قال أصبغ: وهذا محضر القضاء. ولسحنون في العتبية إن قسر الحاكم في إحضاره عند الشهادة، ثم سأله إعادتها، فأرى أن يعيدها إلا أن لم يقدر على ذلك لمغيبتهم، فيدفع شهادتهم بما يقدر عليه، ويصير كالبعيد الغيبة. وفي كتاب ابن حبيب: قال ابن الماجشون: العمل عندنا أن يسمع القاضي في بينة الخصم حضر خصمه أو لم يحضر، فإذا حضر قرأ عليه الشهادة وأسماء الشهود، فإن كان له مدفع أطرده ذلك، وإلا لزمه القضاء، إلا أن يستريب القاضي في ذلك ويرى اجتماعهما أبدًا، فلا يوقع الشهادة إلا بمحضرهما. وفي كتاب ابن المواز: إن كان قريبًا فليحضر حتى يشهدوا عليه أو يحضر وكيله، وقد يذكرهم أمرًا ينفعه، فإن لم يفعل جاز، ثم إذا حضر أخبره بشهادتهم، ولي له أن يقول: يحضرون حتى يشهدوا بمحضري، وإن شاء أن ينسخ له شهادتهم فذلك له. وقال محمد ابن عبد الحكم نحوه. وفي أحكام ابن زياد: إن تغيب عن الحضور مع الطالب عند القاضي، فمن حق الطالب السماع في بينته والنظر له إذا تبين له تورك المطلوب وتنحيه. قال ابن لبابة، ويحيى بن عبد العزيز، ومحمد بن يحيى، وعبيد الله بن يحيى، وسعيد بن معاذ، ومحمد بن غالب، وأحمد بن يحيى، ومحمد بن وليد. والذي شاهدت العمل به إذا كملت الشهادة أن يدفع إلى المشهود عليه نسخ جميع ذلك، ويعلم له على من قبل في البينات، أولا يكتب في النسخ سواهم، وينظر في ذلك اليوم واليومين والثلاثة، ثم يعود إلى القاضي فإن ادعى مدفعًا ابتدأ بضرب ألآجال من

стр. 50

حينئذ، وإن قال: لا مدفع عندي، كتب مقالته وثبت عند القاضي وشاور حينئذ. وإن تشاح الطالب والمطلوب في القرطاس الذي تكتب فيه النسخ ليعذر إلى المطلوب فيها؛ ففيه بين الشيوخ تنازع: سألت أبا عبد الله بن عتاب عن ذلك، فقال لي: كان الحكام والفقهاء يختلفون فيه، وأراه على الطالب: ووسمعت من يذكر ذلك عن أبي محمد بن دحون أنه على الطالب. وأفتى أبو عمر بن القطان أن على الذي يغدو إليه القيام بالقرطا الذي تكتب فيه نسخ ما يغدو إليه فيه. وهو أحب إلي، والأول ليس ببعيد في النظر، والله أعلم بالصواب. وفي أحكام ابن زياد في طالب من القاضي أن يعطيه الشورى التي شاور له بها، قال ابن لبابة: الشورى – رضي الله عنك – إنما هي للقضاء وليس للخصوم، فلست تخرج من عندك، ولكن إن طلب نسخة منها فأعطه، ويكون الأصل عندك، وما عليك فيه درك ولا نقيصة. والله أعلم بالصواب واليقين وهو حسبنا ونعم المعين.

стр. 51

باب في الاستئمان والخلطة وكشف القضاة عما يستريبونه من الأمور بمن يرسلونه ممن يثقون به في أحكام ابن زياد يبعث القاضي وفقه الله رجلين عدلين إلى أمشاقة يجتمع أهلها ويقفوا على الأرض التي حلف عيها ابن الحرافي أنها هي التي أقر بها المنصور، وتقوم على قيمتها عندهم، فإذا عرف قيمة القفيز فيها أخذ الحرافي قيمة أربعة أقفزة، وفيها يستبرئ القاضي - رضي الله - عنه أمر التابوت الذي قالت أم الوليد أنه وديعة ويستبحث خبره فإذا تظاهر له أنه كما قالت أمر بإخراجه من العقلة ويبعث في ذلك من يثق بصدقه وأمانته ومن لا يظن به أنه رسول القاضي. فإذا تبين ذلك أمضاه بالوديعة، ولا يطلب في ذلكالعدول لأنها أسباب لا يقدر على العدول فها وإنما يعمل فيها على ما يرجى به البلوغ إلى فهمه عند الكشف والبحث، وما كان فيه من غير ذلك مما عقد فيه إقرار أم الولد وزوجها بقولهما فهو ما عقد عليهما، فإن رجعا عن ذلك إلى دعوى غيرهما فهما فهما مبطلان. قال بذلك محمد ابن لبابة وأيوب بن سليمان وممد بن وليد. وقال محمد بن غالب: الذي عقد الزوج على نفسه في قوله لا حق لي في الدار ولا في شيء منها موجب ما فيها لولد الميت، إلا ما صح لغيره بوديعة، وقد أفتى أصحابنا وللقاضي أن يأخذ بالأسهل ولا يحلم فيه ما يحمل في الدعويات من البينة العدلة، وكل ذلك حسن إن شاء الله وبه أقول؛ لأنه قد تبين له عند الامتحان ما يظهر له به الحق في دعوى مدعي الوديعة فيسقط العقل كما قالوا، ويكون صوابًا إن شاء الله. وقال بذلك عبيد الله بن يحيى وسعيد بن معاذ وأحمد بن يحيى ومحمد بن وليد. واعلم أن الخلطة أصل في مذهب مال وأصحابه وبه جرى العمل بالمدينة، ذكر مالك في الموطأ أن عمر بن عبد العزيز كان لا يحلف المدعي عليه لمدعي حتى تكون بينهما مخالطة. قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا، فإن نكل المطلوب عن اليمين حلف الطالب وأخذ حقه، وهو قو جماعة أهل المدينة: المشيخة السبعة وغيرهم. وكان المشيخة السبعة يقولون: لا تعلق اليمين على كل من ادعى عليه، ولا تعلق اليمين إلا بالشبهة أو باللطخ أو بالخلطة بين الرجلين. هذا قولهم في كتابهم. وهو أكمل من الذي ذلك عنهم في كتاب الشهادات (أ - ١٦) من المدونة.

стр. 52

وقال القاسم بن محمد: إذا ادعى الفاجر على الصالح شيئًا يعلم الله أنه كاذب، ولم يعلم بينهما أخذ ولا إعطاء؛ لم يستحلف ذكره إسماعيل وهو حسن من القول، صواب من النظر. وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وابن راهوية: من ادعى حقًا على غيره ولا بينة له؛ استحلف له المطلوب في الحقوق كلها، وحجتهم حديث حبيب ابن مليكة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "لو أعطى قوم بدعواهم لا دعى قوم دماء آخرين وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه" وليس فيه ولا غير من الآثار ذلك خلطه. وفي المدونة في رجلين ابتاعا سلعة من رجل فق٤ضى أحدهما نصف الحق، ثم لقي الآخر فقال له: اقض ما عليك، فقال: قد فدته إلى صاحبي الذي اشترى معي، ثم سافر هذا المطلوب وبقي الطالب وهذا الباقي، فقال له: ادفع إلي ما دفع إليك فلان فقال: ما دفع إلي شيئًا، قال: قال: فاحلف لي، فأتيا مالكًا وسألاه، فاقل: لا أرى هذا خلطة ولا أرى عليه اليمين. وقاس ابن القاسم عليها من ادعى على رجل كفالة ولا خلطة بينهما، فقال: أيمين عليه؟، قال: ومن ادعى عليه دين أو استهلاك متاع أو غصب نظر السلطانن فإن كانت بينهما مخالطة في دين أو تهمة فيما ادعى، فإما أحلفه وإما أخذ له كفيلا حتى يأتي ببينة، وعنه في كتاب الكفالة في أخذ الكفيل خلاف. هذا وفي سماع أصبغ عن ابن القاسم في المخالطة التي تستوجب بها ليمني قال: يسالفه ويبيعه ويشتري منه، وليس أن يشتري منه ويقبض السلعة ويدفع الثمن ويتفاضلا حتى يكون قد باعه مرة ومرة مرارا، فتكون مخالطة وإن تناجز في ذلك كله وفاضلا. وقال أصبغ: وقال سحنون: ولا تكون المخالطة إلا في البيع والاشتراء بينهما، ولو ادعى أهل السوق بعضهم على بع لم تكن مخالطة حتى يتبايعها ولا كونهما أهل منزل واحد ومسجد واحد مخالطة. وقال في كتاب ابنه: وإن كان الرجل متهمًا ليس مأمونًا فيما ادعى عليه، علقت به اليمين كالخلطة. وقال يحيى بن عمر: أما الصناع فعليهم اليمين لمن ادعى في صناعتهم وإن لم يأت

стр. 53

بخلطة، لأنهم منصوبون للناس. قال ابن أبي زمين: قال أصبغ: خمسة تجب عليهم الأيمان بلا خلطة: الصانع، والمتهم بالسرقة، والقاتل عند موته: لي على فلان دين، والذي يمرض في الرفعة فيدعي أنه بري بماله إلى رجال وإن كان المدعي عليه عدلا غير متهم، وكذلك الغريب ينزل مدينة فيدعي أنه استودع رجلا مالاً. وقال مطرف: من اتهم بسرقة وهو ممن يرضى بعارها حلف، وإن أبى سجن حتى يرى السلطان فيه رأيه، وإن كان ممن لا يرضى بعارها لا يرع في أخذ مال غيره إذا قدر فلا يميني عليه في دعوى السرقة. قال أبو عبد الله بن أبي زمنين: من ادعى عليه استهلاك متاع بغصب أو جناية أو أمر اتهم فيه، فاليمن لا تجب في هذا بالخلط، وإنما تجب بكون المدعي عليه معروفا بالغصب أو ينسب إليه وإن لم يثبت عليه، وإذا لم يحقق المدعي دعواه عليه وإنما اتهمه بجناية وشبهها ولم يقطع عليه بها؛ فلا تجب أيضًا في مثل هذا، إلا أن يكون ممن يتهم في دينا باستحلال ما لا يحل، ويمين التهمة لا ترد، ويرى السلطان في ذلك رأيه أن نكل المدعي عليه عنها. وبهذا جت الفتوى، وقد وقع في المدونة ما يد على هذا، وقد جاء لمالك وابن القاسم في ذلك خلاف تركت اجتنابه كراهة التطويل، وكذلك أفعل في كثير من المسائل التي أورد من الأمهات؛ أترك ما فيه تمامها وبه كمالها تخفيفًا واختصارًا إذ الغرض ذلك ما تفقهته عن الشيوخ، مما فيه تميم لما في الأصول أو تفريع له وبسط لمعاينة، وقد فعلت ذلك فيما تقدم – أعني ترك استقصاء ما أورده – والله تعالى يمن بفضله على ما يقرب منه. وقال ابن المواز في كتابه: من أقام بالخلط شاهدًا واحدًا أحلف معه وثبتت الخلطة، ثم يحلف المطلوب حينئذ، وقاله ابن نافع وابن كنانة. وفي سماع أصبغ فيمن أقام شاهدًا واحدًا أن فلانًا خليط له هل يستحل أو حتى يقوم له شاهدان أنه خليط، قال ابن القاسم: شاهد في هذا أو امرأة واحدة توجب اليمين بين الرجلين أنه خليط، وقاله ابن كنانة في المجموعة. وقال غير واحد من المتأخرين: إنما تداعى الخلط (ب – ١٦) فيما يعلق بالذمة في الحقوق، وأما الأشياء المعينة يقع التداعي فيما بينهما فاليمين لاحقة فيها من غير خلطة،

стр. 54

واحتجوا بمسائل الشفعة وغيرها، وقيل: لا تجب اليمين إلا بخلطة في الأشياء المعينة وغيرها، قال عبد الحق: وهذا أبين عندي؛ لأن الخلطة غنما رآها العلماء للمضرة الداخلة لو سمع من كل مدع. وادعت امرأة أن محمد بن إسماعيل بن المقريطي صار في دارها وهدمها وأخذ بعض أنقاضها، وقيمة ما أخذ كذا، وأنه قلع أسسها، وزرعها مدة من خمس أوام، وأنكر ابن المقربطي دعواه. فجاوب أبو محمد عبد الله بن دحون: لا يخفى مثل هذه الحال من النقض والزراعة على الجيران، فإن شبهت في دعواها بشبهة وجبت اليمين على محمد المقربطي. وجاوب أبو المطرف بن جرح: قال النبي ﷺ : "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" فإن أقامت المرأة البينة على ما ادعت وإلا حلف محمد بن المقربطي على إنكار دعواها. وقال الشيخ أبو عبد الله بن عتاب: مذهب مالك ﵀ فيمن ادعى عليه بمال من مبايعة أو غيرها: االيمين لا تجب عليه إلا بخلطة وملابسة، ومن ادعى عليه غصب أو سرقة لم تجب عليه اليمين إلا أن يكون متهمًا بذلك، وإن ادعى عليه أنه قذفه لم تجب عليه اليمين إلا أن تشهد بينة بمنازعة كانت بينهما وتشاجر فتحب اليمين حينئذ. وإذا ادعت المرأة الطلاق أو العبد العتق لم يحلف الزوج ولا السيد، إلا أن يقيما شاهدًا واحدًا، وأمثال هذا كثير، هذا مذهبه ومذهب أصحابه. وقد أوجب بعضهم اليمين بنفس الدعوى ومجردها، وذلك قليل، منه قوله في القاتل يدعي أن ولي المقتول عفا عنه قالك يحلف وأنكره أشهب، وقال: أرايت إن حلف فلما قرب للقتل قال: قد عفا عني ثانية [ترى أن يحلف له] قال ابن عتاب في جواب له: آخر مذهب مالك أن كل دعوى لا تلحق اليمين فيها بمجردها حتى يقارنها سبب، فإذا قارنها سبب لحقت اليمين، والأسباب تختلف وبعضها أقوى من بعض. هذا تحصيل المذهب، وفي بعض فروع هذه المسألة اختلاف بين أصحاب مالك. وما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "البينة على المدعي واليمني على من أنكر" فقد زاد فيه بعض الناقلين له من أهل المدينة "إذا كانت بينهما خلطة" وهذه الزيادة مقوية

стр. 55

لمذهب مالك، لكن هذا الحديث مع هذه الزيادة دونها لا يثبت عن النبي ﷺ على هذا اللفظ، والثابت عنه ﷺ قوله لأشعث بن قيس وقد خاصم إليه رجلاً: "شاهداك أو يمنه"، وفي رواية أخرى "بينتك أو يمينه" وهذه الرواية تثبت عند بعض أصحابنا، وأما أهل الحديث فيثبتونه جميعًا. وأجمع أهل العلم على أن قوله: "البينة على المدعي" هو على العموم، وأن على كل مدع إقامة البينة إلا أشياء يسيرة لم يكن فيها إلى البينة سبيل فحكم فيها [بالدليل] كاللقطة يأخذها طالبها إذا عرف عفاصها ووكاءها، وكالستر يرخى بين الزوجين ثم يطلق وينكر الوطء وتدعيه المرأة فتحلف وتأخذ جميع الصداق، وغير ذلك. قال: واختلفوا في قوله: "واليمين على من أنكر" فقالت طائفة: هذا عام في جميع الأشياء، وقالت طائفة أخرى – وهذا مذهبنا -: أن ذلك على الخصوص، ودليلهم على مخالفيهم لو ادعى نكاح امرأة أو ادعت المرأة على الرجل ولا بينة على الدعوى: أنه لا يمين على المنكر؛ إذ لا يقضي فيها بالنكول، وأن لا ينعقد النكاح بالأيمان. وسئل عمن وجبت عليه يمين فردها على طالبه بها بمحضره، فسكت الذي ردت عليه حينئذ ومضى زمانًا، ثم ذهب أن يحلف فقال الراد: ى أمكنك الآن من اليمين وأنا أحلف على إنكار دعواك، وإنما ملكتك حينئذ فإذا لم تحلف وطال الزمان فاليمين إنما تعينت على لا عليك. فجاوب: إذا رد اليمين فلا رجوع له فيها طال الزمان أو قصر. ويحلف الذي ردت عليه، ويستحق بيمينه ما يحلف عليه، وهو قول مالك ﵀ عامة أصحابه، ولا أعلم بينهم فيه اختلافًا. قال القاضي: هذا الذي جاوب به الشيخ هو في سماع أصبغ في الدعوى وفي التفليس، وفي رسم الجواب في سماع عيسى، وفي ديات المختلطة، وفي كتاب ابن سحنون: من قال فلان على مائة درهم إن حلف أو إذا حلف أو متى حلف أو حي يحلف أو مع يمينه؛ فحلف يمينًا على ذلك نكل المقر، وقال: ما ظننت أنه يحلف، فلا يؤخذ بذلك المقر في إجماعنا، ولمحمد بن عبد الحكم نحوه. فتدبره. وفي أحكام ابن زياد: تقرأ رحمك الله هذه الشهادات المدرجة في كتابي، ولست أعرف أحدًا من الشهود، وهل تجب اليمين بشهادة الذين لا أعرف أم لا؟

стр. 56

فجاوب عبد الله بن يحيى: زاد الله في توفيقك، وأكمل نعتك، لست أعرف أن اليمين تجب عند مالك وأصحابه حتى تثبت الخلطة، والخلطة لا تثبت إلا بشهادة أهل العدل، وأسهل ما يعرف في هذا عند أصحابنا أن يحلف مع الشاهد العدل واللفيف، وأسأل الله توفيقك وحسن عونك. وقال محمد بن الوليد: جواب عبيد الله بن يحيى الذي أجاب به في هذه المسألة هو جوابي، وقولي في ذلك مثل قوله حبطة واجتهادًا، والله أسأله التوفيق لك فيما يحب ويرضى. وقال أيوب بن سليمان بمثل ذلك، ثم قال للذي قاله ربيعة. تحدث للنا أقشية بما يحدثون، وقد أحدثت أشياء أوجبت القول بهذا والاجتهاد به. وقال محمد بن وليد: [وجواب] اليمين مع ثبوت الخلطة إجماع، وقال أحمد بن يحيى بن أبي عيسى: إذا ثبت الخلطة وجبت الأيمان. وقال محمد بن عمر بن لبابة: مذهب مالك والذي روي عن عمر بن عبد العزيز: أنه لا يمين إلا بخلطة. وهو الذي جرى في بلدنا وحكمت به القضاة، ورأيتك تستعمله منذ وليت. والذي أذهب أنا إليه في خاصتي وأفتي به من قلدني: اليمين بالدعوى لقول رسول الله ﷺ : "اليمين على المدعى عليه" وقال عبيد الله بن يحيى ومحمد بن وليد وابن لبابة: الإقرار بالخلطة يوجب الحلف في أهل المخالطة في أسباب المعاملات والأخذ والإعطاء، فإذا كانت الدعوى في تعد ينسبه أحدهما إلى صاحبه فإن اليمين لا تجب، في هذا بالخلطة، وإنما تجب في مثله إذا كان المدعي عليه بالتعدي ممن يتهم بذلك وينسب إليه ويكون معروفًا به. زاد ابن بابة: فيمن نسب إليه الغصب وكان معروفًا به، ثبت الغصب عليه أو لم يثبت، إلا أنه ادعى عليه. وفي فصل آخر في اليمين في تهمة الذي ذهبنا إليه في الفتيا أنه إن كان عند القاضي – وفقه الله – من أهل الريب وسوء الدعة، عليه اليمين [في التهمة] فكذلك يقول مالك وأصحابه، وإن لم يكن عند القاضي من أهل الريب والتهم، فلا يمين عليه، واعتلال صاحبه بأن قال: قد أنكر صداق ابنتي وأثبته بعد ذلك، فإن لم يكن من زلته غير هذا فليست بزلة يبلغ بها الريب التي تلزمه اليمين بالتهمة. قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة. وإن كان القاضي لا يعرف فليكشف عنه سرًا وجهرًا حتى يصح عنده حاله. وقال عبيد الله بن يحيى: إن كان عند القاضي من أهل التهم، فاليمين عليه واجبة، وإن لم يكن

стр. 57

من أهل التهم، فما أرى عليه يمينًا. وقال يحيى بن عبد العزيز ومحمد بن وليد يمثل قول ابن لبابة، وقالوا في مريض وجبت عليه يمين: يحلف هاشم بن الغليظ في بيته – إذ مثله لا يحتمل أن يخرج به إلى مقطع الحق - بالله الذي لا إله إلا هو: لقد كتبت بيني وبين بنات خالد كتاب مراضاة، قطعنا فه كل علقة وكل طلبة كانت بيننا، ولست أحفظ نص المراضاة فإذا حلف معًا، ثم حل بنات خالد بالله الذي لا إله إلا هو في مقطع الحق: ما عقدنا هذا الكتاب الذي كتب هاشم أنا تراضينا فيه، ولا جرى بيننا تراض قاطع لطلبات بعضنا بعضًا، فإذا حلفن عادوا إلى الخصومة في جميع تداعيهم، قاله ابن لبابة وأيوب بن سليمان ومحمد بن وليد. وقالوا ثلاثتهم في مسألة أخرى: فهمنا وفق الله القاضي ما طلب عبد الوهاب بن عبد الله بن يسيل من يمين أخته عائشة فيما ادعاه عليها من تركه أبيها من ناض ومال، وما قال القاضي حفظه الله من أنه ثبتت عنده موت أبيها وعدة ورثته بشهادة سعيد بن عثمان وأحمد بن بيطير، فالذي نقول في ذلك: إن عليها اليمين في ذلك واجبة، إلا أن تأتي بما يسقطها من براءة جرت بينهم، أو تفاضل ثبت. وقال ابن لبابة في مسألة أخرى: فهمنا وفق الله القاضي ما أمر به من استخراج اليمين كيف يكون، وقد فسرناها وفسرها أبو صالح في جوابه، وذلك أن تحلف بالله: لقد حلفت في مقطع الحق لسقط مني الكتاب الذي كان فيه ذلك الرهن، وأنه لم يكن فيه رهن غير ما أقررت به من ارتهان الحقلين اللذين وجهت لحيازتهما، ووافقت البينة عليهما، ولقد حلفت في الخمسة والخمسين دينار (ب – ١٧)، فإذا حلف سقط عن فلان ما طلب به من الرهن، وصارا في تداعيهما إلى ما قد وفقا عليه. وقال ابن لبابة وأيوب ومحمد بن وليد فيمن حلف لخصمه قبل أن يكلفه ذلك: فهمنا – وفق الله القاضي – ما أدعاه ابن غالب رملة من أن يمينها أن عمها هشامًا سكن الدار لها ست عشرة سنة، كان برضا عممها هشام وإحلافه إياها على سكنى ست عشرة سنة، فليكشف الشهيدان فإن قالا: إن عمها أحلفها على ذلك وجب لها عليه ما حلفت عليه، ثم تحلف له أنه ما أسلفها شيئًا إن لمتكن له بينة على السلف ولا كافأهما، إلا أن تكون له بينة على المكافأة، وإن قالا: إنها بدرت باليمين بغير رضا عما ولا إحلافه إياهما على ست عشرة سنة ولا رضي بذلك بعد أن حلفت؛ وجب لها كراء عشر سنين كل

стр. 58

سنة بمثقال إن كان يشبه ذلك كراء الدار، وإلا فيمين هشام على ما ادعاه من الكراء عشرة دراهم كل سنة، إن كان يشبه ذلك كراء مثلها. فإن لم يشبه أيضًا ردت إلى كراء مثلها في موضعها ونفاقها وكسادها. قال القاضي: انظر قولهم: إن كانت بدرت باليمني بغير رضا عمها على الست عشرة سنة، وجب لها كراء عشرة سنين كل سنة بمثقال إن أشبه كراء الدار، والمعنى: أنها ادعت ذلك، وإلا فمين هشام على ما ادعاه عشرة دراهم في السنة، فبدوءا المدعية بالتصديق، ولم يذكروا أنها تحلف، وإنما وجه الحكم في هذا إذا اختلفا في عدد الكراء أن يكون القول قول الساكن في الكراء، إذا كان أمد الكراء قد انقضى، وأشبه ما ادعى مع يمينه على هذا. ولا أعلم خلافا في ذلك، وقد نص عليه في الواضحة، وكتاب الوقار وغيرهما، وهو معنى ما في المدونة، وهو كاختلاف المبايعين في مبلغ الثمن، وقد قبض السلعة مشتريها وفاتت عنده، في يقول مالك الذي أخذ به ابن القاسم، وقد روي هو وابن وهب عنه أن القول قول المشتري إذا قبض السلعة المشتراه، وإن لم تفت عنده. وأما على ظاهر قولهم: إنها تعطي كراء عشر سنين كل سنة بمثقالن وإلا فيمين هشام على ما ادعاه عشرة دراهم في السنة؛ فيدل على اختلافهما في النوع، وإذا اختلفا في نوع الكراء ولم يكن عرف صدق أحدهما وكان أمد الكراء قد مضى بعضه أو انقضى – ففيه قولان: أحدهما: أن يرد إلى كراء المثلا بعد أيمانهم وهو الأظهر في المذهب والأصح إن شاء الله، وهو مطرد في البيوع وغيرها، والقول الآخر: أن القول قول الساكن مع يمينه إن أشبه ما قال، ويؤدي ما حلف عليه، أو يجب منه لما سكن إن كان الأمر لم ينقض بعد، ويتفاسخان فيما بقي، ذكره ابن حبيب وغيره عن ابن القاسم. وهذا كله خلاف ما في هذه المسألة في أحكام ابن زياد على ما نقلناه والله الموفق للصواب الهادي إلى سبيل الرشاد، وما ذكروه خطا إلا أن كان ما ادعت رملة من الكراء بالذهب، كان العرف عندهم حينئذ في أكرية الدور وأفتوا على ذلك، فجوابهم عليه صحيح إلا أنهم لم يذكروا ذلك ولا أنها تحلف وهو تقصير. والذهب والدراهم في هذا الأصل نوعان كالقمح والشعير في الاختلاف في السلم، وكذلك الرواية في ذلك. وقال عبيد الله بن يحيى في نزاع بين ورثة: فهمنا – وفق الله القاضي – ما سأله

стр. 59

ابن بهلول من إحلاف من شركة في وراثة زوجة عائشة وبريهة بمثل ما حلفتاه به، فنرى أن ذلك له فإن اليمين عليهما بمثل ما كان لهما عليه، فمن نكل منهما عنها لم يقطع به مما اتهمنا فيه؛ حلفتاه على ذلك، فإن نكلتا شدد القاضي عليهما بما رواه الحيس وغيره، وقال ابن لبابة وأيوب بن سليمان ومحمد بن وليد، وفي قولهم إن الثياب المعتقلة يؤدي من ثمنها في الكفن إذا ثبت ما بقي كان على يد أمين حتى يفض بينهم، لأنه لا يؤمن على الثياب أن تستأنس، فبيعها من النظر إن شاء الله تعالى. وقالوا في دعوى وتهمة بسبب ميراث: فهمنا ما ذكره القاضي – وفقه الله – أنه ثبت عنه موت عائشة وعدة ورثتها وأن أخاها منهم ادعى عندك على محمد أن عنده لعياشة ثيابًا نوعها، وأنكر محمد أن يكون عنده شيء لعائشة أو يكون خليطًا لها في أخد أو إعطاء وشهد لأحمد جماعة بأن محمدًا خليط لعائشة في الأخذ والإعطاء. وقال القاضي [إنه] قبل من الشهود واحدًا وطلب أحمد يمين محمد فيما ادعاه عنه لعائشة، وأحب القاضي – وفق الله – أن يعرف إن كانت تجب اليمين على محمد فالذي نقول في ذلك إن كان أحمد ادعى الثياب عند محمد من بيع أو وديعة أو عارية؛ فاليمين تجب عليه له وله ردها إذا وصف المدعي الثياب ونعتها، وإن ادعاها من طريق غصب وعداء، فإن كان المدعى عليه من أهل العداء والتهم لزمته اليمين، وإلا فلا يمين عليه، قال بذلك محمد بن وليد، وقال محمد بن لبابة بمثل ذلك، وقال: ليس محمد بمن يحلف بالتهمة، ولكن اليمين عليه في الدعوى للمعاملة أو يردها، وقال أيوب ابن سليمان بمثل قول ابن وليد كله، وقال عبيد الله بن يحيى بمثل قول ابن وليد. وقالوا في هذا المعنى: اليمين واجبة لجشم بن نمر الجهني على ختنه عمر وعلي زوجته حزمة فيما ادعاه قبلهما من وثائق ابنتهما كندة التي كانت زوجته وتوفيت عنه، وفي صداقها الذي كان على زوجها المتقدم قبله في مقاطع الحقوق – بالله الذي لا إله إلا هو: أن تلك الوثائق وذلك الصداق ليست عندهما ولا أودعاه، ولا يعرفان لها موضعًان ولا عاملا فيها أحد بشيء، قاله ابن لبابة وأيوب بن سليمان، إلا أن يريد عمر رد اليمين على جشم عما في الوثائق التي يدعيها عند عمر، وكان الذي ينص من ذلك تحت يد عمر وزوجته: وجب لهما رد اليمين عليه في ذلك، فإن حلف وجب له الدخول بحقه في ذلك المنصوص، وإن نكل فلا شيء له، قال بجميع هذه الفتيا عبيد الله بن يحيى ومحمد بن عمر

стр. 60

بن لبابة وأيوب بن سليمان ومحمد بن يحيى بن أبي عيسى. وفي دعوى وتهمة في وثائق وغيرها ورد يمين على الأب: يحلف ابن مسونة وزوجته في مقطع الحق بالله الذي لا إله إلا هو ما أخذ لمسونة التي ذلك أنها زالت عنه، ولا فتحا لها تابوتا ولا استعار منها رداءًا، ولا أسلفا مثاقيل، ولمحمد بن مسونة أن يرد اليمين على أبيه في الرداء والمثاقيل أو فيما شاء منها، وأما الوثائق فإن حلفا فيها وإلا حبسا، ومن حلف منهما برئ قاله ابن لبابة وأيوب بن سليمان ومحمد بن وليد ومحمد بن أيمن. وفي المدونة قال مالك: ومن وجبت عليه يمين أو له في شيء له بال فإنما يحلف فيه في المسجد الجامع. قيل له: عند المبر، قال: لا أعرف المبر إلا منبر النبي ﵇، فأما مساجد الآفاق فلا أعرف المبر فها، لكن يحلف في أعظم موضع منها، ولا يستحلف في المدينة عندنا عند المنبر إلا في ربع دينار فصاعدًا، ويستحلف في القسامة في المساجد في دبر الصلوات وعلى رءوس الناس، وفي اللعان في المسجد أيضًا وعند الإمام. وقال في الموطأ: لا يحلف على المبر في اقل من ربع دينار وذلك ثلاثة دراهم، وجملة مذهبه أن اليمين لا تكون عند المبر من كل جامع إلا في هذا المقدار الذي ذلك، وما كان دون ذلك حلف فيه في مجلس الحاكم أو سوق أو غيره. قال ابن القاسم: وليس عليه أن يستقبل القبلة. وفي سماعه: ويحلف قائمًا. وفي كتاب ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون عن مالك: يحلف في كل أمر له بال أو بلغ ربع دينار فصاعدًا مستقبل القبلة في المدينة عند منبر رسول الله ﷺ ، وفي غيرها من البلدان في مسجدهم الأعظم حيث يعظمون منه [عند منيرهم] أو تلقاء قبلتهم، والرجال والنساء في ذلك سواء. قالا عنه: ويحلف الحالف بالله الذي لا إله إلا هو، لا يؤمر بأكثر منه في الحقوق والدماء واللعان، وكل ما يقع فيه اليمين على المسلمين والنصارى أو اليهود أو المجوس، غير أن هؤلاء غنما يحلفون حيث يعظمون من كنائسهم ومواضع عباداتهم، ويرسل القاضي رسولاً من المسلمين يجلفهم، وهكذا سمعنا مالكًا يقول في ذلك ومشايخنا بالمدينة. قال ابن حبيب وابن عبد الحكم وأصبغ عن ابن وهب، وابن القاسم وأشهب عن مالك مثل ذلك كله. وفي أقضية المدونة وغيرها قال مالك: يستحلف من وبجت عليه يمني بالله الذي لا

стр. 61

الله إلا هو ولا يزيد على هذا، وبه مضى أمر الناس، وفي هذا عنه وعن أصحابه تنازع يطول الكتاب باجتلابه. وفي أقضية كتاب ابن المواز: ويمين العبد [والحر] والنصراني في الحقوق سواء، ويحلف النصراني مع شاهده العدل كان حقه على مسلم أو نصراني (ب – ١٨). وكذلك المسلم وغيره، ويحلف المسلم الحر والعبد مع شاهده في المسجد الجامع في ربع دينار فأكثر، فأما ما قل فيحلف في مقامه ولا يحلف في مساجد القبائل في قليل ولا كثير. وروى ابن القاسم عن مالك في الموازية وكتاب ابن سحنون فيمن باع ثوبًا فرد عليه بعيب، فادعى أنه بينة له فأنكره، فأراد يمينه عند المبر – قال: إنا لنقول لا يستحلفه عند المبر إلا في ربع دينار فصاعدًا قال ابن المواز عن أصبغ: فإن كان نقصان الخرق أكثر من ربع دينار لم يحلف إلا في الجامع. قال القاضي: ذكرت هذه المسائل في الأصول بينًا أن اليمين لا تكون عند المبر إلا في ربع دينار فصاعدًا، إذا كان بعض من يفتي معنا بقرطبة يرى اليمين عند المبر فيما له بال واء لم يبلغ ربع دينار طيب. وقد سألت ابن عتاب وابن مالك عن الحلف عند المبر في ربع دينار من الذهب القرمونية، وكان فيها من الذهب نحو السبع، فقالا: لا يحلف فيه عند المبر، وسألت عنه ابن القطان فقال: بمثله، وقال إنما هو الذهب الطيب. وقال ابن أبي أويس عن مالك: لا يحلف في القسامة واللعان وفي ثلاث دراهم فصاعدًا عند منبر إلا منبر النبي ﵇، وأما سائر المساجد فيحفون فيها ولا يحفون عند منابرها. وفي سماع ابن وهب نحوه. قال مالك: ويحلف عند منبر النبي ﷺ بالله الذي لا إله إلا هو، ورب هذا المنبر. قلت: ويقول: ورب هذا المنبر، قال: نعم. قال: ويحلف عنده قائمًا إلا أن يكون ضعيفًا، ورأيت بمكنة يحلفون عند الركن. وذكر الجرجاني وغيره عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن: أنه لا تجب اليمين عند منبر النبي ﷺ ، ولا بين الركن والمقام في قسامة ولا في شيء من الأشياء، لكن الحكام يحلفون من لزمته يمين في مجالسهم. وقال مالك: من أبى أن يحلف عند المنبر فهو كالناكل عن اليمين، ومذهب الشافعي ألا يحلف في المدينة عند منبرها ولا بمكة بين الركن والمقام، إلا في قسامة أو لعان أو في

стр. 62

عشرين دينارًا فصاعدًا، وكذلك عنده في سائر البلدان عند منابرها، ولأشهب في يالنوادر: إن حلف والذي لا إله إلا هو أو والله فقط لم يجزه ذلك: ودليلنا على ذلك أن يربع دينار قد تعلق به القطع في السرقة كالعشرين دينارًا. وفي مسائل القاضي ابن زرب: سأله أبو الأصبغ عمن طلب بدين فقال للطالب: قد وصل إليك وأدفع إليك حقك على سبيل المكافأة فأراد أن يحلفه بعد ذلك بالله تعالى. ففكر ساعة ثم قال: إن طلب يمينه بالله عند يمينه بالطلاق فله ذلك، وإن كان بعد ذلك وبعد نفوذ يمينه بالطلاق ورضاه بها بعد نفوذها، فلا قيام له ولا سبيل إلى تحليفه لأنه بعد ذلك منه رضى والتزامًا، كمن قال: إن شهد على فلان بكذا فأنا ألتزمه، فشهد عليه فلان، فإن أنكر ذلك حين شهد أو رجع عن رضاه قبل أن يشهد كان ذلك له، وإن شهد عليه فرضى وسكت ثم أراد بعد ذلك أن يرجع عنه؛ لم يكن له ذلك، وهذا الأصل في كل من التزم مالا يلزم بحكم. وفي الأحكام لابن حبيب: من ادعى حفًا من بيع على من بينه وبينه خلطة فلزمته اليمين قبلي فقال: أحلف أنه لا حق لك قبلي، فقال مالك: بل يحلف ما يعتني ذلك ولا لك حق منه قبلي، وقال: هذا يريد أن يورك، أي يلغز ويحرف، وكأنه يريد ابتعت منك وقضيتك الثمن، ويخاف إذا ذلك هذا ألا يصدق في دفع الثمن وأن يحلف البائع ويأخذه. وفي شهادات المدونة مثله. وروى ابن القاسم عن مالك في كتاب سر فيمن جحد رجلاً حقًا له، وأراد طلب الحق أن يستحلف: ما أسلفته [شيئًا] وقال الآخر: أحف مالك على شيء. قال: أرى أن يحلف مالك عندي شيء، وما الذي ادعيت على إلا باطل، فإن أبى أن يحلف حلف صاحب الحق واستحق حقه، وقال: هذا يورك. وقال أصبغ: حضرت ابن القاسم وقد حكم بأن يحلف ما أسلفه شيئًا. والله أعلم بالصواب. باب وفي أحكام ابن زياد في امرأة وكلت على خصامها وسألها طالبها أن تأتيه بحميل لئلا تتغيب إن لزمتها يمين. قال أبو صالح: فهمت ما ذكره القاضي أكرمه الله أن امرأة وجبت عليها يمين على التنحي، وسأل خصمها أن يتخذ عليها حميلاً، ولم يثبت ما يريده من اليمين ولا وجبت عليها بعدولها وكيل، فما بال حميل يؤخذ منها، فإذا خاف الطالب توركها وتغيبها عنه عند وجوب اليمين عليها وجاء من ذلك ما لا يؤمن من فعل المتورك؛ وجب (أ – ١٩) عليها حميل، وليس الوكيل المتكلم عنها بجميل إلا أن يتحمل

стр. 63

ويشهد، فإن أبت في اتخاذ جميل عليها فاحبس حميل من لا حميل له، وقال محمد بن غالب: وقال لبابة ألا حبس عليها لعجزها عن الحميل، إلا أن يأتي بسبب طاهر. وقالوا فيمن حلف وسأل القاضي أن يشهد له بثبوت يمينه عنده: فهمنا – وفق الله القاضي – ما أراد عبد العزيز بن حريش القنوى من إشهاد القاضي حفظه الله على ثبوت يمينه عنده، وقرأنا الكتاب الذي نسخة القاضي في ذلك ونسخ فيه نسخة كتاب يمينه الذي حلف بها: أنه ما أخ ... من جميع ما هلكت عنه زينب بنت حريش وتركته ميراثًا لورثتها قليلا ولا كثيرًا، ولا أحال منه عليها، ولا حال بين ورثتها وبين شيء من تركتها، ولا يعلم لها موضعًاز وذلك بحضور عروة بن شعيب عاصب زينب، وبمحضر حفص بن عبد الله بن مرزبان وكيل زوجة أمة الرحمن أخت زينب، وشهد على جميع ذلك أحمد بن زيد الغافقي وأحمد بن بيطير. وأعذر القاضي إلى من وجب الإعذار إليه بما وجب أن يعر به. فرأينا نسخة تامة صحيحة يجب إشهاد القاضي له عليها، قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة ومحمد بن وليد وعبيد الله بن يحيى وأيوب بن سليمان ومحمد بن غالب. وقالوا فيمن أراد أن يحلف أمه: فهمنا – وفق الله القاضي – ما طلبه ابن عبيدون من يمين أمه بعد أن أقام بينة على كينونته عندها وعند زوجها ابن عفان، وهذا – وفق الله القاضي – أمر مختلف فيه، ونرى أن اليمين واجبة له عليها لأنها حقوق تلزم فيما بينهم. وقال بعض المدينين: إنه عقوق إن أحلفها، قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة، وكذلك تجب اليمين على ربيبة ابن عفان إذا وصف دعواه عليه وعلى أمه؛ إذ قد أقام البينة على كينونته عنده وعند أمه. وقال يحيى بن عبد العزيز وسعيد بن معاذ ومحمد بن وليد، وقال عبيد الله بن يحيى: قد اختلف في هذا؛ فأما مالك فإنه يرى ألا يحلف الأب ولا الأم للولد لأنه عقوق، وغيره من أهل العلمي يرى أنه يحلف. وفي كتاب المدينان في المدونة: قال ابن القاسم: لا يحبس الأب في دين الابن ولا يظلم له الابن، وإنما رأيت ألا يحبس الأبوان له لأن مالكًا قال: فما بلغني في الابن يريد أن يستحلف أباه في الشيء – قال: لا أرى أن يحلف. فإذا لم يحلف له فالحلف أيسر من السجن. وفي سماع ابن القاسم: سئل مالك عن رجل بينه وبين أبيه خصومة فأراد أن يحلفه،

стр. 64

فكره ذلك. ونحوه في ديات المختلطة. وف سماع أصبغ: عن ابن القاسم، فيمن يقضي له على أبيه باستحلافه أو الحد يقع له عليه فيريد أخذه، فيقال له: إن ذلك عقوق فيستحلفه أو يحده. قال: لا تجوز شهادته وإن كان جاهلاً؛ لأنه عقوق ولا يعذر في ذلك بجهالة. وفي النوادر قال ابن القاسم: إن شح الابن في يمين أبيه أحلف، وكانت جرحه في الابن. وكذلك في كتاب ابن حبيب، وهو معنى رواية أصبغ، وهو معنى ما في المختلطة وسماع ابن القاسم. ولابن الماجشون في سادس الثمانية: له أن يحلف أباه في الحقوق، وليس هذا من العقوق. قال القاضي: أخرجت هذه الروايات من الأصول وذكرت مواضعها ليستدل بها على قلة علم المفتي في المسألة فوق هذا بمواضع المسائل وقائلها، وإلا فلم قالوا: قال بعض المدنيين هو عقوق، وتركوا حكاية ذلك عن ابن القاسم وهو مصري، وابن الماجشون قال: ليس بعقوق وهو مدني، فقبوا ذلك، وإن كان قد قال بعض المدنيين: هو عقوق، وكانت حكايتهم ذلك عن ابن القاسم أولى لتعديلهم في فتواهم عليه، ولتكرر قوله في العتبية. وقول عبيد الله: اختلف فيه فمالك يرى ألا يحلف الأبوان لابن، وغيره يرى أن يحلف له. كان يلزمه أن يبين أن غيره ابن القاسم، وهو دليل روايته عن مالك في سماعه وفي الديات، وابن الماجشون إذ هو من أصحابه. ولو قال: اختلف فيه قول مالك؛ لكان أدل على علمه، أو قال: اختلف فيه رواية ابن القاسم وقوله؛ كان شاهدًا على فهمه. والله ولي التوفيق برحمته.

стр. 65

وقال ابن حبيب: حدثني ابن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن يونس بن يزيد عنس ليمان بن قيس أن رسول الله ﷺ استشار جبريل ﵇ في القضاء باليمين مع المشاهد، فأمره الله بذلك. وعن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قضى به في الحقوق، وقضى بذلك علي وشريح. وقال مالك: مضت السنة بحلف الطالب مع شاهده، ويستحق حقه، فإن نكل حلف المطلوب، وإلا غرم. وذلك في الأموال خاصة، لا في الحدود ولا في النكاح والطلاق والعتاقة والسرقة والفرية. وأجمع عليه مذهب الشافعي وأصحابه وابن حنبل وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود. قال مالك: يقضي به في كل بلد ويحملون عليه وليس للمالكيين في خلاف حيث كانوا، إلا يحيى بن يحيى بالأندلس فإنه تركه وزعم أنه لم ير الليث يقول به. وقد افتى جماعة من جلة علماء العراق باليمين اتباعًا لسنة، وقضى به ريح ويحيى بن يعمر وغيرهما. وقالت جماعة منهم – وهو مذهب أبي حنيفة -: لا يقضي به، وقد روي عن الزهري عن اختلاف عنه فيه. وقال محمد بن الحسن: يفسخ القاضي ما حكم فيه بالميمين مع الشاهد لأنه خلاف القران. وهذا جهل وعناد للسنة، وليس بخلاف للقرآن، لكنه زيادة بيان كالمنع من نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها، مع قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ ومثله كثير. وفي أحكام ابن زياد: الذي كشفنا عنه القاضي وفقه الله من الحكم في اليمين مع الشاهد؛ فالذي نقول به: اليمين مع الشاهد مما اختلف فيه أهل العلم، فأما مالك فإنه كان يرى ذلك، وأما الليث فإنه كان يرى أن كل حق لم يشهد فيه عدلان فلم يرد الله إتمامه. قال عبيد الله بن يحيى: وكان أبي رحمه يجنح إلى قول الليث، ويحكي عن محمد بن بشير أنه لم يحكم في ولايته جميعًا باليمين مع الشاهد إلا حكمًا واحدًا، وأنا – رحمك الله – لست أؤثر على ما تخبره أبي شيئًان إلا أني كنت أعرفه كان يذهب إلى التخيير إلى القاضي، إن كان الذي يشهد فيه الشاهد المبرز في الأمور التي لا يمكن أن يكون الإشهاد عليها مباحًا، مثل أن يكون في الأمور التي لا يوصل إلى الإكثار فيها من الشهداء، وكان ذلك الأمر الذي شهد فيه الشاهد مشهورًا عند الناس إن كان كتابًا قديمًا قد مات

стр. 66

شهود إلا هذا؛ فكان يرى أن يحكم باليمني مع الشاهد وإنما هذا إلى اختيار الحاكم. وقال محمد بن عمر بن لبابة: قد علم القاضي – وفقه الله – اختلاف أهل العلم، وما ذهب إليه مالك وأصحابه من اليمين مع الشاهد، وما ذهب إليه قضاة بلدنا منذ دخلته العرب من أنهم لا يرون اليمين مع الشاهد ولا يقضون به، فليتخير القاضي ما أراه الله، وإني لمتوقف عن الاختيار في هذا؛ لما ظهر من فيساد الناس وقلة الدعة في الشهادة، فإن انتقل القاضي – وفقه الله – إلى اليمين مع الشاهد فليكن قضاؤه بذلك عامًا في الناس ماضيًا في أحكامه. وقال محمد بن وليد مثل ذلك. وقال محمد بن غالب: اليمين مع الشاهد سنة قائمة وأمر معمول به. وقال أيوب ابن سليمان: القضاء باليمين مع الشاهد ما لا يصح خلافه ولا يجوز تركه لأنه سنة من رسول الله ﷺ )

стр. 67

باب اليمين مع الشاهد في الموطأ: مالك عن جفعر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ﷺ قضى باليمن [ب - ١٩ مع) مع الشاهد. هكذا هو مرسل عند جميع رواه الموطأ، ومالك وأصحابه يقولون بالمرسل كقولهم بالمسند، وهو عندهم أصل يرجع إليه ويعول عليه، وهو مذهب الصحابة والتابعين ﵃، وقد أسند هذا الحديث ثقات: منهم عبيد الله بن عمر وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وغيرهما عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي ﷺ . وقد رو عن ابن عباس أن سول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، وهو حديث صحيح رواه ثقات وخرجه مسلم، وروي أيضًا من حديث أبي هريرة وغيره. وفي الواضحة: قال ابن حبيب: حدثنا مطرف وابن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد. وقد ذكره إسماعيل بن إسحاق القاضي وأدخله سحنون في المدونة، وهو إسناد صحيح. وروي عن جماعة من الصحابة أنهم قضوا به، ولم يرو عن أحد منهم أنه أنكمره، وبه قال الفقهاء السبعة وغيرهم من أهل المدينة، ولم يختلف فيه عن مالك وأصحابه، واليه القائلون باليمين مع الشاهد، من الحجازيين وغيرهم، أنه لايقضي به إلا في الأموال: الديون وغيرها. وقاله عمرو بن دينار، وهو روى حديث ابن عباس، عن الني ﷺ في ذلك، وقال ابن حبيب عن مالك: يجوز اليمين مع الشاهد في الحقوق والجراجات؛ عمدها وخطئها، وفي المشاتمة، ما عدا الحدود، من الفرية ولاسرقة والشرب والطلاق، قالك وروى أصبغ بن الفرج عن ابن وهب عن أبي الزناد عن أبيه أن عمر ابن عبد العزيز كاني قضي به في المشاتمة وفي الجراح العمل والخطأ، ولا يجيزه في الفرية والطلاق والعتاق وأشباهه. وفي المدونة من قتل عبده عمدًا أو خطأ وأتى بشاهد واحد، حلف معه يمينًا واحدة واستحق العبد القاتل، ولا يقتله. وكذلك من شهد له شاهد واحد بسرقة حلف معه، واستحق ما سرق له ولم يقطع السارق. وكل جرح لا قصاص فيه، كالمأمومة والجائفة، فهو ما لا يجوز فيه شاهد واحد ويمين. وكل جرح فيه قصاص فإنه يقتص منه بشاهد ويمين المجروح فإن نكل المجروح عن اليمين، حلف الجارح وبرئ؛ فإن نكل، حبس حتى يحلف. قال ابن أبي زمنين: وفي رواية عيسى: إن نكل اقتص منه.

стр. 68

وقال ابن المواز: لا قصاص بيع العبيد بشاهد ويمين في جراح ولا قتل، ولأصبغ خلافه في الجراح. ومسائل هذا الباب كثيرة والمراد منه الإعلام بالمذهب في الشاهد واليمين، وما جرى به العمل بالأندلس، وقد ذكرناه، ومن صح نظره في أحوال الناس اليوم والمعرفة باحتلال الشهادات لم تطلب نفسه على القضاء به إلا مع شاهد مبرز في العدالة والنباهة. والله الموفق للصواب.

стр. 69

باب في مسائل المحجوز قد تقدم في كتابنا هذا أن الحجر على السفيه ورشده مما ينفرد به القاضي دون غيره من الحكام. وفي المدونة: قال ابن القاسم: المحجور عليه من الأحرار الذي لا يحرز ماله؛ يبذره من السرف والفسق والشراب قد عرف ذلك منه، فهذا يحجر عليه، وأما إذا أحرز ماله وهو فاسق إلا أنه لا يبذره، فإن هذا لا يحجر عليه، وإن كان له مال عند وصي أبيه أخذه منه. وقال مالك: يحجر على السفيه وإن كان شيخًا. وفي موضع آخر: وإن خضب بالحناء - والمعنى واحد - ما لم يؤنس منه رشده، ولا يجوز له في سفهه بيع ولا شراء ولا هبة ولا صدقة ولا عتق، وما فعل من ذلك كله قبل أن يؤنس منه الرشد مردود، والصبي ما لم يبلغ، والبكر ما لم تعنس كالسفيه الكبير المولى عليه؛ أفعالهم واحدة. قال محمد: يمين واحد تجزيه يجمع ذلك فيها وهذه بينة في بيان الاختلاف في جمع الدعاوى في اليمين الواحدة. وفي باب من أحكام الواضحة: من ادعى دابة أو عبدًا أو ثوبًا بيد رجل أخيه الغائب أو ابنه أو جاره على وجه الحسبة والحسب عليه وكلهم غائب مكن في مثل هذا من إيقاع البينة لهؤلاء كلهم؛ لأنها أشياء ثبوت وتحول، فإذا أتى الغائب وقد كانت قامت له بينة عادلة حلف بالله لما باع ولا وهب ولا خرج ذلك عن يده بوجه حق، فجعل عليه يمينين هنا وهو من قول مطرف وأصبغ، وفي السمألة طول وذكرت منها ههنا ما احتجنا إليه، وفي رسم الرهون من رهون العتيبة نحو هذا في تفريق اليمين. والذي جرى به العمل جمع الدعاوى في اليمين الواحدة. وكان شيخنا أبو عبد الله ابن عتاب ﵀ يقول: من وجبت عليه يمين في دعوى وردت عليه يمين أنه لا يجمع ذلك في يمين واحدة ولابد من يمينين مفترقتين. قال: ووقع مثل هذا عند أبي بكر بن ذكوان، أيام نظره في أحكام القضاء، فعقد اليمين من لا يستغرب خطؤه، وجعلها يمينًا واحدة، فلما تأملتها قلت: هذا غير صحيح، وإنما يجب أن يبدأ الحالف باليمين الواحدة، فيقول: بالله الذي لا إله إلا هو، فإذا انقضت قال: وبالله الذي لا إله غلا هو، حتى تنقضي

стр. 70

اليمين الأخرى. وكنت حفظت هذا عن القاضي أبي المطرف شيخنا ﵀ وعقدت عنده مثل هذا فخالفني جميع من حضر، وأكثروا في ذلك القول، وعجبوا، وكان زعيمهم في ذلك أبا عمر بن القطان وأبدا في ذلك وأعاد. وكنت كرهت حضور ذلك الملجلس، فوجدت السبيل إلى الانقطاع منه، وقلت لأبي بكر: إنما ينكر هذا من لم يشاهد الحكم والتكلم عليه؛ إذ لم يجالس من يتعلم منه. ولاذي قلت في ذلك مسطور في كتبنا معلوم عند من وفق عليه. قال ابن عتاب: وهي لمالك في الموطأ وكتاب محمد وبه أفتى الشيوخ عندنا ووقعت في أحكام ابن زياد. قال القاضي أبو الأصبغ: هذا ما أعلمتك من جري العمل بجمع الدعاوى في اليمين الواحدة إلا يمين الرد فلا تجمع مع غيرها، على ما ذهب إليه الشيخ ابن عتاب وحكاه عن شيخه أبي المطرف وعن الشيوخ. ولست تجد هذه المسألة لأحد في مثل هذا البيان وهذا الجمع الذي نظمنا به شملها المفترق. وبالله التفويق.

стр. 71

جمع الدعاوي في اليمين الواحد قال عبد الله بن العطار في وثائقه: إذا كان في شرط الزوجة في الغيبة أن القول قولها في المنقضي من ذلك بعد أن تحلف في بيتها بالله الذي لا إله إلا هو ما رجع إليها زوجها منذ غياب عنها سرًا ولا جهرًا ولا أسقطت عنه شرطها المذكور ولا كان من شوكتها وتلومها تركًا منها له. قال أبو عبد الله بن الفخار: هذا غلط؛ لأن الزوج إنما شرط لها الحلف في بيتها في المنقضى من أجلها فقط، فكيف تحلف في بيتها أنه لم يقدم إليها سرًا ولا جهرًا، ولا أسقطت عنه شرطها، ولا كان سكوتها وتلومها تركًا منها لشرطها، ولم تقع هذه الأشياء في شرطها، وأن تحلف في بيتها لكان وجه الصواب في ذلك وبالله التوفيق. إن الدعاوى وإن كثرت فتجمعها يمين واحدة عندنا كما تجمع دعوى واحدة فتخير المرأة بين يمينها في الجامع في جميع ذلك، وإن شاءت حلفت في بيتها في المنقضى من أجلها ثم خرجت إلى الجامع وحلفت في سائر ذلك. هذا وجه الصواب لأن الناس قد تنازعوا إذا كثرت الدعاوى هل تجمعها يمين واحدة أم لا. قال القاضي أبو الأصبغ: وفي كتاب الأيمان بالطلاق في رسم المتاع والحيوان عمن كان بينه وبين ارمأته منازعة في بيت، وكانت هي بنت عمه فحلف بطلاقها البتة ما لها فيها حق، فجاءت بالبينة أنه لجدها، وجاء الرجل بالبينة أن أباه كان يجوزه دون إخوته ويسكنه، وجاء بشاهد واحد يشهد أنه كان استخصه من إخوته. قال مالك: أرى أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو أن حق لحق، وما لها فيه حق، وأن الذي حلفت عليه من الطلاق لحق. ويخلى بينه وبينها وهذه من قول مالك أبين في جمع أشياء في يمين واحد من التي ذكرها ابن الفخار. وفي كتاب ابن المواز: إذا فارقت المملكة المجلس ولم تقض، فقالت: نويت الفراق في المجلس لم ينفعها ذلك، إلا أن تفعل ما يشبه جواب الفراق وتقولك إياه أردت مثل أن تقوم مكانها فتنقل متاعها أو تخمر رأسها فتصدق فيما نوت. وقاله مالك في التي قالت: أعطوني شقتي، فأخذتها وخرجت ولم تتكلم وسافر هو. قال محمد: إذا قال: أرادت الفراق ووصته بكلامه، فهو كالجواب، وهي واحدة،

стр. 72

وله الرجعة إن لم يكن معه فداء. وإن قالت: الآن نويت بفعلي الثلاث فذلك لها، وله أن يناكرها بنية كانت له وقت (ب – ٢٠) القول، أو يحلف. وقاله عبد الملك. قال أصبغ: يحلف يمينين أنه ما علم أن ما فعلته البتة ولا رضيه ويمينًا أنه مردودة حتى يحتلم الغلام، وتدخل البكر بيتها، ويعرف من حالها، أو تعنس. وفي التعنيس اختلاف يطول الكتاب بذكره باستقصاء مسائل المحجورين وهي مبسوطة في الدواوين، وما ذكرنا منها فإنما هو لتعلق نوازلها بها. ومذهب المدنيين وابن كنانة ومطرف وابن الماجشون وغيرهم: أن المحجور إذا أونس منه حسن النظر لنفسه، في ماله، وإصابة البيع والابتياع، والحيطة في الأخذ والإعطاء، إلا أنه يشرب المسكر، نبيذًا كان أو خمرًا: أنه لا يستوجب بذلك رشدًا ولا إخراجًا من الولاية التي لحقته. قالوا: وليس برشيد من يشرب الخمر. ذكره ابن حبيب. ونحوه في كتاب ابن مزين. قال ابن حبيب: وأما ابن القاسم وأصبغ فقالا: إذا أنس منه حسن النظر لنفسه في ماله خرج من الولاية وإن شرب الخمر، وقول المدنيين أحب إلي، وقال ابن مزين عن أصبغ: إذا كان مشوبًا فيه بعض الإصلاح من دينه والاستهتار، وكان حسن النظر في ماله حسن التدبير له، خرج من الولاية وملك ماله، وإن كان ظاهر الفسوق والفساد والمروق لم أر أن يملك ماله، ولا تقطع عنه الولاية. قال ابن مزين: هذا أحسنه عندي وأكثره. وقد قال أكثر أهل التفسير أن الرشد: العقل، وما باعه السفيه من ماله قبل أن يولي عليه فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: قول ابن القاسم في المدونة والواضحة والعتبية وغيرها: أنه مردود بمنزلة الذي قد أولى عليه. والثاني: قول ابن كنانة وابن نافع وغيرهما: أنه جائز وما فعل بعدها مردود، وهو قول مالك وأكثر أصحابه. وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إن لم يزل منذ بلغ الحلم سفيهًا لم يؤنس منه حال رشد، فبيعه مردود بمنزلة ما باعه قبل بلوغه، وأما من خرج ببلوغه الحلم من حد الولاية بما أونس منه من الرشد، وظهر من حسن نظره لنفسه، وما يرى من

стр. 73

تماديه عليه حتى خالطه الناس وابتاع وباع، ثم حدثت له حالة سفه في رأيه ونظره لنفسه، فباع فيها وابتاع ومضى على ما كان عليه من خلطة الناس حتى رفع أمره إلى السلطان، فأولى عليه، فبيع مثل هذا قبل الولاية جائز ما لم يكن بيع سفه وخديعة بينه؛ مثل أن يبيع ثمن ألف دينار بمائة دينار وشبهه، فيرد مثل هذا، وإن كان قد أفسد الثمن لم يكن عيه منه شيء ولا في ماله؛ وما كان غبته متقاربًا فهو ماض؛ لأنه كان من أهل إجازة البيع ببلوغه الحلم وما أونس منه من الرشد، وقد كان خرج بذلك من حد الولاية، فلا يكون من أهلها إلا بإعادة السلطان إياه فيها، قال ابن حبيب: وهذا أحسن ما سمعت فيه. وفي أحكام ابن زياد في بيع المولى عليه: نظرنا – أكرمك الله – في بيع المولى عليه في شهادة الشهود في ذلك الحق على عبد الله بن عمرو بن أبي عبدة المولى عليه وإن ذلك كان قبل أن يولى عليه، وهذا – وفق الله القاضي – يختلف فيه العملاء الماضون ﵏، والذي حضرنا القضاة يحكمون به في ذلك بإجماعها على فتيانا إياهم بذلك أن بياعات المولى عليه – التي كانت قبل أن يولى عليه – تامة جائزة يؤخذ بها المولى عليه بعد أن يعذر إلى وكيله في ذلك وبعد يمين الطالب على أنه لم يقبض وأن خفه باق عليه إلى وقت يمينه، قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة. وفي بيع مولى عليها أيضًا: فهمنا ما قام به ابن عفان في الاشتراء من أمه الرحيم بنت أحمد بن محمد بن عبيدون لملكها بقرية قيريلش التي بصفح جبل قرطبة، وفي الكتاب أن ذلك بمحضر أخيها محمد، وربيبتها كنزة، وزوجها محمد ابن قاسم، وتجويزهم بيعها وفعلها وما عقدته على نفسها من ذلك، وما طعن فيه محمد بن أحمد بن يزيد زوج أختها الوارثة لها مع من شاركها في وراثتها من أن البيع لا يجوز من أجل أنها مولى عليها وباعت عقارًا بثمن بخس ولم يكن ذلك للوصيين إلا عن نظر. فالذي نقول في ذلك والله الموفق للصواب: إذا ثبت عند القاضي – حفظه الله – ولايتها كما ذلك ابن يزيد، أمر بامتحان هذا البيع، فإن كان بيع سداد أو ثمنًا مرغوبًا فيه وقت التبايع مضى البيع ولم يعرض فيه، وإن لم يكن كذلك فسخ البيع، قال بذلك ابن لبابة وأيوب بن سليمان ومحمد بن وليد. قال القاضي: انظر قولهم في جوابهم هذا البيع سداد وقت التبايع، فإن في أحكام الواضحة عن مطرف وابن الماجشون فيما باعه المولى عليه من متاعه وانتقد ثمنه، ثم عثر

стр. 74

عليه أنه يرد متاعه إليه ولا يكون عليه من الثمن شيء إلا أن يدرك قائمًا بيده، فيرد إلى صاحبه أو يكون قد أدخله في مصالحة ووفر به من ماله ما لم يكن له يد في أنفاق مثله فيه، فينظر لهن فإن رأى أنفاذ بيعه خيرًا له لزم المتاع حبسه وأخذ منه تمام قيمته اليوم إن كان في قيمته فضل عن الثمن، وهذا خلاف جواب الشيوخ فوق هذا. وقال ابن حبيب عن مطرف وأصبغ في الم تبيع على صغار ولدها ما لهم وهي غير وصي ولا خليفة عليهم (ب – ٢١) إلا أنها باعت في مصالحهم، قالا: هي كغيرها من الأباعد لا يجوز بيعها، وينظر السلطان لهم، فإن كان إمضاؤه بذلك الثمن خيرًا لهم اليوم أمضاه، وإن كان يرده إليهم خيرًا لهم رده إليهم، ولا ينظر إلى حاله يومئذ. وفي الباب تفسير عن أصبغ في المحجور والبكر والصغير يبيع أحدهم الجارية فتعتق أو تحمل من مشتريها أو من زوج، أو يبيع أحدهم الغنم فتناسل، أو الدواب فتناتج، ثم ينر فيه، قال: كل ذلك مردود وولده إلا الجارية، فإن كان ولدها من مشتريها لم ترد، وكانت أم ولده، وعليه قيمتها اليوم أو يوم ابتاعها، أي ذلك كان أكثر، ولا يحاسب المشتري بشيء من الثمن الأول، وهو ساقط إلا إن كان قائمًا أو ضعه في مصلحة لم يكن منها بد. وفي آخر عاشر البيوع من الواضحة في الوصي يشتري من تركة من أوصى إليه شيئًا أن السلطان عليه بالخيار فيه – إذا رفع إليه – إن رأى فيه فضلاً لأيتام الميت أو للثلث كان أوصى فيه بالثلث أخذه منه وباعه، وإن لم ير فيه فضلا ألزمه إياه بالثمن، وإن أصابته مصيبة ألزمه إياه بالقيمة يوم أخذه إن كانت القيمة أكثر من الثمن الذي أعطي به، وكذلك إن فوته بوجه من وجوه الفوت، وإن باعه بربح، فالربح للأيتام أو للثلث، إلا أن تكون القيمة أكثر. وفي آخر كتاب الأرضين من المدونة قال مالك: إن اشترى الوصي من مال اليتيم شيئًا لنفسه أعيد في السوق، فإن زاده باعوه، وإلا لزم الوصي بالذي اشتراه، قال ابن القاسم: وكذلك إن اكترى شيئًا من أرضه، إلا أن فاتت أيام الكراء فيسأل أهل المعرفة، فإن كان فيها فضل عرفه الوصي، وإلا فما به اكترى. وفي مسائل ابن زرب: قال ابن القاسم: الوصي كالأب إلا أن جرى عندنا أن الأب إذا باع شيئًا من ابنه أو ابتاع شيئًا من ماله لم يعترض وأمره على التمام إلا أن يثبت الغبن، وإذا باع الوصي من اليتيم أو ابتاع من ماله، لنفسه، فالبيع مفسوخ، إلا أن يثبت

стр. 75

السداد فيه، وإذا باع من أجنبي حمل على السداد حتى يثبت غيره، قال: واستحسن إذا اشترى من مال يتيمه، أنه إذا كان سدادًا وقت عقده البيع نفذ، وهو قول سحنون. قال القاضي: وابن القاسم يقول: يعاد إلى السوق، وهو يحتمل وجهي: أن يعاد إلى السوق بحدثان شرائه، وأن يعاد هو إلى السوق متى عثر عليه. وقالوا فيما باعه السفيه قبل أن يضرب على يده: الذي أرى أن يفتى به في بلدنا هذا بأن يرد فعله، لأن الحكم أمير المؤمنين ﵀ استحسن هذا المذهب، وحمل الناس عليه، وسجل القاضي محمد بن السليم ﵀ به. فمن هذه الجهة رأيت أن يفتي بهذا المذهب؛ لأن إمام المالك حمل أهل بلده عليه وتقدم لايهم فيه وسجل به قاضيهم، فهو أمر حمل عليه هذا البلد، وقيل له: إن الذي حملهم على ذلك قد مات – يعنون الحكم -، فقال: وإن كان قد مات فقد حملهم عليه وهو حي، فيجب أن ينفذ ذلك. ونزلت هذه المسألة بقرطبة بإنسان يعرف بابن الصباغ، باع جنة مشتركة بينه وبين بنيه، ثم ثبت سفهه عند القاضي محمد بن أحمد بن بقي في عقد استرعاه أملاه أبو عمر بن القطان فشاور ابن بقي في ذلك الفقهاء، فأفتى أبو عبد الله بن عتاب بأن بيعه على نفسه نافذ، وأن أفعاله في خاصته لازمة له، وأن ما باعه على بنيه مردود غير ماض، واحت بالتي لأصبغ في تفليس العتبية عن ابن القاسم فيمن باع أرضًا أو دارًا لولده، قال: إن كان الأب ليس فيهًا ولا مولى عليه، جاز بيعه، ولم يكن للابن رده وإن كبر، إذا كان نظرًا له، ويتبع أباه بثمن ما باع من ماله، ولأبيه أن يحاسبه بما أنفق عليه إن شاء من يوم باع. وإن كان الأب سفيهًا مثله يولى عليه، لم يجز عليه بيعه، وإن لم يكن له ولي لأنه لو باع لنفسه لم يجز له بيع، وبقي في المسألة ما تركناه، لأن معناه فيما ذكرناه، وإنما الحجة لابن عتاب منها في رد بيع السفيه على ولده، وأما بيعه على نفسه، فكان مذهبه فيه وجوابه على مذهب أصحاب مالك غير ابن القاسم، وقد ذكرنا أقوالهم قبل هذا. وأفتى ابن القطان في مسألة ابن الصباغ هذه: برد أفعاله ونقض بيعه على نفسه وعلى بنيه، وأفتى أبو مروان بن مالك بالإعذار فيما ثبت من سفهه إلى المبايعين منه، فإن كان عندهم فيه مدفع، وأتوا بما يوجب لهم حكمًا أنفذ لهم. وليس في جوابه هذا بيان
следующие страницы →