Полный текст (1 311 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
فروع: الأول: حيث أوجبنا الخدمة على الزوج فلا يجب عليه شراء خادم وتمليكها، ولكن يجب عليه أن يأتيها بخادم تخدمها. وإن أحب أن يستأجر لها من يخدمها من الحرائر كان ذلك له، ثم للخادمة ما يقوم بأودها مما يليق بمثلها.
الفرع الثاني: لو أراد أن يبدل خادمتها المألوفة لم يكن له ذلك، ولزمه الإنفاق عليها، إلا أن تظهر ريبة.
الفرع الثالث: لو كان هو وهي بحيث يخدمها خادمان فأكثر فروى سحنون عن ابن القاسم: يفرض لها نفقة خادم واحدة.
((وروى أصبغ عنه أنه قال: يؤدي الرجل زكاة الفطر عن خادمين من خدم امرأته إذا كان لها (غنى) وشرف.
قال أصبغ: وذلك عندي حسن، لأن مثل هذه لا تكفي لخدمتها خادم واحدة، ولو ارتفع قدرها جداً، مثل بنت السلطان العظيم، لرأيت أن يزاد في عدد الخدم إلى الأربع والخمس، ويلزم الزوج الإنفاق عليهن، وإخراج زكاة الفطر عنهن)).
قال محمد بن أبي زمنين: ((قال لنا إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون ما قاله أصبغ إذا طالبها بما تكثر به الخدمة في نفسها وبيتها وزينتها وملوكيتها ويحملها على ذلك ويرغبه منها، وأما إذا لم يرغب ذلك منها، وكان منزعه بنفسه إلى القصد، وعرف منه، لم يلزمه إلا خادم واحدة)).
الفرع الرابع: حيث قلنا: لا يلزمه إلا خادم واحدة، إما تفريعاً على القول الأول، وإما لأنها ممن لا تستحق أكثر من الواحدة، فللزوج أن يخرج سائر خدمها سوى من تستحقه منهن.
إذ ليس عليه سكناهن.
(وليس للزوج منع أبوي المرأة وولدها من غيره أن يدخلوا إليها. وإن حلف على ذلك أحنث.
ولا ينبغي له أن يمنعها من الخروج إلى أبويها في لوازم الحقوق، لكن إن حلف على ذلك لم يحنث).
стр. 597
قال عبد الملك: ((ولو كان لها خادم لكانت مخيرة في استخدامها ومطالبته بنفقتها، أو مطالبته بخادمة. قال عبد الملك: وإن كان للمرأة ولد صغير أو أولاد صغار، فرض لها السلطان لهم نفقتهم، وما يصلح مثلهم، ويضم ذلك لهم مع نفقة أمهم، فكانت واحدة، إلا أن (يكون) مضراً بالزوج لقلة ذات يده، فلا يضمون معها في النفقة. وينفق على ولده على قدر طاقته، لأن الرجل إذا لم يجد ما ينفق على ولده لم يكلف لهم شيئاً، وكانوا من فقراء المسلمين)).
الواجب الرابع: الكسوة، وهي ما يناسب حاله وحالها في العادة، هذا هو المعتبر، إلا أنا ننقل بعض ألفاظ الأصحاب للتأنس بها.
وقال بعضهم: وذلك قميص ووقاية وقناع، وهي من الجودة والرداءة على قدرهما. قال: ويزاد في الشتاء ما يدفع البرد.
قال ابن القاسم: عليه ما يصلح للشتاء والصيف من قميص وجبة وخمار ومقنعة، والوسادة والسبنية والإزار وشبه ذلك مما لا غنى عنه. قال: ولا بد مع ذلك من الغطاء والوطاء، وذلك ملحفة وفراش ووسادة، ويزاد في الشتاء ما يدفع البرد.
قال ابن القاسم: والسرير في الوقت الذي يحتاج إليه لخوف العقارب وشبهها.
قال ابن حبيب: أو براغيث أو فأر. قال ابن القاسم: وإن كان مثلها تلبس القطن، ومثله يقدر عليه، فرض عليه.
قال أشهب: ومنهن من لو كساها الصوف أنصف، وأخرى لو كساها الصوف أدب، وذلك على قدر أقدارهن.
ونص مالك على أنه لا يلزمه الحرير، وإن كان متسع الحال. وأجراه ابن القاسم على ظاهره.
وتأوله القاضي أبو الحسن على أن ذلك بالمدينة، وهم أهل قناعة، وألزمه في غيرها إذا كان العادة.
قال بعض المتأخرين: ((وأصل هذا كله أن كل ما هو ضروري أو محتاج فإنه يفرض، وما ليس بضروري ولا حاجة تدعو إليه، وهو زيادة في معنى السرف فلا يفرض.
стр. 598
وكل ما يختص به الأملياء، وهو من التوسع الذي يكاد يكون في حقهم محتاجاً إليه، ففيه قولان)).
قال: ((وهذا ينبغي أن يكون خلافاً في حال)). وقال عبد الملك بن الماجشون: إن كانت الزوجة حديثة عهد بدخولها عليه، وكانت شورتها التي شورت بها من صداقها عندها، فليس عليه لها سوى ذلك، لا في ملبس ولا في غطاء، ولا في وطاء، بل له عليها الاستمتاع بذلك معها، لا كلام لها فيه. ولهذا يصدق الرجال نساءهم ما أصدقوهن.
قال: وإن كان العهد قد قال بهما حتى خلقت الشورة وذهبت، أو كانت ممن لم يكن لها في صداقها ما تتشور به لقلة ذلك، فعليه لها كسوتها للشتاء والصيف مما لا غنى للنساء عنه في ليلهن ونهارهن وشتائهن وصيفهن على أقدارهن وأقدار أزواجهن.
قال: ونرى أن الوسط مما يفرض للمرأة من ذلك على زوجها فراش تنام عليه، ومرفقة تضع عليها رأسها، وإزار تستشعره، ولحاف تلتحفه، ولبد تفترشه على فراشها في الشتاء، وسرير يكون عليه فراشها)).
وقال ابن حبيب: إن كان بموضع لا غنى عنه لعقارب أو حيات أو براغيث أو فأر. وإلا فلا سرير عليه.
قال عبد الملك: ((وعليه من اللباس قميص تستشعره، وفرو على القميص لشتائها من لباس مثلها، وقميص يواري الفرو، وخمار ومقنعة وخفان. ثم يجدد ذلك لها متى خلق شيء منه، ولم يكن فيه منتفع، والدهن لرأسها.
قال: وأما سوى ذلك من الكحل والحناء والصباغ، فليس عليه من ذلك شيء وإنما هو عليها إن أحبته)).
الواجب الخامس: (آلة التنظف.
قال ابن المواز: عليه حناء رأسها. وقال ابن حبيب: عليه دهن رأسها، ويسير حناء ومشط وكحل. وروى ابن المواز عن ابن القاسم: ليس عليه نضوح ولا صباغ ولا المشط
стр. 599
ولا المكحلة. وروى يحيى عن ابن وهب: ليس عليه الطيب ولا الزعفران، ولا خضاب اليدين والرجلين)).
قال القاضي أبو الوليد: ((معنى ذلك عندي أنه ليس عليه من زينتها إلا ما (تستضر) بتركها إياه، كالكحل الذي يضر تركه ببصر من يعتاده، والمشط بالحناء، والدهن لمن اعتاد ذلك، لأن تركه لمن اعتاده يفسد الشعر)). قال: ((والذي نفى ابن القاسم إنما (هو) المكحلة، ولم ينف الكحل نفسه، فتضمن القولان أن الكحل يلزمه دون المكحلة)). قال: ((وعلى هذا يلزمه ما تمتشط به من الدهن والحناء دون الآلة التي يمشط بها)).
ولا تستحق الدواء للمرض، ولا أجرة الحجامة، وعليه أجرة القابلة عند أصبغ مطلقاً، ووافقه ابن المواز إذا كانت المنفعة بها للولد. قال: فأما إن كانت لها فعليها، أو لهما فعليها وعلى الزوج.
قال القاضي أبو الوليد: ((والأظهر قول أصبغ، لأنها مما لا بد منه، كالنفقة والكسوة)).
الواجب السادس: السكنى.
وعليه أن يسكنها مسكناً يليق بها، إما بعارية أو بإجارة أو ملك.
الفصل الثاني: في كيفية الإنفاق
أما الطعام فيجب فدعه، وفي جواز أخذ الثمن عنه خلاف، مأخذه أن تحريم بيع الطعام من معارضة قبل قبضه غير معلل فيمنع، أو معلل بالعينة فلا يمنع لعدمها بين الزوجين. ويدفع ثمن ما يصحبه ويصلحه. وليس له أن يكلفها الأكل معه، فإن أكلت معه سقطت نفقتها.
وفرض النفقة من الزمن على قدر ملاء الزوج، فمنهم من يفرض عليه باليوم، ويزاد بقدر اتساع الحال على هذا الترتيب.
стр. 600
(قال ابن سحنون في كتابه: سأل حبيب سحنون عن الرجل يكون قليل ذات اليد، ولا يجد ما يجري على امرأته رزق شهر كامل، هل يجري عليها رزق يوم بيوم من خبز السوق، وقد طلبته بالنفقة فقال: نعم يجري عليها رزق يوم بيوم بقدر طاقته.
قيل: فإن كان له جدة، وليس بالملي، فطلب أن يرزقها جمعة بجمعة قال: يجري عليها بقدر ما يرى السلطان من جدته، فمن الناس من يجري يوماً بيوم، ومنهم جمعة بجمعة ومنهم شهراً بشهر).
فروع: الأول: إذا خاصمت المرأة زوجها بالنفقة، فقضي لها عليه بها، فقال: أحبسوا لها بقدرها من ديني الذي عليها. فإن كانت معسرة فليس له ذلك، وقضي عليه بالنفقة، ويتبعها بالدين، وإن كانت موسرة، فله مقاصتها بالنفقة مما له عليها.
الفرع الثاني: إذا غاب زوجها فطلبت النفقة، وله مال حاضر، فرض لها الحاكم فيه وباع عروضه إن لم يكن له عين، ولا تطلب بحميل بذلك.
وقال عبد الملك: يفرض لها في مال زوجها الغائب بعد أن تحلف بالله الذي لا إله إلا هو لما ترك عندها نفقة، ولا أرسلها إليها، ولا وضعتها عنه.
فإن لم يكن له مال حاضر، لكن عرف ملاؤه في غيبته، فرض لها عليه، وكان ذلك ديناً عليه، تأخذه به إذا قدم.
الفرع الثالث: (إذا تنازعا في كونه معسراً في حال الغيبة. فقال ابن القاسم: إن قدم معسراً وقال: ما زلت كذلك منذ غبت، فهو مصدق مع يمينه حتى تقوم بينة. وإن قدم موسراً، وادعى أنه كان معسراً، لم يقبل قوله إلا ببينة.
وفي العتبية عن ابن كنانة وسحنون: ((إذا قدن وقال: كنت معسراً في غيبتي، فالقول قوله، وعلى المرأة البينة)).
стр. 601
وقال ابن حبيب: الغائب أبداً من أهل النفقة، حتى يقيم بينة أنه عديم يوم خرج، أو أعدم من وقت يذكره.
وإذا خرج على حال من يسر أو إعسار، فالأصل اعتبارها، والبينة على من ادعى خلافها منهما. فإن أشكل أمره يوم خرج، فعليه البينة أنه معدم في غيبته).
الفرع الرابع: إذا قدم الغائب، فطالبته بالنفقة، فادعى أنه ترك لها نفقته أو كان يرسلها إليها، فالقول قوله مطلقاً في قول. وقولها في ثان، والمشهور والتفضيل:
فإن كانت رفعت أمرها إلى الحاكم، فالقول قولها. وإن لم تكن رفعت، فالقول قوله.
فأما الحاضر، فمتى ادعى قبضها النفقة لماضي الزمان، فالقول قوله الشهادة العرف له.
الباب الثاني: في مسقطات النفقة
وقد تقدم أن وجوب النفقة بالعقد والتمكين، فإن امتنعت من التمكين لم تجب النفقة. ولو لم يظهر تمكين ولا امتناع، ففي إنزالها منزلة الممكنة، أو الممتنعة خلاف. وتسقط بالنشوز بعد التمكين. وروي أنها لا تسقط به.
وإذا فرعنا على الرواية المشهورة، فموانع النفقة أربعة:
المانع الأول: النشوز، ومنع الوطء والاستمتاع نشوز، والخروج بغير إذنه نشوز، وبإذنه ليس بنشوز.
((وفي كتاب محمد: وإذا غلبت امرأة زوجها فخرجت من منزله وأبت أن ترجع، وأبى أن ينفق عليها حتى ترجع، فأنفقت من عندها، قال مالك: فلها أتباعه بذلك)).
قال عيسى في العتبية عن ابن القاسم: ((وكذلك لو حلف بطلاقها واحدة أو البتة إن
стр. 602
أرسل إليها حتى تكون هي التي ترسل أو تأتي، فعليه النفقة ما أقامت. ولو شاء لنقلها)).
قال الشيخ أبو الحسن: إنما ذلك إذا كان قادراً على ردها، فأما لو عجز عن ردها لسقطت نفقتها عنه بنشوزها. وتجب النفقة للرتقاء والمريضة والمجنونة، فإن هذه أعذار دائمة.
المانع الثاني: الامتناع. فإذا امتنعت عن الزفاف بغير عذر لم تجب لها نفقة كما تقدم.
فإن كانت مريضة يضر بها الوطء، فمعذورة، ولا يؤتمن الرجل في قوله: لا أطأها. وإن أنكر كون الوطء مضراً ثبت ذلك بقول امرأتين ولا يثبت بقول واحدة.
المانع الثالث: الصغر. وإذا زوجت صغيرة من بالغ، فلها النفقة إن كان مثلها يوطأ، ودعته للدخول. وإن كان لا يوطأ مثلها، فلا نفقة عليه. وإن زوجت بالغة من صغير، فلا نفقة لها حتى يبلغ. وإن زوجت صغيرة من صغير، فلا نفقة لها حتى يبلغ الزوج، وتطيق هي الوطء.
المانع الرابع: العدة، والمعتدة المطلقة إن كانت رجعية فلها النفقة. وأما البائن فلها السكنى، وليس لها نفقة، إلا أن تكون حاملاً.
فرع: يجب تعجيل النفقة قبل الوضع بظن الحمل، بظاهر الآية، فإن بان أن لا حمل استرد. وقيل: لا يسترد.
وروي: إن أنفق بقضية رجع عليها، وإن أنفق بدعواها، أو بقول القوابل لم يرجع بشيء.
стр. 603
الباب الثالث: في الإعسار بالنفقة
وهو مثبت لحق الفسخ لمن توجهت لها المطالبة بالنفقة، ثم النظر في أطراف.
أحدها: في العجز، ونعني به أن يعجز عن القوت بالفقر، وهذا إذا فقد ما ينفق جملة.
وكذلك حكم الكسوة. فإن وجد يسيراً ولا يسد مسداً، فذلك يثبت حق الفسخ، فإن سد مسداً، وكان قدر ما يمسك الحياة والصحة، فحكى الشيخ أبو الطاهر في الفسخ قولين.
(وقال ابن حبيب: ((إذا لم يجد غير الخبز وحده، وما يواري عريتها، ولو بثوب واحد، قال مالك: من غليظ الكتان، لم يفرق بينهما، كانت غنية أو فقيرة، فإن عجز عن هذين أو عن أحدهما فرق بينهما بطلقة)).
فإن وجد في العدة يساراً بيناً مما يقدر فيه على رزق شهر بشهر، وما تستوجب من اللباس والوطاء، فله الرجعة.
وإن لم يجد إلا مثل عيش يوم بيوم، وما يواري عريتها، فلا رجعة له. وهذا فيمن الفرض عليه شهراً بشهر.
قال: فأما من كان الفرض عليه بالأيام، والذي به كانت تعرف حاله، فله الرجعة بوجود ما لو وجده أولاً لم تطلق عليه. قال: وقاله ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب).
(وأما الغائب عن زوجته، ولا مال له ينفق عليها منه، فهل تطلق عليه بذلك أم لا؟ فيه قولان للمتأخرين. وقال الشيخ أبو الطاهر: ((والأكثر على الفراق)). قال: ((وهو أصل المذهب)).
وقال الشيخ أبو الحسن: ((لا يفرق على الغائب، لأنه لم يستوف حجته. والمسألة
стр. 604
خلافية. والقادر بالكسب كالقادر بالمال، والعجز عن الإدام لا يؤثر، ولا العجز عن الصداق بعد الدخول، ولا يؤثر العجز عن نفقة الزمن الماضي، بل ذلك دين مستقر في ذمته، فرضه القاضي أو لم يفرضه).
الطرف الثاني: في حقيقة هذا الفسخ، وهو طلاق. فترفع أمرها إلى القاضي حتى يأمره أن ينفق أو يطلق، فإن أبى طلق عليه القاضي طلاقاً رجعياً، لكن الرجعة موقوفة على الإيسار، فإن راجع وأنفق قبل انقضاء العدة صحت الرجعة، وإن انقضت قبل أن يقدر على الإنفاق بانت منه.
الطرف الثالث: في وقت إيقاع الطلاق عليه، وقد اختلفت الأقوال في التلوم في ذلك.
فقال في المبسوط: يؤحر اليوم ونحوه مما لا يضر بها الجوع.
وقال في كتاب محمد: ما علمت أنه يضرب له أجل إلا الأيام. ثم قال: ولا أعلم له أجلاً.
وقال محمد: الذي عليه أصحاب مالك في التلوم أشهر ونحوه. وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: الشهر والشهران. وقال أصبغ: إن لم يطمع له بمال، فالشهر إذا لم تجد هي ما تنفق، ثم إذا انقضت مدة التلوم على الخلاف فيها، ولم يقدر على الإنفاق طلق عليه.
فرع: روى عبد الملك فيمن كان في حال والتزويج فقيراً معسراً، لا يجزي مثله على النساء نفقة لفقره، فتزوجته عالمة بذلك راضية به، فلا قيام لها.
وقال في كتاب محمد: وإن علمت أنه فقير عند نكاحه إياها، فلها ذلك، إلا أن تعلم هي أنه من السؤال قبل نكاحه، فلا حجة لها.
وقال في المبسوط: إذا تزوجته عالمة بفقره حالة العقد، فلا تطلق عليه، أرأيت لو تزوجت رجلاً من أهل الصفة، أكان يطلق عليه؟
السبب الثاني للنفقة، القرابة ، وفيه بابان:
الباب الأول: في شرائط الاستحقاق وكيفية الإنفاق ، وفيه فصول:
الفصل الأول: في شرائط الاستحقاق .
والمستحقون صنفان: أولاد الصلب، الأبوان. ولا يتعدى الاستحقاق إلى أولاد الأولاد،
стр. 605
ولا إلى الجدات والأجداد، بل يقتصر على أول طبقة من الفصول والأصول.
ويشترط في المستحق الفقر والعجز عن التكسب. وتختص الأولاد بزيادة شرط الصغر على (تفصيل) يأتي في الإناث.
ويشترط في المستحق عليه أن يكون موسراً بما يزيد على مقدار حاجته. ولا يباع عليه عبده وعقاره في ذلك إذا لم يكن فيهما فضل عن حاجته (لهما). ولا يلزمه الكسب لأجل نفقة القريب. ولا تشترط المساواة في الدين، بل ينفق المسلم على الكافر، والكافر على المسلم.
ثم تستمر النفقة باستمرار شروطها، فلا تنتهي في حق الأبوين إلا بحدوث الموت أو المال. وتنتهي في ذكور الولد ببلوغهم أصحاء، فأما من بلغ منهم ذا زمانة لا حراك به، أو أعمى، أو مغلوباً، أو كان زمناً تمنع من السعي، فلا تسقط نفقته بالبلوغ، بل تستمر.
وقيل: تنتهي النفقة عليهم بالبلوغ على أي حال كانوا. ولو بلغوا أصحاء فسقطت نفقتهم، ثم طرأ عليهم ما ذكرنا، لم تعد النفقة عليه.
وقال عبد الملك: تعود النفقة عليه.
ولا تنتهي في الإناث من الولد حتى يتزوجن، وتترتب النفقة لهن على أزواجهن، ثم إن طلقن بعد سقوطها عن الآباء فلا تعود عليهم إلا أن يعدن غير بالغات. ويستحق الأب نفقة زوجته كنفقته.
وقيل: لا تجب على الولد نفقتها، إلا أن تكون أمه. وفي استحقاقه الإعفاف على الولد خلاف تقدم.
الفصل الثاني: في كيفية الإنفاق
ولا تقدير في ذلك، بل يجب مقدار الكفاية، ويحال في ما يعطيه من النفقة وما يتبعها من المؤونة والسكنى والكسوة على العوائد.
ولا تستقر في الذمة، بل تسقط بمرور الزمان، (إلا) أن يفرضها القاضي، بخلاف نفقة الزوجة.
فرع: حيث خوطب الأب بالإنفاق على ولده، فامتنع، فللأم إخذ النفقة من ماله.
ويجب على الأم أن ترضع ولدها، إذا كانت تحت أبيه، إلا أن يكون مثلها لا يرضع
стр. 606
لسقم أو قلة لبن، أو لشرف وعلو قدر، فذلك على الأب، إلا أن لا يقبل غيرها فيلزمها إرضاعه.
وكذلك لو كان الأب عديماً، ولو لم يكن لها حينئذ لبن، لم يلزمها أن تستأجر له.
وفي كتاب محمد: عليها أن تستأجر له، ولو كان الأب عديماً ووجد من يرضعه له مجاناً، (أو) بدون أجرة المثل، وطلبت الأم أجرة المثل، كان القول قول الأب، إلا أن ترضعه الأم كذلك. ولو كان الأب موسراً وقال: وجدت من يرضعه سوى الأم مجاناً، وطلبت الأم الأجر فالقول قولها.
قال أبو القاسم بن الكاتب: إلا أن يجد من يرضعه عند أمه، فله ذلك. وكذلك إن وجد من يرضعه بدون ما رضيت به الأم، إذ إنما يراعي حقها في الحضانة.
فرع: حيث استؤجر للولد من ترضعه غير الأم، فيستحب أن تكون ذات عقل وعفاف عن الفاحشة، سالمة من العيوب التي يتقى حدوث مثلها بالمرتضع. فتتوقى الحمقاء والفاجرة لأن اللبن يغير الطباع. وقد جاء الحديث بالنهي عن هاتين.
وينبغي أن تتوقى الجذماء. وبالجملة فكل عيب يخاف منه أن يغير جسم الولد أو طباعه.
والمنصوص أنه لا تسترضع الحامل، وتنفسخ الإجارة إن استؤجرت ثم حملت.
وحكى أبو الحسن اللخمي قولاً ثانياً بجوازه.
الفصل الثالث: في اجتماع الأولاد
تختص النفقة بالموسر منهم. فإن كانوا كلهم موسرين، أو جماعة منهم، كانت النفقة على كل موسر.
واختلف في كيفية التوزيع، فقال أصبغ: بالسوية. وأشار محمد إلى أنها على قدر اليسار والجدة. وقال مطرف: على قدر مواريثهم إذا كانوا أطفالاً لا يلون أموالهم بأنفسهم، فيكون على الذكر مثلاً ما على الأنثى لأنها إنما وجبت في أموالهم.
стр. 607
الباب الثاني: في الحضانة ، وفيه فصول:
الفصل الأول: [في] (صفات) الحاضنة
فنقول: الحضانة ولاية وسلطنة، لكنها بالإناث أليق لزيادة الشفقة، فالأم أولى من الأب، وإن كانت المؤونة على الأب. لكن بشرط أن تكون الأم عاقلة، ولا يشترط كونها مسلمة على المشهور، بل للذمية من الحضانة ما للمسلمة إن كانت في حرز، وتمنع أن تغذيهم بخمر أو خنزير، فإن خيف أن تفعل بهم ذلك ضمت بهم إلى ناس من المسلمين. وروى ابن وهب: أن لا حضانة لها.
ولا تشترط الحرية. بل للأمة حضانة ولدها من زوجها عبداً كان أو حراً. ويشترط كون الحاضنة أمينة، إذ لا يوثق بالفاسقة.
ويشترط أيضاً كونها فارغة، فإن كانت متزوجة، أو نكحت ودخلت، بطل حقها، إلا إذا كان الزوج جد الطفل، فإنها لا تسقط حضانتها. وقال ابن وهب: تسقط.
قال أصبغ والحارث بن مسكين: العمل على ما قال مالك، ولا يؤثر رضى الزوج، ولا يرجع حقها إن طلقت. وقيل: يرجع.
وإذا كانت في مسكن الزوج، فللزوج أن لا يرضى بدخول الطفل داره، ومهما امتنع الأولى أو غاب، انتقل حق الحضانة إلى البعيد، لا إلى السلطان.
ويسقط حق الحضانة أيضاً الخوف على الولد في بدنه أو أخلاقه في الحال أو المال.
فرع: اختلف في حق الحضانة، هل هو (للولد) أو للوالدة؟ فيه روايتان. وخرج الشيخ أبو الطاهر عليهما الخلاف في الأم إذا كانت ملية، والولد كذلك هل (تستحق) في ماله نفقة أو أجرة أم لا؟، فبنى نفي الاستحقاق على إثبات الحق لها، وثبوته على ثبوت الحق له. ثم تكون النفقة إذا استغرقت أوقاتها بالحضانة أو تفرغت إليها، وتكون الأجرة إذا لم تستغرق أوقاتها بذلك.
أما صفة المحضون، فهو أن لا يستقل كالصغير والمجنون والمعتوه. ثم الأم أولى بالصغير الذكر إلى حيث يبلغ الاحتلام. وقيل: إلى حيث يثغر.
وقال ابن الماجشون: إذا استغلط أو قارب الاحتلام، وأنبت واسود إنباته، فللأب ضمه
стр. 608
إلى نفسه. وفي الصغيرة حتى تتزوج، ويدخل بها زوجها.
وإذا سافر ولي الطفل أباً كان أو غيره سفر نقلة، سقط حق الأم وغيرها من الحضانة إن كان السفر بعيداً، وله أخذ الصغيرة منها وإن كان يرضع، إلا إذا رافقته في الطريق. وليس له ذلك في سفر النزهة ولا في التجارة وإن طالت المدة.
وليس للأم أن ترحل بالولد عن مكان وليه، إلا إلى المكان القريب الذي يمنع الأب من خروج الولد معه إليه لقربه وإن قصد استيطانه.
فرع: قال محمد: وأقصى ما للأب أن ينتجع بولده وأقر به، والذي لا ترتحل إليه الأم بالولد عن عصبتهم، المكان الذي لا يكاد يصل خبرهم، وأقرب ذلك ستة برد، قاله مالك في المرحلتين.
وقال أصبغ: إذا انتجع من الاسكندرية إلى الكريون فله الرحلة بهم. قال محمد: وهذا قريب قدر بريدين، ولم أسمع من قاله، وإنما أصبغ. ولم ير أشهب للأم أن ترتحل به إلى ثلاثة برد.
الفصل الثاني: في اجتماع الحواضن، والنظر في أطراف
الأول: في النسوة، والأم أولى من سائرهن بالحضانة، ثم أمها، ثم جدة الأم لأمها، ثم الخالة. واختلف في خالة الخالة، هل هي كالخالة عند فقدها أم لا؟. ثم الجدة للأب، ثم جدة الأب لأبيه، ثم الأخت، ثم العمة، ثم بنت الأخ.
الطرف الثاني: في الذكور. وأولاهم الأب، ثم الأخ، ثم الجد، ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن العم. ثم اختلف في (المولى) الأعلى والأسفل، هل لهما حق في الحضانة أم لا؟
الطرف الثالث: في اجتماع الذكور والإناث
ولا شك في تقديم الأم (وأمها) على جميع الرجال. وتقدم جميع النساء على من عدا الأب من الرجال. فأما الأب ومن بعد الجدة للأم، فقد اختلف أيهم يقدم:
فمذهب الكتاب أنه يقدم على من سوى الأخت. وقيل: إن جميع النساء مقدمات (عليه). وقيل: إنه لا يقدم عليه إلا الأم والجدة. وقيل: إن الخالة مقدمة عليه، وهو مقدم على أمه ومن بعدها.
стр. 609
فروع: الأول: في الوصي، وقد نصوا في الروايات على أنه مقدم على جميع العصبة.
قال الشيخ أبو الطاهر: ((وينبغي أن يجري الأمر فيه على قولين كما تقدم)). قال: ((وقد أشرنا في الصلاة على الجنازة، وفي ولي النكاح إلى ما يقتضي الخلاف في هذا الأصل، وهو أن هذه الحقوق هل تكون كالحقوق المالية، فلمالكها أن يتصرف فيها بالأخذ لنفسه، أو النقل إلى غيره، أو لا تكون كالحقوق المالية، لأنه إنما ملك بسبب موجود فيه، وفي المنقول عنه وليس بموجود في من نقله إليه، فالمنقول عنه أحق بذلك)).
الفرع الثاني: وهو مرتب. (إذا قلنا بأنه أحق، فذلك في الذكور. وأما الإناث إذا كبرن، فإن كن ذوات محرم منه، فهو أولى، وإن لم يكن ذوات محرم منه، فهل يكون له حق في حضانتهن أم لا؟ فيه خلاف.
قال الشيخ أبو الطاهر: ((وينبغي أن يكون خلافاً في حال، فإن كان مأموناً وله أهل، فهو أحق، وإلا لم يكن له حق)).
الفرع الثالث: الأخ للأب، اختلف في أن له حقاً في الحضانة أم لا؟. واختلف أيضاً في أم الولد تعتق، هل تستحق الحضانة نظراً إلى حالها بعد العتق أو لا تستحقها نظراً إلى حالها قبله؟
قال الشيخ أبو الطاهر: ((والصحيح أنها تستحقها، لأن الأمة تستحق الحضانة على ولدها وإن كان حراً)).
الفرع الرابع: (لو كان من ذوي القرابات أو من ذوات القرابة من هو في تعدد واحد، لكان الأولى منهم من هو أكمل صيانة ورفقاً، ولو تساووا في ذلك، فقد قالوا: إن الأسن أولى. ولا شك في أن الأقرب بدرجة، أو الشقيق أولى من الأبعد ومن غير الشقيق كما تقدم).
стр. 610
الفصل الثالث: في المستحق للمحضون الفقير على أبيه المليء
وذلك ما يأكله ويشربه ويفتقر إليه من غسل ومؤن. والمرجوع في تقدير ذلك إلى العوائد كما تقدم، والنظر إلى قدر يسر الأب وعسره. ويلزم إخدامه إذا كان يليق بمثله. وقيل: لا تلزم الخدمة.
وكذلك الخلاف في السكنى، والمشهور وجوبها (للحاجة) إليها. ورأى في الشاذ أنه فيها تبع. ويتفرع على المشهور نوعان:
الأول: هل تلزم أجرة جميع المنزل، أو ما ينوب الولد؟ في ذلك قولان.
الفرع الثاني: وهو مرتب على الأول. إذا قلنا: الواجب ما ينوب الولد، فهل بقدر الانتفاع، أو على عدد الرؤوس؟، فيه قولان أيضاً. وتخرج على هذا الأصل فروع كثيرة كأجرة كاتب الوثيقة، وكانس المرحاض، وحارس الأندر، والتقويم على المعتقين، والأخذ بالشفعة، وزكاة العبد المشترك. وحصر ذلك إن كان ما وجب بحقوق مشتركة، فهل يكون استحقاقه أو الاستحقاق عليه بقدر الحقوق، أو على عدد الرؤوس؟ القولان.
السبب الثالث: للنفقة ملك اليمين
وتجب على السيد نفقة الرقيق بقدر الكفاية على ما جرت به العادة. ولا يتعين ما يضرب على العبد من خراج، بل عليه بذل المجهود ولا (يكلفه) السيد إلا ما يطيق. فإن لم ينفق على عبده بيع عليه.
ويجب على رب الدواب علفها، أو رعيها إن كان في رعيها ما يقوم بها. فإن أجذبت الأرض تعين عليه علفها، فإن لم يعلف أخذ بأن يبيعها، أو يذبحها إن كانت مما يجوز أكلها، ولا يترك وتعذيبها بالجوع وغيره. ولا يجوز أن ينزف لبنها بحيث يضر بنتاجها. والله أعلم.
[كمل كتاب الحضانة].
стр. 611
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[صلى الله على سيدنا وآله وسلم تسليماً]
كتاب البيع
والنظر في حقيقته وأحكامه
أما حقيقته فقال الإمام أبو عبد الله: هو نقل الملك بعوض. قال: وهذا الرسم يشمل الصحيح والفاسد، إن قلنا: إنه ينقل الملك، فإن قلنا: إنه لا ينقله، لم يشمله من جهة المعنى، لكن العرب قد تكون التسمية عندهم حقيقة، لاعتقادهم أن الملك قد انقتل على حكمهم في الجاهلية، وإن كان لم ينتقل على حكم الإسلام.
وأما أحكامه فالنظر فيها يتعلق بخمسة أقسام:
الأول: في صحته وفساده.
الثاني: في لزومه وجوازه.
الثالث: في حكمه قبل القبض وبعده.
الرابع: فيما يقتضيه مطلق ألفاظه في الثمار والأشجار، واستتباع الأصول، الفروع.
الخامس: في [مداينات] العبيد والتحالف.
стр. 612
القسم الأول: في صحته وفساده ، وفيه خمسة أبواب
الباب الأول: في أركانه ، وهي ثلاثة:
الأول: ما ينعقد في البيع، وهي صيغة الإيجاب والقبول، أو ما (يشاركهما) في الدلالة على الرضى الباطن من قول أو فعل قصد به ذلك.
(فيكفي) المعاطاة والاستيجاب والإيجاب، وهو قوله، يعني يدل قوله: اشتريت، كما في النكاح.
فرع: فإن تنازعا وجود قصد الدلالة به عليه، فقد روى أشهب في العتبية فيمن قال لرجل: بعني سلعتك هذه، فيقول: (نعم) بكذا، فيقول: قد أخذتها، فيقول ربها: لم أرد بيعها، إنما أردت اختيار بيعها، أنه قال: أما من وقف سعلته بالسوق يتسوق بها فذلك يلزمه، وإن لم يفترقا، وأما الذي يعلم أنه لاعب لا يريد بيعها، فلا يلزمه.
وفي الكتاب من روياة ابن القاسم فيمن وقف بسلعته في السوق، فيقول له الرجل: بكم سلعتك هذه؟ فيقول: بمائة دينار فيقول: قد أخذتها، فيقول ربها: لا أبيعك وقد كان أوقفها للبيع إنه يحلف ما ساومه على إرادة البيع، وما مساومته إلا لأمر يذكره غير الإيجاب، ويكون القول قوله.
وإن لم يحلف لزمه البيع. قال ابن القاسم: ((وكذلك إذا قال: بعني سلعتك بكذا، فيقول: قد بعتك فيقول الراغب: لا أرضى)).
الركن الثاني: العاقد.
وشرطه: التمييز، فلا ينعقد بيع غير المميز لصغر أو جنون أو إغماء، وكذلك السكران إذا كان سكره متحققاً.
قال الشيخ أبو إسحاق: ويحلف بالله مع ذلك، ما عقل حين فعل، ثم لا يجوز عليه.
وقال ابن نافع: ينعقد بيع السكران. والجمهور على خلافه.
стр. 613
قال الإمام أبو عبد الله: ((وهو بسكره يقصر ميزه في معرفة المصالح عن السفيه، والسفيه لا يلزمه بيعه، وإن كان يقام الحد عليه كما يقام على السكران)). ولا يشترط التكليف في الانعقاد، لكن يقف اللزوم عليه.
أما إسلام العاقد فلا يشترط في شراء غير العبد المسلم والمصحف. ويشترط في جواز الإقدام على شرائهما.
واختلف في اشتراطه في صحته. فروى ابن القاسم في الكتاب صحة شراء الذمي العبد المسلم والإجبار على بيعه، وإن لا ينفسخ. ثم قال: ((وكذا يجبر النصر على بيع المصحف، ولا يرد شراؤه على قول مالك في العبد المسلم)).
قال الشيخ أبو محمد فيهما: ((وقال غيره: ينقض بيعه)). وقاله سحنون: وهو قول أكثر أصحاب مالك.
وحكى الإمام أبو عبد الله رواية الفسخ أيضاً، وعزاها إلى مختصر ما ليس في المختصر للشيخ أبي إسحاق، وإلى كتاب ابن حبيب.
فروع: إذا اشترى المسلم عبداً نصرانياً من نصراني، فأسلم في يد المسلم ثم اطلع على عيب فيه يقتضي الرد فهل له رده، أو يتعين الرجوع إلى الأرش؟ قولان لابن القاسم وأشهب.
وخرج الإمام أبو عبد الله هذا الخلاف على الخلاف في الرد بالعيب: هل هو نقض للبيع من أصله، أو هو كابتداء بيع؟
ثم إذا رده على قول ابن القاسم أجبر النصراني على إزالة ملكه عنه، وطولب ببيعه من مسلم، كما إذا كان إسلامه في يد النصراني، فإنه يجبر على إزالة ملكه عنه، ويطالب ببيعه من مسلم، فإن أزال أحدهما الملك بالعتق كفى. وكذلك إن تصدق به على مسلم، أو وهبه منه.
وحكى الإمام أبو عبد الله خلافاً بين المتأخرين في المرأة الذمية يسلم عبدها، فتهبه
стр. 614
لولدها الصغير من زوجها المسلم: هل يكتفي بذلك منها أم لا؟ ثم بنى اختلافهم في ذلك على الخلاف في من ملك أن يملك هل يعد مالكاً أم لا؟
ولا يكفي الرهن بل يباع بعد الرهن ويعجل الدين، إلا أن يأتي برهن ثقة. وقال سحنون: يعجل ثمنه للمرتهن، وإن أتى برهن آخر. قال أبو الحسن اللخمي: ((وقول ابن القاسم أحسن)) يعني الأول.
ثم حيث أمرناه بإزالة الملك، فمات قبل إزالته انتقل الحكم إلى الوارث، وأمر بإزالة ملكه عنه كموروثه، ولا يؤخر المأمور منهما إلا بحسب الإمكان.
قال الإمام أبو عبد الله: ((ويبقى النظر في أنه هل يجوز أن (يبيعه) على أن الخيار له أياماً أم لا؟)). ثم قال: ((وهذا مما ينظر فيه)).
ولو باع النصراني عبده النصراني على الخيار أياماً، فأسلم العبد، فإنه إن كان الخيار للمشتري وهو نصراني استعجل استعلام ما عنده من رد أو إمضاء ولم (نمهله) إلى تمام مدة الخيار، لئلا يدوم ملك الكافر على المسلم.
وإن كان المشتري مسلماً فظاهر الكتاب أنه يمهل إلى أن تمضي أيام الخيار.
ولو كان العبد نصرانياً والمشتري كذلك، فأسلم العبد والخيار للبائع وهو مسلم فهل يجوز للبائع المسلم إمضاء البيع للنصراني أم لا؟
قال الإمام أبو عبد الله: ((هذا قد يجري على القولين في بيع الخيار إذا أمضي هل يقدر أنه إنما عقد من حين إمضائه فيقتضي هذا منع المسلم البالغ من إمضاء البيع، أو يقدر البيع كأنه لم يزل ماضياً من حين العقد، فيكون لهذا إمضاؤه، ولا يكون كمبتدأ بيع مسلم من كافر إذا عقد البيع في حال يجوز فيه العقد. وزمن العقد هو المعتبر على هذا القول، لأنه من إمضاء الخيار)).
هذا حكم شراء الذمي للعبد المسلم وما اتصل به. فأما شراؤه للعبد الذي ليس بمسلم، فيختلف حكمه باختلاف صوره، وهي ثلاث:
الأولى: أن يشتري بالغاً على دينه، فلا يمنع من شرائه إذا كان يسكن به بلد المسلمين،
стр. 615
ولا يباع لمن يخرج به عن (بلاد) المسلمين، لما يخشى من إطلاعه أهل الحرب على عورة المسلمين.
الصورة الثانية: أن يكون هذا العبد صغيراً، ففي الكتاب وغيره: منعه لما يرجى من إسلامه، وسرعة إجابته إذا دعي إلى الإسلام، لكونه لم يرسخ في نفسه الكفر، بخلاف الكبير.
قال في العتبية: (فإن بيع منه فسخ البيع)).
وقال محمد: لا يمنع من شرائه، لأنا لسنا على يقين من إسلامه إذا اشتراه مسلم)).
الصورة الثالثة: أن يكون العبد بالغاً على غير دين مشتريه، وفيها مسألتان:
الأولى: أن يكونا كتابين، كيهودي يباع من نصراني، أو نصراني بياع من يهودي، فقال (ابن وهب) وسحنون بالمنع من شرائه (له) لما بينهما من العداوة والبغضاء فيكون إضراراً بالمملوك وإيجاداً للسبيل على أذيته.
وقال محمد: لا يمنع لأنه ليس المنع لحق الله سبحانه، بل لمحض حق العبد، إذ لو رضي بذلك لجاز، ويمكن تدارك حقه بالمنع من أذيته دون فسخ البيع.
المسألة الثانية: أن يكون العبد من المجوس أو الصقالبة أو السودان فأراد الكتابي شراءه،
стр. 616
فحكى الإمام أبو عبد الله في ذلك ثلاثة مذاهب.
الأول: الجواز مطلقاً قال: ((وهو ظاهر الكتاب إذ قال فيه: ما علمته حراماً، وغيره أحسن منه)). قال: ((وأطلق الجواب في الصغير منهم والكبير)).
الثاني: المنع مطلقاً في الصغير والكبير، وعزاه إلى ابن عبد الحكم.
الثالث: التفرقة بينهما، فيمنع في الصغير ويجوز في الكبير وأسنده إلى العتبية. ثم قال: ((وقال فيها: فإن اشترى الصغير فسخ البيع))، قال: ((واشترط فيها في فسخ البيع أن لا يكون الصغير قد دان بدين)).
ثم خرج الإمام الخلاف في منع بيعهم من النصارى واليهود على الخلاف في إجبارهم على الإسلام إذا سبيناهم، (ثم) حكى أن ظاهر المذهب على ثلاثة أقوال، (يفرق) في الثالث، فيجبر الصغير دون الكبير.
الركن الثالث: المعقود عليه.
ويشترط فيه أن يكون طاهراً، منتفعاً به، مقدوراً على تسليمه، معلوماً، واختلف في اشتراط كونه مملوكاً للعاقد أو لمن عقد له.
الأول: الطهارة:
والمذهب أن الأعيان النجسة لا يصح بيعها، إلا أن في بعضها خلافاً يتبين بذكر آحاد الصور: فمنها العذرة والزبل، وقد روى ابن القاسم في الكتاب المنع من بيع العذرة، وخرج (عليها) بيع زبل الدواب، ورأى هو في نفسه أن لا بأ بيع الزبل، فأخذ أبو الحسن
стр. 617
اللخمي من قوله هذا أنه يرى جواز بيع العذرة.
وقال ابن الماجشون: لا بأس ببيع العذرة، لأن ذلك من منافع الناس. وقال أشهب في الزبل: ((المشتري أعذر فيه من البائع يقول في اشترائه)).
وقال ابن عبد الحكم: لم يعذر الله سبحانه أحداً منهما وهما سيان في الإثم.
ومنها الزيت النجس. فقال ابن حبيب: لا يباع الزيت النجس. قال: وعلى ذلك مالك وأصحابه إلا ابن وهب فإنه أجاز بيعه إذا بين. قال الإمام أبو عبد الله: وشرط غير ابن وهب أن لا يباع من مسلم.
واختلف في جواز الاستصباح به، فقال مالك: ((يجوز في غير المساجد للمتحفظ من نجاسته، ويعمل منه الصابون)).
وقال عبد الملك: لا ينتفع به في شيء أصلاً، ولو طرحه في الكرياس يريد الانتفاع به لكرهته. ونحوه قال يحيى بن عمر.
واختلف أيضاً هل يطهر بالغسل أم لا؟. فروى ابن نافع أنه يطهر. وروى ابن القاسم في الواضحة والمستخرجة نحوه.
وروى أصبغ عن ابن القاسم فيمن فرغ عشر جرار سمن في زقاق ثم وجد في جرة منها فأرة ديابسة، ولا يدري في أي الزقاق فرغها: إنه يحرم أكل جميع الزقاق، وبيعها. قال: الأستاذ
стр. 618
أبو بكر: وظاهر هذا يقتضي أن لا يغسل. قال: فيصير في الغسل قولان، يعني لمالك وابن القاسم.
وعلى ذكره خلاف ابن القاسم لمالك مسألة وقعت في المستخرجة. وروى عيسى عن ابن القاسم في اللحم يطبخ في الماء النجس قال: ((يغسل اللحم ويؤكل)).
وروى أشهب عن مالك: ((لا يؤكل)).
ومنها: عظام الميتة. وفي الكتاب من رواية ابن القاسم: ((لا أرى أن تشتري عظام الميتة ولا تباع، ولا أنياب الفيل، ولا يتجر فيها، ولا يتمشط بأمشاطها، ولا يدهن بمداهنها))، وعلل بنجاستها. فقال: ((وكيف يجعل الدهن في الميتة، ويمشط لحيته بعظام الميتة، وهي مبلولة؟)). وأجاز مطرف وابن الماجشون بيع أنياب الفيل مطلقاً. وأجازه ابن وهب وأصبغ، إذا أغليت.
ومنها بيع جلود الميتة. وروى ابن القاسم في الكتاب أيضاً المنع من بيعه اوإن دبغت.
ورأى الإمام أبو عبد الله أن هذا القول هو مقتضى القول بأنها لا تطهر بالدباغ. قال: وأما إذا فرعنا على أنها تطهر بالدباغ طهارة كاملة فإنا نجيز بيعها لإباحة جملة منافعها. ولنقتصر على هذا القدر في هذا الشرط.
الشرط الثاني: أن يكون المبيع منتفعاً به
فلا يصح بيع ما لا منفعة فيه، لأنه من أكل المال بالباطل، بل لا يصح تملكه.
وفي معناه ما كانت فيه منافع، إلا أنها كلها محرمة، إذ لا فرق بين المعدوم حساً والممنوع شرعاً.
فأما ما تنوعت منافعه إلى محلله ومحرمه، فإن كانت المنافع المقصودة من العين في أحد النوعين خاصة، كان الاعتبار بها (الحكم) تابعاً لها، فاعتبر نوعها وصار الآخر كالمعدوم. وإن توزعت في النوعين لم يصح البيع، (لأن ما) يقابل ما حرم منها من أكل المال بالباطل، وما سواه من بقية الثمن يصير مجهولاً. وهذا التعليل يطرد في كون
стр. 619
المحرم منفعة واحدة مقصودة، كما يطرد في كون المنافع بأسرها محرمة. وهذا النوع وإن امتنع بيعه لما ذكرناه من الوجهين، فملكه صحيح لينتفع مالكه بما فيه من منفعة مباحة.
فرع: لو تحقق وجود منفعة محرمة، ووقع الالتباس في كونها مقصودة، فمن الأصحاب من يقف في حكم جواز البيع، ومنهم من يكره ولا يمنع ولا يحرم. ويكفي من أمثلة هذا الأصل على اتساعها مسألة بيع كلب الصيد، فإذا بني الخلاف فيها على هذا الأصل، قيل: في الكلب من المنافع كذا وكذا، وعددت جملة منافعه، ثم نظر فيها. فمن رأى أن جملتها محرمة، منع ومن رأى جميعها محللة أجاز. ومن رآها متنوعة نظر: هل المقصود المحلل أو المحرم، ثم جعل الحكم للمقصود. ومن رأى أن منفعة واحدة منها محرمة وهي مقصودة منع أيضاً على ما تبين. ومن التبس عليه كونها مقصودة وقف أو كره كما تقدم.
ثم إذا (تقرر) اشتراط المنفعة فيكفي مجرد وجودها وإن قلت، ولا يشترط كثرة القيمة فيها ولا عزة الوجود، بل يصح [بيع] الماء والتراب والحجارة لتحقق المنفعة وإن كثر وجودها وقلت قيمتها.
ويجوز بيع لبن الآدميات، لأنه طاهر منتفع به. قال الشيخ أبو الطاهر: ((وأجاز الأصحاب بيع السباع لأخذ جلودها)). ثم قال: ((وهو إما بناء على القول بالكراهة فيها فتطهر جلودها بالذكاة، إما لأن الدباغ يبيح استعمالها)). وقال ابن حبيب: بيع جلود السباع والصلاة عليها حرام.
الشرط الثالث: أن يكون مقدوراً على تسليمه
فلا يصح بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والأجنة والآبق والشارد والمغضوب، إلا أن يباع الآبق والشارد ممن [قد] وجدهما وحصلا تحت قبضته، والمغضوب من غاصبه ولم تبعد غيبة هذه عن مالكها، أو ثبت عنده بقاؤها على صفاتها، أو عرف ما انتقلت إليه، فيصح حينئذ بيعه لها.
ولا يجوز شراء الإبل المهملة في الرعي وإن رآها المبتاع، لأنه لا يدري متى تؤخذ وهي تستصعب. قال ابن القاسم: وأخذها خطر. وكذلك المهاري والفلا الصعاب بالبراءة، وهي كبيع الآبق.
وفي العتبية من رواية أصبغ عن ابن القاسم: ((أنه لا يجوز بيع الصعاب من الإبل وما لا
стр. 620
يؤخذ إلا (بالأوهاق) ولا يعرف ما فيها من العيوب، وربما عطبت في أخذها)).
قال ابن حبيب: بيعت بالبراءة أو بغير البراءة.
وفروع: هذا الشرط كثيرة، إلا أن الضابط لها أن كل ما عجز عن تسليمه حساً فلا يصح بيعه، فأما ما عجز عن تسليمه شرعاً لحق آدمي، فيصح البيع فيه، لكن يقف اللزوم على اختيار من تعلق حقه به، كالمرهون فإنه يصبح بيعه، ويقف اللزوم فيه على إجازة المرتهن إذ الحق له.
فيكون اشتراطه في اللزوم لا في الصحة، إذ هي حاصلة بدونه.
وكذلك العبد الجاني إذا تعلق برقبته أرش الجناية ثم باعه سيده بعد علمه صح البيع أيضاً، ووقف اللزوم، فإن دفع الأرش لأهل الجناية لزم البيع إن كان أعلم المبتاع بجنايته، وإن أبي أن يغرم الأرش أحلف ما أراد حمل الجناية، فإن حلف فالخيار لأهل الجناية في إمضاء البيع وأخذ الثمن أو في فسخه وأخذ العبد لهم.
قال غير ابن القاسم: إلا أن يشاء المبتاع دفع الأرش إليهم فذلك له، ويرجع بالأقل من الأرش أو الثمن.
قال ابن القاسم: ((ولو فداه البائع فللمبتاع رده بهذا العيب إلا أن يكون بينه له البائع)).
قال غيره: ((هذا في العمد، فأما الخطأ فلا، وهو كعيب ذهب)).
فروع جرى ذكرها في الكتاب تناسب ما نحن فيه
فمنها أنه أجاز بيع عمود عليه بناء للبائع. قال الإمام أبو عبد الله: والذي ذكره من جواز هذا يفتقر إلى شرطين:
أحدهما: أن يكون هذا البيع لا يتضمن إضاعة مال وفساده، مثل أن يكون البناء الذي على العمود كبيراً مقداره كثيراً ثمنه، بحيث يعلم أن هدمه وإفساده لأخذ ما يتعوضه في العمود من ثمن نزر لا يفعله إلا السفهاء ومن لا ميز له ولا يحسن تدبير المال.
والشرط الثاني: أن يكون يؤمن على العمود إذا قلع ونقل من مكانه من فساده وكسره، فإنه إذا لم يؤمن ذلك عليه صارت المعاوضة على ذلك غرراً، إذ لا يعلم المشتري هل
стр. 621
يحصل له ذلك أم لا، وعلى أي صفة يحصل.
واعتبار هذا الشرط لإمكان التسليم حساً، واعتبار الشرط الأول يرجع إلى إمكان التسليم شرعاً لما فيه من إتلاف المال.
وأجاز أيضاً أن يشتري هواء فوق هواء، ويلزم (الأسفل) بالبناء ليتوصل صاحب الأعلى إلى بناء ملكه.
قال الإمام: ويحتاج إلى معرفة صفة هذا البناء في القوة والضعف لينتفي بذلك الغرر.
وأجاز أيضاً شراء غرر جذوع في حائط.
قال الإمام: وذلك ينقسم إلى ما تذكر فيه مدة فيكون حكمه حكم الإجارة فينفسخ العقد بانهدام الجدار، وإلى ما لا تعين فيه مدة. بل يجعل على التأبيد، فيكون كالمضمون، فإن انهدم الحائط لزمه أن يعيده، ليغرز صاحب الخشب خشبه فيه. كما أن على صاحب السفل إذا انهدم أن يبنيه ليحمل صاحب العلو عليه علوه، فبناء الحائط هو تمكينه من التسلم. وكذلك بناء الهواء الأسفل.
الشرط الرابع: أن يكون البيع معلوماً للمتعاقدين، ثم يتعلق العلم بعين المبيع وقدره وصفته.
أما العين فالجهل بها مبطل، (ونعني) به: أنه، إذا قال: بعت منك عبداً من عبيدي أو شاة من هذا القطيع بطل.
وأما إذا قال: بعت منك صاعاً من هذه الصبرة، فإن البيع يصح إذ أجزأه الصبرة متساوية، وليس المقصود من الحبوب أعيان آحادها. ويستوي في ذلك كون الصبرة معلومة الصيعان أو مجهولتها.
وأما القدر، فالجهل به فيما في الذمة ثمناً كان أو مثموناً مبطل إذا جهل جملة وتفصيلاً كقوله: بعت (بزنة) هذه الصنجة وهي مجهولة الوزن.
стр. 622
وإن علمت جملة الثمن وجهل تفصيله، ففي الكتاب في صحة هذا البيع: قولان.
ومثاله أن يشتري عبدين لرجلين في صفقة واحدة بثمن واحد، ولم يعين ما لكل واحد منهما منه، فلا يصح في أشهر قولي ابن القاسم لجهالة الثمن المختص بعبد كل واحد منهما عنده.
ورأى في قوله الآخر، وهو قول أشهب وسحنون، صحة البيع فيهما لأن كل واحد منهما يحدس قدر ثمن سلعته، فلا يكون التفاوت إلا يسيراً مما لا يفسد البيع، بل يقع معفواً عنه.
أما إذا جهلت جملة الثمن وعلم تفصيله فلا يمنع ذلك صحة البيع كما لو قال: بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم، فإنه يصح وإن كانت مجهولة الصيعان، لأن تفصيل الثمن معلوم فينتفي الغرر عنه، وإن لم تعلم جملته.
وإذا تعين المعقود عليه لم يشترط فيه كيل ولا وزن، بل يكفي عيان صبرة الحنطة وسائر الحبوب، وكذلك كل ما المطلوب منه مبلغه وتتساوى الأغراض في آحاده.
قال الشيخ أبو الطاهر: ((وعلى هذا يجوز بيع المكيلات والموزونات جزافاً)).
قال: ((وأما المعدودات فإن قلت أثمانها جاز بيعها جزافاً، وإن كثرت أثمانها واختلفت آحادها اختلاف بينا كالثياب والجواهر وما في معنى ذلك لم يجز بيعها جزافاً)).
قال: ((لأنها إذا طلبت آحادها وجملتها كان الغرر فيها من وجهين، فيمنع البيع لكثرة الغرر، بخلاف ما إذا كان المطلوب الجملة دون الآحاد فإن الغرر من وجه واحد، فيكون قليلاً، فلا يمنع صحة البيع)). قال: ((وأما العين فإن كان مكسوراً أو مصوعاً فهو بمنزلة العروض يرجع إلى الحصر قدمناه. وينظر هل المطلوب آحاده أو مبلغه.
وإن كان مسكوكاً فها هنا جل أهل المذهب يرون أنه إذا كان التعامل فيه بالوزن جاز بيعه جزافاً، لأن المطلوب مبلغه، وإن كان التعامل فيه بالعدد لم يجز بيعه جزافاً، لأن المطلوب حينئذ آحاده ومبلغه)). قال: ((وحكى القاضي أبو الحسن الكراهية. قال: ((ولعل الغرر قل عنده لما تماثلت الآحاد)).
قال: وانفرد أبو الوليد الباجي، فرأى أنه إن كان التعامل به بالعدد لم يجز الجزاف
стр. 623
قولاً واحداً، وإن كان التعامل به وزناً جرى على القولين، وهما على الخلاف في الدنانير والدراهم هل تتعين أو إنما تتعلق بالذمة؟ فإن قلنا: إنها تتعين، جاز بيعها جزافاً، وإن قلنا: لا تتعين، وإنما تتعلق بالذمة، فلا يجوز بيع ما يتعلق بالذمة جزافاً)).
فروع: إذا اشترى (صبرة)، وتحتها دكة تمنع من تخمين القدر، فإن تبايعا على ذلك لم يصح البيع للغرر، وإن اشترى فظهرت ثبت له الخيار.
ويستوي في صحة بيع المشتري جزافاً كونه ملقى بالأرض أو في ظروفه فيجوز شراء ما في الظروف جزافاً، وإن لم يعلم مبلغه إلا بالحدس.
قال محمد: ولا يجوز شراء ملء الظرف الفارغ، وإن عين ما يملأ منه أو وصفه فلا يجوز. شراء ملء الغرارة الفارغة من قمح أو غيره مشاهداً كان أو موصوفاً، أو ملء قارورة من زيت أو غيره مشاهداً كان أو موصوفاً، بل لو اشترى ما في الظرف ففرغه له لم يصح أن يشتري منه ملته دفعة أخرى، وإنما يصح أن يشتري منه ما في الظرف بعد أن يملأ)). ووجه هذا أن المقصود تغير العقود.
فإذا كان الظرف مملوءاً صار البيع جزافاً مرئياً (فالقصد) العقد على مرئي يحدس مبلغه. وإذا كان الظرف فارغاً فالمبيع غير مرئي والقصد العقد على مكيل بمكيال غير معلوم النسبة من المكيال المعتاد.
واختلف الأصحاب إذا وقع التبايع بمكيال مجهول، هل يفسخ البيع أم لا؟. فقال أشهب: لا يفسخ، وقال غيره: يفسخ.
ويشترط في بيع الجزاف مساواة المتابعين في عدم العلم، بمقدار المبيع جزافاً، فإن انفرد البائع بعلم المقدار عن المشتري فإن كان ذلك بعلم المشتري فسد العقد لأنه خطار وإن كان بغير علمه، لكن ظهر له بعد التبايع أنه كان يعلم كيل الصبرة، وكتمه عنه، ثبت للمشتري الخيار في التزام البيع ورده.
وأما الصفة فلا تشترط معرفتها بالعيان، بل يقوم استقصاء الوصف مقامه على تفصيل نبيه، وهو أن العين الغائبة إن كانت بعيدة جداً كإفريقية من خراسان شوبه ذلك، لم يصح بيعها على الصفة بوجه لكثرة الخطر والغرر فيه، كذلك إن كانت قريبة جداً مع إمكان الاطلاع عليها من غير مشقة، ولا فائدة في بيعها على الصفة، (فإن المعروف من المذهب أنه لا يجوز بيعها
стр. 624
على الصفة)، لأنه عدول عن المعاينة إلى الخبر من غير مقتض لذلك، فيلحق بالمخاطرة والتغرير. فإن كان في رؤيتها كلفة ومشقة جاز بيعها على المشهور من المذهب.
ونزل الأصحاب ما وقع في الكتاب من تجويز العقد بالسوق على سلعة في البيت على ما إذا كان في رؤيتها مشقة وكلفة. وأجازوا في المشهور أيضاً بيع ما كان على مسافة يوم، وبيع ما في الأعدال على البرنامج، وبيع الساج المدرج في جرابه لمشقة الحل والنشر.
وروي في كتاب محمد المنع من العقد بالسوق على سلعة في البيت. وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا تباع سلعة حاضرة ولا غائبة على مسيرة يوم على الصفة، ولا على البرنامج.
وقال ابن حبيب: يجوز بيع الأعدال على البرنامج، ولا يجوز بيع الساج مدرجاً في جرابه. وفي المبسوط قال مالك في الساج المدرج في جرابه والثوب القبطي المدرج في طيه: لا يجوز بيعهما حتى ينشرا، وينظر إلى ما في أجوافهما، وقال: إن بيعهما من الغرر، وهو من الملامسة.
قال مالك: ((بيع الأعدال على البرنامج مخالف لبيع الساج في جرابه، والثوب في طيه، وما أشبه ذلك. فرق بين ذلك الأمر المعمول به، ومعرفة ذلك في صدور الناس، وما مضى من عمل الماضين فيه، وأنه لم يزل من بيوع الناس (الجائزة) بينهم التي لا يروزن بها بأساً بيع الأعدال على البرنامج ولا ينشرونها، لأن ذلك لا يراد به الغرر، وليس يشبه الملامسة)).
قال الشيخ أبو الطاهر: وسبب الخلاف النظر إلى (أن) اشتراط الرؤية في هذه المواضع المختلف فيها، هل فيه مشقة أم لا؟
قال: وهو خلاف في حال، فإن اقتضت ضرورة أو حاجة بيعه على الصفة جاز، وإلا لم يجز. هذا حكم طرفي البعد والقرب.
فأما ما قصر على البعيد وارتفع عن القريب فكان بين ذلك، فجائز بيعه على الصفة أو الرؤية المتقدمة.
стр. 625
ووقع في الكتاب ما يقتضي جواز العقد على السلعة الغائبة من غير رؤية ولا صفة، ولكنه اشترط خيار الرؤية. وذهب القاضيان أبو الحسن وأبو محمد إلى منع هذا العقد.
وأنكره أيضاً الشيخ أبو بكر، وقال: ((إنه خلاف الأصول)).
فأما البيع على الصفة فتشترط في صحته شروط تتبين برسم فروع متتالية، وهي: حيث قلنا بجواز البيع على الصفة فيجب أن نذكر الصفات المقصودة التي تختلف الأغراض بسببها والأثمان باختلافها. إذ لا يرفع الغرر إلا ذكرها.
ثم إذا ذكرت ففي كتاب محمد والعتبية أن الشرط في الصفة أن يصف غير البائع لأنه قد لا يوثق بصفته إذ قد يقصد الزيادة في الصفة لينفق سلعته.
قال أبو الحسن اللخمي: ويكون المشتري ممن يعرف ما وصف له. ثم إذا وافق المبيع الصفة فلا خيار لأحدهما، فإن اختلفا في الصفة التي وقع العقد عليها فالقول قول المشتري، وإن اتفقا في الصفة واختلفا في كون المبيع عليها رجع في ذلك إلى أهل المعرفة.
ويصح بيع الأعمى وشراؤه لضرورة التعامل، ويعتمد على الصفة سواء طرأ عليه العمى أو ولد أعمى.
وقال أبو جعفر الأبهري: لا يصح بيع من ولد أعمى ولا شراؤه، لأنه لا يقف على حقائق المدرك بمجرد الوصف.
وأما البيع على رؤية متقدمة فيشترط في صحته أن لا تطول مدة الرؤية طولاً يتوقع (فيه)؟ تغير المبيع عادة.
فرع: لو تبايعا على رؤية سابقة من مدة غير طويلة، ثم تنازعا في كون المبيع باقياً على الصورة المرئية، ففي الرجوع إلى قول البائع أو المبتاع قولان لابن القاسم وأشهب.
وخرج الشيخ أبو الطاهر خلافهما على الخلاف في تبعيض الدعوى.
ثم في معنى رؤية المبيع سابقة على عقد البيع أو مقارنة له رؤية بعضه إذا دل على الباقي لكونه من جنسه أو كان صواناً له خلقة كقشر الرمان والبيض وشبهه.
стр. 626
فروع: الأول: في ضمان الغائب.
والظاهر من المذهب (أن) ضمان المبيع الغائب من بائعه إلا أن يشترطه على المشتري.
وروي أنه من المشتري إذا أدركته الصفقة سالماً.
وروي أن الضمان من البائع إلا في الديار والعقار.
وقال ابن حبيب: الديار والعقار من المشتري، وما كان سوى ذلك قريب الغيبة يجوز اشتراط النقد فيه، فمصيبته من البائع. وما كان بعيد الغيبة لا يجوز النقد فيه، فمصيبته من المشتري.
الفرع الثاني: وهو مرتب:
حيث قلنا: إن الضمان من المشتري، فتلفت السلعة فتنازعا في سلامتها حين العقد ففي تعيين المدعي منهما قولان لتعارض [أصلي] السلامة والضمان.
الفرع الثالث: في النقد:
ويجوز النقد في بيع الغائب من غير شرط، (فإذا) كان بشرط فسد العقد، لأنه (خطار)، ويؤدي إلى أن يكون المنقود تارة سلفاً وتارة ثمناً، إلا فيما قربت غيبته من غير الحيوان للأمن من ذلك فيه غالباً، وكذلك في المأمون كالعقار ونحوه، وإن بعدت غيبته عند ابن القاسم.
وسوى أشهب بين العقار وغيره، فمنع النقد في ما بعدت غيبته من جميع ذلك، وأما ما قربت غيبته من الحيوان فقيل: يجوز النقد فيه كغيره مما قربت فيبته، وقيل: لا يجوز ذلك فيه لسرعة تغيره بخلاف غيره.
فرع: حيث اعتبرنا: قرب المادة وبعدها، فاختلف في تحديد القرب فيها على خمسة أقوال:
اليوم - واليومان - ونصف اليوم - والبريد - والبريدان.
стр. 627
الشرط الخامس: وهو المختلف في حكمه. كون المبيع مملوكاً للعاقد أو لمن عقد له.
ومقتضى ما حكاه الشيخ أبو إسحاق أنه من شروط الصحة أيضاً كالتي تقدمت عليه، إذ حكى رواية بأن من باع ملك الغير من غير إذن لم يصح بيعه، وإن أجازه المالك.
وأما على المشهور من المذهب أن البيع يصح ويقف اللزوم على إجازة المالك، فهو شرط في اللزوم والانبرام لا في الصحة والانعقاد.
فرع: إذا باع الغاصب المغصوب فلم يجز المالك، لكن باعه من الغاصب، لم يكن للغاصب نقض البيع الذي باعه أولاً لأنه كمن عمل في إمضاء ما عقد فليس له أن يتسبب في نقضه، بخلاف المودع يتعدى على الوديعة فيبيعها ثم يرثها، فإن له نقض البيع إذ لا تسبب له في الميراث.
الباب الثاني: في الفساد بجهة الربا
قال رسول الله: الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، والثمر بالثمر مثلاً بمثل، والبر بالبر مثلاً بمثل، والملح بالملح مثلاً بمثل، والشعير بالشعير مثلاً بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى. (بيعوا) الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يداً بيد، (وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يداً بيد).
ومقتضى هذا الحديث أن من باع شيئاً من هذه الأعيان الستة بجنسه، فليرع المماثلة فيه بالمعيار الشرعي أو العادي إن لم يكن، والحلول أعني ضد النسيئة، والتقابض، فلا يتأخر القبض عن العقد، ولا يقبل في ذلك حوالة ولا حمالة ولا نظرة، بل لو طال بينهما المجلس من غير قبض لبطل لقوله ﷺ : ((إلا هاء وهاء، يداً بيد)). فإن باعه بغير جنسه سقطت رعاية المماثلة في القدر.
ثم في معنى الأعيان المنصوص عليها ما شاركها في المقتضى لحكمها. وقد اتفق أهل المذهب على اتحاد المقتضى في النقدين دون تحقيقه، واختلفوا في اتحاده في الأعيان الأربعة وفي تعيينه على ما سنبينه إن شاء الله [تعالى].
وقد اشتمل الحديث على بيان جنسي الربا، أعني ربا النسيئة وربا التفاضل في الأعيان
стр. 628
الستة، واندرج تحتها ما في معناها. ولنفرد كل جنس بالكلام عليه.
أما الجنس الأول: وهو ربا النساء فعلة تحريمه ووجوب التقابض الطعم، فتطلب المناجزة في كل ما ينطلق عليه إسم طعام، ربوياً كان أو غير ربوي. ويدخل في ذلك رطب الفواكه والخضر والبقول.
وإذا تقرر تعلق الحكم بالطعام لم يعم سائر ما يتطعم غذاء كان أو دواء، بل يخص منه الغذاء دون الدواء. وقد انقسم ما يتطعم بالإضافة إلى هذا الحكم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما اتفق على أنه طعام يجري فيه هذا الحكم كالذي ذكرناه من الفواكه والخضر والبقول والزرارع التي تؤكل غذاء، أو يعتصر منها ما يتغدى به من الزيت كحب القرطم وزريعة الفجل الحمراء، وما أشبه ذلك.
والثاني: ما اتفق على أنه ليس بغذاء، بل هو دواء وذلك كالصبر والزعفران والشاهترج وما (يشبهها).
والثالث: ما اختلف فيه للاختلاف في أحواله وعادات الناس فيه، فمنه الطلع والبلح الصغير، ومنه التوابل كالفلفل والكزبرة، وما في معناهما من الكمونين والرازيانج والأنيسون، ففي إلحاق كل واحد منهما بالطعام قولان، سببهما ما تقدم ذكره.
ومنها الحلبة، وفي إلحاقها بالطعام ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث فتلتحق به الخضراء دون اليابسة.
ورأى بعض المتأخرين هذا التفصيل تفسيراً، وأن المذهب على قول واحد في إلحاق الخضراء بالطعام واليابسة بالدواء.
ومنها الماء العذب، قيل بإلحاقه بالطعام لما كان مكما يتطعم وبه قوام الأجسام والحاجة إليه أشد من الحاجة إلى القوت. وقيل بمنع إلحاقه به، لأنه مشروب وليس بمطعوم.
وأما الجنس الثاني، وهو ربا الفضل، فالكلام عليه يتنوع إلى الكلام في النقدين وفي الأطعمة.
النوع الأول: (في) بيان حكم الربا في النقدين، وهو: باب الصرف. والعلة في تحريم الربا في النقدين الثمينة.
стр. 629
وهل المعتبر في ذلك كونهما ثمينين في كل الأمصار، أو جلها وفي كل الأعمار، فتكون العلة بحسب ذلك قاصرة عليهما، أو المعتبر (تطلق) الثمينة، فتكون متعدية إلى غيرهما؟ في ذلك خلاف ينبني عليه الخلاف في جريان الربا في الفلوس إذا بيع بعضها ببعض أو بذهب أو بورق.
ويعم جميع أنواع بيع النقد بالنقد طلب المناجزة ويخص بيع الصنف بعضه ببعض طلب المساواة والمماثلة. ولهذا انحصر مقصودنا من هذا الباب في ثلاثة أركان:
الأول: في تحصيل المناجزة وذكر ما ينافيها.
والثاني: في تحصيل المماثلة وما تصح به والاحتراز من فسادها.
والثالث: النظر في خواص كل واحد من المبادلة والمراطلة وما يتعلق بذلك من أحكام الاقتضاء.
الركن الأول: في أحكام المناجزة. وتنحصر في ثلاثة فصول:
الأول: فيما يجري مجرى المقدمات، وينحصر في ثلاثة مسائل:
الأولى: حكم المواعدة. وفيه ثلاثة أقوال: المنع والجواز والكراهة. فالمنع لأصبغ في كتاب أبي زيد. قال: ويفسخ إن وقع، وقاسه على المواعدة (في العدة).
والجواز لابن نافع في السليمانية قال: وما سمعت أن أحداً كرهه، وقطع افلحاق بأن المنع ثم خشية إتمام العقد وهو المطلوب ها هنا.
والكراهة لمالك وابن القاسم. وهو قول من أجاز، وراعى الخلاف).
وحكى أبو محمد عبد الحق أن الكراهة للنهي عن اختلاف الوعد، فكأنها لهذا تشبه العقد، وأما (التعريض) فلا يمتنع.
(المسألة) الثانية: الخيار.
وفيه قولان: المشهور منعه. وحكى القاضي أبو الوليد وغيره جوازه.
стр. 630
وحكى الشيخ أبو إسحاق في زاهيه روايتين، وهما على الخلاف في حقيقة بيع الخيار، وهل ملك مستثنيه حل العقد فيكون عقداً متراخياً، أو ملك إبرامه (فيكون منحلاً؟).
المسألة الثالثة: الوكالة على الصرف.
وهي جائزة إن تولى الوكيل العقد والقبض، وأما إن تولى أحدهما خاصة. فأما القبض فإن غاب الموكل حين القبض فسد الصرف، وإن كان بحضرة الموكل صح. وقد روي المنع مطلقاً. وحمله القاضي أبو الوليد على إطلاقه وجعل المذهب على قولين في اشتراط قبض الموكل بنفسه في صحة الصرف.
وأما العقد فحكم الوكيل فيه حكم الموكل في المسألة الأولى.
الفصل الثاني: فيما يجري مجرى (الصورة)
وله حالتان: حالة كمال، وحالة إجزاء.
فحالة الكمال أن يبرز النقدين ويتناجزا سريعاً. وحالة الإجزاء أن يكون النقدان أو أحدهما في كم المصرف أو تابوته الحاضر ويتناجزا.
فإن كان النقدان أو أحدهما غائباً يؤتى به من موضعه بطل الإجزاء. واختلف في ست مسائل:
الأولى: صرف ما في الذمة.
فالمشهور صحته إن كان حالاً. وحكى المتأخرون عن أشهب الإبطال، وأحالوه على المولدات.
ولو تصارفا على ما في ذمة كل واحد منهما وقد حلا، جرى على القولين أيضاً.
وإن كان مؤجلاً فالمشهور منعه، وأجازه القاضي أبو إسحاق. قال بعض المتأخرين: وهذا هو الأقيس.
وإنما (قدر) في المشهور أن المعجل مسلف، (فإن) حل الأجل قبض من نفسه،
стр. 631
وهو بناء على تقدير الممنوع كوجوده. قال: وعلى هذا الأصل بناء كثير من (بيوعات) الآجال.
الثانية: الصرف على الذمة.
ومثاله: أن يعقد صرفاً ثم يتسلف ما عقد عليه، ولا شك في منعه إن طال. وإن قرب، فإن تسلفا جميعاً منع، وإن تسلف أحدهما فقولان، صحح ابن القاسم، وأبطل أشهب قياساً على تسلفهما، وفرق للتصحيح بأنه مبني على علم أحد المتبايعين بالفساد وفيه قولان.
فإذا عقد على ما ليس (عندهما)، فقد علما فيبطل، وباتهام المتسلف أن يظهر ذلك ليبطل العقد فصحح نقضاً لغرضه، وبأنه متى كان التسلف منهما طال، بخلاف ما إذا كان من أحدهما.
ويخرج على هذه التعاليل أن علمهما بتسلف أحدهما يبطل على التعليل الأول قولاً واحداً، وأن المتسلف إذا علم أنه محق أن لا شيء معه بطل على التعليل الثاني، وأنهما لو تسلفا معاً وكان كقدر تسلف أحدهما لصح على مقتضى التعليل الثالث. وكذلك هو عند ابن القاسم، وهو رأي أبي الحسن اللخمي.
الثالثة: صرف المغصوب. وله ثلاث صور:
الأولى: أن يكون مصوغاً قائم العين. فالمنصوص أنه لا يجوز صرفه حتى يحضر.
والصورة الثانية: أن يكون مصوغاً غير قائم العين. فإن ذهبت عينه جملة فقد ضمن، وهل تضمن قيمته أو وزنه؟ قولان.
التفريع: إن قلنا بضمان القيمة صرفت قيمته، وهذا هو المشهور.
وإن قلنا بضمان الوزن صرف وزنه، وكان في القيمة أو في الوزن صرف ما في الذمة.
وإن لم تذهب عينه حتى يكون لصاحبه الخيار في الأخذ أو التضمين، فيجري صرف القيمة على الخلاف في من خير بين شيئين فاختار أحدهما، هل يعد منتقلاً من كل واحد منهما إلى الآخر فلا يجوز صرف أحدهما، أو يعد كأنه لم يستحق غير ما اختار، فيجوز له صرف القيمة، وإن أراد صرف العين فيجري على ما قدمناه إذا كانت العين قائمة.
الصورة الثالثة: المسكوك، والمنصوص جواز صرفه. قال القاضي أبو الوليد: ((وهذا مبني على أن الدنانير والدراهم لا تتعين في الغصب)).
стр. 632
قال: ((وقد ذكر القاضي أبو الحسن أن هذه رواية عن مالك)). قال الشيخ أبو الطاهر: وإشارته إلى أن من غصب مسكوكاً فطلب ربه أخذ عينه، فأراد الغاصب أن يعطيه غيره، قال: وهذا إن كان بينهما فرق في الحل والتحريم أو الشبهة، فلصاحبه أخذ العين بلا خلاف، وإن لم يكن بينهما فرق فقولان، والمشهور أن له أخذ عين شيئه.
قال: فيقال: كأن على هذا يكون المشهور منع صرف المغصوب، وإنما رأى أن ربه إذا رضي بالصرف، والأصل التعلق بالذمة، إذ لا يعرف المسكوك بعينه، فأشبه صرف ما في الذمة.
المسألة الرابعة: صرف المرهون.
فإن كان مصوغاً ففيه قولان: المنع حتى يحضر، والجواز نظراً إلى إمكان التعلق بالذمة.
وإن كان مسكوكاً فأجيز في رواية محمد، ومنعه ابن القاسم، والجواز لإحدى علتين حصول المناجزة بالقبول، والالتفات إلى إمكان التعلق بالذمة، فأشبه المغصوب إذ هو على الضمان إن لم تقم بينة بتلفه، وقولان إن قامت. والمنع نظراً إلى الحال، وهو على ملك ربه، وإنما يقبضه لنفسه عند حضوره فأشبه صرف الغائب.
الخامسة: صرف الوديعة. وفي الكتاب: ((المنع منه)).
((وروى أشهب الجواز في المسكوك منها، واختلف في تعليله على (طريقين): أحدهما أنه مبني على أن يعتقد المودع التسلف ثم يصارف، قاله القاضي أبو الوليد)).
قال: ((ويجب على هذا أن لا يجوز في الحلي قولاً واحداً)).
والطريق الثاني النظر إلى حصول المناجزة بكمال القول والشيء تحت يده، فعلى هذا يجري الخلاف في المصوغ. وقد ظهر تعليل المنع مما قدمناه في المرهون.
فرعان: أحدهما: العارية، ((وحكمها حكم الرهن. قاله القاضي أبو الوليد)).
قال بعض المتأخرين: وهو ظاهر.
стр. 633
الثاني: المستأجر، حكمه حكم الوديعة.
المسألة السادسة: الصرف على التصديق في الوزن أو الصفة أو فيهما. والمشهور: أنه لا يجوز، وأجازه أشهب.
والخلاف في ذلك مبني على الخلاف في مراعاة الطوارئ. فمن راعاها لا سيما وهي قريبة هنا منع، ومن لم يراعها ونظر إلى أن القول قول الدافع في الوزن والعدد أجاز.
الفصل الثالث: فيما يجري مجرى الطوارئ وهي ثلاثة أقسام:
مفارقة. ووجود نقص - واستحقاق.
القسم الأول: المفارقة قبل التقابض، فإن بعدت اختياراً أبطلت، وهذا هو الحكم في طول المجلس وإن لم يفترقا كما تقدم. وإن قربت فالمشهور الإبطال أيضاً، والتصحيح في كتاب محمد.
وإن كانت غلبة فقولان: الإبطال والتصحيح، وهما على الخلاف في التناجز، هل هو ركن في عقد الصرف فيبطل مع التراخي كيفما تصور، أو هو شرط فلا يبطل مع الغلبة؟.
التفريع: إن قلنا بالتصحيح في غلبتهما فأحرى به في غلبة أحدهما. لأنه قد يقصد إبطال الصرف فيقابل بنقيض قصده وإن أبطلتا فقولان. والتصحيح في الصورتين هو اختيار القاضي أبي بكر.
مسائل ثلاث:
إحداهما: أن يعقد على جملة فيجد بعضها. فإن كان الموجود الأكثر فظاهر الكتاب إبطال الجميع، وقاله محمد وأصبغ.
وحكى محمد عن ابن القاسم أنه قال: ينتقض ما يقابل المتأخر خاصة. ونزل بعض المتأخرين الخلاف على أن التناجز شرط فيبطل ما فقد فيه خاصة، أو هو ركن فإذا فقد بطل العقد جملة. وإن كان الموجود الأقل أو النصف، فقولان أيضاً:
أحدهما: النقض للكل، وسواء رضي الثاني بما وجد وتأخر الباقي أو لم يرض. وهو مذهب الكتاب. وقاله محمد وأصبغ كما قدمنا.
والثاني: أن النقص بين المتعاقدين. فإن رضي أحدهما بما أخرجه الثاني من البعض
стр. 634
وإتباع الباقي انتقض صرف المتأخر. وإن لم يرض انتقض صرف الجميع.
المسألة الثانية: أن يدخلا من الأول على قبض البعض دون البعض. فأما ما يقبض فلا شك في نقضه.
وأما المقبوض فيجري على القولين في الصفقة إذا جمعت حلالاً وحراماً، والمشهور نقضها، والشاذ إمضاء الحلال.
ومثار الخلاف: النظر إلى انحاد العقد أو إلى اختلاف حكم المعقود عليه.
المسألة الثالثة: أن يدخلا على قبض الجميع ثم يؤخران شيئاً. فإن آخرا الجل أو ماله قدر بطل الجميع على المشهور. وإن آخرا الأقل فقولان: الصحة والفساد. وقال أصبغ: لو عجز الصرف حبة فأخره بها انتقض الصرف كله.
فرع: لو صارفه بشيء ثم أودعه عنده بعد القبض، فإن كان مما يعرف بعينه كالمصوغ، أو كان مطبوعاً عليه، ولو كان مما لا يعرف بعينه صح الصرف. وإن كان مما لا يعرف بعينه غير مطبوع عليه فيفسد الصرف نظراً إلى حماية الذرائع.
القسم الثاني: في وجود النقص
وهو نوعان: نقص في المقدار، ونقض في الصفة.
أما النوع الأول: وهو النقص في المقدار. فإن قام به بطل الصرف على المنصوص. وقد تقدم الخلاف إذا قبض البعض دون البعض، فيجري عليه. وإن لم يقم به ورضيه، فإن كان كثيراً فقولان: النقض والصحة، ويتخرجان على ما تقدم. وإن كان يسيراً فقولان مرويان.
والمنع مأخوذ مما تقدم. والنظر إلى اليسارة إعطاء لها حكم التبعية. والمشهور أن الأتباع لا تراعى. وإن جمعت قلت: ثلاثة أقوال: الصحة مطلقاً. والإبطال مطلقاً. والتفرقة: فإن كان النقص يسيراً صح، وإن كان كثيراً بطل.
فرع: وكم مقدار اليسير؟
أما إن كان الصرف في دينار واحد فقولان: أحدهما أنه الدانق والثاني: أنه النقص الذي تختلف فيه الموازين.
وإن كان الصرف في أكثر من دينار (أو) النقص في (الدراهم)، فقالوا: هو أن
стр. 635
تنقص المائة درهماً، وهذه شهادة باليسارة ما هي.
فرع مرتب عليه: وهو: إذا قلنا بالنقض، فقال مالك وابن القاسم: ((ينتقض صرف دينار واحد)).
وقال ابن القاسم أيضاً في العتبية: ((ينتقض الجميع)). وقيل: ينتقض ما قابل النقص خاصة.
وقال الشيخ أبو القاسم: ((إن كان سمى لكل دينار منها ثمناً انتقض صرف دينار واحد أو دينارين (إن زاد) النقص على دينار)).
وإن لم يسم لكل دينار منها ثمناً انتقض الصرف كله. وبهذا قال القاضي أبو إسحاق وابن أبي زمنين، ومن المتأخرين القاضي أبو الوليد وأبو القاسم بن محرز.
قال بعض المتأخرين: فأعروا التسمية من الخلاف، وأجروه في الإجمال.
هذا إذا وجد النقص بعد المفارقة أو الطول، فإن وجد بالحضرة، فإن رضي بالنقص تم الصرف، وإن لم يرض ولكن أتم ناجزاً تم أيضاً. وإن اتفقا على التمام وافترقا قبل قبضه فقال أصبغ: ينتقض الصرف كله. وقال ابن القاسم: ينتقض صرف دينار خاصة.
وأما النوع الثاني، وهو النقص في الصفة، فهو أن يجد ما يرد لعينه، ولا يخلو من أن يكون مما ليس فيه من النقدين شيء كنحاس ورصاص وشبههما، أو يكون مغشوشاً.
فأما الأول فاختلف المتأخرون في إلحاقه بالمغشوش أو بالنقص في المقدار على قولين.
وأما المغشوش فإن رضي واحده به صح الصرف. وإن رده فهل يجوز البدل أو ينتقض الصرف؟ قولان: المشهور: النقض. وقال ابن وهب وجماعة من المتقدمين بجواز البدل.
ومثار الخلاف: الاختلاف في الرد بالعيب، هل هو نقض العقد من أصله فينتقض، أو نقض له عند القيام فيصح البدل؟
فروع: إذا قلنا بالنقض، فهل يختص بغير المعين؟ وأما المعين فيجوز فيه البدل بلا
следующие страницы →