Полный текст (1 311 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
درهم بل درهمان، فدرهمان). ولو قال: درهم (لا بل) ديناران، فقال (ابن سحنون): يلزمه ديناران، ويسقط الدرهم.
السابع: إذا قال يوم السبت: علي ألف، وقال ذلك يوم الأحد، لم يلزمه إلا ألف واحد، إلا أن يضيف إلى شيئين مختلفين.
ولو أشهد له في ذكر حق بمائة وفي آخر بمائة، لزمه مائتان، وقال ابن سحنون: إن قول مالك اختلف في هذا وآخر قوله: وبه أقول: أن يحلف (المقر): ما ذلك إلا مال واحد، ولا يلزمه إلا مائة.
وقال محمد بن عبد الحكم مثل ذلك. قال محمد: ولو اختلف الإقرار، فأقر له في موطن بمائة، وأشهد وفي موطن بمائتين، لزمته ثلاثمائة، وقال ابن حبيب عن أصبغ: إن كان الإقرار بالأقل أولاً صدق المطلوب أن الأقل دخل في الأكثر، وإن كان الإقرار بالأكثر أولاً فهما مالان.
الباب الثالث: في تعقب الإقرار بما يرفعه ، وله صور:
الأولى: إذا قال: علي ألف من ثمن خمر أو خنزير (أو ميتة) أو حر، لم يلزمه شيء، إلا أن يقول الطالب: بل هي من ثمن بر أو شبهه فيلزمه مع يمين الطالب. فأما لو قال: اشتريت منك خمراً بألف، فإنه لا يلزمه شيء.
ولو قال: علي ألف من ثمن عبد، ثم قال: لم أقبض العبد، فقال ابن القاسم وسحنون وغيرهما: يلزمه الثمن ولا يصدق في عدم القبض.
وقيل: القول قوله، وعلى البائع البينة أنه سلم العبد إليه. وكذلك إن قال: اشتريت منه فلان سلعة بمائة درهم ولم أقبضها منه، فالقول قوله.
ولو أقر على نفسه بمال من ثمن حرير مثلاً، ثم أقام بينة أنه ربا وإنما أقر أنه من ثمن حرير، لزمه المال بإقراره أنه من ثمن حرير، إلا أن يقيم بينة على إقرار الطالب أنه ربا.
وقال ابن سحنون: تقبل منه البينة أن ذلك ربا، ويرد إلى رأس ماله، وبالأول قال سحنون.
стр. 842
ولو قال: علي ألف لا يلزم، أو زوراً أو باطلاً، لزمه إن صدقه غريمه في الملك، وكذبه في قوله: زوراً أو باطلاً؛ وإن صدقه فيهما لم يلزمه شيء. ولو قال: علي ألف قضيته، لزمه الألف، ولا يقبل قوله في القضاء.
ولو ادعى القضاء قبل الإقرار وأقام البينة، لم تسمع دعواه ولا بينته إذ كذبهما بإقراره وإقراره أولى بالقبول من دعواه، إلا أن يقول بعد الإقرار بها: قضيتها إياه، ولم يقبل قبل الإقرار؛ فتقبل دعواه وتسمع بينته. (ولو قال: ألف إن شاء الله؛ لزمته الألف، ولم ينفعه الاستثناء).
ولو قال: له علي ألف درهم فيما أظن، فهو إقرار يلزمه. وكذلك: فيما ظننت أو فيما حسبت، أو فيما أحسب، أو فيما رأيت، أو فيما أرى.
(وقال محمد بن المواز وابن عبد الحكم: إذا قال: فيما أعلم، أو قال: في علمي، أو فيما (يحضرني) فهو شك، ولا يلزمه؛ واحتج محمد بالشهادة). ولو قال: ألف مؤجل؛ لزمه الألف على التأجيل، إذا كان الأجل غير مستنكر.
وحكى الشيخ أبو إسحاق قولاً بأن المقر له يحلف ويكون الألف حالاً.
ولو ذكر الآجل بعد الإقرار لم يقبل. ولو قال: علي ألف مؤجل من جهة القرض، قبل إلا أن يدعي الطالب أنها حالة فالقول قوله مع يمينه.
ومن كتاب ابن سحنون: ومن قال: لفلان علي مائة درهم إن حلف، أو إذا حلف، أو متى حلف، أو حين يحلف أو مع يمينه، (أو في يمينه)، أو بعد يمينه؛ فحلف فلان على ذلك ونكل المقر، وقال: ما ظننت أنه يحلف، فلا يؤخذ بذلك المقر في إجماعنا.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا قال: لفلان علي مائة إن حلف فيها، أو إن ادعاها، أو مهما حلف بالعتق، أو الطلاق، أو الصدقة، أو قال: إن حلف مطلقاً؛ فلا شيء على المقر بهذا وإن حلف الطالب.
وكذلك إن قال: استحل ذلك، وإن كان يعلم أنها له، أو قال: إن أعارني رداءه، أو دابته، فأعاره، أو قال: إن شهد بها علي فلان، فشهد بها عليه فلا شيء على المقر في هذا كله.
стр. 843
وأما إن قال: (إن) حكم بها فلان لرجل سماه، فتحاكما إليه فحكم بها عليه فيلزمه ذلك.
الصورة الثانية: إذا قال: له علي مائة درهم وديعة؛ لا تكون إلا وديعة. وإن قال: ديناً كانت ديناً. ولو قال: له قبلي، أو قال: له علي مائة درهم ديناً وديعة لزمته ديناً. ولو قال: له قبلي مائة درهم وديعة ديناً لزمته ديناً، إذ لعله تسلفها أو استهلكها.
الثالثة: (إذا قال لرجل: لك هذه الشاة، أو هذه الناقة، فإن الشاة للمقر له، ويحلف المقر ما الناقة له، فلو حلف ما له فيهما جميعاً شيء وادعى الطالب كلتيهما لم يقبل قوله في الناقة، ولا قول المقر في الشاة بل يأخذها المقر له، وتبقى الناقة في يد المقر).
الرابعة: إذا أقر أنه غصب هذا العبد من فلان، ثم قال: لا، بل من فلان: (ففي كتاب ابن سحنون: إنه يقضى بالعبد للأول بعد يمينه، ويقضى للآخر بقيمته يوم الغصب في إجماعهم).
الخامسة: قال ابن القاسم: ((من قال لرجل في ثوبين في يده: إن لك أحدهما ولا أدري أيهما هو، فإنه يقال للمقر: أحلف أنك لا تدري أن أجودهما للمقر له؛ فإن حلف قيل للمقر له: احلف أنك لا تعلم أيهما لك؛ فإن حلف كانا شريكين في الثوبين جميعاً؛ فإن نكل المقر من حلف المقر له وكانا شريكين في الثوبين، وكذلك (لو) نكلا جميعاً لكانا شريكين، إلا أن يقول المقر: لا أعرفه، ويقول المقر له: أنا أعرفه، فيؤمر بتعيينه، فإن عين أدناهما أخذه بغير يمين وإن عين أجودهما أخذه بعد أن يحلف)).
ولو قال المقر: أدناهما هو ثوبه؛ حلف، ولم يكن للمقر له غيره. ولو قال لرجل: لك علي عشرة دراهم، أو على فلان؛ فليس بإقراره، ويحلف.
قال الشيخ أبو محمد: ((وعلى أصل سحنون إن ذلك يلزمه دون فلان)).
стр. 844
السادسة: إذا استثنى عن الإقرار ما لا يستغرق صح، كقوله: علي عشرة إلا تسعة، يلزمه واحد. وقال عبد الملك: لا يصح. وعلى المشهور: ولو قال: علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية، لزمه تسعة لأن الاستثناء من النفي إثبات، كما أنه من الإثبات نفي.
وكذلك لو قال: علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحد، لزمه خمسة.
السابعة: الاستثناء من غير الجنس صحيح، كقوله: علي ألف درهم إلا ثوباً أو عبداً، أو دابة. وقيل: استثناؤه باطل، ويلزمه ما أقر به كاملاً.
وإذا فرعنا على المشهور، فيقال له: اذكر قيمة الثوب أو العبد الذي استثنيت، ثم يكون مقراً بما فضل من الألف (عن) قدر قيمته، فإن ذكر أن القيمة تستغرق الألف بطل استثناؤه ولزمه الألف.
الثامنة: الاستثناء عن العين صحيح، كقوله: هذه الدار لفلان إلا ذام البيت، والخاتم إلا الفص، وهؤلاء العبيد إلا واحداً، ثم له التعيين. وكذلك لو قال: هذه الدار لفلان وبناؤها لي؛ فهو كما قال إذا اتسق الكلام.
وكذلك: هذه الأرض لفلان ونخلها لي، نسقاً.
وكذلك: هذه الدار إلا بناءها لفلان، أو قال: هذا البستان إلا نخلة فإنها لي، فإنه يصدق في جميع ذلك.
وكذلك قال محمد بن عبد الحكم عن أشهب في قوله: غصبت هذه الدار لفلان وبناؤها لي، أو قال: بيت منها لي، أو قال في الجنة: بطانتها لي إذا اتسق الكلام؛ مثل قوله: هذا الخاتم لفلان وفصه لي.
الباب الرابع: في الإقرار بالنسب .
من هو من أهل الإقرار، إذا قال لعبده: هذا ابني؛ التحق به ما لم يكذبه الحس بأن يكون أكبر سناً منه، أو الشرع بأن يكون مشهور النسب، أو العرف بأن يستيقن الناس أنه ليس بولده، كما إذا كان الغلام سندياً والرجل فارسياً، قال مالك: فلا يلحق به. قال سحنون: ولا يكون حراً.
فلو استلحق مجهول النسب لحق به عند ابن القاسم. وقال سحنون: لا يلحق إذا لم يتقدم له نكاح ولا ملك يمين على أمة يجوز أن يكون [منها]. (ثم) حيث يلحق به، فلا
стр. 845
ينظر إلى إنكار الولد صغيراً كان أو كبيراً.
فروع: الأول: لو قال في أولاد أمته: أحدهم ولد لي وهم ثلاثة ولم تعرف عينه، فالصغير منهم حر وحده.
وقال المغيرة: يعتق الأصغر، وثلثا الأوسط، وثلث الأكبر، إذ الصغير حر على كل تقدير، والأوسط حر في وجهين رقيق في وجه، والأكبر حر على تقدير واحد عبد على تقديرين: وقال ابن عبد الحكم: يعتق جميعهم بالشك.
ولو أعتق الصغير وادعت عليه أمهم الأوسط والكبير فأنكرهما، فالقول قوله، فلو اعترف بالأوسط خاصة لزمه هو والأصغر إن ادعته الأم منه، إلا أن يدعي الاستبراء فيه، وإن اعترف بالكبير خاصة لزمه الجميع إن ادعت الأم الآخرين، إلا أن يدعي استبراء فيهما أو في أحدهما فالقول قوله، ولا يلحق به. ثم من لم يلحق به منهما كان ولد أم ولد.
الفرع الثاني: (لو ولدت زوجة رجل غلاماً وأمته غلاماً وماتا، فقال الرجل: أحدهما ابني ولا أعرفه؛ دعي لهما القافة، فمن ألحقوه به لحق به ويلحق الآخر بالآخر.
الفرع الثالث: لو نزل ضيف على رجل، وله أم ولد حامل، فولدت هي وولدت امرأة الضيف في (ليلة) صبيين، فلم تعرفر كل واحدة منهما ولدها، أو تداعتا أحدهما ونفتا الآخر، فإن القافة تدعى لهما).
وقال سحنون فيمن ولدت امرأته جارية وأمته جارية، وأشكل عليهم ولد الحرة من ولد الأمة، ومات الرجل ولم يدع عصبة تستدل بها القافة على ولد الميت، ليس في هذا قافة، ولا تكون المواريث بالشك.
وفي كتاب أحمد بن ميسر، في امرأة طرحت بنتها، ثم عادت لأخذها فوجدتها وأخرى معها، ولم تعرف بنتها منهما: فقال ابن القاسم: لا يلحق بزوجها واحدة منهما، وبه قال ابن المواز. وقال سحنون: يدعى لهما القافة. وقال عبد الملك وسحنون: لا تلحق القافة الولد إلا بأب حي، فأما إن مات الأب فلا قول للقافة في ذلك، إذ لا يعتمد على شبه غير الأب.
الفرع الرابع: (إذا أقر عند موته بأن فلانة جاريته ولدت منه، وأن ابنتها فلانة ابنته، وللأمة ابنتان أخريان، ثم مات ونسيت البينة والورثة اسمها، وأقر بذلك الورثة، فهن كلهن
стр. 846
أحرار، ولهن الميراث، ميراث واحدة من البنات، يقسم بينهن، ولا يلحقه نسب واحدة منهن). فإن لم يقر الورثة بذلك، ونسيت البينة اسمها، فلا تعتق واحدة منهن.
الفرع الخامس: إذا استلحق ولداً ثم أنكره، ثم مات الولد عن مال، فلا يأخذه المستلحق.
قال ابن القاسم: ((ويوقف ذلك المال، فإن مات هذا المستلحق صار هذا لورثته، وقضي به دينه، وإن قام غرماؤه عليه وهو حي أخذوا ذلك المال في ديونهم)).
هذا حكم الإقرار بالولد. ومتى تعداه الإقرار، مثل أن يكون بولد الولد أو بإخوة أو [بعمومه] أو غيره، فهو إقرار على (الغير) بالنسب، فلا يقبل ولا يثبت له بذلك [نسب]؛ ثم إن كان له وارث معروف لا يرث هذا منه شيئاً، وإن لم يكن له وارث معروف ولا موال غير هذا الذي أقر له، فإنه يرثه بذلك الإقرار، سواء كان ذلك في الصحة أو في المرض، إلا أن يأتي وارث معروف بالبينة، فيكون أحق بالميراث. قال سحنون ورواه عن المغيرة: إنه لا يرثه، وإن لم يكن له وارث معروف، لأن المسلمين يرثونه بذلك كالوارث المعروف، وهذا هو سبب الخلاف، (وهو) أن بيت المال كالورث المعروف المعين أم لا؟
وهذا هو سبب الخلاف (أيضاً) في تنفيذ وصية من لا وارث له إلا بيت المال بجميع ماله.
وإذا شهدت بينة، أكثر من واحد، بالعتق، ثبت الولاء، وإن شهد به شاهد واحد، ففي كتاب محمد: لا يثبت بذلك الولاء، ولكن يستأنى بالمال، فإن لم يأت من يستحقه حلف هذا ودفع إليه، وقد قضى بذلك ببلدنا. وقال أشهب: لا شيء له حتى يثبت ذلك الولاء بشاهدين.
ولو شهد شاهدان أنهما لم يزالا يسمعان فلاناً يذكر أن فلاناً ابن عمه أو مولاه، فقال ابن القاسم: هو شاهد واحد، فإن لم يكن للمال طالب غيره أخذه مع يمينه بعد الثاني، وإن كان له طالب غيره أثبت من هذا، كان أولى بالميراث. ولا يثبت للأول ها هنا نسب.
стр. 847
وروى أشهب أنه يثبت بذلك الولاء، ولكن لا يعجل، فلعل أحداً يأتي بأولى (من ذلك).
وأما الوارث يقر بوارث آخر معه يشاركه فإن ذلك على ما ذكرناه يثبت له الإرث (ولا يثبت له النسب).
فلو أقر ولد الميت بولد آخر لم يثبت نسبه وإن لم يكن له وارث سواه، لكن يقسم المال بينهما على (السوية) إن كانا من جنس واحد، وعلى التفاضل إن كانا من جنسين.
فإذا كانا ابنين فأقر أحدهما بثالث، فإن وافقه الثاني اقتسموا المال بينهم أثلاثاً، وإن لم يصدقه الآخر أعطاه المقر مما بيده ما زادته القسمة على الإنكار عن القسمة على الإقرار. وإن كان المقر عدلاً أخذ باقي نصيبه من المنكر بعد يمين المقر له.
ولو شهدا جميعاً بالنسب وكانا عدلين، ثبت نسبه وورث معهما.
ولو ترك ولداً واحداً فقال لأحد شخصين: هذا أخي، لا بل هذا الآخر: فللأول نصف ما ورث عن أبيه، واختلف فيما يأخذه الثاني منه، فقيل: له نصف ما بقي في يده.
وقيل: له جميعه، لأنه أتلف عليه مورثه.
ولو ترك أماً وأخاً، فأقرت بأخ آخر، فإنها تخرج نصف ما في يديها، وهو السدس، فيأخذه الأخ المقر له وحده. قال محمد: وهو قوله في موطئه، وعليه الجماعة من أصحابه.
وقال أيضاً في رواية أخرى: يقتسمه هو وأخوه.
стр. 848
كتاب الوديعة
وحقيقتها: استنابة حفظ المال. وهي عقد أمانة، وهو جائز من الجهتين.
ولا يشترط في المودع والمودع إلا ما يشترط في الوكيل والموكل. ومن أودع عند صبي شيئاً بإذن أهله أو بغير (إذنهم) فأتلفه الصبي أو ضيعه لم يضمن، لأنه مسلط عليه، كما لو أقرضه أو باعه. وكذلك السفيه.
وأما العبد فلا يتعلق الضمان برقبته إذا أودع فأتلف، لكن يتعلق بذمته، إلا أن يسقطه السيد عنه، ما لم يكن مأذوناً فلا يكون له إسقاطه. وقال بعض أصحابنا: إن استهلكها فهي جناية في رقبته كسائر الجنايات.
وقال أشهب في غير المأذون: إن كان مثله يستودع فهي في ذمته رق أو عتق، وإن كان مثله وغداً لا يستودع فلا شيء عليه في رقه، رد ذلك السيد عنه أو لم يرد، حتى يلي نفسه بالعتق. قال الشيخ أبو محمد: ((يريد فيتبع)). قال: ((وأنكرها سحنون)). (ثم) للوديعة عاقبتان: ضمان عند التلف، ورد عند البقاء. أما الضمان فلا يجب إلا عند التقصير.
وللتقصير سبعة أسباب.
الأول: أن يودع عند غيره لغير عذر، فإن فعل ذلك ثم استردها لم يضمن بعد ذلك، كرده لما تسلف منها. وله أن يودع عند العجز عند الرد إلى المالك، لخوف عورة منزله أو لسفره إذا أودعها في الحضر، إذ لو سافر بها مع القدرة على إيداعها عند أمين [لضمن]. فإن سافر بها عند العجز عن ذلك كما لو كان في قرية مثلاً لم يضمن.
وكذلك لو أودع الأرض ما استودع، وكان ذلك جهده، فهو حرز لا يضمن ما ضاع منه.
стр. 849
وكذلك رفعه الوديعة عند زوجته أو خادمه التي عادته أن يرفع عندها متاعه، أو أجبره في عياله، لا يضمن به لأنه شأن الناس. وقال أشهب: إن أودع إلى عبده أو أمته ضمن. وكذلك أجبره في عياله.
ومن أودع في السفر، فأودع (ضمن)، بخلاف الحاضر يسافر. ومن مات وعنده وديعة لم يوص بها ولم توجد في تركته أخذت من ماله.
الثاني: نقل الوديعة، فإن نقلها من بلد إلى بلد ضمن. قال مالك في امرأة ماتت بالإسكندرية [فكتب] وصيها إلى ورثتها وهم ببلد آخر، فلم يأته منهم خبر، فخرج بتركتها إليهم فهلكت في الطريق فهو ضامن.
قال أشهب وعبد الملك: وأما إن استودع جراراً فيها أدام، أو قوارير فيها دهن، فنقلها من موضع في بيته إلى موضع، فتكسرت في ذلك فلا يضمن.
ولو سقط عليها من يده شيء فانكسرت، أو رمى في بيته وهو يرد إصابة غيرها، فأصابها فانكسرت، ضمن لأنها جناية لم تتعمد. (قال) أشهب في كتابه: ولو سقطت من يده فانكسرت لم يضمن.
الثالث: خلط الوديعة بما لا تتميز عنه مما هو غير مماثل لها، كخلط القمح بالشعير وشبهه. (فأما) خلطها بجنسها المماثل لها جودة ورداءة، كحنطة بمثلها، أو ذهب بمثلها، أو بما تتميز عنه ولا تختلط به، كذهب بورق، فلا يضمن ذلك.
الرابع: الانتفاع. فإذا لبس الثوب أو ركب الدابة فهلكت في حال الانتفاع ضمن. وكذلك إن سلف الدنانير والدراهم أو غيرهما مما يكال أو يوزن، فهلك في حال تصرفه فيه. ولو رد مثلها مكانها ثم هلك المثل، فقال يحيى بن عمر: اختلف قول مالك في الذي ينفق من وديعة عنده شيئاً، ثم يرده، فقال: لا شيء عليه. وأخذ بهذا ابن القاسم وابن عبد الحكم وأشهب وأصبغ. وقال أيضاً: إن ردها بإشهاد برئ، وإلا لم يبرأ. وبهذا أخذ ابن وهب.
وقال أيضاً: لا يبرأ وإن أشهد، لأنه دين ثبت في ذمته. وهذا قول أهل المدينة من أصحابه، وروايتهم عنه، ورواه المصريون ولم يقولوا به. وقال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: إن كانت مربوطة أو مختومة لم يبرأ إلا بردها إلى ربها. وإن تسلف بعضها ضمن جميعها، لأنه متعد في حلها. وكذلك إن أخذ الدراهم ليصرفها في حاجته ضمن.
стр. 850
ولو استودعها منثورة فتسلف منها ثم تلقت، لم يضمن غير ما تسلف. وهو مصدق في رد ما تسلف منها، ولو تلفت بعد أن ردها لم يضمن شيئاً. وفي كتاب الشيخ أبي إسحاق: من أودع وديعة، وقيل له: تسلف منها إن شئت، فتسلف منها وقال: رددتها؛ فهذا لا يبرئه رده إياها إلا إلى ربها، لأن هذا مقترض لم يؤد ما اقترض.
وأما ما لا مثل له من الثياب والحيوان وسائر العروض فلو تسلفه ثم رد مثله وفي صفته لم يبرأ، مذهباً واحداً. واختلف في تسلف الوديعة فمذهب الكتاب: ((الكراهة)). وروى أشهب: إن كان له مال فيه وفاء وأشهد على ذلك، فأرجو أن لا بأس به. هذا حكم تسلفها إذا كانت دنانير أو دراهم، وهو ملي.
فأما إن كانت عروضاً فلا يجوز بوجه و (أما) إن كانت مما يكال أو يوزن، ولا يكثر الاختلاف فيه، كالطعام ونحوه، فهل يلحق بالنقود أو بالعروض التي تختلف آحادها؟ قولان.
ولو كان معدماً لم يكن له أن يتسلفها بوجه.
الخامس: المخالفة في كيفية الحفظ. فلو سلم إليه صندوقاً، وشرط عليه ألا يقفل عليه قفلاً (ففعل)، ضمن للشهرة. ولو قال له: أقفل قفلاً واحداً، فقفل قفلين لم يضمن إلا أن يكون في حالة أغرى عليه اللص فيضمن. ولو شرط أن يجعل الوديعة في جرة فخار فجعلها في نحاس ضمن (لأنه) شهرها. (وقيل): لأنه خالف إلى ما يقصد لسرقته. ولو شرط عليه أن يجعلها في نحاس، فجعلها في فخار لم يضمن. ولو سلم إليه دراهم وقال له: اربطها في كمك، فأخذها في يده، فأخذها غاصب في يده لم يضمن، لأن اليد أحرزها هنا، إلا أن يكون أراد إخفاءها عن عين الغاصب، فرآها لما تركا فيضمن، ولو جعلها في جيب قميصه فضاعت، فقال الشيخ أبي إسحاق: يضمن؛ وقيل: لا يضمن والأول أحوط.
السادس: التضييع والإتلاف. وذلك بأن [يلقيها] في مضيعة، أو يدل [عليها] سارقاً، أو يسعى بها إلى من يصادرها فيضمن. ولو ضيعها بالنسيان، بأن تركها في موضع إيداعها ضمنها.
стр. 851
(ومن أودع بقراً أو أتناً أو نوقاً، فأنزى عليهن، فمتن من الولادة، أو كانت أمة فزوجها، فحملت فماتت من الولادة فهو ضامن، وكذلك لو عطيت تحت الفحل). (وقال أشهب: لا يضمن لأنه فعل صلاح، وكذلك لا يضمن الجواري). وأنكر يحيى بن عمر قول أشهب في الجواري. قال ابن القاسم: ((ويضمن ما نقص التزويج الأمة إن سلمت)).
السابع: الجحود. وهو مع غير المالك غير مضمن، (ومع المالك بعد المطالبة والتمكن من الرد مضمن). ومهما جحد فالقول قوله. فإن أقيمت (عليه) البينة، فادعى الرد من قبل، فإن كانت صيغة جحوده إنكار أصل الوديعة لم يقبل قوله بغير بينة، وفي قبوله مع البينة خلاف؛ المشهور نفيه لتناقض كلامه. وإن كانت صيغة جحوده: لا يلزمني تسليم شيء إليك، قبل قوله في الرد والتلف، إذ لا تناقض بين كلاميه.
العاقبة الثانية في الوديعة، رد العين عند بقائها، وهي واجبة مهما طلب المالك وانتفى العذر. (قال أصبغ: قال ابن القاسم فيمن طلب وديعة فاعتذر له المودع بشغل فلم يقبل عذره وتشاحا، فحلف لا يعطيه الليلة، فلما كان في غد قال: قد ذهبت؛ فإن قال: ذهبت قبل أن تلقاني، ضمن، لأنه أقر بها؛ وإن قال: لا أدري متى ذهبت، حلف ولا ضمان عليه.
قال أصبغ: ويحلف: ما علم بذلك حين منعه. قال ابن القاسم: وإن قال: ذهبت بعدما حلفت وفارقتك، ضمنها لأنه منعه إياها، إلا أن يكون كان على أمر لا يستطيع فيه أن يرجع، أو يكون عليه فيه ضرر فلا يضمن.
قال أصبغ: لا يضمن، كان في أمر حفزه عليه فيه ضرر (أو لم يكن فيه ضرر)، إذا لم يكن الأمر يمكنه بما لا طول عليه فيه عند بابه أو في يده، وما ليس فيه بحث ولا فتح ولا غلق ولا استخراج ولا أمر ينتظر فيه رجوع، فإن جاء مثل هذا فهو ضامن بمنعه، وإلا لم يضمن؛ وقد يعوق الناس عائق، وقد يثقل عليه في وقت يرد الناس مثل هذا من شغل وكسل وما يعذرون به فليحلف ويبرأ).
وقال محمد بن عبد الكريم: ((إذا طلبه في وديعته فقال: أنا مشغول إلى غد ترجع فرجع إليه، فقال: تلفت قبل مجيئك الأول، أو بعده، فلا ضمان عليه. ولو قال له: لا أدفعها إليك
стр. 852
إلا بالسلطان، وترافعا إليه، فضاعت بين سؤاله إياه وبين إتيانه السلطان، فلا ضمان عليه، لأن له في ذلك عذراً، يقول: خفت شغبه وأذاه)).
وروى أبو زيد عن ابن القاسم، ((في رب الوديعة يطلبها، فيأبى المودع أن يدفعها حتى يأتي السلطان فيقضي عليه بالدفع، فهلكت الوديعة قبل القضية وبعد الطلب: أنه إن كان دفع إليه بغير بينة فهو ضامن)).
قال ابن القاسم: من طلبت منه وديعة فقال: ضاعت منذ سنين إلا أني كنت أرجو أن (أجدها) وأطلبها؛ ولم يكن يذكر هذا وصاحبها حاضر، قال: هو مصدق ولا ضمان عليه إلا أن تكون قد طلبت منه، فأقر أنها عنده ثم قال: قد ضاعت قبل ذلك فيضمن؛ وكذلك القراض.
وقال أصبغ: بل هو ضامن إذا لم يعرف (منه) طلب لها ولا ذكر لصاحبها ولا لغيره ولا سماع وحضور ربها آكد، وكل سواء، إذا طال ذلك، ولم يكن له ذكر.
وقال محمد بن عبد الحكم: أصحابنا يقولون: إن سمع ذلك منه قبل ذلك الوقت الذي سئلها فيه قبل منه، وإن لم يسمع ذلك منه إلا ذلك الوقت لم يقبل منه. قال محمد: وأنا أرى أن يحلف، ولا شيء عليه.
فروع أربعة:
الفرع الأول: إذا طولب المودع بالرد فادعى التلف، فالقول قوله مع يمينه، وكذلك إن ادعى الرد، إلا أن يكون تسلمها ببينة فلا يقبل دعواه الرد إلا ببينة.
وقيل عن ابن القاسم: ((إن القول قول المودع في الرد وإن قبضها ببينة يبرأ)).
وقال أصبغ في العتبية ((في الوديعة يطلبها ربها، فيقول المودع: لا أدري أضاعت مني أو رددتها إليك، فلا ضمان عليه، لأنه ذكر أمرين وهو مصدق فيهما، إلا أن يأخذها ببينة فلا يبرأ حتى يقيم بينة أنه ردها إليه، وإلا ضمن)).
وقال عبد الله بن عبد الحكم: لو قال المودع لربها: إن كنت دفعت لي شيئاً فقد ضاع، وقد قبض الوديعة ببينة، فليس عليه إلا يمينه.
стр. 853
وقال أبو الحسن اللخمي: ((إن كان الإشهاد للتوثيق فلا تقبل دعواه الرد إلا ببينة، وإن كان خوف الموت، أو باستدعاء المودع خوفاً أن يقال: هي سلف، كان القول قوله في (الرد بغير بينة)؛ فأما دعواه الرد على غير من ائتمنه كدعوى الرد على وارث المالك أو وكيله، فلا يقبل إلا ببينة، وكذلك دعوى وارث المودع على المالك يفتقر إلى البينة أيضاً، وسواء كان القبض في جميع هذه الصور الثلاث ببينة أو بغير بينة)).
الفرع الثاني: [ إذا] ادعى رجلان وديعة عنده فقال: هي لأحدكما وقد نسبت عينه، فقيل: يتحالفان، فإن حلفا قسمت بينهما، وإن نكل أحدهما انفرد بها الحالف ولا ضمان عليه. وقيل: يضمن لكل (واحد منهما) ما ادعاه لنسيانه. قال الشيخ أبو إسحاق: الاختيار إغرامه، وبالآخر يقول أشهب. وقد قاله ابن القاسم مرة أخرى.
الفرع الثالث: إذا طلب المودع عند الرد أجراً على حفظ الوديعة لم يكن له، إلا أن تكون مما يشغل منزله فيطلب أجرة الموضع الذي كانت فيه فذلك له. وإن احتاجت إلى غلق أو قفل، فذلك على ربها.
الفرع الرابع: إذا أودع وديعة لشخص فخانه وجحده، ثم استودعه مثلها، فهل يحل له أن يجحده فيها أم لا؟. قال الشيخ أبو الوليد: ((في المسألة خمسة أقوال:
الأول: المنع. وإشارته به إلى رواية ابن القاسم في الكتاب: ((لا يفعل)).
والثاني: الكراهة، وإشارته به إلى رواية أشهب: لا آمره بذلك، ولا آمره إلا بطاعة الله، وإن أردت أن تفعله فأنت أعلم.
والثالث: الإباحة، وإشارته به إلى قول ابن عبد الحكم، إذ قال له: أن يأخذه إن كان عليه دين.
والرابع: الاستحباب، وإشارته (به) إلى ما حكاه عن ابن الماجشون من قوله: أرى له استعمال الحيلة بكل ما يقدر عليه حتى يأخذ حقه.
стр. 854
والخامس: أن هذا كله إذا لم يكن عليه دين، فإن كان لم يكن له أن يأخذ إلا قدر ما يجب له في المحاصة)).
قال الشيخ أبو الوليد: والأظهر إباحة الأخذ، واستدل لذلك بحديث هند بنت عتبة)).
تم بعون الله الجزء الثاني من كتاب عقد الجواهر الثمينة
ويليه الجزء الثالث
وأوله كتاب العراية
تم بحمد الله
стр. 855
كتاب العارية
(العارية: تمليك منافع العين بغير عوض. وهي مندوب إليها)
والنظر في أركانها ، وأحكامها، وفصل الخصومة فيها.
أما الأركان فأربعة:
الأول: المعير، ولا يعتبر فيه إلا كونه مالكًا للمنفعة، غير محجور في التبرع، فإن العارية تبرع بالمنافع، فتصح من المستعير والمستأجر.
الثاني: المستعير، ولا يعتبر فيه إلا كونه أهلاً للتبرع عليه.
الثالث: المستعار، وله شرطان:
الأول: أن يكون منتفعًا به مع بقائه، فلا معنى لإعارة الأطعمة وغيرها من المكيلات والموزونات، وإنما تكون قرضًا، لأنها لا تراد إلا لاستهلاك أعيانها. وكذلك الدنانير والدراهم إذا أخذت ليتصرف فيها.
قال أبو الحسن اللخمي: "لو استعيرت لتبقى أعيانها، كالصيرفي يجعلها بين يديه ليرى أنه ذو مال فيقصده البائع والمشتري، أو الرجل يكون عليه دين ويقل ما فيه يديه فيستعيرها لذلك، قال: "فهذه تضمن إذا لم تقم البينة على تلفها، ولا تضمن مع الشهادة على ذهابها".
الشرط الثاني: أن يكون الانتفاع مباحًا، فلا تستعار الجواري للاستمتاع. ويكره استخدام الإماء إلا من المحرم أو النسوان، أو لمن لم يبلغ الإصابة من الصبيان. ولا يجوز استخدام أحد الأبوين بالعارية، بل تكون منافعها لهما تلك المدة دون ولدهما. ولا يعار العبد المسلم من الكافر.
стр. 856
الركن الرابع: ما به تكون الإعارة من قول أو فعل. وهو كل ما كان من ذلك يدل على تمليك المنفعة بغير عوض. فأما لو قال: أعني بغلامك أو ثورك في حرثي يومًا أو يومين، وأعينك بغلامي أو ثوري يومًا أو يوماً أو يومين؛ فليس بعارية بل ترجع إلى حكم الإجارة، لكن أجازه ابن القاسم ورآه من الرفق.
ولو قال: اغسل هذا الثوب، فهو استعارة لبدنه لأجل العمل، فإن كان الغاسل ممن يعمل بالأجرة اعتيادًا استحقها.
وكل ما كان من هذا القبيل فحكمه حكم الإجارة في الصحة والفساد.
وأما أحكامها فأربعة:
الأول: الضمان.
والعارية في ضمان صاحبها إن تحقق هلاكها من غير تعد ولا تفريط من جانب المستعير إلا أنها نوعان:
نوع يظهر هلاكه ولا يكاد يخفى، كالرباع والحيوان، فهذا النوع يقبل قول المستعير في هلاكه، ما لم يظهر كذبه وإن لم يعلم ذلك إلا بقوله.
والنوع الثاني: يخفى هلاكه ويغاب عليه، وهذا النوع لا يقبل قول المستعير في هلاكه ما لم تقم بينة به، فإن قامت فلا ضمان عليه فيه. وكذلك ما علم أنه يغير سببه كالسوس في الثوب صدقة فيه في كتاب محمد مع يمينه: أنه ما أضاعه ولا أراد فسادًا. قال أبو إسحاق التونسي: وكذلك الفأر (على هذا) يقرض الثوب.
ووافق أشهب وابن عبد الحكم في النوع الأول، وخالفا في الثاني، فرأيا أنه مضمون على المستعير على كل تقدير، قامت بينة بهلاكه أم لا. وتمسكًا في ذلك بظاهر الحديث، وبأنه قبضها على الضمان فلا ينتقل حكمه.
стр. 857
قال القاضي أبو محمد: "والصحيح أنه لا يضمن".
وقال الشيخ أبو إسحاق: العارية مضمونة على مستعيرها حتى يردها إلى معيرها. قال: وإنما تضمن الرقبة، لا ما نقص بالاستعمال المأذون فيه، إن أصيبت أو أصيب شيء منها غير ما أذن في استعماله من النقص بعد القدر الذي أطلق له الاستعمال فيه، ويضمن منها ما كان حيوانًا [أو] غيره ما لم يكن هلاكه بسبب ظاهر من أسباب السماء لم يكن هو سببه، قال: وفي هذا اختلاف.
واختلف في الانتفاع باشتراط إسقاط الضمان فيما يضم، أو إثباته فيما لا يضمن هل ينتفع به أم لا؟.
والمستعير من المستأجر لا يضمن إلا من حيث يضمن المستعير من المالك. والمستعير من الغاصب يضمن إذا تلفت العارية تحت يده.
فرع: لو أتى بالسيف المستعار مكسوراً وذكر أنه انكسر في الضرب به، أو الفأس يأتي به مكسوراً ويقول: انكسر في استعماله فيما أذن لي بالعارية في استعماله فيه، فقال ابن القاسم: "لا يقبل قوله إلا أن تقوم له بينة في اللقاء بالسيف فيصدق".
وقال سحنون: "لا يصدق (حتى تقول) البينة: إنه ضرب به ضربًا يجوز له".
وقال عيسى: يصدق إذا جاء به مكسوراً، وقد أذن له في العمل به ما (لم) يمكن إذا عمل به أن ينكسر، مثل السيف والفأس".
الحكم الثاني: في (التسلط) على الانتفاع: وهو بقدر التسليط، فإن أذن له في زراعة الحنطة لم يزرع ما ضرره مثل ضررها أو أدنى، إلا إذا نهاه. ولو أعار الأرض ولم.
стр. 858
يعين صح وزرع فيها ما العادة زرعه فيها. وكذلك الحكم في سائر الأعيان المستعارة.
الحكم الثالث للعارية: اللزوم.
ومتى كانت إلى أجل معلوم أو كان لها قدر معلوم، كعارية الدابة إلى موضع كذا، أو العبد ليبني بناء أو ليخيط له ثوبًان فهي له لازمة كهبة الرقاب. فإن لم يضرب أجلاً ولا كان لها مدة انقضاء فهي لازمة أيضًا بالقول والقبول، وليس له الرجوع فيها، ويلزمه إبقاؤها مدة ينتفع بها فيها الانتفاع المعتاد بمثلها عند استعارتها.
وقال أشهب: المعير بالخيار في تسليم ذلك أو إمساكه ثم إن سلمه كان له أن يسترده وإن قرب.
وقال القاضي أبو الفرج: أرى ما روي من وجوب العارية بالقول دون الإقباض إنما هو فيما عدا الأرضين.
فرع: إذا أعار للبناء أو (للغرس) كان له أن يخرجه بعد فراغ المدة المشترطة أو المعتادة على ما تقدم، وله أن يعطيه ما أنفق (وقيل قيمة ما أنفق) قبل فراغ المدة المعتادة ويخرجه. وليس له إخراجه في المدة المشترطة.
وروى الدمياطي عن ابن القاسم: "إنه ليس له إخراجه قبل فراغ المدة المعتادة، كما في المدة المشترطة. وله بعد فراغ كل واحدة من المدتين أن يدفع له قيمة البناء أو الغرس مقلوعًا إن شاء، أو يأمره بقلع بنيانه وغرسه وإخلاء عرصته من ذلك، اللهم إلا أن يكون ما لا قيمة له (من ذلك) بعد (النقض)، فلا يكون (للثاني) فيه شيء. ثم إذا اختار دفع القيمة فله أن يقتطع أجر القلع وإخلاء العرصة من النقض، ما لم يكن ذلك بغير أجر، أو يلي هو ذلك بنفسه".
الحكم الرابع: فصل الخصومة. وفيه فروع:
الأول: (إذا قال راكب الدابة لمالكها: أعرتنيها، وقال ربها: بل أجرتكها، فالقول قول
стр. 859
المالك مع يمينه، إلا أن يكون ممن لا يشبهه ذلك لعلو قدره وكبر منصبه وغيره، فيكون القول قول الراكب مع يمينه). وكذلك لو تنازع زارع الأرض ومالكها في إعارتها وإجارتها لكان الحكم ما تقدم، وكذلك لو قال: بل (غصبتها).
الثاني: إذا اتفقنا على العارية، واختلفا في الموضع الذي وقعت (إليه) فقال المعير: إلى طرابلس وقال المستعير: إلى مصر، فإن لم يركب أو ركب إلى طرابلس خاصة فالقول قول المعير ويخلف، إذ هو مدعى عليه. وأما إن بلغ مصر فقال ابن القاسم: "القول قول المستعير".
وقال أشهب: القول قول المستعير في طرح ضمان الدابة إن هلكت، والقول قول المعير في الكراء، لأنه لا يؤخذ بغير ما أقر به.
الثالث: (من بعث رسولاً إلى رجل يعيره دابته إلى برقة، (فأعاره، فركبها إلى برقة)، فعطبت، فقال المعير: إنما [أعرته] إلى فلسطين؛ وقال الرسول: بل إلى برقة؛ فشهادة الرسول ها هنا لا تجوز للمستعير ولا عليه، لأنه إنما يشهد على فعل نفسه. ويحلف المستعير: أنه ما [استعارها] إلا إلى برقة، ويسقط عنه الضمان، ويحلف رب الدابة: ما أعاره إلا إلى فلسطين، (ويكن له على المستعير فضل ما بين كراء برقة على كراء فلسطين).
الرابع: (لو قال المستعير للرسول: استعر لي دابة فلان إلى برقة؛ فمضى إليه فقال له: يقول لك فلان تعيره دابتك إلى فلسطين فأعاره، فركبها المستعير ولا يدري، فعطبت، فإن أقر الرسول بالكذب فهو ضامن لها، وإن قالت: بذلك أمرني، وأكذب (المستعير)، فلا يكون.
стр. 860
(الرسول) ها هنا شاهدًا، لأنه خصم والمستعير ضام، إلا أن يأتي ببينة أنه إنما أمره إلى برقة. وقال غيره: رب الدابة مدع بتضمين المستعير. قال أشهب: يحلف الراكب: ما أمره إلا إلى برقة ويحلف ربها: ما أعارها إلا إلى فلسطين؛ ثم يغرم الراكب كراء ما برقة وفلسطين. ولو أقر الرسول بالتعدي لضمن الدابة لربها).
الخامس: إذا اختلفا في رد العارية فالقول قول المعير عند ابن القاسم في كل ما لا يصدق المستعير في ضياعه.
الخامس: إذا اختلفا في رد العارية فالقول قول المعير عند ابن القاسم في كل مالا يصدق المستعير في ضياعه.
قال في كتاب محمد: وسواء أخذه ببينة أو بغير بينة، ولا يقبل قوله في الرد إلا ببينة. قال محمد: وكل من يقبل قوله في التلف يقبل قوله في الرد.
وقال ابن حارث: كل دافع دفع مالاً إلى غير من دفعه إليه فلا يبرئه منه إلا البينة التي تشهد له بالدفع، وإلا فهو ضامن، كان في الأصل ضامنًا أو مؤتمنًا. إن دفعه إلى دافعه إليه، فإن كان لذلك المال ضامنًا من قبل فلا يبرئه أيضًا منه إلا البينة، وإن لم يكن له ضامنًا فالقول قوله إذا كان قميصه بغير بينة، فإن كان قبضه ببينة فلا يبرأ إلا بالبينة.
стр. 861
كتاب الغصب
قال الشيخ أبو الوليد "الغصب أخذ المال بغير حق على وجه القهر والغلبة من غير حرابة". ولا خفاء بأنه عدوان، وهو سبب لضمان المغصوب، وعقوبة الغاصب المكلف بالأدب والسجن بقدر اجتهاد الحاكم. وقيل: يؤدب غير البالغ كما يؤديه المؤدب في المكتب، ويؤخذ بحق المغصوب منه.
واختلف فيما أتلفه الصغير الذي لا يعقل، فقيل: ما أصابه من دم أو مال مهدر، كالعجماء؛ وقيل: ما أصابه من الأموال في ماله، ومن الدماء على عاقلته، إن بلغ الثلث كالخطإ؛ وقيل: الأموال مهدرة، والدماء على العاقلة كالمجنون.
ثم النظر في الكتاب يحصره بابان:
الباب الأول: في الضمان . والنظر فيه في ثلاثة أركان: الموجب، والموجب فيه، والواجب.
الركن الأول: الموجب، وهو ثلاثة: التفويت بالمباشرة، أو بالتسبب، أو بإثبات اليد العادية.
وحد المباشرة: اكتساب علة التلف كالقتل، والأكل (والإحراق) ونعني بالعلة ما يقال من حيث العادة أن الهلاك حصل به، كما (يقال) حصل بالأكل والقتل والإحراق
стр. 862
وحد السبب: اكتساب ما يحصل الهلاك عنده، لكن بعلة أخرى، إذا كان السبب هو الميئ لوقوع الفعل بتلك العلة. فيجب الضمان على المكره على إتلاف المال، والإكراه سبب؛ وعلى من حفر بئرًا في محل عدوان، فتردت فيه بهيمة أو إنسان؛ فإن (رداه) غيره فعلى المردي تقديمًا للمباشرة على التسبب. ولو فتح قفص طائر غيره بغير إذنه فطار حتى لم يقدر عليه، أو حل دابة من مربطها فهربت، أو عبدًا مقيدًا خوف الهرب فهرب، ضمن في جميع ذلك، لأن فعله سبب الإتلاف، وسواء كان الطيران والهرب عقب الفتح والحل أو بعد مهلة. وكذلك السارق يترك الباب مفتوحًا وما الدار من أحد، فيذهب منها بشيء. فأما من فتح باب دار فيه ادواب فهبت، فإن لم يكن فيها أربابها ضمن، وإن كانوا فيها لم يضمن.
وقال أشهب: إن كانت الدواب التي ف يالدار (مسرحة) ضمنها وإن كان رب الدار فيها.
وأما إثبات اليد العادية فهو مضمن؛ إلا أنه إذا كان بالقهر والغلبة سمي غصبًا، وإذا جحد المودع فهو في حالة الجحود متعد. وإثبات اليد في المنقول بالنقل إلا في الدابة فيكفي فيها الركوب.
ويثبت الغصب في العقار بالدخول وإزعاج المالك، وبالاستيلاء (على العقار) وإن لم يكن. فأما لو غصب السكنى فقط فانهدمت الدار إلا موضع مسكنه لم يضمن، ولو انهدم مسكنه لغرم قيمته.
ومهما أتلف الآخذ من الغاصب فالضمان عليه، حتى لو كان مغرورًا، كما لو قدم [الطعام للضيف فأكله ظنًا منه أنه ملك المقدم لضمن بالأكل وكذلك لو قدم] الغاصب الطعام إلى المالك فأكله مع الجهل بحاله، فإن الغاصب يبرأ من الضان، بل لو أكرهه على أكله فأكله كرهًا لبرئ الغاصب.
الركن الثاني في الموجب فيه، وهي الأموال: وتنقسم إلى العين والمنفعة.
стр. 863
أما العين فتنقسم إلى الحيوان وغيره. فالحيوان كله، الرقيق وغيره، يضمن عند التلف بقيمته يوم الغصب. وقال ابن وهب وأشهب وعبد الملك بن عبد العزيز: يضمن بأرفع القيم ما بين زمني الغصب والتلف. واختاره الشيخ أبو إسحاق.
وعند الإتلاف يخير ربه بين قيمته يوم الغصب أو يوم الجناية من الجاني إن كان غير الغاصب، وكذلك إن كان الغاصب على المشهور. فلو قطع إحدى يدي العبد كان ربه مخيرًا بين أن يأخذ الغاصب بقيمته يوم الغصب ويتركه له، وبين أن يأخذه ويأخذ أرش النقصان.
وقال أشهب وسحنون: ربه بالخيار بين أخذه بغير أرش وبين أخذ قيمته يوم الغصب. وكذلك عين الفرس والبقرة وما أشبه ذلك.
وأما الجمادات: فكل متمول معصوم لصاحبه مضمون، فلا تضمن الخمر للمسلم، وتضمن للذمي. وقال ابن الماجشون وأحمد بن المعذل: لا تضمن لمسلم ولا ذمي. ولا يضمن ما نقض من الملاهي بكسرها وتغييرها عن حالها، إذ يجب ذلك. ويضمن جلد الميتة بعد الدباغ، وقبله أيضًا، عند ابن القاسم وأشهب. وروى القاضي أبو الفرج: أنه لا يضمن. (وقال القاضي أبو إسحاق: إلا أن يكون لمجوسي. وقاله ابن القاسم أيضًا).
وخرجه القاضي أبو الفرج على قول مالك في مسألة ضمان الخمر للذمي. والمستولدة والمدبر والمكاتب في الضمان كالعبد القن. وقال سحنون، لا تضمن المستولدة بمجرد وضع اليد عليها وإن ضمنت بالجناية. ويضمن الكلب المأذون في اتخاذه.
وأما منفعة الأعيان فلا تضمن بالفوات تحت اليد العادية عند ابن القاسم. (وقال مطرف وابن الماجشون وأشهب وابن عبد الحكم وأصبغ في كتاب ابن حبيب: عليه الكراء إذا أغلق الدار، وبور الأرض، ولم يستخدم العبد، ووقف الدالة.
وقال ابن حبيب: إذا باع الغاصب أو وهب غرم الغلة التي اغتل المشتري والموهوب له] ٨٦٥].
[
стр. 864
فإن كان الغاصب معسرًا رجع المغصوب منه على الموهوب له إن كان حيًا أو على وارثه إن كان ميتًا، ولم يرجع على المشتري.
قال أبو لحسن اللخمي: "وهذا مثل القول: إنه يغرم غلة الدار وإن أغلقها، لأن كليهما إنما يغرم ما حرم ربها من تلك الغلات (بغصبه)، لأن المسلط للمشتري والموهوب له.
وأما التفويت فاختلف الرواية في حكمه، فروى أشهب وعلي بن زياد أن الغلة مضمونة من أي صنف كان المغصوب حيوانًا أو ربعًا أو غير ذلك، سكن أو أجر.
وذكر القاضي أبو الحسن عكسها، "وهو أنها لا تضمن على الإطلاق".
وروى ابن القاسم: أن الغاصب يضمن غلة الرباع والإبل والغنم، ولا يغرم غلة العبيد والدواب. وقال أيضًا يغرم ما استعمل.
وقال ابن المعذل: يغرم غلة ما لا يسرع إليه التغير كالدور والأرضين و (النخل)، ولا يغرم غلة ما يسرع إليه التغيير) كالعبيد والحيوان.
وقال القاضي أبو بكر: "الصحيح أن المنافع مال وأنها مضمونة، سواء تلفت تحت اليد العادية أو أتلفها المعتدي"، فأما منفعة البضع فلا تضمن إلا بالتفويت، فعليه في الحرة صداق المثل، بكرًا كانت أو ثيبًا، وأما الأمة فعليه ما نقصها، وكذلك منفعة بدن الحر لا تضمن إلا بالتفويت.
فرعان: الأول: (قال محمد: إذا غصب داراً خربة لا يقدر على سكناها حتى يصلحها، فسقف فيها وحفر وردم وأصلح حتى سكن، وأغلت غلة كثيرة، فلربها أخذها مصلحة، وأخذ ما اغتل منها، وكراء ما سكن، ولم يكن عليه مما أصلح شيء إلا قيمة ما لو نزعه لكان له قيمة".
(وإن غصب مركبًا خربًا لا يقدر على استعماله إلا بإصلاحه فعمره وأعده لحوائجه ثم اغتل غلة، كان جميع الغلة المستحقة، ولا غرم عليه في شيء مما أنفقه، إلا مثل صاري أو.
стр. 865
رجل أو حبل). قال: وأصبغ يذهب في ذلك إلى قول أشهب، ولم يعجبني. قال أبو الحسن اللخمي: "وقول أشهب أبين، فيقوم الأصل قبل إصلاحه فينظر ما يؤاجر به ممن يصلحه فيغرمه، وما زاد على ذلك فللغاصب".
قال: "ولا أعلمهم اختلفوا فيمن غصب أرضًا فبناها، ثم سكن واستغل: أنه لا يغرم سوى غلة القاعة".
الفرع الثاني: حيث ألزمنا الغاصب رد الغلات، فهل يرجع بما أنفق على العبد والدابة وبالسقي والعلاج أم لا".
قال ابن القاسم: له أن يقاص بما سقى وعالج مما بيده من الغلة، فإن عجزت الغلة عنه لم يرجع بما زاد عليها.
وروى أشهب: إن رب الدابة والعبد إذا أخذ رجع بالكراء والغلة، وقاصه في الغاصب بما أنفق على العبد أو الدابة.
قال غيره: قال ولو أكر ذلك الغاصب وحابي فيه لأخذه بالمحاباة، فإن أعدم أخذ بها المكتري.
الركن الثالث: في الواجب. وهو ينقسم إلى المثل والقيمة.
وحد المثل: ما تماثلت أجزاؤه في الخلقة والصورة والجنس، وذلك مما يوزن أو يكال، كالذهب والفضة والحديد والصفر والنحاس والحنطة والشعير وجميع الأطعمة، وكذلك ما يعد مما (تستوي) آحاد جملته في الصفة غالبًا، كالبيض والجوز ونحوه. ثم إن لم يسلم المثل بعد أنتلف المغصوب حتى فقد المثل، (فقال ابن القاسم: ليس عليه إلا مثله.
وقال أبو الحسن اللخمي: "يريد: أنه يصبر حتى يوجد. وقال أشهب: المغصوب منه بالخيار بين أن يصبر أو يأخذ بالقيمة الآن.
قال ابنعبدوس: اختلف في ذلك كالاختلاف في السلم في الفاكهة بعد خروج الإبان".
стр. 866
ولو غرم القيمة ثم قدر على المثل لم يلزمه دفعه، لتمام الحكم بالبدل.
ولو أتلف مثليًا وظفر به في غير ذلك المكان، لم يكن له (عليه) مثل ولا قيمة، بل يصبر حتى يرجع إلى البلد الأول فيأخذ المثل.
وكذلك لو وجد الطعام المغصوب بعينه ببلد آخر لم يكن له على الغاصب إلا المثل في مكان الغصب، ولم يكن له أخذه. وبذلك قال ابن القاسم.
(وروى محمد عن أشهب: أن ربه مخير بين أخذه أو أخذ الغاصب بمثله في مكانا لغصب.
وقال سحنون: (لا أعرف قول أشهب هذا)، وإنما له أخذه بمثله في موضع الغصب. وكذل كروى أصبغ عن أشهب في الموازية والعتبية.
وقال أصبغ: "إنكان البلد البعيد، فالقول ما قال ابن القاسم، وإن كان قريبًا كبعض الأرياف والقرى، أخذه ويحمل على الظالم بعض (الحمل) ولو كان المغصوب من الحيوان لم يكن لربه سوى أخذه حيث وجده.
(وأما البز والعروض فربها مخير بين أخذه أخذ قيمته في موضع الغصب والسرقة.
وقال أشهب: "إذا أصاب العروض والحيوان ببلد آخر فإن له أخذها، وإن شاء تركها
стр. 867
وأخذه بقيمتها يوم الغصب ببلد الغصب، يأخذ ذلك منه حيث لقيه، وقاله أصبغ: قال محمد: قول أشهب صواب.
وقال سحنون: البز والرقيق عندي سواء، ليس له إلا أخذه بعينه بغير البلد، واختلاف البلدان في ذلك كتغير الأسواق.
قال أبو القاسم: فإن اتفق المتعدي ورب الطعام على أخذه بعينه بغير البلد أو مثله أو الثمنا لذي بيع به فذلك جائز. وكذلك لو اتفقنا على أن يأخذ منه فيه ثمنًا نقدًا جاز، بمنزلة بيع الطعام القرض قبل قبضه؛ وقاله أصبغ.
وأما على أخذ طعامالطعام يخالفه فلا يجوز. وأما من لك عليه طعام ابتعته بعينه فتراضيتما أن يعطيك مثله بغير البلد، فهذا لايجوز، لأنه بيع طعام بطعام ليس يدًا بيد.
فرع: إذا حكم للمغصوب منه بالمثل في بلد الغصب، إما بالإلزام على قول ابن القاسم وسحنون، وغما لأنه اختاره، على قول أشهب، فلا يدفع الطعام المنقول إلى الغاصب حتى يتوثق منه. قال أشهب: يحال بينه وبينه حتى يوفي المغصوب منه حقه. وقال (أصبغ): يتوثق له بحقه، قبل أن يخلي بينه وبينه، وقاله محمد.
(ومن أتلف حليًا فعليه قيمته، وقيل: مثله. ولو كسر الحلي فوجده ربه مكسورًا فله أخذه وأخذ قيمة الصياغة. ولو كسره ثم أعاده على حالته فلصاحبه أن يأخذه بلا غرم. وإن صاغه على غير صياغته لم يأخذه، ولم يكن له إلا قيمته يوم غصب، قاله ابن القاسم وأشهب. وقال ابن المواز: لا شيء له إلا قيمته، وإن أعاده (إلى) حاله، لأن الغاصب ضمن قيمته).
стр. 868
ولو لم يكن غاصبًا إلا متعديًا لكان له أخذه إذا صاغه على حاله بلا غرم.
ولو اشتراه رجل من الغاصب فكسره ثم أعاده (إلى) حالته لم يكن لصاحبه أخذه، إلا أن يدفع إلى المشتري قيمته صياغته، لأنه لم يتعد في الكسر.
ولو اتخذ من الحنطة دقيقًا لم يكن له إلا مثل حنطته. وقال أشهب: ربها بالخيار بين أن يأخذ مثل الحنطة أو يأخذ الدقيق، ولا شيء له في طحنه.
وأما المتقومات إذا أتلفت فتضمن بقيمتها يوم الغصب. وقيل: بأقصى قيمتها (من) يوم الغصب إلى يوم التلف كما تقدم.
ووقع في العتبية، من سماع ابن القاسم، "فيمن تسوق بسلعة فأعطاه غير واحد بها ثمنًا، ثم استهلكها رجل، فليضمن ما كان أعطى (بها)، ولا ينظر إلى قيمتها إذا كان عطاء قد تواطأ عليه الناس، ولو شاء أن يبيع به باع. وقال سحنونه: لا يضمن إلا قيمتها وقال عيسى: يضم الأكثر من القيمة أو الثمن.
ثم حيث قلنا: يضمن القيمة، فإن أبق العبد المغصوب ضمن قيمته وأخذت منه، وصار العبد ملكًا له، والقيمة ملك للمغصوب منه، حتى لو وجد العبد بعد ذلك لم يكن له رجوع في القيمة، ولا للمغصوب منه الرجوع في العبد إلا بتراضيهما. وقيل: لربها لرجوع.
ولا خفاء بأن الغاصب لو كتم العبد وادعى هلاكه حتى أخذت منه قيمته ثم أظهره، أن لربه أخذه منه (متى) شاء، شاء الغاصب أو أبى.
وإن تنازعًا في تلف المغصوب فالقول قول الغاصب، لأنه ربما عجز عن البينة وهو صادق.
وما اختلف فيه من جنس سالم مغصوب أو مبلغ كيله أو وزنه أو صفته فالقول قول الغاصب مع يمينه في جميع ما يشبه من ذلك. وقيل: في الصرة المنتهبة القول قول صاحبها إذا ادعى ما يشبه.
стр. 869
الباب الثاني: في الطوارئ على المغصوب، من نقصان أو زيادة أو تصرف وفيه فصول ثلاثة
الفصل الأول: [في النقصان]
فإذا غصب ما قيمته عشرة فعاد إلى درهم فرده بعينه فلا شيء عليه إذ لا يراعي انخفاض الأسواق كما لا يراعي ارتفاعها. وإن تلف قبل رده فالجواب عشرة، وهي قيمته يوم الغصب، وأعلى القيم.
ولو دخله عيب، أو زوال جارحة، أو نقص قل أو كثر، في عرض أو حيوان، رقيق أو غيره، بأمر من الله سبحانه، فالمغصوب منه مخير بين أخذ ذلك بعينه ولا شيء له في نقصه، وبين (تركه) وأخذ قيمته يوم الغصب؛ وإن كان العيب أوزوال الجارحة بفعل من الغاصب، فقد تقدم حكم ذلك وبيان الخلاف فيه.
وأما إن كان بجناية أجنبي ثم ذهب، فلا يؤخذ الغاصب بما نقصها، (ولربها) أن يضمنه قيمتها يوم الغصب، ثم للغاصب إتباع الجاني، "وإن شاء ربها أخذها واتبع الجاني دون الغاصب بما نقصها.
ولو جنى العبد المغصوب جناية قتل بها قصاصًا، ضمنه الغاصب إذا حصل الفوات تحت يده، وإن تعلق الأرش برقبته فقال ابن القاسم: "إن شاء سيده أخذه من الغاصب قيمته يوم الغصب، وسلمه إلى المجني عليه؛ وإن شاء أخذه ولم يرجع على الغاصب بشيء.
التفريع: إن أخذ القيمة من الغاصب، (فاللغاصب) أن يسلمه أو يفديه، (وإن أَخَذَهُ تخير بين أن يسلمه إلى المجني عليه أو يفديه).
стр. 870
وقال أشهب: يسلم العبد إلى ربه، يسلمه أو يفتكه، ثم يرجع على الغاصب بالأقل من جنايته أو قيمته.
ولو حفر الغاصب بئراً في الدار فعليه ردم ما حفر فيها وإن بناها فله نقضها، إلا أن يشاء رب الدار أن يعطيه قيمة نقضه (مقلوعًا) بعد طرح أجر النقض والتنظيف إذا كان لا يباشر ذلك بنفسه فله ذلك.
وإذا خصى العبد ضمن ما نقصه، فإن لم ينقصه ذلك أو زادت قيمته لم يضمن شيء وعوقب.
(ولو هزلت الجارية ثم سمنت، أو نسي العبد الصنعة ثم تذكر حصل الخير).
ولو غصب غصيرًا فعاد خمرًا ضمن مثل العصير لفوات المالية، ولو صار خلاً لكان ربه بالخيار بين أن يأخذه خلاً أو يغرمه مثله عصيرًا. (قال ابن القاسم وأشهب: ولو غصب خمرًا لمسلم فخللها، فلربها أخذها خلاً لا غير ذلك. قالأشهب: ولو كانت لذمي لكان مخيرًا في أخذها خلاً، أو قيمتها خمرًا يوم الغصب).
وأما البذر إذا زرع والبيض إذا تفرخ، فالخارج ملك للغاصب وعليه مثل ما غصب. وقال سحنون في الفراخ: "هي للمالك وعليه للغاصب قدر كراء ما حضنته دجاجته".
стр. 871
("وفي المجموعة عن أشهب فيمن (اغتصب) دجاجة فباضت عنده فحضنت من بيضها، فما خرج من الفراريج فلربها أخذها مع الدجاجة كالوالدة.
وأما لو حضن الغاصب تحتها بيضًا (من غير بيضها) فخرج من ذلك فراريج، وحضن بيضها تحت دجاجة له أخرى، فليس للمغصوب منه إلا دجاجته وحدها إن شاء، ولا شيء له مما خرج من البيض الذي حضنت من بيض غيرها، ولا مما حضنه غيرها من بيضها، ويغرمه المستحق بيضًا مثل بيضها. ومثل ذلك في كتاب محمد. ثم قال: ويكون له فيما حضنت من بيض غيرها كراء مثلها. قال الشيخ أبو محمد: "يعني محمد على قول أشهب".
الفصل الثاني: [في الزيادة]
وإذا غصب ثوبًا فصبغه، قربه بالخيار بين أخذ قيمته يوم الغصب، وبين أخذ الثوب. ثم (إذا) أخذه دفع للغاصب قيمة الصبغ.
وقال أشهب: لا شيء له في الصبغ، وإن نقصه الصبغ فله أخذ قيمته يوم الغصب أو أخذه بغير أرش.
ولو غصب طينًا فضربه لَبِنًا لرجع عليه بمثل الطين لانتقاله بالصنعة. (وإن غصب شاة فذبحها وشواها، ضمن لربها قيمتها. وكذلك لو ذبحها ولم يشوها. وقال محمد بن مسلمة إذا ذبحها ولم يشوها فلربها أخذها مذبوحة، وما نقصها الذبح). ولو غصب نقرة فصاغها حليًا (ضمن مثلها) ولم يأخذ الحلى.
وقال ابن الماجشون: له أن يأخذ الفضة (المصنوعة) والثوب المصبوغ أو المخيط إن
стр. 872
شاء في جميع ذلك، ولا حجة عليه بالصنعة، "إذ ليس لعرق ظالم حق"وإن شاء قيمة ذلك).
وإن غصب زينًا وخلطه بزيته، وهو مثله، صار شريكًا بمكيلته، وإن خلطه بأدنى منه أخذه بالمثل من غيره.
ولو غصب ساجة أو سارية وأدرجها في بنائه لم يملكها بل يردها على مالكها وإن أدى إلى هدم بنائه، وكذلك لو غصب لوحًا, وأدرجه في سقيفته لكان لصاحبه قلعه.
الفصل الثالث: في تصرفات الغاصب
وإذا بع الجارية المغصوبة، فوطئها المشتري وهو عالم لزمه الحد، وإن كان جاهلاً لم يحد. أما الولد فهو رقيق، ولا نسب له إن كان عالمًا، وإن كان جاهلاً انعقد على الحرية، وضمن المشتري قيمة الولد يوم الحكم إن كان باقيًا إلا أن يكون يومئذٍ جنينًا فتؤخذ قيمته يوم الوضع إذا وضع.
وقال المغيرة: يضمن الولد بقيمته يوم الوضع وإن مات بعد ذلك، ويرد الأم. وروى أنه يأخذ قيمتها من المشتري، وتكون أم ولد له، ولا شيء للسيد في ولدها
стр. 873
فإن انفصل الولد ميتًا فلا ضمان، وكذلك لو انفصل حيًا ثم قتل قبل القيام، إلا أن يأخذ الواطئ فيه دية فيكون عليه الأقل منها أو من قيمته حياً.
فرع: في بيان الفرق بين الغاصب والمتعدي.
قال في الكتاب: "والمتعدي يفارق الغاصب في جنايته، لأن المتعدي إنما جنى على بعض السلعة، والغاصب كان لجميعها غاصبًا فضمنها يومئذ بالغصب، فلو تعدى رجل على صحفة أو عصا فكسرها، أو خرق ثوباً، فإن كان ما صنع قد أفسد ذلك فسادًا كثيرًا فربه مخير في أخذ قيمة جميعه أو أخذه بعينه ويأخذ ما نقصه من المتعدي. فإن كان الفساد يسيرًا فليس له إلا ما نقصه بعد رفء المتعدي للثوب. وقد كان مالك يقول: يغرم ما نقصه ولا يفصل بين قليل أو أكثر".
ثم قال: "هكذا، وسواء كان ثوبًا أو حيوانًا أو غيره".
وقال أشهب في الفساد الكثير: إنما له أن يضمنه قيمة جميع الثوب أو يأخذه بنقصه، ولا شيئ له مما نقصه. وقاله ابن القاسم مرة، ثم رجع عنه.
وإذا فرعنا على الأول ففي معنى الفساد ما أتلف الغرض المقصود من العين عادة، وإن كانت الجناية في الصورة المشاهدة يسيرة، (مثل أن يقطع ذنب الدابة أو أذنيها، فلا يمكن من جهة العادة الانتفاع بها من الوجه المقصود منه، مما يركب مثله القضاة وذوو الهيئات. رواه ابن حبيب عن مطرف وابن المجشون وأصبغ).
وهكذا إذا جنى على القلنسوة (أو) الطيلسان والعمامة جناية يعلم أن صاحبها ذا الهيئة والمروءة والمنزلة لا يلبسها على تلك الحال.
وإن كان قد أتلف على المالك المنفعة المقصودة من العين فقد صار كمتلفها جملة بالإضافة إلى مقصوده، إذ الأعيان إنما تقصد وتقتني لمنافعها، فذهاب المنفعة المقصودة من العين التي اقتنيت من أجلها كذهاب العين جملة.
стр. 874
كتاب الشفعة
وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في أركان الاستحقاق
وهي ثلاثة: المأخوذ، والآخذ، والمأخوذ منه
الأول: المأخوذ. ومتى كان المبيع عقاراً منقسمًا غير تابع في الانتفاع به لغيره، كان مأخوذًا (باتفاق)، ويلحق به ما كان تابعًا لهو متعلقًا به مما هو ثابت فيه لا ينقل ولا يحول، وذلك كالجدران والبئر وفحل النخل، فتجب الشفعة في ذلك، ما دام أصله على صفة تجب فيها الشفعة، وهي: أن يكون مشاعًا غير مقسوم؛ واختلف في قسم ثالث كالثمار. فقال ابن الجاجشون: "لا تؤخذ بالشفعة". وقال أشهب: "للشريك الشفعة في الثمن، كان الأصل لهما أو لم يكن"
стр. 875
وفي الكتاب قال مالك في قوم شركاء في ثمرة: "إذا كان الأصل لهم أو [كانت] النخل في أيديهم مساقاة، أو كانت حبسًا على قوم، وأثمرت هذه النخل وحل بيعها، فباع أحدهم، فإن (شركاءه) في الثمرة يأخذون ما باع (بالشفعة) بما باع) به". قال محمد: وهو صواب ما لم (ييبس)، وإذا كان الأصل بينهما.
واختلف أيضًا في مكاتبة المكاتب، وفي الأرض بين الشركين يؤاجر أحدهما حصته للزرع، وفي البناء القائم لقوم في عرصة ليست لهم، كأهل حبس بنوا فيه، ثم مات أحدهم، فباع ورثته حصته من البناء. وكذلك إن بنوا في عرصة معارة، فباع أحدهم حصته من النقص، فرب الأرض مبدأ، فإن شاء أخذ ذلك بالأقل من قيمته نقضًا أو الثمن، فإن أبي فلشريكه أخذها بالثمن.
وقال أشهب: لا شفعة في ذلك لشريكه، إذا لا ملك له في العرصة، وهو بيع لا يجوز، باعا جميعاً أو أحدهما، لأن رب الأرض له أن يبقيه ويؤدي قيمته نقضًا؛ أو يأمر بقلعه، فلم يدر المبتاع ما اشترى نقضًا أو ذهبا. ورواه عن مالك فيمن بنى في عرصة رجل بإذنه، ثم باع بناءه أن ذلك لا يجوز، وكذلك إن بني في عرصة محبسة عليهما، لم يجز بيعهما ولا بيع أحدهما.
واختلفت الرواية في أخذ ما لا ينقسم من الرباع والأرحية والآبار والعيون والشجرة الواحدة وشبه ذلك.
ومنشأ (هذا) الاختلاف: النظر إلى علة الشفعة هل هي ضرر القسمة فلا تجب فيما لا ينقسم، (أو ضرر الشركة فتجب فيما لا ينقسم) كما تجب فيما ينقسم؟
قال القاضي أبو الحسن: "والذي يقوى في نفسي أن فيه الشفعة". ولا شفعة فيما عدا هذا من الحيوان والعروض والطعام وغير ذلك من أعيان الأملاك، ولا في حق من حقوق الملك كالممر ومسيل الماء والطريق إلى العلو، وشبه ذلك.
стр. 876
الركن الثاني: الآخذ.
وهو كل شريك بالملك، فلا شفعة للجار، وإن كان ملاصقًا، وثبت للشريك وإن كان كافرًا، إذا كان البائع مسلمًا، كان المشتري مسلمًا أو ذميًا، وقيل: "إن كان المشتري والشفيع ذميين فلا شفعة لأن المحاكمة بينهما". وقال أشهب: "تجب الشفعة إذا كان فيهم مسلم من غير تفصيل".
فرع: من شارك بحصة موقوفة، فإن كان مرجعها إلى المحبس فالشفعة له، وإن كانت لا مرجع لها إليه فلا شفعة له، إلا أن يريد المحبس أو المحبس عليه أن يلحق ذلك بالمحبس فذلك له. وقيل: ليس ذلك له. قال أبو الحسن اللخمي: "وهو أقيس، إذ لا أصل له يستشفع به".
الركن الثالث: المأخوذ منه.
وهو كل (من) تجدد ملكه اللازم باختيار. وفي اشتراط / تجدده بمعاوضة روايتان، ثمرتهما نفي الشفعة في الصدقة والهبة لغير ثواب أو ثبوتها.
احترزنا بالمتجدد عن رجلين اشتريا داراً معاً، فلا شفعة لأحدهما على الآخر، واحترزنا باللازم عن الشراء في زمن الخيار، فإنه لا يؤخذ فيه بالشفعة حتى يختار.
واحترزنا بالتقييد بالاختيار عن الحاصل بالإرث.
وتثبت الفعة في ما وراء ذلك من وجوه المعاوضات، بأي نوع كان من التمليكات، من مهر، أ, خلع، أو بيع، أو إجارة، أو صلح من أرش جناية، أو قيمة متلف، أو دم عمد أو خطإ، أو غير ذلك من المعاوضات، سوى المناقلة (فإنها) قد اختلف فيها.
فقال ابن القاسم في العتبية، فيمن باع نصف أرضه بأرض أخرى وبزيادة دنانيره ففيه الشفعة
стр. 877
قال: "وقال بعض أصحابنا: إنه كان من قول مالك وغيره من المدنيين: إنه إن علم أنه أراد المناقلة والسكنى ولم يرد البيع فلا شفعة، لأنه لم يكن يرضى أن يخرج من داره ويبقى لا دار له. وقاله ربيعة، وكرناه لمالك فلم يره، وقال: فيه الشفعة".
قال العتبي: "وقال مطرف وابن الماجشون إنما قال مالك: لا شفعة، إذا كان بين أشراك داران أو حائطان، فيناقل أحدهم بعض أشراكه حصته من هذه الدار بحصته من الدار الأخرى أو الحائط، فيجتمع حظ كل واحد منهم في شيئ واحد، لأنه إنما أراد توسعة حظه وجمعه، وأما إن ناقل بنصيبه (من دار بنصيب) من دار أخرى لا نصيب له فيها ففيها الشفعة، عامل بذلك بعض أشراكه أو أجنبياً".
وحكى مثله كله ابن حبيب عن مطرف عن مالك وقال: قد كان ابن القاسم يروي أن في ذلك كله الشفعة، والأول أحب إلي. ويأخذ بالشفعة في الإقالة والشركة والتولية كما يأخذ في ابتداء البيع سواء.
وفي وجوب عهدته في الإقالة على المشتري أو تخبيره بين البائع والمشتري خلاف، منشؤه تنفيذ الإقالة والأول أحب إلي. ويأخذ بالشفعة في الإقالة والشركة والتولية كما يأخذ في ابتداء البيع سواء.
وفي وجوب عهدته في الإقالة على المشتري أو تخييره بين البائع والمشتري خلاف، منشؤه تنفيذ الإقالة وعدم تنفيذها. فقال مالك في كتاب محمد: يأخذ الشفيع بعهدة بيع الإقالة.
"قال أشهب: هو استحسان، كان المستقيل البائع أو المشتري، والقياس أن يأخذ من أيهما شاء، ولو قاله قائل لم أعبه.
وقال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: إن ظهر من حال المتقايلين أنهما إنما قصدا قطع الشفعة فالعهدة على المبتاع لا تعدوه، وإن ظهر أن الإقالة لقصد صحيح لا لقصد قطع الشفعة فالخيار إلى الشفيع في أن تكون عهدته على أيهما شاء. وفي كتاب محمد وقاله أشهب وابن الماجشون في المجموعة، وقاله مطرف في الواضحة.
وإذا سلم الشفيع الشفعة (ثم) تقايلا، كان للشفيع أخذها بالشفعة بعهدة الإقالة لأنه بيع حادث زالت فيها التهمة.
قال ابن الماجشون في المجموعة ومطرف في كتاب ابن حبيب: وكذلك لو ولاه (أو) أشرك فيه فللشفيع الشفعة بذلك
стр. 878
قال أشهب في كتاب محمد: ولو تقايلا بزيادة أو نقصان قبل تسليم الشفيع فله الشفعة على أيهما شاء".
وبالجملة، فحيث صححنا الإقالة ولم يتهما فهي بيع مؤتنف، فيرجع البائع مبتاعًا، فيؤخذ منه بالشفعة لا لكونه بائعًا.
قال الشيخ أبو الوليد: "وإنما تكون العهدة (عندنا) على البائع للشفيع في المقارض يبتاع بمال القراض شقصًا هو شفيعه أو رب المال شفيعه، لأن رب المال إن كانت له الشفعة فالمال (ماله)، فلا يصح له أن يكتب العهدة على نفسه، وإن كان (للعامل) فلا يجوز له أن يجعل العهدة على رب المال فيما ابتاع بماله".
ومن باع شقص طفل تحت نظره فله الأخذ لطفل آخر؛ وإن كان له شريك معهم فأخذ بحصته تعقب فعله: فإن كان البيع أحظ لليتيم أمضى وإلا رد. وكذلك لو كان هو الشريك وحده.
وإن كان للمشتري في الدار شركة قديمة وطولب بالشفعة، فليترك له ما يخصه لو كان المشتري غيره، فأما لو بقي للبائع حصة، فأراد أن يأخذ بها لم يكن له ذلك. وليس لبائع فيما باع شفعة.
(قال أشهب في المجموعة: من باع بعض حصته من دار فلا شفعة له مع الشريك بما بقي له لأنه باع راغبًا في البيع، وإنما الشفعة للضرر.
قال غيره: لو باع السلطان على غائب بعض شِقْصِهِ في دَيْنٍ عليه، ثم قدم فلا شفعة له فيه، وهو كما لو باعه هو.
قال الشيخ أبو محمد: "ويتبين لي أن رجلاً لو باع شقصًا له في دار، ثم إن المشترى من باع ذلك الشقص من رجل آخر، أن لبائعه الأول فيه الشفعة، لأن هذا بيع ثان لم يله البائع الأول، فأما ما وليه البائع الأول فلا حجة له فيه، وليس له أخذه بالشفعة من المشتري منه، لأنه ولي بيعه.
(وإذا تساوى الشريكان إلى مجلس الحاكم، وزعم كل واحد أن شراء الآخر متأخر وله
стр. 879
هو الشفعة عليه، فالقول قول كل واحد في عصمة ملكه عن الشفعة). فإن تحالفا تناكلا (تساقط) القولان. وإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضى لمن حلف بالشفعة.
فرع: بيع الشقص بيعًا فاسدًا رد، ولم تكن فيه شفعة إلا أن يفوت بما يفوت به البيع الفاسد، وتجب فيه القيمة، فيستشفع فيه حينئذٍ بها، إن كان الفوات بغير البيع الصحيح.
فإن كان به أخذ الشفيع بثمنه، وليس له أن يأخذ بالعقد الأول، لأنه إذا أزيل البيع الصحيح بقي البيع الفاسد لا فوت فيه فيرد.
ولو أخذه من المبتاع الأول قبل الفوت رد. فإن فات عنده قبل الإطلاع عليه بقي بيده، وعليه فيه الأقل من قيمته يوم قبضه هو القيمة التي وجبت على المشتري الأول، لأنه لا يقدر على رده لفواته عنده، ولأن له أن يستشفع بالقيمة التي وجبت على المشتري الأول.
الباب الثاني: في كيفية الأخذ . والنظر في أطراف:
الأول: فيما يملك به.
(ويملك تبسليم الثمن، وإن لم يرض المشتري، ويقضي القاضي له بالشفعة عند الطلب، وبمجرد الإشهاد على الأخذ)، وبقوله أخذت، وتملكت. ثم يلزمه إن كان علم بمقدار الثمن، وإن لم يكن علم لم يلزمه.
الطرف الثاني: فيما يبذل من الثمن.
وعلى الشفيع بذل (مثل) ما بذله لمشتري إن كان مثليًا، أو قيمته يوم العقد، إن كان من ذوات القيمة، وما لا تتحرر فيه القيمة فقيمة الشقص فيبذل في الممهور، وما عليه الخلع، وما صولح عليه من دم عمديمة الشقص يوم العقد
стр. 880
وقيل: يبذل في المهمور صداق المثل، كما في استحقاقه من يدها، وفي هبة الثواب يأخذ بقيمة الثواب أو بمثله، ولا يأخذ بالشفعة إلا بعد دفع الثواب، فإن أثابه أكثر من القيمة، (فقال ابن القاسم وعبد الملك: (يأخذ) بقيمة العوض، ما بلغ. وقال أشهب: ذلك فيما قبل الفوات، فأما بعده فيأخذ بالأقل من الثواب أو قيمة الهبة).
وإذا باع الشقص بألف إلى سنة فللشفيع أخذه بمثل ذلك الدين من أجله إن كان مليًا، أو أتى بضامن ملي. وإن احتال البائع على الشفيع بالثمن لم يجز، لأنه دينه لم يحل. وإن عجل الشفيع الثمن قبضه المبتاع. ثم ليس عليه أن يعجل للبائع.
ومن ابتاع شقصاً وعرضًا بألف أخذ الشفيع الشقص بما يخص باعتبار قيمته يوم العقد، ثم لا خيار للمشتري فيما فرق عليه من الصفقة.
والأصل في المشتري أنه لا يضمن للشفيع شيئًا مما حديث في الشقص من (غصب) أو هدم في حرق أو غرف، أو ما غار من أعين أو بئر.
ولا يحط الشفيع لذلك من الثمن شيئًا، بل إما أخذ بجميع الثمن، وإما ترك.
وكذلك (لو) هدم البناء ليبينه أو ليوسع، فإما أخذ ذلك مهدومًا مع نقصه، أو ترك. وكذلك لو سكن حتى ينهدم البناء، فلا شيئ عليه. ولا يحط لذلك من الثمن شيئًا، بل إما أخذ بجميع الثمن، وإما ترك.
وكذلك (لو) هدم البناء ليبينه أو ليوسع، فإما أخذ ذلك مهدومًا مع نقضه، أو ترك. وكذلك لو سكن حتى ينهدم البناء، فلا شيئ عليه. ولا يحط لذلك من الثمن شيئًا.
وإن هدم المشتري ثم بنى، قيل للشفيع: خذ بجميع الثمن وقيمة ما عمر. قال أشهب: يوم القيامة، وله قيمة البناء الأول منقوضًا، قال ابن القاسم: وإلا فلا شفعة لك. وكذلك لو غرس لقيل له: خذ بجميع الثمن وقيمة الغرس.
فرع: في تصوير هذه المسألة.
وهي تصرف المشتري في الشقص قبل الشفيع، وذلك أنه لا يتصرف بالبناء في ملك مشاع، ولو فعل ذلك لكان حكمه حكم الغاصب. وإنما يبني ويغرس بعد القسمة، وبعدها شفعة، لكن فرض لها العلماء صورًا وقعت فيها القسمة بعد شراء الشقص
следующие страницы →