Полный текст (1 311 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
كتاب إحياء الموات
وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في ملك الأرض بالإحياء ، وفيه فصلان:
الفصل الأول: فيما يملك من الأراضي بالإحياء .
وهي الموات، قال ﷺ : "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ والموات: هي الأرض المنفكة عن الاختصاص والاختصاص أنواع:
النوع الأول: العمارة.
فلا يمتلك بالإحياء معمور، وإن اندرست العمارة إلا أن تكون عمارة إحياء ثم اندرست، حتى عادت إلى ما كانت عليه قبل الإحياء، فإنها تملك بالإحياء ثانيًا. وقال سحنون: لا تتملك بالإحياء، بل هي كغيرها من المعمور.
النوع الثاني: أن يكون حريم عمارة.
فيختص به صاحب العمارة، ولا يملك بالإحياء.
فإن قيل: وما حد الحريم؟، قلنا: أما البلدة، فكل ما كان قريبًا منها، تلحقه مواشيها بالرعي في غدوها ورواحها، وهو لهم مسرح ومحتطب، فهو حريمها، وليس لأحد إحياؤه.
وأما الدار، فحريمها إذا كانت محفوفة بالموات مرافقها الجاري بها العادة، كمطرح التراث ومصب الميزاب، وموضع الاستطراق منها وإليها ..
стр. 947
وإن كانت محفوفة بالاملاك، فما بينها وبين سائر الأملاك لا يختص به واحد من الملاك، بل لكل واحد الانتفاع به على ما جرت به العادة، ولكل منهم أن ينتفع في ملكه بما شاء مما لا يتضرر به جاره.
(وقال ابن القاسم: فأما ما يحدثه الرجل في عرصته مما يضر بجيرانه من بناء حمام، أو فرن للخبز، أو لتسييل الذهب والفضة، أو كير لعلم الحديد أو رحى تضر بالجدار، فلهم منعه. قاله مالك في غير شيء ممن ذلك، وفي الدخان، وأرى التنور خفيفًا).
وقال أشهب: ما احتفره الرجل في ملكه مما يضر بجاره، فليس له ذلك إن كان يجد من ذلك بداً ولم يضطر إليه، فأما إن كان به إلى ذلك ضرورة ولم يجد عنه مندوحة، فله أن يحفره في حقه وإن أضر بجاره، لأنه يضر به منعه، كما أضر بجاره حفره، فهو أولى أن يمنع جاره أن يضر به في (منعه) له من الحفر في حقه لأنه ماله، وكذلك قال لي فيه مالك.
وأما البئر فليس لها حريم محدود، لاختلاف الأرض بالرخاوة والصلابة، ولكن حريمها ما لا ضرر معه عليها وهو مقدار ما لا يضر بمائها ولا يضيق مناخ إبلها ولا مرابض مواشيها عند الورد. ولأهل البئر منع من أراد أن يحفر أن يبني بئرًا في ذلك الحريم.
النوع الثالث: التحجير وفيه خلاف:
قال ابن الماجشون ومطرف: إذا تحجر أرضًا، بحيث يجوز الإحياء من موات الأرض، فلا يحجر ما يضعف عنه، (قالا): فإن رأى (الإمام) بمن حجر قوة على عمارة ما حجر إلى عامين أو ثلاثة خلاه، وإلا أقطعه بغيره. (وقال أشهب: قد روي عن عمر ﵁ أن ينتظر به ثلاث سنين قال: وأنا أراه حسنًا.
وقال أيضًا: لا يكون أولى لأجل التحجير إلا أن يعلم أنه حجره ليعلمه إلى أيام يسيره، وليس يقطعه على الناس ويعمله يومًا (ما)، إلا أن يكون قصده العمارة بعد زوال مانع من
стр. 948
يبس الأرض، أو غلاء الأجراء، أو غيره من الأعذار، وهو أحق به).
وإن حجر ما لا يقوى على عمله، كان له ما عمل، وشرع الناس فيما لم يعمل إذا لم يقو على الباقي.
قال ابن القاسم: "ولا يعرف مالك التحجير إحياء، ولا ما قيل: من حجر أرضًا ترك ثلاث سنين، فإن أحياها، وإلا فهي لمن أحياها".
النوع الرابع: الإقطاع
وإذا أقطع الإمام رجلاً أرضًا كانت ملكًا له، وإن لم يعمرها، ولا عمل فيها شيء ا، يبيع ويهب ويتصرف، وتورث عنه، وليس هو من الإحياء بسبيل، وإنما هو تمليك مجرد.
قال الأستاذ أبو بكر: هكذا روي يحيي بن يحيي عن ابن القاسم، سواء كانت في المهامة والفيافي، أو قريبة من العمران، ولا يطالبه الإمام بعمارتها، بخلاف الإحياء.
النوع الخامس: الحمى
وقد روى ابن وهب "أن رسول الله ﷺ حمى النقيع لخيل المهاجرين، وهو قدر ميل في ثمانية أميال، ثم زاد الولاة فيه بعد ذلك. وحمى أبو بكر ﵁ (الربذة) لما يحمل عليه في سبيل الله، وهي خمسة أميال في مثلها، وحمى ذلك عمر ﵁ لإبل الصدقة، يحمل عليها في سبيل الله. وحمى أيضًا (الشرف) وهو نحو حمى الربذة.
وللإمام أن يحمي إذا احتاج إلى الحمى. قال سحنون: والأحمية (أيضًا) إنما تكون في بلاد الأعراب العفاء التي لا عمارة فيها بغرس ولا بناء، وإنما تكون الأحمية منها في
стр. 949
الأطراف، حيث لا يضيق على ساكن، وكذلك الأودية العفاء التي لا ساكن بها إلا ما فضل عن منافع أهلها من المسارح والمراعي. وفي ذلك تكون القطائع أيضًا لمن رأى الإمام أن يقطعه. وكذلك ما كان من الموات في أرض الصلح، أو أرض العنوة لم يعتمل ولا حيز بعمارة، ولا جرى فيه ملك لأحد ولا ميراث.
ثم الموات قسمان: قريب، وبعيد.
فأما القريب: فيفتقر ي إحيائه إلى إذن الإمام لوقوع التشاح فيه ولخشية الخصومة. وقال أصبغ وسحنون: لا يفتقر إلى إذن الإمام في إحياء ما قرب ولا ما وبعد، ورواه ابن عبدوس (عن) أشهب.
وغذا فرعنا على المشهور، فإن أحيي بغير إذن الإمام نظر فيه، فإن رأى إبقاءه على من أحياه، وإلا أزاله أو جعله للمسلمين، أو أقطعه غيره. ويكون للأول إذا نزع من يده قيمة بنيانه مقلوعًا. وقال أشهب: من أحيى مواتًا فهو له على ما جاء في الحديث، قرب من العمران أو بعد، واستحب له فيما قرب أن يستأذنه، فيأذن له ما لم يكن فيه على أحد ضرر. وقال أصبغ إن أحيى بغير إذن الإمام أمضيته ولم أتعقبه.
وأما البعيد: فلا يفتقر إلى إذن الإمام فيه، وهو ما كان خارجًا عما يحتاجه أهل ذلك العمران من محتطب ومرعى، مما العادة أن الرعاء يصلون إليه، ثم يعودون إلى منزلهم يبيتون بها، ويحتطب (المحتطب)، ثم يعود إلى منزله. وقال ابن نافع: يفتقر إلى الإذن فيه كالقريب. (وقال سحنون في كتاب ابنه: ما كان من العمارة على يوم، وما لا تدركه المواشي في غدوها ورواحها، فأراه من البعيد. وأما ما تدركه في غدوها ورواحها، أو أبعد من ذلك قليلاً، مما فيه المرفق لأهل العمارة فهو القريب، يدخله نظر السلطان، فلا يحيي إلا بإذنه)
стр. 950
الفصل الثاني: في كيفية الإحياء
والمرجوع في حده إلى العرف بأن يفعل في الأرض ما تقضي العادة بكونه إحياء لمثلها. (قال مالك في المجموعة وكتاب ابن سحنون: إحياء الأرض أن يحفر فيها بئرًا، أو يجري فيها عينًا، ومن الإحياء غرس الشجر والبنيان والحرث. وقاله ابن القاسم وأشهب.
وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إن إحياء حفر الآبار، وشق العيون وغرس الشجر، وبناء البنيان، وتسييل ماء الزراعة من الأرض، وقطع الغياض والفحص على الأرض بما تعظم مؤونته، وتبقى منفعته حتى يصير ما لا يعتد به).
ولا شك في مسلك المسلم لما أحيى على الشرائط المتقدمة. فإن أحيى الذمي فقال ابن القاسم: يملك كالمسلم لعموم الخبر. إلا أن يحيي في جزيرة العرب، فإنه يعطي قيمة ما عمر ويخرج عنه لقوله صلى اللهعليه وسلم: "لا يبقين دينان في جزيرة العرب". وقال القاضي أبو الحسن: "ليس للذمي إحياء الموات في دار المسلمين".
(وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إن عمر فيما بعد (من) العمران (فذلك له، وأما ما قرب من العمران)، ولو أنه بإذن الإمام، فإنه يعطي قيمة ما عمر وينزع منه، لأن ما قرب من العمران بمنزلة الفيئ، ولا حق للذمي فيه)
стр. 951
الباب الثاني: في المنافع المشتركة في البقاع، كالشوارع والمساجد
فأما الشوارع فللاستطراق وهو مستحق لكافة الخلق، وينتفع بها أيضًا للمجلس والمرابض والمصاطب، وجلوس الباعة فيها للبياعات الخفيفة في الأفنية. وليس بأن تحاز بالبنيان والتحظير.
قال ابن حبيب: وقد مر عمر ﵁ بكير حداد في السوق، فأمر به فهدم، وقال: تضيقون على الناس، ثم حيث قلنا بجواز الانتفاع بالجلوس في الطرق، فمن سبق إلى مكان مباح له الجلوس فيه، فهو أحق به، ولا يزعج منه لغيره.
وأما المساجد فينتفع بها للصلاة والجلوس بها، لها ومن سبق إلى مكان منها لم يزعج منه، بل هو أحق به من غيره، ويجلس فيها للذكر وقراءة القرآن والاشتغال بالعلوم الشرعية والاعتكاف وما أشبه ذلك من الطاعات المشروعة فيها. وخفف في القايلة والنوم فيها نهارًا للمقيم والمسافر، وفي المبيت فيها للمار والمنتاب إلى أن يرتاد.
ولا ينبغي أن يتخذ المسجد مسكنًا، إلا رجل قد تجرد للعبادة فيه لقيام الليل وإحيائه، فلا بأس أن يكون ذلك منه فيه دائمًا دهره إن قوي على ذلك.
قال ابن حبيب: وأرخص مالك أن يطعم الضيق في مساجد البادية، وقال: ذلك شأن تلك المساجد. وكره أن يقوده فيها ناراً.
وأجاز للرجل يكون له سفل وعلو، أن يجعل العلو مسجداً، ويسكن السفل. ولم يجز له أن يجعل السفل مسجدًا ويسكن العلوم، قال: لأنه إذا جعل السفل مسجدًا، قد صار لما فوقه حرمة المسجد.
وروى مالك أنعمر بن عبد العزيز، كان إذ كان بالمدنية أميرًا، ربما بات على ظهر المسجد، فلا تقربه فيه امرأة.
وكان أبو هريرة وغيره من الصحابة والتابعين يصلون على ظهر المسجد بصلاة الإمام في سفله. قال ابن حبيب: وإنما أرخص في مرور الرجل بالمسجد مجتازًا للمرة بعد المرة وما أشبه ذلك، وفي الخاص من الأمر ينوب، وليس على أن يتخذ طريقًا. وكره مالك أن يدخل المسجد بالخيل والبغال والحمير لما ينقل عليها إليه. وكان لا يرى بأساً بالإبل لكون أبوالها
стр. 952
طاهرة. قال: وكره أن يبصق في المسجد على الحصر، أو على التراب، ثم يحكه. وكره أن يتخذ الرجل فراشًا ي المسجد يجلس عليه، أو وساداً يتكئ عليه، قال: ليس ذلاك من متاع المسجد.
وكان يرخص في الخمر والنخاخ والمصليات. قال: ولا يعلم فيه الصبيان، ولا يمكنون من دخوله، إلا أن يدخل صبي للصلاة، ثم يخرج. قال: ويكره البيع فيه والشراء، وسل السيف، ورفع الصوت، وإنشاد الضالة، والهتف بالجنائز، وكل ما يرفع فيه الصوت حتى بالعمل. فقد كنت أرى بالمدينة رسول أميرها يقف بابن الماجشون في مجلسه، إذا استعلى كلامه وكلام أهل المسجد في العلم، فيقول: يا أبا مروان، اخفض من صوتك، وأمر جلساءك يخفضون أصواتهم.
قال ابن حبيب: وحدثني الخزامي عن يحي بن سليم عن مكحول عن وائلة بن الأسقع: أن رسول الله ﷺ قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم، وبيعكم وشراءكم، وسل سيوفكم، ورفع أصواتكم وإقامة حقوقكم، وجمروها أيام جمعتكم، واجعلوا مطاهركم على أبوا مساجدكم".
قال: وحدثني معاذ بن الحكم عن مقاتل عن نافع بن جبير بن مطعم: أن رسول الله ﷺ قال في المساجد: "لا يمر فيها بلحم، ولا [ينقر] فيها النبل، ولا تتخذ طريقًا ولا تمنع فيها القائلة، ولا تبني بالتصاوير، ولا تزين بالقوارير". قال ابن حبب: يعني (بتنقير) النبل إدارتها على الظفر ليعلم مستقيمها من معوجها" ويعني بالقوارير الزجاج.
قال ابن حبيب: إنا لنكره الفوارة التي اتخذت في مسجدنا بقرطبة كراهية شديدة، وإنما كان الصواب فيها أن تتخذ خارجًا في رحاب المسجد وعلى أبوابه.
قال: وكذلك أمر رسول الله ﷺ حين قال: "واجعلوا مطاهركم على أبواب مساجدكم".
قال: وأقبح من ذلك ما فعله الناس عندنا بقرطبة من فتح أبواب المياضي في المساجد،
стр. 953
قال: وإنما الصواب أن تفتح أبوابها خارجًا على حدة.
الباب الثالث: في الأعيان المستفادة من الأرض كالمعادن والمياه
أما المعادن فقسمان: القسم الأول: ما فيه الزكاة، كمعادن الذهب والفضة. فما ظهر منها في ملك إنسن معين، فقال مالك: هو له. وقال ابن القاسم: الأمر فيه إلى الإمام، يقطعه لمن يراه. وما ظهر فيما هو لجماعة المسلمين، كالبراري والموات والفيافي من أرض العرب وأرض العنوة، فالإمام يقطعه لمن يشاء. ومعنى إقطاعه إياها أن يجعل لمن يقطعه إياها الانتفاع بها مدة محدودة أو غير محدودة لا يملكه رقبتها، كما لا يقطع أرض العنوة تمليكًا، لكن قطيعة إمتاع، والأصل للمسلمين. وأما ما ظهر منها في أرض الصلح فقال ابن حبيب: يقطعها الإمام لمن يرى، وذكر ذلك عمن لقي من أصحاب مالك. وقال ابن القاسم وابن نافع: لا حق للغمام فيها، وهي لأهل الصلح.
القسم الثاني: ما لا زكاة فيه، كمعادن النحاس والرصاص والقصدير والكحل والزرنيخ والجوهر، ونحو ذلك، فقال ابن القاسم: هي مثل معادن الذهب والفضة، والسلطان يقطعها لمن يعمل فيها.
وقال سحنون وابن نافع: إنما كان السلطان يلي معادن الذهب والفضة لينظر في زكاتها ويحوطها، فأما هذه فليس فيها زكاة، ولو كان يلي هذه لكان له أن ينظر فيما يخرج من البحر من العنبر واللؤلؤ.
وأما المياه فثلاثة أقسام:
القسم الأول: خاص، وهو ما كان محرزًا في الأواني، أو في بئره التي احتفرها في ملكه، فهو كسائر الأملاك، يصح بيعه ومنعه.
والقسم الثاني: عام منفك عن الاختصاص، لا يملك أصله، وهو ضربنان:
الأول: أن يكون طريقه في أرض مباحة، مثل ما يسيل من شعاب الجبال وبطون الأودية [ونحوهما]، فهذا حكمه أن يسقي به الأعلى فالأعلى.
(واختلف في كيفية ذلك، فروى ابن حبيب عن ابن وهب ومطرف وابن الماجشون: أن صاحب الحائط الأعلى يرسل جميع الماء في حائطه ويسقي به، حتى إذا بلغ الماء في الحائط
стр. 954
إلى كعب من يقوم فيه [أغلق) مدخل الماء.
وقال (ابن كنانة): بلغنا أنه إذا أسقى بالسيل الزرع أمسك حتى (يبلغ النعل)، وإذا سقي النخل والشجر وما له أصل أمسك حتى يبلغ الكعبين، وأحب إلينا أن (يمسك) في الزرع والنخل وما له أصل حتى يبلغ الكعبين لأنه أبلغ في الري.
وفي المدينة من رواية عيسى عن ابن وهب: أن الأول يسقي حتى يروي حائطه ثم يمسك بعد ري حائطه ما كان من الكعبين إلى أسفل، ثم يرسل).
((وروى زياد بن عبد الرحمن عن مالك)): يجري الأول الماء في ساقيته إلى حائطه قدر ما يكون الماء في الساقية إلى الكعبين حتى يروي حائطه أو بفني الماء، فإذا روي حائطه أرسله كله.
قال سحنون: فإن كان الحائط مختلفًا بالارتفاع والانخفاض أمر صاحبه بتسويته، فإن تعذرت عليه التسوية سقى كل (مكان) (مستو) على (حدة).
فرعان:
الفرع الأول: أن هذا هو الحكم إذا لم يكن إحياء الأسفل قبل الأعلى، فلو أحييى (الأسفل) ثم أراد غيره إحياء ما فوقه، وأن ينفرد بالماء ويسقي به قبل الأسفل السابق بالإحياء، وذلك يبطل عمله ويتلف غرسه، لمنع.
قال سحنون: إذا كان بعض الأجنة أقدم من بعض، فالقديم أحق بالماء، وهذا لأن فعل المتأخر يمنع المتقدم مما سبق إلى استحقاقه قبله، وليس له ذلك
стр. 955
الفرع الثاني: إذا كان الحائطان متقابلين فقال سحنون في كتاب ابنه: يقسم الماء بينهما، وذلك لتساويهما في الاستحقاق. فإن كان الأسفل مقابلاً لبعض الأعلى، حكم لما كان أعلى بحكم الأعلى، ولما كان مقابلاً بحكم المقابل).
الضرب الثاني: (أن يكون جري الماء في أرض مملوكة، فهذا لمن صار في أرضه أن يمنعه ويحبسه [في أرضه] قل أو كثر، ولا يرسل منه شيء اإلى من تحته إلا أن يشاء، وهذا لأنه بدخوله في أره صار به أحق من غيره).
(فإن كان المالكون جماعة مثل النهر يجتمع القوم على إخراج ماء منه، فيحملونه في أرضهم أو في أرض بور (ملكوها) بشق ساقيتهم فيها إذ ذلك نوع من الإحياء، فهم فيه سواء لا يقوم الأعلى على الأسفل، بل هو بينهم، كالماء الذي يملك أصله يقتسمون على قدر أملاكهم بالقلد، ولا يقدم أحد على أحد، بل يأخذ كل واحد ماءه يصنع به ما شاء).
(فإن قيل: وما صفة القلد الذي يقسم به" قلنا: من صفته أن تؤخذ قدر فتخرق ي أسفلها وتملأ بالماء، ويكون قدر أقلهم نصيبًا مقدار ما يجري ماؤه على ذلك الخرق فتملأ، ولا يزال صاحب الحصة من الماء يأخذ ماء العين كله ويصرفه فيما شاء إلى أن يفني ماء القدر، ثم تملأ للذي يليه مرة أو مرتين أو أكثر بقدر حصته.
ومن صفة القلد أيضًا: أن تؤخذ قدر فخار أو غيره، فيثقب في أسفلها بمثقب ثم يرفع المثقب، ثم تعلق القدر التي خرقت من أسفلها، وتجعل تحتها قصرية، ويعد ماء فلي جرار، فإذا انصدع الفجر صب الماء في القدر فيسيل الماء من الثقب، فكلما هم الماء أن ينضب صب حتى يكون جري الماء من الثقب معتدلاً النهار كله والليل كله، إلى أن يتصدع الفجر، ثم تنحى القدر ويقسم ما اجتمع من الماء على أقلهم سهمًا بينهم كيلاً أو وزنًا، ثم يجعل لكل واحد منهم قد تحمل سهمه من الماء، وتثقب كل قدر منها بالمثقب الذي ثقب به القدر الأول، فإذا أراد
стр. 956
أحد منهم السقي علق قدره بمائه، وصرف (النهر) كله إلى أرضه. فن تشاحوا في التبدية استهموا عليها).
ومن صفته أيضًا: أن تنصب خشبة وتجعل فيها خروق متساوية يجري منها الماء، ثم يأخذ كل واحد منهما بقسطه هذا ونحوه مما يتوصل به إلى استيفاء كل واحد حقه.
والعوائد في ذلك مختلفة، وكلها تفيد مقصودًا واحدًا، فيعتمد الإشراك على ما اتفقوا عليه منها.
القسم الثالث: متردد بين الاختصاص والعموم:
(وهو ماء البئر التي احتفرت في الفيافي والبوادي للماشية، فلا تباع ولا تورث، ولكن حافرها أحق بقدر كفايته من مائها هو أو ورثته من بعده).
(قال ابن الماجشون: ولاحظ فيها لزوجة ولا زوج من بطن على بطن ثم ما فضل عن ذلك فليس لهم منعه، لأن العادة إنما جرت بأن تحفر لشرب ماشيته ويتصدق بما فضل من مائها ويبيحه للناس، إلا أن يختص المسافرون بضرورة، فيكونوا أحق بالشرق من المقيمين بالماء).
وقد روي أن عمر ﵁ جراحات أهل الماء وأغرمهم جراحات أبناء السبيل حين اقتتلوا عليه، وقال: أبناء السبيل أولى بالماء من الباقي عليه حتى يرووا.
وروى ابن وهب أن النبي ﷺ قال: "لا يقطع طريق، ولا يمنع فضل الماء. ولابن السبيل عارية الدلو والرشاء والحوض، وإن لم تكن له أداة تعينه، ويخلى بينه وبين الركية فيستقي".
стр. 957
قال القاضي أبو الوليد: "واتفق مالك وأصحابه على أنه لا يمنع من ف ضل عن من مائها، حملاً لفعله على الغالب. قال: فإن بين وأشهد أنه يريد التملك فلم أر فيه نصًا. قال: والظاهر عندي أنه يكون على شرطه، ويكون بمنزلة من أحييى في القرب أو البعد".
فرع في حكم توابع الأرض والماء:
وهي الكلأ النابت في الأرض، والصيد الحاصل في الماء. ويختلف حكمها باختلاف محالهما.
فحيث كان الأصل غير [مملوك]، فلا يمنع من يصيد، ولا من يحتش، وهذا كالأودية والأنهار والأراضي التي ليست بمملوكة.
(فأما ما كان من ذلك في مملوك لمعين، فقال ابن القاسم: "سألت مالكًا عن بحيرات تكون عندنا بمصر لأهل قرى أرادوا بيع سمكنها ممن يصيد فيها سنة؟ فقال مالك: لا يعجبني أن تباع، لأنها تقل وتكثر، ولا يدري كيف تكون، ولا أحب لأحد من أهل تلك البحيرات والبرك أن يمنع أحدًا يصيد فيها ممن ليس له فيها حق". (وقال سحنون: له منعها.
وقال أشهب: إن طرحوها فتوالدت فلهم منعها، وإن كان الغيث أجراها لم تمنع.
وكذلك الخصب يكوني ملك لمعين تختلف فيه أيضًا، فقال أشهب: "لا يجوز بيع الكلأ بحال وإن كان في أرضه ومروجه وحماه، وإنما هو كالماء الذي يجريه الله على وجه الأرض، فلا يملك ولا يباع، وهو لمن أنتبه الله في أرضه ينتفع به، ويحميه في رعيه خاصة، فإذا استغنى عنه لم يجز له بيعه ولا يمنعه ممن يحتاج إليه، إلا أن يكون يجزه، ويحمله كما يفعل الناس فيبيعونه. وأما ما كان قائمًا فلا".
(وفي العتبية قال عيسى بن دينار: "سألت ابن القاسم عن قول مالك، وكذلك قال ابن حبيب: سألت مطرفًا عن قول مالك في هاتين المسألتين فقلت له: أي خصب يبيع، وأي خصب يبيحه للناس إذا استغنى عنه؟ فقال: أما الخصب الذي يبيعه ويمنع الناس منه وإن لم
стр. 958
يحتد إليه فما في مروجه وحماه ما يملك من الأرضين، وأما الذي لا يجوز بيعه ولا سمع الناس منه إلا أن يحتاج إليه فما سوى المروج والحمى من خصب فدادينه وفحوص أرضه البور والعفا، فإنه لا يجوز بيعه، ولا يمنعه إذا لم يحتج إلى رعية، قالا: وهذا يجبر على إباحته للناس إن استغنى عنه، إلا أن يكون عليه في توصل الناس إليه بمواشيهم ودوابهم ضرر، مثل فدان فيه خصب وحواليه زرع، فلا يصل إليه إلا بضرر زرعه، فله منعهم بالضرر، وإن لم يحتج إلى ذلك الخصب".
(قال ابن حبيب: وسألت ابن الماجشون عن ذلك، فساوى بين الوجهين قال: هو أحق بخصب أرضه البيضاء كلها التي يزرعها، وإن لم تكن حمى ولا مروجًا، وإن شاء باع أو منع أو رعى، وإنما الذي لا يحل [له] بيعه ولا منعه إن لم يحتج إلى رعايته خصب العفاء من منزله).
стр. 959
كتاب الوقف
وفيه بابان:
الباب الأول: في أركانه ومصححاته ، وهي أربعة:
الركن الأول الموقوف:
ولا شك في صحة وقف العقار: الأراضي وما يتعلق بها كالديار والحوانيت والحوائط والمساجد والمصانع والآبار والقناطر والطرق ونحو ذلك. ويصح منها في الشائع و (المفروز).
(فأما وقف المنقول كالحيوان والعروض، فمهب الكتاب صحته أيضًا. وحكى القاضيان أبو الحسن وأبو محمد في ذلك رواتين. ثم قال القاضي أبو محمد: "ومن أصحابنا من يقول: إن حبس الخيل جائز وإنما الخلاف في تحبيس غيرها". وقال ابن القاسم في كتاب محمد: استثقل مالك حبس الحيوان، وقال في رجل حبس غلامًا على رجل وعقبه: أكرهه لأنه ضيق على العبد
стр. 960
قال أبو الحسن اللخمي: "يريد لما كان يرجى له من العتق. وظاهر هذا أنه يكره في العبيد والإماء، دون غيرهم".
التفريع: إن قلنا بجواز حبس الحيوان وقع لازماً. وإن قلنا بالكراهة ففي الجواز واللزوم روايتان حكاهما القاضي أبو الوليد.
ويجوز وقف الأشجار لثمارها، والحيوان لمنافعها: ألبانها وأصوافها واستعمالها، والأراضي لمنافعها.
ولا يجوز وقف الدار المستأجرة، ولا يجوز وقف الطعام، فإن منفعته في استهلاكه.
الركن الثاني: الموقوف عليه.
ولا يشترط في صحة الوقف عليه قبوله إلا إذا كان معينًا، وكان مع ذلك أهلاً للرد والقبول. ثم اختلف هل قبوله شرط في اختصاصه به خاصة أو في أصل الوقفية، فقال في كتاب محمد فيمن قال: أعطوا فرسي رجلاً سماه، فلم يقبله، قال مالك: إن كان حبسًا أعطي لغيره. وقال مطرف، في كتاب ابن حبيب، فيمن حبس حجرًا، فلم يقبلها المحبس علهي لأجل نفقتها: ترجع ميراثاً.
ويصح الوقف على الجنين، بل على من سيولد لزيد، وإن لم يكن حملاً حالة الوقف.
ولا يشترط كون الموقوف عليه مسلمًا، بل يجوز الوقف على الذمي.
قال القاضي أبو الوليد: "والأظهر عندي أنه لا يجوز الوقف على الكنيسة، لا، هـ صرف (صدقته) إلى وجه معصية محضة، كما لو صرفها إلى شراء الخمر وإعطائها لأهل الفسق".
ولا يجوز الوقف على الوارث في مرض الموت، فإن شرك بينه وبين معين ليس بوارث، بطل نصيب الوارث خاصة فإن شرك معه غير معين مع التعقيب أو المرجع، فماخص من ليس بوارث، فهو حبس عليه، وإن كانوا جماعة، فهو بينهم، وما خص الوارث فهو بين جميع
стр. 961
الورثة على فرائض الله ، إلا إنه موقوف بأيديهم ما دام المحبس عليه من الورثة حيًا، فإذا انقرض خلص الجميع حبسًا لمن معهم في الحبس من غير الورثة.
فرع: قال في الكتاب: "٠إذا حبس في مرض هداراً على ولده وولد ولده، والثلث يحملها، ثم مات وترك أمًا وزوجة وولده، فإنها تقسم على عدد الولد ولد الولد، فما صار لولد الولد نفذ لهم بالحبس، وما صار للأعيان كان بينهم وبين الأم والزوجة على الفرائض موقوفًا بأيديهم حتى ينقرض ولد الأعيان، فتخلص الدار كلها لولد الولد حبسًا". ولو ماتت الأم أو الزوجة كان ما بيدها لورثتها موقوفًا.
وكذلك يورث نفع ذلك عن وارثها أبداً، ما بقى أحد من ولد الأعيان. قال: وإذا مات أحد ولد الأعيان قسم نصيبه بالتحبيس على باقي ولد الأعيان، وولد الولد على عدتهم، فما أصاب ولد الأعيان دخلت فيه أم الميت الأول وزوجته بحق الميراث عنه، وكذلك ورثة ورثتهما بمثابتهما.
وما بقي من نصيب ولد الأعيان من ذلك قسم بين من بقي من ولد الأعيان وبين الميت منهم، ف ماوقع للميت، فهو الذي يجب لورثته عنه يكون لهم بالميراث موقوفاً بأيديهم حتى ينقرض ولد الأعيان، فإن انقرض (ولد الأعيان وولد) الولد، رجعت إلى أقرب الناس بالمحبس.
وقال سحنون في مسألة ولد الأعيان هذه: إذا مات أحد ولد الأعيان انتقض القسم.
وقاله محمد في موت أحد ولد الولد، أو في ولد يحدث للوالد: ينتقض القسم.
وكذلك إن شرط أن من تزوجت فلا حق لها، وأنها إن رجعت عادت فيه، فينتقض لرجوعها أو لتزويجها القسم.
قال الشيخ أبو محمد: "ومن الزيادة في تقسيم هذه المسألة مستخرج أكثره من الأمهات: أنه إذا مات أحد من ولد الأعيان وهم ثلاثة وولد الولد أربعة، أخذ السبع من أصل الحبس من يده، ومن يد الأم والزوجة ما بأيديهم من ذلك السبع، فيقسم ذلك على من بقي من ولد الأعيان وولد الولد، فما ناب ولد الأعيان دخلت فيه الأم والزوجة، ويحيي الميت بالذكر، فيجعل له نصيبه من ذلك، ومما بأيدي الولدين الباقيين يجمع فيقسم ذلك على ثلاثة، سهمان للحيين وسهم للميت، فيكون سهمه لورثته من كانوا، وينال منه ولده ميراثه".
стр. 962
ثم إن مات ولده هذا كان ما بيده من أصل الحبس عن جده، وما أخذ من أبيه بمعنى التحبيس مقسوم على من ذكر من قسمة نصيب ولد الولد. وأما السهم الذي في يده عن أبيه بمعنى الميراث، فهو لورثته ميراثًا ما بقي أحد من ولد الأعيان.
ولو مات أولاً واحد من ولد الولد، أخذ ما بيده فقط، فقسم على ستة، ولا يؤخذ ههنا من الأم والزوجة شيء، لأن السبع كاملاً بيد ولد الولد الذي مات، فما ناب ولد الأعيان ههنا دخلت فيه الأم والزوجة. وكذلك في انقراضهم عند ابن القاسم.
وقال سحنون: إذا انقرضوا لم تدخل الأم والزوجة فيما كان بأيديهم، وذلك أنه رجع إلى ولد الأعيان بأنهم أولى الناس بالمحبس من حبس أنفذ بأمر جائز.
قال أبو إسحاق التونسي: والذي قال ابن القاسم صواب، لأن مرجع الأحباس لا يصح أن يرجع مع وجود المحبس عليهم، فإن انقرض ولد الأعيان وولد الولد، رجع المحبس إلى أقرب الناس بالمحبس. ولا يصح وقف الإنسان على نفسه.
وقال الشيخ أبو إسحاق: إن حبس على نفسه وغيره صح ودخل معهم. وإن أفرد نفسه بالوقف بطل.
[وإذا] كان [الوقف] على جهة عامة، فإن كانت فيه قربة الوقف على الفقراء والعلماء والمساكين، فهو صحيح. وإن كان معصية، كالوقف على عمارة البيع، ونفقة قطاع الطريق، فباطل. وإن لم يشتمل على معصية، ولاظهرت فيه قربة، فهو صحيح أيضًا.
وكره مالك، في رواية علي بن زياد، إخراج البنات من الحبس إذا تزوجن. وروى عنه ابن القاسم في كتاب محمد والعتبية: "ذلك من عمل الجاهلية".
فرع: فإن وقع ذلك، ففي رواية ابن القاسم: "الشأن أن يبطل".وقال الشيخ أبو
стр. 963
إسحاق: من أخرجهن عنه بطل وقفه، وكذلك من شرط أن من تزوجت منهن بطل حقها، إلا أن يردها راد ينقض ذلك حتى يرد إلى الفرائض.
وقال ابن القاسم: "أرى إن فات (ذلك) أن يمضي على ما شرط، وإن كان حيًا لم يجز عنه أن يرده ويدخل فيه البنات".
وروى عيسى عن ابن القاسم: "أكره ذلك، فإن كان المحبس حيًا فليفسخه ويجعله مسجلاً. وإن مات لم يفسخ. وأنكر هذه الرواية سحنون) وفي مختصر الوقار: وجائز أن يحبس على الذكور دون الإناث، وعلى الإناث دون الذكور، وأن يساوي فيه بين الإناث والذكور. وجائز أن يقطع البنات بعد التزويج. وما شرط فيه من شرط مضى على شروطه.
قال القاضي أبو الوليد: "والخلاف في هذه المسألة مبني على الخلاف فيمن وهب لبعض بنيه دون بعض".
الركن الثالث: الصيغة.
أو ما يقوم مقامها في الدلالة على الوقفية، إذ ليست بمتعينة، بل يقوم مقامها ما يدل في العرف على معناها، كالإذن المطلق في الانتفاع على الإطلاق، كما لو أذن في الصلاة في المكان الذي بناه للصلاة إذنًا مطلقًا لا يتخصص بشخص ولا زمان لكان كاللفظ في الدلالة على الوقفية.
فأما الألفاظ التي يطلقها الواقف فضربان:
أحدهما: ألفاظ مجردة، وهي قوله: وقفت وحبست، وتصدقت. والآخر: ألفاظ يقترن بها ما يقتضي التأبيد. وهي أن يقول: محرم لا يباع ولا يوهب، أو أن يكون على مجهولين أو موصوفين كالعلماء والفقراء، فيجري مجرى المحرم باللفظ. ولفظ الوقف يفيد بمجرده التحريم.
وأما الحبس أو الصدقة بمعناه، ففيهما روايتان. وكذلك في ضم أحدهما إلى الآخر خلاف أيضًا. إلا أن يريد بالصدقة هبة رقبة العين، فتخرج عن هذا.
стр. 964
التفريع:
حيث قلنا: لا يتأبد، فإنه يرجع بعد انقراض الوجه الذي جعل فيه ملكًا لمالكه المحبس له، ثم ينتقل لورثته كسائر أملاكه. وقيل: لا يرجع إليه إذا سماه باسم الحبس. وحيث قلنا: يتأبد، فإذا انقرض الوجه الذي عين له رجع حبسًا على أقرب الناس إليهم من الفقراء.
فرعان:
الفرع الأول: قال عيسى عن ابن القاسم: "كل ما يرجع ميراثًا يراعى فيه من يرث المحبس يوم مات. وأما ما يرجع حبسًا فلأولاهم به يوم يرجع".
الفرع الثاني: إن القرابة الذين يرجع إليهم هم عصبة المحبس، رواه ابن القاسم في العتبية. وروى عن ابن القاسم يرجع إلى أقرب الناس من ولد وعصبة. وقاله مالك في كتاب محمد.
واختلف بعد القول برجوعه إلى العصبة، هل للنساء فيه مدخل، أم لا؟ فروى في كتاب محمد دخولهن فيه.
وروى عيسى عن ابن القاسم في العتبية: "يرجع إلى عصبة المحبس. قيل له: إنها ابنة واحدة، قال: ليس النساء عصبة، إنما يرجع إلى الرجال". وقال أصبغ: هي كالعصبة، لأنها لو كانت رجلاً، لكانت عصبة، ورأى ذلك كله لها. وفي كتاب محمد عن مالك: كل امرأة لو كانت رجلاً كان عصبة للمحبس فهي ممن يرجع إليها الحبس.
فرع مرتب:
إذا قلنا بدخول النساء، فكان أهل المرجع بنات وعصبة، فهو بينهم إن كان فيه سعة، وإلا فالبنات أولى من العصبة، ويدخل مع البنات الأم والجدة للأب دون الزوجة والجدة للأم. قاله ابن حبيب عن ابن القاسم. فإن انقرض جميع أصحاب المرجع صار حبسًا على الفقراء والمساكين.
الركن الرابع: في شرط الوقف:
وشرطه: خروجه عن يد الواقف؛ وتركه الانتفاع به قبل فلسه وموته ومرض الموت. فإن حبس في صحته، ثم أبقاه في يده مدة حياته أو إلى أن أفلس، أو إلى مرض موته،
стр. 965
بطل الوقف، وعاد الموقوف ميراثاً إذا لم تكن منفعته تصرف في مصرفه، فإن كان يصرفها فيه، في صحته ففي بطلانه وصحته ثلاث روايات، بفرق في الثالث وهو مذهب الكتاب بين أن يكون إنما يخرج الغلة، مثل أن يكون حائطًا أو أرضًا أو ما يشبهها مما يستغل، وكان يقبض الغلة ويصرفها فيالوجه الذي حبس عليه، فيكون الحبس باطلاً، وبين أن يكون إنما يخرج الأصل المحبس في نفسه مثل أن يكون فرسًا أو سلاحًا أو ما أشبههما، فيكون الحبس صحيحًا.
ويستثنى عن هذا الشرط حكم ما وقفه الواقف على من يلي عليه ممن لا يلي بنفسه، إذ قبضه له كقبضة لنفسه وحيازته إذا أشهد على ذلك، وكان يصرف الغلة في منافعه لا في منافع نفسه.
ثم يشترط في الشهادة بالحوز أن تكون على معاينته، ولا تكفي الشهادة على الإقرار بالحوز.
ولا يحتاج الوقف إلى شرط اللزوم، بل لا يقع إلا لازمًا، فلو قال: على أني بالخيار في الرجوع عنه وإبطال شرطه؛ لزم الوقف، وبطل الشرط.
ولا يشترط فيه التأبيد، بل لو قال: على أن من احتاج منهم باع، أو أن العين المحبسة تصير لأحدهم ملكًا؛ صح واتبع الشرط. وكذلك لو حبس على معين حياته، أو أطلق ولم يقل حياته، صح.
ولا يشترط أيضًا التخيير، بل لو قال: إذا جاء رأس الشهر فقد وقفت، صح إن بيت العين المشار إليها بالوقف إلى رأس الشهر. وكذلك لو قال: وقفت على من سيولد من أولادي، صح وانتظروا. ولو قال: على أولادي، ولا أولاد له يومئذ، فله البيع ما لم يولد له. وقال ابن القاسم: ليس له أن يبيع حتى يأس له من الولد.
(وقال ابن الماجشون: هو حبس يخرج من يده إلى يد ثقة، و (ثمرته) بعد ذلك حبس، فإن مات قبل أن يولد له رجع المحبس وغلته إلى أولى الناس بالمحبس يوم حبسها.
قال القاضي أبو الوليد: "ووجه ذلك أنه لما كان عقد الحبس لازمًا، وقد يتعلق بمن لا يجوز له، لزم إخراجه من يده ليصح الحوز فيه. فإن حدث له بعد ذلك ولد رد إليه، لأنه يصبح حوزه له.
قال غير ابن الماجشون: ولا يضر ذلك من مرجعه إليه لأن الحوز فيه قد تم". ولا
стр. 966
يشترط في الوقف إعلام المصرف، بل لو قال: وقفت، ولم يعين له مصرفاً، صرف إلى الفقراء، قاله مالك في الكتاب. وقال القاضي أبو محمد: "يصرف في وجوه الخير والبر".
ومهما شرط الواقف في تخصيص الوقف أو إجارته أو مصارفه اتبع شرطه، فلو شرط تخصيص المدرسة أو الرابط أو المقبرة بأصحاب مذهب مخصوص، أو بأقوام مخصوصين لزم واتبع. ولو اشترط ألا يؤاجر الوقف، صح واتبع الشرط. ولو قال: على ألا يؤاجر إلا سنة سنة، أو شهراً شهراً، أو يومًا يومًا أو ما زاد على ذلك أو نقص، صح واتبع شرطه
ولو قال: حبست على زيد وعمرو، ثم على المساكين بعدهما، فمات أحدهما، فإن كان ذلك الشيء الموقوف مما ينقسم ويتجزأ كغلة دار أو غلة عبد أو ثمرة، في حصته بعد موته للمساكين، وإن كان مما لا ينقسم كالعبد يختدم والدابة تركب، ففيها روايتان:
إحداهما: أنه كالذي ينقسم، ترجع حصة الميت إلى الوجه الذي بعده.
والأخرى: أنها ترجع على الحي منهما، فإذا انقرضا صارت إلى الوجه الذي بعدهما.
الباب الثاني: في حكم الوقف الصحيح ، وفيه فصلان:
الفصل الأول: في أمور لفظية
وهي تشتمل على مقتضى ألفاظ الواقف التي يعبر بها عن الموقوف عليهم، كالولد والعقب وغيرهما. ولنفرد كل لفظ منها ونبين حكمه.
فأما لفظ الولد ففيه خمس مسائل:
المسألة الأولى: إذا قال: وقفت على ولدي أو أولادي، فهو يتناول ولد الصلب وولد الذكور منهم دون ولد الإناث، ويؤثر البطن الأعلى. وقال المغيرة: بل يسوي بين الجميع.
المسألة الثانية: إذا قال: وقفت على ولدي وولد ولدي، أو على أولادي وولد أولادي. فروي في المجموعة أنه لا يدخل ولد البنات في ذلك لأنهم من قوم آخرين.
قال القاضي أبو الوليد: "قال أبو عبد الله بن العطار: هذا قول مالك. وكانت الفتوى عندنا، يريد بقرطبة، أن ولد البنات يدخلون في ذلك، وقضى به محمد بن إسحاق بن السليم بفتيًا أكثر من كان في زمانه.
المسألة الثالثة: إذا قال: وقفت على ولدي وأولادهم، أو على أولادي وأولادهم، فالخلاف في دخولهم أيضًا. وأولى بدخولم ههنا.
стр. 967
المسألة الرابعة: لو قال: وقفت على أولادهم ذكورهم وإناثهم، ولم يسمهم، ثم قال: وعلى أعقابهم، فالمنصوص دخولهم.
المسألة الخامسة: أن يقول وقفت على أولادي، ويسميهم بأسمائهم ذكورهم وإناثهم، ثم يقول: وعلى أولادهم، فولد البنات يدخلون فيه باتفاق المتقدمين والمتأخرين من أهل المذهب. قاله الشيخ أبو الوليد، ثم قال: "إلا ما روي عن ابن زرب وهو خطأ صراح، لا وجه له".
وأما لفظ العقب، فروي ابن القاسم: "أن قوله: على ولدي وولد ولدي، كقوله: على ولدي وأعقابهم سواء. والعقب: الولد من ذكر وأنثى، وولد ذكور الولد عقب آبائهم، وليس ولد البنات عقبًا، ذكرًا كان أو أنثى".
وقاله عبد الملك: إن البنات دنيا، وبنات البنين من العقب. وقوله: على ولدي وعلت عقبي سواء. وكذلك ذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون ومطرف.
وقال ابن الماجشون: ويجمع ذلك أن كل ذكر أو أنثى حالت دونه أنثى فليس بعقب.
(وأما لفظ البنين، فإنه يتناول عند مالك الولد وولد الولد الذكور ذكورهم وإناثهم.
قال مالك: من تصدق على بنيه وبني بنيه، فإن بناته وبنات بنيه يدخلن في ذلك.
وروى عيسى عن ابن القاسم: "فيمن حبس على بناته فإن بنات بنيه يدخلن بنات صلبه".
قال القاضي أبو الوليد: "والذي عليه جماعة أصحابه، أن ولد البنت لا يدخلون في البنين".
وأما لفظ النسل، فقال أبو عبد الله بن العطار: إنه كقوله: ولد ولده، على ما تقدم ذكره من خروج ولد البنات من ذلك في قول مالك، ودخولهم على ظاهر لفظ المحبس.
وأما لفظ الذرية، فقال أبو عبد الله أيضًا: لا خلاف في دخول ولد البنات في ذلك لقول الله تعالى: (وَمِن ذُرِيَّتِهِ دَوُدَ وَسُلَيمَنَ وَأَيُوبَ وَيُوسُفَ) إلى قوله: "وَعِيسِى"
стр. 968
فجعل عيسى من ذرية إبراهيم، وإنما هو ولد بنت.
وأما لفظ آل، فقال ابن القاسم: "آله وأهله سواء وهم العصبة والأخوات والبنات والعمات. ولا يدخل في ذلك الخالات".
قال القاضي أبو الوليد: "ومعنى ذلك عندي العصبة ومن كان في قعددهم من النساء. قال: "هذا (هو) المشهور من المذهب.
("وقال الشيخ أبو إسحاق: يدخل في الأهل من كان من جهة أحد الأبوين بعدواً أو قربوا".
وأما لفظ القرابة، ففي الموازنة والمجموعة عن مالك: فيمن أوصى بمال لأقاربه أنه يقسم على الأقرب فالأقرب بالاجتهاد. وقال في العتبية: "ولا يدخل في ذلك ولد البنات وولد الخالات". وروى ابن عبدوس عن ابن كنانة: يدخل الأعمام والعمات والأخوال والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. وروى علي بن زياد عن مالك: يدخل فيه أقاربه من قبل أبيه وأمه. وقال أشهب في المجموعة: إن كل ذي رحم منه من قبل الرجال والنساء محرم أو غير محرم، فهو ذو قرابة.
وأما لفظ الموالي، "فيشمل الذكور والإناث، واختلف فيمن يدخل معهم في الحبس، فروي أنه يدخل معهم موالي أبيه وموالي أمه وموالي الموالي. قال عنه ابن وهب: وأبناء الموالي يدخلون مع آبائهم.
وفي العتبية من رواية ابن القاسم "فيما إذا كان لهم أولاد وله موالي لبعض أقاربه، رجع إليه ولاؤهم، فلا يكون الحبس إلا لمواليه الذين أعتق، وأولادهم يدخلون مع آبائهم ي الحبس، إلا أن تخصهم تسمية.
وقال مالك بعد ذلك: إن موالي الأب والإبن يدخلون مع مواليه، ويبدأ بالأقرب فالأقرب
стр. 969
من ذوي الحاجة، إلا أن يكون الأباعد أحوج. وفي المختصر الكبير: أبناؤهم مع آبائهم.
"وقد اختلف في موالي الأب والابن، فقيل: يدخلون معهم، وقيل: لا يدخلون معهم. ويدخلون معهم أعجب إلي".
فرع: (إذا قلنا بدخول موالي أبيه وبنيه، ففي المجموعة فيمن حبس على مواليه فإنه يدخل فيه موالي ولد الولد والأجداد والأم والجدة والإخوة، ولا يدخل فيه موالي بني الإخوة، والعمومة، ولو أدخلت هؤلاء لأدخلت موالي القبيلة).
فرع مرتب:
إذا قلنا بدخول موالي هؤلاء، ففي المجموعة أيضًا أنه يبدأ بالأقرب فيؤثر على الأبعد إذا استووا في الحاجة، فإن كان الأقرب غنيًا أوثر المحتاج الأبعد عليه. وقاله مالك في العتبية في موالي الأب والابن.
(وأما لفظ القوم، فقال الشيخ أبو إسحاق: لو حبس على قومه أو على قوم فلان، فذلك على الرجال خاصة من العصبة دون النساء، واحتج بقوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم). ثم قال تعالى: (ولا نساء من نساء) ففرق بين القوم والنساء، ويقول زهير:
وما أدري سوف أخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
ومن وقف على إخوته دخل في ذلك الذكور والإناث من أي جهة كانوا، كقوله تعالى: (فإن كان له إخوة فلأمه السدس).ولو قال: على رجال إخوتي ونسائهم، دخل في الأطفال من الذكور والإناث كقوله تعالى: (وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء).
قال: ولو حبس على عصبته، لم يدخل فيه أحد من جهة الأم خاصة وإن قربوا، ودخل [
стр. 970
نسب الأب من الذكور وإن بعدوا. ولو قال: على أعمامي، لم يدخل أولادهم معهم. ولو قال: على ولد ظهري، لم يدخل فيه ولد ولده ذكورهم ولا إناثهم.
قال: ولو قال: على بني أبي، دخل فيه إخوته لأبيه أمه وإخوته لأبيه ومن كان ذكرًا من أولادهم خاصة مع ذكور ولده. وهذا يشعر بأنه لا يراد دخول الإناث تحت قوله: بني، وهو خلاف ما تقدم في الرواية في لفظ البنين.
قال: ولو قال: على أطفال أهلي، تناول من لم يبلغ الحلم ولا المحيض. وكذلك لو قال: على صبيانهم أو صغارهم.
ولو قال: على شبانه/ أو على أحداثهم، كان ذلك لمن بلغ منهم إلا أن يكمل أربعين عامًا، ولو قال: على كهولهم، كان لمن جاوز الأربعين من ذكورهم إناثهم، إلى أن يكمل الستين ولو قال: على شيوخهم، كان على من جاوز الستين من الذكور والإناث.
(قال): ولو قال: لأراملهم، لكان للرجل الأرمل كالمرأة الأرملة، واستشهد بقول الخطيئة.
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
الفصل الثاني: في الأحكام المعنوية ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: إن حكم الوقف اللزوم في الحال إذا أنجزه، ولم يضفه إلى ما يستقبل من موته أو غير ذلك. ولا تقف صحته ولا نفوذه على حكم حاكم به.
وتأثير إبطال تخصيص المالك بالمنفعة، ونقلها إلى الموقوف عليه، وسلب أهلية التصرف في الرقبة بالإتلاف والنقل إلى الغير.
وأما ملك العين المحبسة فهو باق للمحبس، أعني رقبة الموقوف. ثم هي خارجة من رأس المال إن كان التحبيس في الصحة منجزًا، فإن كان فيها بوصية، أو كان في المرض، فهي من الثلث.
المسألة الثانية: إن الموقوف عليه يملك الغلة والثمرة واللبن والصوف والوبر من الحيوان.
"وروى ابن القاسم في بقرات محبسه تقسم ألبانها في المساكين فتوالدت، قال: وما
стр. 971
ولدت من الإناث فهو كسبيلها، وما ولدت من الذكور فلضرابها، إلا أن تكثر فيباع من الذكور ما فضل عن نزوها، ويشتري بالثمن إناث تكون مقامها، وما كبرت من الإناث حتى انقطع منها اللبن، فتباع كالذكور، ويرد ذلك في إناث تكون معها وفي علوفتها".
وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون في البعير أو الفرس أو التيس يحبسه للضراب، فينقطع ذلك منه لكبر، فلا أرى أن يباع ذلك، إلا أن يكون شرط ذلك في أصل الحبس. ونحوه عن ابن الماجشون في المجموعة، قال عنه فيها: وإن شرط إن هرم أو فسد بيع واشترى غيره، فذلك جائز، ولا أحبسه يجوز إن لم يشترط.
المسألة الرابعة: إن نفقة الموقوف من غلته، إن كانت له غلة، كالدور والحوانيت والفنادق والبساتين والإبل والغنم والعبيد المقصود منهم الغلة. وإن كانت الدار للسكنى، فإما أصلح الساكن، وإما خرج فأكربت بما تصلح به.
وأما ما وقف لا لغلة، كالفرس يجاهد عليه، والعبد لصنعة تراد منه، فالنفقة عليهما من بيت المال، فإن لم يكن بيع ذلك، واشترى بالثمن ما لا يحتاج إلى نفقة، كالسلاح والدروع ونحوها. وقال ابن الماجشون: لا يجوز بيع ذلك. وكالمساجد والقناطر، فالنفقة عليها من بيت المال، فإن لم يكن، ولم يوجد من يحتسب لله، بقي ذلك حتى يهلك، ولم يلزم الواقف
стр. 972
ولو شرط الواقف (للدار) أن إصلاح مارث على الموقوف عليه، لم يجز ذلك ابتداء. ولكن إن وقع ذلك مضى الوقف، وبطل الشرط، (والمرمة) من الغلة. وقال محمد: يرد الوقف ما لم يقبض.
المسألة الخامسة: إذا علم شرط الواقف في المصرف لم يتعد، كان مقتضاة المساواة أو التفضيل، فإن تعذر العثور عليه قسم على الأرباب بالسوية، فإن لم يعرف الأرباب كان كوقف لم يعين له مصرف.
المسألة السادسة: إذا أجر المتولي الوقف على وفق الغبطة في الحال، ثم ظهر طالب بزيادة لم يفسخ.
المسألة السابعة: لا يجوز نقض بنيان الحبس لتبني فيه الحوانيت للغلة، وهو ذريعة إلى تغيير الحبس. ومن هدم حبسًا من أهل الحبس أو من غيرهم، فعليه أن يرد البنيان كما كان ولا تؤخذ منه القيمة.
وأما إن قتل حيوانًا وقفاً، كالعبد والدابة، أخذت منه قيمة، فاشترى بها مثله، وجعل وقفًا مكانه، وإن لم يوجد مثله فشقص من مثله، وقيل: إذا لم تبلغ ثمن عبد قسمت كالغلة. وإذا انكسر الجذع لم يجز بيعه، بل يستعمل في الوقف.
وكذلك النقض. (قال الشيخ أبو إسحاق: ولا يباع نقض الوقف. قال: ومن أصحابنا وغيرهم من يرى بيعه، ولست أقول به). ولا يناقل بالوقف وإن خرب ما حواليه، وقد تعود العمارة بعد الخراب. قال محمد بن عبدوس: ولا خلاف في المساجد أنها لا تباع. قال: وبقاء أحباس السلف داثرة دليل على منع بيعها وميراثها، وكذلك حبس العقار عندنا، الدور وغيرها، لا سبيل إلى بيع شيء من ذلك وإن دثر وانتقلت العمارة عن مكانه، اللهم إلا أن يكون مسجد تحيط به دور محبسة، فاجتاح إلى سعة، فقد قالوا: لا بأس أن يشتري منها ليوسع بها فيه.
(والطريق أيضًا كالمسجد في ذلك، لأنه نفع عام أعم من نفع الدار المحبسة. قال ابن حبيب عن مالك. قال ابن الماجشون: وذلك في مثل جوامع الأمصار دون مساجد القبائل.
стр. 973
وقاله مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ). وكذلك ما سوى العقار من الأعيان المحبسة مثل الحيوان والعروض على إحدى الرواتين، وبها قال ابن الماجشون، وإن ذهبت منفعتها. وروى ابن القاسم: "أن ما سوى العقار إذا ذهبت منفعته التي وقف لها كالفرس يكلب أو يهرم، بحيث لا ينتفع به فيما وقف له، أو الثوب يخلق بحيث لا ينتفع به في الوجه الذي وقف له وشبه ذلك أنه يجوز بيعه ويصرف ثمنه في مثله، ويجعل مكانه، فإن لم يصل ثمنه إلى كامل من جنسه جعل في شقص مثله".
فروع:
الفرع الأول: قال عبد الملك: ويجوز كراء ولي الصدقة بما يرى من النظر والحظ السنة والسنتين، وما يجوز مثله للوكيل، وأما أن يحابي بطول فلا يجوز لأنه إنما يليها ما دام حيًا.
قال: ولا يجوز أن يكريها بنقد، لأنه قد يضع في ذلك وهو لا يقسم الكراء عليهم قبل كمال [سكني المكتري]، لأنه إنما يقسم على من يحضر يوم القسم فمن ولد قبل القسم ثبت حقه، ومن مات قبله سقط، وإذا قسمه قبل أن يجب بالسكنى فقد يموت من أخذ منه قبل أن يجب له، ويحرم من جاء قبل الوجوب ممن يولد بعد القسم. قال: وأما أن يكري من مرجع الرقبة لآخر بعده، فيجوز له أن [يعقد الكراء] مثل الأربع سنين والخمس. قال: وقد أكرى مالك ﵀ منزله عشر سنين، وهو صدقة على هذا الحال. واستكثر المغيرة وغيره عشر سنين.
الفرع الثاني: إذا بنى بعض أهل الحبس فيه، أو أدخل خشبة، أو أصلح ثم مات وقد أوصى به، أو قال: هو لورثتي، فذلك لهم، فإن لم يذكره فلا شيء لهم.
قال ابن القاسم في المجموعة: قل البناء أو كثر، إلا أن يقول لورثته خذوه، فذلك لهم. قال محمد: وأخبرني ابن عبد الحكم عن ابن القاسم بخلافه، أنه قال: ذلك لورثته. ولم ير ما قال مالك. وقال: ما كان لأبيهم حيًا، فهو لورثته ميتًا. قال محمد: والأول من قول ابن القاسم أعجب إلي أن ذلك لورثته ما لم تكن مرمة. وقال المغيرة: أما الشيء اليسير من ستر
стр. 974
وميازيب، وما لا يعظم قدره، فهو للحبس. وأما المقترح كله، فهو له يورث عنه، ويقضي به دينه. وبه قال عبد الملك.
قال أبو إسحاق التونسي: وهو الصواب، قال: ولعل ابن القاسم تكلم على عادة جرت عندهم.
الفرع الثالث: إذا أراد أحد أن يزيد في حبس غيره أو ينقص، منعه من ذلك الواقف أو وارثه، أو الإمام إن لم يمنع الواقف ولا وارثه. ولو أطلقوا ذلك له في النقص ما جاز إطلاقهم، ومنعه الإمام. ولو خرب (فأراد) غير الواقف إعادته فمنعه الواقف، أو وارثه، كان ذلك له.
الفرع الرابع: في قسم الحبس بين أهله في في الغلة والسكنى.
"قال مالك في المجموعة فيمن حبس على قوم وأعقابهم، فإن ذلك كالصدقة، يوصي أن تفرق على المساكين، فلمن يليها أن يفضل أهل الحاجة والمسكنة والمؤونة والعيال والزمانة. وكذلك غلة الحبس يفضل أهل العيال بقدرهم، والكبير الفقير على الصغير لعظم مؤونة الكبيرة، والمأة الضعيفة تفضل بقدر ما يراه من وليها، ولا يعطي منها الغني شيء ا، ويعطي المسدد بقدر حاله، وإن كان للأغنياء أولاد كبار فقراء وقد بلغوا، أعطوا بقدر حاجتهم.
ومن أوصى بداره أو بثمرة حائطه حبسًا على ولد رجل أو ولد ولده، أو على بني فلان، بدئ بأهل الحاجة منهم في الغلة والسكنى. قال ابن القاسم: وأما الوصايا بمال ناجز يفرق عليهم، فإنما يفرق بينهم بالسوية. قال سحنون: وقال غيره: ليس وصيته لولد رجل أو أخواله بمال ناجز يقتسمونه بمنزلة وصيته لهم بغلة نخل تقسم بينهم محبسة موقوفة، لأن القصد في الحبس مجهول من يأتي.
وإذا أوصى لبني تميم، أو من لا يحاط بهم، فهذا وإن كان وصية ناجزة، فقد علم أنه لم يرد معينين، وإنما هو لمن حضر القسمة وعلى الاجتهاد. قال غيره في الأحباس على الموالي يريد أو الولد.
أما إن استووا في الفقر والغنى، فليؤثر الأقرب، ويعطي الفضل لمن يليه. (وإن كان الأقعد غنيًا، أوثر الأبعد المحتاج، فيقسم على الاجتهاد في الغلة والسكنى.
وأما ما حبس على قوم بأعيانهم من دار أو من زرع أو من نخل، فذلك فيما بينهم بالسواء، الذكر والأنثى والغني والفقير بالسوية)
стр. 975
(وقال ابن القاسم في كتاب محمد: قال مالك ومن حبس على الفقراء أو في سبيل الله وابن السبيل وذوي القربى وفي قرابته غنى، فلا يعطي منه، ولكن ذووا الحاجة.
قال ابن حبيب: وقول مالك وأصحابه: إن الذكر والأنثى في الحبس سواء إلا أن يقع شرط.
قال عبد الملك في كتاب محمد: لا يفضل ذوو الحاجة على الغني في الحبس إلا بشرط من الذي حبسه، لأنه تصدق على ولده، وهو يعلم أن منهم الغني والمحتاج.
وفي العتبية من رواية عيسى عن ابن القاسم، وذكر مثله ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم في قسم الحبس بين أهله في الغلة والسكنى: "ليس على كثرة العدد والمبادرة والمقدم فيه أهل الحاجة منهم، وليس على عددهم، لكن بقدر كثرة عيال أحدهم إن كان سكني، أو عظم مؤنه وخفتها. وإذا كانت غلة فبقدر حاجتهم وأعظمهم فيها حظًا أشدهم فاقة، فما فضل بعد حاجتهم رد على الأغنياء، يسكن كل واحد على قدر ماله وكثرة حاجته، ليس الأعزب كالمتأهل المعيل. والحاضر أولى بالسكنى من الغائب. والغلة بين الحاضر والغائب سواء. والمحتاج الغائب أولى فيها من الغنى الحاضر؛ وذلك على الاجتهاد".
ولا يخرج أحد من مسكنه ولو كان غنيًا لغيره، وإن كان الغير محتاجًا، ولم يكن في الدار سعة.
ومن خرج من مسكنه، لسفر، فإن كان لتجارة أو لحاجة ثم يرجع، فهو كالحاضر، وإن كان ليستوطن غير البلد، وينقطع عن البلد الأول، وكان الحبس سكني ولم يكن غلة، فالميم أولى منه. ثم إن قدم لم يخرج له غيره وإن كان القادم أحوج منه، أو كان الذي أقام غنيًا.
وروى ابن القاسم: "أن من حبس على ولده أو غيرهم حائطًا وسمى لبعضهم ما يعطى كل عام من الكيل، ولم يسم للآخرين، فيبدأ بالذين سمى لهم، إلا أن يعمل في ذلك عامل، فيكون أولى بحقه. (قال) ابن القاسم: وكذلك في غلة الدور".
стр. 976
كتاب الهبة
وفيه بابان:
الباب الأول: في أركان الهبة وشرطها
أما الأركان فثلاثة:
الركن الأول: السبب الناقل للملك، وهو صيغة الإيجاب والقبول الدالة على التمليك بغير عوض، أو ما يقوم مقامها في الدلالة على ذلك من قول أو فعل. ويتصل بالصيغة حكم العمرى والرقى.
أما العمري: فصورتها أن يقول: أعمرتك داري أو ضيعتي، فإنه قد وهب له الانتفاع بذلك مدة حياته. وحكمها: الجواز والصحة والنفوذ.
(فإذا) مات رجعت الرقبة إلى المالك الذي هو المعمر، وإن قال: أعمرتك وعقبك، فإنه قد وهب له ولعقبه الانتفاع ما بقي منهم إنسان، فإذا لم يبق منهم أحد رجعت الرقبة إلى المالك الذي هو المعمر، لأنه وهب له المنفعة. ولم يهب الرقبة.
وكذلك لو قال: أسكنتك هذه الدار عمرك، أو وهبتك سكناها عمرك. أو قال: هي لك سكنى، أو لك ولعقبك سكنى. فإذا مات المعمر أو انقرض العقب المعمر بعد وفاة المعمر (الواهب)، رجعت الرقبة إلى وارث المعمر يوم مات.
стр. 977
وأما الرقبى: فصورتها أن يقول إنسان لآخر: إن مت قبلك فداري لك، وإن مت قبلي فدارك لي، وحكمها عدم الجواز، لان كل واحد منهما يقصد إلى عوض لا يدري هل يحصل له أو [يحصل] عليه، ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه. وليس كذلك العمرى، لأن المعمر لا يقصد عوضًا عن الذي أخرج عن يده.
قال القاضي أبو الحسن: "وأما لو قال: إن مت قبلك فداري لك، وإن مت قبلي فهي لي، فهذا عند (لا يجوز، لأنها) وصية، إن مات الموصي فهي للموصي له من الثلث، وإن مات الموصي له قبل موت الموصي بطلت الوصية، قال: وهذه صفة الوصايا".
الركن الثاني: الموهوب. وهو كل مملوك يقبل النقل، ولا يمتنع بالشيوع وإن قبل القسمة.
وتصح هبة المجهول والآبق والكلب، وهبة المرهون تفيد الملك، ويجبر الواهب على افتكاكه له. وقيل: ليس عليه أن يجعل الدين إذا حلف أنه لم يرد التعجيل، ويكون المرتهن بالخيار بين أن يرضى بخروجه من الرهن، ويمضي هبته، أو يبقيه إلى الأجل، فإن حل والواهب موسر قضي الدين وأخذ الموهوب له الرهن. وإن كان مم يجهل أن الهبة لا تتم إلا بعد تعجيل الدين حلف على ذلك، ولم يجبر على التعجيل قولاً واحدًا.
وهبة الدين تصح كما يصح رهنه، ثم قبضه كقبضه في الرهن مع إعلام المديان بالهبة.
الركن الثالث: الوهب. (وهو) كل من له أهلية التبرع، فلا هبة لمحجور، وتصح هبة المريض من ثلثه، إذ لا حجر عليه فيه.
وأما الشرط فهو الحوز، وقد روى ابن وهب: أن أبا بكر وعمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ﵃ قالوا: لا تجوز صدقة ولا عطية إلا بحوز قبض، إلا الصغير من ولد المتصدق فإن إباه يحوز له. وإنما الحوز شرط في التمام والاستقرار، لا في الصحة واللزوم إذا ثبتا بوجود السبب.
وكذلك يجبر الواهب عليه ويحصل من غير تحويزه، بل لا يعتبر علمه به، فضلاً عن إذنه فيه، ولو علم لم يشترط رضاه، لأنه لو منعه قضي عليه به وكذلك لو قهره عليه لصح له بذلك، نعم يشترط حصول الحوز مقارنًا لصحة جسمه وعقله وقيامه وجهه، كما يأتي تفصيل ذلك وعقود المرافق، مثل العارية والقرض، كالهبة في ذلك.
стр. 978
ثم النظر فيما يحصل به الحوز، وحكم ما يصدر عن الواهب مقارنًا له، أو متقدمًا عليه، أو متأخراً عنه، مما يمنع منه أو لا يمنع.
ولنذكر فروع النوعين متوجهة كما ذكرها الأصحاب، ونورد ألفاظهم في ذلك طالت لمسيس الحاجة إلى استيعابها، وذكر ما فيها من الوفاق الخلاف فنقول: إذا مات الواهب قبل الحوز بطلت الهبة بشاهد أو شاهدين حتى يزكيا، فمات الواهب، فقال ابن لقاسم ومطرف وأصبغ: هذا حوز، وقد صحت الهبة. وقال ابن الماجشون: ليس هذا بحوز وقد بطلت.
وأما إن مرض فيبطل القبض ولا تبطل الهبة إلا أن يموت من مرضه ذلك، فإن أفاق صحت ولزمت وأجبر الواهب على الإقباض. وأما إن جن فقال ابن القاسم في العتبية: "بطلت الهبة".
قال الأصحاب: معناه إذا اتصل بالموت، فأما لو أفاق، فالصدقة صحيحة. وقال أشهب: إن وقع القبض في حال مرض الموت، أو في (حال) ذهاب عقل الواهب، قضي له الآن بثلثها، فإن صح قضي له بباقيها. ولا أرى قول من قال: يحوز كلها من الثلث، ولا يقول من أبطل جميعها.
فأما إن استحدث دينًا ففلس، بطلت، والغرماء أحق. ولو بقي في الدار الموهوبة باكتراء أو بإرفاق أو إعمار أو نحوه حتى مات، فليست هذه حيازة وقد بطلت الهبة.
قال ابن القاسم: إلا أن تكون الواهبة زوجة الموهوب له، فيتماديان على السكنى، فإن ذلك حيازة.
ولو وهب الزوج لزوجته ثم (تماديا) على السكنى، لم تصح هذه الحيازة، لأن اليد في السكنى للزوج.
فأما لو وهب أحد الزوجين للآخر خادمًا أو متاعاً من متاع البيت، فروى ابن القاسم فيمن تصدق على امرأته بخادمة وهي معه في البيت تخدمها بحال ما كانت، فذلك جائز.
стр. 979
وقال ابن المواز عن ابن عبد الحكم وابن القاسم وأصبغ: وكذلك متاع البيت.
وروى أشهب: إذا أشهد لها بهذه الخادمة فتكون عندها كما هي في خدمتها، فهذا ضعيف، وما هذا بالبين.
وكذلك لو وهبته هي خادمها أو متاعًا في البيت، فأقام ذلك على حاله بأيديهما، فهو ضعيف.
وإذا حاز المتصدق عليه بالدار، ثم رجع المتصدق إليها بعد أن خرج منها، حازها الموهوب له باكتراء أو بإرفاق، فإن كان بعد مدة قريبة، فحكى الأستاذ أبو بكر اتفاق علماء أهل المدينة على أنها باطلة. وإن كان بعد طول المدة، فروى محمد عن مالك وأصحابه: إن رجع إليها بعد السنة لم تبطل الهبة.
وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون أنها تبطل وإن طالت المدة إذا مات فيها.
فأما لو خاف الواهب، فاختفى عند الموهوب له في الدار وأضافه وأكرمه فمرض فيها فمات، فالصدقة صحيحة ولو كان ذلك بعد الحيازة بيوم. قاله مطرف وابن الماجشون.
وأما إذا باع الواهب الهبة، فقال في الكتاب: "إذا علم الموهوب له فلم يقبضها حتى باعها المتصدق نفذ البيع، والثمن للمتصدق عليه، وإن لم يعلم فالبيع مردود ما دام المتصدق حيًا، فإن مات قبل أن يعلم فلا شيء له، والبيع ماض".
قال أبو محمد: اضطرب فهيا قول ابن القاسم، فروى عنه أبو زيد" يرد البيع، ويأخذ الموهوب له صدقته.
وكذلك لو وهبها وقال أشهب: بل البيع أولى وتبطل الصدقة. وأما إن وهبها الواهب لرجل آخر قبل القبض، فإن حازها الثاني فروى محمد عن ابن القاسم: الأول أولى، قال: وليس هذا ب شيء، بل الحائز عندي أولى. وهو قول الغير في الكتاب.
فإن أعتق الواهب الأمة قبل القبض أو استولدها، فقال ابن القاسم: ينفذ العتق والاستيلاد، ولا شيء للمتصدق عليه. وقال ابن وهب: يرد العتق، وعليه قيمة الأمة المستولدة.
وأما لو رهنها الواهب ثم مات، فقال ابن القاسم: يثبت الرهن وتبطل الهبة.
ولو باعها الموهوب له فلم يقبضها المشتري حتى مات الواهب، فروى ابن وهب: إن البيع حيازة. وقاله مطرف وابن الماجشون. وقال أصبغ: ليس البيع حيازة ولا غير ذلك، إلا العتق وحده.
стр. 980
ولو وهبها الموهوب له، ثم مات الواهب، (فروى) ابن حبيب عن مالك ومطرف: أن الهبة حوز. وقال ابن القاسم وابن الماجشون: الهبة لا تكون حوزًا، لأنها محتاجة إلى حيازة.
ومن حبس داراً فسكن في بيت صغير أو شيء يسير منها، أو دوراً عدة فسكن داراً منها يسيرة فيما بقي، حاز الكل، ما سكنه وما لم يكن، ويبطل ما سكن، ولم يفرق في الموضعين بين القليل والكثير. وقيل: يبطل الجميع.
فروع: في هبة ما تحت يد الغير، ومقصودها النظر في أنه هل يقوم استمرار قبضه مقام قبض الموهوب له في حصول الحوز، أم لا؟
الفرع الأول:: إذا وهب ما تحت يد الغاصب، فقال ابن القاسم وأصبغ: لا تكون حيازته حيازة للموهوب له. وقال أشهب: بل هي حيازة. قال محمد: وهو أحسن، لأن الغاصب ضامن، فهو كدين عليه، فإن حوزه بالإشهاد. واختاره سحنون. وأنكره يحيي.
فأما إن وهب المودع ما تحت يده، فلم يقل: قبلت، حتى مات الواهب، فقال ابن القاسم: القياس أن تبطل. وقال أشهب: بل هي جائزة، وهي حيازة، لأن كونها بيده أحوز الحوز. قال في كتاب محمد: إلا أن يقول: لا أقبل. قال محمد: وهو أحب إلي.
وكذلك من وهبته هبة، فلم يقل: قبلت، وقد قبضها لينظر رأيه، فمات الواهب، فهي ماضية إن رضيها، وله ردها.
وروى عيسى عن ابن القاسم "في امرأة تصدقت بمهرها على زوجها، فأعطته كتابها، فقبله، ثم تسخط بعد أيام فرد عليها الكتاب فقبلته بشهادة بينة، فلا شيء لها عليه، بمنزلة عطية منه لم تقبض". قال: "وإن تصدقت عليه بصداقها فقبله، ثم منت عليه، فجدد لها كتابًا يكون عليه حالاً أو إلى موته، فهذا إن لم تقبضه في صحته فهو باطل".
وروى عنه، أيضًا، "فيمن سأل زوجته في مرضه أن تضع عنه مهرها، ففعلت، ثم رجعت بعد صحته أو موته: فليس لها ذلك، بخلاف وضع ميراثها. وقاله مالك".
стр. 981
الفرع الثاني: إذا وهبه ما تحت يد المودع، ثم مات الواهب، فهي حيازة إن علم المودع. قال: ولو كتب إلى وكيله: يدفع له مائة، فأعطاه خمسين، ثم مات الواهب، لم يكن له شيء غير ما قبض. ورواه ابن حبيب عن مطرف وأصبغ.
والفرق أن الوكيل مأمور بالدفع، فهو فيه نائب عن المعطي، ويده كيده، والمودع ليس بمأمور بذلك وإنما هو مأمور بحفظ الوديعة، فإذا علم أنها صارت له صار حافظًا له، صارت يده كيده.
الفرع (الثالث): المخدم والمستعير، وحيازتهما حيازة للموهوب له إذا أشهد. قال أبو إسحاق التونسي: وقد رأى (ابن القاسم) أنهما حائزان للموهوب، ولم يشترط علمهما بذلك كما شرط علم المودع.
وقال عبد الملك: إذا تقدمت الخدمة لم يكن المخدم حائزاً للموهوب، ولم يشترط علمهما بذلك كما شرط علم المودع.
وقال عبد الملك: إذا تقدمت الخدمة لم يكن المخدم حائزًا للموهوب، وإن أخدم ووهب في مرة واحدة كان ذلك حيازة للموهوب.
قال أبو إسحاق: وقد لا يحتاج ابن القاسم إلى علم المخدم والمستعير لأنهما إنما حازا الرقاب لمنافعهما.
ولو قالا: لا تجوز للموهوب ما التفت إلى قولهما، إلا أن يبطلا ما لهما من المنافع، وهما غير قادرين على ذلك لتقدم قبولهما، فلا يقدران على رد ما قبلاه، فصار علمهما غير مفيد والمودع لو شاء قال: خذ ما أودعتني لا أحوز لهذا، فله ذلك.
الفرع الرابع: المترهن والمستأجر.
ولا تكون حيازتهما حيازة للموهوب له، إلا أن يشترط أن الإجازة له مع الرقبة فيحوز. واختار أشهب حوز المستأجر وإن لم يهب الواهب الإجارة.
الفرع الخامس: الرسول، مثل أن يرسل معه هدية أو صلة إلى غائب، فيموت المرسل أو المرسل إليه قبل وصول ما أرسل به، فإن أشهد على ما أرسل فهو للمعطي، وإن لم يشهد بذلك، ففي الكتاب: "إن مات أحدهما رجع المرسل به إلى الذي أعطاه أو لورثته.
стр. 982
وعلل ذلك بفوات الحوز أو عدم القبول. وروى يحي بين يحيي عن ابن القاسم أنه قال: إنما هو إذا اشتراه لصغار ولده وأبكار بناته ممن يجوز حوزه لهم، فهذا إن أشهد عليه وأعمله جاز.
وفي كتاب ابن حبيب: من ما منهما رجعت إلى ورثته، ومعنى ذلك أنه إن مات المعطي بطلت العطية فرجعت إلى ورثته، وإن مات المعطي لم تبطل العطية وكانت لورثته.
وأجرى الأصحاب مجرى هذا ما يستصحبه الحاج أو غيره من الهدية لأهله أو غيرهم.
الباب الثاني: في حكمها ، وهي قسمان:
القسم الأول:
ما قيد بنفي الثواب، وحكمه أن يلزم بالقبول، ويستقر بالقبض كما تقدم.
ثم هذا القسم ضربان: ضرب يراد به المودة والمحبة. وض ب يراد به وجه الله تعالى من صلة الرحم والهبة للفقير واليتيم، ونحو ذلك.
فأما الضرب الأول، فلا رجوع فيه، إلا للوالد فيما وهبه لولده، وفي معناه الوالدة.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن حازها الأب لم تعتصرها الأم، لأنها لا تعتصر ما ولايته إلى غيرها. وكذلك إن لم يكن له أب، ولم يكن في ولايتها.
قال أبو الحسن اللخمي: وإنما نوى ذلك لها إذا لم تخرج العطية عن يدها والولد في ولايتها، ولا يلحق بهما الجد ولا الجدة. وروى أشهب: أنهما في معناهما. وقال به ابن عبد الحكم.
وأما الضرب الثاني، فلا اعتصار فيه، ولا رجوع لأب ولا أم ولا غيرهما، وكون (الولد) صغيرًا عديم الأب في حال الهبة يمنع (الأم) من الاعتصار ولو بعد البلوغ. قال القاضي أبو الوليد: ("هذا قول جل أصحاب مالك". قال: "وروى محمد عن أشهب: إلا
стр. 983
أن يكون موسرًا، فلها أن تعتصر منه كما (تعتصر) من الكبير".
ولو كان الأب موجودًا يوم العطية، فلم تعتصر الأم حتى مات الأب، كان لها أن تعتصر، لأنها لم تكن عل وجه الصدقة. وفي كتاب محمد: لا تعتصر إذا مات الأب قبل بلوغ الولد. قال أبو الحسن اللخمي: "والأول أحسن، لأن المراعي وقت العطية، هل كانت هبة أو صدقة؟ ".
فروع متتالية: في الرجوع.
ومهما تلف الموهوب أو زال ملك (المتهب)، أو تزوجت البنت، أو أدان الابن لأجل الهبة، أو مرض أحدهما، فات الرجوع. وروى أشهب في كتاب محمد: أن للأب أن يعتصر وإن كان مريضًا. وقال أيضًا: لا يعتصر لأنه حينئذ يعتصر لغيره، وإن كان الابن هو المريض فلا أدري.
ولو وهب له وهو على حال من هذه الحالات، فقال ابن الماجشون: لا يعتصر كما لو تقدمت العطية على هذه الحوادث. وقال أصبغ: إذا كانت الحال واحدة، كالحال يوم العطية فله الاعتصار. وحيث منعنا الرجوع للدين، فلو قضاه لم يعد له حق الرجوع. (وهل يعتبر كونه كثيرًا يداين لمثله، قال ابن الماجشون: لا يعتبر ذلك. وروى مطرف اعتباره. وقاله ابن القاسم في العتبية.
(وإذا منعنا الرجوع للمرض، فزال المرض، عاد حق الرجوع عند ابن القاسم. وقال أصبغ: ما زال به الاعتصار من مرض أو غيره يومًا واحدًا فلا يعود بزواله).
وقال ابن الماجشون: من قول مالك جملة، إن العصرة إذا امتنعت ساعة لم ترجع.
стр. 984
وقال المغيرة وابن دينار: إذا صح المعطي أو المعطي رجعت العصرة، كما تنطلق يده من ماله فيماكان ممنوعًا منه.
وتغير الهبة في قيمتها بتغير الأسواق لا يمنع من الرجوع فيها. ولو زادت في عينها أو نقصت منع ذلك من [الرجوع فيها]. وقال مطرف وابن الماجشون: لا يمنع ذلك من اعتصارها.
ولو ولدت الأمة كان له أن يرتجعها دون الولد.
قال أبو الحسن اللخمي: "إلا أن يعتصره بفور الولادة". ووطء الابن الجارية الموهوبة له من أبيه يفيتها عن الاسترجاع وإن كانت ثيبًا ولم تحمل. والقول قوله في وطئها إذا غاب عليها. وقال المغيرة: لا يمنع الوطء الاعتصار. وبه قال ابن الماجشون. وقال: توقف تستبرأ، فإن حملت بطل الاعتصار).
فرع: قال ابن القاسم: "من تصدق بصدقة، لم ينبغ له أن يرتجعها بعوض أو بغير عوض، وإن كانت نخلاً فلا يأكل من تمرها، أو دابة فلا يركبها، إلا أن ترجع إليه بميراث وذلك للنهي عن ارتجاعها، ولأنه ضرب من الرجوع فيها، لأن المعطي يستحيي منه، فيحط عنه من ثمنها ما لا يحط لغيره، فيكون رجوعًا عن ذلك القدر".
القسم الثاني: الهبة المطلقة
وهي على ما اتفقا عليه من اقتضاء الثواب أو عدمه، فإن اختلفا في مقتضاها نظر إلى شواهد الحال، فإن كانت بين غني وفقير، فالقول قول الفقير مع يمينه لشهادة العرف له، وكذلك الحكم حيث شهد لأحدهما، فإن استوت نسبتهما إليه,، فالقول قول الواهب مع يمينه.
стр. 985
فرعان:
الفرع الأول: في نوع الثواب وقدره.
أما نوعه الذي يلزم قبوله باتفاق فالدنانير والدراهم، ورأى أشهب انحصاره فيهما، إلا أن يتراضيا على غيرهما لأنهما أصول الأثمان وقيم المتلفات عند التشاح.
وروى سحنون أن كل ما يتمول يصح أن يكون ثوابًا، ويلزم الواهب قبوله إذا كان فيه وفاء بقيمة هبته، لأن الغرض الثمن. ووافقه ابن لقاسم في عدم الاقتصار على العين، إلا أنه استثنى منها الحطب والتبن وشبههما مما لا يثاب في العادة بمثله.
وأما قدر الثواب فمبلغ قيمة الموهوب. ولا يلزم الواهب قبول دونها، ولا الموهوب له بذل زائد عليها.
وفي كتاب ابن حبيب عن مطرف من قوله وروايته، أن للواهب أن يأبى وإن أثابه أكثر من قيمة الهبة إذا كانت العين الموهوبة قائمة.
قال مطرف: لأنه لو أراد قيمتها لباعها في السوق ولم يتعرض بها أحدًا، وإنما أهداها رجاء الفضل وعظم المثوبة. وقال ابن الماجشون: إذا أثابه القيمة لزمه ذلك على ما أحب أو كره، وإن لم تفت الهبة كالأول، وهو المشهور. ثم إذا أثابت فليس له الرجوع في الثواب بعد تعينه وإن لم يقبضه الواهب.
الفرع الثاني: في التصريح بشرط الثواب. وإذا صرح به وكان معلومًا، فهو بيع، وتثبت فيه أحكامه. فإن كان لعوض غير معلوم مع التصريح باشتراطه، فصححه ابن القاسم، ومنعه ابن الماجشون في رواية ابن حبيب عنه، وأخذ به سحنون، وعلل بأنه يصير بيعًا فاسدًا للجهل، بثمنه، إذ هو كبيع سلعة بقيمتها.
следующие страницы →