← Фикх малики

Фикх малики · id 14608

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - كتاب الطهارة - ط جامعة الإمام

ابن القصار

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قضايا في أعيان مخصوصة محتملة، ويمتنع أن تكون يد عائشة وقعت على أخمص النبي ﵇ وهو في الصاة، مقبل على ربه - تعالى - مشغول بخشوعه فليتذ بوقوع يدها عليه. ويحتمل أن يكون ﵇ كان في دعاء، والدعاء يسمى صلاة، ولا يحتاج إلى وضوء، ولو التذ أيضاً لجاز أن يكون مخصوصاً بذلك. وأما حديث أمامة وحمله ﵇ لها في الصلاة، فهو حجة لنا على الشافعي؛ لأنه ﵇ لا يمسها لشهوة، ثم لو ثبت العموم في الأخبار كلها جاز أن تخص بالقياس الذي ذكرناه. فإن قيل: فإنا نعارض بقياس فنقول: إنه لمس جسماً ظاهراً فلم ينتقض وضوؤه، أصله إذا مس الرجل وإذا مس الرجل الرجل وإذا مس لغير شهوة. وأيضاً فإن شعر المرأة بدنها؛ لأنه لو طلق شعرها لطلقت، ومع هذا لو مس شعرها لم ينتقض وضوؤه. قيل: إذا مس الرجل أو لمس شعر المرأة لشهوة فعليه الوضوء. وأما القياس على المس لغير شهوة فيه: أنه في الغالب لا يؤدي إلى نقض الطهارة، وليس كذلك إذا كان لشهوة، ألا ترى أنكم قد أوجبتم الوضوء في المباشرة الفاحشة بهذا المعنى، وكذلك تحرم الربيبة بالمس لشهوة، ولا تحرم بالمس لغير شهوة، فثبت ما ذكرناه، وقياسنا أولى؛ لأنَّ فيه احتياطاً للصلاة لتسقط بيقين، ولأنه ناقل من براءة الذمة إلى وجوب الطهارة. وبالله التوفيق.

стр. 457

فصل كلام على الشافعي في الملامسة لغير الشهوة. قال القاضي: الدليل لقولنا: براءة الذمة من وجوي شيء إلا بدليل. وأيضا فقد اتفقنا على كونه ظاهرا قبل أن يمس، فمن زعم أن طهارته انتقضت عليه بالدليل. وإن عارضوا باستصحاب مثله وهو أن الصلاة عليه بيقين فلا تسقط بطهارة فيها لمس إلا بدليل. قيل: إنما نسلم أن الصلاة عليه حتى يؤديها بطهارة من جهة الشرع، وهذا قد تطهر كما أمر بقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى آخر الأية وهذا قد غسل ما أمر به. وأيضا قول النبي ﷺ : (لا صلاة إلى بطهر). وقد بين لنا كيف الطهارة من الكتاب وفعله، وهذا قد تطهر. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾، وقدرئ: ﴿لمستم﴾، فجعل اللمس كالأحداث المقرونة معه، وأوجب الوضوء، ولم يفرق بين لامس ولمس. قيل: إن الصحابة اختلفت في هذه الآية على وجهين.

стр. 458

فقال علي وابن عباس وأبو موسى - رضوان الله عليهم -: إن المراد باللم الجماع. وقال عمر وابن عمر وابن مسعود ﵃: إن المراد اللمس لشهوة كالقبلة والجسة، ولم يقل أحد منهم: إنه اللم على كل حال، فمن حمله على اللمس لغير شهوة عن القولين فوجبا أن يسقط قوله. وخلافهم في هذا وأنهم أرادوا اللمس على طريق الشهوة أظهر عندي من أن يستدل عليه؛ وذلك أن الذين قالوا هو للجماع، أرادوا به الغاية في بلوغ اللذة، وقال لهم من بإزائهم: إن دواعيه من الملامسة: لأنهم قالوا: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة. أفترى أنهم قصدوا قبلته على طريق التحنن والرحمة إذا هي بكت فقيل رأسها، كما يفعل بأمه وابنته؟، وأرادوا إذا جسها بيده لمداواة أو غيرها؟ هذا لا يظن بهم، وإنما يكون الشيء من جنس الشيء إذا كان معناه فيه أو يقاربه، وليس تقارب قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة التي هي الجماع إلا إذا كان لشهوة. وذا أمر إذا راعيناه أطرد في كل مس للشهوة على كل وجه من كل أحد؛ لأن فيه معنى من اللذة المقصودة بالجماع، المخالف لا يطرد قوله في كل مس لا يكون لشهوة؛ لأنه ينوعه في ذات المحارم وفي

стр. 459

الأصاغر، ويقول في بعضه قولين، وعلى وجهين، فيخرج عن مراعاة قول أحد ممن تقدم، وقولنا يصير كالعلة المستمرة في الطرد والعكس، كما قلنا لهم في تطهير الماء وتنجيسه: إن العلة التغير بالجنس، فيطرد في قليل الماء وكثيره، وبارتفاعها يكون الماء طاهرا في قليله وكثيره. قيل: هذا لا يصح؛ لأنهم قالوا لمن قال إنه الجماع: هذا ضرب منه؛ لأن فيه بعض المعاني التي فيه من وجود اللذة. وقد يقال: هذا الشيء من هذا المكان فيه معنى من معانيه أو يقاربه. كقوله ﷺ : (مولى القوم منهم)، (والأذنان من الرأس). فإن قيل: إن المس معنى من معاني الجماع وإن كان لغير شهوة، وهو إلصاق البشرة بالبشرة. قيل: هذا فاسد بذوات الماحرم والصغار وغيرهم،

стр. 460

وبظاهر الكف. ويفسد أيضا؛ لأن للذة العظمى تحصل بالاحتلام، وهو الإنزال، كما تحصل بالإيلاج، ويجب فيه الغسل كما يجب بالإيلاج، وليس فيه إلصاق البشرة بمثلها، فثبت بهذا أن المراد على ما نراعيه من الالتذاد. ولنا في المسألة: الظواهر التي ذكرناها لأصحاب أبي حنيفة، وظواهر آخر، مثل قوله ﷺ : (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، وهذا قد قرأها في صلاته، وإن مس. وقوله ﷺ للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك ويديك)، وهذا قد فعل. وقوله: (لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء)، وفيه: (حتى يضع الوضوء مواضعه فيغسل وجهه ويديه)، وهذا قد فعل، وما أشبه هذا، فمن زعم أن المس قد أفسد عليه فعله المأمور به فعليه الدليل. وأن أعيد بعض الظواهر التي تقدمت لأصحاب أبي حنيفة، وهي

стр. 461

حجة لنا على الشافعي. فمنها ما روته عائشة ﵂ أنه ﷺ كان يقبلها وهو صائم ثم يصلي ولا يتوضأ، فقيل لها في ذلك، قالت: وأيكم أملك لإربه من رسول الله ﷺ ؟. وهذا نص لا محالة في أنه إذا كان لغير شهوة فلا حكم له. فإن قيل: يحتمل أن يكون قبلها من فوق حائل. قيل: حقيقة قولها: قبلني المباشرة، وفي الحائل: قبل ثوبي، والكلام محمول على الحقيقة. فإن قيل: يجوز أن يكون ﵇ مخصوصا بذلك. قيل: قد عللته بقولها: وأيكم كان أملك لإربه منه؟. أي إنما ذلك منه لأنه يملك إربه، ولو كنتم انتم تملكون إربكم فلا تلتذون ولكنتم كذلك. والحديث الذي قالت فيه: فوقعت يدي على أخمص قدميه وهو يصلي، ولم يقطع الصلاة، ولو كان ذلك ينقض الوضوء لقطع الصلاة

стр. 462

وتوضأ، ولو فعل ذلك لنقلته عائشة، وإنما نقلت إلينا ما جرى لتفدينا أن ذلك لا ينقض الوضوء، ومحال أن تنقل ما يتعلق به حكم، وتترك ما هو أظم منه. فإن قيل: إنما نقلت ذلك لتفدينا الدعاء الذي سمعته منه. قيل: هو للجميع. فإن قيل: هذه قضية في عين، فيحتمل أن يكون ﵇ مخصوصا بذلك، ويحتمل أن يكون بينهما حائل، أو نحمله على أحد قولي الشافعي في الملموس، وخلافنا في الملامس. قيل: قولكم: إنه مخصوص بالحجة لنا من فعله الذي هو على الوجوب، ولا نخصه إلا بدليل، وأيضا فلو كان الحكم يختلف لنقلت الحائل. وأيضا فإن الأشياء التي تنقض الطهارات من الأحداث قد استوى حكمه ﵇ وحكمنا فيها، مثل الغائط والبول والريح وغير ذلك فلا ينبغي أن نجعله مخصوصا بشيء منها بغير دليل. والذي نخصه من هذا الباب هو أنه يملك إربه بخلافنا، وأنه في حال صلاته مقبل على ربه - تعلى -، مشغول بخشوعه، بخلاف الغالب منا؛ لأنه لا يتطرق عليه طرو الالتذاذ والشهوة باللمس، ونحن إن اتفق لواحد منا مثل ذلك في نادر الحال فهو في مثل حكم النبي ﵇، فلا ينتقض وضوؤه، كما فرقت عائشة بيننا وبينه ﵇ في القبلة في الصيام، فقالت: وأيكم أملك لإربه منه ﵇؟. أي الغالب منكم أنتم بخلافه، فإن قبلا نحن

стр. 463

لغير شهوة، فنحن وهو في الحكم سواء. وقولهم يحتمل أن يكون بينهما حائل فلا تقول وقعت يدي على أخمص قدميه ويهما حائل، هذا هو الحقيقة. وعلى أنه لو كان الحكم يختلف لذكرته، أو ذكره ﵇. وقولهم: إنه في الملموس على أحد القولين، فهذا هو القول الضعيف منهما. على أنه يفسد في الاعتبار؛ لأن اللذة تحصل تارة بلمسه، وتحصل تارة بأن يلمس، وتحصل الشهوة منهما جميعا، كما لو مكنته من الإيلاج، أو مكنها منه، وهذا تحكم في صرف المعاني عن حقائقها لنصرة المذاهب، وإنما ينبغي أن تبنى المذاهب على ما توجبه الأدلة، وإطراد المعاني فيها، وأن لا يفرق بين حقائقها مع الإمكان. وأيضا فقد وافقونا على أن استعمال الأخبار واجب، ولا يطرح بعضها إذا أمكن الجمع لكثرة الفوائد. فقد روينا حديث الذي قال للنبي ﵇: إني نلت من امرأة كل ما ينال الرجل من امرأته إلا الجمع، فأمره النبي ﵇ بالوضوء، فإن قلنا: إن المسألة لم تقع إلا عن شيء التذ به، فهو ودجه صحيح؛ لأن الغالب أنه لا يشكل عليه أنه إن ضربها أو داواها، أو قبل رأسها رحمة لها أن هذا مما لا يقارب حكم الجماع، فيحتاج إلى المسألة عنه، وإنما سأل عما يداعب الرجل

стр. 464

به امرأته، ويتعرض لها مما يقارب معنى الجماع. آلا ترى أنه قال: إلا أني لم أجامعها. أي قاربت على ذلك. ولو سلمنا أنه لذلك ولغيره لعارضه ما روي عن عائشة - رضي اله عنها - في وقوع يدها على أخمص قدميه، وحديث حمله لأمامة بنت زينب في الصلاة، فنستعمل الأحاديث كلها، ونجعل الموضع الذي أوجب فيه الوضوء إذا كان لشهوة، والموضع الذي لا وضوء فيه إذا كان لغير شهوة. ويكون استعمالنا أولى من استعمالهم؛ لأنه يطرد في وجوب الوضوء في كل ملتذ، ويسقط الوضوء لفي كل من لا يلتذ، سواء كان لامسا أو ملموسا، صغيرا مكان الملموس أو كبيرا، إذا محرم أو غيره، من تحت حائل أو من فوقه، بباطن اليد وظاهرها، وهذا ترجيح قوي لترجيحنا العلة التي هذه سبيلها. فإن قاسوه على المس بعلة أنه لمس من رجل لامرأته من غير حائل. قيل: المعنى أنه لغير شهوة. فإن قيل: هذه علة لا تتعدى، والمتعدية أولى منها. قيل: هي تتعدى إلى الملموس واللامس، والحائل وغير الحائل، وأنتم لا تعدون علتكم إلى هذه الفروع. على أننا نستخرج من أصله فنقول: اتفقنا أنه لو مسها من فوق حائل، أو مس شعرها، أو صغيرة ذات محرم على أحد القولين لم يكن

стр. 465

عليه وضوء، والمعنى فيه أنه لمس لغير شهوة. فإن عارضوا بعلة أخرى. قيل: إنها لا تتعدى، وعلتنا متعدية، كما قالوا في معرضتنا لعلتهم في أصلهم. فإن رجحوا قياسهم بشيء. فترجيحنا أولى باستمرار العلة في الإطراد والعكس، وفي الصغار والكبار، وذات المحارم وغيرهن، والحائل وغير الحائل، وهذا أقوى ما يكون من ترجيح العلل. فإن قيل: إن شعر المرأة من جنس لا يلتذ به، فلاينبغي أن يجعل أصلا. قيل: هو فيها منزلة عضو منها، ولستم تراعون اللذة، وإنما تراعون مسها في نفسها، وشعرها منها. وعلى أن الشعر الحسن يلتذ بمسه والنظر إليه، في ثمن المملوكة كما يزيد في ذلك سمنها وغيره، حتى ربما ردت الجارية بالعيب في شعرها كما ترد بعيب في بدنها، ولو قال لها: شعرك طالق لطلقت، كما لو قال لها: يدك طالق.

стр. 466

ويقوي اعتبارنا في التفريق بين المس والقبلة لشهوة وبين عدم الشهوة: ما نقوله في القبلة لشهوة إنها تحرم الربيبة، ولو كان لغير شهوة لم تحرمها، وهم يوافقوننا على ذلك، فقد صارت القبلة لشهوة تعمل عمل الجماع في التحريم. ونقول أيضا: هو لمس لم تقصد به الشهوة فلم ينقض الوضوء. أصله مس الرجل للرج، والمرأة للمرأة. فإن قيل: إن ما ينقض الطهر لا فرق فيه بين أن يوجد على وجه الشهوة أو غير وجه الشهوة، ألا ترى أن خروج المني لما نقض الطهر، لا فرق بين أن يخرج لشهوة، وهو عند الجماع، أو لغير شهوة وهو أن تكون به علة، أو يكون مغمى عليه، وكذلك البول والغائط، لما نقض الطهر لم يفترق الحكم بين خروجه لشهوة أو غيرها؛ لأن الإنسان إذا كان حاقنا بشدة البول التذ بخروجه، وكذلك لو سلس بوله فخرج لغير لذة. قيل: أما ما ذكرتموه من المني فغلط؛ لأن الغسل لا يجب - عندنا - إلا في المني الذي تقارنه اللذة، فأما إن خرج لعلة ولم تقارنه لذة لم يجب فيه الغسل، فقد افترق الحكم. وأما المغمى عليه فذلك كالنائم يجد اللذة ولكنه لا يعقل بها. وأما والغائط فعنه جوابان:

стр. 467

أحدهما: أنه لا يلتذ به الجماع، ونحن نراعي في القبلة والمس لذة الجماع، كما راعيناه جميعا في تحريم الربيبة. والجواب الآخر: هو أنه إذا خرج منه البول المعتاد نقض الطهر، وإذا سلس بوله وخرج من المعتاد لم ينقض الوضوء، وقد سبق الكلام على هذا، فسقط السؤال وبالله التوفيق. فإن قيل المعنى في مس الرجل والمرأة هو أنه لمس من ليس له في مسه شهوة، ألا ترى أنه لو لمسه لشهوة لم يجب عليه الوضوء، وكذلك المرأة مع المرأة. قيل: هذا غلط؛ لأن الرجل يلتذ بمس الغلام، ويجب عليه الوضوء - عندنا - إذا التذ، وكذلك المرأة مع المرأة.

стр. 468

[٢٤] مَسْأَلَة ومن نام منضطجعا أو قائما أو راكعا أو ساجدا فعليه الوضوء، وبه قال الشافعي. وللشافعي قول آخر يفرق فيه بين كونه في الصلاة وغير الصلاة، فإن كان في الصلاة لم ينقض كما لا ينقض نوم القاعد، والقول الآخر مثل قولنا، سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة. وعند المزني أن النوم حدث، فهو ينقض الوضوء، قليله وكثيره على كل حال، وفي القاعد أيضا. وعند أبي حنيفة وأصحابه لا ينقض إلا في المضطجع حسب.

стр. 469

واتفق فقهاء الأمصار على أن نوم المضطجع ينقض الوضوء. وروي عن أبي موسى الأشعري وأبي مجلز وعمروا بن دينار وحميد الأعرج أنهم قالوا: لا وضوء من النوم أصلا على أي حال

стр. 470

كان وإنما ينقض الوضوء ما خرج منه وتيقنه في نومه. قالوا: لما روي عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل على خالتي ميمونة، ونام فغط، حتى سمعنا غطيطه، ثم قام وصلى ولم يتوضأ. والدليل عليهم: قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية. وهذه وردت على سبب، وهو أن أصحاب رسول الله كانوا قد قاموا من النوم، وكان ورودها في غزوة المريسيع حيث فقدت عائشة ﵂ عقدها، فأخروا الرحيل إلى أن أضاء الصبح، فطلبوا الماء فلم يجدوا، أنزل الله تعالى هذه الماء إلى قوله ﴿فتيمموا﴾، وإن كان الخطاب خارجا على سبب فلا خلاف

стр. 471

أن السبب داخل فيه، وهم قاموا من النوم فأوجب الله تعالى غسل هذه الأعضاء عند قيامهم من النوم. وأيضا ما رواه علي ومعاوية أن النبي ﵇ قال: (العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ) فأوجب الوضوء من النوم، وهم لا يوجبون الوضوء من النوم أصلا. وروى حذيفة قال: كنت جالسا في المسجد فدخل النبس ﵇، ووضع يده على منكبي، فانتبهت فقلت: يا رسول الله، أمن هذا وضوء؟. فقال: لا أو تضع جنبك على الأرض، فأخبروه أن الوضوء يجب عليه إذا وضع جنبه إلى الأرض ونام. فأما ما رووه من الخبر فيجوز أن يكون النبي ﵇ مخصوصا به؛ لما روته عائشة أن النبي ﵇ قال: (إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي)،

стр. 472

وهذه معجزة له. فإن قيل: كيف يكون هذا هو ﵇ بقي نائما حتى أيقظهم حر الشمس فلو لم ينم قلبه لعقل ما هو فيه. قيل: خصوصيته إنما كانت في أنه إذا نام لا يخرج منه الحدث، وكان محروسا من ذلك، ولو خرج منه لعقله، ونحن بخلافه في ذلك، ولم يكن مخصوصا بأن يحسن في نومه. وجواب آخر: وهو أنه يجوز أن يكون له ﵇ نومان: أحدهما: لا ينام فيه قلبه، وهو الذي روته عائشة ﵂، ونوم مثل نوم أمته، ينام قلبه وجميع أعضائه. فأما الكلام على أبي حنيفة فالديل لقولنا: ما روي أن النبي

стр. 473

﵇ قال: (لا وضوء على الجالس)، دليله غير الجالس بخلافه فعليه الوضوء. وأيضا ما روي أنه ﵇ قال: (لا وضوء على من نام قاعدا) دليله أن من نام غير قاعد فعليه الوضوء. وأيضا قول الله تعالى: ﴿قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية، وقد بينا أنها وردت على سبب، وهو أنهم كانوا قد قاموا من النوم في غزوة المريسيع، ولم يفرق بين نوم

стр. 474

ونوم، فهو عمود إلا أن يقوم دليل. وأيضا ما روي أنه ﵇ قال: (إنما الوضوء على من نام مضطجعا، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله) وهذا تعليل منه ﵇ أو تنبيه، فينبغي أن يكون كل نائم تسترخي مفاصله كذلك، والنائم راكعا أو ساجدا بهذه الصفة. وأيضا ما رواه علي بن أبي طالب ﵁ ومعاوية ﵄ أن النبي ﵇ قال: العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان

стр. 475

استطلق الوكاء، فأخبر أن بنوم العينين يستطلق الوكاء، فهو عام في كل نوم إلا أن يقوم دليل. وفي هذا الخبر: استطلق الوكاء فمن نام فليتوضأ فأمر بالوضوء، والأمر يقتضي الوجوب، نوما من نوم. وأيضا فإنه نام زائلا عن مستوى الجلوس فوجب أن ينتقض وضوؤه، دليله إذا نام مضطجعا. وأيضا فإنه لا خلاف بيننا أن النوم في نفسه ليس بحدث، وإنما وجب عليه الوضوء في نومه مضطجعا؛ لجواز خروج الحدث منه في الغالب؛ لأنه إذا كان متربعا قد أفضى بمقعدته إلى الأرض لا وضوء عليه؛ لأن الغالب عدم خروج الريح منه، فإذا كان الوضوء إنما وجب عليه في نومه مضطجعا لهذا المعنى، وهو إمكان خروج الريح منه في الغالب، ففي الراكع والساجد هذا المعنى، وهو أولى بوجوب لوضوء عليه؛ لأن الخارج منه أمكن؛ لأن المضطجع منضم الأطراف، والراكع والساجد بخلاف ذلك؛ لانفراج موضع الحدث، وفي الاضطجاع هو منضم، وهذه نكته جيدة.

стр. 476

فإن قيل: فقد روى أبو خالد الداراني عند قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ سجد فنام ونفخ، ثم قام فصلى. فقيل يا رسول الله، إنك نمت في سجودك وصليت ولم تتوضأ؟. فقال: (إنما الوضوء على من نام مضطجعا)، وأنكر عليهم ظنهم، ففيه نص على النائم مضطجعا في وجوب الوضوء، وفيه نفي الوضوء عن الساجد، لأنه ﵇ نام ساجدا. وأيضا ما روي حذيفة بن اليمان قال: كنت في المسجد فدخل النبي ﵇، فوضع يده على منكبي، فانتبهت فقلت: أمن هذا وضوء

стр. 477

يا رسول الله؟ فقال: (لا أو تضع جنبك على الأرض)، فقوله: لا، نفي لوجوب الوضوء إلا في وضعه جنبه على الأرض مع نومه. قيل: أما حديث أبي خالد الداراني فإنه حديث منكر، هكذا ذكر أحمد بن حنبل، وأبو داود، وموسى بن هارون. قال أحمد: وما لأبي خالد الداراني يدخل نفسه في أصحاب قتادة. وعلى أن قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث ليلس هذا منها، ومن مذهب أصحاب الحديث أنهم إذا قالوا: لم يسمع فلان من فلان شيئا فقد نفوا أن يكون أخذ عنه شيئا، ولا يريد بهذا

стр. 478

أنه قرأ عليه؛ لأن قراءته عليه سماع منه، ولو أرادوا أنه عنده مرسل لذكروه ولم ينكروه؛ لأنهم بأجمعهم - عندنا - يقولون بالمرسل، ولو اختلفوا فيه ذكره من لم يقل بالمرسل، وعلله وبين رده، ومن يقول بالمرسل لا ينكر عليه، وإنما يريدون بقولهم: لم يسمع النفي والرد لما رواه. فإن قيل: فإن أبا داود قال: إن قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث ليس منها. وهو مرسل من وجه آخر، وهو أن أبا خالد لم يلق قتادة، وأنتم ونحن نقول بالمراسيل. قيل: قد أجبنا عن هذا، وإنما نقول بالمرسل ما لم يمنع منه مانع، وقد بينا المانع، وهو أن أصحاب الحديث يريدون بذلك انه لا رواية عنده عنه. على أنه لو صح لكان حجة لنا؛ لأن النبي ﵇ نص على المضطجع، وعلل تعليلا يدخل فيه المضطجع وغير المضطجع من الراكع والساجد، لأنه قال: (فإذا نام مضطجعا استرخت مفاصله)، كما نص على الأشياء الستة في الربا،

стр. 479

ونبه على غيرها مما هو في معناها. فإن قيل: هذه العلة لا توجد في الراكع والساجد من طريق المشاهدة؛ لأنه مجتمع يثبت، ولو استرخت مفاصله لم يثبت وكان يسقط ويزول عن حالته في نومه. قيل: مفاصله تسترخي لا محالة، فإن زاد عليه سقط، وليس هو بأكثر حالة من القاعدة المتمكن من الأرض، ثم إذا نام القاعد واستثقل سقط. فإن قيل: لا يجوز أن يكون هذا التعليل عاما في المضطجع والساجد والراكع؛ لأن عمومه يسقط لفظ الخبر؛ لأن النبي ﵇ نام وهو ساجد، فلو كان الوضوء واجبا على الساجد بتعليله قوله:

стр. 480

"إنما الوضوء، على من نام مضطجعا" قيل: إن تعليله ﵇ عام فينا، ولا يدخل فيه ﵇؛ لأنه محروس من أن تسترخي مفاصله؛ لأنه لا ينام قلبه وإنما تنام عيناه. على أن هذا لا فائدة فيه لأصحاب أبي حنيفة؛ لأنهم يقولون: إنه لا ينتقض وضوؤه أيضا في غير الصلاة. وأما حديث حذيفة فلا حجة لهم فيه؛ لأن النبي ﵇ قال: (لا وضوء في نوم القاعد) ونحن لا نوجب في مثله الوضوء، وأوجب ﵇ الوضوء في النوم مضطجعا، ونحن نوجبه، ولم يذكر في الخبر إلا حالتان: إحداهما: أن حذيفة كان جالسا نائما، فقال: أمن هذا وضوء يا رسول الله؟ فقال: (لا) فنفي الوضوء عنه لكونه جالسا، وقوله: (إلا أن تضع جنبك) استثناء من كونه جالسا ما كان عليه. فإن قيل: فإن النائم والقاعد معتمد على غيره، والقائم غير معتمد إلى على أعضائه، فإذا لم يجب الوضوء على القاعدة فلأن لا يجب على الراكع والساجد أولى.

стр. 481

قيل: القاعد معتمد على غيره، وموضع خروج الحدث منه، وليس كذلك الراكع والساجد؛ لأن موضع خروج الحدث منه غير معتمد على شيء وهو منفرج. فإن قيل: فإن أعضاءه لم تسترخ أكثر من استرخاء الناعس، ولهذا المعنى بقي على ركوعه لم يسقط. ألا ترى أن المغمى عليه لما استرخت أعضاؤه لم يبق، فصار بقاء الراكع على هذه الحال دلالة على تحفظه وعدم استرخاء مفاصله، فلم يجب عليه الوضوء. قيل: إن الناعس ليس بنائم، وإنما أسباب النوم قد حصلت به تدعوه إلى النوم، فإذا حصل النوم استرخت مفاصله. وأما المغمى عليه فيزيد على نوم المضطجع. ألا ترى أن النائم المضطجع يحرك فيحس وينتبه، وليس المغمى عليه كذلك، وليس بقاء الراكع على حاله مما يمنع سبق الحدث منه لانفراج مقعدته، ثم إذا تزايد نومه سقط. فإن قيل: فإنها حال من أحوال الصلاة في حال الاختيار، والاحتراز من المضطجع لأن الاضطجاع من أحوال الصلاة عند الضرورة. قيل: هذا ينتقض به إذا نام متكئا فإن صلاته مجزئة مع الاختيار، ومع هذا ينتقض وضوؤه إذا نام متكئا. ثم نقول: المعنى في القاعد أن الخارج لا يتمكن منه في غالب الحال، وقد أفضى بمقعدته إلى الأرض فلهذا لم ينتقض وضوؤه، وليس كذلك الراكع والساجد لانفراج موضع خروج الريح منه، وخروج ذلك متمكن منه.

стр. 482

على أنهم ردوا الراكع والساجد إلى القاعد، ونحن رددناه إلى المضطجع، فما ذهبنا إليه أولى لموافقة تعليل النبي ﵇ ولتمكن الخارج منه في الأمرين جميعا، لأنه أحوط في إسقاط الصلاة عن ذمته بيقين، ولأنه ناقل عن أصل براءة الذمة إلى وجوب الطهارة وبالله التوفيق.

стр. 483

فصل فأما الكلام على المزني، وما ذكر أنه أحد قولي الشافعي فالدليل عليه: ما روي أن النبي ﷺ كان ينام حتى ينفخ، ثم يصلي ولا يتوضأ. فقيول له في ذلك. فقال: (إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي) ففيه دليلان: أحدهما: أن النوم نفسه لو كان حدثا لتوضأ ﵇ منه، كما يتوضأ من قليل الأحداث وكثيرها. والثاني: إنما خبر أنه تنام عيناه ولا ينام قلبه ما كان منه، ولم يوجب الوضوء لأجل النوم، ونبه على أن الوضوء يجب من لا يعلم ما يكون منه في النوم. وأيضا ما روي عن حذيفة أنه قال: أمن هذا وضوء يا رسول الله؟ قال: (لا)، أو تضع جنبك على الأرض، فنفي إيجاب الوضوء عمن نام جالسا. وأيضا حديث علي ومعاوية ﵄ أن النبي ﷺ

стр. 484

قال: العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء) وفي حديث: (أنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله، فأعلمنا أن باسترخاء المفاصل يسرع خروج الحدث ولم يجعل النوم حدثا، ولو كان النوم في نفسه حدثا لم يكن في قوله: (استرخت مفاصله) فائدة. وأيضا فإنه إجماع الصحابة؛ بدليل ما روي أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينتظرون عشاء الآخرة، ويناموا حتى تخفق رؤوسهم، ثم يقومون ويصلبون ولا يتوضؤون، والعمدة في المسألة على هذا الخبر، ومحال أن يذهب على أصحاب رسول الله ﷺ أن النوم حدث ينقض الوضوء فيصلون بالنوم، ولا يسألون رسول الله ﷺ عن ذلك.

стр. 485

وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما كانا ينامان قاعدين ثم يصليان ولا يتوضآن. وكذلك روي عن أبي أمامة وأبي هريرة مثل ذلك. وإذا روي عن المنفتين بين الصحابة، روي عنهم أجمعين علم أن هذه المسألة مشهورة بينهم. فإن قيل: القياس يوجب أن كل نوم ينقض الوضوء. قيل: لو كان حدثا في نفسه لكان كما ذكرت، ثم لو كان كذلك لكان قياسا يمنع منه الإجماع.

стр. 486

فإن قيل: في خبر صفوان أن النبي ﵇ أمرنا ألا ننزع خفافنا من نوم. ولم يخص، فاقتضى أن يتوضأ من كل نوم. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن إطلاق النوم لا يفهم منه نوم الجالس، وإنما يعقل منه نوم المضطجع. ثم لو ثبت العموم لكان مخصوصا بالخير وبالإجماع الذي ذكرناه. فإن قيل: فإن النبي ﵇ جمع بين النوم وبين الغائط والبول في حديث صفوان. قيل: إن الاقتران بين الشيئين في اللفظ لا يوجب اجتماعهما في الحكم. على أنه إنما جمع بينهما إذا كان النوم مضطجعا، فإن الغالب منه خروج الريح، وما هذه صفته من النوم يجب فيه الوضوء. فإن قيل: فإن حدث البول لم يختلف أحوال البائل في نقض الطهر. قيل: إن البول يختلف باختلاف الأحوال؛ لأن سلس البول لا ينقض الوضوء، والمعتاد منه ينقض. وعلى أنه لو لم يختلف حكمه لكان ذلك من أجل أنه لا يختلف في

стр. 487

نفسه لأننا قد نجد نوما ليس معه استرخاء المفاصل، ولا يمكن الخارج منه، فلما اختلف حال النوم في نفسه جاء اختلاف حكمه؛ لأنه سبب للحدث كمس الذكر الذي يختلف أحواله، فلو مسه بباطن يده نقض الوضوء - عندك - ولو مسه بظاهرها لم ينتقض. فإن قيل: لو كان نوم الجالس لا ينقض وضوءه لبينه ﵇ كما بين الأكل في الصوم أن في ما يوجب القضاء مثل أن يأكل عامدا، ومنه ما لا يوجب القضاء كالأكل ناسيا. قيل: الأكل - عندنا - على كل حال يوقع الفطر، لأنه يضاد الصوم، والنوم لا يضاد الطهارة في جنسه؛ لأن النبي ﵇ قد بين حكم النوم في حديث حذيفة لما نام جالسا، وقال: يار رسول الله، أمن هذا وضوء؟. فقال: (لا أو تضع جنبك على الأرض). فإن قيل: فقد روت عائشة ﵂ أنه ﷺ قال: (من استجمع نوما فعليه الوضوء).

стр. 488

قيل: كذلك نقول إذا طال نوم الجالس، ورأي المنامات فهو الذي ستجمع نوما، وكذلك المضطجع. فإن قيل: فإن النوم كالإغمااء يبطل الوضوء على جميع الأحوال فكذلك النوم لزوال العقل. قيل: الفرق بينهما واضح؛ وذلك أن المغمى عليه لا يحس بشيء، وإن نبه لم ينتبه في جميع أحواله فانتقض في جميع أحواله. والنائم ليس كذلك؛ لأنه ريما أحس بخروج الحدث منه فانتبه ولو حرك لانتبه فجاز أن تختلف أحواله.

стр. 489

فصل وإذا طال نوم الجالس ورأى المنامات فعليه الوضوء وإليه ذهب الأوزاعي وأحمد. ولم يفرق أبو حنيفة والشافعي بين نوم الجالس وقالا: لا ينتقض وضوؤه وإن طال. والدليل لقولنا: أن الصلاة عليه بيقين، وهذا شاك فيها؛ لأنه إذا طال نومه لم يتقن كونه على طاهرة. وأيضا ما روته عائشة ﵂ أن النبي ﵇ قال: (من استجمع نوما فعليه الوضوء) ولفظ: عليه للوجوب، واستجماع الإنسان نوما هو أن يغترفه النوم حتى يزول عن أحكام المتيقظ، وإذا طال نومه لم يعقل ما يخرج منه فهو المضطجع، وليس كذلك إذا لم يطل نومه؛ لأنه بتحركه وخفق رأسه يحس ما يخرج منه،

стр. 490

وإذا كان النوم سببا للحدث أن يرعى الغالب منه، كما يراعي في مس الذكر إذا كان بباطن اليد فهو أقوى منه بظاهرها. فإن قيل: فإن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينامون حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون. قيل: نحن نقول بموجب ذلك؛ لأن من يخفق رأسه ويتمايل لم يغرق في نومه حتى يطول؛ لأنه قريب من الحس بما يخرج منه، وليس كذلك إذا اغترقه النوم وطال به حتى يرى المنامات؛ لأن النوم تختلف حالاته في قلته وكثرته. فإن قيل: فقد قال ﵇ لحذيفة لما قال له ذلك: أمن هذا وضوء يا رسول الله؟. قال (لا إلا أن تضع جنبك على الأرض). قيل: هذه قضية في عين، ويحتمل أن يكون لم يطل نومه، ولا غرق فيه ألا تراه لما وضع ﵇ يده عليه أحس به وانتبه وفي العقود من ينام ولا ينتبه لو يحرك، وقد بينا أن أسباب الحدث ليست كالحدث نفسه، وأن ما قوى منها بخلاف ما ضعف وقد فرق الشافعي بين مس الذكر وبين مس المرأة، فخص اليد في مس الذكر، ونقض الوضوء المرأة بجميع الأعضاء، وكذلك فرقوا معنا بين القبلة

стр. 491

لشهوة في تحريم الربيبة وبين القبلة لغير شهوة في أنها لا تحرم من هذا كله؛ لأن ذلك سبب للحدث في نفسه. ولنا القياس عليه إذا نام مضطجعا واستثقل نوما؛ بعلة أنه نائم مستثقل في نومه. فإن قاسوا عليه إذا لم يستثقل في نومه بعلة أنه نام جالسا. قيل: بينا الفرق بين أحكام أسباب الأحداث وأن كل ما قوى منها قوى حكمه، فكان اعتبارنا أولى؛ لأنه أحوط، وتسقط الصلاة بيقين، ونزيد حكما هو إيجاب الطاهرة بعد أن لم تجب وفيه نقل من براءة الذمة وبالله التوفيق.

стр. 492

[٢٥] مَسْأَلَة وما خرج من بدن الإنسان من غير السيلين مثل القئ والرعاف، أو دم فصاد أو دمل فلا وضوء فيه، كما لا وضوء في الجشاء المتغير، والقهقهة. وما أشبه ذلك وبه قال ربيعة والحسن، والشافعي، وداود، وهو قول جماعة من الصحابة.

стр. 493

وقال أبو حنيفة: الخارج النجس على ثلاث مراتب. فما كان من السبيلين فظهوره ينقض الوضوء. والخارج من سائر البدن إن كان غير القيئ فإنه إذا سال نقض الوضوء، فأما ظهوره من غير أن يرسل فلا. وإن كان قيئا فملأ الفم نقض الوضوء، وإن كان دون ذلك لم ينقض الوضوء. ففرق بين اليسير منه والكثير. فحصل الخلاف معه في الخارج من غير السبيل، فعنده ينقض الوضوء عندنا وعند الشافعي لا ينقضه. والدليل لقولنا: استصحاب الحال، وهو كونه على جملة الطهارة حتى يقوم دليل على نقضها. وأيضا فإن إيجاب الوضوء بعد الطهارة المتقدمة يحتاج إلى دليل. وأيضا قول النبي ﵇: (إذا دخل أحدكم في الصلاة فلا ينصرف

стр. 494

حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا فنهى عن الانصراف منها إلا بوجود هذين النوعين من الحدث، والنهي يفيد التحريف، إلا أن يقوم دليل. وأيضا ما رواه أبو داود مسندا عن عقيل بن جابر عن جابر في غزوة ذات الرقاع مع النبي ﵇، وأنه قال ﵇: هل من رجل

стр. 495

يكلؤنا؟. فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فأصيب أحدهما بثلاثة أسهم وهو في الصلا، وهو ينزعها والدم يسيل ويصلي حتى ركع ثم جاءا إلى النبي ﷺ فأخبراه، فلم ينكر على المصلي ما فعل، فدل ذلك على أن خروج الدم من غير مخرج الحدث لا ينقض الوضوء. فإن قيل: فليس فيه أنه أمره بغسله، فقولوا: إنه لا يجب غسله. قيل: إن تروك النبي ﵇ كالعموم، وكان الظاهر يقتضي ألا
следующие страницы →