← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1464

أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 359 стр.). Показаны 2346–2359 · переход к 2351.

стр. 2346

أَحَدُهُمَا اجْعَلْ يَدَك عَلَى نَحْرِك إذَا صَلَّيْت. الثَّانِي: انْحَرْ الْبُدْنَ وَالضَّحَايَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي تَحْقِيقِ الْمُرَادِ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لِهَذِهِ الْآيَةِ: أَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهَا الْعِبَادَةُ فَاحْتَجَّ بِأَنَّهَا أَصْلُ الصَّلَاةِ لُغَةً وَحَقِيقَةً عَلَى كُلِّ مَعْنَى، وَبِكُلِّ اشْتِقَاقٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى لَهُ ﷺ : فَاعْبُدْ رَبَّك وَلَا تَعْبُدْ غَيْرَهُ، وَانْحَرْ لَهُ وَلَا تَنْحَرْ لِسِوَاهُ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَالْأَنْصَابِ حَسْبَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ وَقُرَيْشٌ فِي جَاهِلِيَّتِهَا. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَلِأَنَّهَا رُكْنُ الْعِبَادَاتِ، وَقَاعِدَةُ الْإِسْلَامِ، وَأَعْظَمُ دَعَائِمِ الدِّينِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهَا صَلَاةُ الصُّبْحِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَلِأَنَّهَا مَقْرُونَةٌ بِالنَّحْرِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَا صَلَاةَ فِيهِ قَبْلَ النَّحْرِ غَيْرَهَا، فَخَصَّصَهَا مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَوَاتِ لِاقْتِرَانِهَا بِالنَّحْرِ، فَأَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ: مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا. وَاَلَّذِي يَقَعُ فِي نَفْسِي أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ صَلَاةُ الصُّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ وَالنَّحْرُ بَعْدَهَا. قَالَ الْقَاضِي ﵁: قَدْ سَمِعْنَا فِيهِ أَشْيَاءَ، وَرَوَيْنَا مَحَاسِنَ: قَالَ عَلِيٌّ: قَوْلُهُ: فَصَلِّ لِرَبِّك وَانْحَرْ. قَالَ: ضَعْ يَدَك الْيُمْنَى عَلَى سَاعِدِك [الْيُسْرَى] ثُمَّ ضَعْهُمَا عَلَى نَحْرِك قَالَهُ [ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَهُ] أَبُو الْجَوْزَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَوْلُهُ: ﴿وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] يَوْمَ النَّحْرِ. وَقَالَ الْحَكَمُ: قَوْلُهُ: ﴿لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] صَلَاةُ الْفَجْرِ وَالنَّحْرِ. وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: الصَّلَاةُ الصَّلَاةُ، النَّحْرُ النَّحْرُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصَّلَاةُ رَكْعَتَانِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى ثُمَّ اذْبَحْ. وَقَالَ عَطَاءٌ: مَوْقِفُهُمْ بِجَمْعِ صَلَاتِهِمْ، وَالنَّحْرُ النَّحْرُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: النَّحْرُ لَنَا وَالذَّبْحُ لِبَنِي إسْرَائِيلَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إنْ شَاءَ ذَبَحَ، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ. وَقَالَ عَطَاءٌ أَيْضًا: فَصَلِّ لِرَبِّك وَانْحَرْ: إذَا صَلَّيْت الصُّبْحَ فَانْحَرْ.

стр. 2347

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ: إنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَرَ فَلَا تَكُنْ صَلَاتُك وَلَا نَحْرُك إلَّا لِلَّهِ. وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ سَبَبَ هَذِهِ الْآيَةِ «يَوْمُ الْحُدَيْبِيَةِ؛ أَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: انْحَرْ وَارْجِعْ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَطَبَ خُطْبَةَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْبُدْنِ فَنَحَرَهَا؛ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]». قَالَ قَتَادَةُ: صَلَاةُ الْأَضْحَى وَالنَّحْرُ نَحْرُ الْبُدْنِ. فَهَذِهِ أَقْوَالُ أَقْرَانِ مَالِكٍ وَمُتَقَدِّمِيهِ فِيهَا كَثِيرٌ. وَقَدْ تَرَكْنَا أَمْثَالَهَا. وَاَلَّذِي أَرَادَ مَالِكٌ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الْأَقْرَانِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالنَّحْرِ، وَلَا يَقْرُنَانِ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْقُرْآنِ ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ مَا لَمْ يَعْتَضِدْ بِدَلِيلٍ مِنْ غَيْرِهِ. وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ أَرَادَ: اُعْبُدْ رَبَّك وَانْحَرْ لَهُ، وَلَا يَكُنْ عَمَلُك إلَّا لِمَنْ خَصَّك بِالْكَوْثَرِ، وَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْعَمَلِ يُوَازِي هَذِهِ الْخَصِيصَةَ مِنْ الْكَوْثَرِ، وَهُوَ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي أَعْطَاك اللَّهُ إيَّاهُ، أَوْ النَّهْرُ الَّذِي طِينَتُهُ مِسْكٌ، وَعَدَدُ آنِيَتِهِ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، أَمَّا أَنْ يُوَازِيَ هَذَا صَلَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ وَذَبْحَ كَبْشٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ بَدَنَةٍ فَذَلِكَ بَعِيدٌ فِي التَّقْدِيرِ وَالتَّدْبِيرِ وَمُوَازَنَةِ الثَّوَابِ لِلْعِبَادِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا بُدَّ أَنْ نَفْرُغَ عَلَى قَالَبِ الْقَوْلَيْنِ وَنَنْسِجَ عَلَى مِنْوَالِ الْفَرِيقَيْنِ، فَنَقُولَ: أَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّحْرُ يَوْمَ الضُّحَى فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَسَبَبُهُ فِي سُورَةِ " وَالصَّافَّاتِ " وَغَيْرِهَا. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قِصَّةُ إبْرَاهِيمَ فِي وَلَدِهِ إسْمَاعِيلَ، وَمَا بَيَّنَّهُ اللَّهُ فِيهِ لِلْأُمَّةِ، وَجَعَلَهُ لَهُمْ قُدْوَةً، وَشَرَعَ تِلْكَ الْمِلَّةَ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ حَبِيبٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ اشْتَرَاهَا وَجَبَتْ. وَهُوَ الثَّانِي. الثَّالِثِ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ؛ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ. الرَّابِعِ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ، وَهُوَ أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدَنَا. وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: الْأُضْحِيَّةُ وَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَضَحَّى الْمُسْلِمُونَ، كَمَا قَالَ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ.

стр. 2348

وَتَعَلَّقَ مَنْ أَوْجَبَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وَبِقَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]. وَقَدْ تَقَرَّبَ بِدَمٍ وَاجِبٍ فِي يَوْمِ النَّحْرِ، فَلْيَتَقَرَّبْ كُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى مِلَّتِهِ بِدَمٍ وَاجِبٍ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ قَدْ أُلْزِمَ الْمِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ. وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: «عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ أَضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ». وَالْعَتِيرَةُ هِيَ الرَّجَبِيَّةُ. «وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ حِينَ ذَبَحَ الْجَذَعَةَ فِي الْأُضْحِيَّةِ: تَجْزِيَك، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك». وَلَا يُقَالُ تَجْزِي إلَّا فِي الْوَاجِبِ. قُلْنَا: أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] فَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ النَّاسِ فِيهِ، وَمَا اخْتَرْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ فَلِاحْتِمَالِهِ تَسْقُطُ الْحُجَّةُ مِنْهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ [الحج: ٧٨] فَمِلَّةُ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ تَشْتَمِلُ عَلَى فَرَائِضَ وَفَضَائِلَ وَسُنَنٍ، وَلَا بُدَّ فِي تَعْيِينِ كُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا مِنْ دَلِيلٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: «تَجْزِيك وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك»، فَكَذَلِكَ يُقَالُ تَجْزِيَك فِي السُّنَّةِ كَمَا يُقَالُ فِي الْفَرْضِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ شَرْعُهُ، وَفِيهِ شَرْطُهُ، وَمِنْهُ إجْزَاؤُهُ أَوْ رَدُّهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: «عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ أَضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ» فَيُعَارِضُهُ حَدِيثُ شُعْبَةَ عَنْ مَالِكٍ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَحْلِقَنَّ شَعْرًا، وَلَا يَقْلِمَنَّ ظُفْرًا حَتَّى يَنْحَرَ ضَحِيَّتَهُ». فَعَلَّقَ الْأُضْحِيَّةَ بِالْإِرَادَةِ، وَالْوَاجِبُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا؛ بَلْ هُوَ فَرْضٌ أَرَادَ الْمُكَلَّفُ أَوْ لَمْ يُرِدْ. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيّ، وَأَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْت بِيَوْمِ الْأَضْحَى، عِيدٌ جَعَلَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ رَجُلٌ: أَرَأَيْت إنْ لَمْ أَجِدْ إلَّا مَنِيحَةَ أَهْلِي أُضَحِّي بِهَا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ تَأْخُذُ مِنْ شَعْرِك وَأَظَافِرِك، وَتَقُصُّ شَارِبَك، وَتَحْلِقُ عَانَتَك؛ فَذَلِكَ تَمَامُ أُضْحِيَّتِك». قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَرَبِيُّ: أَنْبَأَنَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ الْبَغْدَادِيِّ

стр. 2349

عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدَ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَهُمَا يُضَحِّيَانِ عَنْ أَهْلِهِمَا خَشْيَةَ أَنْ يُسْتَنَّ بِهِمَا. قَالَ: فَلَمَّا جِئْت بِلَادَكُمْ هَذِهِ حَمَلَنِي أَهْلِي عَلَى الْجَفَاءِ بَعْدَ مَا عَلِمْت السُّنَّةَ، فَقَدْ تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَهَذَا مُحَقَّقٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. [مَسْأَلَة الْأُضْحِيَّة قَبْلَ الصَّلَاةِ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مِنْ عَجِيبِ الْأَمْرِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: إنَّ مَنْ ضَحَّى قَبْلَ الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ النَّحْرِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: «أَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ؛ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَصَابَ نُسُكَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلُ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ». وَأَصْحَابُهُ يُنْكِرُونَهُ، وَحَبَّذَا الْمُوَافَقَةُ؛ وَبَقِيَّةُ مَسَائِلِ الْأَضَاحِيّ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَشَرْحِ الْحَدِيثِ. [مَسْأَلَة مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى وَانْحَرْ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَأَمَّا [إنْ قُلْنَا] إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] ضَعْ يَدَك عَلَى نَحْرِك، فَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلِ لَا تُوضَعُ فِي فَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاعْتِمَادِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْفَرْضِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ فِي النَّفْلِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا فِي الْفَرِيضَةِ، وَيَفْعَلُهَا فِي النَّافِلَةِ، اسْتِعَانَةً، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ تَرَخُّصٍ. الثَّالِثِ يَفْعَلُهَا فِي الْفَرِيضَةِ وَفِي النَّافِلَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ وَائِلِ بْنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِينَ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ حِيَالَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى» الْحَدِيثَ.

стр. 2350

وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، «عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ». قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لَا أَعْلَمُهُ يَنْمِي ذَلِكَ إلَّا إلَى النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 2351

[سُورَةُ النَّصْرِ فِيهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ] [ قَوْله تَعَالَى فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك وَاسْتَغْفِرْهُ] ٌ] قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]. فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ نَفْسَهُ، فَقَالَ: لِمَ يَدْخُلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إنَّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ. فَدَعَانِي ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَنِي مَعَهُمْ، فَمَا رَأَيْت أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إلَّا لِيُرِيَهُمْ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ، وَنَسْتَغْفِرَهُ إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ، وَفَتَحَ عَلَيْنَا. وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. فَقَالَ لِي: كَذَلِكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قُلْت: لَا. قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْت: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ بِهِ؛ قَالَ لَهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فِي ذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِك، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًا. فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ مِنْهَا إلَّا مَا تَقُولُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ قَالَتْ: «مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةً بَعْدَ إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلَّا يُكْثِرَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي».

стр. 2352

وَعَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ». «وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ: قُلْ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، رَبِّي إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك، وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ». [مَسْأَلَة اسْتِغْفَار النَّبِيِّ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مَاذَا يُغْفَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ؟ رَوَى الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَئِي وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت، وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». قَالَ الْقَاضِي: وَأَنَا أَقُولُ: كُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي مُضَاعَفٌ، وَهُوَ ﷺ مِنْهُ بَرِيءٌ. وَلَكِنْ كَانَ يَسْتَقْصِرُ نَفْسَهُ لِعَظِيمِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَيَرَى قُصُورَهُ عَنْ الْقِيَامِ بِحَقِّ ذَلِكَ ذُنُوبًا؛ فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا ذُنُوبِي بِالْعَمْدِ الْمَحْضِ، وَالتَّرْكِ التَّامِّ، وَالْمُخَالَفَةِ الْبَيِّنَةِ، وَاَللَّهُ يَفْتَحُ بِالتَّوْبَةِ وَيَمُنُّ بِالْعِصْمَةِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، لَا رَبَّ سِوَاهُ.

стр. 2353

[سُورَةُ تَبَّتْ] [ مَسْأَلَةُ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا] ْ [وَفِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ]. الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا: رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ [عَنْهُ] قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] وَرَهْطَك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا وَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاهُ فَقَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، فَقَالَ: أَنَا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، وَأَنَّ الْعَدُوَّ مُصْبِحُكُمْ أَوْ مُمْسِيكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْك كَذِبًا. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: أَلِهَذَا جَمَعْتنَا؟ تَبًّا لَك، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]. إلَى آخِرِهَا». هَكَذَا قَرَأَهَا الْأَعْمَشُ عَلَيْنَا يَوْمَئِذٍ، زَادَ الْحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ: «فَلَمَّا سَمِعَتْ امْرَأَتُهُ مَا نَزَلَ فِي زَوْجِهَا وَفِيهَا مِنْ الْقُرْآنِ، أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ مِنْ حِجَارَةٍ، فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَيْهِ أَخَذَ اللَّهُ بِبَصَرِهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ تَرَ إلَّا أَبَا بَكْرٍ. فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَيْنَ صَاحِبُك؟ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ يَهْجُونِي، فَوَاَللَّهِ لَوْ وَجَدْته لَضَرَبْت بِهَذَا الْفِهْرِ فَاهُ، وَاَللَّهِ إنِّي لَشَاعِرَةٌ: مُذَمَّمًا عَصَيْنَا ... وَأَمْرُهُ أَبَيْنَا وَدِينُهُ قَلَيْنَا ثُمَّ انْصَرَفَتْ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا تَرَاهَا رَأَتْك؟ قَالَ: مَا رَأَتْنِي، لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ بِبَصَرِهَا عَنِّي».

стр. 2354

وَكَانَتْ قُرَيْشٌ إنَّمَا تُسَمِّي النَّبِيَّ ﷺ مُذَمَّمًا، ثُمَّ يَسُبُّونَهُ، فَكَانَ يَقُولُ: أَلَا تَعْجَبُونَ لِمَا يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ يَسُبُّونَ وَيَهْجُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]: اسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى، وَاسْمُ امْرَأَتِهِ الْعَوْرَاءُ أُمُّ جَمِيلٍ، أُخْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، فَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَكْنِيَةِ الْمُشْرِكِ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ طَه فِي قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] " يَعْنِي كَنِّيَاهُ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ. وَهَذَا بَاطِلٌ؛ إنَّمَا كَنَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِمَعَانٍ أَرْبَعَةٍ: الْأَوَّلِ أَنَّهُ [لَمَّا] كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْعُزَّى، فَلَمْ يُضِفْ اللَّهُ الْعُبُودِيَّةَ إلَى صَنَمٍ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ. الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ تَكْنِيَتُهُ أَشْهُرُ مِنْهُ بِاسْمِهِ؛ فَصَرَّحَ بِهِ. الثَّالِثِ أَنَّ الِاسْمَ أَشْرَفُ مِنْ الْكُنْيَةِ، فَحَطَّهُ اللَّهُ عَنْ الْأَشْرَفِ إلَى الْأَنْقَصِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْخِيَارِ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ دَعَا اللَّهُ أَنْبِيَاءَهُ بِأَسْمَائِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ. وَيَدُلُّك عَلَى شَرَفِ الِاسْمِ [عَلَى الْكُنْيَةِ] أَنَّ اللَّهَ يُسَمِّي وَلَا يُكَنِّي وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِظُهُورِهِ وَبَيَانِهِ وَاسْتِحَالَةِ نِسْبَةِ الْكُنْيَةِ إلَيْهِ لِتَقَدُّسِهِ عَنْهَا. الرَّابِعِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُحَقِّقَ نَسَبَهُ بِأَنْ يُدْخِلَهُ النَّارَ، فَيَكُونَ أَبًا لَهَا، تَحْقِيقًا لِلنَّسَبِ، وَإِمْضَاءً لِلْفَأْلِ وَالطِّيَرَةِ الَّتِي اخْتَارَ لِنَفْسِهِ [لِذَلِكَ]. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ أَهْلَهُ إنَّمَا كَانُوا سَمَّوْهُ أَبَا لَهَبٍ لِتَلَهُّبِ وَجْهِهِ وَحُسْنِهِ؛ فَصَرَفَهُمْ اللَّهُ عَنْ أَنْ يَقُولُوا لَهُ: أَبُو نُورٍ، وَأَبُو الضِّيَاءِ، الَّذِي هُوَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْمَحْبُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَأَجْرَى عَلَى أَلْسِنَتهمْ أَنْ يُضِيفُوهُ إلَى اللَّهَبِ الَّذِي هُوَ مَخْصُوصٌ بِالْمَكْرُوهِ وَالْمَذْمُومِ، وَهُوَ النَّارُ، ثُمَّ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فِيهِ بِأَنْ جَعَلَهَا مَقَرَّهُ.

стр. 2355

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مَرَّتْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ قِرَاءَتَانِ: إحْدَاهُمَا قَوْلُهُ: " وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَك الْأَقْرَبِينَ. وَرَهْطَك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ ". وَالثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ. وَهُمَا شَاذَّتَانِ، وَإِنْ كَانَ الْعَدْلُ رَوَاهُمَا عَنْ الْعَدْلِ، وَلَكِنَّهُ كَمَا بَيَّنَّا لَا يُقْرَأُ إلَّا بِمَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ.

стр. 2356

[سُورَةُ الْإِخْلَاصِ] [ مَسْأَلَةُ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا] ِ [وَقِيلَ] التَّوْحِيدُ. فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا: رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَقْطُوعًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا أَنَّهُ قَالَ: «أَتَى رَهْطٌ مِنْ يَهُودَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ. فَمَنْ خَلَقَهُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَقَعَ لَوْنُهُ، ثُمَّ سَاوَرَهُمْ غَضَبًا لِرَبِّهِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ فَسَكَّنَهُ، فَقَالَ: خَفِّضْ عَلَيْك يَا مُحَمَّدُ، وَجَاءَهُ مِنْ اللَّهِ بِجَوَابِ مَا سَأَلُوهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] السُّورَةَ». وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ بَاطِلَةٌ هَذَا أَمْثَلُهَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي فَضْلِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ «أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»، فَهَذَا فَضْلُهَا، وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَالْمُشْكِلَيْنِ. [مَسْأَلَة تَكْرَارُ سُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ رُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ قَوْمُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّهَا، فَقَالَ لَهُ: حُبُّك إيَّاهَا أَدْخَلَك الْجَنَّةَ». فَكَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَكْرَارُ سُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. وَقَدْ رَأَيْت عَلَى بَابِ الْأَسْبَاطِ فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهُ إمَامًا مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ إمَامًا كَانَ فِيهِ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ فِي رَمَضَانَ بِالْأَتْرَاكِ، فَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، حَتَّى يُتِمَّ التَّرَاوِيحَ تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ وَرَغْبَةً فِي فَضْلِهَا. وَلَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ خَتْمُ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ، حَسْبَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَالْمَسَائِلِ.

стр. 2357

[سُورَةُ الْفَلَقِ وَالنَّاسِ] [ مَسْأَلَةُ فِي سَبَبِ نُزُولِهِمَا] ِ [فِيهِمَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ]: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهِمَا: رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُحِرَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلَ إلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَلَا يَفْعَلُهُ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، أَشْعَرْت أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْته فِيهِ؟ أَتَانِي مَلَكَانِ، فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلِيَّ قَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلِي: مَا شَأْنُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ. فَقَالَ: فَبِمَاذَا؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ، فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، تَحْتَ رَاعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ. فَجَاءَ الْبِئْرَ وَاسْتَخْرَجَهُ». انْتَهَى الصَّحِيحُ زَادَ غَيْرُهُ: «فَوَجَدَ فِيهَا إحْدَى عَشْرَ عُقْدَةً، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ إحْدَى عَشْرَ آيَةً، فَجَعَلَ كُلَّمَا قَرَأَ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، حَتَّى انْحَلَّتْ الْعُقَدُ، وَقَامَ كَأَنَّمَا أَنْشَطُ مِنْ عِقَالٍ». أَفَادَنِيهَا شَيْخُنَا الزَّاهِدُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ عَلِيِّ بْنُ بَدْرَانَ الصُّوفِيُّ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣]: رُوِيَ أَنَّهُ الذَّكَرُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ اللَّيْلُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ الْقَمَرُ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَوَجْهُ أَنَّهُ الذَّكَرُ أَوْ اللَّيْلُ لَا يَخْفَى. وَوَجْهُ أَنَّهُ الْقَمَرُ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْجَهْلِ وَعِبَادَتِهِ وَاعْتِقَادِ الطَّبَائِعِيِّينَ أَنَّهُ يَفْعَلُ الْفَاكِهَةَ أَوْ تَنْفَعِلُ عَنْهُ، أَوْ لِأَنَّهُ إذَا طَلَعَ بِاللَّيْلِ انْتَشَرَتْ عَنْهُ الْحَشَرَاتُ بِالْإذَايَاتِ، وَهَذَا يَضْعُفُ لِأَجْلِ انْتِشَارِهَا بِاللَّيْلِ أَكْثَرَ مِنْ انْتِشَارِهَا بِالْقَمَرِ. وَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا يُغْنِي عَنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ.

стр. 2358

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَاتٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُنَّ، فَذَكَرَ السُّورَتَيْنِ: الْفَلَقَ، وَالنَّاسَ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي الصَّحِيحِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْمَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا ثَقُلَ كُنْت أَنْفُثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا». قُلْت لِلزُّهْرِيِّ: كَيْفَ يَنْفُثُ؟ قَالَ: يَنْفُثُ عَلَى يَدَيْهِ وَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ: هُمَا مِنْ الْقُرْآنِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ. قَالَ الْإِمَامُ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ ﵁: قَدْ أَتَيْنَا عَلَى مَا شَرَطْنَا فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ حَسَبَ الْإِمْكَانِ عَلَى حَالِ الزَّمَانِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى عَوَارِضَ لَا تُعَارِضُ مَا بَيْنَ مَعَاشٍ [يُرَاشُ]، وَمُسَاوَرَةِ عَدُوٍّ أَوْ هَرَاشٍ، وَسَمَاعٍ لِلْحَدِيثِ لَيْسَ لَهُ دِفَاعٌ، وَطَالِبٍ لَا بُدَّ مِنْ مُسَاعَدَتِهِ فِي الْمَطَالِبِ، إلَى هِمَمٍ لِأَهْلِ هَذِهِ الْأَقْطَارِ قَاصِرَةٍ، وَأَفْهَامٍ مُتَقَاصِرَةٍ، وَتَقَاعُدٍ عَنْ الِاطِّلَاعِ إلَى بَقَاءِ الِاسْتِبْصَارِ، وَاقْتِنَاعٍ بِالْقِشْرِ عَنْ اللُّبَابِ، وَإِقْصَارٍ وَاجْتِزَاءٍ بِالنُّفَايَةِ عَنْ النُّقَاوَةِ، وَزُهْدٍ فِي طَرِيقِ الْحَقَائِقِ، بِيَدِ أَنَّهُ لَمْ يَسَعْنَا وَالْحَالَةَ هَذِهِ إلَّا نَشْرُ مَا جَمَعْنَاهُ، وَنَثْرُ مَا وَعَيْنَاهُ، وَالْإِمْسَاكُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِمْ وَلَا تَبْلُغُهُ إحَاطَتُهُمْ. وَكَمُلَ الْقَوْلُ الْمُوجَزُ فِي التَّوْحِيدِ وَالْأَحْكَامِ، وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، مِنْ عَرِيضِ بَيَانِهِ، وَطَوِيلِ تِبْيَانِهِ، وَكَثِيرِ بُرْهَانِهِ، وَبَقِيَ الْقَوْلُ فِي عِلْمِ التَّذْكِيرِ وَهُوَ بَحْرٌ لَيْسَ لِمَدِّهِ حَدٌّ، وَمَجْمُوعٍ لَا يَحْصُرُهُ الْعَدُّ، وَقَدْ كُنَّا أَمْلَيْنَا عَلَيْكُمْ فِي ثَلَاثِينَ سَنَةً مَا لَوْ قُيِّضَ لَهُ تَحْصِيلٌ

стр. 2359

لَكَانَتْ لَهُ جُمْلَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَلَمَّا ذَهَبَ [بِهِ] الْمِقْدَارُ، فَسَيَعْلَمُ الْغَافِلُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارُ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنْ الْحَمَدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. [قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ﵀: انْتَهَى الْقَوْلُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ].