← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

مهدها مهداً أو تتمهدونها فهي لهم كالمهاد وهو ما يمهد للصبيّ، وقرأ الباقون بكسر الميم وفتح الهاء وألف بعدها وهو اسم ما يمهد كالفراش أو جمع مهد ﴿وسلك﴾ أي: سهل ﴿لكم فيها سبلاً﴾ أي: طرقاً بين الجبال والأودية والبراري تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها ﴿وأنزل من السماء ماءً﴾ أي: مطراً وعدل بقوله ﴿فأخرجنا به﴾ عن لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم على الحكاية لكلام الله تعالى تنبيهاً على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته والحكمة وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته وعلى هذا نظائره كقوله تعالى: ﴿ألم تر أنّ الله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها﴾ (فاطر، ٢٧) ﴿أم من خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائق﴾ (النحل، ٦٠) ﴿أزواجاً﴾ أي: أصنافاً سميت بذلك لأنها مزدوجة مقترنة بعضها مع بعض وقوله تعالى ﴿من نبات﴾ بيان وصفة لا زواجاً وكذلك ﴿شتى﴾ وهو جمع شتيت من شت الأمر تفرّق نحو مرضى جمع مريض وجرحى جمع جريح فألفه للتأنيث أي: أزواجاً متفرّقة ويجوز أن يكون صفة للنبات فإنه من حيث إنه مصدر في الأصل يستوي فيه الواحد والجمع أي: أنها مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم فلذلك قال تعالى: ﴿كلوا وارعوا أنعامكم﴾ والأنعام جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم يقال رعت الأنعام ورعيتها والأمر للإباحة وتذكير النعمة والجملة حال من ضمير أخرجنا أي: مبيحين لكم الأكل ورعي الأنعام أي: وبقية الحيوانات ﴿إنّ في ذلك﴾ أي: فيما ذكرت من هذه النعم ﴿لآيات﴾ أي: لعبراً ﴿لأولي النهى﴾ أي: أصحاب العقول جمع نهية كغرفة وغرف سمي به العقل لأنه ينهي صاحبه عن ارتكاب القبائح. ولما ذكر منافع الأرض والسماء بيّن أنها غير مطلوبة لذاتها بل هي مطلوبة لكونها وسائل إلى منافع الآخرة فقال: ﴿منها﴾ أي: الأرض ﴿خلقناكم﴾ فإن قيل: إنما خلقنا من النطفة على ما بيّن في سائر الآيات؟ أجيب: بأوجه. أحدها: أنه لما خلق أصلنا آدم ﵇ من تراب كما قال تعالى: ﴿كمثل آدم خلقه من تراب﴾ (آل عمران، ٥٩) حسن إطلاق ذلك علينا. ثانيها: أن تولد الإنسان إنما هو من النطفة ودم الطمث وهما متولدان من الأغذية والغذاء إمّا حيواني أو نباتي، والحيواني ينتهي إلى النباتي والنبات إنما يحدث من امتزاج الماء والتراب فصح أنه تعالى خلقنا منها وذلك لا ينافي كوننا مخلوقين من النطفة. ثالثها: روى ابن مسعود أنّ ملك الأرحام يأتي إلى الرحم حين يكتب أجل المولود ورزقه والأرض التي يدفن فيها فإنه يأخذ من تراب تلك البقعة وينثره على النطفة ثم يدخلها في الرحم وأخرج ابن المنذر عن عطاء الخراساني قال: إنّ الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذرّه على النطفة فيخلق من التراب ومن النطفة ﴿وفيها نعيدكم﴾ أي: مقبورين بعد الموت ﴿ومنها نخرجكم﴾ أي: عند البعث ﴿تارة﴾ أي: مرّة ﴿أخرى﴾ أي: بتألف أجزائكم المتفتتة المختلطة بالتراب ونردّهم كما كانوا أحياء ونخرجهم إلى المحشر يوم يخرجون من الأجداث سراعاً ولما كان المقام لتعظيم القدرة عطف عليه قوله تعالى: ﴿ولقد أريناه﴾ أي: أبصرناه ﴿آياتنا كلها﴾ أي: التسع المختصة بموسى ﵇ وهي العصا واليد وفلق البحر والحجر

стр. 1122

والجراد والقمل والضفادع والدم ونتق الجبل ﴿فكذب﴾ بها وزعم أنها سحر ﴿وأبى﴾ أن يسلم، فإن قيل: قوله تعالى: كلها يفيد العموم والله تعالى ما أراه جميع الآيات فإنّ من جملة الآيات ما أظهرها على أيدي الأنبياء قبل موسى ﵇ وبعده؟ أجيب: بأنّ لفظ الكل وإن كان للعموم قد يستعمل في الخصوص مع القرينة كما يقال: دخلت السوق فاشتريت كل شيء أو يقال: إنّ موسى ﵇ أراه آياته وعدّد عليه آيات غيره من الأنبياء فكذب فرعون بالكل أو يقال تكذيب بعض المعجزات يقتضي تكذيب الكل فحكى ذلك على الوجه الذي يلزم ثم كأنه قيل: كيف صنع في تكذيبه وإبائه فقيل: ﴿قال﴾ حين علم حقيقة ما جاء به موسى وظهوره وخاف أن يتبعه الناس ويتركوه ووهن في نفسه وهناً عظيماً ﴿أجئتنا لتخرجنا من أرضنا﴾ أي: الأرض التي نحن مالكوها ويكون لك الملك فيها فصارت فرائصه ترعد خوفاً مما جاء به موسى لعلمه وإيقانه أنه على الحق وأنّ المحق لو أراد قود الجبال لانقادت له وإن مثله لا يخذل ولا يذل ناصره وأنه غالبه على ملكه لا محالة ثم خيل لأتباعه أن ذلك سحر بقوله ﴿بسحرك يا موسى﴾ فكان ذلك مع ما ألفوه من عادتهم في الضلال صارفاً لهم عن اتباع ما رأوه من البيان ثم أظهر لهم أنه يعارضه بمثل ما أتى به بقوله: ﴿فلنأتينك بسحر مثله﴾ أي: مثل سحرك يعارضه ﴿فاجعل بيننا وبينك موعداً﴾ أي: من الزمان والمكان ﴿لا نخلفه﴾ أي: لا نجعله خلفنا ﴿نحن ولا أنت﴾ أي: لا نجاوزه ولما كان كل من الزمان والمكان لا ينفك عن الآخر قال: ﴿مكاناً﴾ وآثر ذلك المكان لأجل وصفه بقوله ﴿سوى﴾ أي: عدلاً وقال ابن عباس نصفا تستوي مسافة الفريقين إليه فانظر إلى هذا الكلام الذي زوّقه ونمقه وصنعه بما وقف به قومه عن السعادة واستمرّ يقودهم بعناده حتى أوردهم البحر فأغرقهم ثم في غمرات النار أحرقهم، وقيل: معنى سوى أي: سوى هذا المكان، وقرأ شعبة وابن عامر وحمزة والكسائي بضم السين والباقون بكسرها وأمال شعبة وحمزة والكسائي في الوقف محضة والباقون بالفتح، وقيل: المراد بالموعد الوعد لأنّ الإخلاف لا يلائم الزمان والمكان أي: بل الوعد هو الذي يصح وصفه بالخلف وعدمه وإلى هذا نحا جماعة مختارين له. وردّ عليهم بقوله: ﴿قال موعدكم يوم الزينة﴾ فإنه لا يطابقه. تنبيه: يحتمل أنّ قوله: قال موعدكم يوم الزينة أن يكون من قول فرعون فبين الوقت وأن يكون من قول موسى ﵇ وهذا أظهر كما قال الرازي لوجوه؛ الأوّل: أنه جواب لقول فرعون: ﴿فاجعل بيننا وبينك موعداً﴾ الثاني: وهو أن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع فتعيينه إنما يليق بالمحق الذي يعرف أنّ اليد له لا المبطل الذي يعرف أنه ليس معه إلا التلبيس. ثالثها: أن قوله: موعدكم خطاب للجمع فلو جعلناه من فرعون لموسى وهارون لزم إمّا أن نحمله على التعظيم أو أن أقل الجمع اثنان فالأوّل لا يليق بحال فرعون معهما والثاني غير جائز، فإذا جعلناه من موسى ﵇ استقام الكلام واختلف في يوم الزينة فقال مجاهد وقتادة: النيروز، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: هو يوم عاشوراء، وقيل: كان يوم عيد لهم يتزينون فيه ويجتمعون في كل سنة، وقيل: يوم كانوا يتخذون فيه سوقاً ويتزينون

стр. 1123

ذلك اليوم. وبنى قوله: ﴿وأن يحشروا﴾ للمفعول؛ لأن القصد الجمع لا كونه من معين ﴿الناس﴾ أي: يجتمعوا ﴿ضحى﴾ أي: وقت الضحوة، فيكون أظهر لما يعمل، وأجلى، فلا يأتي الليل إلا وقد قضي الأمر، وعرف المحق من المبطل، ويكثر التحديث بذلك في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر. ﴿فتولى﴾ أي: أعرض ﴿فرعون﴾ عن موسى إلى تهيئة ما يريد من الكيد بعد توليه عن الانقياد لأمر الله تعالى ﴿فجمع كيده﴾ أي: مكره وحيلته وخداعه الذي دبره على موسى ﵇ بجميع من يحصل بهم الكيد، وهم السحرة حشرهم من كل فج، وكان أهل مصر أسحر أهل الأرض وأكثرهم ساحراً، وكانوا في ذلك الزمان أشد اعتناءً بالسحر، وأمهر ما كانوا وأكثر ﴿ثم أتى﴾ للميعاد الذي وقع القرار عليه بمن حشره من السحرة والجنود ومن تبعهم من الناس مع توفر الدواعي على الإتيان للعيد، والنظر إلى تلك المغالبة التي لم يكن مثلها، ولما تشوق السامع إلى ما كان من موسى ﵇ عند ذلك استأنف تعالى الخبر عنه بقوله تعالى: ﴿قال لهم﴾ أي: لأهل الكيد والعناد، وهم السحرة وغيرهم ﴿موسى﴾ حين رأى اجتماعهم ناصحاً لهم ﴿ويلكم﴾ يا أيها الناس الذين خلقكم الله تعالى لعبادته ﴿لا تفتروا﴾ أي: لا تتعمدوا ﴿على الله كذباً﴾ بإشراك أحد معه ﴿فيسحتكم﴾ قال مقاتل: يهلككم، وقال قتادة: يستأصلكم ﴿بعذاب﴾ من عنده، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بضم الياء، وكسر الحاء من الإسحات، وهو لغة نجد وتميم، والباقون بفتحهما، والسحت لغة الحجاز ﴿وقد خاب من افترى﴾ كما خاب فرعون، فإنه افترى واحتال ليبقى الملك له، فلم ينفعه. ﴿فتنازعوا﴾ أي: تجاذب السحرة ﴿أمرهم بينهم﴾ لما سمعوا هذا الكلام علماً منهم أنه لا يقدر أن يواجه فرعون بمثله في جمع جنوده وأتباعه، ثم يسلم منه إلا من الله تعالى معه ﴿وأسروَّا النجوى﴾ قال الكلبي: قالوا سراً: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقال محمد بن إسحاق: لما قال لهم موسى: لا تفتروا على الله كذباً، قال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر، وبالغوا في إخفاء ذلك، فإن النجوى الإسرار لئلا يظهر فرعون وأتباعه على ذلك، فكأنه قيل: ما قالوا حين انتهى تنازعهم؟ فقيل: ﴿قالوا﴾ أي السحرة: ﴿إن هذان لساحران﴾ أي: موسى وهارون، وقرأ ابن كثير وحفص بسكون النون من إن، وشدَّدها الباقون، وقرأ أبو عمرو بالياء بعد الذال، والباقون بالألف على لغة من يجعل ألف المثنى لازماً في كل حال، قال أبو حيان: وهي لغة لطوائف من العرب بني الحارث بن كعب، وبعض كنانة وخثعم وزيد وبني النضر وبني الجهيم ومراد وعذرة، وقال شاعرهم: تزوّد مني بين أذناه ضربة يريد أذنيه، وقال آخر: *إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها* وقيل: تقدير الآية أنه هذان، فحذف الهاء، وذهب جماعة إلى أن حرف أن ههنا بمعنى نعم، أي: نعم هذان، روي أن أعرابياً سأل ابن الزبير شيئاً، فحرمه، فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إنَّ وصاحبها، أي: نعم، وشدَّد ابن كثير النون، فكانت نجواهم في تلفيق هذا الكلام، وتزويره خوفاً من غلبتهما، وتثبيطاً للناس عن اتباع موسى وهارون ﴿يريدان﴾ أي بما يقولان من دعوى الرسالة وغيرها ﴿أن يخرجاكم﴾ أيها الناس ﴿من أرضكم﴾ هذه التي ألفتموها، وهي وطنكم خلفاً

стр. 1124

عن سلف ﴿بسحرهما﴾ الذي أظهراه لكم وغيره. ولما كان كل حزب بما لديهم فرحين قالوا: ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ مؤنث الأمثل، وهو الأفضل، أي: بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب بإظهار مذهبه، وإعلاء دينه لقوله تعالى: ﴿إني أخاف أن يبدل دينكم﴾ (غافر، ٢٦) ، وقيل: أراد أهل طريقتكم، وهم بنو إسرائيل، فإنهم كانوا أرباب علم فيما بينهم لقول موسى: ﴿أرسل معنا بني إسرائيل﴾ (الشعراء، ١٧) ، وقيل: الطريقة اسم لوجوه القوم وأشرافهم من حيث إنهم قدوة لغيرهم. ﴿فأجمعوا كيدكم﴾ أي: من السحر وغيره، فلا تدعوا منه شيئاً إلا جئتم به، وقرأ أبو عمرو بهمزة الوصل بين الفاء والجيم، وفتح الميم، والباقون بهمزة مقطوعة وكسر الميم ﴿ثم ائتوا﴾ أي: للقاء موسى وهارون ﴿صفاً﴾ أي مصطفين؛ لأنه أهيب في صدور الرائين. تنبيه: اختلفوا في عدد السحرة، فقال الكلبي: كانوا اثنين وسبعين ساحراً؛ اثنان من القبط، وسبعون من بني إسرائيل، وقال عكرمة: كانوا تسعمائة؛ ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الاسكندرية، وقال وهب: خمسة عشرة ألفاً، وقال السدي: بضعة وثلاثون ألفاً، وقال القاسم بن سلام: كانوا سبعين ألفاً، وقيل: اثني عشر ألفاً مع كل منهم على كل قول حبل وعصا، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة، وظاهر القرآن لا يدل على شيء من هذه الأقوال. ولما كان التقدير: فمن أتى كذلك فقد استعلى عطف عليه قوله: ﴿وقد أفلح اليوم﴾ في هذا الجمع الذي ما اجتمع مثله قط ﴿من استعلى﴾ أي: فاز بالمطلوب من غلب، فلما أتى السحرة موسى. ﴿قالوا﴾ له متأدبين؛ لأنّ لين القول مع الخصم إن لم ينفع لم يضر؛ بل نفعهم قال بعضهم: ولذلك رزقهم الله تعالى الإيمان ببركته ﴿يا موسى إما أن تلقي﴾ أي: ما معك مما تناظرنا به أولاً ﴿وإما أن نكون﴾ نحن ﴿أوّل من ألقى﴾ ما معه ﴿قال﴾ لهم موسى ﵇ مقابلاً لأدبهم بأحسن منه، ولأنه فهم أن مرادهم الابتداء، وليكون هو الآخر، فتكون له العاقبة بتسليط معجزته على سحرهم، فلا يكون بعدها شك لا ألقي أنا أولاً ﴿بل ألقوا﴾ أنتم أولاً، فانتهزوا الفرصة؛ لأن ذلك كان مرادهم بما أفهموه من تغيير السياق والتصريح بالأول، فألقوا ما معهم من الحبال والعصي ﴿فإذا حبالهم وعصيّهم﴾ أي: التي ألقوها قد فاجأت أنه ﴿يخيل إليه﴾ تخييلاً مبتدأً ﴿من سحرهم﴾ أي: الذي قد فاقوا به أهل الأرض ﴿أنها﴾ لشدة اضطرابها ﴿تسعى﴾ فإن قيل: كيف يجوز أن يقول موسى ﵇: بل ألقوا فيأمرهم بما هو سحر أجيب: بأن ذلك الأمر كان مشروطاً، والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين؛ كما في قوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ ، أي: إن كنتم صادقين، وفي القصة أنهم لما ألقوا الحبال والعصي أخذوا أعين الناس، فرأى موسى والقوم كأن الأرض امتلأت حيات، وكانت قد أخذت ميلاً من كل جانب، ورأوا أنها تسعى، وقيل: لطخوها بالزئبق، فلما وقعت عليها الشمس اضطربت، فخيل إليهم أنها تتحرك، وقرأ ابن ذكوان تخيل بالتاء الفوقية على التأنيث، والباقون بالياء على إسناده إلى ضمير الحبال ﴿فأوجس﴾ أي: أحس ﴿في نفسه خيفة موسى﴾ ﵊ فإن قيل: كيف استشعر الخوف، وقد عرض عليه المعجزات الباهرات كالعصا واليد، ثم إن الله تعالى قال له بعد ذلك: إنني معكما أسمع وأرى

стр. 1125

فكيف وقع الخوف في قلبه؟ أجيب بأوجه أحدها: أنه خاف من جهة أن سحرهم من جنس معجزته أن يلتبس أمره على الناس، فلا يؤمنوا به، الثاني: أنه خوف طبع البشرية مثل ما خاف من عصاه أول ما رآها كذلك، الثالث: لعله كان مأموراً أن لا يفعل شيئاً إلا بالوحي، فلما تأخَّر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت خاف أن لا ينزل عليه الوحي في ذلك الجمع، فيبقى الخجل؛ ثم إنه أزال ذلك الخوف بقوله تعالى: ﴿قلنا لا تخف﴾ من شيء من أمرهم ولا غيره، ثم علل ذلك بقوله تعالى، وأكده أنواعاً من التأكيد لاقتضاء الحال إنكار أن يغلب أحد ما أظهروا من سحرهم لعظمه ﴿إنك أنت﴾ خاصة ﴿الأعلى﴾ أي الغالب غلبة ظاهرة لا شبهة فيها ﴿وألقِ ما في يمينك﴾ أبهمه، ولم يقل: عصاك تحقيراً لها؛ أي: لا تبال بكثرة حبالهم، وعصيهم، وألقِ العويد الذي في يدك، أو تعظيماً لها أي: لا تحتفل بكثرة هذه الأجرام وعظمها، فإن في يمينك ما هو أعظم منها أي: العصا، وهي التي قلنا لك أول ما شرَّفناك بالمناجاة: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ (ظه، ١٧) ، ثم أريناك منها ما أريناك ﴿تلقف﴾ أي: تبتلع بقوة واجتهاد مع سرعة لا تكاد تدرك ﴿ما صنعوا﴾ أي: فعلوه بعد تدرّب كثير وممارسة طويلة، فلما ألقاها صارت أعظم حية من حياتهم، ثم أخذت تزداد عظماً حتى ملأت الوادي، ثم صعدت حتى علقت ذنبها بطرف الثنية، ثم هبطت وأكلت كل ما عملوه في الميلين والناس ينظرون إليها لا يحسبون إلا أنه سحر، ثم أقبلت نحو فرعون لتبتلعه فاتحة فاها نحو ثمانين ذراعاً، فصاح بموسى، فأخذها، فإذا هي عصا كما كانت، ونظرت السحرة، فإذا هي لم تدع من حبالهم، وعصيهم شيئاً إلا أكلته، وعرفوا أنه ليس بسحر، وأصل تلقف تتلقف حذفت إحدى التاءين، وتاء المضارعة تحتمل التأنيث على إسناد الفعل إلى العصا، والخطاب على إسناد الفعل إلى السبب، وقرأ ابن ذكوان برفع الفاء على الحال أو الاستئناف، والباقون بسكونها، وحفص بسكون اللام وتخفيف القاف على أنه من لقفته بمعنى تلقفته ﴿إنما﴾ أي: الذي ﴿صنعوا﴾ أي: زوَّروا وافتعلوا وهالك أمره ﴿كيد ساحر﴾ أي: كيد سحري لا حقيقة له ولا ثبات، وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين، وسكون الحاء بمعنى ذي سحر، أو بتسمية الساحر سحراً على المبالغة، أو بإضافة الكيد إلى السحر للبيان كقولهم: علم فقه، والباقون بفتح السين وكسر الحاء وألف بينهما. فإن قيل: لم وحد الساحر ولم يجمع؟ أجيب بأن القصد من هذا الكلام معنى الجنسية لا معنى العدد، فلو جمع خيل أن المقصود هو العدد؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ولا يفلح الساحر﴾ أي هذا الجنس ﴿حيث أتى﴾ أي: كيفما سار، وقال ابن عباس: لا يسعد حيث كان، وقيل: معناه حيث احتال، فإنه إنما يفعل ما لا حقيقة له. فإن قيل: لم نكر أولاً، ثم عرف ثانياً أجيب بأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر لا فائدة فيه، ولا شك أن الكلام على هذا الوجه أبلغ، ثم أنه امتثل ما أمره به ربه من إلقاء العصا، فكان ما وعده به سبحانه من تلقفها لما صنعوا من غير أن يظهر عليها زيادة في ثخن ولا في غيره مع أن حبالهم وعصيهم كانت شيئاً كثيراً، فعلم كل من رأى ذلك حقيته، وبطلان ما فعل السحرة، فبادر السحرة منهم إلى الخضوع لأمر الله تعالى ساجدين مبادرة من كأنه ألقاه ملق على وجهه، ولذلك قال تعالى بعد أن ذكر مكرهم واجتهادهم في معارضة موسى ﵇، وحذف ذكر الإلقاء، وما سببه من التلقف؛

стр. 1126

لأن مقصود السورة القدرة على تليين القلوب القاسية. ﴿فألقي السحرة﴾ أي: فألقاهم ما رأوا من أمر الله تعالى بغاية السرعة، وبأيسر أمر ﴿سجداً﴾ على وجوههم لله تعالى توبة مما صنعوا وإغباناً لفرعون بسجودهم، وتعظيماً لما رأوا، وذلك لأنهم كانوا في الطبقة العليا من علم السحر، فلما رأوا فعل موسى ﵇ خارجاً عن صناعتهم عرفوا أنه ليس من السحر البتة، ويقال: قال رئيسهم: كنا نغلب الناس بالسحر، وكانت الآلات تبقى علينا، فلو كان هذا سحراً، فأين الذي ألقيناه، فاستدلوا بتغيير أحوال الأجسام على الصانع القادر، وبظهورها على يد موسى ﵇ على كونه رسولاً صادقاً من عند الله لا جرم تابوا وآمنوا، وأتوا بما هو النهاية في الخضوع وهو السجود؛ قال الأصبهاني: سبحان الله ما أعظم شأنهم ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين، فكأن قائلاً قال هذا فعلهم، فماذا قالوا؟ فقيل: ﴿قالوا: آمنا برب هارون وموسى﴾ ولم يقولوا: آمنا برب العالمين؛ لأن فرعون ادّعى الربوبية في قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ (النازعات، ٢٤) والإلهية في قوله: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ (القصص، ٣٨) ، فلو أنهم قالوا ذلك لكان فرعون يقول: إنهم آمنوا بي لا بغيري، فلقطع هذه التهمة اختاروا هذه العبارة، والدليل على ذلك أنهم لم يقتصروا على موسى بل قدّموا هارون لأن فرعون ربى موسى في صغره، فلو اقتصروا على موسى أو قدّموا ذكره فربما توهم أن المراد فرعون، وذكر هارون على الاستتباع وقيل: قدموه لكبر سنه، أو لرويّ الآية، فسبحان الله ما أعظم أمرهم كانوا أول النهار سحرة يقرون لفرعون بالربوبية، وآخره شهداء بررة روي أنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار، ورأوا ثواب أهلها، وعن عكرمة لما خرّوا سجداً أراهم الله تعالى في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة، فكأنه قيل: ما قال لهم فرعون حينئذٍ؟ فقيل: ﴿قال﴾ لهم: ﴿آمنتم﴾ أي: بالله ﴿له﴾ أي: مصدِّقين أو متبعين لموسى ﴿قبل أن آذن لكم﴾ في ذلك، قال ذلك إيهاماً بأنه سيأذن فيه ليقف الناس عن المبادرة إلى الاتباع بين خوف العقوبة ورجاء الإذن، ثم استأنف قوله معلماً مخيلاً لاتباعه صداً لهم عن الاقتداء بالسحرة ﴿إنه﴾ أي: موسى ﴿لكبيركم﴾ أي: معلمكم ﴿الذي علمكم السحر﴾ أي: فلم تتبعوه لظهور الحق بل لإرادتهم شيئاً من المكر وافقتموه عليه قبل حضوركم في هذا الموطن، وهذا على عادته في تخييل أتباعه بما يوقفهم عن اتباع الحق. ولما خيلهم شرع يزيدهم حيرة بتهديد السحرة، فقال مقسماً ﴿فلأقطعن﴾ أي: بسبب ما فعلتم ﴿أيديكم﴾ على سبيل التوزيع ﴿وأرجلكم﴾ أي: من كل رجل يداً ورجلاً، وقوله: ﴿من خلاف﴾ حال يعني مختلفة، أي: الأيدي اليمنى والأرجل اليسرى ﴿ولأصلبنكم﴾ وعبر عن الاستعلاء بالظرف إشارة إلى تمكينهم في المصلوب عليه تمكين المظروف في ظرفه، فقال: ﴿في جذوع النخل﴾ تشنيعاً لقتلكم وردعاً لأمثالكم ﴿ولتعلمن أينا﴾ يريد نفسه لعنه الله وموسى ﵇ بدليل قوله: آمنتم له، واللام مع الإيمان في كتاب الله لغير الله؛ كقوله: يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين، وفيه تبجح باقتداره وقهره، وما ألفه وضري به من تعذيب الناس بأنواع العذاب، وتوضيع لموسى ﵇، واستضعاف له مع الهزء به؛ لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء. وقيل: يريد رب

стр. 1127

موسى الذي آمنوا به ﴿أشد عذاباً وأبقى﴾ أي: أدوم على مخالفته فإن قيل: إن فرعون مع قرب عهده بمشاهدة انقلاب العصا حية، وقصدها له وآل الأمر أن استغاث بموسى من شرها، وعجزه عن دفعها كيف يعقل أن يهدد السحرة ويبالغ في وعيدهم إلى هذا الحد، ويستهزىء بموسي في قوله: أينا أشد عذاباً وأبقى؟ أجيب: بأنه كان في أشد الخوف في قلبه إلا أنه يظهر الجلادة والوقاحة تمشية لناموسه وترويجاً لأمره، قال الرازي: ومن استقرىء أحوال العالم علم أن الفاجر قد يفعل أمثال هذه الأشياء، ومما يدل على معاندته قوله: إنه لكبيركم الذي علمكم السحر لأنه كان يعلم أن موسى ما خالطهم البتة، وما لقيهم، وكان يعلم من سحرته أستاذ كل واحد من هو، وكيف حصل ذلك العلم، ثم إنه كان يقول مع ذلك هذه الأشياء، ثم كأنه قيل فما قالوا له؟ فقيل: ﴿قالوا﴾ له: ﴿لن نؤثرك﴾ أي: نختارك ﴿على ما جاءنا﴾ على لسان موسى ﴿من البينات﴾ التي عايناها، وعلمنا أنه لا يقدر أحد على مضادتها. ولما بدؤوا بما يدل على الخالق من الفعل ترقوا إلى ذكره بعد معرفته بفعله إشارة إلى علوِّ قدره، فقالوا: ﴿والذي﴾ أي: ولا نؤثرك بالإتباع على الذي فطرنا أي: ابتدأ خلقنا إشارة إلى شمول ربوبية الله تعالى لهم وله ولجميع الناس، وتنبيهاً على عجز فرعون عند من استخفه، وفي جميع أقوالهم هذه من تعظيم الله تعالى عبارة وإشارة وتحقير فرعون أمر عظيم. تنبيه: قد علم مما تقرر أن والذي معطوف على ما وإنما أخروا ذكر الباري تعالى؛ لأنه من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، وقيل: الواو قسم والموصول مقسم به وجواب القسم محذوف، أي: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك على الحق، ولما تسبب عن ذلك أنهم لا يبالون به، وعلموا أن ما يفعله بهم هو بإذن الله تعالى قالوا له: ﴿فاقض﴾ أي: فاصنع في حكمك الذي تمضيه ﴿ما أنت قاض﴾ أي: فاقض الذي أنت قاضيه، ثم عللوا ذلك بقولهم: ﴿إنما تقضي﴾ أي: تصنع بنا ما تريد إن قدّرك الله عليه ﴿هذه الحياة الدنيا﴾ النصب على الاتساع أي: إنما حكمك فيها على الجسد خاصة، فهي ساعة تعقبها راحة، ونحن لا نخاف إلا ممن يحكم على الروح، وإن فني الجسد فذاك هو العذاب الشديد الدائم، ثم عللوا تعظيم الله تعالى، واستهانتهم بفرعون بقولهم: ﴿إنا آمنا بربنا﴾ أي: المحسن إلينا طول أعمارنا مع إساءتنا بالكفر وغيره ﴿ليغفر لنا﴾ من غير نفع يلحقه بالفعل، أو ضرر يدركه بالترك ﴿خطايانا﴾ التي قابلنا بها إحسانه، ثم خصوا بعد العموم فقالوا: ﴿وما أكرهتنا عليه﴾ وبينوا ذلك بقولهم: ﴿من السحر﴾ لنعارض المعجزة، فإنه كان الأكمل لنا عصيانك فيه؛ لأن الله تعالى أحق بأن يتقى. فإن قيل: كيف قالوا ذلك وقد جاؤوا مختارين يحلفون بعزة فرعون آن لهم الغلبة؟ أجيب: بأنه قد روي أن رؤوساء السحرة كانوا اثنين وسبعين اثنان من القبط والباقون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على تعلم السحر، وروي أنهم رأوا موسى ﵇ نائماً، وعصاه تحرسه، فقالوا لفرعون: إن الساحر إذا نام بطل سحره، فهذا لا نقدر على معارضته، فأبى عليهم، وأكرههم على المعارضة. وقيل: إنَّ الملوك في ذلك الزمان كانوا يأخذون البعض من رعيتهم، ويكلفونه تعلم السحر، فإذا شاخ بعثوا إليه أحداثاً ليعلمهم ليكون في كل وقت من يحسنه. ولما كان التقدير فربنا أهل التقوى وأهل المغفرة عطفوا عليه مستحضرين لكماله ﴿والله﴾ أي: الجامع لصفات الكمال ﴿خير﴾ جزاء منك فيما وعدتنا

стр. 1128

به ﴿وأبقى﴾ ثواباً وعقاباً قال أبو حيان: والظاهر أن الله تعالى سلمهم من فرعون، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ومن اتبعكما الغالبون﴾ (القصص، ٣٥) ، وقال الرازي: ليس في القرآن أنَّ فرعون فعل بأولئك القوم المؤمنين ما أوعدهم، ولم يثبت في الأخبار، وقال البقاعي: سيأتي في آخر الحديد ما هو صريح في نجاتهم، ثم عللوا هذا الحكم بقولهم: ﴿إنه﴾ أي: الأمر والشأن ﴿من يأت ربه﴾ أي: الذي رباه وأحسن إليه بأن أوجده وجعل له جميع ما يصلحه ﴿مجرماً﴾ بأن يموت على كفره ﴿فإن له جهنم﴾ دار الإهانة ﴿لا يموت فيها﴾ فيستريح من عذابها بخلاف عذابك، فإن آخره الموت وإن طال ﴿ولا يحيى﴾ فيها حياة مهنأة، وبها يندفع ما قيل: إن الجسم الحيِّ لا بد أن يبقى إمَّا حياً أو ميِّتاً، فخلوه عن الوصفين محال، وقال بعضهم: إن لنا حالة ثالثة، وهي كحالة المذبوح قبل أن يهدأ، فلا هو حي لأنه قد ذبح ذبحاً لا تبقى الحياة معه، ولا هو ميت؛ لأن الروح لم تفارقه بعد، فهي حالة ثالثة ﴿ومن يأته﴾ أي: ربه الذي قد أوجده ورباه ﴿مؤمناً﴾ أي: مصدقاً به ﴿قد﴾ ضم إلى تصديق الإيمان أنه ﴿عمل﴾ أي: في الدنيا الصالحات أي: التي أمر بها، فكان صادق الإيمان مستلزماً لصالح الأعمال ﴿فأولئك﴾ أي: العالوا الرتبة ﴿لهم الدرجات العلى﴾ جمع علياء مؤنث أعلى التي لا نسبة لدرجاتك التي أوعدتناها إليها، ثم بينوها بقولهم: ﴿جنات عدن﴾ أي: أعدت للإقامة وهيئت فيها أسبابها ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي: من تحت غرفها وأسرتها وأرضها، فلا يراد موضع منها؛ لأن يجري فيه نهر الأجرى، وقولهم: ﴿خالدين فيها﴾ حال والعامل فيها معنى الإشارة أو الاستقرار ﴿وذلك جزاء﴾ كل ﴿من تزكى﴾ أي: تطهر من أدناس الكفر. تنبيه: هذه الآيات الثلاث وهي من قوله أنه من يأت ربه مجرماً إلى هنا يحتمل أن تكون من كلام السحرة كما تقرر، وأن تكون ابتداء كلام من الله تعالى، وقوله تعالى: عطف على قوله: ﴿ولقد أريناه آياتنا﴾ (طه، ٥٦) وفيه دليل على أن موسى ﵇ كثر مستجيبوه، فأراد الله تعالى تمييزهم من طبقة فرعون وخلاصهم، فأوحى إليه أن يسري بهم ليلاً، والسري اسم لسير الليل، والإسراء مثله، والحكمة في السري بهم لئلا يشاهدهم العدو فيمنعهم عن مرادهم، أو ليكون ذلك عائقاً لفرعون عن طلبه وتتبعه، أو ليكون إذا تقارب العسكر أن لا يرى عسكر موسى ﵊ عسكر فرعون لعنه الله فلا يهابونهم. وقرأ نافع وابن كثير بكسر النون وهمزة وصل بعدها من سرى، والباقون بسكون النون، وهمزة قطع بعدها من أسرى لغتان أي أسر ببني إسرائيل من أرض مصر التي لينت قلب فرعون لهم حتى أذن لهم في مسيرهم بعد أن كان قد أبى أن يطلقهم، أو يكف عنهم العذاب فأقصد بهم ناحية بحر القلزم ﴿فاضرب﴾ أي: اجعل ﴿لهم﴾ بالضرب بعصاك ﴿طريقاً في البحر﴾ والمراد بالطريق الجنس، فإنه كان لكل سبط طريق، وقوله ﴿يبساً﴾ صفة لطريق وصف به لما يؤول إليه؛ لأنه لم يكن يبساً إلا بعد أن مرت عليه الصبا، فجففته كما روي، وقيل في الأصل مصدر وصف به مبالغة، وقيل: جمع يابس كخادم وخدم وصف به الواحد مبالغة، فلما امتثل ما أمر به، وأيبس الله تعالى له الأرض، وأراد المرور بها قال الله تعالى له: ﴿لا تخاف دركاً﴾ أي: أن يدركك فرعون ﴿ولا تخشى﴾ غرقاً وقرأ حمزة بجزم الفاء ولا ألف بينها وبين

стр. 1129

الخاء على أن يكون نهياً مستأنفاً، والباقون برفع الفاء، وألف بينهما وبين الخاء على أنه مستأنف، فلا محل له من الإعراب، أو أنه في محل نصب على الحال من فاعل اضرب، أي: اضرب غير خائف ﴿فاتبعهم فرعون بجنوده﴾ أي: وهو معهم على كثرتهم وعلوّهم، وعزتهم، فكانوا كالتابع الذي لا معنى له بدون متبوعه، والمتبوع بنو إسرائيل، وذلك أن موسى خرج بهم أول الليل، فأخبر فرعون بذلك، فقص أثرهم، والمعنى: فأتبعهم فرعون نفسه ومعه جنوده، فحذف المفعول الثاني، وقيل: إن الباء زائدة ﴿فغشيهم﴾ أي: فرعون وقومه ﴿من اليم﴾ أي: البحر ﴿ما غشيهم﴾ أي: أمر لا تحتمل العقول وصفه، فأهلكهم، وقطع دابرهم، ولم يبق منهم أحداً وما شاك أحداً من عبادنا المستضعفين شوكة ﴿وأضل فرعون قومه﴾ أي: بدعائهم إلى عبادته ﴿وما هدى﴾ أي: ما أرشدهم، وهذا تكذيب لفرعون وتهكم به في قوله: ﴿وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ (غافر، ٢٩) تنبيه: لا بأس بذكر شيء من هذه القصة، فنقول: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما أمر الله تعالى موسى أن يقطع بقومه البحر، وكان بنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون الحلي والدوابّ لعيد يخرجون إليه، فخرج بهم ليلاً، وكان يوسف ﵊ عهد إليهم عند موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر، فلم يعرفوا مكانها حتى دلتهم عجوز على موضع العظم، فأخذوه، وقال موسى ﵇ للعجوز: احتكمي، أي: انظري لك شيئاً اطلبيه، فقالت: أكون معك في الجنة، فلما خرجوا تبعهم فرعون وعلى مقدمته ألف ألف وخمسمائة ألف سوى الجنبين والقلب، فلما انتهى موسى إلى البحر قال: هنا أمرت، فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر، فضربه، فانفلق، فقال لهم موسى: ادخلوا فيه، فقالوا: كيف وهي رطبة؟ فدعا ربه فهبت عليها الصبا، فجفت، فقالوا: نخاف الغرق في بعضنا، فجعل بينهم كوى يرى بعضم بعضاً، ثم دخلوا حتى جاوزوا البحر، وأقبل فرعون إلى تلك الطرق، فقال له قومه: إن موسى قد سحر البحر كما ترى، وكان على فرس حصان، فأقبل جبريل ﵇ على فرس أنثى في ثلاثة وثلاثين من الملائكة، فسار جبريل بين يدي فرعون، فأبصر الحصان الفرس، فاقتحم بفرعون على أثرها، فصاحت الملائكة في الناس: الحقوا حتى إذا لحق آخرهم، وكاد أوّلهم أن يخرج التقى البحر عليهم، فغرقوا، فرجع بنو إسرائيل حتى ينظروا إليهم، وقالوا: يا موسى ادع الله يخرجهم لنا حتى ننظر إليهم، فلفظهم البحر إلى الساحل، وأصابوا من سلاحهم، وذكر ابن عباس أن جبريل قال: يا محمد لو رأيتني وأنا أدس في في فرعون الماء والطين مخافة أن يتوب، فهذا معنى قوله تعالى: فغشيهم من اليم ما غشيهم، ولما أنعم الله تعالى على قوم موسى ﵇ بأنواع النعم ذكر أولادهم تلك النعم، فناداهم بقوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل﴾ والمنادى من وجد من اليهود في زمن النبي ﷺ وخوطبوا بما أنعم به على أجدادهم زمن موسى ﵇، ولا شك أن إزالة الضرر يجب تقديمها على إيصال المنفعة، وإيصال المنفعة الدينية أعظم من إيصال المنفعة الدنيوية، فلهذا بدأ تعالى بإزالة الضرر بقوله: ﴿قد أنجيناكم من عدوكم﴾ ، فإنّ فرعون كان ينزل بهم من أنواع الظلم كثيراً من القتل والإذلال والخراج والأعمال الشاقة، ثم ثنى بذكر المنفعة الدينية بقوله تعالى: ﴿وواعدناكم جانب الطور الأيمن﴾ أي: الذي على أيمانكم في

стр. 1130

توجهكم هذا الذي وجوهكم فيه إلى بيت أبيكم إبراهيم ﵇، وهو جانبه الذي يلي البحر، وناحية مكة واليمن، ووجه المنفعة فيه أنه أنزل في ذلك القرب عليهم كتاباً فيه بيان دينهم، وشرح شريعتهم. ثم ثلث بذكر المنفعة الدنيوية بقوله: ﴿ونزلنا عليكم﴾ بعد إنزال هذا الكتاب في هذه المواعدة لإنعاش أرواحكم ﴿المنِّ﴾ أي: الترنجبين ﴿والسلوى﴾ أي: الطير السماني بتخفيف الميم والقصر، وقوله تعالى: v ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ أمر إباحة أن فسر الطيب باللذيذ؛ لأن المن والسلوى من لذائذ الأطعمة، وإن فسر بالحلال؛ لأن الله تعالى أنزله إليهم، ولم تمسه يد الآدميين، فهو أمر إيجاب، وقرأ حمزة والكسائي قد أنجيناكم ووعدناكم ما رزقناكم بتاء مضمومة بعد التحتية من أنجينا، وبعد الدال من وعدنا، وبعد القاف من رزقنا، ولا ألف في الثلاثة، والباقون بالنون، وألف بعدها في الثلاثة، وأسقط أبو عمرو الألف قبل العين من وعدنا، وأثبتها الباقون، ثم زجرهم عن العصيان بقوله تعالى: ﴿ولا تطغوا فيه﴾ أي: فيما رزقناكم بالإخلال بشكره، والتعدي بما حد الله لكم فيه من السرف والبطر والمنع عن المستحقين، وقرأ الكسائي ﴿فيحل﴾ بضم الحاء، أي: ينزل، والباقون بكسرها، أي: يجب ﴿عليكم غضبي﴾ أي: عقوبتي ﴿ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى﴾ أي: هلك، وقيل: شقي، وقيل: وقع في الهاوية، وقرأ الكسائي بضم اللام الأولى، وكسرها الباقون، ولما كان الإنسان محل الزلل، وإن اجتهد رجاه واستعطفه بقوله سبحانه: ﴿وإني لغفار﴾ أي: ستار بإسبال ذيل العفو ﴿لمن تاب﴾ أي: رجع عن ذنوبه من الشرك، وما يقاربه ﴿وآمن﴾ بكل ما يجب الإيمان به ﴿وعمل صالحاً﴾ تصديقاً لإيمانه ﴿ثم اهتدى﴾ باستمراره على ذلك إلى موته. فائدة: اعلم أنه تعالى وصف نفسه بكونه غافراً وغفوراً وغفاراً، وبأن له غفراناً ومغفرة، وعبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل والأمر، أمَّا وصف كونه غافراً، فقوله تعالى ﴿غافر الذنب﴾ (غافر، ٣) وأما كونه غفوراً، فقوله تعالى: ﴿وربك الغفور﴾ (الكهف، ٥٨) ، وأما كونه غفاراً، فقوله تعالى: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن﴾ ، وأما الغفران، فقوله تعالى: ﴿غفرانك ربنا﴾ (البقرة، ٢٨٥) ، وأما المغفرة، فقوله تعالى: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس﴾ (الرعد، ٦) ، وأما صيغة الماضي فقوله تعالى في حق داوود ﵇: ﴿فغفرنا له﴾ (ص، ٢٥) ، وأما صيغة المستقبل فقوله تعالى: ﴿يغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء، ٤٨) ، وقوله تعالى في حق نبينا ﷺ ﴿ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر﴾ (الفتح، ٢) ، وأما لفظ الاستغفار، فقوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم﴾ (هود، ٣) ، ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ (الشورى، ٥) ﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾ (غافر، ٧) وههنا نكتة لطيفة وهي أن العبد له أسماء ثلاثة؛ الظالم والظلوم والظلام إذا كثر منه الظلم، ولله تعالى في مقابلة كل واحد من هذه الأسماء اسم، فكأنه تعالى قال: إن كنت ظالماً فأنا غافر، وإن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت ظلاماً فأنا غفار، فيجب على كل من ارتكب معصية كبيرة أو صغيرة أن يتوب منها لهذه الآية، ودلت على أن العمل الصالح غير داخل في الإيمان؛ لأنه تعالى عطف العمل الصالح على الإيمان والمعطوف غاير المعطوف عليه. ولما أمر تعالى موسى ﵇ بحضور الميقات مع قوم مخصوصين قال المفسرون: هم السبعون الذين اختارهم الله تعالى من جملة بني إسرائيل ليذهبوا معه إلى الطور ليأخذوا التوراة، فسار بهم موسى، ثم عجل موسى ﵇ من بينهم شوقاً إلى ربه

стр. 1131

وخلف السبعين، وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال تعالى له: أي: لمجيء ميعاد أخذ التوراة ﴿يا موسى﴾ ﴿قال﴾ مجيباً لربه تعالى: ﴿هم أولاء﴾ أي: بالقرب مني يأتون ﴿على أثري﴾ أي: ماشين على آثار مشي قبل أن ينطمس، وما تقدمتهم إلا بخطاً يسيرة لا يعتد بها عادة، وليس بيني وبينهم إلا مسافة قريبة يتقدم بها الرفقة بعضهم على بعض ﴿وعجلت إليك رب لترضى﴾ أي: لتزداد عني رضاً، فإن المسارعة إلى امتثال أمرك والوفاء بعهدك يوجب مرضاتك. تنبيه: في الآية سؤالات: الأول: قوله تعالى: وما أعجلك استفهام، وهو على الله تعالى وأجيب عنه: بأنه كان في صورة الاستفهام، ولا مانع منه. الثاني: أن موسى ﵇ لا يخلو إما أن يكون ممنوعاً من ذلك التقدم، أو لم يكن، فإن كان الأول كان التقدم معصية، وإن لم يكن فلا إنكار، وأجيب عنه: بأنه ﵇ لعله ما وجد نصاً في ذلك، فاجتهد، فأخطأ في اجتهاده، فاستوجب العتاب. الثالث: قوله: وعجلت، والعجلة مذمومة، أجيب عنه بأنها ممدوحة في الدين قال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ (آل عمران، ١٣٣) الرابع: قوله لترضى يدل على أنه إنما فعل ذلك ليحصل الرضا، وإذا لم يكن راضياً عنه، وجب أن يكون ساخطاً عليه، وذلك لا يليق بحال الأنبياء ﵈، أجيب عنه: بأن المراد تحصيل دوام الرضا، أو زيادته كما مرَّ. الخامس: قوله إليك يقتضي كون الله تعالى في جهة لأن إلى لانتهاء الغاية، وأجيب عنه: بأنا اتفقنا على أن الله تعالى لم يكن في الجبل، فالمراد مكان وعدك. السادس: قوله تعالى: ما أعجلك عن قومك سؤال عن سبب العجلة، فكان جوابه اللائق به أن يقول: طلب زيادة رضاك، أو التشوق إلى كلامك، وأما قوله: هم أولاء على أثري، فغير منطبق عليه كما ترى؛ أجيب عنه بأن سؤال الله تعالى يتضمن شيئين؛ أحدهما: إنكار نفس العجلة، والثاني: السؤال عن سببب التقدم، فأجاب عن السؤال عن العجلة؛ لأنها أهم، فقال: وعجلت إليك رب لترضى ﴿قال﴾ تعالى: ﴿فإنا﴾ أي: تسبب عن عجلتك عنهم أنا ﴿قد فتنا﴾ أي: ابتلينا ﴿قومك من بعدك﴾ أي: بعد فراقك لهم بعبادة العجل، وهم الذين خلفهم مع هارون، وكانوا ستمائة ألف، وما نجا من عبادة العجل منهم إلا اثنا عشر ألفاً ﴿وأضلهم السامري﴾ باتخاذ العجل والدعاء إلى عبادته، فأطاعه بعضهم، وامتنع بعضهم، والسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لهم السامرة، وقيل: كان علجاً من أهل كرمان وقع إلى مصر، وقيل: كان من قوم يعبدون البقر جبران لبني إسرائيل، ولم يكن منهم، واسمه موسى بن ظفر، وكان منافقاً ﴿فرجع موسى﴾ لما أخبره ربه بذلك ﴿إلى قومه﴾ بعدما استوفى الأربعين ذا القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، وأخذ التوراة ﴿غضبان﴾ عليهم ﴿أسفاً﴾ أي: حزينا بما فعلوا ﴿قال﴾ أي: لقومه لما رجع إليهم مستعطفاً لهم: ﴿يا قوم﴾ وأنكر عليهم بقوله: ﴿ألم يعدكم ربكم﴾ أي: الذي أحسن إليكم ﴿وعداً حسناً﴾ أي: بأنه ينزل عليكم كتاباً حافظاً، ويكفر عنكم خطاياكم، وينصركم على أعدائكم إلى غير ذلك من إكرامه، ولما جرت العادة بأنّ طول الزمان ناقض للعزائم مغير للعهود كما قال أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري: *لا أنسينك طال الزمان بنا ... وكم حبيب تمادى عهده فنسى قال لهم: ﴿أفطال عليكم العهد﴾ أي: زمن لطف الله تعالى بكم، فتغيرتم عما فارقتكم عليه كما تغير أهل

стр. 1132

الرذائل والانحلال في العزائم لضعف العقول وقلة التدبر ﴿أم أردتم﴾ أي: بالنقض مع قرب العهد، وذكر الميثاق ﴿أن يحل﴾ أي يجب ﴿عليكم﴾ بسبب عبادة العجل ﴿غضب من ربكم﴾ المحسن إليكم، أي: وكلا الامرين لم يكن أما الأول فواضح، وأما الثاني: فلا يظن بأحد إرادته، والحاصل أنه يقول: فعلتم ما لا يفعله عاقل ﴿فأخلفتم﴾ أي: فتسبب عن فعلكم ذلك أن أخلفتم ﴿موعدي﴾ أي: وعدكم إياي بالثبات على الإيمان بالله، والقيام على ما أمركم به، ولما تشوق السامع إلى جوابهم استأنف ذكره، فقال: ﴿قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا﴾ أي: بأن ملكنا أمرنا إذ لو خلينا، وأمرنا ولم يسوِّل لنا السامري لما أخلفناه، واختلف في هذا المجيب على وجهين. الأول: هم الذين لم يعبدوا العجل، فكأنهم قالوا: ما أخلفنا موعدك بملكنا أي: بأمر كنا نملكه، وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه كقوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر﴾ (البقرة، ٥٠) ، ﴿وإذ قتلتم نفساً﴾ (البقرة، ٧٢) ، وإن كان الفاعل لذلك آباءهم لا هم، فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل، فلم نقدر على منعهم عنه، ولم نقدر أيضاً على مفارقتهم لأنا خفنا أن يصير ذلك سبباً لوقوع النفرة، وزيادة الفتنة. الثاني: أن هذا قول عبدة العجل، والمراد أن غيرنا أوقع الشبهة في قلوبنا، وفاعل السبب فاعل المسبب، فمخلف الوعد هو الذي أوقع الشبهة، فإنه كان كالمالك لنا فإن قيل: كيف كان رجوع قريب من ستمائة ألف إنسان من العقلاء المكلفين عن الدين الحق دفعة واحدة إلى عبادة عجل يعرف فسادها بالضرورة؟ أجيب: بأنَّ هذا غير ممتنع في حق البله من الناس وقرأ عاصم ونافع بفتح الميم، وحمزة والكسائي بضمها، والباقون بكسرها، وثلاثتها في الأصل لغات في مصدر ملكت الشيء، ثم إن القوم فسروا الضرر الحامل لهم على ذلك الفعل، فقالوا: ﴿ولكنا حملنا﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص بضم الحاء وكسر الميم مشددة، وأبو عمرو، وشعبة وحمزة والكسائي بفتح الحاء والميم مخففة ﴿أوزاراً﴾ أي: أثقالاً ﴿من زينة القوم﴾ أي: حلي قوم فرعون استعارها منهم بنو إسرائيل بسبب عرس، وقيل: استعاروها لعيد كان لهم، ثم لم يردوها عند الخروج مخافة أن يعلموا به، وقيل: هي ما ألقاه البحر على الساحل بعد إغراقهم، فأخذوه، قال البيضاوي: ولعلهم سموها أوزاراً لأنها آثام فإن الغنائم لم تكن تحل بعد، ولأنهم كانوا مستأمنين، وليس للمستأمن أن يأخذ من مال الحربي ﴿فقذفناها﴾ أي: في النار ﴿فكذلك ألقى السامري﴾ أي: ما كان معه إما من المال أو من أثر الرسول، روي أن موسى ﵇ لما وعده ربه أن يكلمه استخلف على قومه أخاه هارون، وأجلهم ثلاثين يوماً، وذهب فصامها ليلها ونهارها، ثم كره أن يكلم ربه، وريح فمه متغير، فمضغ شيئاً من نبات الأرض، فقال له ربه: أوما علمت أن ريح الصائم أطيب من ريح المسك، ارجع فصم عشراً، وقيل: إنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة، وحسبوها أربعين بأيامها، وقالوا: قد كملت العدة، فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم وقال: إنكم خرجتم من مصر، ولقوم فرعون عندكم عوار، فاحفروا حفرة وألقوها فيها، ثم أوقدوا عليها ناراً، فلا يكون لنا ولا لهم، وكان السامري قد رأى أثراً، فقبض منه قبضة، فمر بهارون فقال له: يا سامري ألا تلقي ما في يدك، فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ألقيها على شيء إلا أن تدعوا الله

стр. 1133

إذا ألقيتها أن يكون ما أريد، فألقاها ودعا له هارون فقال: أريد أن يكون عجلاً، فاجتمع ما في الحفرة وصار عجلاً، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿فأخرج لهم عجلاً جسداً﴾ من ذلك الحلي المذاب به جوف ليس فيه روح ﴿له خوار﴾ أي: صوت يسمع؛ قال ابن عباس: لا والله ما كان له صوت قط، وإنما كان الريح يدخل في دبره، فيخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك، وقيل: إنه صاغه، ووضع التراب بعد صوغه في فمه ﴿فقالوا﴾ : أي السامري: ومن افتتن به أول ما رأوه مشيرين إلى العجل ﴿هذا إلهكم وإله موسى فنسي﴾ أي: فنسيه موسى، وذهب يطلبه عند الطور، أو فنسي السامري، أي: ترك ما كان عليه من الإيمان ﴿أفلا يرون﴾ أي: قالوا ذلك فتسبب عن قولهم علمهم عن روية ﴿أن﴾ أي: أنه ﴿لا يرجع إليهم قولاً﴾ والإله لا يكون أبكم ﴿ولا يملك لهم ضراً﴾ فيخافوه كما كانوا يخافون فرعون، فيقولون ذلك خوفاً من ضرره ﴿ولا نفعاً﴾ فيقولون ذلك رجاءً له ﴿ولقد قال لهم هارون من قبل﴾ أي: قبل رجوع موسى مستعطفاً لهم ﴿يا قوم إنما فتنتم﴾ أي: وقع اختياركم فاختبرتم في صحة إيمانكم وصدقكم فيه، وثباتكم عليه ﴿به﴾ أي: بهذا العجل في إخراجه لكم على هذه الهيئة الخارقة للعادة، وأكد لأجل إنكارهم، فقال: ﴿وإن ربكم﴾ أي: الذي أخرجكم من العدم، ورباكم بالإحسان ﴿الرحمن﴾ وحده الذي فضله عامّ ونعمه شاملة، فليس على بر ولا فاجر نعمة إلا وهي منه تعالى قبل أن يوجد العجل، وهو كذلك بعده، ومن رحمته قبول التوبة، فخافوا نزع نعمه بمعصيته، وأرجوا إسباغها بطاعته ﴿فاتبعوني﴾ بغاية جهدكم في الرجوع إليه ﴿وأطيعوا أمري﴾ أي: في الثبات على الدين ﴿قالوا لن نبرح عليه﴾ أي: العجل ﴿عاكفين﴾ أي: مقيمين ﴿حتى يرجع إلينا موسى﴾ فدافعهم فهموا به، وكان معظمهم قد ضل فلم يكن معه من يقوى بهم، فخاف أن يجاهد بهم الكفار، فلا يفيد ذلك شيئاً مع أن موسى لم يأمره بجهاد من ضل، وإنما قال له: ﴿وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ ، فرأى من الإصلاح اعتزالهم إلى أن يأتي. تنبيه: إنما قال هارون ذلك شفقة على نفسه وعلى الخلق؛ أما شفقته على نفسه، فلأنه كان مأموراً من عند الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان مأموراً من عند أخيه بقوله: ﴿اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ (الأعراف، ١٤٢) ، فلو لم يشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكان مخالفاً لأمر الله تعالى، ولأمر موسى، وذلك لا يجوز. أوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم، ومائتي ألف من شرارهم، فقال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وقال أنس قال رسول الله ﷺ «من أصبح وهمه غير الله فليس من الله في شيء، ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين، فليس منهم» وعن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد» وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: «خرجت أريد النبي ﷺ فإذا أبو بكر وعمر عنده، فجاء صغير يبكي، فقال لعمر: ضم الصبي إليك، فإنه ضال، فأخذه عمر، وإذا أم الصبي تولول كاشفة عن رأسها جزعاً على ابنها، فقال النبي ﷺ أدرك المرأة، فنادها، فجاءت، وأخذت ولدها، وجعلت تبكي والصبي في حجرها، فالتفتت، فرأت النبي ﷺ فاستحيت، فقال

стр. 1134

النبي ﷺ عند ذلك: أترون هذه رحيمة بولدها؟ قالوا: يا رسول الله كفى بهذه رحمة، فقال: والذي نفسي بيده إن الله أرحم بالمؤمنين من هذه بولدها» ولقد سلك هارون في موعظته أحسن الوجوه؛ لأنه زجرهم عن الباطل أولاً بقوله: إنما فتنتم به، ثم دعاهم إلى معرفة الله ثانياً بقوله: وإن ربكم الرحمن، ثم دعاهم ثالثاً إلى النبوة بقوله: فاتبعوني، ثم دعاهم رابعاً بقوله: وأطيعوا أمري، وهذا هو الترتيب الجيد؛ لأنه لا بد قبل كل شيء من إماطة الأذى عن الطريق، وهو إزالة الشبهات، ثم معرفة الله تعالى، فإنها هي الأصل، ثم النبوة، ثم الشريعة، فثبت أن هذا الترتيب أحسن الوجوه؛ لأنه زجرهم عن الباطل أولاً، ولما ذكر الله تعالى ما قال هارون تشوقت النفس إلى علم ما قال موسى فقيل: ﴿قال يا هارون﴾ أنت نبي الله، وأخي ووزيري وخليفتي، فأنت أولى الناس بأن ألومه، وأحقهم بأن أعاتبه ﴿ما منعك إذ﴾ أي: حين ﴿رأيتهم ضلوا﴾ عن طريق الهدى واتبعوا سبيل الردى ﴿أن لا تتبعني﴾ في سيرتي من الأخذ على يد الظالم طوعاً أو كرهاً. تنبيه: لا مزيدة للتأكيد؛ لأن النافي إذا زيد في كلام كان نافياً لضد مضمونه فيفيد إثباتاً للمضمون ونفياً لضده، فيكون ذلك في غاية التأكيد، وأثبت الياء بعد النون ابن كثير وقفاً ووصلاً، وأثبتها نافع، وأبو عمرو وصلاً لا وقفاً، وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً ﴿أفعصيت﴾ أي: فتكبرت عن اتباعي، فتسبب عن ذلك أنك عصيت ﴿أمري﴾ وأخذ بلحيته وبرأسه يجره إليه غضباً لله تعالى، فكأنه قيل: ما قال له؟ فقال: ﴿قال﴾ مجيباً له مستعطفاً بذكر أول وطن ضمهما بعد نفخ الروح مع ما له من الرقة والشفقة ﴿يا ابن أمّ﴾ فذكره بها خاصة وإن كان شقيقه؛ لأنها يسوءها ما يسوءه، وهي أرق من الأب، وقرأ نافع وابن كثير، وأبو عمرو وحفص بفتح الميم، وكسرها ابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي ﴿لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾ أي: بشعرهما. ثم علل ذلك بقوله: ﴿إني خشيت أن تقول﴾ إذا شددت عليهم حتى يصل الأمر إلى القتال ﴿فرقت بين بني إسرائيل﴾ يفعلك هذا الذي لم يجسد شيئاً لقلة من كان معك وضعفك عن ردهم ﴿ولم ترقب قولي﴾ ﴿اخلفني في قومي، وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ (الأعراف، ١٤٢) ، ولم تقل: وارددهم، ولو أدى الأمر إلى السيف، ولما فرغ من نصيحة أقرب الناس إليه، وأحقهم بنصيحته وحفظه على الهدى إذ كان رأس الهداة تشوف السامع إلى ما كان من غيره، فاستأنف تعالى ذكره بقوله: ﴿قال﴾ أي موسى ﵇ لرأس أهل الضلال معرضاً عن أخيه بعد قبول عذره جاعلاً ما نسب إليه سبباً لسؤاله عن الحامل له عليه ﴿فما خطبك﴾ ؟ أي: أمرك هذا العجب العظيم الذي حملك على ما صنعت، وأخبرني ربي أنك أضللتهم به ﴿يا سامري﴾ ﴿قال﴾ السامري: مجيباً له ﴿بصرت﴾ من البصر والبصيرة ﴿بما لم يبصروا به﴾ أي: رأيت ما لم ير بنو إسرائيل، وعرفت ما لم يعرفوا، وقال ابن عباس: علمت ما لم يعلموا، ومنه قولهم: رجل بصير، أي: عالم قاله أبو عبيدة وأراد أنه رأى جبريل ﵇، فأخذ من موضع حافر دابته قبضة من تراب كما قال: ﴿فقبضت﴾ أي: فكان ذلك سبباً؛ لأن قبضت ﴿قبضة﴾ أي: مرة من القبض أطلقها على المقبوض تشبيهاً للمفعول بالمصدر ﴿من أثر﴾ فرس ذلك ﴿الرسول﴾ أي: المعهود ﴿فنبذتها﴾ أي: في الحلي الملقى في النار، أو في العجل ﴿وكذلك﴾ أي: وكما سولت لي نفسي أخذ أثره ﴿سوَّلت﴾ أي: حسنت وزينت ﴿لي نفسي﴾ نبذها في

стр. 1135

الحلي، فنبذتها، وكان منها ما كان، ولم يدعني إلى ذلك داع، ولا حملني عليه حامل غير التسويل. تنبيه: كون المراد بالرسول جبريل ﵇ هو ما عليه عامة المفسرين، وأراد بأثره التراب الذي أخذه من موضع حافر دابته لما رآه يوم فلق البحر، وعن علي رضي الله تعالى عنه أن جبريل ﵇ لما نزل ليذهب بموسى إلى الطور أبصره السامري من بين الناس، واختلفوا في أنه كيف اختص السامري برؤية جبريل ﵇ ومعرفته من بين الناس، فقال ابن عباس في رواية الكلبي: إنما عرفه لأنه رباه في صغره، وحفظه من القتل حين أمر فرعون بذبح أولاد بني إسرائيل، فكانت المرأة إذا ولدت طرحت ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون، فتأخذ الملائكة الولدان ويربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس، فكان السامري ممن أخذه جبريل ﵇، وجعل كف نفسه في فيه، وارتضع منه العسل واللبن، فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه، فلما رآه عرفه؛ قال ابن جريح: فعلى هذا قوله: بصرت بما لم يبصروا به يعني: رأيت ما لم يروه. ومن فسر الإبصار بالعلم، فهو صحيح، ويكون المعنى: علمت أن تراب فرس جبريل ﵇ له خاصية الإحياء؛ قال أبو مسلم ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ذكره المفسرون، فههنا وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالرسول موسى ﵇ وبأثره سنته ورسمه الذي أمر به، فقد يقول الرجل: إن فلاناً يقفوا أثر فلان، ويقتص أثره إذا كان يمتثل رسمه، والتقدير أن موسى ﵇ لما أقبل على السامري باللوم، والمسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في العجل، قال: بصرت بما لم يبصروا به؛ أي: عرفت أن الذي أنت عليه ليس بحق، وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول؛ أي: شيئاً من دينك، فقذفته؛ أي: طرحته، فعند ذلك أعلمه موسى ﵇ بما له من العذاب في الدنيا والآخرة، وإنما أورد لفظ الإخبار عن غائب كما يقول الرجل لرئيسه وهو مواجه له ما يقول الأمير في كذا، أو بماذا يأمر الأمير، وأما ادعاؤه أن موسى رسول مع جحده وكفره. فعلى مذهب من حكى الله فيه قوله: يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون، وإن لم يؤمنوا بالإنزال قال الرازي: وهذا القول الذي ذكره أبو مسلم ليس فيه إلا أنه مخالف للمفسرين، ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه: أحدها: أنَّ جبريل ﵇ ليس معهود باسم الرسول، ولم يجرِ له فيما تقدم ذكر حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه، فإطلاق لفظ الرسول لإرادة جبريل كأنه تكليف بعلم الغيب. وثانيها: أنه لا بد فيه من الإضمار، وهو قبضة من أثر حافر دابة الرسول، والإضمار خلاف الأصل. وثالثها: أنه لا بد من التعسف في بيان أن السامري كيف اختص من بين جميع الناس برؤية جبريل ومعرفته، وكيف عرف أن تراب حافر فرسه له هذا الأثر، والذي ذكروه من أن جبريل هو الذي رباه فبعيد؛ لأن السامري إن عرف أنه جبريل حال كمال عقله عرف قطعاً أن موسى نبّي صادق، فكيف يحاول الإضلال، وإن كان ما عرفه حال البلوغ، فأنى ينفعه كون جبريل مر بباله حال الطفولية في حصول تلك المعرفة، ثم إن موسى ﵇ لما سمع من السامري ما ذكر ﴿قال﴾ له ﴿فاذهب﴾ أي: فتسبب عن فعلك أن أقول لك: اذهب من بيننا، وحيث ذهبت ﴿فإن لك في الحياة﴾ أي: ما دمت حياً ﴿أن تقول﴾ لكل من

стр. 1136

رأيته ﴿لا مساس﴾ أي: لا تمسني ولا أمسك، فلا تقدر أن تنفك عن ذلك، فكان يهيم في البرية مع الوحوش والسباع، وإذا مس أحداً أو مسه أحد حما جميعاً عاقبه الله تعالى بذلك، وكان إذا لقي أحداً يقول لا مساس؛ أي: لا تقربني ولا تمسني، وقال ابن عباس لا مساس لك ولولدك حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك، وإذا مس أحد من غيرهم أحداً منهم حما جميعاً في ذلك الوقت ﴿وإن لك﴾ بعد الممات ﴿موعداً﴾ للثواب إن تبت، والعقاب إن أبيت ﴿لن تخلقه﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر اللام أي: لن تغيب عنه، والباقون بفتحها أي: بل تبعث إليه، فلا انفكاك لك عنه كما أنك في الحياة لا تقدر أن تنفك عن النفرة من الناس، فاختر لنفسك ما يحلو. ولما ذكر ما للإله الحق من القدرة التامة في الدارين أتبعه عجز العجل، فقال: ﴿وانظر إلى إلهك﴾ أي: بزعمك ﴿الذي ظلت﴾ أي: دمت في مدة يسيرة جداً بما أشار إليه تخفيف التضعيف، فإن أصله ظللت بلامين أولاهما مكسورة حذفت تخفيفاً ﴿عليه عاكفاً﴾ أي: مقيماً تعبده ﴿لنحرّقنّه﴾ أي: بالنار وبالمبرد قال البقاعي: كما سلف عن نص التوراة، وكان معنى ذلك أنه أحماه حتى لان، فهان على المبارد انتهى، ﴿ثم لننسفنه﴾ أي: لنذرينه إذا صار سحالة ﴿في اليمّ﴾ أي: في البحر الذي أغرق الله تعالى فيه آل فرعون، ثم يجمع الله تعالى سحالته التي هي من حليهم، فيحميها في نار جهنم، ويكويهم بها، ويجعلها من أشد العذاب عليهم، وأكد الفعل إظهاراً لعظمة الله تعالى الذي أمره بذلك، وتحقيقاً للصدق في الوعد، فقال: ﴿نسفاً﴾ قال الجلال المحلي، وفعل موسى ﵇ بعد ذبحه ما ذكره انتهى، وعلى هذا لا يصح أن يبرد بالمبرد؛ قال الرازي: ويمكن أن يقال صار لحماً ودماً، وذبح ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها، ولما أراهم بطلان ما هم عليه بالعيان أخبرهم بالحق على وجه الحصر، فقال: ﴿إنما إلهكم الله﴾ أي: الجامع لصفات الكمال، ثم كشف المراد من ذلك، وحققه بقوله: ﴿الذي لا إله إلا هو﴾ أي: لا يصلح لهذا المنصب أحد غيره؛ لأنه ﴿وسع كل شيء﴾ وقوله: ﴿علماً﴾ تمييز محمول على الفاعل، أي: أحاط علمه بكل شيء، فكل شيء إليه مفتقر، وهو غني عن كل شيء، وأما العجل الذي عبدوه، فلا يصلح للإلهية بوجه، ولا في عبادته شيء من حق، ولما شرح الله تعالى قصة موسى ﵇ مع فرعون أولاً، ثم مع السامري ثانياً على هذا الأسلوب الأعظم والسبيل الأقوم كان كأنه قيل: هل يعاد شيء من القصص على هذا الأسلوب البديع، والمثال الرفيع، فقيل: نعم ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا القص العالي في هذا النظم العزيز الغالي كقصة موسى ومن ذكر معه ﴿نقص عليك من أنباء﴾ أي: أخبار ﴿ما قد سبق﴾ من الأمم زيادة في علمك وإجلالاً لمقدارك، وتسلية لقلبك، وإذهاباً لحزنك بما اتفق للرسل من قبلك، وتكثيراً لبيناتك، وزيادة في معجزاتك، وليعتبر السامع ويزداد المستبصر في دينه بصيرة، وتتأكد الحجة على من عاند وكابر ﴿وقد أتيناك﴾ أي: أعطيناك تشريفاً لك وتعظيماً لقدرك ﴿من لدنا﴾ أي: من عندنا ﴿ذكراً﴾ أي: كتاباً هو القرآن وفي تسمية القرآن بالذكر وجوه أحدها: أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم، وثانيها: أنه يذكر فيه أنواع آلاء الله ونعمائه، وفيه التذكير والموعظة، وثالثها: فيه الذكر والشرف لك ولقومك كما قال الله تعالى: وإنه لذكر لك ولقومك، وسمى الله تعالى كل كتاب

стр. 1137

أنزله ذكراً فقال: ﴿فاسألوا أهل الذكر﴾ ، والتنتكير فيه للتعظيم، فإنه مشتمل على أسرار كتب الله تعالى المنزلة ﴿من أعرض عنه﴾ فلم يؤمن به ﴿فإنه يحمل يوم القيامة وزراً﴾ أي: حملاً ثقيلاً من الإثم ﴿خالدين فيه﴾ أي: في عذاب الوزر ﴿وساء﴾ أي: وبئس ﴿لهم﴾ أي: ذلك الحمل ﴿يوم القيامة﴾ وقوله: ﴿حملاً﴾ تمييز مفسر للضمير في ساء، والمخصوص بالذم محذوف تقديره وزرهم، واللام للبيان، ومن أقبل عليه كان مذكراً له بكل ما يريد من العلوم النافعة ويبدل من يوم القيامة ﴿يوم ينفخ في الصور﴾ أي: القرن النفخة الثانية، وقرأ أبو عمرو بنونين الأولى مفتوحة، وضم الفاء على إسناد الفعل إلى الآمر به تعظيماً له، أو إلى النافخ، والباقون بياء مضمومة، وفتح الفاء ﴿ونحشر المجرمين﴾ أي: الكافرين ﴿يومئذٍ زرقاً﴾ أي: عيونهم مع سواد وجوههم؛ لأن زرقة العيون أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب؛ لأن الروم أعداؤهم، وهم زرق العيون، ولذلك قالوا في صفة العدو: أسود الكبد، أصهب السبال، أزرق العين، وقيل: المراد العمى؛ لأن حدقة من يذهب نور بصره تزرق، وقيل: عطاشاً حال كونهم ﴿يتخافتون﴾ أي: يخفضون أصواتهم ﴿بينهم﴾ لما يملأ صدورهم من الرعب والهول، والخفت خفض الصوت وإخفاؤه ﴿إن﴾ أي: يقول بعضهم لبعض ما ﴿لبثتم﴾ أي: مكثتم ﴿إلا عشراً﴾ أي: من الليالي بأيامها في الدنيا، وقيل: في القبور وقيل: بين النفختين، وهو مقدار أربعين سنة؛ قالوا: ذلك إما استقصاراً لمدة الراحة في جنب ما بدا لهم من المخاوف؛ لأن أيام السرور قصار، وإما لأنها ذهبت عنهم، وانقضت، والذاهب وإن طالت مدته قصيرة بالانتهاء، ومنه توقيع عبد الله بن المعتز أطال الله تعالى بقاءك كفى بالانتهاء قصراً، وإما لاستطالتهم الآخرة، فإنه يستقصر إليها عمر الدنيا، ويتقال لبث أهلها فيها بالقياس إلى لبثهم في الآخرة كما قال تعالى: ﴿كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم فاسأل العادين﴾ (المؤمنين: ١١٢، ١١٣) ، وإما غلطاً ودهشة قال الله تعالى: ﴿نحن أعلم﴾ أي: من كل أحد ﴿بما يقولون﴾ في ذلك اليوم أي: ليس كما قالوا: ﴿إذ يقول أمثلهم﴾ أي: أعدلهم ﴿طريقة﴾ أي: رأياً أو عملاً في الدنيا فيما يحسبون ﴿أن﴾ أي: ما ﴿لبثتم إلا يوماً﴾ أي: مبدأ الآحاد لا مبدأ العقود كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون﴾ (الروم، ٥٥) ، فلا يزالون في إفك وصرف عن الحق في الدارين؛ لأن الإنسان يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، ولما وصف أمر يوم القيامة حكى سؤال من لا يؤمن بالحشر فقال تعالى: ﴿ويسئلونك﴾ يا أشرف الخلق ﴿عن الجبال﴾ كيف تكون يوم القيامة؟ قال الضحاك: نزلت في مشركي مكة قالوا: يا محمد كيف تكون الجبال يوم القيامة، وكان سؤالهم على سبيل الاستهزاء، ولما كان مقصودهم من هذا السؤال الطعن في الحشر والنشر، فلا جرم أمره الله تعالى بالجواب مقروناً بحرف التعقيب بقوله: ﴿فقل﴾ لهم ﴿ينسفها ربي نسفاً﴾ ؛ لأن تأخير البيان في هذه المسألة الأصولية غير جائز، وأما المسائل الفروعية فجائز فلذلك ذكر هناك في نحو قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ (البقرة، ٢١٩) ، وقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾ (البقرة، ٢٢٠) بغير حرف التعقيب والنسف التذرية، وقيل: القلع الذي يقلعها من أصلها ويجعلها هباءً منثوراً؛ قال الخليل: ينسفها يذهبها ويطيرها، وفي ضمير ﴿فيذرها﴾ قولان

стр. 1138

أحدهما: أنه ضمير الأرض أضمرت للدلالة عليها كقوله تعالى: ﴿ما ترك على ظهرها من دابة﴾ (فاطر، ٤٥) ، والثاني: ضمير الجبال، وذلك على حذف مضاف أي: فيذر مراكزها ومقارها، ويذر يجوز أن يكون بمعنى يخليها، فيكون ﴿قاعاً﴾ حالاً وأن يكون بمعنى يترك التصييريه، فيتعدى لاثنين فقاعاً ثانيهما، والقاع هو المكان المستوي، وقيل: الأرض التي لا بناء فيها، ولا نبات، وفي قوله تعالى: ﴿صفصفاً﴾ قولان أحدهما: الأرض الملساء، والثاني: المستوية، والقاع والصفصف قريبان من الترادف، وجمع القاع أقوع وأقواع وقيعان ﴿لا ترى فيها﴾ أي: الأرض أو مواضع الجبال ﴿عوجاً﴾ أي: انخفاضاً ﴿ولا أمتاً﴾ أي: ارتفاعاً بوجه من الوجوه، وعبر هنا في العوج بالكسر، وهو للمعاني، ولم يعبر بالفتح الذي توصف به الأعيان، فإن الأرض أو مواضع الجبال أعيان لا معان نفياً للاعوجاج على أبلغ وجه بمعنى أنك لو جمعت أهل الخبرة بتسوية الأرض لاتفقوا على الحكم باستوائها، ثم لو جمعت أهل الهندسة فحكموا بمقاييسهم العلمية فيها لحكموا بمثل ذلك. ﴿يومئذٍ﴾ أي: يوم إذ نسفت الجبال ﴿يتبعون﴾ أي: الناس بعد القيام من القبور بغاية جهدهم ﴿الداعي﴾ أي: إلى المحشر، وهو إسرافيل يضع الصور على فيه ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول: أيتها العظام البالية، والجلود الممزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن ﴿لا عوج له﴾ أي: الداعي في شيء من قصدهم إليه؛ لأنه ليس في الأرض ما يحوجهم إلى التعويج، ولا يمنع الصوت من النفوذ على السواء، وقيل: لا عوج لدعائه، وهو من المقلوب، أي: لا عوج له عن دعاء الداعي لا يزيغون عنه يميناً ولا شمالاً، ولا يقدرون عليه، بل يتبعونه سراعاً ﴿وخشعت الأصوات﴾ أي: سكنت وذلت وتطامنت لخشوع أهلها ﴿للرحمن﴾ الذي عمت نعمه، فيرجى كرمه، وتخشى نقمه ﴿فلا﴾ أي: فتسبب عن خشوعها أنك لا ﴿تسمع إلا همساً﴾ أخفى ما يكون من الأصوات، وقيل: أخفى شيء من أصوات الأقدام في نقلها إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل في مشيها. ﴿يومئذٍ﴾ أي: إذا كان ما تقدم ﴿لا تنفع الشفاعة﴾ أحداً ﴿إلا من أذن له الرحمن﴾ أن يشفع له ﴿ورضي له قولاً﴾ ولو الإيمان المجرد قال ابن عباس: يعني قال: لا إله إلا الله، فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن، ولما نفى أن تنفع شفاعة بغير إذنه علل ذلك كما سلف في آية الكرسي بقوله: ﴿يعلم ما بين أيديهم﴾ أي: الخلائق من أمور الآخرة ﴿وما خلفهم﴾ من أمور الدنيا، وقيل: ما بين أيديهم ما قدموا وما خلفهم ما خلفوا من الأعمال ﴿ولا يحيطون به علماً﴾ أي: لا يحيط علمهم بمعلوماته، وقيل: الضمير إلى ما أي: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وهم لا يعلمونه، وقيل: راجع إلى الله تعالى أي: ولا يحيطون بالله علماً، ولما ذكر خشوع الأصوات أتبعه خضوع ذويها، فقال: ﴿وعنت الوجوه﴾ أي: ذلت وخضعت في ذلك اليوم، ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره، وخص الوجوه بالذكر مع أن المراد الأشخاص لشرف الوجوه، ولأنها أول ما يظهر فيها الذل ﴿للحي﴾ الذي هو مطلع على الدقائق والجلائل ﴿القيوم﴾ الذي لا يغفل عن التدبير ومجازاة كل نفس بما كسبت؛ روى ابن أسامة الباهلي عن النبي ﷺ أنه قال: «اطلبوا اسم الله الأعظم في هذه السور الثلاث: البقرة وآل عمران، وطه» ، قال الرازي: فوجدنا المشترك في السور الثلاث: الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم ﴿وقد خاب﴾ أي: خسر خسارة

стр. 1139

ظاهرة ﴿من حمل ظلماً﴾ قال ابن عباس: خسر من أشرك بالله، والظلم الشرك. ولما شرح الله تعالى أحوال القيامة ختم الكلام فيها بشرح أحوال المؤمنين، فقال: ﴿ومن يعمل من الصالحات﴾ أي: التي أمره الله تعالى بها بحسب طاقته؛ لأنه لن يقدر الله أحد حق قدره، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ﴿وهو مؤمن﴾ ليكون بناؤها على الأساس كما في قوله تعالى: ﴿ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات﴾ (ظه، ٧٥) ﴿فلا يخاف ظلماً﴾ أي: بزيادة في سيئاته ﴿ولا هضماً﴾ أي: بنقص من حسناته؛ قاله ابن عباس، وقيل: لا يؤاخذ بذنب لم يعمله، ولا تبطل حسنة عملها، وعبّر تعالى بالفاء إشارة إلى قبول الأعمال وجعلها سبباً لذلك الحال، وأما غير المؤمن، فلو عمل أمثال الجبال لم يكن لها وزن، وقوله تعالى: ﴿وكذلك﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿وكذلك نقص﴾ ، أي: ومثل إنزال ما ذكر ﴿أنزلناه﴾ أي: القرآن ﴿قرآناً﴾ جامعاً لجميع المعاني المقصودة، ثم وصفه تعالى بأمرين؛ أحدهما: قوله تعالى ﴿عربياً﴾ أي: بلسان العرب ليفهموه، ويقفوا على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر، الثاني: قوله تعالى: ﴿وصرّفنا فيه من الوعيد﴾ أي: كرّرناه، وفصلناه، ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم؛ لأن الوعد بهما يتعلق بتكريره وتصريفه يقتضي بيان الأحكام، فلذلك قال تعالى: ﴿لعلهم يتقون﴾ أي: يجتنبون الشرك والمحارم، وترك الواجبات، فتصير التقوى لهم ملكة ﴿أو يحدث لهم ذكراً﴾ أي: عظة واعتباراً حين يسمعونها، فيثبطهم عنها، ولهذه النكتة أسند التقوى إليهم، والأحداث إلى القرآن. ﴿فتعالى الله﴾ في ذاته وصفاته عن مماثلة المخلوقين لا يماثل كلامه كلامهم كما لا تماثل ذاته وصفاته ذاتهم وصفاتهم ﴿الملك﴾ الذي لا يعجزه شيء، فلا ملك في الحقيقة غيره ﴿الحق﴾ أي: الثابت الملك، فلا زوال لكونه ملكاً في زمن ما، ولعظمة ملكه وحقية ذاته وصفاته صرف خلقه على ما هم عليه من الأمور المتباينة، ولما شرح الله تعالى كيفية نفع القرآن للمكلفين، وبيّن أنه متعالٍ عن كل ما لا ينبغي موصوف بالإحسان والرحمة، ومن كان كذلك صان رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي، فلذلك قال تعالى: ﴿ولا تعجل بالقرآن﴾ أي: بقراءته ﴿من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ من الملك النازل به إليك من حضرتنا كما أنا لم نعجل بإنزاله عليك جملة بل رتلناه لك ترتيلاً، ونزلناه إليك تنزيلاً مفصلاً تفصيلاً، وموصلاً توصيلاً، فاستمع له ملقياً جميع تأملك إليه، ولا تساوقه بالقراءة، فإذا فرغ فاقرأه، فإنا نجمعه في قلبك، ولا نكلفك المساوقة بتلاوته ﴿وقل رب﴾ أيها المحسن إليّ بإفاضة العلوم عليّ ﴿زدني علماً﴾ أي: سل الله زيادة العلم بدل الاستعجال، فإن ما أوحي إليك تناله لا محالة؛ روى الترمذي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علماً، والحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار» وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم زدني علماً ويقيناً، ولما قال تعالى: ﴿كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق﴾ (طه، ٩٩) ذكره هذه القصة إنجازاً للوعد، فقال تعالى: ﴿ولقد عهدنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿إلى آدم﴾ أبي البشر أي: وصيناه أن لا يأكل من الشجرة، وإنما عطفها على قوله تعالى: ﴿وصرفنا فيه من الوعيد﴾ (طه، ١١٣) للدلالة على أن أساس بني آدم على العصيان، وعرقهم راسخ بالنسيان ﴿من قبل﴾ أي: في

стр. 1140

زمن من الأزمان الماضية قبل هؤلاء الذين تقدّم في هذه السورة ذكر نسيانهم وإعراضهم ﴿فنسي﴾ عهدنا، وأكل منها ﴿ولم نجد له عزماً﴾ أي: تصميم رأي وثبات على الأمر؛ إذ لو كان ذا عزيمة وتصلب لم يزله الشيطان، ولم يستطع تغريره؛ قال البيضاوي: ولعل ذلك كان في بدء أمره قبل أن يجرب الأمور ويذوق أريها وشريها انتهى، والأري العسل، والشري: الحنظل؛ قال البغوي: قال أبو أمامة الباهلي: لو وزن حلم آدم بحلم ولده لرجح حلمه، وقد قال الله تعالى: ﴿ولم نجد له عزماً﴾ ، وقال البيضاوي: وعن النبي ﷺ «لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه» ، وقد قال تعالى: ولم نجد له عزماً، قال ابن الأثير: والحلم بالكسرة الأناة والتثبت في الأمور. فإن قيل: ما المراد بالنسيان أجيب بأنه يجوز أن يراد بالنسيان الذي هو نقيض الذكر، وإنه لم يعنِ بالوصية العناية الصادقة، ولم يستوثق منها بقصد القلب عليها، وضبط النفس حتى تولد من ذلك النسيان، ولم يكن النسيان في ذلك الوقت مرفوعاً عن الإنسان بل كان يؤاخذ به، وإنما رفع عنا، وكان الحسن يقول: ما عصى أحد قط إلا بنسيان، وإن يراد الترك وأنه ترك ما أوصي به من الاحتراز عن الشجرة وأكل ثمرتها، وقيل: نسي عقوبة الله تعالى، وظن أنه نهي تنزيه. تنبيه: هذا هو المرّة الخامسة من قصة آدم في القرآن أولها في البقرة، ثم في الأعراف، ثم في الحجر، ثم في الكهف، ثم ههنا، وقوله تعالى: ﴿وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس﴾ تقدَّم الكلام على ذلك مفصلاً في سورة البقرة، وقوله تعالى: ﴿أبى﴾ جملة مستأنفة؛ لأنها جواب سؤال مقدر؛ أي: ما منعه من السجود؟ فأجيب بأنه أبى، ومفعول الإباء يجوز أن يكون مراداً، وقد صرح به في الآية الأخرى في قوله تعالى: ﴿أبى أن يكون من الساجدين﴾ (الحجر، ٣١) ، وحسن حذفه هنا كون العامل رأس فاصلة، ويجوز أن لا يراد أصلاً، وأنَّ المعنى أنه من أهل الإباء والعصيان من غير نظر إلى متعلق الإباء ما هو ﴿فقلنا﴾ بسبب امتناعه بعد أن حلمنا عليه ولم نعاجله بالعقوبة ﴿يا آدم إنَّ هذا﴾ الشيطان الذي تكبر عليك ﴿عدوّ لك ولزوجك﴾ حوَّاء بالمدّ لأنها منك، وسبب تلك العداوة من وجوه؛ الأول: أن إبليس كان حسوداً، فلما رأى آثار نعم الله في حق آدم حسده، فصار عدواً له، الثاني: أن آدم ﵇ كان شاباً عالماً لقوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ (البقرة، ٣٠) ، وإبليس كان شيخاً جاهلاً؛ لأنه أثبت فضيلته بفضيلة أصله، وذلك جهل، والشيخ الجاهل أبداً يكون عدواً للشاب العالم، الثالث: أن إبليس مخلوق من النار، وآدم مخلوق من الماء والتراب، فبين أصليهما عداوة، فثبتت تلك العداوة فإن قيل: لمَ قال تعالى: ﴿فلا يخرجنكما من الجنة﴾ مع أن المخرج لهما منها هو الله تعالى؟ أجيب بأنه لما كان هو الذي فعل بوسوسته ما ترتب عليه الخروج صح ذلك فإن قيل: لمَ قال تعالى: ﴿فتشقى﴾ أي: فتتعب وتنصب في الدنيا، ولم يقل: فتشقيا؟ أجيب بوجهين؛ أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل وهو قيّم أهله وأميرهم شقاءهم كما أن في ضمن سعادته سعادتهم، فاختص الكلام بإسناده إليه دونها مع المحافظة على كونه رأس فاصلة، وعن سفيان بن عيينة قال: لم يقل فتشقيا؛ لأنها داخلة معه، فوقع المعنى عليهما جميعاً وعلى أولادهما جميعاً كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ (الطلاق، ١) ، و ﴿يا أيها النبي لم تحرِّم ما أحل الله لك قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ (التحريم، ١) ، فدخلوا في المعنى معه، وإنما كلم النبي وحده، الثاني: أريد

стр. 1141

بالشقاء التعب في طلب القوت، وذلك على الرجل دون المرأة؛ لأن الرجل هو الساعي على زوجته، روي أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه ويحتاج بعد الحرث إلى الحصد والطحن والخبز وغير ذلك مما يحتاج إليه، وعن الحسن قال: عنى به شقاء الدنيا، فلا تلقى ابن آدم إلا شقياً ناصباً أي: ولو أراد شقاوة الآخرة ما دخل الجنة بعد ذلك، ولما كان الشبع والريّ والكسوة والمكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الناس ذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة من غير حاجة إلى الكسب والطلب، وذكرها بلفظ النفي لأضدادها بقوله تعالى: ﴿إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى﴾ ﴿وإنك لا تظمأ﴾ أي: تعطش ﴿فيها ولا تضحى﴾ أي: لا يحصل لك حر شمس الضحى لانتفاء الشمس في الجنة بل أهلها في ظل ممدود وهذه الأشياء كأنها تفسير للشقاء المذكور في قوله تعالى: فتشقى ﴿فوسوس﴾ أي: فتعقب تحذيرنا هذا من غير بعد في زمان أن وسوس ﴿إليه الشيطان﴾ المحترق المطرود وهو إبليس أي: أنهى إليه الوسوسة، وأما وسوس له، فمعناه لأجله، فلذلك عدي تارة باللام في قوله تعالى: ﴿فوسوس لهما﴾ (الأعراف، ٢٠) ، وتارة بإلى، ثم بيّن تعالى تلك الوسوسة ما هي بقوله تعالى: ﴿قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد﴾ أي: على الشجرة التي إن أكلت منها بقيت مخلداً ﴿وملك لا يبلى﴾ أي: لا يبيد ولا يفنى، قال الرازي: واقعة آدم عجيبة، وذلك لأن الله تعالى رغبه في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله تعالى: ﴿فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ ، ورغبة إبليس أيضاً في دوام الراحة بقوله تعالى: هل أدلك على شجرة الخلد وفي انتظام المعيشة بقوله، وملك لا يبلى، فكان الشيء الذي رغب الله تعالى فيه آدم هو الذي رغبه إبليس فيه إلا أن الله تعالى وقف ذلك الأمر على الاحتراس عن تلك الشجرة، وإبليس وقفه على الإقدام عليها، ثم إن آدم ﵇ مع كمال عقله وعلمه بأن الله مولاه وناصره ومربيه وعلمه بأن إبليس عدوّه حيث امتنع من السجود له وعرض نفسه للعنة بسبب عداوته كيف قبل في الواقعة الواحدة، والمقصود الواحد قول إبليس مع علمه بعداوته له، وأعرض عن قول الله تعالى مع علمه بأنه الناصر له والمربي، ومن تأمل هذا الباب طال تعجبه، وعرف آخر الأمر أن هذه القصة كالتنبيه على أنه لا دافع لقضاء الله، ولا مانع له منه، وأن الدليل وإن كان في غاية الظهور ونهاية القوة، فإنه لا يحصل النفع به إلا إذا قضى الله ذلك وقدَّره انتهى.w ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح روى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: «احتج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها بيان كل شيء، وقرّبك نجياً فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن يخلقني؛ قال موسى: بأربعين عاماً قال آدم: فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملاً كتب الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؛ قال رسول الله ﷺ فحج آدم موسى» ، وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ﷺ «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن

стр. 1142

يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه على الماء، وقال: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» ، ثم كأن إبليس قال لآدم بلسان الحال أو المقال مشيراً إلى الشجرة التي نهي عنها ما بينك وبين الملك الدائم إلا أن تأكل منها ﴿فأكلا﴾ أي: فتسبب عن قوله وتعقب أن أكل ﴿منها﴾ هو وزوجته متبعين لقوله ناسين ما عهد إليهما لأمر قدّره الله في الأزل ﴿فبدت لها سوآتهما﴾ قال ابن عباس عرياً من النور الذي كان الله ألبسهما حتى بدت فروجهما، وإنما جمع سوآتهما كما قال: صغت قلوبكما، أي: فظهر لكل منهما قبله وقبل الآخر ودبره، وسمى كل منهما سوأة؛ لأن انكشافه يسوء صاحبه ﴿وطفقا يخصفان﴾ أي: أخذا يلزقان ﴿عليهما من ورق الجنة﴾ ليستترا به، قال ابن عادل: وهو ورق التين ﴿وعصى آدم﴾ بالأكل من الشجرة، وإن كان إنما فعل المنهي نسياناً لأن عظم مقامه وعلو رتبته يقتضيان له مزيد الاعتناء، ودوام المراقبة ﴿ربه﴾ المحسن إليه بما لم ينله أحد من بنيه من تصويره له بيده، وإسجاد ملائكته له، ومعاداة من عاداه ﴿فغوى﴾ أي: فعل ما لم يكن له فعله، وقيل: أخطأ طريق الحق، وقيل: حيث طلب الخلد بأكل ما نهى عنه، فخاب، ولم ينل مراده وصار من العز إلى الذل، ومن الراحة إلى التعب؛ قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال: عصى آدم، ولا يجوز أن يقال: آدم عاص؛ لأنه إنما يقال: عاص لمن اعتاد فعل المعصية كالرجل يخيط ثوبه، فيقال: خاط ثوبه، ولا يقال: هو خياط حتى يعاوده ويعتاده. تنبيه: تمسك بعضهم بقوله تعالى: وعصى آدم ربه فغوى في صدور الكبيرة عنه من وجهين؛ الأول: أن العاصي اسم للذم، فلا ينطلق إلا على صاحب الكبيرة لقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالداً فيها﴾ (الجن، ٢٣) ، ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فعل فعلاً يعاقب عليه، الثاني: أن الغواية والضلالة اسمان مترادفان، والغي ضد الرشاد، ومثل هذا لا يتناول إلا الفاسق المنهمك في فسقه، وأجيب: بأن المعصية مخالفة الأمر، والأمر قد يكون بالواجب وقد يكون بالمندوب، فإنك تقول: أمرته فعصاني، وأمرته بشرب الدواء فعصاني، وإذا كان كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم بكونه للمندوب، وإن كان وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز، وأجاب أبو مسلم الأصبهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف، وكذا القول في غوى؛ قال الرازي: والأولى عندي في هذا الباب أن يقال: هذه الواقعة كانت قبل النبوَّة، وقد تقدم شرح ذلك في البقرة، وقيل: بل أكل من الشجرة متأولاً، وهو لا يعلم أنَّ الشجرة التي نهى الله عنها شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل: إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة، فهو كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين أي: يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات ﴿ثم اجتباه ربه﴾ أي: اختاره واصطفاه ﴿فتاب عليه﴾ أي: قبل توبته، وأعاد عليه بالعفو والمغفرة ﴿وهدى﴾ أي: هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار، ولما كانت دار الملوك لا تحتمل مثل ذلك وإن كان قد هيأه بالاجتباء لها قال على طريق الاستئناف. ﴿قال﴾ الرب : الذي انتهكت حرمة داره ﴿اهبطا﴾ أي: آدم وحواء بما اشتملتما عليه من ذريتكما ﴿منها﴾ أي: الجنة ﴿جميعاً﴾ وقيل: الخطاب لآدم ومعه ذريته، ولإبليس، فقوله تعالى: ﴿بعضكم لبعض عدوٌّ﴾ يكون على التفسير الأول بعض الذرية لبعض عدوٌّ

стр. 1143

من ظلم بعضهم لبعض، وعلى الثاني آدم وذريته، وإبليس وذريته، وقوله تعالى: ﴿فإما﴾ فيه إدغام نون أن الشرطية في ما المزيدة ﴿يأتينكم مني هدى﴾ أي: كتاب ورسول ﴿فمن اتبع هداي﴾ الذي أسعفته به من أوامر الكتاب والرسول ﴿فلا يضل﴾ أي: بعد ذلك عن طريق السداد في الدنيا ﴿ولا يشقى﴾ في الآخرة؛ قال ابن عباس: من قرأ القرآن، واتبع ما فيه هداه الله تعالى من الضلالة، ووقاه الله تعالى يوم القيامة سوء الحساب، وذلك أن الله تعالى يقول: فمن اتبع هداي، فلا يضل ولا يشقى، ولما وعد تعالى من اتبع الهدى أتبعه بوعيد من أعرض فقال تعالى: ﴿ومن أعرض عن ذكري﴾ أي: عن القرآن، فلم يؤمن به ولم يتبعه ﴿فإن له معيشة ضنكاً﴾ والضنك أصله الضيق والشدة، وهو مصدر، فكأنه قال: له معيشة ذات ضنك، واختلف في ذلك، فقال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وابن مسعود: المراد بالمعيشة الضنك عذاب القبر، وروى أبو هريرة أنَّ عذاب القبر للكافر، قال: قال ﷺ «والذي نفسي بيده ليسلط عليه في قبره تسعة وتسعون تنيناً هل تدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية لكل حية تسعة رؤوس يخدشونه ويلسعونه، وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون» ، وقال الحسن وقتادة والكلبي: هو الضيق في الآخرة في جهنم، فإنّ طعامهم الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والغسلين، فلا يموتون فيها ولا يحيون، وقال ابن عباس: المعيشة الضنك هي أن يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها، وعن عطاء: المعيشة الضنك هي معيشة الكافر؛ لأنه غير موقن بالثواب والعقاب، وروي عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «عقوبة المعصية ثلاثة؛ ضيق المعيشة والعسر في الشدة، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية الله» ، وذلك أن مع الدين التسليم والقناعة والتوكل على الله تعالى، وعلى قسمته، فهو ينفق ما رزقه الله تعالى بسماح وسهولة، فيعيش عيشاً رفيعاً كما قال الله تعالى: ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾ (النحل، ٩٧) ، والمعرض عن الدين مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الانفاق فعيشه ضنك، وحاله مظلمة، قال ﷺ «لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لابتغى إليه ثانياً، ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» متفق عليه. قال بعض الصوفية: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته، وتشوش عليه رزقه، وقال تعالى: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً﴾ (نوح: ١٠، ١١) الآية، وقال تعالى: ﴿وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً﴾ (الجن، ١٦) . ثم ذكر حال المعرض في الآخرة بقوله تعالى: ﴿ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ قال ابن عباس: إذا خرج من القبر خرج بصيراً، فإذا سيق إلى المحشر عمي، ولعله جمع بذلك بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا﴾ (مريم، ٣٨) ، وقال عكرمة: عمي عليه كل شيء إلا جهنم، وفي لفظ قال: لا يبصر إلا النار، وعن مجاهد المراد بالعمى عدم الحجة، ويؤيد الأول قوله تعالى: ﴿قال رب لم حشرتني أعمى﴾ في هذا اليوم؟ ﴿وقد كنت بصيراً﴾ أي: في الدنيا، أو في أول هذا اليوم، فكأنه قيل: بما أجيب؟ فقيل: ﴿قال﴾ له ربه ﴿كذلك﴾ أي: مثل ذلك فعلت، ثم فسره، فقال: ﴿أتتك آياتنا﴾ واضحة نيرة ﴿فنسيتها﴾ فعميت

стр. 1144

عنها، وتركتها غير منظور إليها ﴿وكذلك﴾ أي: ومثل تركك إياها ﴿اليوم تنسى﴾ أي: تترك في العمى والعذاب ﴿وكذلك﴾ أي: ومثل هذا الجزاء الشديد ﴿نجزي من أسرف﴾ في متابعة هواه، فتكبر عن متابعة أوامرنا ﴿ولم يؤمن﴾ بل كذب ﴿بآيات ربه﴾ وخالفها ﴿ولعذاب الآخرة أشدّ﴾ مما نعذبهم به في الدنيا والقبر لعظمه ﴿وأبقى﴾ فإنه غير منقطع. ولما بيّن الله تعالى أنَّ من أعرض عن ذكره كيف يحشر يوم القيامة اتبعه بما يعتبر به المكلف من الأفعال الواقعة في الدنيا ممن كذب الرسل، فقال: أي: يبين بياناً يقود إلى المقصود ﴿لهم﴾ أي: هؤلاء الذين أرسلت إليهم أعظم رسلي، وفاعل يهد مضمون قوله: ﴿كم أهلكنا﴾ وقال أبو البقاء: الفاعل ما دل عليه أهلكنا أي: إهلاكنا، والجملة مفسرة له، وقال الزمخشري: فاعل لم يهد الجملة بعده يريد: ألم يهدلهم هذا بمعناه ومضمونه، ونظيره قوله تعالى: ﴿وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين﴾ (الصافات: ٧٨، ٧٩) ، أي: تركنا عليه هذا الكلام، ويجوز أن يكون فيه ضمير الله أو الرسول انتهى. وكم خبرية مفعول أهلكنا ﴿قبلهم من القرون﴾ أي: بتكذيبهم لرسلنا حال كونهم ﴿يمشون﴾ أي: هؤلاء العرب من أهل مكة وغيرهم ﴿في مساكنهم﴾ أي: في سفرهم إلى الشام، ويشاهدون آثار هلاكهم ﴿إن في ذلك﴾ أي: الإهلاك العظيم الشأن المتوالي في كل أمة ﴿لآيات﴾ عظيمات بينات ﴿لأولي النهى﴾ أي: لذوي العقول الناهية عن التغافل والتعامي. ولما هددهم بإهلاك الماضين ذكر سبب التأخير عنهم بقوله تعالى: ﴿ولولا كلمة﴾ أي: عظيمة قاضية نافذة ﴿سبقت﴾ أي: في أزل الآزال ﴿من ربك﴾ الذي عودك بالإحسان بتأخير العذاب عنهم إلى الآخرة فإنه يعامل بالحلم والأناة ﴿لكان﴾ أي: العذاب ﴿لزاماً﴾ أي: لازماً أعظم لزوم لهم في الدنيا مثل ما نزل بعاد وثمود، ولكن نمدُّ لهم لنرد من شئنا منهم، ونخرج من أصلاب بعضهم من يؤمن، وإنما فعلنا ذلك إكراماً لك ورحمة لأمتك، فيكثر أتباعك، فيعملوا الخيرات، فيكون ذلك زيادة في شرفك، وإلى ذلك الإشارة بقوله ﷺ «وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً» ، وفي رفع قوله تعالى ﴿وأجل مسمى﴾ وجهان؛ أظهرهما: عطفه على كلمة أي، ولولا أجل مسمى لكان العذاب لازماً لهم، وهذا ما صدَّر به البيضاوي، والثاني: أنه معطوف على الضمير المستتر في كان، وقام الفصل بخبرها مقام التأكيد، واقتصر الجلال المحلي على هذا، وجوَّزه الزمخشري والبيضاوي، وفي هذا الأجل المسمى قولان؛ أحدهما: ولولا أجل مسمى في الدنيا لذلك العذاب، وهو يوم بدر، والثاني: ولولا أجل مسمى في الآخرة لذلك العذاب، وهذا كما قال الرازي أقرب قال أهل السنة تعالى بحكم المالكية أن يخص من شاء بفضله، ومن شاء بعذابه من غير علة إذ لو كان فعله لعلة لكانت تلك العلة إما قديمة، فيلزم قدم الفعل، وإما حادثة، فيلزم افتقارها إلى علة أخرى، ويلزم التسلسل، ثم إنه تعالى لما أخبر نبيه ﷺ بأنه لا يهلك أحداً قبل استيفاء أجله أمره بالصبر، فقال: ﴿فاصبر على ما يقولون﴾ لك من الاستهزاء وغيره، وهذا كان أول الأمر، ثم نسخ بآية القتال ﴿وسبح﴾ أي: صل، وقوله تعالى: ﴿بحمد ربك﴾ حال أي: وأنت حامد لربك على أنه وفقك لذلك، وأعانك عليه ﴿قبل طلوع الشمس﴾ صلاة الصبح ﴿وقبل

стр. 1145

غروبها﴾ صلاة العصر ﴿ومن أناء الليل﴾ أي: ساعاته ﴿فسبح﴾ أي: صل المغرب والعشاء، وقوله تعالى: ﴿وأطراف النهار﴾ معطوف على محل من آناء المنصوب أي: صل الظهر؛ لأن وقتها يدخل بزوال الشمس، فهو طرف النصف الأول، وطرف النصف الثاني قال ابن عباس: دخلت الصلوات الخمس في ذلك، وقيل: المراد الصلوات الخمس والنوافل؛ لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، فالليل والنهار داخلان في هاتين العبارتين. وأوقات الصلوات الواجبة دخلت فيهما، فبقي قوله: ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار للنوافل، وقال أبو مسلم: لا يبعد حمل التسبيح على التنزيه والإجلال، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات. فإن قيل: النهار له طرفان، فكيف قال: وأطراف النهار، ولم يقل: طرفي النهار أجيب بوجهين أظهرهما: أنه إنما جمع لأنه يلزم في كل نهار ويعود، والثاني: أن أقل الجمع اثنان، وقرأ قوله تعالى ﴿لعلك ترضى﴾ أبو بكر والكسائي بضم التاء أي: ترضى بما تنال من الثواب كقوله تعالى: ﴿وكان عند ربه مرضياً﴾ (مريم، ٥٥) ، وقرأ الباقون بفتحها أي: ترضى بما تنال من الشفاعة قال تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (الضحى، ٥) ، وقال تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ (الإسراء، س٧٩) ، والمعنى: على القراءتين لا يختلف؛ لأن الله تعالى إذا أرضاه، فقد رضيه، وإذا رضيه، فقد أرضاه، ولما كانت النفس ميالة إلى الدنيا مرهونة بالحاضر من فاني العطايا، وكان تخليها عن ذلك هو الموصل إلى حريتها المؤذن بعلو همتها قال تعالى مؤكداً إيذاناً بصعوبة ذلك: ﴿ولا تمدن﴾ مؤكداً له بالنون الثقيلة ﴿عينيك﴾ أي: لا تطول نظرهما بعد النظرة الأولى المعفو عنها ﴿إلى ما متعنا به﴾ في هذه الحياة الفانية ﴿أزواجاً﴾ أي: أصنافاً ﴿منهم﴾ أي: الكفرة استحساناً له وتمنياً أن يكون لك مثله والإمتاع الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة، ويسمع من الأصوات المطربة ويشم من الروائح الطيبة وغير ذلك من الملابس والمناكح، وقوله تعالى: ﴿زهرة الحياة الدنيا﴾ أي: زينتها وبهجتها منصوب بمحذوف دل عليه متعنا، أو به على تضمنه معنى أعطينا، فأزواجاً مفعول أول، وزهرة هو الثاني، وذكر ابن عادل غير هذين الوجهين سبعة أوجه لا حاجة لنا بذكرها، ثم علل تعالى تمتعهم بقوله تعالى: ﴿لنفتنهم فيه﴾ أي: لنفعل بهم فعل المختبر، فيكون سبب عذابهم في الدنيا بالعيش الضنك لما مضى، وفي الآخرة بالعذاب الأليم، فصورته تغرّ من لم يتأمل معناه حق التأمل، فما أنت فيه خير مما هم فيه ﴿ورزق ربك﴾ في الجنة ﴿خير﴾ مما أوتوه في الدنيا ﴿وأبقى﴾ أي: أدوم أو ما رزقته من نعمة الإسلام والنبوّة، أو لأنّ أموالهم الغالب عليها الغصب والسرقة والحرمة من بعض الوجوه، والحلال خير وأبقى، قال الزمخشري: لأن الله تعالى لا ينسب إلى نفسه إلا ما حل وطاب دون ما حرم وخبث، والحرام لا يسمى زرقاً انتهى، وهذا جار على مذهبه المخالف لأهل السنة من أن الحرام لا يسمى زرقاً، وقال أبو مسلم الذي نهى عنه بقوله: ولا تمدَّن عينيك ليس هو النظر بل هو الأسف أي: لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا، وقال أبو رافع: نزلت هذه الآية في ضيق نزل بالنبيّ ﷺ فبعثني إلى يهودي يبيع أو يستلف إلى مدة، فقال: والله لا أفعل إلا برهن، فأخبرته بقوله فقال ﷺ «إني لأمين في السماء وإني لأمين في الأرض احمل إليه درعي الحديد»

стр. 1146

فنزل قوله: ولا تمدن عينيك، وقال ﷺ «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» ، وقال أبو الدرداء: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له، وعن الحسن لولا حمق الناس لخربت الدنيا، وعن عيسى ابن مريم ﵇: لا تتخذوا الدنيا داراً، فتتخذكم لها عبيداً. ولما أمر الله تعالى نبيه محمد ﷺ بتزكية النفس أمره بأن يأمر أهله بالصلاة بقوله : ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ أي: أمر أهل بيتك والتابعين لك من أمتك بالصلاة كما كان أبوك إسماعيل ﵇ يدعوهم إلى كل خير إذ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وليتعاونوا على الاستعانة على خصاصتهم، ولا يهتموا بأمر المعيشة، ولا يلتفتوا لفت أرباب الثروة، وكان ﷺ بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعلي ﵄ كل صباح ويقول: الصلاة ﴿واصطبر﴾ أي: داوم ﴿عليها لا نسألك﴾ أي: نكلفك ﴿رزقاً﴾ لنفسك ولا لغيرك ﴿نحن نرزقك﴾ وغيرك كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد إن يطعمون إن الله هو الرازق ذو القوة المتين﴾ (الذاريات، ٥٨) ففرِّغ بالك لأمور الآخرة، وفي معناه قول الناس: من كان في عمل الله كان الله في عمله. وروي أنه ﷺ كان إذا أصاب أهله ضرٌّ أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية، وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلطان قرأ: ولا تمدن عينيك الآية، ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله وعن بكر بن عبد الله المزني كان إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمر الله رسوله، ثم يتلو هذه الآية: ﴿والعاقبة﴾ أي: الجميلة المحمودة ﴿للتقوى﴾ أي: لأهل التقوى قال ابن عباس: الذين صدقوك واتبعوك واتقوني، ويؤيده قوله تعالى في موضع آخر: ﴿والعاقبة للمتقين﴾ (الأعراف، ١٢٨) ، ولا معونة على الرزق وغيره بشيء يوازي الصلاة، فقد كان ﷺ إذا حزبه أمر أي بالباء الموحدة أي: إذا أحزنه فزع إلى الصلاة قال ثابت: وكان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ «يقول الله تعالى: تفرغ لعبادتي املأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك» ، وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به هموم أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك» وعن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة همه جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» ، ثم إنه تعالى بعد هذه الوصية حكى عنهم شبهاً بقوله تعالى: ﴿وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه﴾ فكأنه من لوازم قوله تعالى: ﴿فاصبر على مايقولون﴾ وهو قولهم لولا أي: هلا يأتينا بآية، وقال في موضع آخر: لو ما تأتينا بآية كما أرسل الأوّلون، ثم أجاب الله تعالى عن رسوله ﷺ بقوله: ﴿أولم تأتهم بينة﴾ أي: بيان ﴿ما في الصحف الأولى﴾ من التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية المشتمل عليه القرآن أنباء الأمم الماضية وإهلاكهم

стр. 1147

بتكذب الرسل فما يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك، وقرأ نافع وأبوعمرو وحفص بالفوقية على التأنيث، والباقون بالتحتية على التذكير ﴿ولو أنّا أهلكناهم﴾ معاملة لهم في عصيانهم ﴿بعذاب من قبله﴾ أي: هذا القرآن المذكور في الآية الماضية وما قاربها، وفي قوله تعالى: ﴿ولا تعجل بالقرآن﴾ (طه، ١١٤) وفي مثنى السورة في: ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ (طه، ٢) أو من قبل محمد ﷺ ﴿لقالوا﴾ أي: يوم القيامة ﴿ربنا﴾ يا من هو متصف بالإحسان إلينا ﴿لولا﴾ أي: هلا ولم لا ﴿أرسلت إلينا رسولاً﴾ يأمرنا بطاعتك ﴿فنتبع﴾ أي: فيتسبب عنه أن نتبع آياتك التي تنجينا بها ﴿من قبل أن نذل﴾ بالعذاب هذا الذل ﴿ونخزى﴾ بالمعاصي التي عملناها على جهل، فلأجل ذاك أرسلناك إليهم، وأقمنا بك الحجة عليهم، ولما علم بهذا أنّ إيمانهم كالممتنع، وجدالهم لا ينقطع بل إن جاءهم الهدى طعنوا فيه، وإن عذبوا قبله تظلموا كان كأنه قيل: فما الذي أفعل معهم؟ فقيل: ﴿قل﴾ لهم ﴿كل﴾ أي: كل مني ومنكم ﴿متربص﴾ أي: منتظر ما يؤول إليه أمري وأمركم ﴿فتربصوا﴾ فأنتم كالبهائم ليس لكم تأمل ﴿فستعلمون﴾ أي: عما قريب بوعد لا خلف فيه، وهو يوم القيامة ﴿من أصحاب الصراط﴾ أي: الطريق ﴿السويّ﴾ أي: المستقيم ﴿ومن اهتدى﴾ أي: من الضلال، فحصل على جميع ما ينفعه واجتنب جميع ما يضره أنحن أم أنتم؟ قال ابن عادل: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلما سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمّة ينزل عليها هذا، وطوبى لألسن تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا» ، وعن الحسن أن النبي ﷺ قال: «لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلا يس وطه» انتهى، ولم يذكر لذلك سنداً، وأما ما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ طه أعطي يوم القيامة ثواب المهاجرين والأنصار» فحديث موضوع. سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مكية قال الرازي بإجماع: وهي مائة وإحدى أو ثنتا عشرة آية وألف ومائة وستون كلمة وأربعة آلاف وثمان وتسعون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الحكم العدل الذي تمت قدرته وعمّ أمره ﴿الرحمن﴾ الذي ساوى بين خلقه في رحمة إيجاده ﴿الرحيم﴾ الذي نجى من شاء من عباده في معاده قال أبو جعفر بن الزبير في برهانه لما تقدم قوله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك﴾ (الحجر، ٨٨) إلى قوله: ﴿فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى﴾ (طه، ١٣٥) قال تعالى: ﴿اقترب﴾ أي: قرب ﴿للناس حسابهم﴾ أي: في يوم القيامة أي: فلا تمدن عينيك إلى ذلك فإني جعلته فتنة، وأشار بصيغة الافتعال إلى مزيد القرب؛ لأنه لا أمة بعد هذه ينتظر أمرها، وأخر الفاعل تهويلاً لتذهب النفس في تعيينه كل مذهب فإن قيل: كيف وصف ذلك اليوم بالاقتراب وقد عدت دون هذا القول أكثر من تسعمائة عام أجيب بأنه مقترب عند الله، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ويستعجلونك بالعذاب وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ (الحج، ٤٧) ولأن كل آت، وإن طالت أوقات استقباله وترقبه قريب وإنما البعيد هو الذي وجد وانقرض

стр. 1148

قال الشاعر: *فلا زال ما تهواه أقرب من غد ... ولا زال ماتخشاه أبعد من أمس ولأنّ ما بقي من الدنيا أقصر وأقل مما سلف منها بدليل انبعاث خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه الموعود ببعثه في آخر الزمان، وقال: «بعثت أنا والساعة كهاتين» ، وأشار بإصبعيه وقال ﷺ «ختمت النبوة بي» كل ذلك لأجل أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي، وعن ابن عباس أن المراد بالناس المشركون وهو من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم، وهو ما يتلوه من صفات المشركين، وهو قوله تعالى: ﴿وهم﴾ أي: والحال أنهم ﴿في غفلة﴾ أي: عن الحساب ﴿معرضون﴾ عن التأهب لهذا اليوم لا يتفكرون في عاقبتهم، ولا يتفطنون لما يرجع إليه خاتمة أمرهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء، وأيضاً إن هذه الآية نزلت في كفار مكة، ولما أخبر تعالى عن غفلتهم وإعراضهم دلّ على ذلك بقوله: ﴿ما يأتيهم﴾ وأغرق في النفي بقوله: ﴿من ذكر﴾ أي: وحي ينبههم عن سنة الغفلة والجهالة، وقوله تعالى: ﴿من ربهم﴾ صفة ذكر أوصلة ليأتيهم ﴿محدث﴾ إنزاله أي: ما يحدث الله تعالى من تنزيل شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم به، وبهذا سقط احتجاج المعتزلة بأن القرآن حادث لهذه الآية، وقيل: معناه أن الله تعالى يحدث الأمر بعد الأمر، فينزل الآية بعد الآية والسورة بعد السورة في وقت الحاجة لبيان الأحكام وغيرها من الأمور والوقائع، وقيل: الذكر المحدث ما قاله النبي ﷺ وبيّنه من السنن والمواعظ سوى ما في القرآن، وإضافه إليه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ (النجم: ٣، ٤) ﴿إلا استمعوه﴾ أي: قصدوا إسماعه وهو أجد الجد وأحق الحق ﴿وهم﴾ أي: والحال أنهم ﴿يلعبون﴾ أي: يفعلون فعل اللاعبين بالاستهزاء والسخرية لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور، والتفكر في العواقب ﴿لاهية﴾ أي: غافلة معرضة ﴿قلوبهم﴾ عن ذكر الله. تنبيه قوله تعالى: وهم يلعبون لاهية قلوبهم حالان مترادفتان، أو متداخلتان، ولما ذكر تعالى ما يظهرونه في حالة الاستماع من اللهو واللعب ذكر ما يخفونه بقوله تعالى عطفاً على استمعوه: ﴿وأسروا﴾ أي: الناس المحدّث عنهم ﴿النجوى﴾ أي: بالغوا في إسرار كلامهم، وقوله تعالى: ﴿الذين ظلموا﴾ بدل من واو وأسروا للإيماء بأنهم ظالمون فيما أسروا به أومبتدأ والجملة المتقدمة خبره، والمعنى: وهؤلاء أسروا النجوى، فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم، وقيل: جاء على لغة من قال: أكلوني البراغيث وقيل: منصوب المحل على الذم، ثم بيّن تعالى ما تناجوا به بقوله تعالى: ﴿هل﴾ أي: فقالوا في تناجيهم هذا، معجبين من ادعائه النبوّة مع مماثلته لهم في البشرية هل ﴿هذا﴾ الذي أتاكم بهذا الذكر ﴿إلا بشر مثلكم﴾ أي: في خلقه وأخلاقه من الأكل والشرب، والحياة والممات، فكيف يختص عنكم بالرسالة ما هذا الذي جاءكم به مما لا تقدرون على مثله إلا سحر لا حقيقة له، فحينئذٍ تسبب عن هذا الإنكار قولهم: ﴿أفتأتون السحر وأنتم﴾ أي: والحال أنكم ﴿تبصرون﴾ بأعينكم أنه بشر مثلكم، فكأنهم استدلوا بكونه بشراً على كذبه في ادعاء النبوة والرسالة

стр. 1149

لاعتقادهم أن الرسول لا يكون إلا ملكاً، واستلزموا منه أن ما جاء به من الخوارق كالقرآن سحر، فأنكروا حضوره. فإن قيل: لم أسروا هذا الحديث وبالغوا في إخفائه أجيب: بأن ذلك كان يشبه التشاور فيما بينهم، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره، وعادة المتشاورين في خطب أن لا يشركوا أعداءهم في مشورتهم، ويجتهدوا في طي سرهم عنهم ما أمكن واستطيع. ومنه قول الناس: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، قال البقاعي: فيالله العجب من قوم رأوا ما أعجزهم، فلم يجوزوا أن يكون ذلك عن الرحمن الداعي إلى الفوز بالجنان، وجزموا أنه من الشيطان الداعي إلى الهوان باصطلاء النيران والعجب أيضاً أنهم أنكروا الاختصاص بالرسالة مع مشاهدتهم بما يخص الله تعالى به بعض الناس عن بعض من الذكاء والفطنة، وحسن الخلائق والأخلاق والقوة والصحة، وطول العمر وسعة الرزق ونحو ذلك انتهى، ولا عجب فإنها عقول أضلها باريها، ثم كأنه قيل: فإذا يقال لهؤلاء فقال: ﴿قال﴾ لهم: ﴿ربي﴾ المحسن إلي ﴿يعلم القول﴾ سواء كان سراً أم جهراً كائناً ﴿في السماء والأرض﴾ على حد سواء؛ لأنه لا مسافه بينه وبين شيء من ذلك ﴿وهو السميع العليم﴾ ، فلا يخفى عليه ما يسرون ولا ما يضمرون. فإن قيل: هلا قيل يعلم السر لقوله تعالى: ﴿وأسروا النجوى﴾ (طه، ٦٢) أجيب بأن القول عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، فكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول: يعلم السر كما أن قوله: يعلم السر آكد من أن يقول يعلم سرهم. فإن قيل: لم ترك هذا الآكد في سوره الفرقان في قوله تعالى: ﴿قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض﴾ (الفرقان، ٦) ، ولم يقل: يعلم القول كما هنا؟ أجيب: بأنه ليس بواجب أن يأتي بالآكد في كل موضع، ولكن يجيء بالوكيد تارة وبالآكد تارة أخرى، كما يجيء بالحسن في موضع وبالأحسن في غيره ليفتن الكلام افتتاناً، ويجمع الغاية وما دونها، على أن أسلوب تلك الآية خلاف أسلوب هذه من قبل أنه قدم ههنا أنهم أسروا النجوى، فكأنه أراد أن يقول: إنّ ربي يعلم ما أسروه، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة، وثم قصد وصف ذاته بأنه أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض، فهو كقوله تعالى: ﴿علام الغيوب﴾ (المائدة، ١٠٩) ﴿عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة﴾ (سبأ، ٣) ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي قال بصيغة الماضي بالإخبار عن الرسول والباقون قل بصيغة الأمر، ثم إنه تعالى بيّن أنّ المشركين اقتسموا القول في النبي ﷺ وفيما يقوله بقوله تعالى: ﴿بل قالوا﴾ أي: قال بعضهم هذا الذي قال لكم: ﴿أضغاث أحلام﴾ أي: أخلاط أحلام رآها في النوم، وقال بعضهم: ﴿بل افتراه﴾ أي: اختلقه من عند نفسه، ونسبه إلى الله تعالى، وقال بعضهم: ﴿بل هو﴾ أي: النبي ﷺ ﴿شاعر﴾ فما جاءكم به شعر، والشاعر يخيل ما لا حقيقة له لغيره، أو أنهم كلهم أضربوا عن قولهم: هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام، ثم إلى أنه كلام مفترى من عنده، ثم إلى أنه قول شاعر، وهكذا المبطل متحير رجاع غير ثابت على قول واحد؛ قال الزمخشري: ويجوز أن يكون تنزيلاً من الله تعالى لأقوالهم في درج الفساد، وأن قولهم الثاني أفسد من الأول، والثالث أفسد من الثاني، وكذا الرابع أفسد من الثالث، ثم إنهم لما قدحوا في أعظم المعجزات طلبوا آية غيره، فقالوا: ﴿فليأتنا﴾ دليلاً على

стр. 1150

رسالته ﴿بآية كما﴾ أي: مثل ما ﴿أرسل الأولون﴾ بالآيات كتسبيح الجبال وتسخير الريح وتفجير الماء، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وصحة التشبيه من حيث إن الإرسال يتضمن الإتيان بالآية قال الله تعالى مجيباً لهم: ﴿ما آمنت قبلهم﴾ أي: قبل مشركي مكة ﴿من قرية﴾ أي: من أهل قرية أتتهم الآيات ﴿أهلكناها﴾ باقتراح الآيات لما جاءتهم ﴿أفهم يؤمنون﴾ أي: لو جئتهم بها وهم أغنى منهم، وفيه دليل على أن عدم الإتيان بالمقترح للإبقاء عليهم إذ لو أتى به لم يؤمنوا، واستوجبوا عذاب الاستئصال كمن قبلهم، ولما بيّن تعالى بطلان ما اقترحوا به في رسوله ﷺ بكونه بشراً قال تعالى عاطفاً على آمنت مجيباً عن قولهم: ﴿هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ ﴿وما أرسلنا قبلك﴾ أي: في جميع الزمان الذي تقدّم زمانك في جميع طوائف البشر ﴿إلا رجالاً﴾ أي: لم نرسل الملائكة إلى الأولين إنما أرسلنا رجالاً ﴿نوحي إليهم﴾ مثلك ثم إنه تعالى أمر المشركين أن يسألوا أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر﴾ وإنما أحالهم على هؤلاء لأنهم كانوا لا ينكرون أن الرسل كانوا بشراً، وإن أنكروا نبوّة محمد ﷺ وقيل: المراد بالذكر القرآن، أي: فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن، وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين، ولا همزة بعدها، وكذا يفعل حمزة في الوقف، والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها، ثم نبّه تعالى على أنهم غير محتاجين فيه إلى السؤال بما قد كان بلغهم على الإجمال من أحوال موسى وعيسى وإبراهيم وإسماعيل وغيرهم ﵈ بقوله تعالى معبراً بأداة الشك محركاً لهم على المعالي ﴿إن كنتم﴾ أي: بجبلاتكم ﴿لا تعلمون﴾ أي: لا أهلية لكم في اقتناص علم بل كنتم أهل تقليد محض، وتبع صرف، ولما بيّن تعالى أنه ﷺ على سنة من مضى من الرسل في كونه رجلاً بيّن أنه على سنتهم في جميع الأوصاف التي حكم بها على البشر في العيش والموت، فنبه على الأول بقوله تعالى: ﴿وما جعلناهم﴾ أي: الذين اخترنا بعثتهم إلى الناس ليأمروهم بأوامرنا ﴿جسداً﴾ أي: ذوي جسد ولحم ودم متصفين بأنهم ﴿لا يأكلون الطعام﴾ بل جعلناهم أجساداً يأكلون ويشربون، وليس ذلك بمانع من إرسالهم. فائدة: قال ابن فارس في المجمل وفي كتاب الخليل: إن الجسد لا يقال لغير الإنسان، وتوحيد الجسد لإرادة الجنس كأنه قيل: ذوي ضرب من الأجساد، أو على حذف المضاف، أي: ذوي جسد كما مر، أو تأويل الضمير لكل واحد، وهو جسم ذو لون، قال البيضاوي: ولذلك أي: ولكون الجسد جسماً ذا اللون لا يطلق على الماء والهواء، وهو في الماء مبني على أنه لا لون له، وإنما يتلون بلون ظرفه أو مقاله؛ لأنه جسم شفاف؛ لكن قال الإمام الرازي: بل له لون ويرى، ومع ذلك لا يحجب عن رؤية ما وراءه، ثم نبه على الثاني بقوله تعالى: ﴿وما كانوا خالدين﴾ أي: بأجسادهم، بل ماتوا كما مات الناس قبلهم وبعدهم، وإنما امتازوا عن الناس بما يأتيهم عن الله تعالى ورسولكم ﷺ ليس بخالد، فتربصوا كما أشار إليه ختم طه، فإنه متربص بكم، وأنتم عاصون الملك الذي اقترب حسابه لخلقه وهو مطيع له ﴿ثم صدقناهم الوعد﴾ أي: الذي وعدناهم بإهلاكهم، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿واختار موسى قومه﴾ (الأعراف، ١٥٥) في حذف الجار والأصل

стр. 1151

في الوعد، ومن قومه ومنه صدقوهم القتال، وصدقني سنّ بكره والأصل في هذا المثل أن أعرابياً عرض بعيراً للبيع، فقال له المشتري: ما سنه؟ قال: بكر، فاتفق أنه ند، فقال صاحبه هدع هدع، وهذه اللفظة مما يسكن بها صغار الإبل لا الكبار، فقال المشتري: صدقني سنّ بكره، وأعرض، فصار مثلاً. تنبيه: أشار تعالى بأداة التراخي إلى أنهم طال بلاؤهم بهم، وصبرهم عليهم، ثم أحل بهم سطوته، وأراهم عظمته ﴿فأنجيناهم﴾ أي: الرسل ﴿ومن نشاء﴾ وهم المؤمنون أو من في إبقائه حكمة كمن سيؤمن هو أو واحد من ذريته، ولذلك حميت به العرب من عذاب الاستئصال، ﴿وأهلكنا المسرفين﴾ أي: المشركين؛ لأن المشرك مسرف على نفسه ﴿لقد أنزلنا إليكم﴾ يا معشر قريش ﴿كتاباً﴾ أي: القرآن ﴿فيه ذكركم﴾ أي: شرفكم ووصيتكم كما قال تعالى: وإنه لذكر لك ولقومك، أو فيه مكارم الأخلاق التي كنتم تطلبون بها الثناء وحسن الذكر كحسن الجوار والوفاء بالعهد ودق الحديث وأداء الأمانة والسخاء وما أشبه ذلك، وقيل: فيه ذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم، أو لأنه نزل بلغتكم، وقيل: فيه تذكرة لكم لتحذروا، فيكون الذكر بمعنى الوعد والوعيد ﴿أفلا تعقلون﴾ فتؤمنوا به، وفي ذلك حث على التدبر؛ لأن الخوف من لوازم العقل ﴿وكم قصمنا﴾ أي: أهلكنا ﴿من قرية﴾ أي: أهلها بغضب شديد؛ لأن القصم أفظع الكسر، وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم، وقوله تعالى: ﴿كانت ظالمة﴾ أي: كافرة صفة لأهلها وصفت بها لما أقيمت مقامها، ثم بيّن الغنى عنها بقوله تعالى: ﴿وأنشأنا بعدها﴾ أي: بعد إهلاك أهلها ﴿قوماً آخرين﴾ مكانهم، ثم بيّن حالها عند إحلال البأس بها بقوله تعالى: ﴿فلما أحسوا﴾ أي: أدرك أهلها بحواسهم ﴿بأسنا﴾ أي: عذابنا ﴿إذا هم منا﴾ أي: القرية ﴿يركضون﴾ هاربين منها مسرعين راكضين دوابهم لما أدركتهم مقدّمة العذاب والركض ضربة الدابة بالرجل، ومنه اركض برجلك، أو مشبهين بهم من فرط إسراعهم بعد تجبرهم على الرسل، وقولهم لهم: لنخرجنكم من أرضنا، أو لتعودن في ملتنا، فناداهم لسان الحال تقريعاً وتشنيعاً لحالهم ﴿لا تركضوا﴾ أو المقال والقائل ملك أو من ثم من المؤمنين ﴿وارجعوا﴾ إلى قريتكم ﴿إلى ما أترفتم﴾ أي: تمتعتم ﴿فيه﴾ من التنعم والتلذذ والإتراف إبطار النعمة والترفه، ولما كان أعظم ما يؤسف عليه بعد العيش الناعم المسكن قال: ﴿ومساكنكم﴾ أي: التي كنتم تفتخرون بها على الضعفاء بما أوسعتم من فنائها، وعليتم من بنائها، وحسنتم من مشاهدها ﴿لعلكم تسألون﴾ وفي هذا تهكم بهم وتوبيخ أي: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غداً عما يجري عليكم، وينزل بأموالكم ومساكنكم، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو ارجعوا، واجلسوا كما كنتم في مجالسكم وترتبوا في مراتبكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم ومن تملكون أمره، وينفذ فيه أمركم ونهيكم، فيقولوا لكم بم تأمرون وماذا ترسمون، أو شيئاً من دنياكم على العادة، أو تسألون في الإيمان كما كنتم تسألون، فتأبوا بما عندكم من الأنفة والحمية والعظمة، أو في المهمات كما تكون الرؤساء في مقاعدهم العلية، ومراتبهم السنية، فيجيبون سائلهم بما شاؤوا، ولما كان كأنه قيل: بم أجابوا هذا القائل؟ قيل: ﴿قالوا﴾ حين لا نفع لقولهم عند نزول البأس

стр. 1152

﴿يا ويلنا﴾ إشارة إلى أنه حل بهم؛ لأنه ينادي بيا القريب ترفقاً به كما يقول الشخص لمن يضربه: يا سيدي كأنه يستغيث به ليكف عنه، وذلك غباوة منهم، وعمى عن الذي أحله بهم؛ لأنهم كالبهائم لا ينظرون إلا السبب الأقرب، ثم عللوا حلوله بهم تأكيداً لترفقهم بقولهم: ﴿إنا كنا﴾ جبلة وطبعاً ﴿ظالمين﴾ حيث كذبنا الرسل، وعصينا أمر ربنا، فاعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف لفوات محله، وعن ابن عباس ﵄ أن هذه القرية حَضور بفتح الحاء وبالضاد المعجمة، وهي وسحول قريتان قريبتان من اليمن تنسب إليهما الثياب، وفي الحديث: «كفن رسول الله ﷺ في ثوبين سحوليين» ، وروي حضوريين بعث الله لهم نبياً، فقتلوه، فسلط الله تعالى عليهم بختنصر كما سلطه الله على أهل بيت المقدس، فاستأصلهم، وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى منادٍ من السماء: يا لثأرات الأنبياء، وهي بفتح اللام، وبمثلثة وهمزة ساكنة أي: يا لأهل ثأراتهم أي: الطالبة بدمهم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فندموا وقالوا ذلك ﴿فما﴾ أي: فتسبب عن إحلالنا بهم ذلك البأس أنه ما ﴿زالت تلك﴾ الدعوى البعيدة عن الخير والسلامة، وهي قولهم: يا ويلنا ﴿دعواهم﴾ يرددونها لا دعوى لهم غيرها؛ لأن الويل ملازم لهم غير منفك عنهم، وترفقهم له غير نافعهم ﴿حتى جعلناهم حصيداً﴾ كالزرع المحصود بالمناجل بأن قتلوا بالسيف، تنبيه: حصيد على وزن فعيل بمعنى مفعول، ولذلك لم يجمع؛ لأنه يستوي فيه الجمع وغيره ﴿خامدين﴾ أي: ميتين كخمود النار إذا طفئت وصارت رماداً فإن قيل: كيف ينصب جعل ثلاثة مفاعيل أجيب بأنَّ حكم الاثنين الأخيرين حكم الواحد؛ لأن معنى قولك: جعلته حلواً حامضاً جعلته جامعاً للطعمين، وكذلك معنى جعلناهم جامعين لمماثلة الحصد والخمود أو خامدين صفة لحصيداً أو حال من ضميره، ثم نبههم على النظر في خلق السموات وما بينهما ليعتبروا، فقال تعالى: ﴿وما خلقنا السماء﴾ على علوِّها وإحكامها ﴿والأرض﴾ على عظمها واتساعها ﴿وما بينهما﴾ مما دبرناه لتمام المنافع من أصناف البدائع وغرائب الصنائع ﴿لاعبين﴾ أي: عابثين كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفرشهم، وسائر زخارفهم للهو واللعب، وإنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع تبصرة للنظار، وتذكيراً لذوي الاعتبار، وتسبيباً لما ينتظم به أمر العباد في المعاش والمعاد، ولما نفى عنه اللعب أتبعه دليله، فقال : ﴿لو أردنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿أن نتخذ لهواً﴾ أي: ما يتلهى به ويلعب، وقيل: هو الولد بلغة اليمن، وقيل: الزوجة والمراد الرد على النصارى ﴿لاتخذناه من لدنا﴾ أي: من عندنا مما يليق أن ينسب لحضرتنا من الحور العين والملائكة بما لنا تمام القدرة، وكمال العظمة ﴿إن كنا فاعلين﴾ ذلك لكنا لم نفعله؛ لأنه لا يليق بجنابنا، فلم نرده، وقوله تعالى: ﴿بل نقذف﴾ أي: نرمي ﴿بالحق﴾ أي: الإيمان ﴿على الباطل﴾ أي: الكفر إضراب عن اتخاذ اللهو وتنزيه لذاته عن اللعب بل شأننا أن نرمي بالحق الذي من جملة الجد على الباطل الذي من عداد اللهو ﴿فيدمغه﴾ أي: يذهبه، واستعار لدحض الباطل بالحق القذف والدمغ تصويراً لإبطاله به، وإهداره ومحقه، فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة، ووجه استعارة القذف والدمغ لما ذكر أن أصل استعمالهما في

стр. 1153

الأجسام، ثم استعير القذف لدحض الباطل بالحق والدمغ لإذهاب الباطل، فالمستعار منه حسيّ، والمستعار له عقليّ ﴿فإذا هو﴾ في الحال ﴿زاهق﴾ أي: ذاهب، والزهوق ذهاب الروح، وذكره لترشيح المجاز من إطلاق القذف على دحض الباطل، ثم عطف على ما أفادته إذا قوله تعالى: ﴿ولكم﴾ أي: وإذا لكم أيها المبطلون ﴿الويل﴾ أي: العذاب الشديد ﴿مما تصفون﴾ الله تعالى به بما تهوى أنفسكم كالزوجة والولد تنبيه: ما إمّا مصدرية أو موصولة أو موصوفة، ولما حكى الله تعالى كلام الطاعنين في النبوات، وأجاب عنها بأن أغراضهم من تلك المطاعن التمرد، وعدم الانقياد بيّن بقوله تعالى: ﴿وله من في السموات﴾ أي: الأجرام العالية، وهي ما تحت العرش، وجمع السماء هنا لاقتضاء تفخيم الملك ذلك، ولما كانت عقولهم لا تدرك تعدّد الأرض وحدها، فقال: ﴿والأرض﴾ أي: له ذلك خلقاً وملكاً أنه منزه عن طاعتهم؛ لأنه هو المالك لجميع المحدثات والمخلوقات، وعبر بمن تغليباً للعقلاء، وقوله تعالى: ﴿ومن عنده﴾ أي: وهم الملائكة بإجماع الأمة، ولأن الله تعالى وصفهم بأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وهذا لا يليق بالبشر، مبتدأ خبره ﴿لا يستكبرون عن عبادته﴾ بنوع كبر طلباً ولا إيجاداً، وخصهم بالذكر لكرامتهم عليه تنزيلاً لهم منزلة المقرّبين عند الملك. تنبيه: هذه العندية للشرف والرتبة لا عندية المكان والجهة، فكأنه تعالى قال: الملائكة مع كمال شرفهم وعلو مراتبهم، ونهاية جلالتهم لا يستكبرون عن عبادته، فكيف يليق بالبشر الضعيف التمرد عن طاعته ﴿و﴾ مع ذلك أيضاً ﴿لا يستحسرون﴾ أي: لا يعيون، وإنما جيء بالاستحسار الذي هو أبلغ من الحسور تنبيهاً على أن عبادتهم من ثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ولا يستحسرون، ولا يطلبون أن ينقطعوا عنها، فأنتج ذلك قوله تعالى: H ﴿يسبحون﴾ أي: ينزهون المستحق للتنزيه بأنواع التنزيه من الأقوال والأفعال ﴿الليل والنهار﴾ أي: جميع آنائهما دائماً ﴿لا يفترون﴾ أي: عن ذلك وقتاً من الأوقات، فهو منهم كالنفس منا لا يشغلنا عنه شاغل، ولما كانوا عند هذا البيان جديرين بأن يبادروا إلى التوحيد، فلم يفعلوا كانوا حقيقين بعد الإعراض عنهم بالتوبيخ والتهكم والتعنيف، فقال تعالى: ﴿أم اتخذوا﴾ أي: بل اتخذوا، فأم بمعنى بل للانتقال والهمزة لإنكار اتخاذهم ﴿آلهة من الأرض﴾ ومعنى نسبتها إلى الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض؛ لأن الآلهة على ضربين؛ أرضية وسماوية، ومن ذلك حديث الأمة التي قال لها رسول الله ﷺ «أين ربك؟ فأشارت إلى السماء، فقال: إنها مؤمنة» ؛ لأنه فهم منها أن مرادها نفي الآلهة الأرضية التي هي الأصنام لا إثبات أن السماء مكان الله تعالى، ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض؛ لأنها إما أن تنحت من بعض الحجارة أو تعمل من بعض جواهر الأرض ﴿هم ينشرون﴾ أي: يحيون الموتى لا يقدرون على ذلك، وهم وإن لم يصرّحوا بذلك لزم من ادعائهم لها آلهة أنهم يقدرون على ذلك، فإنّ من لوازمها الاقتدار على جميع الممكنات، فالمراد به تجهيلهم والتهكم بهم، وللمبالغة في ذلك زيد الضمير الموهم لاختصاص الانتشار بهم، ثم إنه أقام البرهان القطعي على نفي إله غيره ببرهان التمانع، وهو أشدّ برهان لأهل الكلام، فقال: ﴿لو كان فيهما﴾ أي: السموات والأرض أي: في تدبيرهما ﴿آلهة إلا الله﴾

стр. 1154

أي: غير الله تعالى ﴿لفسدتا﴾ أي: لخرجتا عن نظامهما المشاهد لوجود التمانع بينهم على وفق العادة عند تعدّد الحاكم، وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق كان والله أعز عليّ من دم ناظري، ولكن لا يجتمع فحلان في شول، وهذا ظاهر. وأما طريقة التمانع فقال المتكلمون: القول بوجود إلهين مفضٍ إلى المحال لأنّا لو فرضنا وجود إلهين، فلا بدّ أن يكون كل واحد منهما قادراً على كل المقدورات، ولو كان كذلك لكان كل واحد منهما قادراً على تحريك زيد وتسكينه، ولو فرضنا أنّ أحدهما أراد تحريكه والآخر أراد تسكينه، فإمّا أن يقع المرادان وهو محال لاستحالة الجمع بين الضدّين، أو لا يقع واحد منهما، وهو محال؛ لأنّ المانع من وجود مراد كل واحد منهما مراد الآخر، فلا يمتنع مراد هذا إلا عند وجود مراد ذلك وبالعكس، أو يقع مراد أحدهما دون الآخر، وذلك أيضاً محال؛ لأنّ الذي وقع مراده يكون قادراً، والذي لم يقع مراده يكون عاجزاً، والعجز نقص، وهو على الإله محال، فثبت أن الفساد لازم على كل التقديرات، وإذا وقفت على حقيقة هذه الدلالة عرفت أنّ جميع ما في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات دليل على أنّ وحدانية الله تعالى والدلائل السمعية على الوحدانية كثيرة في القرآن، ولما أفاد هذا الدليل أنه لا يجوز أن يكون المدبر للسموات والأرض إلا واحداً، وأن ذلك الواحد لا يكون إلا الله تعالى قال: ﴿فسبحان الله﴾ أي: فتسبب عن ذلك تنزه المتصف بصفات الكمال ﴿ربّ﴾ أي: خالق ﴿العرش﴾ أي: الكرسي المحيط بجميع الأجسام الذي هو محل التدابير، ومنشأ التقادير ﴿عما يصفون﴾ أي: الكفار الله به من الشريك له وغيره، ثم بيّن تعالى ذلك بقوله : ﴿لا يسأل﴾ أي: من سائل ما ﴿عما يفعل﴾ لعظمته وقوّة سلطانه، وإذا كانت عادة الملوك والجبابرة أن لا يسألهم من في مملكتهم عن أفعالهم وعما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم تهيباً وإجلالاً مع جواز الخطأ والزلل، وأنواع الفساد عليهم كان ملك الملوك ورب الأرباب خالقهم ورازقهم أولى بأن لا يسأل عن أفعاله مع ما علم واستقر في العقول من أن ما يفعله كله مفعول بدواعي الحكمة، ولا يجوز عليه تعالى الخطأ ﴿وهم يسألون﴾ لأنهم مملوكون مستعبدون خطاؤون، فما أخلقهم بأن يقال لهم: لم فعلتم؟ في كل شيء فعلوه، ولما قام الدليل ووضح السبيل واضمحلّ كل قال وقيل، وانمحقت الأباطيل كرّر تعالى: ﴿أم اتخذوا من دونه آلهة﴾ كرّره استفظاعاً لشأنهم واستعظاماً لكفرهم، وإظهاراً لجهلهم، ولما كان جوابهم: اتخذنا ولا نرجع، أمر الله تعالى نبيه بجوابهم فقال: ﴿قل هاتوا برهانكم﴾ على ما ادّعيتموه من عقل أو نقل كما أتيت أنا ببرهان النقل المؤيد بالعقل، ولما كان تعالى لا يؤاخذ بمخالفة العقل ما لم ينضمّ إليه دليل النقل أتبعه قوله مشيراً إلى ما بعث الله تعالى به الرسل من الكتب ﴿هذا ذكر﴾ أي: موعظة وشرف ﴿من معي﴾ ممن آمن بي وهو القرآن الذي عجزتم عن معارضته ﴿وذكر﴾ أي: وهذا ذكر ﴿من قبلي﴾ من الأمم الماضية وهو التوراة والإنجيل، وغيرهما من الكتب السماوية، فانظروا هل تجدون فيها إلا الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك، ولما كانوا لا يجدون شبهة لهم فضلاً عن حجة ذمّهم الله تعالى على جهلهم بمواضع الحق

стр. 1155

فقال تعالى: ﴿بل أكثرهم﴾ أي: هؤلاء المدّعون ﴿لا يعلمون الحق﴾ فلا يميزون بينه وبين الباطل بل أكثرهم جهلة، والجهل أصل الشرّ والفساد ﴿فهم﴾ أي: فتسبب عن جهلهم ما افتتحنا به السورة من أنهم ﴿معرضون﴾ عن التوحيد واتباع الرسل، ولما كان الإرسال بالفعل غير مستغرق للزمان المتقدّم كما أنّ الرسالة لا يقوم بها كل واحد، فكذلك الإرسال لا يصلح له كل زمن أثبت الجار في قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك﴾ وأغرق في النفي فقال: ﴿من رسول﴾ في شيع الأوّلين ﴿إلا نوحي إليه﴾ من عندنا ﴿أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ وهذا مقرّر لما سبقه من آي التوحيد، وقال تعالى: إلا أنا، ولم يقل: نحن لئلا يجعلوا ذلك وسيلة إلى ما ادّعوه من تعدّد الآلهة، ولذلك قال: فاعبدون بالإفراد، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بالنون وكسر الحاء، والباقون بالياء وفتح الحاء، ولما بيّن بالدلائل الباهرة كونه منزهاً عن الشريك والضدّ والندّ أردف ذلك ببراءته عن اتخاذ الولد بقوله: ﴿وقالوا اتخذ﴾ أي: تكلف كما يتكلف من لا يكون له ولد ﴿الرحمن﴾ أي: الذي كل موجود من فيض نعمه ﴿ولداً﴾ نزل في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وقيل: نزل ذلك في اليهود حيث قالوا: إنه تعالى صاهر الجن، فكانت منهم الملائكة كما حكى الله تعالى عنهم قولهم، وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً، ثم إنه نزه نفسه عن ذلك بقوله تعالى: ﴿سبحانه﴾ أي: تنزه عن أن يكون له ولد، فإنّ ذلك يقتضي المجانسة بينه وبين الولد، ولا تصح مجانسة النعمة للمنعم الحقيقي ﴿بل﴾ أي: الذين جعلوهم له ولداً وهم الملائكة ﴿عباد﴾ من عباده أنعم عليهم بالإيجاد كما أنعم على غيرهم لا أولاد، فإنّ العبودية تنافي الولدية ﴿مكرمون﴾ بالعصمة من الزلل ولذلك فسر الإكرام بقوله تعالى: ﴿لا يسبقونه﴾ أي: لا يسبقون إذنه ﴿بالقول﴾ أي: لا يقولون شيئاً حتى يقوله كما هو شأن العبيد المؤدّبين ﴿وهم بأمره﴾ إذا أمرهم ﴿يعملون﴾ لا بغيره لأنهم في غاية المراقبة له تعالى، فجمعوا في الطاعة بين القول والفعل، وذلك غاية الطاعة، ثم علل إخباره بذلك بعلمه بما هذا المخبر به مندرج فيه بقوله تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ أي: ما عملوا وما هم عاملون لا تخفى عليه تعالى خافية مما قدّموا وأخروا، ثم صرح تعالى بلازم الجملة الأولى، فقال: ﴿ولا يشفعون﴾ أي: لا في الدنيا، ولا في الآخرة ﴿إلا لمن ارتضى﴾ فلا تطمعوا في شفاعتهم لكم بغير رضاه تعالى؛ قال ابن عباس والضحاك: إلا لمن ارتضى أي: لمن قال: لا إله إلا الله، فسقط بذلك قول المعتزلة: إنّ الشفاعة في الآخرة لا تكون لأهل الكبائر، ثم صرّح بلازم الجملة الثانية فقال: ﴿وهم من خشيته﴾ أي: لا من غيرها ﴿مشفقون﴾ أي: خائفون، وأصل الخشية خوف مع تعظيم، ولذلك خص بها العلماء والإشفاق خوف مع اعتناء، فإن عدّى بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإن عدى بعلى فبالعكس، ولما نفى تعالى الشريك مطلقاً، ثم مقيداً بالولدية أتبعه التهديد على ادّعائه بتعذيب المتبوع الموجب لتعذيب التابع بقوله تعالى: ﴿ومن يقل منهم﴾ أي: من الخلائق حتى العباد المكرمين الذين وصف كرامتهم وقرب منزلتهم عنده، وأثنى عليهم ﴿إنى إله من دونه﴾ أي: الله أي غيره، والذي قال ذلك كما قال الجلال المحلي هو إبليس دعا إلى عبادة نفسه، وأمر بطاعتها ﴿فذلك﴾ أي: اللعين

стр. 1156

الذي لا يصلح للتقريب أصلاً ﴿نجزيه جهنم﴾ لظلمه ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا الجزاء الفظيع جدّاً ﴿نجزي الظالمين﴾ أي: المشركين، ثم إنه شرع الآن في الدلائل الدّالة على وجود الصانع، فذكر منها ستة أنواع؛ النوع الأوّل: قوله تعالى: ﴿أولم ير﴾ أي: يعلم ﴿الذين كفروا﴾ علماً هو كالمشاهدة ﴿أن السموات والأرض كانتا﴾ ولم يقل: كنَّ؛ لأنّ المراد جماعة السموات وجماعة الأرض ﴿رتقاً﴾ قال ابن عباس والضحاك: كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين زبدة واحدة ﴿ففتقناهما﴾ أي: فصلنا بينهما بالهواء، والرتق في اللغة السد، والفتق الشق، قال كعب: خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحاً توسطتهما، ففتحهما بها، وقال مجاهد والسدّي: كانت السموات رتقاً طبقة، ففتقها، فجعلها سبع سموات، وكذلك الأرض كانت رتقاً طبقة، ففتقها، فجعلها سبع أرضين، وقال عكرمة وعطية: كانت السموات رتقاً لا تمطر، والأرض رتقاً لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات، فيكون المراد بالسموات سماء الدنيا، وجمعها باعتبار الآفاق أو السموات بأسرها على أن لها مدخلاً في الأمطار، وإنما قال تعالى: رتقاً على التوحيد، وهو نعت للسموات والأرض لأنه مصدر، والكفرة وإن لم يعلموا ذلك، فهم متمكنون من العلم بالنظر، أو باستفسار من العلماء، أو مطالعة الكتب، وقرأ ابن كثير ألم بغير واو بين الهمزة ولم، والباقون بالواو بين الهمزة واللام. النوع الثاني من الدلائل: قوله تعالى: ﴿وجعلنا﴾ أي: خلقنا بما اقتضته عظمتنا ﴿من الماء﴾ الماء هو الدافق وغيره ﴿كل شيء حي﴾ مجازاً في النبات وحقيقة في الحيوان فإن قيل: قد خلق الله تعالى بعض ما هو حي من غير الماء كآدم وعيسى والملائكة؟ أجيب: بأن هذا خرج مخرج الأغلب والأكثر، أي: أن أكثر ما خلق الله خلق من الماء وبقاؤه بالماء، وقيل: المراد بالماء ما نزل من السماء أو نبع من الأرض ﴿أفلا يؤمنون﴾ مع ظهور هذه الآيات الواضحات بتوحيدي، النوع الثالث من الدلائل: قوله تعالى: ﴿وجعلنا في الأرض رواسي﴾ أي: جبالاً ثوابت كراهة ﴿أن تميد﴾ أي: تتحرك ﴿بهم﴾ قيل: إن الأرض بسطت على الماء، فكانت تتحرك كما تتحرك السفينة في الماء، فأرساها الله وأثبتها بالجبال، النوع الرابع من الدلائل: قوله تعالى: ﴿وجعلنا فيها﴾ أي: في الرواسي ﴿فجاجاً﴾ أي: مسالك واسعة سهلة، ثم أبدل منها ﴿سبلاً﴾ أي: مذللة للسلوك، ولولا ذلك لتعسر أو تعذر الوصول إلى بعض البلاد ﴿لعلهم يهتدون﴾ إلى منافعهم من ديارهم وغيرها، وإلى ما فيها من دلائل الوحدانية، النوع الخامس من الدلائل: قوله تعالى: ﴿وجعلنا السماء﴾ وأفردها مع إرادة الجنس؛ لأن أكثر الناس لا يشاهدون منها إلا السماء الدنيا، ولأن الحفظ للشيء الواحد أتقن ﴿سقفاً﴾ أي: للأرض كالسقف للبيت ﴿محفوظاً﴾ أي: عن السقوط بالقدرة، وعن الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم بالمشيئة، وعن الشياطين بالشهب ﴿وهم﴾ أي: أكثر الناس ﴿عن آياتها﴾ أي: من الكواكب الكبار والصغار، والرياح والأمطار وغير ذلك من الدلائل التي تفوت الانحصار الدالة على قدرتنا على كل ما نريد من البعث وغيره، وعلى عظمتنا بالتفرد بالإلهية وغير ذلك من أوصاف الكمال من الجلال والجمال ﴿معرضون﴾ لا يتفكرون فيما فيها من السير والتدبير وغير ذلك، فيعلمون أنّ خالقها

стр. 1157

لا شريك له، النوع السادس من الدلائل: قوله تعالى: ﴿وهو﴾ أي: لا غيره ﴿الذي خلق الليل والنهار﴾ ثم أتبعهما أعظم آيتهما بقوله تعالى: ﴿والشمس﴾ التي هي أعظم آية النهار ﴿والقمر﴾ الذي هو أعظم آية الليل ﴿كل﴾ أي: من الشمس والقمر، وتابعه وهو النجوم ﴿في فلك﴾ أي: مستدير كالطاحونة في السماء ﴿يسبحون﴾ أي: يسيرون بسرعة كالسابح في الماء، وللتشبيه به أتى بضمير جمع من يعقل والمراد بالفلك الجنس كقولك: كساهم الأمير حلة، وقلدهم سيفاً، أي: كل واحد منهم، أو كساهم وقلدهم هذين الجنسين، فاكتفى بما يدل على الجنس اختصاراً، ولأن الغرض الدلالة على الجنس، ونزل لما قال الكفار: إن محمداً سيموت: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد﴾ أي: البقاء في الدنيا ﴿أفإن﴾ أي: أيتمنون موتك، فإن ﴿مت فهم الخالدون﴾ فيها لا والله ليسوا بخالدين، فالجملة الأخيرة هي محل الاستفهام الإنكاري، وفي معنى ذلك قول فروة بن مسيك الصحابي: *وقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا وقرأ نافع وحفص والكسائي بكسر الميم والباقون بضمها، ثم بيّن تعالى أن أحداً لا يبقى في هذه الدنيا بقوله تعالى: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ أي: ذائقة مرارة الموت، أي: مرارة مفارقة روحها جسدها، فلا يفرح أحد، ولا يحزن لموت أحد بل يشتغل بما يهمه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ونبلوكم﴾ أي: نعاملكم معاملة المبتلي المختبر ليظهر في عالم الشهادة الشاكر والصابر، والمؤمن والكافر كما هو عندنا في عالم الغيب بأن نخالطكم ﴿بالشر﴾ ، وهو المضارّ الدنيوية من الفقر والألم، وسائر الشدائد النازلة بالمكلفين ﴿والخير﴾ وهو نعم الدنيا من الصحة واللذة والسرور، والتمكن من المرادات، وقوله تعالى: ﴿فتنة﴾ مفعول له أي: لننظر أتصبرون وتشكرون أم لا كما يفتن الذهب إذا أريد تصفيته بالنار عما يخالطه من الغش، فبين تعالى أنّ العبد مع التكليف يتردد بين هاتين الحالتين لكي يشكر على المنح ويصبر على المحن، فيعظم ثوابه إذا قام بما يلزم ﴿وإلينا﴾ بعد الموت لا إلى غيرنا ﴿ترجعون﴾ فنجازيكم بما فعلتم، ثم عطف تعالى على قوله: ﴿وأسرّوا النجوى﴾ قوله تعالى: ﴿وإذا رآك﴾ أي: وأنت أشرف الخلق ﴿الذين كفروا إن﴾ أي: ما ﴿يتخذونك﴾ أي: حال الرؤية ﴿إلا هزواً﴾ أي: مهزواً به يقولون إنكاراً واستصغاراً ﴿أهذا الذي يذكر آلهتكم﴾ أي: بسوء، والذكر يكون بالخير والشر، فإذا دلت القرينة على أحدهما أطلق عليه وذكر العدوّ لا يكون إلا بسوء ﴿وهم﴾ أي: والحال أنهم ﴿بذكر الرحمن﴾ أي: إذا ذكر لهم الرحمن ﴿هم كافرون﴾ وذلك أنهم كانوا يقولون: لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة، وهم الثانية للتأكيد، ونزل في استعجالهم العذاب ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ كأنه خلق منه لفرط استعجاله وقلة ثباته، والعرب تقول للذي يكثر منه الشيء: خلقت منه كقولك: خلق زيد من الكرم، فجعل ما طبع عليه بمنزلة المطبوع هو منه مبالغة في لزومه له، ولذلك قيل: إنه على القلب أي: خلق العجل من الإنسان، ومن عجلته مبادرته إلى الكفر، واستعجال الوعد، وقال سعيد بن جبير والسدّي: لما دخل الروح في رأس آدم وعينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلاً إلى ثمار الجنة، فوقع، فقيل: خلق الإنسان

стр. 1158

من عجل، والمراد بالإنسان آدم وأورث أولاده العجلة، وقال قوم: معناه خلق الإنسان يعني آدم ﵇ من تعجيل في خلق الله تعالى إياه لأن خلقه كان بعد خلق كل شيء في آخر النهار يوم الجمعة، فأسرع في خلقه قبل مغيب الشمس، قال مجاهد: فلما أحيا الروح رأسه قال: يارب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس وقيل بسرعة وتعجيل على غير ترتيب خلق سائر الآدميين من النطفة ثم العلقة ثم المضغة وغيرها، وقال قوم: من عجل أي: من طين قال الشاعر: *والنبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل ينبت بين الماء والعجل ثم قال تعالى مهدداً للمكذبين: ﴿سأريكم آياتي﴾ أي: مواعيدي بالعذاب ﴿فلا تستعجلون﴾ أي: تطلبون أن أوجد العجلة بالعذاب، أو غيره فإني منزه عن العجلة التي هي من جملة نقائصكم؛ لأنها إرادة الشيء قبل أوانه فإن قيل: لم نهاهم عن الاستعجال مع قوله: خلق الإنسان من عجل وقوله تعالى: ﴿وكان الإنسان عجولاً﴾ ، أليس هذا من تكليف ما لا يطاق؟ أجيب: بأن هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة، وقد أراهم بعض آياته وهو القتل ببدر. ﴿ويقولون﴾ في استهزائهم ﴿متى هذا الوعد﴾ أي: بإتيان الآيات من الساعة ومقدّماتها وغيرها ﴿إن كنتم﴾ فيما توعدون به ﴿صادقين﴾ أي: عريقين في هذا الوصف يعنون محمداً ﷺ وأصحابه، وهذا هو الاستعجال المذموم المذكور على سبيل الاستهزاء، ثم بيّن تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم بقوله تعالى: ﴿لو يعلم الذين كفروا﴾ وذكر المفعول به بقوله تعالى: ﴿حين﴾ أي: وقت ﴿لا يكفون﴾ أي: لا يدفعون ﴿عن وجوههم﴾ التي هي أشرف أعضائهم ﴿النار﴾ استسلاماً وعجزاً ﴿ولا عن ظهورهم﴾ التي هي أشدّ أجسامهم السياطَ ﴿ولا هم ينصرون﴾ أي: لا يمنعون من العذاب في القيامة وجواب لو محذوف والمعنى: لو علموا لما أقاموا على كفرهم ولما استعجلوا العذاب، ولا قالوا: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين. ﴿بل تأتيهم﴾ أي: القيامة ﴿بغتة﴾ أي: فجأة ﴿فتبهتهم﴾ أي: تحيرهم، يقال: فلان مبهوت أي: متحير ﴿فلا يستطيعون ردّها﴾ أي: لا يطلبون طوع ذلك لهم في ذلك الوقت ليأسهم منه ﴿ولا هم ينظرون﴾ أي: يمهلون لتوبة أو معذرة، ولما كان التقدير حاق بهم هذا باستهزائهم بك أتبعه ما يدل على أنّ الرسل في ذلك شرع واحد تسلية له ﷺ فقال عاطفاً على وإذا رآك: ﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك﴾ أي: كثيرين فلك بهم أسوة، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة في الوصل بكسر الدال والباقون بالضم وإذا وقف حمزة أبدل الهمزة ياء ساكنة ﴿فحاق﴾ أي: نزل ﴿بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون﴾ وهو العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك، ولما أعلم الله تعالى أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجهوهم النار ولا عن ظهورهم بسائر ما وصفهم به. أتبعه بأنهم في الدنيا أيضاً لولا أنّ الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في السلامة، فقال تعالى لرسوله ﷺ ﴿قل﴾ يا أشرف المرسلين للمستهزئين ﴿من يكلؤكم﴾ أي: يحفظكم ﴿بالليل والنهار من الرحمن﴾ أي: من عذابه إن نزل بكم أي: لا أحد يفعل ذلك ﴿بل هم عن ذكر ربهم﴾ أي: القرآن ﴿معرضون﴾ لا يتفكرون فيه ولا يخطرونه ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسه. ﴿أم﴾ فيها معنى الهمزة للإنكار

стр. 1159

أي: الله ﴿لهم آلهة﴾ ﴿موصوفة بأنها تمنعهم﴾ مما يسوءهم ﴿من دوننا﴾ ليس لهم ذلك ثم وصف آلهتهم بالضعف فقال تعالى: ﴿لا يستطيعون﴾ أي: الآلهة ﴿نصر أنفسهم﴾ فكيف ينصرون عابديهم ﴿ولا هم﴾ أي: الكفار ﴿منّا﴾ أي: من عذابنا ﴿يصحبون﴾ أي: يجارون يقال: صحبك الله أي: حفظك وأجارك. ﴿بل متعنا هؤلاء﴾ أي: الكفار على حقارتهم ﴿وآباءهم﴾ من قبلهم بالنعم استدراجاً ﴿حتى طال عليهم العمر﴾ أي: امتدّت بهم أيام الدنيا بالروح والطمأنينة فحسبوا أن لا يزالوا على ذلك لا يغلبون ولا ينزع عنهم ثوب أمنتهم واستمتاعهم فاغتروا بذلك وذلك طمع فارغ وأمل كاذب، وغلظ ورش اللام بخلاف عنه ﴿أفلا يرون﴾ أي: يعلمون علماً هو في وضوحه مثل الرؤية بالبصر ﴿أنّا نأت الأرض﴾ أي: أرض الكفرة ﴿ننقصها من أطرافها﴾ بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها بقتل بعض ورّد بعض عن دينه إلى الإسلام فهم في نقص وأولياؤنا في زيادة ﴿أفهم الغالبون﴾ أي: مع مشاهدتهم لذلك أم أولياؤنا. ولما كرّر في القرآن الأدلة وبالغ في التنبيه عليها على ما تقدم أتبعه بقوله تعالى: ﴿قل﴾ يا أشرف الخلق لهؤلاء المشركين ﴿إنما أنذركم﴾ أي: أخوّفكم ﴿بالوحي﴾ أي: بالقرآن الذي هو كلام ربكم فلا تظنوا أنه من قبل نفسي ﴿ولا يسمع الصم الدعاء﴾ أي: ممن يدعوهم ﴿إذا ما ينذرون﴾ أي: يخوّفون فهم لترك العمل بما سمعوه كالصم فإن قيل: الصم لا يسمعون دعاء البشر كما لا يسمعون دعاء المنذر، فكيف قيل: إذا ما ينذزون؟ أجيب: بأنه وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامّهم وسدّهم أسماعهم إذا أنذروا، أي: هم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة وعلى التصامّ عن آيات الإنذار، وقرأ ابن عامر ولا تسمع بالتاء الفوقية مضمومة وكسر الميم ونصب ميم الصم على الخطاب النبوي والباقون بالياء التحتية وفتح الميم ورفع ميم الصم وفي الدعاء، وإذا همزتان مختلفتان من كلمتين؛ الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والياء والباقون بتحقيق الهمزتين، وهذا في حال الوصل، فإن وقف على الهمزة الأولى فالجميع يبتدئون الثانية بالتحقيق، ويقف حمزة وهشام بإبدال الهمزة ألفاً مع المدّ والتوسط والقصر. ﴿ولئن مستهم﴾ أي: أصابتهم ﴿نفحة﴾ أي: دفعة خفيفة وفي ذلك مبالغات ذكر المس وما في النفحة من معنى القلة فإنّ أصل النفح هبوب رائحة الشيء والتاء الدالة على المرّة ﴿من عذاب ربك﴾ المحسن إليك بنصرك عليهم من الذي ينذرون به ﴿ليقولنّ﴾ وقد أذهلهم أمرها ﴿يا ويلنا﴾ الذي لا نرى بحضرتنا الآن غيره ﴿إنّا كنّا ظالمين﴾ دعوا على أنفسهم بالويل بعد ما أقرّوا بالظلم، ثم ذكر تعالى بعض ما يفعل في حساب الساعة من العدل، فقال عاطفاً على قوله تعالى: ﴿بل تأتيهم بغتة﴾ : ﴿ونضع الموازين القسط﴾ أي: ذوات العدل ﴿ليوم القيامة﴾ أي: فيه وإنما جمع الموازين لكثرة من توزن أعمالهم ويجوز أن يرجع إلى الوزنات وقيل: وضع الموازين تمثيلاً لإرصاد الحساب السويّ والجزاء على حسب الأعمال بالعدل والصحيح الذي عليه أئمة السلف أن الله تعالى يضع ميزاناً حقيقة توزن به أعمال العباد وعن الحسن هو الميزان له كفتان ولسان، ويروى أنّ داود ﵇ سأل ربه أن يريه الميزان، فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب، فغشي عليه

стр. 1160

ثم أفاق فقال: إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، قال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة فإن قيل: كيف توزن الأعمال مع أنها أعراض؟ أجيب: بأن فيه طريقين؛ أحدهما أن توزن صحائف الأعمال فتوضع صحائف الحسنات في كفة وصحائف السيئات في كفة والثاني أن توضع في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة فإن قيل: هذه الآية يناقضها قوله تعالى في الكفار: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ (الكهف، ١٠٥) أجيب: بأن المراد منه أنا لا نكرمهم ولا نعظمهم ﴿فلا تظلم نفس شيئاً﴾ أي: من نقص حسنة أو زيادة سيئة ﴿وإن كان﴾ أي: العمل ﴿مثقال﴾ أي: وزن ﴿حبة من خردل﴾ أو أصغر منه وإنما مثل به لأنه غاية عندنا في القلة، وقرأ نافع برفع اللام على أنّ كان تامّة والباقون بالنصب وكذا في لقمان ﴿أتينابها﴾ أي: بوزنها ولما كان حساب الخلائق كلهم في كل ما صدرمنهم أمراً باهراً للعقل حقره عند عظمته فقال: ﴿وكفى بنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿حاسبين﴾ أي: محصين في كل شيء، فلا يكون في الحساب أحد مثلنا، ففيه توعد من جهة أن معناه أن لا يروج عليه شيء من خداع، ولا يقبل غلطاً ولا يضل ولا ينسى إلى غير ذلك من كل ما يلزم منه نوع لبس وشوب منقص ووعد من جهة أنه مطلع على حسن قصد وإن دق وخفي. ولما تكلم في دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد شرع في قصص الأنبياء ﵈ تسلية لرسوله ﷺ فيما يناله من قومه وتقوية لقلبه على أداء الرسالة والصبر على كل عارض وذكر منها عشراً: القصة الأولى: قصة موسى ﵇ المذكورة في قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى وهرون﴾ أي: أخاه الذي سأل ربه أن يشدّ أزره به ﴿الفرقان﴾ أي: التوراة الفارقة بين الحق والباطل وبين الحلال والحرام ﴿وضياء﴾ بهاء لا ظلام معه أي: ليستضاء بها في ظلمات الحيرة والجهل وقرأ قنبل بعد الضاد بهمزة مفتوحة ممدودة والباقون بياء بعدها ألف ﴿وذكراً﴾ أي: عظة ﴿للمتقين﴾ أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع وقيل الفرقان النصر وقيل فلق البحر ويراد بالضياء على هذين التوراة، ثم بيّن المتقين بوصفهم بقوله تعالى: ﴿الذين يخشون﴾ أي: يخافون خوفاً عظيماً ﴿ربهم﴾ أي: المحسن إليهم بعد الإيجاد بالتربية وأنواع الإحسان ﴿بالغيب﴾ عن الناس أي: في الخلاء عنهم أو بالغيب قبل أن يكشف لهم الحجاب في الجنة ﴿وهم من الساعة﴾ التي توضع فيها الموازين وقد أعرض عنها الجاهلون مع كونها أعظم حامل على كل خير ومباعد عن كل ضير ﴿مشفقون﴾ أي: خائفون لأنهم لقيامها متحققون ولنصب الموازين فيها عالمون، ولما ذكر تعالى فرقان موسى ﵇ وكان العرب يشاهدون تمسك اليهود به حثهم على كتابهم هو أشرف منه بقوله تعالى: ﴿وهذا﴾ أي: القرآن وأشار إليه بأداة القرب إيماء إلى سهولة تناوله عليهم ﴿ذكر﴾ أي: موعظة ﴿مبارك﴾ أي: كثير خيره ﴿أنزلناه﴾ على أشرف الرسل محمد ﷺ وقوله تعالى: ﴿أفأنتم له منكرون﴾ أي: جاحدون استفهام توبيخ، القصة الثانية: قصة إبراهيم ﵇ المذكورة في قوله تعالى: ﴿ولقد أتينا﴾ بما لنا من العظمة ﴿إبراهيم رشده﴾ أي: صلاحه وهداه ﴿من قبل﴾ أي: من قبل موسى وهارون ومحمد صلى الله وسلم عليهم وقيل:
следующие страницы →