Полный текст (2 552 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
بالإنسان هذا النوع؛ والسلالة قال مجاهد: من بني آدم، وقال عكرمة: هو الماء يسيل من الظهر، والعرب تسمي النطفة سلالة، والولد سليلاً وسلالة؛ لأنهما مسلولان منه.
المرتبة الثانية: قوله تعالى:
﴿ثم جعلناه﴾ أي: نسله، فحذف المضاف ﴿نطفة﴾ أي: منياً من الصلب والترائب بأنّ خلقناه منها ﴿في قرار مكين﴾ أي: مستقر حصين هو الرحم.
تنبيه: مكين في الأصل صفة للمستقر في الرحم وصف به المحل للمبالغة كما عبّر عنه بالقرار.
المرتبة الثالثة: قوله تعالى:
﴿ثم﴾ أي: بعد تراخ في الزمان، وعلوّ في المرتبة والعظمة ﴿خلقنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿النطفة﴾ أي: البيضاء جداً ﴿علقة﴾ حمراء دماً غليظاً.
شديد الحمرة جامداً غليظاً، المرتبة الرابعة: قوله تعالى: ﴿فخلقنا﴾ أي: بما لنا من القوة والقدرة العظيمة ﴿العلقة مضغة﴾ أي: قطعة لحم قدر ما يمضغ لا شكل فيها ولا تخطيط.
المرتبة الخامسة: قوله تعالى: ﴿فخلقنا المضغة﴾ أي: بتقليبها بما شئنا لها من الحرارة والأمور اللطيفة الغامضة ﴿عظاما﴾ من رأس ورجلين وما بينهما.
المرتبة السادسة: قوله تعالى: ﴿فكسونا﴾ بما لنا من قوة الاختراع تلك ﴿العظام لحماً﴾ بما ولدنا منها ترجيعاً لحالها قبل كونها عظاماً فسترنا تلك العظام، وقويناها وشددناها بالروابط والأعصاب. وقرأ ابن عامر وأبو بكر: عظاماً، والعظام بفتح العين وإسكان الظاء من غير ألف على التوحيد اكتفاء باسم الجنس عن الجمع، والباقون بكسر العين وفتح الظاء وألف بعدها على الجمع؛ قال الجلال المحلي: وخلقنا في المواضع الثلاثة بمعنى صيرنا.
المرتبة السابعة: قوله تعالى: ﴿ثم أنشأناه﴾ أي: هذا المحدث عنه بعظمتنا ﴿خلقاً آخر﴾ أي: خلقاً مبايناً للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيواناً، وكان جماداً وناطقاً، وكان أبكم وسميعاً، وكان أصم وبصيراً وكان أكمه وأودع ظاهره وباطنه بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب فطره وغرائب حكمه لا تدرك بوصف الواصف، ولا تبلغ بشرح الشارح، وثم لما بين الخلقين من التفاوت؛ قال الزمخشري: وقد احتج به أبو حنيفة ﵀ فيمن غصب بيضة فأفرخت عنده، فقال: يضمن البيضة ولا يرد الفرخ؛ لأنه خلق آخر سوى البيضة، اه. ولما كان هذا التفصيل لتطوير الإنسان سبباً لتعظيم الخالق؛ قال تعالى: ﴿فتبارك الله﴾ أي: تنزه عن كل شائبة نقص وحاز جميع صفات الكمال، وأشار إلى جمال الإنسان بقوله تعالى: ﴿أحسن الخالقين﴾ أي: المقدرين، ومميز أحسن محذوف أي: خلقا. روي «عن عمر رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ لما بلغ قوله ﴿خلقاً آخر﴾ قال: فتبارك الله أحسن الخالقين» وروي «أنّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله ﷺ فنطق بذلك قبل إملائه فقال له رسول الله ﷺ اكتب هكذا فنزلت فقال عبد الله: إن كان محمد نبياً يوحى إليه فأنا نبي يوحى إليّ» ، فلحق بمكة كافراً، ثم أسلم يوم الفتح، وروى «سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب: فتبارك الله أحسن الخالقين فقال رسول الله ﷺ هكذا أنزلت يا عمر وكان عمر يقول: وافقني ربي في أربع: الصلاة خلف المقام، وضرب الحجاب على النسوة، وقولي لهن أو ليبدلن الله خيراً منكن فنزل قوله تعالى: ﴿عسى ربه إن طلقكن﴾ (التحريم، ٥)
الآية، والرابع: قلت: فتبارك الله أحسن الخلقين، فقال: هكذا نزل»
стр. 1227
قال العارفون: هذه الواقعة كانت سبب السعادة لعمر والشقاوة لعبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه قيل: إنه مات كافراً؛ قال الله تعالى: ﴿يضل به كثيراً﴾ (البقرة، ٢٦)
ويهدي به كثيراً، المرتبة الثامنة: قوله تعالى:
﴿ثم إنكم بعد ذلك﴾ أي: الأمر العظيم من الوصف بالحياة والمد فى العمر في آجال متفاوتة ما بين طفل ورضيع ومحتلم شديد وشاب نشيط وكهل عظيم وشيخ هرم إلى ما بين ذلك من شؤون لا يحيط بها إلا اللطيف الخبير ﴿لميتون﴾ أي: لصائرون إلى الموت لا محالة، ولذلك ذكر النعت الذي للثبوت وهو ميت دون اسم الفاعل، وهو مائت، فإنه للحدوث لا للثبوت.
المرتبة التاسعة: قوله تعالى: ﴿ثم إنكم يوم القيامة﴾ أي: الذي تجمع فيه جميع الخلائق ﴿تبعثون﴾ للحساب والجزاء.
النوع الثاني: من الدلائل الاستدلال بخلق السموات وهو قوله تعالى:
﴿ولقد خلقنا فوقكم﴾ في جميع جهة الفوق في ارتفاع لا تدركونه حق الإدراك ﴿سبع طرائق﴾ أي: سموات جمع طريقة؛ لأنها طرق الملائكة ومتعلقاتهم، وقيل: الأفلاك لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها، وقيل: لأنها طرق بعضها فوق بعض كطارقة النعل، وكل شيء فوقه مثله، فهو طريقة ﴿وما كنا﴾ أي: بمالنا من العظمة ﴿عن الخلق﴾ أي: الذي خلقناه تحتها ﴿غافلين﴾ أي: أنّ تسقط عليهم فتهلكهم بل نمسكها كآية ويمسك السماء أنّ تقع على الأرض إلا بإذنه ولا مهملين أمرها بل نحفظها عن الزوال والاختلاف وتدبير أمرها حتى تبلغ منتهى أمرها، وما قدر لها من الكمال حسب ما اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة.
النوع الثالث من الدلائل: الاستدلال بنزول الأمطار وكيفية تأثيرها في النبات، وهو قوله تعالى:
﴿وأنزلنا من السماء﴾ أي: من جرمها وهو ظاهر اللفظ وعليه أكثر المفسرين أو من السحاب وسماه سماء لعلوه ﴿ماء بقدر﴾ أي: بقدر ما يكفيهم لمعاشهم في الزرع والغرس والشرب وأنواع المنفعة، ويسلمون معه من المضرة إذ لو كان فوق ذلك لأغرقت البحار الأقطار، ولو كان دون ذلك لأدّى إلى جفاف النبات والأشجار ﴿فأسكناه﴾ أي: فجعلناه ثابتاً مستقراً ﴿في الأرض﴾ كقوله تعالى: ﴿فسلكه ينابيع في الأرض﴾ (الزمر، ٢١) ، و «عن ابن عباس عن النبي: ﷺ أنّ الله تعالى أنزل من الجنة خمسة أنهار سيحون نهر الهند، وجيحون نهر بلخ، ودجلة والفرات نهرا العراق، والنيل نهر مصر أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس من أصناف معايشهم، فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله تعالى جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم كله والحجر الأسود من ركن البيت، ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى السماء» وذلك قوله تعالى: ﴿وإنا على ذهاب به لقادرون﴾ قدرة هي في نهاية العظمة، فإنّا كما قدرنا على إيجاده واختراعه نقدر على رفعه وإزالته وزواله، فإذا رفعت هذه الأشياء كلها من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا؛ قال البغوي: وروى هذا الحديث الإمام الحسن بن سفيان عن عثمان بن سعيد عن سابق الإسكندري عن سلمة بن علي عن مقاتل بن حبان.
تنبيه: في تنكير ذهاب إيماء إلى تكثير طرقه، وفيه إيذان باقتدار المذهب وأنه لا يتعايا عليه شيء إذا أراده، وهو أبلغ
стр. 1228
في الإيعاد من قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إنّ أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين﴾ (الملك، ٣٠) ، فعلى العباد أنّ يستعظموا النعمة في الماء ويقيدوها بالشكر الدائم، ويخافوا نفادها إذا لم تشكر ثم إنه تعالى سبحانه لما نبه على عظم نعمته بخلق الماء ذكر بعده هذه النعمة الحاصلة من الماء بقوله تعالى:
﴿فأنشأنا﴾ أي: فأخرجنا وأحيينا ﴿لكم﴾ خاصة لا لنا ﴿به﴾ أي: بذلك الماء الذي جعلنا منه كل شيء حي ﴿جنات﴾ أي: بساتين ﴿من نخيل وأعناب﴾ صرح بهذين الصنفين لشرفهما ولأنهما أكثر ما عند العرب من الثمار، وسمى الأوّل باسم شجرته لكثرة ما فيها من المنافع المقصودة بخلاف الثاني، فإنه المقصود من شجرته، وأشار إلى غيرهما بقوله تعالى: ﴿لكم﴾ أي: خاصة ﴿فيها﴾ أي: الجنات ﴿فواكه كثيرة﴾ تتفكهون بها ﴿ومنها﴾ أي: ومن الجنات من ثمارها وزروعها ﴿تأكلون﴾ رطباً ويابساً وتمراً وزبيباً، وقوله تعالى:
﴿وشجرة﴾ عطف على جنات أي: وأنشأنا لكم شجرة أي: زيتونة ﴿تخرج من طور سيناء﴾ وهو الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى بن عمران ﵇ بين مصر وإيلة، وقيل: بفلسطين، وفي رواية أخرى: طور سينين، ولا يخلو إما أنّ يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء أو سينين، وإما أنّ يكون اسماً للجبل مركباً من مضاف ومضاف إليه كامرىء القيس، وبعلبك فيمن أضاف، فمن كسر سين سيناء وهو نافع وابن كثير وأبو عمرو، فقد منع الصرف للتعريف والعجمة والتأنيث لأنها بقعة، وفعلاء لا تكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء، ومن قرأ بفتح السين وهم الباقون لم يصرفه؛ لأنّ الألف للتأنيث كصحراء؛ قال مجاهد: معناه البركة أي: من جبل مبارك، وقال قتادة: معناه الحسن أي: الجبل الحسن، وقال الضحاك: هو بالقبطية ومعناه الحسن، وقال عكرمة: بالحبشية، وقال مقاتل: كل جبل فيه أشجار مثمرة، فهو سيناء وسينين بلغة القبط.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿تنبت﴾ بضم التاء الفوقية، وكسر الباء الموحدة من الرباعي، والباقون بفتح الفوقية وضم الموحدة من الثلاثي فقوله تعالى: ﴿بالدهن﴾ تكون الباء على الأول زائدة، وعلى الثاني معدية قال المفسرون: وإنما أضافها الله تعالى إلى هذا الجبل؛ لأنّ منه تشعبت في البلاد وانتشرت؛ ولأنّ معظمها هناك.
قال بعض المفسرين: وإنما عرف الدهن؛ لأنه أجل الأدهان وأكملها، وهو في الأصل مائع لزج خفيف يتقطع ولا يختلط بالماء الذي هو أصله فيسرج ويدهن به، وقوله تعالى: ﴿وصبغ للآكلين﴾ عطف على الدهن أي: إدام يصبغ اللقمة بغمسها فيه، وهو الزيت؛ قيل: إنها أول شجرة نبتت بعد الطوفان ووصفها الله تعالى بالبركة في قوله تعالى: ﴿يوقد من شجرة مباركة﴾ (النور، ٣٥)
النوع الرابع من الدلائل: الاستدلال بأحوال الحيوانات، وهو قوله تعالى:
﴿وإن لكم في الأنعام﴾ وهي الإبل والبقر والغنم ﴿لعبرة﴾ عظيمة تعتبرون بها وتستدلون بها على البعث وغيره ﴿نسقيكم مما في بطونها﴾ أي: اللبن نجعله لكم شراباً نافعاً للبدن موافقاً للشهوة تلتذون به من بين الفرث والدم ﴿ولكم فيها﴾ أي: جماعة الأنعام، وقدم الجار تعظيماً لمنافعها حتى كأنّ غيرها عدم ﴿منافع كثيرة﴾ باستسلامها لما يراد منها مما لا يتيسر من أصغر منها وبأولادها وأصوافها وأوبارها وأشعارها وغير ذلك من آثارها ﴿ومنها تأكلون﴾ أي: وكما تنتفعون بها وهي حية تنتفعون بها بعد الذبح أيضاً بسهولة من غير امتناع مّا من شيء من
стр. 1229
ذلك ولو شاء لمنعها وسلطها عليكم، ولو شاء لجعل لحمها لا ينضج أو جعله قذراً لا يؤكل، ولكنه بقدرته وعلمه هيأها لما ذكر وذللها.
﴿وعليها﴾ أي: الأنعام الصالحة للحمل وهي الإبل والبقر، وقيل: المراد الإبل خاصة؛ لأنها هي المحمول عليها في العادة وقرنها بالفلك التي هي السفن في قوله تعالى: ﴿وعلى الفلك تحملون﴾ لأنها سفائن البر، فكما يحمل على الفلك في البحر فيحمل على هذه في البر قال ذو الرمة في المعنى:
*سفينة بر تحت خدي زمامها
قال الزمخشري: يريد صيدحه أي: ناقته؛ لأنّ اسمها كان صيدح قال:
*رأيت الناس ينتجعون غيثاً
... فقلت لصيدح انتجعي بلالا
يريد بلال بن أبي بردة الأشعري والي الكوفة، ولما بيّن دلائل التوحيد أردفها بذكر القصص كما هو العادة في سائر السور مبتدئاً بقصة نوح ﵇، فقال تعالى:
﴿ولقد أرسلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿نوحاً﴾ وهو الأب الثاني بعد آدم عليهما الصلاة والسلام، وكان اسمه يشكر، وسمي نوحاً لوجوه: أحدها: لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه بالهلاك، فأهلكهم الله تعالى بالطوفان، فندم على ذلك، ثانيها: لمراجعته ربه في شأنّ ابنه، ثالثها: أنه مرّ بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح فعوتب على ذلك. ﴿إلى قومه﴾ وهم جميع أهل الأرض لتواصل ما بينهم لكونهم على لغة واحدة محصورين لا أنه أرسل إلى الخلق كافة؛ لأنّ ذلك من خصائص نبينا محمد ﷺ وعلى جميع الأنبياء ﴿فقال﴾ أي: فتسبب عن ذلك أنّ قال ﴿يا قوم﴾ ترفقاً بهم ﴿اعبدوا الله﴾ وحده لأنه إلهكم وحده لاستحقاقه لجميع خلال الكمال، واستأنف على سبيل التعليل قوله: ﴿ما لكم من إله﴾ أي: معبود بحق ﴿غيره﴾ فلا تعبدوا سواه ﴿أفلا تتقون﴾ أي: أفلا تخافون عقوبته إن عبدتم غيره، وقرأ الكسائي بكسر الراء والهاء، والباقون بضمهما.
﴿فقال﴾ أي: فتسبب عن ذلك أنّ كذبوه بأنّ قال ﴿الملأ﴾ أي: الأشراف الذي تملأ رؤيتهم الصدور عظمة ﴿الذين كفروا من قومه﴾ لعوامهم ﴿ما هذا﴾ أي: نوح ﵇ ﴿إلا بشر مثلكم﴾ أي: فلا يعلم ما لا تعلمون فأنكروا أنّ يكون بعض البشر نبياً، ولم ينكروا أنّ يكون بعض الطين إنساناً وبعض الماء علقة، وبعض العلقة مضغة إلى آخره، فكأنه قيل: ما حمله على ذلك فقالوا: ﴿يريد أنّ يتفضل﴾ يتكلف الفضل بادعاء مثل هذا ﴿عليكم﴾ لتكونوا أتباعاً له ولا خصوصية له دونكم ﴿ولو شاء الله﴾ أي: الملك الأعلى الإرسال إليكم وعدم عبادة غيره ﴿لأنزل﴾ كذلك ﴿ملائكة﴾ رسلاً بإبلاغ الوحي إلينا قال الزمخشري: وما أعجب شأنّ الضلال لم يرضوا للنبوة ببشر، وقد رضوا للألوهية بحجر ﴿ما سمعنا بهذا﴾ أي: الذي دعا إليه نوح من التوحيد ﴿في آبائنا الأولين﴾ أي: الأمم الماضية.
﴿إن﴾ أي: ما ﴿هو إلا رجل به جنة﴾ أي: جنون ولأجله يقول ما يدعيه ﴿فتربصوا به﴾ أي: فتسبب عن الحكم بجنونه إنا نأمركم بالكف عنه لأنه لا حرج على جنونه ﴿حتى﴾ أي: إلى ﴿حين﴾ لعله يفيق أو يموت، فكأنه قيل: فما قال؟ فقيل:
﴿قال﴾ عندما أيس من فلاحهم ﴿رب انصرني﴾ أي: أعني عليهم ﴿بما كذبون﴾ أي: بسبب تكذيبهم لي فإن تكذيب الرسول استخفاف بالمرسل.
﴿فأوحينا﴾ أي: فتسبب عن دعائه أنّ أوحينا ﴿إليه أنّ اصنع الفلك﴾ أي: السفينة ﴿بأعيننا﴾ أي: إنه لا يغيب عنا شيء من أمرك
стр. 1230
ولا من أمرهم، وأنّ تعرف قدرتنا على كل شيء، فثق بحفظنا ولا تخف شيئاً من أمرهم، روي أنه لما أوحي إليه أنّ يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر؛ قال الجوهري: جؤجؤ الطائر والسفينة صدرهما والجمع الجآجىء. ولما كان لا يعلم الصنعة قال تعالى: ﴿ووحينا﴾ أي: وأمرنا وتعليمنا كيف تصنع، فإنّ جبريل علمه عمل السفينة، ووصف كيفية اتخاذها له، وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في سورة هود ﴿فإذا جاء أمرنا﴾ أي: بالهلاك عقب فراغك منها أو بالركوب ﴿وفار التنور﴾ قال ابن عباس: وجه الأرض، وفي القاموس: التنور الكانون يخبز فيه، ووجه الأرض، وعن قتادة: أنه أشرف موضع في الأرض أي: أعلاه، وعن علي: طلع الفجر، وعن الحسن: أنه الموضع المنخفض من السفينة الذي يسيل الماء إليه، وقيل: هو مثل كقولهم: حمي الوطيس، والأقرب كما قال الرازي، وعليه أكثر المفسرين، هو التنور المعروف بتنور الخباز، فيكون له فيه آية، روي أنه قيل لنوح: إذا رأيت الماء يفور في التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته، فركب وقيل: كان تنور آدم، وكان من حجارة، فصار إلى نوح، واختلف في مكانه، فعن الشعبي في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان نوح عمل السفينة وسط المسجد، وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة، وقيل: بالهند.
وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى من الهمزتين المفتوحتين من كلمتين، وحقق الأولى وسهل الثانية ورش وقنبل ﴿فاسلك﴾ أي: أدخل ﴿فيها﴾ أي: السفينة ﴿من كل زوجين،﴾ من الحيوان ﴿اثنين﴾ ذكراً وأنثى، وقرأ حفص بتنوين اللام من كل أي: من كل نوع زوجين، فزوجين مفعول واثنين تأكيد، والباقون بغير تنوين، فاثنين مفعول، ومن متعلق باسلك، وفي القصة إن الله تعالى حشر لنوح السباع والطير وغيرهما، فجعل يضرب يده في كل جمع، فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيحملهما في السفينة، وروي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض ﴿وأهلك﴾ أي: وأهل بيتك من زوجك وأولادك ﴿إلا من سبق عليه﴾ لا له ﴿القول منهم﴾ بالهلاك وهو زوجته وولده كنعان بخلاف سام وحام ويافث، فحملهم وزوجاتهم الثلاثة، وفي سورة هود ﴿ومن آمن وما آمن معه إلا قليل﴾ (هود، ٤٠) ، قيل: كانوا ستة رجال ونساءهم، وقيل: جميع من كان في السفينة ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء ﴿ولا تخاطبني﴾ أي: بالسؤال في النجاة ﴿في الذين ظلموا﴾ أي: كفروا، ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿إنهم مغرقون﴾ أي: قد حتم القضاء عليهم لظلمهم بالإشراك والمعاصي، ومن هذا شأنه لا يشفع له، فإنه تعالى بعد أنّ أملى لهم الدهر المتطاول فلم يزيدوا إلا ضلالاً ولزمتهم الحجة البالغة لم يبق إلا أنّ يجعلوا عبرة للمعتبرين ونحن نكرمك عن سؤال لا يقبل، ولقد بالغ حيث اتبع النهي عنه الأمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم بقوله تعالى:
﴿فإذا استويت﴾ أي: اعتدلت ﴿أنت ومن معك﴾ أي: من البشر وغيرهم ﴿على الفلك﴾ ففرغت من امتثال الأمر بالحمل ﴿فقل الحمد لله﴾ أي: الذي لا كفء له؛ لأنه مختص بصفات الحمد ﴿الذي نجانا﴾ بحملنا فيه ﴿من القوم﴾ أي: الأعداء الأغبياء ﴿الظالمين﴾ أي: الكافرين لقوله تعالى: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ (الأنعام، ٤٥)
تنبيه: إنما قال تعالى: قل، ولم يقل: قولوا؛ لأنّ نوحاً ﵇ كان لهم نبياً وإماماً
стр. 1231
فكان قوله قولاً لهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوّة وإظهار كبرياء الربوبية، وإن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو نبي، ولما أشار له بهذا القول إلى السلامة بالحمل أتبعه بالإشارة إلى الوعد بإسكان الأرض بقوله تعالى:
﴿وقل رب أنزلني﴾ في الفلك ثم في الأرض، وفي كل منزل تنزلني به وتورثني إياه ﴿منزلاً مباركاً﴾ أي: يبارك له فيه ويعطيه الزيادة في خير الدارين، وقرأ أبو بكر بفتح الميم وكسر الزاي أي: مكان النزول، والباقون بضم الميم وفتح الزاي مصدر أو اسم مكان، ثم إن الله تعالى أمره أنّ يشفع الدعاء بالثناء عليه المطابق لمسألته وهو قوله تعالى: ﴿وأنت خير المنزلين﴾ ما ذكر لأنك تكفي نزيلك كل ملم وتعطيه كل أمر، ولما كانت هذه القصة من أغرب القصص حث على تدبرها بقوله تعالى:
﴿إن في ذلك﴾ أي: الأمر العظيم من أمر نوح والسفينة وإهلاك الكفار ﴿لآيات﴾ أي: دلالات على قدرة الله تعالى وصدق الأنبياء في أنّ المؤمنين هم المفلحون وأنهم الوارثون للأرض بعد الظالمين، وإن عظمت شوكتهم واشتدت صولتهم ﴿وإن كنا﴾ بما لنا من العظمة والوصف الثابت الدال على تمام القدرة ﴿لمبتلين﴾ أي: فاعلين فعل الخبير المختبر لعبادنا بإرسال الرسل ليظهر في عالم الشهادة الصالح منهم من غيره، ثم نبتلي الصالحين منهم بما يزيد حسناتهم وينقص سيئاتهم ويعلي درجاتهم، ثم نجعل لهم العاقبة كما قال تعالى: ﴿والعاقبة للمتقين﴾ (الأعراف، ١٢٨)
تنبيه: إن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن واللام هي الفارقة.
القصة الثانية: قصة هود، وقيل: صالح ﵉ المذكورة في قوله تعالى:
﴿ثم أنشأنا﴾ أي: أحدثنا وأحيينا ﴿من بعدهم﴾ أي: من بعد إهلاكهم ﴿قرناً﴾ أي: قوماً ﴿آخرين﴾ هم عاد قوم هود، وقيل: ثمود قوم صالح.
﴿فأرسلنا﴾ أي: فتعقب إنشاءنا لهم وتسبب عنه أنا أرسلنا ﴿فيهم رسولاً منهم﴾ هو هود، وقيل: صالح؛ قال البغوي: والأوّل هو الأظهر وهو المروي عن ابن عباس ويشهد له حكاية الله قول هود: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح﴾ (الأعراف، ٦٩)
ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء، ثم بين تعالى ما أرسل به بقوله تعالى: ﴿أن اعبدوا الله﴾ أي: وحدوه لأنه لا مكافىء له، ثم دل على الاستغراق بقوله تعالى: ﴿ما لكم من إله غيره أفلا تتقون﴾ أي: هذه الحالة التي أنتم عليها مخافة عقابه فتؤمنون، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي بضم النون في الوصل والباقون بكسرها، والقراءة في غيره ذكرت قريباً.k
﴿وقال الملأ﴾ أي: الأشراف التي تملأ رؤيتهم الصدور ﴿من قومه الذين كفروا﴾ أي: غطوا ما يعرفون من أدلة التوحيد والانتقام من المشركين ﴿وكذبوا بلقاء الآخرة﴾ أي: بالمصير إليها ﴿وأترفناهم﴾ أي: والحال أنا بما لنا من العظمة نعمناهم ﴿في الحياة الدنيا﴾ بالأموال والأولاد وكثرة السرور يخاطبون أتباعهم ﴿ما هذا﴾ أشاروا إليه تحقيراً له عند المخاطبين ﴿إلا بشر مثلكم﴾ في الخلق والحال، ثم وصفوه بما يوهم المساواة لهم في كل وصف فقالوا: ﴿يأكل مما تأكلون منه﴾ أي: من طعام الدنيا ﴿ويشرب مما تشربون﴾ أي: من شرابها فكيف يكون رسولاً دونكم، وقولهم:
﴿ولئن﴾ اللام لام قسم أي: والله لئن ﴿أطعتم بشراً مثلكم﴾ أي: فيما يأمركم به ﴿إنكم إذاً﴾ أي: إن أطعتموه ﴿لخاسرون﴾ أي: مغبونون لكونكم فضلتم مثلكم عليكم بما يدعيه، ثم بينوا
стр. 1232
إنكارهم بقولهم:
﴿أيعدكم أنكم إذا متم﴾ ففارقت أرواحكم أجسادكم ﴿وكنتم﴾ أي: وكانت أجسادكم ﴿تراباً﴾ باستيلاء التراب على ما دون عظامكم ﴿وعظاماً﴾ مجردة عن اللحوم والأعصاب ﴿أنكم مخرجون﴾ أي: من تلك الحالة التي صرتم إليها فراجعون إلى ما كنتم عليه من الحياة على ما كان لكم من الأجسام.
تنبيه: قوله تعالى: مخرجون خبر إنكم الأولى، وإنكم الثانية تأكيد لها لما طال الفصل، ثم استأنفوا التصريح بما دل عليه الكلام من استبعاد ذلك فقالوا:
﴿هيهات هيهات﴾ اسم فعل ماض بمعنى مصدر أي: بعد بعد جداً، وقال ابن عباس: هي كلمة بعد أي: بعيد، ثم كأنه قيل: لأي شيء هذا الاستبعاد؟ فقيل: ﴿لما توعدون﴾ من الإخراج من القبور فإن قيل: ما توعدون هو المستبعد ومن حقه أنّ يرفع بهيهات كما ارتفع به في قوله:
*فهيهات هيهات العقيق وأهله
فما هذه اللام؟ أجيب: بأنّ الزجاج قال في تفسيره: البعد لما توعدون فنزل منزلة المصدر، ويصح أنّ تكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في هيت لك لبيان المهيت به أو أنّ اللام زائدة للبيان.
فائدة: وقف البزي والكسائي على هيهات الأولى والثانية بالهاء، والباقون بالتاء على المرسوم.
وقولهم: ﴿إن هي﴾ ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه من بيانه، وأصله إن الحياة ﴿إلا حياتنا الدنيا﴾ ثم وضع هي موضع الحياة؛ لأنّ الخبر يدل عليها ويبينها، ومنه هي النفس تتحمل ما حملت، والمعنى: لا حياة إلا هذه الحياة؛ لأنّ إن النافية دخلت على هي التي بمعنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها، فوازنت لا التي نفت ما بعدها نفي الجنس ﴿نموت ونحيى﴾ أي: يموت منا من هو موجود وينشأ آخرون بعدهم، وقيل: يموت قوم ويحيا قوم، وقيل: تموت الآباء وتحيا الأبناء، وقيل: في الآية تقديم وتأخير أي: نحيا ونموت لأنهم كانوا ينكرون البعث بعد الموت كما قالوا: ﴿وما نحن بمبعوثين﴾ بعد الموت فكأنه قيل: فما هذا الكلام الذي يقوله؟ فقيل: كذب ثم حصروا أمره في الكذب فقالوا:
﴿إن﴾ أي: ما ﴿هو إلا رجل افترى﴾ أي: تعمد ﴿على الله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿كذباً﴾ فلا يلتفت إليه ﴿وما نحن له بمؤمنين﴾ أي: بمصدقين فيما يخبرنا به من البعث والرسالة، فكأنه قيل: فما قال؟ فقيل:
﴿قال رب﴾ أيها المحسن إليّ بالرسالة وبإرسالي إليهم وبغيره من أنواع النعم ﴿انصرني﴾ أي: أوقع لي النصر ﴿بما كذبون﴾ فأجابه ربه بأن:
﴿قال عما قليل﴾ من الزمان وما زائدة وأكدت القلة بزيادتها ﴿ليصبحن﴾ أي: ليصيرنّ ﴿نادمين﴾ أي: على كفرهم وتكذيبهم إذا عاينوا العذاب.
﴿فأخذتهم الصيحة﴾ أي: صيحة العذاب والهلاك كائنة ﴿بالحق﴾ أي: الأمر الثابت من العذاب الذي لا يمكن مدافعته لهم ولا لغيرهم غير الله تعالى فماتوا، وقيل: صيحة جبريل ﵇، ويكون القوم ثمود على الخلاف السابق ﴿فجعلناهم﴾ بسبب الصيحة ﴿غثاء﴾ أي: مطروحين ميتين كما يطرح الغثاء شبهوا في دمارهم بالغثاء وهو حميل السيل مما بلي واسودّ من الورق والعيدان ومنه قوله: ﴿فجعله غثاء أحوى﴾ (الأعلى، ٥)
أي: أسود يابساً، ولما كان هلاكهم على هذا الوجه سبباً لهوانهم عبر عنه بقوله تعالى: ﴿فبعداً﴾ أي: هلاكاً وطرداً عن الرحمة ﴿للقوم الظالمين﴾ الذين وضعوا قوّتهم التي كان يجب عليهم بذلها في نصر الرسل في خذلانهم.
تنبيه: يحتمل هذا الدعاء عليهم والإخبار عنهم، ووضع
стр. 1233
الظاهر موضع ضميرهم للتعليل وبعداً وسحقاً ونفراً وتخويفاً ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه: نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها.
القصة الثالثة: المذكورة في قوله تعالى:
﴿ثم أنشأنا﴾ أي: بعظمتنا التي يضرها تقديم ولا تأخير ﴿من بعدهم﴾ أي: من بعد من قدّمنا ذكره من نوح والقرن الذي بعده ﴿قرونا﴾ أي: أقواماً ﴿آخرين﴾ فهو تارة يقص علينا في القرآن مفصلاً كما تقدم، وتارة يقص مجملاً كما هنا، وقيل: المراد قصة لوط وشعيب وأيوب ويوسف ﵈، وعن ابن عباس: بني إسرائيل، ثم إنه تعالى أخبر بأنه لم يعجل على أحد منهم قبل الأجل الذي أجل لهم بقوله تعالى:
﴿ما تسبق من أمة أجلها﴾ أي: الذي قدر لها بأنّ تموت قبله ﴿وما يستأخرون﴾ عنه.
تنبيه: ذكر الضمير بعد تأنيثه رعاية للمعنى ومن زائدة.
﴿ثم أرسلنا رسلنا تتراً﴾ أي: متتابعين بين كل اثنين زمان طويل، وقرأ أبو عمرو: رسلنا بسكون السين، والباقون برفعها، وقرأ تترا، ابن كثير وأبو عمرو في الوصل بتنوين الراء على أنه مصدر بمعنى التواتر وقع حالاً، والباقون بغير تنوين، ولما كان كأنه قيل: فكان ماذا؟ قيل: ﴿كلما جاء أمّة رسولها﴾ أي: بما أمرناه من التوحيد ﴿كذبوه﴾ أي: كما فعل هؤلاء بك لما أمرتهم بذلك.
تنبيه: أضاف الرسول مع الإرسال إلى الرسل ومع المجيء إلى المرسل إليهم؛ لأنّ الإرسال الذي هو مبدأ الأمر منه والمجيء الذي هو منتهاه إليهم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والواو، والباقون بتحقيقهما، وهم على مراتبهم في المدّ ﴿فأتبعنا﴾ القرون بسبب تكذيبهم ﴿بعضهم بعضاً﴾ في الإهلاك، فلم يبق عند الناس منهم إلا أخبارهم كما قال تعالى: ﴿وجعلناهم أحاديث﴾ أي: أخبار يسمعونها ويتعجب منها ليكونوا عظة للمستبصرين فيعلموا أنه لا يفلح الكافرون ولا يخيب المؤمنون، وما أحسن قول القائل:
*ولا شيء يدوم فكن حديثاً
... جميل الذكر فالدنيا حديث
والأحاديث تكون جمعاً للحديث، ومنه أحاديث رسول الله ﷺ وتكون جمعاً للأحدوثة التي هي مثل الأعجوبة والألعوبة وهي ما يتحدث به الناس تلهياً وتعجباً وهو المراد هنا، ولما تسبب عن تكذيبهم هلاكهم المقتضي لبعدهم قال تعالى: ﴿فبعداً لقوم﴾ أي: أقوياء على ما يطلب منهم ﴿لا يؤمنون﴾ أي: لا يوجد منهم إيمان وإن جرت عليهم الفصول الأربعة لأنه لا مزاج لهم معتدل.
القصة الرابعة: قصة موسى وهارون ﵉ المذكورة في قوله تعالى:
﴿ثم أرسلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿موسى وأخاه هارون بآياتنا﴾ قال ابن عباس: الآيات التسع وهي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والبحر والسنين ونقص الثمرات ﴿وسلطان مبين﴾ أي: حجة بيّنة وهي العصا وأفردها بالذكر؛ لأنها قد تعلق بها معجزات شتى من انقلابها حية وتلقفها ما أفكته السحرة وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربها، وكونها حارساً وشمعة وشجرة خضراء مثمرة ودلواً ورشاء، فجعلت كأنها ليست بعصا لما استبدت به من الفضائل فلذلك عطفت عليها كقوله تعالى: ﴿من كان عدوّاً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ ، ويجوز أنّ يراد بالآيات نفس تلك المعجزات وبالسلطان المبين كيفية
стр. 1234
دلالتها على الصدق وذلك لأنها وإن شاركت آيات سائر الأنبياء في كونها آيات، فقد فارقتها في قوّة دلالتها على قول موسى عله السلام، وإنّ يراد بالسلطان المبين المعجزات وبالآيات الحجج، وإنّ يراد بها المعجزات فإنها آيات النبوّة وحجة بينة على ما يدعيه النبي، قال الرازي: واعلم أنّ الآية تدل على أنّ معجزات موسى كانت معجزات هارون أيضاً وأنّ النبوّة كما كانت مشتركة بينهما، فكذلك المعجزات.
﴿إلى فرعون وملئه﴾ أي: وقومه ولكن لما كان الأطراف لا يخافون الأشراف عدهم عدماً، ومن الواضح أنّ التقدير أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وأشار بقوله تعالى: ﴿فاستكبروا﴾ إلى أنهم أوجدوا الكبر عن الاتباع فيما دعوهم إليه عقب الإبلاغ من غير تأمل ولا تثبت، وطلبوا أنّ لا يكونوا تحت أمر من دعاهم، وأشار بالكون إلى فساد جبلتهم بقوله تعالى: ﴿وكانوا قوماً﴾ أي: أقوياء ﴿عالين﴾ أي: متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم، ولما تسبب عن استكبارهم وعلوهم إنكارهم للاتباع قال تعالى:
﴿فقالوا أنؤمن﴾ أي: بالله تعالى مصدقين ﴿لبشرين مثلنا﴾ أي: في البشرية والمأكل والمشرب وغيرهما مما يعتري البشر كما قال من تقدمهم: ﴿وقومهما﴾ أي: والحال أنّ قومهما أي: بني إسرائيل ﴿لنا عابدون﴾ خضوعاً وتذللاً أي: في غاية الذل والانقياد كالعبيد، فنحن أعلى منهما بهذا، أو لأنه كان يدعي الإلهية، فادعى للناس العبادة وأنّ طاعتهم له عبادة على الحقيقة.
﴿فكذبوهما﴾ أي: فرعون وملؤه موسى وهارون، ﴿فكانوا﴾ أي: فرعون وملؤه بسبب تكذيبهم ﴿من المهلكين﴾ أي: بالغرق ببحر القلزم ولم تغنِ عنهم قوّتهم في أنفسهم، ولا قوتهم على خصوص بني إسرائيل واستعبادهم ولا ضر بني إسرائيل ضعفهم عن دفاعهم ولا ذلهم لهم وصغارهم في أيديهم، ولما كان ضلال بني إسرائيل بعد إنقاذهم من عبودية فرعون وقومه أعجب قال تعالى تسلية لنبيه ﷺ
﴿ولقد آتينا﴾ أي: بعظمتنا ﴿موسى الكتاب﴾ أي: التوراة ﴿لعلهم﴾ أي: قوم موسى وهارون ﵉ ﴿يهتدون﴾ من الضلالة إلى المعارف والأحكام، ولا يصح عود الضمير إلى فرعون وملئه؛ لأنّ التوراة إنما أوتيها بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون وملئه بدليل قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى﴾ (القصص، ٤٣)
القصة الخامسة: قصة عيسى ﵇ المذكورة في قوله تعالى:
﴿وجعلنا﴾ أي: بعظمتنا وقدرتنا ﴿ابن مريم﴾ نسبه إليها تحقيقاً لكونه لا أب له، وكونه بشراً محمولاً في البطن مولوداً لا يصلح لرتبة الإلهية، وزاد في تحقيق ذلك بقوله: ﴿وأمه﴾ وقال تعالى: ﴿آية﴾ ولم يقل: آيتين؛ لأنّ الآية فيهما واحدة ولادته من غير فحل، ويحتمل أنّ الآية الأولى حذفت لدلالة الثانية عليها، والتقدير: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية لأنّ الله تعالى: جعل مريم آية لأنها حملته من غير ذكر، وقال الحسن: قد تكلمت في صغرها كما تكلم عيسى وهو قولها: ﴿هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ ، ولم تلتقم ثدياً قط.
تنبيه: قال بعض المفسرين: ولعل في ذلك إشارة إلى أنه تكلمت به آية للقدرة على إيجاد الإنسان بكل اعتبار من غير ذكر ولا أنثى، وهو آدم ﵇، ومن ذكر بلا أنثى وهي حوّاء ﵍، ومن أنثى بلا ذكر وهو عيسى ﵇، ومن الزوجين وهو بقية الناس ﴿وآويناهما﴾ أي:
стр. 1235
بعظمتنا ﴿إلى ربوة﴾ أي: مكان عالٍ من الأرض.
تنبيه: قد اختلف في هذه الربوة، فقال عطاء عن ابن عباس: هي بيت المقدس، وهو قول قتادة وكعب، قال كعب: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً، وقال عبد الله بن سلام: هي دمشق، وقال أبو هريرة: هي الرملة، وقال السدي: هي أرض فلسطين، وقال ابن زيد: هي مصر، وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الراء، والباقون بضم الراء ﴿ذات قرار﴾ أي: منبسطة مستوية واسعة يستقر عليها ساكنوها ﴿ومعين﴾ أي: ماء جار ظاهر تراه العيون.
تنبيه: قد اختلف في زيادة ميم معين وأصالتها فوجه من جعلها مفعولاً أنه مدرك بالعين لظهوره من عانه إذا أدركه بعينه نحو ركبه إذا ضربه بركبته، ووجه من جعله فعيلاً أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة قيل: سبب الإيواء أنها مرت بابنها إلى الربوة، وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، ثم رجعت إلى أهلها بعدما مات ملكهم وههنا آخر القصص. وقد اختلف في المخاطب بقوله تعالى:
﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات﴾ على وجوه؛ أحدها: أنه محمد ﷺ وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة، ثانيها: أنه عيسى ﵇؛ لأنه روي أنّ عيسى ﵇ كان يأكل من غزل أمه، ثالثها: أنه كل رسول خوطب بذلك، ووصي به لأنه تعالى في الأزل متكلم آمر ناهٍ، ولا يشترط في الأمر وجود المأمورين بل الخطاب أزلاً على تقدير وجود المخاطبين، فقول البيضاوي: لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة بل على معنى أنّ كلاً منهم خوطب به في زمانه، تبع فيه «الكشاف» ، فإن المعتزلة أنكروا قدم الكلام فحملوا الآية على خلاف ظاهرها، وأنت خبير بأنّ عدم اشتراط ما ذكر إنما هو في التعلق المعنوي لا التنجيزي الذي الكلام فيه، فإنه مشروط فيه ذلك، وإنما خاطب جميع الرسل بذلك ليعتقد السامع أنّ أمراً خوطب به جميع الرسل ووصوا به حقيق أنّ يؤخذ به ويعمل عليه، وهذا كما قال الرازي أقرب؛ لأنه روي «عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله ﷺ بقدح من لبن في شدّة الحر عند فطره وهو صائم، فرد ﷺ إليها وقال: من أين لك هذا؟ فقالت: من شاة لي، ثم رده ﷺ وقال: من أين هذه الشاة؟ فقالت: اشتريتها من مالي، فأخذه ثم إنها جاءته فقالت: يا رسول الله لم رددته؟ فقال ﷺ بذلك أمرت الرسل أنّ لا تأكل إلا طيباً، ولا تعمل إلا صالحاً» ، والمراد بالطيب الحلال، وقيل:
طيبات الرزق الحلال الصافي القوام، فالحلال هو الذي لا يعصى الله تعالى فيه، والصافي هو الذي لا ينسى الله فيه، والقوام هو الذي يمسك النفس ويحفظ العقل، وقيل: المراد بالطيب المستلذ أي: ما تستلذه النفس من المأكل والمشرب والفواكه، ويشهد له مجيئه على عقب قوله تعالى: ﴿وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين﴾ (المؤمنون، ٥٠) ، واعلم أنه كما قال للمرسلين: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات﴾ قال للمؤمنين: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ ، ودل على أنّ الحلال عون على الطاعة بقوله تعالى: ﴿واعملوا صالحاً﴾ فرضاً ونفلاً سراً وجهراً غير خائفين من أحد غير الله تعالى، ثم حثهم على دوام المراقبة بقوله تعالى: ﴿إني بما﴾ أي: بكل شيء ﴿تعملون عليم﴾ أي: بالغ العلم فأجازيكم عليه، وقرأ:
﴿وإن هذه﴾ بكسر
стр. 1236
الهمزة الكوفيون على الاستئناف، والباقون بفتحها على تقدير واعلموا أنّ هذه أي: ملة الإسلام، وخفف النون ساكنة ابن عامر وشدّدها مفتوحة الباقون ﴿أمتكم﴾ أي: دينكم أيها المخاطبون أي: يجب أنّ تكونوا عليها حال كونها ﴿أمة واحدة﴾ لا شتات فيها أصلاً، فما دامت موحدة، فهي مرضية ﴿وأنا ربكم﴾ أي: المحسن إليكم بالخلق والرزق وحدي، فمن وحدني نجا، ومن أشرك معي غيري هلك ﴿فاتقون﴾ أي: فاحذرون.
﴿فتقطعوا﴾ أي: الأمم وإنما أضمرهم لوضوح إرادتهم؛ لأنّ الآية التي قبلها قد صرحت بأنّ الأنبياء ومن نجا منهم أمة واحدة لا خلاف بينهما، فعلم قطعاً أنّ الضمير للأمم، ومن نشأ بعدهم ولذلك كان النظر إلى الأمر الذي كان واحداً أهم فقدم، وقوله: ﴿أمرهم﴾ أي: دينهم بعد أنّ كان مجتمعاً متصلاً ﴿بينهم﴾ وقوله تعالى: ﴿زبراً﴾ حال من فاعل تقطعوا أي: أحزاباً متخالفين، فصاروا فرقاً كاليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من الأديان المختلفة جمع زبور بمعنى الفرقة، وقيل: معنى زبراً كتباً أي: تمسك كل قوم بكتاب فآمنوا به وكفروا بما سواه من الكتب ﴿كل حزب﴾ أي: فرقة من المتحزبين ﴿بما لديهم﴾ أي: عندهم من ضلال وهدى، وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون بكسرها ﴿فرحون﴾ أي: مسرورون فضلاً عن أنهم راضون، وقوله تعالى:
﴿فذرهم﴾ خطاب للنبي ﷺ أي: اترك كفار مكة ﴿في غمرتهم﴾ أي: ضلالتهم، شبهها بالماء الذي يغمر القامة لأنهم مغمورون فيها ﴿حتى حين﴾ أي: إلى أنّ يقتلوا أو يموتوا، سلى رسول الله ﷺ بذلك ونهى عن الاستعجال بعذابهم والجزع من تأخيره، ولما كان الموجب لغرورهم ظنهم أنّ حالهم في بسط الأرزاق من الأموال والأولاد حالة رضا عنهم أنكر ذلك عليهم تنبيهاً لمن سبقت له السعادة، وكتبت له الحسنى وزيادة فقال تعالى:
﴿أيحسبون﴾ أي: لضعف عقولهم، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين والباقون بكسرها ﴿أنما نمدهم﴾ أي: نعطيهم ونجعله مدداً لهم ﴿به من مال﴾ نيسره لهم ﴿وبنين﴾ نمتعهم بهم، ثم أخبر عن أنّ بقوله تعالى:
﴿نسارع﴾ أي: نعجل ﴿لهم﴾ أي: به ﴿في الخيرات﴾ لا نفعل ذلك ﴿بل لا يشعرون﴾ أنهم في غاية البعد عن الخيرات ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ (الأعراف، ١٨٢) ، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿فلا تعجبك أمولهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾ (التوبة، ٥٥) ، وروي عن زيد بن ميسرة أنه قال: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء أيفرح عبدي أنّ أبسط إليه الدنيا، وهو أبعد له مني، ويحزن أنّ أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له مني، وعن الحسن أنه لما أتي عمر ﵁ بسواري كسرى فأخذهما ووضعهما في يد سراقة بن مالك فبلغا منكبيه، فقال عمر: اللهم إني قد علمت أنّ نبيك ﵊ كان يحب أن يصيب مالاً لينفقه في سبيلك، فزويت ذلك عنه، ثم إن أبا بكر كان يحب ذلك اللهم لا يكون ذلك مكراً منك، ثم تلا: ﴿أيحسبون﴾ الآية. ولما ذكر أهل الافتراق ذكر أهل الوفاق ووصفهم بأربع صفات.
الأولى: قوله تعالى:
﴿إن الذين هم﴾ أي: ببواطنهم ﴿من خشية ربهم﴾ أي: الخوف العظيم من المحسن إليهم المنعم عليهم ﴿مشفقون﴾ أي: دائمون على الحذر.
الصفة الثانية: قوله تعالى:
﴿والذين
стр. 1237
هم بآيات ربهم﴾ أي: القرآن ﴿يؤمنون﴾ أي: يصدقون.
الصفة الثالثة: قوله تعالى:
﴿والذين هم بربهم﴾ أي: الذي لا محسن إليهم غيره ﴿لا يشركون﴾ أي: شيئاً من شرك في وقت من الأوقات كما لم يشركه في الإحسان إليهم أحد، ولما أثبت لهم الإيمان الخالص نفى عنهم العجب بقوله تعالى:
﴿والذين يؤتون﴾ أي: يعطون ﴿ما آتوا﴾ أي: ما أعطوا من الصدقة والأعمال الصالحة، وهذه الصفة الرابعة ﴿وقلوبهم وجلة﴾ أي: شديدة الخوف أنّ لا يقبل منهم ولا ينجيهم من عذاب الله، ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿أنهم إلى ربهم﴾ أي: الذي طال إحسانه إليهم ﴿راجعون﴾ بالبعث، فيجازيهم على النقير والقطمير، ويجزيهم بكل قليل وكثير، وهو الناقد البصير، ولا تنفع هناك الندامة، وليس هناك إلا الحكم العدل والحكم القاطع من جهة مالك الملك؛ قال الحسن البصري: المؤمن جمع إيماناً وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمناً، ثم أثبت لهم ما أفهم أنّ ضده لأضدادهم بقوله تعالى:
﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ أي: يبادرون إلى الأعمال الصالحة قبل الموت، ولما ذكر تعالى كيفية أعمال المؤمنين المخلصين ذكر أنه تعالى لا يكلف أحداً فوق طاقته بقوله تعالى:
﴿ولا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ أي: طاقتها، فمن لم يستطع أن يصلي الفرض قائماً فليصل قاعداً، ومن لم يستطع أنّ يصلي قاعداً فليصل مضطجعاً، ومن لم يستطع أنّ يصوم رمضان فليفطر؛ لأنّ مبنى المخلوق على العجز ﴿ولدينا﴾ أي: وعندنا ﴿كتاب ينطق بالحق﴾ بما عملته كل نفس، وهو اللوح المحفوظ تسطر فيه الأعمال، وقيل: كتب الحفظة ونظيره قوله تعالى: ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾ (الجاثية، ٢٩) ، وقوله تعالى: ﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾ (الكهف، ٤٩) ، فشبه تعالى الكتاب بمن يصدر عنه البيان، فإن الكتاب لا ينطق لكنه يعرف بما فيه كما يعرف بنطق الناطق إذا كان محقاً فإن قيل: ما فائدة ذلك الكتاب مع أنّ الله تعالى يعلم ذلك إذ لا تخفى عليه خافية؟ أجيب: بأنّ الله تعالى يفعل ما يشاء، وقد يكون في ذلك حكمة لا يطلع عليها إلا هو تعالى ﴿وهم﴾ أي: الخلق كلهم ﴿لا يظلمون﴾ أي: لا ينقص من حسناتهم، ولا يزاد في سيئاتهم، ثم ذكر حال الكفار فقال تعالى:
﴿بل قلوبهم﴾ أي: الكفرة من الخلق ﴿في غمرة﴾ أي: جهالة قد أغرقتها ﴿من هذا﴾ أي: القرآن أو الذي وصف به حال هؤلاء أو من كتاب الحفظة ﴿ولهم أعمال من دون ذلك﴾ المذكور للمؤمنين ﴿هم﴾ أي: الكفار ﴿لها﴾ أي: لتلك الأعمال الخبيثة ﴿عاملون﴾ أي: لا بد أنّ يعملوها فيعذبون عليها لما سبق من الشقاوة.
﴿حتى إذا أخذنا مترفيهم﴾ أي: رؤساءهم وأغنياءهم ﴿بالعذاب﴾ قال ابن عباس: هو السيف يوم بدر، وقيل: هو الجوع دعا عليهم رسول الله ﷺ وقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» فابتلاهم الله تعالى بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام المحرقة والقذر والأولاد ﴿إذا هم يجأرون﴾ أي: يصيحون ويستغيثون ويجزعون، وأصل الجأر رفع الصوت بالتضرع؛ قاله البغوي، فكأنه قيل: فهل يقبل اعتذارهم أو يرحم انكسارهم؟ فقيل: لا بل يقال لهم بلسان الحال أو المقال.
﴿لا تجأروا اليوم﴾ فإن الجأر غير نافع لكم، ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿إنكم منا لا تنصرون﴾ أي: بوجه من الوجوه، ومن عدم نصرنا لم يجد له ناصراً فلا فائدة لجأره إلا إظهار الجزع، ثم علل عدم
стр. 1238
نصره لهم بقوله تعالى:
﴿قد كانت آياتي﴾ أي: من القرآن ﴿تتلى عليكم﴾ أي: من أوليائي وهم الهداة النصحاء ﴿فكنتم﴾ كوناً هو كالجبلة ﴿على أعقابكم﴾ عند تلاوتها ﴿تنكصون﴾ أي: تعرضون مدبرين عن سماعها والعمل بها، والنكوص الرجوع القهقرى.
﴿مستكبرين﴾ عن الإيمان، واختلف في عود الضمير في ﴿به﴾ فقال ابن عباس: بالبيت الحرام، وشهرة استكبارهم وافتخارهم أنهم قوّامه أغنت عن سبق ذكره، وذلك أنهم يقولون: نحن أهل حرم الله وجيران بيته، فلا يظهر علينا أحد ولا نخاف أحداً، فيأمنون فيه، وسائر الناس في الخوف، وقيل: بالقرآن، فلم يؤمنوا به، وقوله تعالى: ﴿سامراً﴾ نصب على الحال أي: جماعة يتحدثون بالليل حول البيت، وقوله تعالى: ﴿تهجرون﴾ قرأه نافع بضم التاء وكسر الجيم من الإهجار وهو الإفحاش أي: تفحشون وتقولون الخنا ذكر أنهم كانوا يسبون النبي ﷺ وأصحابه والباقون بفتح التاء وضم الجيم، أي: تعرضون عن النبي ﷺ وعن الإيمان وعن القرآن وترفضونها وتسمون القرآن سحراً وشعراً، ثم إنه تعالى لما وصف حالهم ردَّ عليهم بأنّ بين أنّ إقدامهم على هذه الأمور لا بد أنّ يكون لأحد أمور أربعة:
أحدها: أنّ لا يتأملوا في دليل نبوّته، وهو المراد من قوله تعالى:
﴿أفلم يدّبروا القول﴾ أي: القرآن الدال على صدق النبي ﷺ وأصل يدبروا يتدبروا أدغمت التاء في الدال.
ثانيها: أنّ يعتقدوا أنّ ما جاء به الرسول أمر على خلاف العادة وهو المراد من قوله تعالى: ﴿أم جاءهم﴾ في هذا القول ﴿ما لم يأت آباءهم الأولين﴾ الذين بعد إسماعيل وقبله.
ثالثها: أنّ لا يكونوا عالمين بأمانته وحسن حاله قبل ادعائه النبوّة، وهو المراد من قوله تعالى:
﴿أم لم يعرفوا رسولهم﴾ أي: الذي أتاهم بهذا القول الذي لا قول مثله، وهم يعرفون نسبه وصدقه وأمانته، وما جاءهم به من معالي الأخلاق حتى أنهم لا يجدون فيه إذا تحققت الحقائق نقيصة يذكرونها ولا وصمة يستحلونها كما دلت عليه الأحاديث الصحاح منها حديث أبي سفيان بن حرب الذي في أول البخاري في سؤال هرقل ملك الروم له عن شأنه ﷺ وقد اتفقت كلمتهم بتسميته الأمين ﴿فهم﴾ أي: فتسبب عن جهلهم به أنهم ﴿له﴾ أي: نفسه أو القول الذي أتى به ﴿منكرون﴾ فيكونوا ممن جهل الحق لجهل حال الآتي به، وفي هذا غاية التوبيخ لهم بجهلهم وبغباوتهم بأنهم يعرفون أنه أصدق الخلق وأعلاهم في كل معنى جميل، ثم كذبوه.
رابعها: أنّ يعتقدوا فيه الجنون فيقولوا إنما حمله على ادعائه الرسالة جنونه، وهو المراد من قوله تعالى:
﴿أم يقولون﴾ أي: بعد تدبر ما أتى به وعدم عثورهم فيه على وجه من وجوه الطعن ﴿به﴾ أي: رسولهم ﴿جنة﴾ أي: جنون فلا يوثق به.
ولما كانت هذه الأقسام منفية عنه فإنهم أعرف الناس بهذا النبي الكريم، وإنه أكملهم خلقاً وأشرفهم خلقاً، وأظهرهم شيماً، وأعظمهم همماً، وأرجحهم عقلاً وأمتنهم رأياً، وأرضاهم قولاً وأصوبهم فعلاً أضرب عنها وقال تعالى: ﴿بل﴾ أي: لم ينكصوا عند سماع الآيات ويسمروا ويهجروا لاعتقاد شيء مما مضى، وإنما فعلوا ذلك لأنّ هذا الرسول الكريم ﴿جاءهم بالحق﴾ أي: القرآن المشتمل على التوحيد وشرائع الإسلام، وقال الجلال المحلي: الاستفهام فيه للتقرير بالحق من صدق النبي ومجيء الرسول للأمم
стр. 1239
الماضية ومعرفة رسولهم بالصدق والأمانة وأنّ لا جنون به، وبل للانتقال ﴿وأكثرهم﴾ أي: والحال أنّ أكثرهم ﴿للحق كارهون﴾ متابعة للأهواء الردية والشهوات البهيمية عناداً، وإنما قيد تعالى الحكم بالأكثر؛ لأنّ بعضهم يتركه جهلاً وتقليداً وخوفاً من أنّ يقال صبأ، وبعضهم يتبعه توفيقاً من الله تعالى وتأييداً، ثم بين تعالى أنّ اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم بقوله تعالى:
﴿ولو اتبع الحق﴾ أي: القرآن ﴿أهواءهم﴾ بأنّ جاء بما يهووه من الشرك والولد لله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ﴿لفسدت السموات﴾ على علوها وإحكامها ﴿والأرض﴾ على كثافتها وانتظامها ﴿ومن فيهن﴾ على كثرتهم وانتشارهم وقوّتهم أي: خرجت عن نظامها المشاهد بسبب ادعائهم تعدد الآلهة لوجود التمانع في الشيء عادة عند تعدد الحاكم كما سبق تقريره في قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (الأنبياء، ٢٢) ، ﴿بل أتيناهم﴾ بعظمتنا ﴿بذكرهم﴾ أي: بالقرآن الذي فيه ذكرهم وشرفهم، وقيل: بالذكر الذي تمنوه بقولهم: لو أنّ عندنا ذكراً من الأولين ﴿فهم عن ذكرهم﴾ أي: الذي هو شرفهم ﴿معرضون﴾ لا يلتفتون إليه، ثم بين تعالى أنّ النبي ﷺ لا يطمع فيهم حتى يكون ذلك سبباً لنفرتهم بقوله تعالى:
﴿أم تسألهم﴾ أي: على ما جئتم به ﴿خرجاً﴾ أي: أجراً، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الراء وبعدها ألف، والباقون بسكون الراء، ولما كان الإنكار معناه النفي حسن موقع فاء السببية في قوله تعالى:
﴿فخراج ربك﴾ أي: رزقه في الدنيا وثوابه في العقبى ﴿خير﴾ لسعته ودوامه، ففيه مندوحة لك عن عطائهم، وقرأ ابن عامر بسكون الراء والباقون بفتحها وألف بعدها قال أبو عمرو بن العلاء: الخرج ما تبرعت به، والخراج ما لزمك أداؤه؛ قال الزمخشري: والوجه أنّ الخرج أخص من الخراج كقولك: خراج القرية، وخرج الكردة أي: الرقبة زيادة اللفظ لزيادة المعنى، ولذلك حسنت قراءة من قرأ خرجاً فخراج ربك يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق، فالكثير من عطاء الخالق خير، وقوله تعالى: ﴿وهو خير الرازقين﴾ تقرير لخيرية خراجه. ولما زيف طريق القوم أتبعه بصحة ما جاء به الرسول ﵇ بقوله تعالى:
﴿وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم﴾ تشهد عقولهم السليمة على استقامته لا عوج فيه يوجب اتهامهم له، كما تشهد له به العقول الصحيحة، فمن سلكه أوصله إلى الغرض، فحاز كل شرف.
تنبيه: قد ألزمهم الله تعالى الحجة في هذه الآيات، وقطع معاذيرهم وعللهم، فإن الذي أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله مخبور سره وعلنه خليق بأنّ يجتبى مثله للرسالة من بين ظهرانيهم وأنه لم يعرض له حتى يدعي مثل هذه الدعوى العظيمة بباطل، ولم يجعل له سلماً إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم، ولم يدعهم إلى دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم إلا مع إبراز المكنون من أدوائهم وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل من غير برهان.
﴿وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ أي: بالبعث والثواب والعقاب ﴿عن الصراط﴾ أي: الذي لا صراط غيره؛ لأنه لا موصل إلى القصد غيره ﴿لناكبون﴾ أي: عادلون منحرفون في سائر أحوالهم سائرون على غير منهج أصلاً بل خبط عشواء.
﴿ولو رحمناهم﴾ أي: عاملناهم معاملة المرحوم في إزالة ضرره وهو معنى قوله تعالى: ﴿وكشفنا ما بهم من ضر﴾ أي: جوع أصابهم بمكة سبع سنين ﴿للجوا﴾
стр. 1240
أي: عادوا وتمادوا ﴿في طغيانهم﴾ الذي كانوا عليه قبل هذا ﴿يعمهون﴾ أي: يترددون.
﴿ولقد أخذناهم بالعذاب﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ دعا على قريش أنّ يجعل عليهم سنين كسني يوسف، فأصابهم القحط، فجاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين فقال: بلى، فقال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فقد أكلوا الفرث والعظام والعلهز وشكا إليه الضرع فادع الله تعالى يكشف عنا هذا القحط فدعا فكشف عنهم فأنزل الله تعالى هذه الآية.
تنبيه: العلهز وبر يخلط بدماء اللحم، فيؤكل في الجدب والعلهز أيضاً: القراد الضخم، وشكا بعض الأعراب إلى النبي ﷺ السنة فقال:
*ولا شي مما يأكل الناس عندنا
... سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل
*وليس لنا إلا إليك فرارنا
... وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
فقام رسول الله ﷺ «واستسقى لرفع هذه المحن» فقال الله تعالى عنهم: ﴿فما استكانوا﴾ أي: خضعوا خضوعاً هو كالجبلة لهم وأصله طلب السكون ﴿لربهم﴾ أي: المحسن إليهم عقب المحنة ﴿وما يتضرعون﴾ أي: يجددون الدعاء بالخضوع والذل والخشوع في كل وقت بحيث يكون لهم عادة بل هم على ما جبلوا عليه من الاستكبار والعتو.
﴿حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا﴾ أي: صاحب ﴿عذاب شديد﴾ قال ابن عباس: يعني القتل يوم بدر، وهو قول مجاهد، وقيل: هو الموت، وقيل: هو قيام الساعة ﴿إذا هم فيه﴾ أي: ذلك الباب مطروحون لا يقدرون منه على نوع خلاص ﴿مبلسون﴾ متحيرون آيسون من كل خير، ثم إنه سبحانه التفت إلى خطابهم وبين عظيم نعمته من وجوه:
أحدها: ما ذكره بقوله تعالى:
أي: خلق ﴿لكم﴾ يا من يكذب بالآخرة ﴿السمع﴾ بمعنى الإسماع ﴿والأبصار﴾ على غير مثال سبق لتحسنوا بها ما نصب من الآيات ﴿والأفئدة﴾ أي: التي هي مراكز العقول فتتفكروا في الآيات وتستدلوا بها على الوحدانية فكنتم بها أعلى من بقية الحيوان جمع فؤاد وهو القلب، وإنما خص هذه الثلاثة بالذكر؛ لأنه يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها، فمن لم يعملها فيما خلقت له، فهو بمنزلة عادمها كما قال : ﴿فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم، ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله﴾ (الأحقاف، ٢٦) ، ولما صور لهم هذه النعم وهي بحيث لا يشك عاقل في أنه لو تصور أنّ يعطي آدمي شيئاً منها لم يقدر على مكافأته حسن تبكيتهم في كفر النعم، فقال تعالى: ﴿قليلاً ما تشكرون﴾ لمن أولاكم هذه النعم التي لا يقدر غيره على شيء منها مع ادعائكم أنكم أشكر الناس لمن أسدى إليكم أقل ما يكون من النعم التي يقدر على مثلها كل أحد، فكنتم بذلك مثل الحيوانات العجم صماً بكماً عمياً؛ قال أبو مسلم: ليس المراد أنّ لهم شكراً وإن قل، لكنه يقال للكفور الجاحد النعمة ما أقل شكر فلان.
ثانيها: ما ذكره في قوله تعالى: ﴿وهو﴾ أي: وحده ﴿الذي ذرأكم﴾ أي: خلقكم وبثكم ﴿في الأرض﴾ للتناسل ﴿وإليه﴾ وحده ﴿تحشرون﴾ يوم النشور.
ثالثها: ما ذكره بقوله تعالى:
﴿وهو﴾ أي: وحده ﴿الذي﴾ من شأنه أنه ﴿يحي
стр. 1241
ويميت﴾ فلا مانع له من البعث ولا غيره مما يريده.
رابعها: ما ذكره بقوله تعالى: ﴿وله اختلاف الليل والنهار﴾ أي: التصرف فيهما بالسواد والبياض والزيادة والنقصان ﴿أفلا تعقلون﴾ أي: بالنظر والتأمل أنّ الكل منا وأن قدرتنا تعم الممكنات كلها، وأن البعث من جملتها فتعتبرون، ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري النفي حسن بعده بقوله تعالى:
﴿بل قالوا﴾ أي: هؤلاء العرب ﴿مثل ما قال الأولون﴾ من قوم نوح ومن بعدهم فقالوا ذلك تقليداً للأولين، ثم حكى الشبهة عنهم من وجهين: أحدهما: ما ذكره بقوله تعالى:
﴿قالوا﴾ أي: منكرين للبعث متعجبين من أمره ﴿أئذا متنا وكنا﴾ أي: بالبلاء بعد الموت ﴿تراباً وعظاماً﴾ نخرة، ثم أكدوا الإنكار بقولهم: ﴿أئنا لمبعوثون﴾ أي: لمحشورون بعد ذلك قالوا ذلك استبعاداً ولم يتأملوا أنهم قبل ذلك أيضاً كانوا تراباً فخلقوا. ثانيهما: ما ذكره بقوله تعالى: إنهم قالوا:
﴿لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا﴾ أي: البعث بعد الموت ﴿من قبل﴾ كأنهم قالوا: إن هذا الوعد كما وقع منه ﷺ فقد وقع قديماً من سائر الأنبياء ولم يوجد مع طول العهد، وظنوا أنّ الإعادة تكون في دار الدنيا، ثم قالوا: ﴿إن﴾ أي: ما ﴿هذا إلا أساطير﴾ أي: أكاذيب ﴿الأولين﴾ كالأضاحيك والأعاجيب جمع أسطورة بالضم، وقيل: جمع أسطار جمع سطر؛ قال رؤبة:
*إني وأسطار سطرن سطراً
وهو ما كتبه الأولون مما لا حقيقة له.
ولما أنكروا البعث هذا الإنكار المؤكد ونفوه هذا النفي المحتم أمره الله تعالى أنّ يقررهم بثلاثة أشياء هم بها مقرون، ولها عارفون يلزمهم من تسليمها الإقرار بالبعث قطعاً:
أحدها: قوله تعالى:
﴿قل﴾ أي: مجيباً لإنكارهم البعث ملزماً لهم ﴿لمن الأرض﴾ أي: على سعتها وكثرة عجائبها ﴿ومن فيها﴾ على كثرتهم واختلافهم ﴿إن كنتم﴾ أي: مما هو كالجبلة لكم ﴿تعلمون﴾ أي: أهلاً للعلم وفيه تنبيه على أنهم أنكروا شيئاً لا ينكره عاقل، ولما كانوا مقرين بذلك أخبر تعالى عن جوابهم قبل جوابهم ليكون من دلائل النبوة وإعلام الرسالة بقوله تعالى استئنافاً:
﴿سيقولون﴾ أي: قطعاً ذلك كله ﴿لله﴾ أي: المختص بصفات الكمال، ثم إنه تعالى أمره بقوله: ﴿قل﴾ أي: لهم إذا قالوا لك ذلك منكراً عليهم ﴿أفلا تذكرون﴾ أي: في ذلك المركوز في طباعكم المقطوع به عندكم ما غفلتم عنه من تمام قدرته وباهر عظمته فتصدقوا ما أخبر به من البعث الذي هو دون ذلك، وتعلموا أنه لا يصلح شيء منها وهو ملكه أنّ يكون شريكاً له تعالى ولا ولداً وتعلموا أنّ القادر على الخلق ابتداءً قادر على الإحياء بعد الموت، وأنه لا يصح في الحكمة أصلاً أنّ يترك البعث لأنّ أقلكم لا يرضى بترك حساب عبيده والعدل بينهم، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد بإدغام التاء الثانية في الذال.
ثانيها: قوله تعالى:
﴿قل﴾ أي: لهم ﴿من رب﴾ أي: خالق ومدبر ﴿السموات السبع﴾ كما تشاهدون من حركاتها وسير أفلاكها ﴿ورب العرش﴾ أي: الكرسي ﴿العظيم﴾ كما قال تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ (البقرة، ٢٥٥)
﴿سيقولون لله﴾ أي: الذي له كل شيء هو رب ذلك لا جواب لهم غير ذلك، ولما تأكد الأمر وزاد الوضوح حسن التهديد على التمادي فقال تعالى: ﴿قل﴾ أي: منكراً عليهم ﴿أفلا تتقون﴾ أي: تحذرون عبادة غيره.
ثالثها قوله:
﴿قل﴾ أمره الله تعالى بعدما قرّرهم بالعالمين العلوي والسفلي
стр. 1242
أن يقرّرهم بما هو أعم وأعظم وهو قوله تعالى: ﴿من بيده﴾ أي: من تحت قدرته ومشيئته ﴿ملكوت كل شيء﴾ من إنس وجن وغيرهما، والملكوت: الملك البليغ، قال ابن الأثير: كانت العرب إذا كان السيد فيهم أجار أحداً لا يخفر جواره، وليس لمن دونه أن يجير عليه لئلا يعاب عليه، ولو أجار ما أفاد، ولهذا قال تعالى: ﴿وهو يجير﴾ أي: يمنع ويغيث من شاء فيكون في حرز لا يقدر أحد على الدنو من ساحته ﴿ولا يجار عليه﴾ أي: ولا يمكن أحداً أبداً أن يجير جواراً يكون مستعلياً عليه بأن يكون على غير مراده بل يأخذ من أراد وإن نصره جميع الخلائق ويعلي من أراد وإن تحاملت عليه كل المصائب فتبين كالشمس أنه لا شريك يمانعه ولا ولد يضارعه، وأنه السيد العظيم الذي لا أعظم منه، الذي له الخلق والأمر ولا معقب لحكمه وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ثم ألهبهم إلى المبادرة إلى الاعتراف به وهيجهم بقوله تعالى: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي: في عداد من يعلم، ولذلك استأنف قوله تعالى:
﴿سيقولون لله﴾ أي: الذي بيده ذلك خاصاً به.
تنبيه: سيقولون لله الأول لا خلاف فيها، وأما الثانية والثالثة فقرأ أبو عمرو: سيقولون الله بزيادة همزة الوصل مع التفخيم فيهما، ورفع الهاء والباقون بغير همز الوصل مع الترقيق وكسر الهاء والتقدير ذلك كله لله، ولما كان جوابهم بذلك يقتضي إنكار توقفهم في الإقرار بالبعث استأنف قوله تعالى: ﴿قل﴾ أي: لهم منكراً عليهم ﴿فأنى تسخرون﴾ أي: فكيف بعد إقراركم بهذا كله تخدعون وتصرفون عن الحق وكيف يخيل لكم أنه باطل، ولما كان الإنكار بمعنى النفي حسن قوله تعالى:
﴿بل﴾ أي: ليس الأمر كما يقولون بل ﴿أتيناهم بالحق﴾ أي: بالصدق من التوحيد والوعد بالنشور ﴿وإنهم لكاذبون﴾ في كل ما ادعوه من الولد والشريك وغيرهما مما بين القرآن فساده ومن أعظم كذبهم قولهم: ﴿اتخذ الرحمن ولداً﴾ (مريم، ٨٨)
قال تعالى رداً عليهم:
﴿ما اتخذ الله﴾ أي: الذي لا كفء له ﴿من ولد﴾ أي: لا من الملائكة ولا من غيرهم لما قام من الأدلة على غناه وأنه لا مجانس له، ولما كان الولد أخص من مطلق الشريك قال تعالى: ﴿وما كان معه﴾ أي: بوجه من الوجوه ﴿من إله﴾ يشابهه في الألوهية ﴿إذاً﴾ لو كان معه إله آخر ﴿لذهب كل إله بما خلق﴾ بالتصرف فيه وحده ليتميز ما له مما لغيره.
فإن قيل: إذاً لا تدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب، فكيف وقع قوله تعالى: ﴿لذهب﴾ جزاءً وجواباً، ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل؟ أجيب: بأن الشرط محذوف تقديره ولو كان معه آلهة، وإنما حذف لدلالة قوله تعالى: وما كان معه من إله عليه وهو جواب لمن معه المحاجة من المشركين ﴿ولعلا بعضهم﴾ أي: بعض الآلهة ﴿على بعض﴾ إذا تخالفت أوامرهم، فلم يرض أحد منهم أن يضاف ما خلقه إلى غيره، ولا أن يمضي فيه أمر على غير مراده كما هو مقتضى العادة، فلا يكون المغلوب إلهاً لعجزه ولا يكون مجيراً غير مجار عليه بيده وحده ملكوت كل شيء. ولما طابق الدليل الإلزامي نفي الشريك نزه نفسه الشريفة بما هو نتيجة ذلك من قوله تعالى: ﴿سبحان الله﴾ أي: المتصف بجميع صفات الكمال المنزه عن شائبة كل نقص ﴿عما يصفون﴾ من كل ما لا يليق بجناية المقدس من الأنداد والأولاد لما سبق من الدليل على فساده، ثم أقام دليلاً آخر على كماله يوصفه بقوله تعالى:
﴿عالم
стр. 1243
الغيب والشهادة﴾ أي: ما غاب وما شوهد، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي برفع الميم على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هو، والباقون بالخفض على أنه صفة لله، ثم رتب على هذا الدليل قوله تعالى: ﴿فتعالى﴾ أي: تعاظم ﴿عما يشركون﴾ معه من الآلهة، ثم إن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بقوله تعالى:
﴿قل رب﴾ أي: أيها المحسن إليّ ﴿إما﴾ فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة أي: إن كان لا بد أن ﴿تريني﴾ لأنَّ ما والنون للتأكيد ﴿ما يوعدون﴾ من العذاب في الدنيا والآخرة.
﴿رب فلا تجعلني﴾ بإحسانك إليّ ﴿في القوم الظالمين﴾ أي: قرينا لهم في العذاب.
فإن قيل: كيف يجوز أن يجعل الله تعالى نبيه ﷺ المعصوم مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟ أجيب: بأنه يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه وإخباتاً له واستغفاره ﷺ إذا قام من مجلسه سبعين مرة أو مائة مرة لذلك وما أحسن قول الحسن في قول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: وليتكم ولست بخيركم، كان يعلم أنه خيرهم ولكن المؤمن يهضم نفسه وإنما ذكر ربه مرتين مرة قبل الشرط، ومرة قبل الجزاء مبالغة في التضرع.
﴿وإنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿على أن نريك﴾ أي: قبل موتك ﴿ما نعدهم﴾ من العذاب ﴿لقادرون﴾ لكنا نؤخره علماً بأن بعضهم أو بعض أعقابهم يؤمنون وهو صادق بالقتل يوم بدر أو فتح مكة، ثم كأنه قال: فماذا أفعل فيما تعلم من أمرهم، فقال تعالى:
b
﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ أي: من الأقوال والأفعال بالصفح والمداراة ﴿السيئة﴾ أذاهم إياك وهذا قبل الأمر بالقتال فهي منسوخة، وقيل: محكمة لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى نقصان دين أو مروءة ﴿نحن أعلم بما يصفون﴾ في حقك وحقنا، فلو شئنا منعناهم منه أو عاجلناهم بالعذاب، وليس أحد بأغير منا فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ولما أدب رسوله ﷺ بأن يدفع بالتي هي أحسن علمه ما به يقوى على ذلك بقوله تعالى:
﴿وقل رب﴾ أي: أيها المحسن إليّ ﴿أعوذ بك﴾ أي: ألتجىء إليك ﴿من همزات الشياطين﴾ أي: أن يصلوا إليّ بوساوسهم، وأصل الهمز النخس ومنه مهماز الرائض شبه حثهم الناس على المعاصي بهمز الرائض الدواب على المشي وإنما جمع همزات لتنوع الوسواس أو لتعدد المضاف إليه.
﴿وأعوذ بك رب﴾ أي: أيها المربى لي ﴿أن يحضرون﴾ في حال من الأحوال خصوصاً حال الصلاة وقراءة القرآن وحلول الأجل؛ لأنها أحرى الأحوال، وهم إنما يحضرون بالسوء، ولو لم تصل إليَّ وساوسهم، فإن بعدهم بركة، وعن جبير بن مطعم قال: رأيت النبي ﷺ يصلي صلاة قال عمر: ولا أدري أي صلاة هي فقال: «الله أكبر كبيراً ثلاثاً، والحمد لله كثيراً ثلاثاً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً ثلاثاً أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه؛ قال: نفثه الشعر ونفخه الكبر، وهمزه الموتة» أخرجه أبو داود؛ لأن الشعر يخرج من القلب فيلفظ به اللسان، وينفثه كما ينفث الريق والمتكبر ينتفخ ويتعاظم ويجمع نفسه ويحتاج إلى أن ينفخ، والموتة الجنون والمجنون يصير في الدنيا كالميتة، ثم إن الله تعالى أخبر أن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا
стр. 1244
عند معاينة الموت بقوله تعالى: ﴿حتى﴾ وهي هنا كما قال الجلال المحلي ابتدائية أو متعلقة بيصفون أو بكاذبون كما قال الزمخشري، وقدّم المفعول ليذهب الوهم في فاعله كل مذهب فقال:
﴿إذا جاء أحدهم الموت﴾ فكشف له الغطاء وظهر له الحق ولاحت له بوارق العذاب، ولم يبق في شيء من ذلك ارتياب ﴿قال﴾ متحسراً على ما فرّط فيه من الإيمان والطاعة مخاطباً لملائكة العذاب على عادة جهله ووقوفه مع المحسوس من دأب البهائم ﴿رب ارجعون﴾ أي: ردوني إلى الدنيا دار العمل، ويجوز أن يكون الجمع له تعالى وللملائكة أو للتعظيم على عادة مخاطبات الأكابر سيما الملوك كقوله:
*ألا فارحموني يا إله محمد
وقوله:
*فإن شئت حرمت النساء سواكم
أو القصد تكرير الفعل للتأكيد؛ لأنه في معنى أرجعني كما قيل في قفا واطرقا فإنهما بمعنى قف قف واطرق اطرق، ولما كان في تلك الحالة مع وصوله إلى الغرغرة ليس على القطع من اليأس قال:
﴿لعلي أعمل﴾ أي: لأن كون على رجاء من أن اعمل ﴿صالحاً فيما تركت﴾ أي: ضيعت من الإيمان بالله وتوابعه فيدخل في الأعمال الأعمال البدنية والمالية وعنه ﷺ «إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك إلى الدنيا فيقول إلى دار الهموم والأحزان بلى قدوماً على الله، وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت» قال قتادة: ما تمنى أن يرجع إلى أهله ولا عشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله فرحم الله امرأ عمل فيما تمناه الكافر إذا رأى العذاب، وقال ابن كثير: كان العلاء بن زياد يقول: لينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت واستقال ربه، فأقاله فليعمل بطاعة الله تعالى، ولما كان القضاء قد قطع بأنه لا يرجع ولو رجع لم يعمل بطاعة الله ، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون، قال الله تعالى له ردعاً ورداً لكلامه: ﴿كلا﴾ أي: لا يكون شيء من ذلك وكأنه قيل: فما حكم ما قال؟ فقيل: ﴿إنها كلمة﴾ والمراد بالكلمة في اللغة الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض رب ارجعون إلى آخره ﴿هو قائلها﴾ وقد عرف منه الخداع والكذب فهي كما عهد منه لا حقيقة لها، فلا يجاب إليها ولا تسمع منه وهو لا محالة لا يخليها، ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه، وتسلط الندم ﴿ومن ورائهم﴾ أي: أمامهم والضمير للجماعة ﴿برزخ﴾ أي: حاجز حائل بينهم وبين الرجعة، واختلف في معناه فقال مجاهد: حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا، وقال قتادة: بقية الدنيا، وقال الضحاك: البرزخ ما بين الموت إلى البعث، وقيل: هو الموت، وقيل: هو القبر هم فيه ﴿إلى يوم يبعثون﴾ وهو يوم القيامة، وفي هذا إقناط كليّ من الرجوع إلى الدنيا لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا، وإنما الرجوع فيه إلى حياة تكون في الآخرة.
﴿فإذا نفخ في الصور﴾ أي: القرن، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنها النفخة الأولى ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض ﴿فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون﴾ ثم نفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وعن ابن مسعود أنها النفخة الثانية قال: يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة فينصب على رؤوس الأولين والآخرين، ثم ينادي منادٍ هذا فلان بن فلان، فمن كان له قبله حق فليأت إلى حقه فيفرح المرء أن يكون له
стр. 1245
حق على والده أو ولده أو زوجته أو أخيه، فيأخذه منهم، ثم قرأ ابن مسعود فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون، وفي رواية عطاء عن ابن عباس أنها النفخة الثانية فلا أنساب بينهم أي: لا يتفاخرون بالأنساب يومئذٍ كما كانوا يتفاخرون بها في الدنيا ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا من أنت ومن أي قبيل أنت، ولم يرد أن الإنسان ينقطع نسبه، فإن قيل: قد قال تعالى هنا: ولا يتساءلون، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ (الصافات، ٢٧)
أجيب: بأن ابن عباس قال: إن للقيامة أحوالاً ومواطن ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل، فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة فيتساءلون، وقيل: التساؤل بعد دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
﴿فمن ثقلت موازينه﴾ أي: بالأعمال المقبولة، قال البقاعي: ولعل الجمع لأن لكل عمل ميزاناً يعرف أنه لا يصلح له غيره، وذلك أدل دليل على القدرة ﴿فأولئك﴾ أي: خاصة قال أيضاً: ولعله جمع للبشارة بكثرة الناجي بعد أن أفرد للدلالة على كثرة الأعمال أو على عموم الوزن لكل فرد ﴿هم المفلحون﴾ أي: الفائزون بالنجاة والدرجات العلى.
﴿ومن خفت موازينه﴾ لإعراضه عن تلك الأعمال المؤسسة على الإيمان ﴿فأولئك﴾ خاصة ﴿الذين خسروا أنفسهم﴾ لإهلاكهم إياها باتباعها شهواتها في دار الأعمال وشغلها بأهوائها عن مراتب الكمال وقوله تعالى: ﴿في جهنم خالدون﴾ بدل من الصلة، أو خبر ثان لأولئك، وهي دار لا ينفك أسيرها ولا ينطفىء سعيرها، ثم استأنف قوله تعالى:
﴿تلفح﴾ أي: تغشى بشدّة حرّها وسمومها ووهجها ﴿وجوههم النار﴾ فتحرقها، فما ظنك بغيرها، واللفح كالنفح إلا أنه أشد تأثيراً ﴿وهم فيها كالحون﴾ أي: عابسون قد شمرت شفاههم العليا والسفلى عن أسنانهم، وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: «تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته» وقوله تعالى:
﴿ألم تكن آياتي﴾ أي: من القرآن على إضمار القول أي: يقال لهم: ألم تكن آياتي ﴿تتلى عليكم﴾ أي: تتابع لكم قراءتها في الدنيا شيئاً فشيئاً ﴿فكنتم بها تكذبون﴾ ثم استأنف جوابه بقوله تعالى:
﴿قالوا ربنا﴾ أي: المسبغ علينا نعمه ﴿غلبت علينا شقوتنا﴾ أي: ملكتنا بحيث صارت أحوالها مؤدّية إلى سوء العاقبة ﴿وكنا﴾ أي: بما جبلنا عليه ﴿قوماً ضالين﴾ في ذلك عن الحق أقوياء في موجبات الشقوة فكان سبباً للضلال عن طريق السعادة.
﴿ربنا﴾ يا من عودنا بالإحسان ﴿أخرجنا منها﴾ أي: من النار تفضلاً منك على عادة فضلك وردّنا إلى دار الدنيا لنعمل ما يرضيك ﴿فإن عدنا﴾ إلى مثل ذلك الضلال ﴿فإنا ظالمون﴾ لأنفسنا، ثم استأنف جوابهم بأن:
﴿قال﴾ لهم بلسان ملك بعد قدر الدنيا مرتين كما يقال للكلب ﴿اخسؤوا﴾ أي: انزجروا زجر الكلاب وانطردوا عن مخاطبتي ساكتين سكوت هوان ﴿فيها﴾ أي: النار ﴿ولا تكلمون﴾ أصلاً، فإنكم لستم بأهل لمخاطبتي لأنكم لن تزالوا متصفين بالظلم فييأس القوم بعد ذلك، ولا يتكلموا بكلمة إلا الزفير والشهيق والعواء كعواء الكلاب، وقال القرطبي: إذا قيل لهم ذلك انقطع رجاؤهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض فانطبقت عليهم، وعن ابن عباس أنّ لهم ست
стр. 1246
دعوات إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة: ربنا أبصرنا وسمعنا، فيجابون: حق القول مني، فينادون ألفاً: ربنا أمتنا اثنتين، فيجابون: ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، فينادون ألفاً: يا مالك ليقض علينا ربك، فيجابون: إنكم ماكثون، فينادون ألفاً: ربنا أخرجنا منها، فيجابون: أولم تكونوا أقسمتم، فينادون ألفاً: أخرجنا نعمل صالحاً، فيجابون: أولم نعمركم، فينادون ألفاً: رب ارجعون، فيجابون: اخسؤوا فيها ولا تكلمون، ثم لا يكون لهم إلا الزفير والشهيق والعواء، ثم علل ذلك بقوله تعالى:
﴿إنه كان﴾ أي: كوناً ثابتاً ﴿فريق﴾ أي: ناس قد استضعفتموهم ﴿من عبادي﴾ وهم المؤمنون ﴿يقولون﴾ مع الاستمرار ﴿ربنا﴾ أي: أيها المحسن إلينا بالخلق والرزق ﴿آمنا﴾ أي: أوقعنا الإيمان بجميع ما جاءتنا به الرسل ﴿فاغفر لنا﴾ أي: استر لنا زللنا ﴿وارحمنا﴾ أي: افعل بنا فعل الراحم ﴿وأنت خير الراحمين﴾ لأنك تخلص برحمتك من كل شقاء وهوان.
﴿فاتخذتموهم﴾ أي: فتسبب عن إيمانهم أن اتخذتموهم ﴿سخرياً﴾ أي: تسخرون منهم وتستهزؤن بهم، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بضم السين، والباقون بالكسر وهو مصدر سخر كالسخر إلا أن في ياء النسب زيادة قوّة في الفعل كما قيل: الخصوصية في الخصوص، وعن الكسائي والفرّاء أن المكسور من الهزء والمضموم من السخرية والعبودية، أي: تسخرونهم وتتعبدونهم؛ قال الزمخشري: والأول مذهب الخليل وسيبويه، انتهى. وأظهر الذال عند التاء ابن كثير وحفص، والباقون بالإدغام ﴿حتى أنسوكم ذكري﴾ أي: بأن تذكروني فتخافوني، وأضاف ذلك إليهم لأنهم كانوا السبب فيه لفرط اشتغالهم بالاستهزاء بهم ﴿وكنتم منهم تضحكون﴾ استهزاء بهم نزلت في كفار قريش كانوا يستهزئون بالفقراء من أصحاب رسول الله ﷺ مثل بلال وعمار وصهيب وخباب، ولما تشوّقت النفس بعد العلم بما فعل بأعدائهم إلى جزائهم قال الله تعالى:
﴿إني جزيتهم اليوم﴾ أي: بالنعيم المقيم ﴿بما صبروا﴾ أي: على عبادتي ولم يشغلهم عنها تألمهم بأذاكم، كما يشغلكم عنها التذاذكم بإهانتهم ففازوا دونكم وهو معنى قوله تعالى: ﴿إنهم هم الفائزون﴾ أي: بمطلوبهم الناجون من عذاب النار، وقرأه حمزة والكسائي بكسر الهمزة على الاستئناف والباقون بفتحها على أنها مفعول ثان لجزيتهم، ثم إن الله تعالى:
﴿قال﴾ لهم على لسان الملك المأمور بسؤالهم تبكيتاً وتوبيخاً لأنهم كانوا يظنون أن بعد الموت يدوم الفناء ولا إعادة، فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنها دائمة، وأنهم فيها مخلدون سألهم ﴿كم لبثتم في الأرض﴾ على تلك الحال في الدنيا التي كنتم تعدونها فوزاً ﴿عدد سنين﴾ أنتم فيها ظافرون ولأعدائكم قاهرون، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: قل كم، بضم القاف وسكون اللام على الأمر للملك أو لبعض رؤساء أهل النار، والباقون بفتح القاف واللام وألف بينهما خبراً وتقدم توجيهه وأظهر الثاء المثلثة عند التاء المثناة فوق نافع وابن كثير وعاصم وأدغمها فيها الباقون.
﴿قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم﴾ يشكون في ذلك. فإن قيل: كيف يصح في جوابهم أن يقولوا ذلك، ولا يقع من أهل النار الكذب؟ أجيب: بأنهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال، وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا: ﴿فاسأل العادين﴾ أي: الملائكة المحصين أعمال الخلق وأعمارهم؛ قال ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين، وقيل: قالوا ذلك
стр. 1247
تصغيراً للبثهم وتحقيراً له بالإضافة إلى ما وقعوا فيه من دوام العذاب قال بعضهم:
*لا أن أيام الشقاء طويلة
... كما أن أيام السرور قصار
وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين وترك الهمز بعدها وكذا يفعل حمزة في الوقف والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها ثم:
﴿قال﴾ الله تعالى لهم على لسان الملك: ﴿إن﴾ أي: ما ﴿لبثتم﴾ أي: في الدنيا ﴿إلا قليلاً﴾ ، لأن الواحد وإن طال مكثه في الدنيا فإنه يكون قليلاً في جنب ما يلبث في الآخرة ﴿لو أنكم كنتم تعلمون﴾ أي: في عداد من يعلم في ذلك الوقت لما آثرتم الفاني على الباقي ولأقبلتم على ما ينفعكم ولتركتم أفعالكم التي لا يرضاها عاقل، ولكنكم كنتم في عداد البهائم، وقرأ حمزة والكسائي: قل؛ أمراً، والباقون: قال؛ خبراً، ولبثتم تقدم مثله، وتوجيه قال وقل، ثم وبخهم الله تعالى على تغافلهم بقوله تعالى:
﴿أفحسبتم أنما خلقناكم﴾ على ما لنا من العظمة، وقوله تعالى: ﴿عبثاً﴾ حال أي: عابثين كقوله: لاعبين، أو مفعول له أي: ما خلقناكم للعبث، ولم يدعنا إلى خلقكم إلا حكمة اقتضت ذلك، وهي أن نتعبدكم ونكلفكم المشاق من الطاعات وترك المعاصي ﴿و﴾ حسبتم ﴿أنكم إلينا لا ترجعون﴾ في الآخرة للجزاء، وروى البغوي بسنده عن أنس «أن رجلاً مصاباً مرَّ به على ابن مسعود فرقاه في أذنه أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون، ثم ختم السورة فبرىء فقال رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده لو أن رجلاً موقناً قرأها على جبل لزال» ، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء الفوقية وكسر الجيم، والباقون بضم الفوقية وفتح الجيم، ثم نزّه نفسه عما يقوله ويصفه به المشركون بقوله تعالى:
﴿فتعالى الله﴾ أي: الذي له الجلال والجمال علواً كبيراً عن العبث، وغيره مما لا يليق به ﴿الملك﴾ أي: المحيط بأهل مملكته علماً وقدرة وسياسة وحفظاً ورعاية ﴿الحق﴾ أي: الذي لا يتطرق الباطل إليه في شيء في ذاته ولا في صفاته فلا زوال له ولا لملكه ﴿لا إله إلا هو﴾ فلا يوجد له نظير أصلاً في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فهو متعالٍ عن سمات النقص والعبث، ثم زاد في التعيين والتأكيد والتفرد بوصفه بصفة لا يدعيها غيره بقوله تعالى: ﴿رب العرش﴾ أي: السرير المحيط بجميع الكائنات التي تنزل منه محكمات الأقضية والأحكام ولذا وصفه بالكرم فقال: ﴿الكريم﴾ أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين، ولما بيّن أنه الملك الحق لا إله إلا هو أتبعه بأن من ادّعى إلهاً آخر، فقد ادعى باطلاً بقوله تعالى:
﴿ومن يدع مع الله﴾ أي: الملك الذي لا كفء له ﴿إلهاً آخر﴾ يعبده ﴿لا برهان له به﴾ أي: بسبب دعائه بذلك إذا اجتهد في إقامة برهان على ذلك لم يجد، ثم ذكر أنّ من قال ذلك فجزاؤه العقاب العظيم بقوله تعالى: ﴿فإنما حسابه﴾ أي: جزاؤه الذي لا يمكن زيادته ولا نقصه ﴿عند ربه﴾ أي: الذي رباه ولم يربه أحد سواه الذي هو أعلم بسريرته وعلانيته، فلا يخفى عليه شيء من أمره، ولما افتتح السورة بقوله: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ ختمها بقوله: ﴿إنه لا يفلح الكافرون﴾ أي: لا يسعدون، فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة. ولما شرح الله تعالى أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة أمر الله تعالى رسوله ﵊ بالانقطاع إليه والالتجاء إلى غفرانه ورحمته بقوله تعالى:
﴿وقل رب﴾ أي: أيها المحسن إليّ ﴿اغفر وارحم﴾ أي: أكثر من هذين
стр. 1248
الوصفين ﴿وأنت خير الراحمين﴾ فمن رحمته أفلح بما توفقه له من امتثال ما أشرت إليه أول السورة، فكان من المؤمنين وكان من الوارثين الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون، فقد انطبق على الأول هذا الآخر بفوز كل مؤمن وخيبة كل كافر، فنسأل الله تعالى أن يكون لنا ولوالدينا ولأحبابنا أرحم راحم وخير غافر إنه المتولي للسرائر والمرجو لإصلاح الضمائر، وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة المؤمنون بشرته الملائكة بالروح والريحان، وما تقرّ به عينه عند نزول ملك الموت» حديث موضوع، وقوله أيضاً تبعاً للزمخشري: روي أن أول سورة قد أفلح وآخرها من كنوز العرش من عمل بثلاث آيات من أولها واتعظ بأربع آيات من آخرها فقد نجا وأفلح، قال شيخ شيخنا ابن حجر حافظ عصره: لم أجده.
سورة النور
مدنية
وهي ثنتان أو أربع وستون آية
﴿بسم الله﴾ الذي تمت كلمته فبهرت قدرته ﴿الرحمن﴾ الذي ظهرت الحقائق كلها بشمول رحمته ﴿الرحيم﴾ الذي شرف من اختاره بخدمته قوله تعالى:
﴿سورة﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذه سورة أي: عظيمة أو سورة أنزلناها، مبتدأ موصوف والخبر محذوف أي: فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها، وقال الأخفش: لا يبعد الابتداء بالنكرة، فسورة مبتدأ، وأنزلناها خبره، ثم رغب في امتثال ما فيها مبيناً أن تنوينها للتعظيم بقوله تعالى: ﴿أنزلناها﴾ أي: بما لنا من العظمة وتمام العلم والقدرة ﴿وفرضناها﴾ أي: قدرنا ما فيها من الحدود، وقيل: أوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد الراء لكثرة الفروض، والباقون بالتخفيف ﴿وأنزلنا فيها آيات﴾ من الحدود والأحكام والمواعظ والأمثال وغيرها ﴿بينات﴾ أي: واضحات الدلالة ﴿لعلكم تذكرون﴾ أي: تتعظون، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد، ثم إنه تعالى ذكر في السورة أحكاماً كثيرة: الحكم الأول: قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ أي: غير المحصنين لرجمهما بالسنة وأل فيما ذكر موصولة وهو مبتدأ ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ أي: ضربة يقال: جلده إذا ضرب جلده، ويزاد على ذلك بالسنة تغريب عام، والرقيق على النصف مما ذكر، ولا رجم عليه لأنه لا يتنصف.
واعلم أن الزنا من الكبائر، ويدل عليه أمور: أحدها: أن الله تعالى قرنه بالشرك وقتل النفس في قوله تعالى: ﴿ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً﴾ (الفرقان، ٦٨) ، ثانيها: قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً﴾ (الإسراء، ٣٢) ، ثالثها: أن الله تعالى أوجب المائة فيه بكمالها بخلاف حد القذف وشرب الخمر وشرّع فيه الرجم، وروى حذيفة عن النبي ﷺ أنه قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، أما اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما اللاتي في الآخرة فسخط الله وسوء الحساب وعذاب النار» ، وعن عبد الله قال: «قلت: يار رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك،
стр. 1249
قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك» فأنزل الله تعالى تصديقاً لذلك: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾ » (الفرقان، ٨٦)
والزنا إيلاج حشفة أو قدرها من مقطوعها من الذكر المتصل الأصلي من الآدمي الواضح ولو أشل وغير منتشر، وكان ملفوفاً في خرقة بقبل محرم في نفس الأمر لعينه خال عن الشبهة المسقطة للحدّ مشتهي طبعاً بأن كان فرج آدمي حيّ ولا يشترط إزالة البكارة حتى لو كانت غوراء وأدخل الحشفة فيها، ولم يزل بكارتها ترتب عليه حد الزنا بخلاف التحليل لا بدّ فيه من إزالة البكارة لقوله ﷺ «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» ، واختلف في اللواط هل يطلق عليه اسم الزنا أو لا؟ فقال بعضهم: يطلق عليه لقوله ﷺ «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان» ، والذي عليه أكثر أصحابنا أنه غير داخل تحت اسم الزنا لأنه لو حلف لا يزني فلاط لم يحنث، والحديث محمول على الإثم بدليل قوله ﷺ «إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان» ، وللشافعي في حده قولان؛ أصحهما أن الفاعل إن كان محصناً فإنه يرجم، وإلا فيجلد مائة ويغرب عاماً، وأما المفعول فلا يتصور فيه إحصان فيجلد ويغرب، والقول الثاني: يقتل الفاعل والمفعول به سواء كان محصناً أم لا لما روي عن ابن عباس أنه قال: من عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به.
وأما إتيان البهائم فحرام بإجماع الأئمة، واختلف في عقوبته على أقوال: أحدها: حد الزنا فيرجم الفاعل المحصن ويجلد غيره ويغرب، والثاني: أنه يقتل محصناً كان أو غير محصن لما روي عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ «من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه» ، والثالث: وهو الأصح أنه يعزر؛ لأن الحدّ شرع للزجر عما تميل النفس إليه، وضعفوا حديث ابن عباس لضعف إسناده، وهو وإن ثبت فهو معارض بما روي أنه ﷺ «نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله» .
وأما السحاق من النساء وإتيان المرأة الميتة والاستمناء باليد فلا يشرع فيه شيء من ذلك إلا التعزير والمقيم للحد هو الإمام أو نائبه، وللسيد أن يقيم الحدّ على رقيقه ولا تجوز الشفاعة في إسقاط الحدّ ولا تركه ولا تخفيفه كما قال تعالى: ﴿ولا تأخذكم﴾ أي: على أي حال من الأحوال ﴿بهما رأفة﴾ أي: رحمة ورقة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها، وقرأ ابن كثير بفتح الهمزة والباقون بسكونها، والسوسي على أصله من البدل، وقيل: معنى الرأفة أن يخففوا الضرب ﴿في دين الله﴾ أي: الذي شرعه لكم، ولذلك قال ﷺ «لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها» ، روي أن عمر ﵁ جلد جارية له زنت، فقال للجلاد: اضرب ظهرها ورجليها، فقال له ابنه: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله، فقال: يا بني إن الله تعالى لم يأمرنا بقتلها وقد ضربت فأوجبت. ثم إنه زاد في الحض على ذلك بقوله تعالى: ﴿إن كنتم تؤمنون با﴾ أي: الذي هو أرحم الراحمين فإنه ما شرع ذلك الا رحمة للناس عموماً وللزانين خصوصاً فلا تزيدوا في الحد ولا تنقصوا منه شيئاً، وفي الحديث «يؤتى بوال نقص من الحدود سوطاً فيقول: رحمة لعبادك، فيقال له: أنت أرحم مني، فيؤمر به إلى النار، ويؤتي بمن زاد سوطاً فيقول: لينتهوا عن معاصيك، فيؤمر إلى النار» وعن أبي هريرة: إقامة حد بأرض خير من مطر
стр. 1250
أربعين ليلة ثم أتبع ذلك بما يرهبه بقوله تعالى: ﴿واليوم الآخر﴾ الذي يحاسب فيه على النقير والقطمير والخفي والجلي ﴿وليشهد﴾ أي: وليحضر ﴿عذابهما﴾ أي: حدهما إذا أقيم عليهما ﴿طائفة من المؤمنين﴾ والطائفة الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة وأقلها ثلاثة أو أربعة وهي صفة غالبة كأنها الجماعة الحافة حول الشيء، وعن ابن عباس في تفسيرها: أربعة إلى أربعين رجلاً من المصدقين بالله تعالى، وعن الحسن: عشرة، وعن قتادة: ثلاثة فصاعداً، وعن عكرمة: رجلان فصاعداً، وعن مجاهد: أقلها رجل فصاعداً، وقيل: رجلان وفضل قول
ابن عباس؛ لأن الأربعة هي الجماعة التي يثبت بها الزنا ولا يجب على الإمام حضور رجم ولا على الشهود لأنه ﷺ أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضر رجمهما، وإنما خص المؤمنين بالحضور؛ لأن ذلك أفضح، والفاسق بين صلحاء قومه أخجل، ويشهد له قول ابن عباس: إلى أربعين رجلاً من المصدقين بالله.
تنبيه: الضرب يكون بسوط لا حديد يجرح ولا خلق لا يؤلم، ويفرق بين السياط على أعضائه ولا يجمعها في موضع واحد، واتفقوا على أنه يتقي المهالك كالوجه والبطن والفرج ويضرب على الرأس لقول أبي بكر ﵁: اضرب على الرأس فإن الشيطان فيه، ولا يشد يده وينزع الثياب التي تمنع ألم الضرب كالفرو، ولو فرق سياط الحدّ تفريقاً لا يحصل به التنكيل مثل أن يضرب كل يوم سوطاً أو سوطين، فإن فرق وضرب والألم موجود كفى، وإن وجب الحدّ على حامل لا يقام عليها حتى تضع وترضعه حتى ينفطم ويندب أن يحفر للمرأة إلى صدرها إن ثبت زناها بالبينة لا بإقرارها ولا يندب للرجل مطلقاً، وإن وجب الحدّ على المريض نظر إن كان يرجى زواله كصداع انتظر أو لا يرجى كالزمانة فلا يؤخر ولا يضرب بالسياط بل بعثكال عليه مائة شمراخ، فيقوم ذلك مقام جلده، وأما في حال الحر والبرد الشديدين فإن كان الحدّ رجماً لم يؤخر لأن النفس مستوفاة، وإن كان جلداً أخر إلى اعتدال الهواء، ويقبل رجوع الزاني عن إقراره، ولو في أثناء الحدّ، وإذا مات في الحدّ يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.
الحكم الثاني قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح﴾ أي: لا يتزوج ﴿إلا زانية أو مشركة﴾ أي: المعلوم اتصافه بالزنا مقصور نكاحه على زانية أو مشركة ﴿والزانية لا ينكحها﴾ أي: لا يتزوجها ﴿إلا زانٍ أو مشرك﴾ ، أي: والمعلوم اتصافها بالزنا مقصور نكاحها على زانٍ أو مشرك إذ الغالب أن المائل إلى الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح والمسافحة لا يرغب فيها الصلحاء، فإن المشاكلة علة الألفة والانضمام والمخالفة سبب النفرة والافتراق، وقال بعضهم: الجنسية علة الضم والمشاكلة سبب المواصلة، والمخالفة توجب المباعدة وتحرم المؤالفة، وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» ، وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه خطب أهل الكوفة بعد ثلاثة أيام من مقدمه عليهم، فقال: يا أهل الكوفة قد علمنا شراركم من خياركم، فقالوا: كيف وما لك إلا ثلاثة أيام؟ فقال: كان معنا شرار وخيار فانضم خيارنا إلى خياركم وشرارنا إلى شراركم، وعن الشعبي أنه قال: إنّ لله ملكاً موكلاً بجمع الأشكال بعضها إلى بعض، وقال القائل:
стр. 1251
*عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
... فكل قرين بالمقارن يقتدي
فإن قيل: لما قدمت الزانية على الزاني أولاً، ثم قدم عليها ثانياً؟ أجيب: بأن تلك الآية سيقت لعقوبتهما على ما جنيا والمرأة هي المادة التي منها نشأت الجناية؛ لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن فلما كانت أصلاً وأوّلاً في ذلك بدىء بذكرها، وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه الراغب فيه والخاطب، ومنه يبدو الطلب ﴿وحرم ذلك﴾ أي: نكاح الزاني والزانية تحريماً لا مشوبة فيه ﴿على المؤمنين﴾ واختلف العلماء في معنى الآية وحكمها، فقال قوم منهم مجاهد وعطاء وقتادة والزهري والشعبي، ورواية عن ابن عباس قدم المهاجرون لمدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا عشائر، وبالمدينة نساء بغاياهنّ يومئذٍ أخصب أهل المدينة، فرغب ناس من فقراء المسلمين في نكاحهنّ لينفقن عليهم فاستأذنوا رسول الله ﷺ في ذلك، فنزلت هذه الآية، وحرم ذلك على المؤمنين أن يتزوّجوا تلك البغايا لأنهن كنّ مشركات، وقال عكرمة: نزلت في نساء كن بمكة وبالمدينة لهن رايات يعرفن بهن منهن: أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكلة فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الصفة فاستأذن رجل منهم النبي ﷺ في نكاح أم مهزول فاشترطت أن تنفق عليه فنزلت هذه الآية، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد الغنوي وكان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت بمكة بغيّ يقال لها عناق، وكانت صديقة له في الجاهلية، فلما أتى مكة دعته عناق إلى نفسها، فقال مرثد: إن الله حرم الزنا، فقالت: فانكحني، فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ قال: فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أنكح عناقاً، فأمسك رسول الله ﷺ ولم يرد عليّ شيئاً، فنزل: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا
زانٍ أو مشرك﴾ ، فدعاني رسول الله ﷺ وقرأها عليّ وقال: لا تنكحها» أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داوود بألفاظ متقاربة المعنى.
فعلى قول هؤلاء كان التحريم خاصاً في حق أولئك دون سائر الناس، وقال قوم منهم سعيد بن جبير والضحاك، ورواية عن ابن عباس: المراد من النكاح هو الجماع، ومعنى الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة، والزانية لا تزني إلا بزانٍ أو مشرك، وقال يزيد بن هارون: إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك وإن جامعها وهو محرم فهو زان، وعن عائشة ﵂: إن الرجل إذا زنا بامرأة ليس له أن يتزوجها لهذه الآية، وإذا باشرها كان زانياً. وكان ابن مسعود يحرم نكاح الزانية ويقول: إذا تزوج الزاني الزانية فهما زانيان أبداً. وقال الحسن: الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة، والزانية المجلودة لا ينكحها إلا زان مجلود. وقال سعيد بن المسيب وجماعة منهم الشافعي رحمه الله تعالى: إن حكم الآية منسوخ، وكان نكاح الزانية حراماً بهذه الآية فنسخها الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ (النور، ٣٢) ، وهو جمع أيم وهي من لا زوج لها، فدخلت الزانية في أيامى المسلمين واحتج من جوّز نكاح الزانية بما روي عن جابر «أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن امرأتي لا تمنع يد لامس، قال: طلقها، قال فإني
стр. 1252
أحبها وهي جميلة، قال: استمتع بها، وفي رواية غيره أمسكها إذاً» وقد أجازه ابن عباس وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه، وعنه ﷺ أنه سئل عن ذلك فقال: «أوله سفاح وآخره نكاح» ، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ضرب رجلاً وامرأة زنيا، وحرض أن يجمع بينهما فأبى الغلام.
ولما نفر عن نكاح من اتصف بالزنا من رجل أو امرأة نهى عن الرمي به فقال تعالى:
﴿والذين يرمون﴾ أي: بالزنا ﴿المحصنات﴾ جمع محصنة وهي هنا المسلمة الحرة المكلفة العفيفة وهذا هو الحكم الثالث والذي يدل على أن المراد الرمي بالزنا أمور: أحدها: تقدم ذكر الزنا، ثانيها: أنه تعالى ذكر المحصنات وهن العفائف فدل ذلك على أن المراد بالرمي رميها بضد ذلك، ثالثها: انعقاد الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا فوجب أن يكون المراد هو الرمي بالزنا، رابعها: قوله تعالى: ﴿ثم لم يأتوا﴾ أي: إلى الحكام ﴿بأربعة شهداء﴾ أي: ذكور ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير شرط إلا في الزنا وشرط القاذف الذي يحد بسبب القذف التكليف والاختيار والتزام الأحكام والعلم بالتحريم وعدم إذن المقذوف، وأن يكون غير أصل، وألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية وتعريض فمن الصريح قوله لرجل أو امرأة زنيت أو زنيت، أو يا زاني أو يا زانية، ولو كسر التاء في خطاب الرجل وفتحها في خطاب المرأة أو زنيت في الجبل، ومن الكناية زنأت وزنأت في الجبل بالهمز، فإن نوى بذلك القذف كان قذفاً وإلا فلا، ومن التعريض يا ابن الحلال، وأما أنا فلست بزانٍ، فهذا ليس بقذف وإن نواه.
فإن قيل: إذا كان ذلك القذف يشمل الذكر والأنثى فلم كانت الآية الكريمة في الإناث فقط؟ أجيب: بأن الكلام في حقهن أشنع وتنبيهاً على عظيم حق أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها، وحدّ القاذف الحر ثمانون كما قال تعالى: ﴿فاجلدوهم﴾ أي: أيها المؤمنون من الأئمة ونوابهم ﴿ثمانين جلدة﴾ لكل واحد منهم لكل محصنة وحدّ القاذف الرقيق ولو مبعضاً أو مكاتباً أربعون جلدة على النصف من الحر لآية النساء فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب فهذه الآية مخصوصة بتلك إذ لا فرق بين الذكر والأنثى، ولا بين حدّ الزنا وحدّ القذف، ويدل على أن المراد بالآية الأحرار قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم﴾ أي: بعد قذفهم ﴿شهادة﴾ أي: شهادة كانت ﴿أبداً﴾ للحكم بافترائهم؛ لأن العبد لا تقبل شهادته، وإن لم يقذف. ولما كان التقدير أنهم قد افتروا عطف عليه تحذيراً من الإقدام عليه من غير تثبت ﴿وأولئك﴾ أي: الذين تقدم ذمهم بالقذف فنزلت رتبتهم جدّاً ﴿هم الفاسقون﴾ أي: المحكوم بفسقهم الثابت لهم هذا الوصف، وإن كان القاذف منهم محقاً في نفس الأمر وفي ذلك دليل على أن القذف من الكبائر؛ لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب كبيرة، واختلف العلماء في قبول شهادة القاذف بعد التوبة، وحكم هذا الاستثناء المذكور في قوله:
﴿إلا الذين تابوا﴾ أي: رجعوا عما وقعوا فيه من القذف وغيره، وندموا عليه وعزموا على أن لا يعودوا ﴿من بعد ذلك﴾ أي: الأمر الذي أوجب إبعادهم، فذهب قوم إلى أن القاذف ترد شهادته بنفس القذف، فإذا تاب وصلح حاله كما قال تعالى: ﴿وأصلحوا﴾ أي: بعد التوبة بمضي مدة يظن بها حسن الحال، وهي سنة يعتبر بها حال التائب بالفصول الأربعة التي تكشف
стр. 1253
الطبائع ﴿فإن الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال ﴿غفور﴾ أي: ستور لهم ما أقدموا عليه لرجوعهم عنه ﴿رحيم﴾ أي: يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم في قبول الشهادة، وقبلت شهادته سواء قبل الحدّ وبعده وزال عنه اسم الفسق، وقالوا: هذا الاستثناء يرجع إلى رد الشهادة، وإلى الفسق، ويروى ذلك عن ابن عمرو وابن عباس، وجمع من الصحابة وبه قال مالك والشافعي، وذهب قوم إلى أن شهادة المحدود في القذف لا تقبل أبداً وإن تاب، وقالوا: الاستثناء رجع إلى قوله: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ ، ويروى ذلك عن النخعي وشريح، وبه قال أصحاب الرأي قالوا: بنفس القذف لا تردّ شهادته ما لم يحد؛ قال الشافعي: هو قبل أن يحدّ شر منه حين يحدّ؛ لأن الحدود كفارات، فكيف يرد بها في أحسن حاليه، وذهب الشعبي إلى أن حد القذف يسقط بالتوبة.
فإن قيل: إذا قلتم بالأول فما معنى قوله تعالى: ﴿أبداً﴾ ؟ أجيب: بأن معنى أبداً ما دام مصراً على القذف؛ لأن أبد كل إنسان مدته على ما يليق بحاله كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبداً؛ يراد بذلك ما دام على كفره، فإذا أسلم قبلت شهادته.
تنبيهان: الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين أو أربع كالزنا؟ فيه قولان: أصحهما أنه يثبت برجلين بخلاف فعل الزنا؛ لأن الفعل يغمض الاطلاع عليه، وإذا شهد على فعل الزنا يجب أن يذكر الزاني ومن زنا بها؛ لأنه قد يراه على جارية لأبيه فيظنه زناً يوجب الحد، وأن يقول في شهادته: رأيت ذكره يدخل في فرجها، وإن لم يقل دخول الميل في المكحلة لكن قوله ذلك أولى، فلو شهدوا مطلقاً أنه زنا لم يقبلوا لأنهم ربما يرون المفاخذة زناً، ويشترط أيضاً أن يفسر في إقراره كالشهود ويصح رجوعه عن الإقرار، ولو في أثناء الحدّ كما مرَّ، ولا فرق في قبول الشهادة بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين كما قاله الشافعي، وقال أبو حنيفة: إذا شهدوا متفرقين لا يثبت وعليهم حدّ القذف، ولو شهد على الزنا أقل من أربعة أو أربعة وفيهم الزوج لم يثبت الزنا وعليهم الحدّ؛ لأن شهادة الزوج لا تقبل في حق زوجته؛ قال ابن الرفعة في الكفاية: لأمرين أحدهما: أن الزنا تعرض لمحل حق الزوج، فإنّ الزاني يستمتع بالمنافع المستحقة له فشهادته في حقها تتضمن إثبات جناية الغير على ما هو مستحق له، فلم تسمع كما إذا شهد أنه جنى على عبده، والثاني: أنّ من شهد بزنا زوجته فنفس شهادته دال على إظهار العداوة؛ لأن زناها يوغر صدره بتلطيخ فراشه وإدخال الغير عليه وعلى ولده، وهو أبلغ من مؤلم الضرب وفاحش السب، ولو قذف رجل وجاء بأربعة فساق شهدوا على المقذوف بالزنا لم يحدّوا؛ لأن شرائط الشهادة بالزنا قد وجدت عند القاضي إلا أنه لم تقبل شهادتهم لأجل التهمة فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحدّ عن المشهود عليه، فكذلك أوجبنا اعتبارها في نفي الحدّ عنهم، ولما كان لفظ المحصنات عاماً للزوجات، وكان لهن حكم غير ما تقدم وهو الحكم الرابع أفردهن بقوله:
﴿والذين يرمون﴾ أي: بالزنا ﴿أزواجهم﴾ أي: من المؤمنات والكافرات الحرائر والإماء ﴿ولم يكن لهم شهداء﴾ يشهدون على صحة ما قالوه ﴿إلا أنفسهم﴾ أي: غير أنفسهم وهذا ربما يفهم أنه إذا كان الزوج أحد الأربعة كفى وهذا المفهوم معطل لكونه حكاية حال واقعة لا شهود فيها، وقوله تعالى في الآية قبلها: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ فإنه يقتضي كون الشهداء غير الرامي بالزنا، ولعله استثناه
стр. 1254
من الشهداء؛ لأن لعانه يكون بلفظ الشهادة، ومذهب الشافعي أنه لا يقبل في ذلك كما قدّمناه ﴿فشهادة أحدهم﴾ أي: فالواجب شهادة أحدهم على من رماها أو فعليهم شهادة أحدهم ﴿أربع شهادات﴾ من خمس في مقابلة أربعة شهداء ﴿بالله﴾ أي: مقرونة بهذا الاسم الكريم الأعظم الموجب لاستحضار جميع صفات الجلال والجمال ﴿إنه لمن الصادقين﴾ أي: فيما قذفها به، وقرأ حفص وحمزة والكسائي برفع العين على أنه خبر شهادة والباقون بنصبها على المصدر ﴿والخامسة أن لعنت الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿عليه﴾ أي: القاذف نفسه ﴿إن كان من الكاذبين﴾ فيما رماها به، وقرأ نافع بتخفيف أن ساكنة ورفع لعنة، والباقون بتشديد النون منصوبة ونصب لعنة ورسمت لعنة بتاء مجرورة، ووقف عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، ووقف الباقون بالتاء، وإذا وقف الكسائي أمال الهاء هذا لعان الرجل وحكمه سقوط حدّ القذف عليه وحصول الفرقة بنفسه فرقة فسخ عندنا لقوله ﷺ «المتلاعنان لا يجتمعان أبداً» وبتفريق الحاكم فرقة طلاق عند أبي حنيفة ونفي الولد إن تعرض له فيه وثبوت حدّ الزنا على المرأة بقوله تعالى: ﴿ويدرأ﴾ أي: يدفع ﴿عنها﴾ أي: المقذوفة ﴿العذاب﴾ أي: المعهود وهو الحدّ الذي أوجبه عليها كما تقدّم ﴿أن تشهد أربع شهادات﴾ من خمس ﴿بالله﴾ الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا كما تقدم في الزوج ﴿إنه لمن الكاذبين﴾ فيما قاله عليها ﴿والخامسة﴾ من الشهادات ﴿أن غضب الله﴾ الذي له الأمر كله ﴿عليها إن كان
من الصادقين﴾ أي: فيما رماها به.
روى البخاري في تفسيره وغيره عن ابن عباس «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال له النبي ﷺ البينة أو حد في ظهرك فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي ﷺ يقول: البينة أو حد في ظهرك، فقال هلال بن أمية: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد، فنزل جبريل ﵇ وأنزل عليه: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ حتى بلغ ﴿إن كان من الصادقين﴾ ، فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أمية، فشهد والنبي ﷺ يقول: والله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب، ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة أوقفوها وقالوا: إنها موجبة؛ قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، وقال النبي ﷺ أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين، فهو لشريك بن سمحاء، فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» .
وقد روى البخاري أيضاً عن سهل ابن سعد أنّ سبب نزولها قصة مثل هذه لعويمر ﵁ وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدّة أسباب معاً أو متفرقة.
تنبيه: خصت المرأة بالغصب لأنه أبلغ من اللعن الذي هو الطرد لأنه قد يكون بسبب غير الغضب، وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يصدق الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو صادق، ولأنها مادة الفساد وخالطة الأنساب، ويشترط في اللعان أمر القاضي وتلقينه
стр. 1255
كلماته في الجانبين فيقول: قل أشهد بالله إلخ؛ لأنّ اللعان يمين واليمين لا يعتد بها قبل استحلاف القاضي، وإن غلب فيه معنى الشهادة، فهي لا تؤدى عنده إلا بإذنه وأن يتأخر لعانها عن لعانه لأن لعانها لإسقاط الحدّ الذي وجب عليها بلعان الزوج كما علم مما مرّ، ويلاعن أخرس بإشارة مفهمة أو كتابة ويكرر كلمة الشهادة أربعاً أو يكتبها مرّة ويشير إليها أربعاً، ويصح اللعان بالعجمية، وإن عرف العربية ويشترط الولاء بين الكلمات الخمس فيؤثر الفصل الطويل ولا يشترط الولاء بين لعاني الزوجين، ولو أبدل لفظ شهادة بحلف ونحوه أو لفظ غضب بلعن أو عكسه أو ذكره قبل تمام الشهادة لم يصح ذلك ويصح أن يتلاعنا قائمين وإن يغلظ اللعان بزمان وهو بعد عصر الجمعة فيؤخر إليه إن لم يكن طلب أكيد وإلا فبعد عصر أي يوم كان وبمكان عند أشرف بلد اللعان فبمكة بين الحجر الأسود والمقام، وهو المسمى بالحطيم، والمدينة على المنبر، وبيت المقدس عند الصخرة، وغيرها على منبر الجامع، وتلاعن حائض بباب المسجد وذمي في بيعة للنصارى، وكنيسة لليهود وبيت نار لمجوس؛ لأنهم يعظمونها لا بيت أصنام وثني؛ لأنه لا حرمة له.
وقرأ حفص: والخامسة الأخيرة بالنصب، والباقون بالرفع. وقرأ نافع بتخفيف النون ساكنة وكسر الضاد ورفع الهاء من الاسم الجليل والباقون بتشديد النون منصوبة ونصب الضاد وخفض الهاء. ولما حرّم بهذه الجمل الأعراض والأنساب فصان بذلك الدين والأموال، علم أن التقدير فلولا أنه سبحانه خير الغافرين وخير الراحمين لما فعل بكم ذلك ولا فضح المذنبين وأظهر سرائر المستخفين، ففسد النظام فعطف على هذا الذي علم تقديره قوله تعالى:
﴿ولولا فضل الله﴾ أي: بما له من الكرم والاتصاف بصفات الكمال ﴿عليكم ورحمته﴾ أي: بكم بالستر في ذلك ﴿وإن الله﴾ أي: الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿تواب﴾ بقبوله التوبة في ذلك وغير ذلك ﴿حكيم﴾ يحكم الأمور فيمنعها من الفساد بما يعلم من عواقب الأمور لفضح كل عاصٍ، ولم يوجب أربعة شهداء ستراً لكم، الحكم الخامس: قصة الإفك المذكورة في قوله تعالى:
﴿إن الذين جاؤوا بالإفك﴾ أي: أسوأ الكذب سمي إفكاً لكونه مصروفاً عن الحق من قولهم: أفك الشيء إذا صرفه عن جهته، وذلك أن عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبويها كانت تستحق الثناء لما كانت عليه من الحصانة والشرف والعفة والكرم، فمن رماها بسوء فقد قلب الأمر عن أحسن وجوهه إلى أقبح أفضائه.
فإن قيل: لم ترك تسميتها؟ أجيب: بأنه تركه تنزيهاً لها عن هذا القال وإبعاداً لصون جانبها العلي عن هذا المراد، وقوله تعالى: ﴿عصبة﴾ خبر إنّ أي: جماعة أقلهم عشرة وأكثرهم أربعون وكذا العصابة وقوله تعالى: ﴿منكم﴾ خطاب للنبي ﷺ وأبي بكر وعائشة وصفوان ومن يعد عندكم في عداد المسلمين يريد عبد الله بن أبيّ وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم، وقوله تعالى: ﴿لا تحسبوه شرّاً لكم﴾ مستأنف أي: لا تنشأ عنه فتنة ولا يصدقه أحد ﴿بل هو خير لكم﴾ لاكتسابكم به الثواب العظيم؛ لأنه كان بلاءً مبيناً ومحنة ظاهرة، وظهور كرامتكم على الله تعالى بإنزال ثمان عشرة آية في براءتكم وتعظيم شأنكم وتهويل الوعيد لمن تكلم فيكم، والثناء على من ظن بكم خيراً كل واحدة منها مستقلة بما هو تعظيم لشأن
стр. 1256
رسول الله ﷺ وتسلية له، وتبرئة لأم المؤمنين رضوان الله تعالى عليها وتطهير لأهل البيت وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به، فلم تمجه أذناه، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة، وفوائد دينية وأحكام وآداب لا تخفى على متأمّلها، ولما كان لا شفاء لغيظ الإنسان أعظم من انتصار الملك الديان له علل ذلك بقوله تعالى: ﴿لكل امرىء منهم﴾ أي: الآفكين ﴿ما اكتسب﴾ أي: بخوضه فيه ﴿من الإثم﴾ الموجب لشقائه ﴿والذي تولى كبره﴾ أي: معظمه ﴿منهم﴾ أي: من الخائضين وهو ابن أبيّ فإنه بدأ به وأذاعه عداوة لرسول الله ﷺ أو هو وحسان ومسطح فإنهما تابعاه بالتصريح به والذي بمعنى الذين على هذا ﴿له عذاب عظيم﴾ في الآخرة أو في الدنيا بأن جلدوا وصار ابن أبيّ مطروداً مشهوراً بالنفاق وحسان أعمى أشل اليدين ومسطح مكفوف البصر.
تنبيه: قصة الإفك معروفة في الصحيح والسنن وغيرهما شهيرة جداً ولكن نذكر منها طرفاً تبركاً بذكر النبي ﷺ وبذكر السيدة عائشة وأبويها رضي الله تعالى عنهم، فنقول: «عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه؛ قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله ﷺ بعدما أنزل الحجاب فكنت أحمل في هودج وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين فأذن ليلة بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري وإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه قالت: وأقبل الرهط الذين يرحلون بي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يهبلن ولم يغشهم اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما سار الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيب، فيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن معطل السهمي ثم الذكواني رضي الله تعالى عنه قد عرس من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حتى عرفني فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطىء على يدها فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول فهلك من هلك،
وكان الذي تولى كبر الإفك منهم عبد الله بن أبيّ بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهراً والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم، ثم ينصرف فذلك الذي يريبني فيه ولا أشعر بالشر حتى نقهت فخرجت أنا وأمّ مسطح
стр. 1257
قبل المناصع، وكان متبرزناً وكنا لا نخرج إلا ليلاً وذلك
قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأولى في البرية، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فأقبلت أنا وأم مسطح حين فرغنا من شأننا نمشي فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلاً شهداً بدراً، فقالت: يا هنتاه أولم تسمعي ما قال؟ قالت: وما قال فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضاً على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ ثم قال: كيف تيكم، فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبويّ، قالت: وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما؛ قالت: فأذن لي رسول الله ﷺ فأتيت أبويّ فقلت لأمي: يا أماه ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوني عليك فوالله ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا أكثرن عليها؛ قالت: فقلت سبحان الله، ولقد تحدث الناس بهذا، قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي؛ قالت: فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار على النبي ﷺ بما يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الودِّ، فقال أسامة: هم أهلك يا رسول الله ولا نعلم والله إلا خيراً، وأما عليّ فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً قط أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله قالت: فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبيّ بن سلول، فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت على أهلي إلا
خيراً وقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، ولم يدخل على أهلي إلا معي؛ قالت: فقام سعد أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج؛ قالت: وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن حملته الحمية فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ولو كان من رهطك ما أحببت أن تقتله، فقام أسيد بن حضير
ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه كأنك منافق تجادل عن المنافقين قالت: فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت؛ قالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم قالت: وأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع حتى أني لأظن أن البكاء فالق كبدي فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت: فبينما نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول الله ﷺ فسلم ثم جلس؛ قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء؛ قالت: فتشهد رسول الله ﷺ حين
стр. 1258
جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه؛ قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى لا أحس منه بقطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله فيما قال، فقال: إني والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ قلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ فيما قال، فقالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيراً: والله لقد علمت ما سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقوني فوالله لا أجد لي ولا لكم مثلاً إلا ما قال العبد الصالح أبو يوسف ولم أذكر اسمه حين قال: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، ثم تحولت واضطجعت على فراشي والله يعلم حينئذٍ أني بريئة، والله مبرئي ببراءتي؛ ولكن والله ما كنت أظن أن
الله ينزل في شأني وحياً يتلى لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله تعالى في بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل الله تعالى على نبيه فأخذه ما كان يأخذه عند الوحي من البرحاء حتى أنه لا ينحدر منه العرق مثل الجمان في اليوم الشاتي من ثقل الذي أنزل عليه فسجي بثوب، فوالله ما سرّي عن رسول الله ﷺ حتى ظننت أن نفس أبوي ستخرجان فرقاً من أن يأتي الله بتحقيق ما قال الناس، فلما سرى عنه وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: أبشري يا عائشة قد برأك الله فكنت أشد ما كنت غضباً، فقال لي أبواي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي؛ لقد سمعتموه فما أنكرتموه، ولا غيرتموه، وأنزل الله تعالى: ﴿إن الذين جاؤوا﴾ العشر آيات كلها، فقال أبو بكر: والله لا أنفق على مسطح بعد الذي قال لعائشة ما قال فأنزل الله: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم﴾ إلى قوله: ﴿غفور رحيم﴾ ، فقال أبو بكر الصديق ﵁: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع النفقة إلى مسطح التي كان ينفقها عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً؛ قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت حجش عن أمري فقال لزينب: ما علمت أو رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيراً؛ قالت عائشة: وهي التي تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع؛ قالت عائشة: «والله إنّ الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول سبحان الله، فوالذي نفسي بيده ما كشفت كنف أنثى قط، قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله تعالى» ؛ قالت: ولما نزل عذري قام رسول الله ﷺ فذكر ذلك وتلا القرآن وضرب عبد الله بن أبيّ مسطحاً
وحسان وحمنة
الحدّ. قال عروة: وكانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذي قال:
*
فإنّ أبي ووالده وعرضي
... لعرض محمد منكم وقاء
وقال الحافظ بن عمر بن عبد البر في الاستيعاب وأنكر قوم أن يكون حسان خاض في الإفك
стр. 1259
وجلد فيه، وروي عن عائشة أنها برأته من ذلك، انتهى. وقال غيره: والله لا أظن به ذلك أصلاً وإن جاءت تسميته في الصحيح فقد يخطىء الثقة لأسباب لا تحصى كما يعرف ذلك من مارس نقل الأخبار وكيف يظن به ذلك ولا شغل له إلا مدح النبي ﷺ والمدافعة عنه والذم لأعدائه، وقد شهد النبي ﷺ أن جبريل معه وهو القائل يمدح عائشة ويكذب من نقل عنه ذلك:
*حصان رزان ما تزن بريبة
... وتصبح غرثي من لحوم الغوافل
*حليلة خير الناس ديناً ومنصباً
... نبي الهدى والمكرمات الفواضل
*عقيلة حي من لؤي بن غالب
... كرام المساعي مجدها غير زائل
*مهذبة قد طيب الله خيمها
... وطهرها من كل شين وباطل
*وإن كانت ما بلغت عني قلته
... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي
*فكيف وودي ما حييت ونصرتي
... لآل رسول الله زين المحافل
*له رتبة عال على الناس فضلها
... تقاصر عنها سورة المتطاول
وفي هذا القدر كفاية لأولي الألباب، فإن هذه القصة عبرة لمن اعتبر فإن أهل الإفك استمروا في هذا أكثر من شهر والله تعالى عالم بما يقولون، وإن قولهم يكاد يقطع الأكباد في أحب خلقه إليه وهو قادر على تكذيبهم عند أول ما خاضوا فيه ولكنه سبحانه أراد لناس رفع الدرجات ولآخرين الهلكات ولا بأس ببيان غريب هذه الألفاظ التي وقعت في هذه القصة من كلام عائشة وغيرها قولها: إذن أي: أعلم بالرحيل، وقولها فقدت عقداً لي من جزع أظفار: هو نوع من الخرز وهو الحجر اليماني المعروف، وقولها: لم يهبلن أي: لم يكثر لحمهنّ من السمن فيثقلن، وقولها إنما يأكلن العلقة من الطعام وهو بضم العين أي: البلغة من الطعام وهي قدر ما يمسك الرمق وقولها: ليس بها منهم داعٍ ولا مجيب أي: ليس بها أحد لا من يدعو ولا من يرد جواباً، وقولها: فيممت أي: قصدت، وقولها: قد عرس من وراء الجيش، فأدلج التعريس نزول المسافر بالليل للراحة والإدلاج بالتشديد سيراً آخر الليل وبالتخفيف سير الليل كله، وقولها: باسترجاعه هو قول القائل: إنا لله وإنا إليه راجعون. قولها: خمرت أي: غطيت وجهي بجلبابي أي: إزاري، وقولها: موغرين في نحو الظهيرة الوغر: شدّة الحر وكذلك نحر الظهيرة أي: أولها، وقولها: والناس يفيضون أي: يخوضون ويتحدثون، وقولها: وهو يريبني يقال: رابني الشيء يريبني أي: تشككت فيه، وقولها: ولا أرى من النبي اللطف أي: الرفق بها، واللطف في الأفعال الرفق، وفي الأقوال لين الكلام، وقولها: حين نقهت أي: أفقت من المرض والمناصع المواضع الخالية تقضى فيها الحاجة من غائط وبول، وأصله المكان الواسع الخالي والمرط كساء من صوف أو خز، قولها فقالت: تعس مسطح أي: خسر، وقولها: يا هنتاه أي: يا بلهاء كأنها نسبتها إلى البله وقلة المعرفة، وقولها: لا يرقأ أي: لا ينقطع، وقول بريرة: إن رأيت بمعنى النفي أي: ما رأيت منها أمراً أغمصه عليها بالصاد المهملة أي: أعيبه، والداجن الشاة التي
تألف البيت وتقيم به، وقوله ﷺ من يعذرني أي: إن أنا أكافئه
стр. 1260
على سوء صنيعه إن عاتبت أو عاقبت، فلا تلوموني على ذلك، وقولها: ولكن حملته الحمية أي: حمله الغضب والأنفة والتعصب على الجهل للقرابة، وقولها: فتثاور الحيان أي: ثاروا ونهضوا للقتال والمخاصمة، وقولها: فلم يزل يخفضهم أي: يهوّن عليهم ويسكت، وقوله ﷺ إن كنت ألممت قيل: هو من اللمم وهو صغار الذنوب، قيل: معناه مقارفة الذنب من غير فعل، وقولها: قلص دمعي أي: انقطع جريانه، قوله: ما رام أي: ما برح من مكانه والبرحاء الشدّة، والجمانة الدرة وجمعه جمان، وقولها: فسرّي عنه أي: كشف عنه، وقول زينب: أحمي سمعي وبصري أي: أمنعهما عن أن أخبر بما لم أسمع ولم أبصر وقولها: وهي التي كانت تساميني من السموّ وهو العلوّ والغلبة، فعصمها الله تعالى أي: منعها الله من الوقوع في الشر بالورع، وقول الرجل: ما كشفت كنف أنثى أي: ستر أنثى، وقول حسان في عائشة: حصان بفتح الحاء امرأة حصان أي: متعففة رزان أي: ثابتة ما تزن أي: ترمي ولا تتهم بريبة أي: أمر يريب الناس وتصبح غرثى أي: خائفة الموت، والغرث: الجوع من لحوم الغوافل جمع غافلة والمعنى أنها لا تغتاب أحداً ممن هو غافل، وقرأ لا تحسبوه وتحسبونه ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين والباقون بكسرها، ولما أخبر بعقاب أهل الإفك، وكان في المؤمنين من سمعه وسكت، وفيهم من سمعه فتحدّث به متعجباً من قائله أو متثبتاً في أمره وفيهم من أكذبه أتبعه بعتابهم في أسلوب خطابهم مثنياً على من كذبه، فقال مستأنفاً محرضاً:
﴿لولا﴾ أي: هلا ولم لا ﴿إذ﴾ أي: حين ﴿سمعتموه﴾ أيها المدعون للإيمان ﴿ظن المؤمنون﴾ أي: منكم ﴿والمؤمنات﴾ وكان الأصل ظننتم أي: أيها العصبة ولكنه التفت إلى الغيبة تنبيهاً على التوبيخ، وصرح بالنساء ونبه على الوصف المقتضي لحسن الظن تخويفاً للذي ظن السوء من سوء الخاتمة ﴿بأنفسهم﴾ حقيقة ﴿خيراً﴾ وهم دون من كذب عليها فقطعوا ببراءتها لأن الإنسان لا يظن في الناس إلا ما هو متصف به أو بإخوانهم لأن المؤمنين كالجسد الواحد وذلك نحو ما يروى أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: ألا ترين ما يقال؟ فقالت: لو كنت بدل صفوان كنت تظن بحرمة رسول الله ﷺ سوءاً قال: لا، قالت: ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله ﷺ فعائشة خير مني وصفوان خير منك ﴿وقالوا هذا إفك مبين﴾ أي: كذب بيّن.
فإن قيل: هلا قيل لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم ولم عدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر؟ أجيب: بأن ذلك مبالغة في التوبيخ على طريقة الالتفات وليصرح بلفظ الإيمان دالاً على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن، وفيه تنبيه على أن حق المؤمن إذا سمع قالة في أخيه أن يبني الأمر فيها على الظن لا على الشك، وأن يقول بملء فيه بناءً على ظنه بالمؤمن الخير هذا إفك مبين هكذا اللفظ المصرح ببراءة ساحته لا يقول كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال، وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ له وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما يسمعه بإخوانه، ثم علل كذب الآفكين أن قال موبخاً لمن اختلقه وأذاعه ملفتاً لمريديه إلى ظن الخير:
﴿لولا﴾ أي: هلا ولم لا ﴿جاؤوا عليه
стр. 1261
بأربعة شهداء﴾ كما تقدم أن القذف لا يباح إلا بها ﴿فإذ﴾ أي: حين ﴿لم يأتوا بالشهداء﴾ أي: الموصوفين ﴿فأولئك﴾ أي: البعداء من الصواب ﴿عند الله هم الكاذبون﴾ قد جعل الله التفضل بين الرمي الصادق والرمي الكاذب بثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفائها، والذين رموا عائشة لم تكن لهم بينة على قولهم، فقامت عليهم الحجة، وكانوا عند الله أي: في حكمه وشريعته كاذبين، وهذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه وإنكاره واحتجاج عليهم بما هو ظاهر مكشوف في الشرع من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة في التنكيل به إذا قذف امرأة محصنة من عرض نساء المسلمين فكيف بأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق حرمة رسول الله ﷺ حبيبة حبيب رب العالمين. ولما بيّن الله الدليل على كذب الخائضين في هذا الكلام وأنهم استحقوا الملام قال عاطفاً على لولا الماضية التي للتحضيض:
﴿ولولا﴾ التي هي لامتناع الشيء لوجود غيره ﴿فضل الله﴾ أي: المحيط بصفات الكمال ﴿عليكم ورحمته﴾ أي: معاملته لكم بمزيد الإنعام والإكرام اللازم للرحمة ﴿في الدنيا﴾ بقبول التوبة والمعاملة بالحلم ﴿والآخرة﴾ بالعفو عمن يريد أن يعفو عنه منكم ﴿لمسكم﴾ أي: عاجلكم ﴿في ما أفضتم﴾ أي: أيها العصبة أي: خضتم ﴿فيه﴾ من حديث الإفك ﴿عذاب عظيم﴾ أي: يحتقر معه اللوم والجلد.
فائدة: في مقطوعة في الرسم من ما كما ترى، ثم بين تعالى وقت حلول العذاب وزمان تعجيله بقوله تعالى:
﴿إذ﴾ أي: مسكم حين ﴿تلقونه﴾ أي: تجتهدون في تلقي أي: قبول هذا الكلام الفاحش وإلقائه ﴿بألسنتكم﴾ أي: يرويه بعضكم عن بعض وذلك أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: بلغني كذا وكذا يتلقونه تلقياً يلقيه بعضهم إلى بعض، وحذفت من الفعل إحدى التاءين ﴿وتقولون بأفواهكم﴾ أي: كلاماً مختصاً بالأفواه فهو كلام لا حقيقة له فلا يمكن ارتسامه في القلب بنوع دليل وأكد هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿ما ليس لكم به علم﴾ أي: بوجه من الوجوه وتنكيره للتحقير.
فإن قيل: القول لا يكون إلا بالفم، فما معنى قوله تعالى: ﴿بأفواهكم﴾ ؟ أجيب: بأن معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم عنه اللسان وهذا الإفك ليس إلا قولاً يجري على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم به في القلب كقوله تعالى: ﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم﴾ (آل عمران، ١٦٧)
﴿وتحسبونه﴾ بدليل سكوتكم عن إنكاره ﴿هيناً﴾ أي: لا إثم فيه ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه ﴿عند الله﴾ أي: الذي لا يبلغ أحد مقدار عظمته ﴿عظيم﴾ في الوزر واستجرار العذاب فهذه ثلاثة آثام مرتبة علق بها مس العذاب العظيم تلقي الإفك بألسنتهم والتحدث به من غير تحقق واستصغارهم لذلك، وهو عند الله تعالى عظيم:
﴿ولولا﴾ أي: وهلا ولم لا ﴿إذ﴾ أي: حين ﴿سمعتموه قلتم﴾ من غير توقف ولا تلعثم ﴿ما يكون﴾ أي: ما ينبغي وما يصح ﴿لنا أن نتكلم بهذا﴾ أي: القول المخصوص ويجوز أن تكون الإشارة إلى نوعه فإن قذف آحاد الناس محرم، فكيف بمن اختارها العليم الحكيم لصحبة أكمل الخلق.
فإن قيل: كيف جاز الفصل بين لولا وقلتم؟ أجيب: بأن الظروف تنزل من الشيء منزلة نفسه لوقوعه فيها وأنها لا انفكاك لها عنه فلذلك يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها.
فإن قيل: أيّ فائدة في تقديم الظرف حتى أوقع فاصلاً؟
стр. 1262
أجيب: بأن الفائدة فيه بيان أنه كان الواجب عليهم أن يذبوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم.
فإن قيل: ما معنى يكون والكلام بدونه ملتئم لو قيل ما لنا أن نتكلم بهذا؟ أجيب: بأن معناه ينبغي ويصح أي: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا وما يصح لنا كما تقدم تقريره، ونحوه ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، وقوله تعالى: ﴿سبحانك﴾ تعجب من أن يخطر ذلك بالبال في حال من الأحوال.
فإن قيل: ما معنى التعجب في كلمة التسبيح؟ أجيب: بأن الأصل في ذلك أن يسبح الله تعالى عند رؤية التعجب من صنائعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب، وقيل: تنزيه، فهو منزه عن أن يرضى بظلم هؤلاء القذفة، وعن أن لا يعاقبهم وعن أن تكون حرمة نبيه ﷺ فاجرة، قال البيضاوي: فإن فجورها ينفر عنه ويخل بمقصود الزواج بخلاف كفرها فإنه لا ينفر أي: ولهذا كانت امرأة نوح ولوط كافرتين، وهذا يقتضي حل نكاح الكتابية مع أنها لا تحل له ﷺ لأنها تكره صحبته؛ ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة بنكاح ولقوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ (الأحزاب، ٦)
ولا يجوز أن تكون الكافرة أم المؤمنين، ولخبر «سألت ربي أن لا أزوج إلا من كانت معي في الجنة فأعطاني» رواه الحاكم وصحح إسناده.
أما التسري بالكافرة فلا يحرم؛ لأنه ﷺ تسرى بريحانة وكانت يهودية من بني قريظة ولا يشكل تعليلهم السابق من أنه أشرف أن يضع ماءه في رحم كافرة؛ لأن القصد بالنكاح أصالة التوالد فاحتيط له، وبأنه يلزم منه أن تكون الزوجة المشركة أم المؤمنين بخلاف الملك فيهما ﴿هذا بهتان﴾ أي: كذب يبهت من يواجه به ويحيره لشدّة ما يفعل في القوى الباطنة؛ لأنه في غاية الغفلة عنه لكونه أبعد الناس منه، ثم هونه بقوله ﴿عظيم﴾ لعظمة المبهوت عليه، فإن حقارة الذنوب وعظمها باعتبار متعلقاتها، ولما كان هذا كله وعظاً لهم واستصلاحاً ترجمه بقوله:
﴿يعظكم الله﴾ أي: يرقق قلوبكم الذي له الكمال كله، فيمهل بحلمه ولا يهمل بحكمته ﴿أن﴾ أي: كراهة أن ﴿تعودوا لمثله أبداً﴾ أي: ما دمتم أحياء مكلفين، ثم عظم هذا الوعظ بقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي: متصفين بالإيمان راسخين فيه، فإنكم لا تعودون، فإن الإيمان يمنع عنه، وهذا تهييج وتقريع لا أنه يخرج عن الإيمان كما تقول المعتزلة.
فإن قيل: هل يجوز أن يسمى الله واعظاً كقوله تعالى: ﴿يعظكم الله﴾ ؟ أجيب: بأنه لا يجوز كما قاله الرازي، قال: كما لا يجوز أن يسمى الله معلماً كقوله تعالى: ﴿الرحمن علم القرآن﴾ (الرحمن، ١)
؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية.
﴿ويبين الله﴾ أي: بما له من صفات الكمال والإكرام ﴿لكم الآيات﴾ أي: الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب كي تتعظوا وتتأدبوا ﴿والله﴾ أي: المحيط بجميع الكمال ﴿عليم﴾ أي: بما يأمر به وينهى عنه ﴿حكيم﴾ لا يضع شيئاً إلا في أحكم مواضعه وإن دق عليكم فهم ذلك فلا تتوقفوا في أمر من أوامره، ولماكان من أعظم الوعظ بيان ما يستحق على الذنب من العقاب بينه بقوله تعالى:
﴿إن الذين يحبون﴾ أي: يريدون وعبر بالحب إشارة إلى أنه لا يرتكب هذا مع شناعته إلا محب له، ولا يحبه إلا بعيد عن الاستقامة ﴿أن تشيع﴾ أي: تنتشر بالقول أو الفعل ﴿الفاحشة﴾ الفعلة الكبيرة القبح ﴿في الذين آمنوا﴾ أي: بنسبتها إليهم وهم العصبة، وقيل: المنافقون ﴿لهم عذاب أليم في الدنيا﴾
стр. 1263
أي: بالحدّ للقذف ﴿والآخرة﴾ أي: بالنار لحق الله تعالى إن لم يتب ﴿والله﴾ أي: المستجمع لصفات الجلال والجمال ﴿يعلم﴾ أي: له العلم التام فهو يعلم مقادير الأشياء ما ظهر منها وما بطن وما الحكمة في إظهاره أو ستره أو غير ذلك من جميع الأمور ﴿وأنتم لا تعلمون﴾ أي: ليس لكم علم من أنفسكم فاعملوا بما علمكم فلا تتجاوزوه ولا تضلوا، وقيل: معناه يعلم ما في قلب من يحب أن تشيع الفاحشة فيجازيه عليها وأنتم لا تعلمون ذلك، وقيل: والله يعلم انتفاء الفاحشة عنهم وأنتم أيها العصبة لا تعلمون وجودها فيهم، وقوله تعالى:
﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ أي: بكم تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للدلالة على عظم الجريمة، ولذا عطف عليه ﴿وأن الله﴾ أي: الذي له القدرة التامة، فسبقت رحمته غضبه ﴿رؤوف رحيم﴾ على حصول فضله ورحمته، وجواب لولا محذوف كأنه قال: لعذبكم واستأصلكم لكنه رؤوف رحيم؛ قال ابن عباس: الخطاب لحسان ومسطح وحمنة قال الرازي: ويجوز أن يكون الخطاب عاماً، وقيل: الجواب في قوله تعالى: ﴿ما زكى منكم من أحد﴾ ، وقرأ: رؤوف؛ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص بمدّ الهمزة والباقون بقصرها.
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات﴾ أي: طرق ﴿الشيطان﴾ بتزيينه أي: لا تسلكوا مسالكه في إشاعة الفاحشة ولا في غيرها ﴿ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه﴾ أي: المتبع ﴿يأمر بالفحشاء﴾ أي: بالقبائح من الأفعال ﴿والمنكر﴾ أي: ما أنكره الشرع وهو كل ما يكرهه الله تعالى، وقرأ قنبل وابن عامر وحفص والكسائي بضم الطاء والباقون بالسكون ﴿ولولا فضل الله﴾ أي: الذي لا إله غيره ﴿عليكم ورحمته﴾ أي: بكم بتوفيق التوبة الماحية للذنوب وتشريع الحدود المكفرة لها ﴿ما زكى﴾ أي: ما طهر من ذنبها ﴿منكم من أحد أبداً﴾ آخر الدهر، والآية عند بعض المفسرين على العموم قالوا: أخبر الله أنه لولا فضل الله ورحمته ما صلح منكم من أحد، وقال ابن عباس: الخطاب للذين خاضوا في الإفك ومعناه ما طهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل بالتوبة منه ﴿ولكن الله﴾ أي: العليم بأحوال خلقه ﴿يزكي﴾ أي: يطهر ﴿من يشاء﴾ من الذنوب بقبول التوبة منها ﴿والله سميع﴾ أي: لأقوالهم ﴿عليم﴾ أي: بما في قلوبهم.
﴿ولا يأتل﴾ أي: يحلف افتعال من الآلية وهو القسم ﴿أولو الفضل﴾ أي: أصحاب الغنى ﴿منكم والسعة أن﴾ أي: أن لا ﴿يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا﴾ عنهم في ذلك ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ أي: على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم، قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أبي بكر ﵁ حيث حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن خالة أبي بكر رضي الله تعالى عنه وكان يتيماً في حجره، وكان ينفق عليه فلما فرط منه ما فرط قال لهم أبو بكر: قوموا لستم مني ولست منكم وكفى بذلك داعياً في المنع، فإن الإنسان إذا أحسن إلى قريبه وكافأه بالإساءة كان أشد عليه مما إذا صدرت الإساءة من أجنبي؛ قال الشاعر:
*وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
... على المرء من وضع الحسام المهند
فقال له مسطح: نشدتك الله والإسلام والقرابة لا تحوجنا إلى أحد فما كان لنا أول الأمر من
стр. 1264
ذنب فقال: ألم تتكلم؟ فقال: قد كان بعض ذلك عجباً من قول حسان فلم يقبل عذره، وقال: انطلقوا أيها القوم فإن الله لم يجعل لكم عذراً ولا فرجاً، فخرجوا لا يدرون أين يذهبون وأين يتوجهون من الأرض، وناس من الصحابة أقسموا أن لا يتصدّقوا على من تكلم بشيء من الإفك، فبعث رسول الله ﷺ إلى أبي بكر وقرأ عليه الآية، فلما وصل إلى قوله: ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ ﴿والله غفور رحيم﴾ أي: مع كمال قدرته فتخلقوا بأخلاقه قال: بلى يا رب إني أحب أن تغفر لي، فذهب أبو بكر إلى بيته وأرسل إلى مسطح وأصحابه، وقال: قبلت ما أنزل الله تعالى على الرأس والعين وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط الله عليكم أما إذ عفا عنكم فمرحبا بكم، وجعل له مثلي ما كان له، وقال: والله لا أنزعها أبداً، وذلك من أعظم أنواع المجاهدات، ولا شك أن هذا أعظم من مقاتلة الكفار؛ لأن هذا مجاهدة مع النفس وذلك مجاهدة مع الكفار ومجاهدة النفس أشدّ من مجاهدة الكفار، ولهذا روي أنه ﷺ قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» .
﴿إن الذين يرمون المحصنات﴾ أي: العفائف ﴿الغافلات﴾ أي: عن الفواحش وهنَّ السليمات الصدور النقيات القلوب بأن لا يقع في قلوبهن فعلها اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر لأنهن لم يجربن الأمور ولم يرزن الأحوال فلا يفطن لما تفطن له المجربات العرافات؛ قال في ذلك القائل متغزلاً:
*ولقد لهوت بطفلة ميالة
... بلهاءتطلعني على أسرارها
وكذلك البله من الرجال في قوله ﷺ «أكثر أهل الجنة البله» ، وقيل: البله هم الراضون بنعيم الجنة والفطناء لم يرضوا إلا بالنظر إلى وجهه الكريم ﴿المؤمنات﴾ بالله ورسوله ﴿لعنوا في الدنيا والآخرة﴾ أي: عذبوا في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بالنار ﴿ولهم عذاب عظيم﴾ لعظم ذنوبهم؛ قال مقاتل: هذا خاص في عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، وروي أنه قيل لسعيد بن جبير: من قذف مؤمنة يلعنه الله في الدنيا والآخرة، فقال: ذلك لعائشة ﵂ خاصة. قال الزمخشري: ولو قلبت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم ترَ أنَّ الله قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها ولا أنزل من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد والعتاب البليغ والزجر العنيف، واستعظام ما ركب من ذلك واستفظاع ما أقدم عليه ما أنزل فيه على طرق مختلفة أو أساليب مفتنة كل واحد منها كاف في بابه ولو لم تنزل إلا هذه الثلاث آيات لكفى بها حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعاً وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم كما قال تعالى:
﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ أي: من قول وفعل، وهو يوم القيامة بما أفكوا وبهتوا فإنه تعالى يوفيهم جزاءهم الحق كما قال تعالى:
﴿يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق﴾ أي: جزاءهم الواجب الذين هم أهله ﴿ويعلمون﴾ عند ذلك ﴿أن الله هو الحق المبين﴾ حيث حقق لهم جزاء الذي كانوا يشكون فيه فأوجز في ذلك وأشبع وفصل وأجمل وأكد وكرر، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين وعبدة الأوثان إلا ما هو دونه في الفظاعة وما ذاك إلا لأمر عظيم، وعن ابن عباس
стр. 1265
أنه كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يسأل عن تفسير القرآن حتى سئل عن هذه الآيات فقال: من أذنب ذنباً ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة، وهذا منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك ولقد برّأ الله تعالى أربعة بأربعة برّأ يوسف ﵇ بلسان الشاهد فقال تعالى: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ (يوسف، ٢٦)
الآية، وبرّأ موسى ﵊ من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرّأ مريم بإنطاق ولدها ﵊ حين نادى من تحتها ﴿إني عبد الله﴾ (مريم، ٣٠)
الآية، وبرّأ عائشة رضي الله تعالى عنها بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات فانظر كيف بينها وبين تبرئة أولئك وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله ﷺ والتنبيه على أنافة محل سيد ولد آدم وخيرة الأولين والآخرين وحجة الله على العالمين، ومن أراد أن يتحقق عظمة شأنه وتقدم قدمه وإحرازه لقصب السبق دون كل سابق فليتلق ذلك من آيات الإفك وليتأمل كيف غضب الله تعالى له في حرمته، وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه، وقال قوم: ليس لمن قذف عائشة وبقية أزواج النبي ﷺ توبة؛ لأن الله تعالى لم يذكر في قذفهن توبة، وما ذكر من أول السورة فذاك في قذف غيرهن.
فإن قيل: إن كانت عائشة هي المرادة، فكيف قيل المحصنات؟ أجيب: بأنها لما كانت أم المؤمنين جمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة الموصوفات بالإحصان والغفلة والإيمان ولذا قيل: إن هذا حكم كل قاذف ما لم يتب.
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: ﴿هو الحق المبين﴾ ؟ أجيب: بأن معناه ذو الحق المبين أي: العادل الظاهر العدل الذي لا ظلم في حكمه والمحق الذي لا يوصف بباطل ومن هذه صفته كان له أن يجازي المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته فحق مثله أن يتقى ويجتنب محارمه، وقرأ: يشهد؛ حمزة والكسائي بالياء التحتية والباقون بالفوقية، ويوم ناصبه الاستقرار الذي تعلق به لهم، وقرأ أبو عمرو: يوفيهم الله، بكسر الهاء والميم، وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم، والباقون بكسر الهاء وضم الميم هذا كله في الوصل، وأما الوقف فالجميع بكسر الهاء وسكون الميم.
﴿الخبيثات﴾ أي: من النساء والكلمات ﴿للخبيثين﴾ من الناس ﴿والخبيثون﴾ أي: من الناس ﴿للخبيثات﴾ أي: مما ذكر ﴿والطيبات﴾ أي: مما ذكر ﴿للطيبين﴾ أي: من الناس ﴿والطيبون﴾ أي: منهم ﴿للطيبات﴾ أي: مما ذكر فاللائق بالخبيث مثله وبالطيب مثله ﴿أولئك﴾ أي: الطيبون والطيبات من النساء، ومنهم صفوان وعائشة ﴿مبرؤون مما يقولون﴾ أي: الخبيثون والخبيثات من النساء، وقيل: عائشة وصفوان ذكرهما بلفظ الجمع كقوله تعالى: ﴿فإن كان له أخوة﴾ أي: إخوان ﴿لهم﴾ أي: الطيبين والطيبات من النساء على الأول، ولصفوان وعائشة على الثاني ﴿مغفرة﴾ أي: عفو عن الذنوب ﴿ورزق كريم﴾ هو الجنة، وروي أنَّ عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم تعطها امرأة غيرها منها أن جبريل ﵇ أتى بصورتها في سرقة من حرير وقال للنبي ﷺ هذه زوجتك، وروي أنه أتى بصورتها في راحته، ومنها أنه ﷺ لم يتزوج بكراً غيرها، ومنها أنه قبض ﷺ ورأسه الشريف في حجرها، ومنها أنه دفن في بيتها، ومنها أنه كان ينزل
следующие страницы →