← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

للعلم به ولأن فعل الاستجابة يتعدّى بنفسه إلى الدعاء وباللام إلى الداعي فإذا عدي إليه حذف الدعاء غالباً كقول القائل: *وداعٍ دعا يا من يجيب إلى الندا ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب* وداعٍ (أي: ورب داع) . الشاهد في يستجبه حيث عدّاه إلى الداعي وحذف الدعاء والتقدير فلم يستجب دعاءه ﴿فاعلم﴾ أنت ﴿أنما يتبعون﴾ أي: بغاية جهدهم فيما هم عليه من الكفر والتكذيب ﴿أهواءَهم﴾ أي: دائماً وأكثر الهوى مخالف للهدى فهم ضالون غير مهتدين بل هم أضلّ الناس وذلك معنى قوله تعالى: ﴿ومن أضلّ ممن اتبع﴾ أي: بغاية جهده ﴿هواه﴾ أي: لا أحد أضل منه فهو استفهام بمعنى النفي وقوله تعالى: ﴿بغير هدى من الله﴾ في موضع الحال للتوكيد والتقييد فإن هوى النفس قد يوافق الهدى ﴿إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي: وإن كانوا أقوى الناس لاتباعهم أهواءهم. ﴿ولقد وصلنا﴾ قال ابن عباس: بيّنا، وقال الفراء: أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضاً ﴿لهم﴾ أي: خاصة فكان تخصيصهم بذلك منّة عظيمة يجب عليهم شكرها ﴿القول﴾ أي: القرآن، قال مقاتل: بيَّنا لكفار مكة بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية كيف عذبوا بتكذيبهم وقال ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا ﴿لعلهم يتذكرون﴾ أي: ليكون حالهم حال من يرجى لهم أن يرجعوا إلى عقولهم فيجدوا فيما طبع فيها ما يذكرهم بالحق، ثم كأنه قيل هل تذكر منهم أحد؟ قيل نعم أهل الكتاب الذين هم أهله حقاً تذكروا وذلك معنى قوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله﴾ أي: قبل القرآن أو قبل محمد ﷺ ﴿هم به﴾ أي: بما تقدّم ﴿يؤمنون﴾ أيضاً: نزل في جماعة أسلموا من اليهود عبد الله بن سلام وأصحابه، وقال مقاتل هم أهل الإنجيل الذين قدموا من الحبشة وآمنوا بالنبيّ ﷺ وقال سعيد بن جبير هم أربعون رجلاً قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي ﷺ فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا له يا نبيّ الله إنّ لنا أموالاً فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا بها المسلمين فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فنزل فيهم ذلك إلى قوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ وعن ابن عباس: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون من نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الشام، ثم وصفهم الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وإذا يتلى﴾ أي: تتجدّد تلاوة القرآن ﴿عليهم قالوا﴾ أي: مبادرين لذلك ﴿آمنا به﴾ ثم عللوا ذلك بقولهم ﴿إنه الحق﴾ أي: الكامل الذي ليس وراءه إلا الباطل مع كونه ﴿من ربنا﴾ أي: المحسن إلينا ثم عللوا مبادرتهم بقولهم ﴿إنا كنا من قبله﴾ أي: القرآن ﴿مسلمين﴾ أي: منقادين غاية الانقياد مخلصين لله بالتوحيد مؤمنين بمحمد ﷺ أنه نبيّ حق. ﴿أولئك﴾ أي: العالو الرتبة ﴿يؤتون أجرهم مرّتين﴾ أي: لإيمانهم به غيباً وشهادة أي: بالكتاب الأوّل ثم بالكتاب الثاني ﴿بما صبروا﴾ أي: بسبب صبرهم على دينهم، وقال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأؤذوا، وعن أبي بردة عن أبي موسى أنّ رسول الله صلى الله عليه

стр. 1437

وسلم قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن أدبها ثم أعتقها وتزوّجها، ورجل كان من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد ﷺ وعبد أحسن عبادة الله تعالى ونصح لسيده» ولما كان الصبر لا يتم إلا بالاتصاف بالمحاسن والانخلاع من المساوي قال تعالى عاطفاً على يؤمنون مشيراً إلى تجديد هذه الأفعال كل حين ﴿ويدرؤن﴾ أي: يدفعون ﴿بالحسنة﴾ من الأقوال والأفعال ﴿السيئة﴾ أي: فيمحونها بها، وقال ابن عباس: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، وقال مقاتل: يدفعون بها ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين أي: بالصفح والعفو. ﴿ومما رزقناهم﴾ أي: بعظمتنا لا بحول منهم ولا قوّة قليلاً كان أو كثيراً ﴿ينفقون﴾ أي: يتصدّقون معتمدين في الخلف على الذي رزقه، ولما ذكر الله أنّ السماح بما تضنّ النفوس به من فضول الأموال من أمارات الإيمان أتبعه أنّ خزن ما تبذله الأنفس من فضول الأقوال من علامات العرفان بقوله تعالى: ﴿وإذاسمعوا اللغو﴾ أي: ما لا ينفع في دين ولا دنيا من شتم وتكذيب وتعيير ونحوه ﴿أعرضوا عنه﴾ تكرّماً عن الخنا، وقيل اللغو: القبيح من القول؛ وذلك أنّ المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون لهم تباً لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم ﴿وقالوا﴾ وعظاً وتسميعاً لقائله ﴿لنا﴾ خاصة ﴿أعمالنا﴾ لا تثابون على شيء منها ولا تعاقبون ﴿ولكم﴾ أي: خاصة ﴿أعمالكم﴾ لا نطالب بشيء منها فنحن لا نشتغل بالرد عليكم ﴿سلام عليكم﴾ متاركة لهم وتوديعاً ودعاء لهم بالسلامة عما هم فيه، لا سلام تحية وإكرام، ونظير ذلك ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾ (الفرقان، ٦٣) ثم أكد ذلك تعالى بقوله تعالى: حاكياً عنهم ﴿لا نبتغي﴾ أي: لا نكلف أنفسنا أن نطلب ﴿الجاهلين﴾ أي: لا نريد شيئاً من أموالهم وأقوالهم أو غير ذلك من خلالهم، وقيل لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه قيل نسخ ذلك بالأمر بالقتال وهو بعيد لأنّ ترك المسافهة مندوب إليه وإن كان القتال واجباً، ونزل في حرصه ﷺ على إيمان عمه أبي طالب ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ أي: نفسه أو هدايته بخلق الإيمان في قلبه، روى سعيد بن المسيب عن أبيه أنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فقال: أي: عمّ قل لا إله إلا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل ﷺ يعرضها ويصدانه بتلك الكلمة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ والله لأستغفرنّ لك ما لم أنه عن ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ (التوبة: ١١٣) وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسوله ﷺ ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ الآية، وفي مسلم عن أبي هريرة أنّ النبيّ ﷺ «أمره بالتوحيد فقال له لولا أن تعيرني قريش تقول إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك فأنزل الله تعالى الآية» وروي أنّ أبا طالب قال عند موته يا معشر بني هاشم أطيعوا محمداً وصدّقوه تفلحوا وترشدوا فقال النبيّ ﷺ يا عمّ

стр. 1438

تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك قال فما تريد يا ابن أخي قال أريد منك كلمة واحدة فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله قال يا ابن أخي قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جزع عند الموت ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة وسبة بعدي لقلتها ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدّة وجدك ونصيحتك ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وعبد مناف فإن قيل قال الله تعالى في هذه الآية ﴿أنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ (الشورى: ٥٢) أجيب: بأنه لا تنافي بينهما فإن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة والذي نفى عنه هداية التوفيق وشرح الصدور وهو نور يقذف في القلب فيحيا به القلب كما قال تعالى: ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس﴾ (الأنعام: ١٢٢) ﴿وهو أعلم﴾ أي: عالم ﴿بالمهتدين﴾ أي: الذين قد هيأهم لتطلب الهدى عند خلقه لهم سواء كانوا من أهل الكتاب أم من العرب أقارب كانوا أم أباعد، ثم حكى الله تعالى عن كفار قريش شبهة تتعلق بأحوال الدنيا بقوله تعالى: ﴿وقالوا إن نتبع الهدى﴾ أي: الإسلام فنوحد الله تعالى من غير إشراك ﴿معك﴾ وأنت على ما أنت عليه من مخالفة الناس ﴿نتخطف﴾ أي: من أيّ خاطف أرادنا لأنا نصير قليلاً في كثير من غير نصير ﴿من أرضنا﴾ كما تتخطف العصافير لمخالفة كافة العرب لنا وليس لنا نسبة إلى كثرتهم ولا قوّتهم فيسرعوا إلينا فيتخطفونا، أي: يتقصدون خطفنا واحداً واحداً فإنه لا طاقة لنا على إدامة الاجتماع وأن لا يشذ بعضنا عن بعض. قال المبرد: والخطف الانتزاع بسرعة نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف قال للنبي ﷺ إنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكنا إن اتبعناك على دينك وخالفنا العرب بذلك وإنما نحن أكلة رأس خفنا أن تخرجنا العرب من أرضنا مكة، ثم ردّ الله تعالى عليهم هذه الشبهة وألقمهم الحجر بقوله تعالى: ﴿أو لم نمكن﴾ أي: غاية التمكين ﴿لهم﴾ أي: في أوطانهم ومحلّ سكناهم بما لنا من القدرة ﴿حرماً آمنا﴾ أي: ذا أمن يأمن فيه كل خائف حتى الطير من كواسرها والوحش من جوارحها حتى إن سيل الحلّ لا يدخل الحرم بل إذا وصل إليه عدل عنه، وروي أنّ مكة كانت في الجاهلية لا يعرضها ظلم ولا بغي ولا يبغي فيها أحد إلا أخرجته وكان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه فيها فلا يهيجه ولا يتعرّض له بسوء، وروى الأزرقي في تاريخ مكة عن حويطب بن عبد العزى قال: كان في الكعبة حلق يدخل الخائف يده فيها فلا يريبه أحد فجاء خائف ليدخل يده فاجتذبه رجل فشلت يده فلقد رأيته في الإسلام وإنه لأشلّ. وعن ابن عباس قال: أخذ رجل ذود ابن عمّ له فأصابه في الحرم فقال: ذودي فقال اللص: كذبت قال فاحلف فحلف عند المقام فقام ربّ الذود بين الركن والمقام باسطاً يديه يدعو فما برح مقامه يدعو حتى ذهب عقل اللص وجعل يصيح بمكة مالي ولفلان رب الذود فبلغ ذلك عبد المطلب فجمع الذود ودفعه إلى المظلوم فخرج به وبقي الآخر حتى وقع من جبل فتردّى فأكلته السباع. وعن ابن جريج: أنّ غير قريش من العرب

стр. 1439

كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا إن أعارتهم قريش ثياباً فجاءت امرأة لها جمال فطافت عريانة فرآها رجل فأعجبته فدخل فطاف إلى جنبها فأدنى عضده من عضدها فالتزقت عضده بعضدها فخرجا من المسجد هاربين فزعين على وجوههما لما أصابهما من العقوبة فلقيهما شيخ من قريش فأفتاهما أن يعودا إلى المكان الذي أصابا فيه الذنب فيدعوان ويخلصان أن لا يعودا فعادا ودعوا وأخلصا النية فافترقت أعضادهما فذهب كل واحد منهما في ناحية. وعن عبد العزيز بن رواد أنّ قوماً انتهوا إلى ذي طوى فإذا ظبي قد دنا منهم فأخذ رجل منهم بقائمة من قوائمه فقال له أصحابه: ويحك أرسله فجعل يضحك وأبى أن يرسله فبعر الظبي وبال ثم أرسله فناموا في القائلة ثم انتبهوا فإذا بحية متطوّقة على بطن الرجل الذي أخذ الظبي فلم تنزل الحية عنه حتى كان منه من الحدث مثل ما كان من الظبي. وعن مجاهد قال: دخل قوم مكة تجاراً من الشام في الجاهلية فنزلوا ذا طوى فاختبزوا ملة لهم ولم يكن معهم إدام فرمى رجل منهم ظبية من ظباء الحرم وهي حولهم ترعى فقاموا إليها فسلخوها وطبخوها ليأتدموا بها فبينما قدرهم على النار يغلي لحمه إذ خرجت من تحت القدر عنق من النار عظيمة فأحرقت القوم جميعاً ولم تحرق ثيابهم ولا أمتعتهم. وعن أيوب بن موسى أنّ امرأة في الجاهلية كان معها ابن عمّ لها صغير فقالت له: يا بني إني أغيب عنك وإني أخاف أن يظلمك أحد فإن جاءك ظالم بعدي فإنّ لله بمكة بيتاً سيمنعك فجاءه رجل فاسترقه فلما رأى الغلام البيت عرفه بالصفة فنزل يشتد حتى تعلق بالبيت فجاءه سيده فمدّ يده إليه ليأخذه فيبست يده فمدّ الأخرى فيبست فاستفتى فأفتي أن ينحر عن كل واحدة من يديه بدنة ففعل فأطلقت يداه وترك الغلام وخلى سبيله. وعن أبي ربيع بن سالم الكلاعي أنّ رجلاً من كنانة بن هذيل ظلم ابن عمّ له فخوّفه بالدعاء في الحرم فقال هذه ناقتي فلانة اركبها فاذهب إليه فاجتهد في الدعاء في الحرم فجاء في الحرم في الشهر الحرام فقال اللهمّ إني أدعوك جاهداً مضطرّاً على ابن عمي فلان ترميه بداء لا دواء له ثم انصرف فوجد ابن عمه قد رمي في بطنه فصار مثل الزق فما زال ينتفخ حتى انشق. وعن عمر ﵁ أنه سأل رجلاً من بني سليم عن ذهاب بصره فقال يا أمير المؤمنين كنا بني ضبعاء عشرة وكان لنا ابن عمّ فكنا نظلمه فكان يذكرنا الله والرحم فلما رأى أنا لا نكف عنه انتهى إلى الحرم في الأشهر الحرم فجعل يرفع يديه ويقول: *لا همّ أدعوك دعاء جاهداً ... اقتل بني ضبعاء إلا واحداً* *ثم اضرب الرجل ودعه قاعداً ... أعمى إذا قيد يعيي القائداً* قال فمات أخوتي التسعة في تسعة أشهر في كل شهر واحد وبقيت أنا فعميت ورماني الله في رجلي فليس يلائمني قائد فقال عمر رضى الله تعالى عنه جعل الله هذا في الجاهلية إذ لا دين حرمة حرمها وشرفها ليرجع الناس عن انتهاك ما حرم مخافة تعجيل العقوبة فلما جاء الدين صار التوعد للساعة ويستجيب الله تعالى لمن يشاء فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين وإنما أكثرت من هذه الحكايات ليكون الداخل للحرم على حذر فإنّ الله تعالى حماه ومكَّن أهله في الحرم الذي

стр. 1440

أمنَّه بحرمة البيت وأمن قطانه بحرمته وكانت العرب في الجاهلية حولهم يتغاورون ويتناجدون وهم آمنون في حرمهم لا يخافون وبحرمة البيت هم قارّون بواد غير ذي زرع والثمرات والأرزاق تجبى إليهم كما قال تعالى: ﴿يجبى﴾ أي: يجمع ويحمل ﴿إليه﴾ أي: خاصة دون غيره من جزيرة العرب ﴿ثمرات كل شيء﴾ من النبات الذي بأرض العرب من ثمر البلاد الحارة كالبسر والرطب والنبق، والباردة كالعنب والتفاح والرمّان والخوخ، فإذا خولهم الله تعالى ما خوّلهم من الأمن والرزق بحرمة البيت وحدها وهم كفرة عبدة أصنام فكيف يستقيم أن يعرّضهم للخوف والتخطف ويسلبهم الأمن إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة الإسلام وإسناد الأمن إلى أهل الحرم حقيقة وإلى الحرم مجاز. تنبيه: معنى الكلية هنا الكثرة كقوله تعالى: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ (النمل: ٢٣) ولكن في تعبيره بالمضارع وما بعده إشارة إلى الاستمرار وأنه يأتي إليه بعد ذلك من كل ما في الأرض من المال ما لم يخطر لأحد منهم في بال، وقرأ نافع بالتاء الفوقية، والباقون بالياء التحتية، وأمال حمزة والكسائي محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح، ثم إنه تعالى بين أنّ الرزق من عنده بقوله تعالى: ﴿رزقاً من لدنا﴾ أي: فلا صنع لأحد فيه بل هو محض تفضل. تنبيه: انتصاب رزقاً على المصدر من معنى يجبى أو الحال من ثمرات لتخصيصها بالإضافة كما تنصب عن النكرة المخصصة وإن جعلته اسماً للمرزوق انتصب على الحال من ثمرات ﴿ولكن أكثرهم﴾ أي: أهل مكة وغيرهم ممن لا هداية له ﴿لا يعلمون﴾ أي: ليس لهم قابلية للعلم حتى يعلموا أنا نحن الفاعلون لذلك بل هم جهلة لا يتفطنون له ولا يتفكرون ليعلموا، وقيل: إنه متعلق بقوله تعالى: ﴿من لدنا﴾ أي: قليل منهم يتدبرون فيعلمون أنّ ذلك رزق من عند الله إذ لو علموا لما خافوا غيره، ثم بين تعالى أنّ الأمر بالعكس فإنهم أحقِّاء بأن يخافوا من بأس الله تعالى على ما هم عليه بقوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا من قرية﴾ أي: من أهل قرية وأشار إلى سبب الإهلاك بقوله تعالى: ﴿بطرت معيشتها﴾ أي: وقع منها البطر في زمن عيشها الرخيّ الواسع فكان حالهم كحالكم في الأمن وإدرار الرزق فلما بطروا معيشتهم أهلكناهم، ومعنى بطرهم لها قال عطاء: أنهم أكلوا رزق الله وعبدوا غيره، وقيل: البطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله تعالى فيه. تنبيه: انتصاب معيشتها إما بحذف الجار واتصال الفعل كما في قوله تعالى: ﴿واختار موسى قومه﴾ (الأعراف: ١٥٥) أو بتقدير حذف ظرف الزمان وأصله بطرت أيام معيشتها، وإما بتضمين بطرت معنى كفرت أو خسرت، أو على التمييز، أو على التشبيه بالمفعول به وهو قريب من سفه نفسه ﴿فتلك مساكنهم﴾ خاوية ﴿لم تسكن من بعدهم﴾ بعد أن طال ما تعالوا فيها ونمَّقوها وزخرفوها وزفوا فيها الأبكار وفرحوا بالأعمال الكبار ﴿إلا﴾ سكوناً ﴿قليلاً﴾ قال ابن عباس: لم يسكنها إلا المسافرون ومارّوا الطريق يوماً أو ساعة من ليل أو نهار ثم تصير يباباً موحشة كالقفار بعد أن كانت متمنعة الفناء ببيض الصفاح وسمر القنا، قال الزمخشري: ويحتمل أنّ شؤم معاصي المهلكين بقي في أثره ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلاً ﴿وكنا﴾ أي: أزلاً

стр. 1441

وأبداً ﴿نحن﴾ لا غيرنا ﴿الوارثين﴾ منهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرّف تصرّفهم في ديارهم وسائر متصرّفاتهم قال القائل: *تتخلف الآثار عن أصحابها ... حيناً ويدركها الفناء فتتبع* ﴿وما كان ربك﴾ أي: المحسن إليك بالإحسان بإرسالك إلى الناس ﴿مهلك القرى﴾ أي: هذا الجنس كله بجرم وإن عظم ﴿حتى يبعث في أمّها﴾ أي: أعظمها وأشرفها ﴿رسولاً﴾ لأنّ غيرها تبع لها ولم يشترط كونه من أمها فقد كان عيسى ﵇ من الناصرة وبعث إلى بيت المقدس ﴿يتلوا عليهم﴾ أي: أهل القرى كلهم ﴿آياتنا﴾ الدالة على ما ينبغي لنا من الحكمة وبما لها من الإعجاز على نفوذ الكلمة وباهر العظمة إلزاماً للحجة وقطعاً للمعذرة لئلا يقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً، ولذلك لما أردنا عموم الخلق بالرسالة جعلنا الرسول وهو محمد ﷺ خاتم الأنبياء من أم القرى كلها وهي مكة البلد الحرام ﴿وما كنا مهلكي القرى﴾ أي: كلها بعد الإرسال ﴿إلا وأهلها ظالمون﴾ أي: غريقون في الظلم بالعصيان بترك ثمرات الإيمان وتكذيب الرسل. ﴿وما أوتيتم من شيء﴾ أي: من أسباب الدنيا ﴿فمتاع﴾ أي: فهو متاع ﴿الحياة الدنيا﴾ تتمتعون بها أيام حياتكم وليس يعود نفعه إلى غيرها فهو آيل إلى فساد وإن طال زمن التمتع به ﴿وزينتها﴾ أي: فهو زينة الحياة الدنيا التي هي كلها فضلاً عن زينتها إلى فناء فليست هي ولا شيء بأزلي ولا أبدي ﴿وما عند الله﴾ أي: الملك الأعلى وهو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿خير﴾ على تقدير مشاركة ما في الدنيا له فالخيرية في ظنكم لأنّ الذي عنده أطيب وأكثر وأشهى وأزهى ﴿و﴾ هو مع ذلك كله ﴿أبقى﴾ لأنه وإن شارك متاع الدنيا في أنه لم يكن أزلياً فهو أبدي وهذا جواب عن شبههم فإنهم قالوا تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا فبين تعالى أنّ ذلك خطأ عظيم لأنّ ما عند الله خير وأبقى من وجهين: الأوّل: أنّ المنافع هناك أعظم، والثاني: أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار بل المضار فيها أكثر، وأما أنها أبقى فلإنها دائمة غير منقطعة ومن قابل المتناهي بغير المتناهي كان عدماً فظهر بهذا أنّ منافع الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة فلا جرم نبه على ذلك بقوله تعالى: ﴿أفلا يعقلون﴾ أنّ الباقي خير من الفاني فيستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير فمن لم يرجِّح منافع الآخرة على منافع الدنيا فإنه يكون خارجاً عن حدّ العقل، قال ابن عادل ورحم الله الشافعيّ حيث قال: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى لأنّ أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلون بالطاعة، فكأنه رحمه الله تعالى إنما أخذه من هذه الآية انتهى، وقرأ أبو عمرو بالياء وهو أبلغ في الموعظة لاشتماله على الالتفات للإعراض به عن خطابهم، والباقون بالتاء على الخطاب جرياً على ما تقدّم. ﴿أفمن وعدناه﴾ على عظمتنا في الغنى والقدرة والصدق ﴿وعداً حسناً﴾ لا شيء أحسن منه في موافقته للأمنية وبقائه وهو الجنة فإن حسن الوعد بحسن الموعود ولذلك سمى الله تعالى الجنة بالحسنى ﴿فهو لاقيه﴾ أي: مدركه لامتناع الخلف في وعده ولذلك عطفه بالفاء المعطية معنى السببية ﴿كمن متعناه متاع الحياة الدنيا﴾ أي: الذي هو

стр. 1442

مشوب بالآلام مكدر بالمتاعب مستعقب للتحسر على الانقطاع، وعن ابن عباس أن الله تعالى خلق الدنيا وجعل أهلها ثلاثة أصناف: المؤمن والمنافق والكافر فالمؤمن يتزوّد والمنافق يتزين والكافر يتمتع ﴿ثم هو﴾ مع ذلك كله ﴿يوم القيامة﴾ الذي هو يوم التغابن من خسر فيه لم يربح أصلاً ﴿من المحضرين﴾ أي: المقهورين على الحضور إلى مكان يود لو افتدى منه بملء الأرض ذهباً لم يقبل منه، قال قتادة يحضره المؤمن والكافر، قال مجاهد: نزلت في النبيّ ﷺ وأبي جهل، وقال محمد بن كعب نزلت في حمزة وعلي وفي أبي جهل، وقال السدّي: نزلت في عمار والوليد بن المغيرة. تنبيه: ثم لتراخي حال الإحضار عن حال التمتع في الزمان أو الرتبة، وقرأ ثم هو قالون والكسائي بسكون الهاء، والباقون بالضم. ﴿ويوم﴾ أي: واذكر يوم ﴿يناديهم﴾ أي: ينادي الله هؤلاء الذين يضلون الناس ويصدّون عن سبيل الله ﴿فيقول﴾ أي: الله تعالى ﴿أين شركائي﴾ من الأوثان وغيرهم ثم بين أنهم لا يستحقون هذا الاسم بقوله تعالى: ﴿الذين كنتم﴾ أي: كوناً غريقين فيه ﴿تزعمون﴾ أنها تشفع ليدفعوا عنكم وعن أنفسهم فيخلصكم من هذا الذي نزل بكم، تنبيه: تزعمون مفعولاه محذوفان أي: تزعمونهم شركائي ﴿قال الذي حق﴾ أي: ثبت ووجب ﴿عليهم القول﴾ أي: بدخول النار وهم رؤوس الضلالة وهو قوله تعالى: ﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ (هود، ١١٩) وغيره من آيات الوعيد وقولهم ﴿ربنا هؤلاء﴾ إشارة للإتباع ﴿الذين أغوينا﴾ أي: أوقعنا الأغواء وهو الإضلال بهم صفته والعائد حذف وقولهم ﴿أغويناهم﴾ أي: فغووا باختيارهم ﴿كما غوينا﴾ أي: نحن فهؤلاء مبتدأ والذين أغوينا صفته والراجع إلى الموصول محذوف وأغويناهم الخبر والكاف صفة مصدر محذوف تقديره أغويناهم فغووا غياً مثل ما غوينا يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا لا أنّ فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء، أو دعونا إلى الغي وسوّلوه لنا فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم لأنّ أغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسة وتسويلاً لا قسراً وإلجاء فلا فرق إذاً بين غينا وغيهم وإن كان تسويلنا لهم داعياً إلى الكفر فقد كان في مقابلته دعاء الله تعالى لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل وبما بعث إليهم من الرسل وأنزل إليهم من الكتب المشحونة بالوعد والوعيد والمواعظ والزواجر وناهيك بذلك صارفاً عن الكفر وداعياً إلى الإيمان، وهذا معنى ما حكاه الله تعالى عن الشيطان: ﴿إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾ (إبراهيم، ٢٢) . تنبيه: اعترض أبو علي على الزمخشريّ في هذا الإعراب بأن الخبر ليس فيه زيادة فائدة على ما في صفته، فإن قلت قد وصل الخبر بقوله كما غوينا وفيه زيادة قلت الزيادة بالظرف لا تصيِّره أصلاً في الجملة لأنّ الظروف فضلات، ثم إنه أعرب هو هؤلاء مبتدأ والذين أغوينا خبره وأغويناهم مستأنف، وأجاب أبو البقاء وغيره بأن الظروف قد تلزم كقولك زيد عمرو قائم في داره ثم أشاروا بقولهم ﴿تبرأنا إليك﴾ أي: من أمورهم إلى أنه لا لوم علينا في الحقيقة بسببهم فهو تقرير للجملة الأولى ولهذا خلت عن العاطف وعلى تقدير إغوائنا لهم ﴿ما كانوا إيانا﴾ أي: خاصة ﴿يعبدون﴾ بل كانوا يعبدون الأوثان بما زينت لهم أهواؤهم وإن كان لنا فيه نوع دعاء إليه وحث عليه

стр. 1443

فأقل ما نريد أن يوزع العذاب على من كان سبباً في ذلك، وقيل ما مصدرية متصلة بتبرأنا أي: تبرأنا من عبادتهم إيانا، ولما لم يلتفت إلى هذا الكلام منهم بل عدّ عدماً لأنه لا طائل تحته أشير إلى الإعراض عنه لأنه لا يستحق جواباً كما قيل رب قول جوابه السكوت، بقوله تعالى: ﴿وقيل﴾ أي: ثانياً للأتباع تهكماً بهم وإظهاراً لعجزهم الملزوم لتحيرهم وعظم تأسفهم وذكر ذلك بصيغة المجهول للأستهانة بهم وأنهم من الذل والصغار بحيث يجيبون كل آمر كائناً من كان ﴿ادعوا﴾ أي: كلكم ﴿شركاءكم﴾ أي: الذين ادعيتم جهلاً شركتهم ليدفعوا عنكم العذاب ﴿فدعوهم﴾ تعللاً بما لا يغني وتمسكاً بما يتحقق أنه لا يجدي لفرط الغلبة واستيلاء الحيرة والدهشة ﴿فلم يستجيبوا لهم﴾ أي: لم يجيبوهم لعجزهم عن الإجابة والنصرة، قال ابن عادل: والأقرب أنّ هذا على سبيل التقريع لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم ﴿ورأوا﴾ أي: هم ﴿العذاب﴾ عالمين بأنه مواقعهم لا مانع له عنهم فكان الحال حينئذ مقتضياً لأن يقال من كل من يهواهم ﴿لو أنهم كانوا يهتدون﴾ أي: تحصل منهم هداية ساعة من الدهر تأسفاً على أمرهم وتمنياً لخلاصهم ولو أن ذلك كان في طاقتهم وجواب لو محذوف أي: لنجوا من العذاب ولما رأوه أصلاً، قال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة. ﴿ويوم يناديهم﴾ أي: الله تعالى وهم بحيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر قد برزوا لله جميعاً من كان منهم عاصياً ومن كان منهم مطيعاً في صعيد واحد قد أخذنا بأنفاسهم الزحام وتراكب الأقدام على الأقدام وألجمهم العرق وعمهم الغرق ﴿فيقول ماذا﴾ أي: أوضحوا وعينوا جوابكم الذي ﴿أجبتم المرسلين﴾ إليكم، تنبيه: ويوم معطوف على الأوّل فإنه تعالى يسأل عن إشراكهم به ثم تكذيبهم الأنبياء ولما لم يكن لهم قدم صدق ولا سابق حق بما أتتهم الرسل به من الحجج لم يكن لهم جواب إلا السكوت وهو المراد بقوله تعالى: ﴿فعميت﴾ أي: خفيت وأظلمت ﴿عليهم الأنباء﴾ أي: الأخبار المنجية ﴿يومئذ﴾ التي هي من العظمة بحيث يحق لها في ذلك اليوم أن تذكر، تنبيه: الأصل فعموا عن الأنباء لكنه عكس مبالغة ودلالة على أن ما يحضر الذهن إنما يفيض ويرد عليه من خارج وإذا أخطأه لم يكن له حيلة إلى استحضاره وإذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام في ذلك اليوم يفوِّضون إلى علم الله تعالى فما ظنك بالضلال فلهذا قال تعالى: ﴿فهم لا يتساءلون﴾ أي: لا يسأل بعضهم بعضاً عن الجواب لفرط الدهشة أو للعلم بأنه مثله هذا حال من أصر على كفره. ﴿فأما من تاب﴾ عنه وقوله تعالى: ﴿وآمن﴾ تصريح بما علم التزاماً فإن الكفر والإيمان ضدّان لا يمكن ترك أحدهما إلا بأخذ الآخر وقوله تعالى: ﴿وعمل صالحاً﴾ لأجل أن يكون مصدقاً لدعواه باللسان ﴿فعسى﴾ إذا فعل ذلك ﴿أن يكون من المفلحين﴾ عند الله وعسى تحقيق على عادة الكرام، أو ترجّ من التائب بمعنى فليتوقع أن يفلح، ولما كان كأنه قيل ما لأهل القسم الأوّل لا يتوخون النجاة من ضيق ذلك البلاء إلى رحب هذا الرجاء وكان الجواب ربك منعهم من ذلك، وما له لم يقطع لهذا القسم بالفلاح كما قطع لأهل القسم الأوّل بالشقاء كان الجواب. ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ لا موجب عليه ولا مانع له ﴿ما كان لهم الخيرة﴾ أي: أن يفعلوا

стр. 1444

يفعل لهم كل ما يختارونه، تنبيه: الخيرة بمعنى التخير كالطيرة بمعنى التطير، وظاهره نفي الاختيار عنهم رأساً، قال البيضاوي والأمر كذلك عند التحقيق فإن اختيار العبيد مخلوق منوط بدواع لا اختيار لهم فيها، وقال الرازي في اللوامع: وفيه دليل على أنّ العبد في اختياره غير مختار فلهذا أهل الرضا حطوا الرحال بين يدي ربهم وسلموا الأمور إليه بصفاء التفويض يعني فإن أمرهم أو نهاهم بادروا وإن أصابهم سهام المصائب العظام صابروا وإن أعزهم أعزوا أنفسهم وأكرموا وإن أذلهم رضوا وسلموا فلا يرضيهم إلا ما يرضيه ولا يريدون إلا ما يريده فيمضيه، قال القائل: *وقف الهوى لي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدّم *أجد الملامة في هواك لذيذة ... حباً لذكرك فليلمني اللوّم *وأهنتني فأهنت نفسي صاغراً ... ما من يهون عليك ممن يكرم* وقيل ما موصولة مفعول ليختار والراجع محذوف، والمعنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة أي: الخير والصلاح ﴿سبحان الله﴾ تنزيهاً له أن يزاحمه أحد أو ينازع اختياره وتعالى: أي: علا علواً لا تبلغ العقول توجيه كنه مداه ﴿عما يشركون﴾ أي: عن إشراكهم أو مشاركة ما يشاركونه به، ولما كانت القدرة لا تتم إلا بالعلم قال تعالى: ﴿وربك﴾ أي: المحسن إليك المتولي أمر تربيتك ﴿يعلم ما تكنّ﴾ أي: تخفي وتستر ﴿صدورهم﴾ من كونهم يؤمنون على تقدير أن تأتيهم آيات مثل آيات موسى ﵇، أو لا يؤمنون ومن كون ما أظهر من أظهر الإيمان بلسانه خالصاً أو مشوباً، ومن كونهم يخفون عداوة الرسول ﷺ ﴿وما يعلنون﴾ أي: يظهرون من ذلك كل ذلك لديه سواء فلا يكون لهم مراد إلا يخلقه، فإن قيل هلا اكتفى بقوله تعالى: ﴿ما تكنّ صدورهم﴾ عن قوله: ﴿وما يعلنون﴾ أجيب: بأنّ علم الخفي لا يستلزم علم الجليّ إما لبعد أو لغط أو اختلاط أصوات يمنع تمييز بعضه عن بعض أو غير ذلك، ولما كان علمه تعالى بذلك إنما هو لكونه إلهاً واحداً فرداً صمداً وكان غيره لا يعلم من علمه إلا ما علمه قال تعالى: ﴿وهو الله﴾ أي: المستأثر بالإلهية الذي لا سميّ له الذي لا يحيط الواصفون بكنه عظمته، ثم شرح معنى الاسم الأعظم بقوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو﴾ وهذا تنبيه على كونه قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات منزهاً عن النقائص والآفات، ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿له﴾ أي: وحده ﴿الحمد﴾ أي: الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿في الأولى والآخرة﴾ لأنه المولى للنعم كلها عاجلها وآجلها يحمده المؤمنون في الآخرة كما حمدوه في الدنيا، فإن قيل الحمد في الدنيا ظاهر فما الحمد في الآخرة؟ أجيب: بأنهم يحمدونه بقولهم ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ ﴿﴾ (فاطر: ٣٤) ﴿الحمد لله الذي صدقنا وعده﴾ (الزمر: ٧٤) ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ (يونس: ١٠) والتوحيد هناك على وجه اللذة لا الكلفة، وفي الحديث يلهمون التسبيح والتقديس ﴿وله الحكم﴾ أي: القضاء النافذ في كل شيء وقال ابن عباس: حكم لأهل الطاعة بالمغفرة ولأهل المعصية بالشقاء ﴿وإليه﴾ لا إلى غيره ﴿ترجعون﴾ أي: بأيسر أمر يوم النفخ في الصور لبعثرة ما في القبور، بالبعث والنشور مع أنكم الآن راجعون في جميع أحكامكم إليه، ومقصورون عليه إن شاء أمضاها وإن أراد ردّها ولواها ففي الآية غاية التقوية لقلوب

стр. 1445

المطيعين ونهاية الزجر والردع للمتمردين، ثم بين بعض ما يجب أن يحمد عليه مما لا يقدر عليه سواه بقوله تعالى: ﴿قل﴾ أي: يا أفضل الخلق لأهل مكة ﴿أرأيتم﴾ أي: أخبروني ﴿إن جعل الله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿عليكم الليل﴾ أي: الذي به اعتدال حرّ النهار ﴿سرمداً﴾ أي: دائماً ﴿إلى يوم القيامة﴾ لا نهار معه ﴿من إله غير الله﴾ أي: العظيم الشأن الذي لا كفء له ﴿يأتيكم بضياء﴾ أي: بنهار تطلبون فيه المعيشة ﴿أفلا تسمعون﴾ أي: ما يقال لكم سماع إصغاء وتدبر. ﴿قل أرأيتم إن جعل الله﴾ أي: الذي له الأمر كله ﴿عليكم النهار﴾ أي: الذي توازن حرارته برطوبة الليل فيتمّ بها صلاح النبات وغير ذلك من جميع المقدّرات ﴿سرمداً﴾ أي: دائماً ﴿إلى يوم القيامة﴾ لا ليل فيه ﴿من إله غير الله﴾ أي: الجليل الذي ليس له مثل ﴿يأتيكم بليل﴾ أي: ينشأ منه ظلام ﴿تسكنون فيه﴾ استراحة عن متاعب الأشغال، فإن قيل هلا قيل بنهار تتصرفون فيه كما قيل بليل تسكنون فيه؟ أجيب: بأنه تعالى ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأنّ المنافع التي تتعلق به متكاثرة ليس التصرف في المعايش وحده والظلام ليس بتلك المنزلة ومن ثمّ قرن بالضياء ﴿أفلا تسمعون﴾ لأن السمع يدرك ما لا يدرك البصر من ذلك منافعه ووصف فوائده وقرن بالليل ﴿أفلا تبصرون﴾ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون، قال البقاعي: فالآية من الاحتباك ذكر الضياء أولاً دليلاً على حذف الظلام ثانياً والليل والسكون ثانياً دليلاً على حذف النهار والانتشار أوّلاً ولما كان التقدير ومن رحمته جعل لكم السمع والأبصار لتتدبروا آياته وتبصروا في مصنوعاته عطف عليه. ﴿ومن رحمته﴾ أي: التي وسعت كل شيء لا من غيرها من خوف أو رجاء أو تعلق غرض من الأغراض ﴿جعل لكم الليل والنهار﴾ آيتين عظيمتين دبر فيها وبهما جميع مصالحكم فجعل آية الليل ﴿لتسكنوا فيه﴾ فلا تسعوا فيه لمعاشكم ﴿و﴾ جعل آية النهار مبصرة ﴿لتبتغوا من فضله﴾ بأن تسعوا في معاشكم بجهدكم، قال البقاعي: فالآية من الاحتباك ذكر أوّلاً السكون دليلاً على حذف السعي في المعاش ثانياً وذكر الابتغاء من فضله ثانياً دليلاً على حذف عدم السعي في المعاش أوّلاً ﴿ولعلكم تشكرون﴾ أي: وليكون حالكم حال من يرجى منه الشكر لما يتجدد لكم من تقلبهما من النعم المتوالية التي لا يحصرها إلا خالقها، وأما الآخرة فلما كانت غير مبنية على الأسباب وكانت الجنة لا تعب فيها بوجه كان لا حاجة فيها لليل. ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون﴾ تقريع بعد تقريع للإشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب الله تعالى من الإشراك به كما أنه لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده، اللهمّ فكما أدخلتنا في أهل توحيدك فأدخلنا في الناجين من وعيدك ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم يا أرحم الراحمين، ويحتمل أن يكون الأوّل لتقرير فساد رأيهم والثاني لبيان أنه لم يكن عن سند وإنما كان محض تَشَهِّ: وهوى، أو أنه ذكر الثاني كما قال الجلال المحلي ليبنى عليه. ﴿ونزعنا﴾ أي: أخرجنا وأفردنا بقوّة وسطوة ﴿من كل أمة شهيداً﴾ أي: وهو رسولهم يشهد عليهم بما قالوه ﴿فقلنا﴾ أي: فتسبب عن ذلك أن قلنا للأمم ﴿هاتوا برهانكم﴾ أي: دليلكم القطعي الذي فزعتم في الدنيا إليه وعوّلتم في شرككم عليه كما هو شأن ذوي العقول أنهم لا يبنون شيئاً على غير أساس ﴿فعلموا﴾ أي: بسبب هذا

стр. 1446

السؤال لمَّا اضطروا ولم يجدوا لهم سنداً ﴿أن الحق﴾ في الإلهية ﴿لله﴾ أي: الملك الذي له الأمر كله لا يشاركه فيه أحد ﴿وضل عنهم﴾ أي: غاب غيبة الضائع ﴿ما كانوا يفترون﴾ أي: يقولونه قول الكاذب المتعمد للكذب لكونه لا دليل عليه ولا شبهة للغلط فيه. ﴿إن قارون﴾ ويسمى في التوراة تورح ﴿كان من قوم موسى﴾ قال أكثر المفسرين كان ابن عمه لأنّ قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب وموسى ﵇ ابن عمران بن قاهث بن لاوي وقال ابن إسحاق كان قارون عم موسى فكان أخا عمران وهما ابنا يصهر ولم يكن في بني إسرائيل؟ اقرأ للتوراة من قارون ولكنه نافق كما نافق السامريّ وكان يسمى النور لحسن صورته. وعن ابن عباس: كان ابن خالته ﴿فبغى عليهم﴾ أي: تجاوز الحدّ في احتقارهم بما خوّلناه فيه، قيل كان عاملاً لفرعون على بني إسرائيل وكان يبغي عليهم ويظلمهم، وقال قتادة: بغى عليهم بكثرة المال ولم يرع لهم حق الإيمان بل استخف بالفقراء. وقال الضحاك: بغى عليهم بالشرك، وقال شهر بن حوشب زاد في طول ثيابه شبراً، روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرّ ثوبه خيلاء» ، وقال القفال: طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده، وقال ابن عباس تكبر عليهم وتجبر، وقال الكلبيّ حسد هارون ﵇ على الحبورة. روي أهل الأخبار: أن قارون كان أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون وأجملهم وأغناهم وكان حسن الصوت فبغى وطغى وكان أوّل طغيانه وعصيانه أنّ الله تعالى أوحى إلى موسى أن يأمر قومه أن يعلقوا في أرديتهم خيوطاً أربعة في كل طرف خيطاً أخضر كلون السماء يذكرون إذا نظروا إليها السماء ويعلمون أني منزل منها كلامي فقال موسى: ﵇ يا رب افلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضراً فإنّ بني إسرائيل تحقر هذه الخيوط، فقال الله تعالى: يا موسى أنّ الصغير من أمري ليس بصغير فإن لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير فدعاهم موسى ﵇ وقال: إنّ الله تعالى يأمركم أن تعلقوا في أرديتكم خيوطاً خضراً كلون السماء لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها ففعل بنو إسرائيل ما أمرهم به واستكبر قارون ولم يفعل وقال إنما يفعل هذا الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا عن غيرهم وكان هذا بدء عصيانه وبغيه، ولما قطع الله تعالى لبني إسرائيل البحر وأغرق فرعون جعل الحبورة لهارون ﵊ فحصلت له النبوّة والحبورة وكان له القربان والذبح وكان لموسى ﵇ الرسالة فوجد قارون لذلك في نفسه وقال يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء لا أصبر أنا على هذا فقال موسى: ﵇ والله ما صنعت ذلك لهارون بل الله تعالى جعلها له فقال قارون: والله لا أصدقك حتى تريني بيانه فجمع موسى ﵇ رؤساء بني إسرائيل وأمرهم أن يجيء كل رجل منهم بعصا فجاؤوا بها فحزمها وألقاها موسى ﵇ في قبة له كان يعبد الله تعالى فيها وكان ذلك بأمر الله تعالى ودعا موسى ﵇ أن يريهم بيان ذلك فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون ﵇ وقد اهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال موسى: ﵇ لقارون ألا ترى ما صنع لهارون؟ ﵇ فقال: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر فاعتزل قارون

стр. 1447

ومعه ناس كثير، وولي هارون ﵇ الحبورة وهي رياسة الذبح والقربان وكانت بنو إسرائيل يأتون بهداياهم إلى هارون ﵇ فيضعها في المذبح وتنزل نار من السماء فتأكلها، واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال والتبع من بني إسرائيل فكان لا يأتي موسى ﵇ ولا يجالسه، وروي عن النبيّ ﷺ «أن قارون كان من السبعين المختارة الذين سمعوا كلام الله تعالى» ولما ذكر الله تعالى بغيه ذكر سببه الحقيقي بقوله تعالى: ﴿وأتيناه من الكنوز﴾ أي: الأموال المدفونة المذخورة فضلاً عن الظاهرة التي هي بصدد الإنفاق منها لما عساه يعرض من المهمات ﴿ما﴾ أي: الذي أوتي شيء كثير لا يدخل تحت حصر حتى ﴿إنّ مفاتحه﴾ أي: مفاتح الأغلاق التي هو مدفون فيها وراء أبوابها ﴿لتنوء﴾ أي: تميل بجهد ومشقة بثقلها ﴿بالعصبة﴾ أي: الجماعة الكثيرة التي تعصب أي: يقوي بعضهم بعضاً ﴿أولى﴾ أي: أصحاب ﴿القوّة﴾ أي: تميلهم من أثقالها إياهم، تنبيه: في المبالغة بالتعبير بالكنوز والمفاتيح والنوء والعصبة الموصوفة ما يدل على أنه أوتي من ذلك ما لم يؤته أحد ممن هو في عداده وكل ذلك مما تستبعده العقول فلذلك وقع التأكيد. واختلفوا في عدد العصبة: فقال مجاهد ما بين العشرة إلى خمسة عشر، وقال الضحاك عن ابن عباس ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقال قتادة ما بين العشرة إلى الأربعين، وقيل أربعون رجلاً، وقيل سبعون وروي عن ابن عباس قال: كان يحمل مفاتيحه أربعون رجلاً، أقوى ما يكون من الرجال. وقال جرير عن منصور عن خيثمة قال: وجدت في الإنجيل أن مفاتح خزائن قارون وقر ستين بغلاً ما يزيد فيها مفتاح على أصبع لكل مفتاح كنز، ويقال كان قارون أينما ذهب يحمل معه مفاتيح كنوزه وكانت من حديد فلما أثقلت عليه جعلت من خشب فثقلت فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع وكانت تحمل معه إذا ركب على أربعين بغلاً، وفي الباء في بالعصبة: وجهان أنها للتعدية كالهمزة ولا قلب في الكلام والمعنى لتنئ المفاتح العصبة الأقوياء كما تقول أجأته وجئت به وأذهبته وذهبت به، والثاني: قال أبو عبيدة: إن في الكلام قلباً والأصل لتنوء العصبة بالمفاتح أي: لتنهض بها كقولهم عرضت الناقة على الحوض. ولما ذكر الله تعالى بغيه ذكر وقته بقوله تعالى: ﴿إذا قال له قومه﴾ أي: من بني إسرائيل ﴿لا تفرح﴾ أي: بكثرة المال فرح بطر فإن الفرح بالعرض الزائل يدل على الركون إليه وذلك يدل على نسيان الآخرة وعلى غاية الجهل وقلة التأمل بالعواقب، قال ابن عباس: كان فرحه ذلك شركاً لأنه ما كان يخاف معه عقوبة الله ﴿إنّ الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال ﴿لا يحب﴾ أي: لا يعامل معاملة المحب ﴿الفرحين﴾ أي: البطرين الأشرين الراسخين في الفرح بما يفني الذين لا يشكرون الله تعالى بما أعطاهم فإن فرحهم يدل على سقوط الهمم كما قال تعالى: ﴿ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ (الحديد، ٢٣) وقال القائل في ذلك. *ولست بمفراح إذا الدهر سرني وقال آخر: *أشدّ الغم عندي في سرور* تيقن عنه صاحبه انتقالاً فلا يفرح بالدنيا إلا من رضى بها واطمأن، فأما من قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه مفارق ما فيه عن قريب لم تحدّثه نفسه بالفرح. ﴿وابتغ﴾ أي: اطلب طلباً تحمد نفسك فيه ﴿فيما آتاك الله﴾ أي:

стр. 1448

الملك الذي الأمر كله بيده من الغنى والثروة ﴿الدار الآخرة﴾ بأن تقوم بشكر الله فيما أنعم الله عليك وتنفقه في رضا الله تعالى فيجازيك بالجنة ﴿ولا تنس﴾ أي: ولا تترك ﴿نصيبك من الدنيا﴾ قال مجاهد: لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب لأنّ حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل للآخرة، وقال السدّيّ: بالصدقة وصلة الرحم. وقال عليّ رضي الله تعالى عنه وكرم الله وجهه لا تنسى صحتك وقوّتك وشبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة، روي أنه ﷺ قال فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن الشبيبة قبل الكبر ومن الحياة قبل الموت فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار، وعن ميمون الأزدي أن رسول الله ﷺ قال لرجل وهو يعظه «اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك» ، وقال الحسن: أمر أن يقدّم الفضل ويمسك ما يغنيه، وقال منصور بن زادان قوتك وقوت أهلك ﴿وأحسن﴾ أي: أوقع الإحسان بدفع المال إلى المحاويج والإنفاق في جميع الطاعات ويدخل في ذلك الإعانة بالجاه وطلاقة الوجه وحسن اللقاء وحسن الذكر ﴿كما أحسن الله﴾ الجامع لصفات الكمال ﴿إليك﴾ بأن تعطي عطاء من لا يخاف الفقر كما أوسع الله عليك ﴿ولا تبغ﴾ أي: ولا ترد إرادة ما، ﴿الفساد في الأرض﴾ بتقتير ولا تبذير ولا تكبر على عباد الله تعالى ولا تحقير، ثم أتبع ذلك علته مؤكداً لأنّ أكثر المفسدين يبسط لهم في الدنيا وأكثر الناس يستبعد أن يبسط فيها لغير محبوب فقيل ﴿إن الله﴾ أي: العالم بكل شيء القدير على كل شيء ﴿لا يحب المفسدين﴾ أي: لا يعاملهم معاملة من يحبه، وقيل أن القائل له هذا موسى ﵇، وقيل مؤمنو قومه، وكيف كان فقد جمع في هذا الوعظ ما فيه مزيد لكنه أبى أن يقبل بل زاد عليه كفر النعمة بأن. ﴿قال﴾ أي: قارون في الجواب ﴿إنما أوتيته﴾ أي: هذا المال ﴿على علم﴾ حاصل ﴿عندي﴾ فإنه كان أعلم بني إسرائيل بالتوراة أي: فرآني له أهلاً ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره، وقيل هو علم الكيمياء، وقال سعيد ابن المسيب كان موسى يعلم الكيمياء فعلَّم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلَّم كالب ابن يوفنا ثلثه وعلَّم قارون ثلثه فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان ذلك سبب أمواله، وقيل على علم عندي بالتصرف في التجارات والزراعات وأنواع المكاسب، ثم أجاب الله تعالى: عن كلامه بقوله تعالى: ﴿أو لم يعلم أنّ الله﴾ أي: بما له من صفات الجلال والعظمة والكمال ﴿قد أهلك﴾ وقوله تعالى: ﴿من قبله من القرون﴾ فيه تنبيه على أنه لم يتعظ مع مشاهدته للمهلكين الموصوفين مع قرب الزمان وبعده وقوله تعالى: ﴿ومن هو أشدّ منه قوة﴾ أي: في البدن والمعاني من العلم وغيره والأنصار والخدم ﴿وأكثر جمعاً﴾ في المال والرجال آخرهم فرعون الذي شاهده في ملكه وحقق أمره يوم هلكه فيه تعجيب وتوبيخ على اغتراره بقوّته وكثرة ماله مع علمه بذلك لأنه قرأ في التوراة وكان أعلمهم بها وسمعه من حفاظ التواريخ واختلف في معنى قوله : ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾ فقال قتادة يدخلون النار بغير سؤال ولا حساب، وقال مجاهد لا تسأل الملائكة عنهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم وقال الحسن: لا يسئلون سؤال

стр. 1449

استعلام وإنما يسئلون سؤال توبيخ وتقريع، وقيل المراد أنّ الله تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة به إلى سؤالهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها لأنه تعالى عالم بكل المعلومات فلا حاجة إلى السؤال، فإن قيل كيف الجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾ (الحجر: ٩٢ ـ ٩٣) أجيب: بحمل ذلك على وقتين، وقال أبو مسلم: السؤال قد يكون للمحاسبة وقد يكون للتوبيخ والتقريع وقد يكون للاستعتاب، قال ابن عادل: وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله تعالى: ﴿ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون﴾ (النحل، ٨٤) هذا يوم لا ينطقون ولايؤذن لهم فيعتذرون (المرسلات: ٣٥، ٣٦) . ﴿فخرج﴾ أي: فتسبب عن تجبره واغتراره بماله أن خرج ﴿على قومه﴾ أي: الذين نصحوه في الاقتصاد في شأنه والإكثار في الجود على إخوانه وقوله تعالى: ﴿في زينته﴾ فيه دليل على أنه خرج بأظهر زينته وأكملها وليس في القرآن إلا هذا القدر. والناس ذكروا وجوهاً مختلفة: فقال إبراهيم النخعي أنه خرج هو وقومه في ثياب حمر وصفر، وقال ابن زيد: في تسعين ألفاً عليهم المعصفرات وقال مقاتل: خرج على بلغة شهباء عليها سرج من ذهب عليه الأرجوان ومعه أربعة آلاف فارس عليهم وعلى دوابهم الأرجوان ومعه ثلثمائة جارية بيض عليهنّ الحلي والثياب الحمر على البغال ولما كان كأنه قبل ماذا قال قومه له قيل ﴿قال الذين يريدون الحياة الدنيا﴾ منهم لسفول هممهم وقصور نظرهم على الفاني لكونهم أهل جهل وإن كان قولهم من باب الغبطة لا من باب الحسد الذي هو تمنى زوال نعمة المحسود ﴿يا ليت لنا﴾ أي: نتمنى تمنياً عظيماً أن نؤتى من أيّ مؤت كان وعلى أيّ وصف كان ﴿مثل ما أوتي قارون﴾ أي: من هذه الزينة وما تسبب عنه من العلم حتى لا نزال أصحاب أموال، ثم عظموها بقولهم مؤكدين لعلمهم أن ثم من يريدان ينكر عليهم ﴿إنه لذو حظ﴾ أي: نصيب وبخت من الدنيا ﴿عظيم﴾ بما أوتيه من العلم الذي كان سبباً له إلى جمع هذا المال وهؤلاء الراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبون الدنيا ودل على جهلهم وفضل العلم الرباني وحقارة ما أوتي قارون من المال والعلم الظاهر الذي أدى إلى اتباعه قوله تعالى: ﴿وقال الذين أوتوا العلم﴾ وهم أهل الدين قال ابن عباس: رضي الله تعالى عنهما يعني الأحبار من بني إسرائيل، وقال مقاتل: أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة فقالوا للذين تمنوا ﴿ويلكم﴾ ويل: أصله الدعاء بالهلاك ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما يضر، وهو منصوب بمحذوف أي: ألزمكم الله ويلكم ﴿ثواب الله﴾ أي: الجليل العظيم ﴿خير﴾ أي: من هذا الحطام الذي أوتيه قارون في الدنيا بل من الدنيا وما فيها ومن فاته الخير حل به الويل، ثم بينوا مستحقه تعظيماً له وترغيباً للسامع في حاله بقولهم ﴿لمن آمن وعمل﴾ تصديقاً لإيمانه ﴿صالحاً﴾ ثم بين تعالى عظمة هذه النصيحة وعلو قدرها بقوله تعالى: ﴿ولا يلقاها﴾ أي: هذه النصيحة التي قالها أهل العلم وهي الزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله أو الجنة المثاب بها ﴿إلا الصابرون﴾ أي: على أداء الطاعات والاحتراز عن المحرّمات وعلى الرضا بقضاء الله في كل ما قسم من المنافع والمضار الذين صار الصبر لهم خلقاً، ولما تسبب عن نظره هذا الذي أوصله إلى الكفر بربه أخذه بالعذاب أشار إلى ذلك بقوله : ﴿فخسفنا﴾ أي: بمالنا من العظمة ﴿به وبداره الأرض﴾ روي أنه كان

стр. 1450

يؤذي موسى ﵊ كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما وهو يؤذيه كل وقت ولا يزيد إلا عتواً وتجبراً ومعاداة لموسى حتى بنى داراً وجعل بابها من الذهب وضرب على جدرانها صفائح الذهب وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون فيطعمهم الطعام ويضاحكونه. قال ابن عباس: نزلت الزكاة على موسى ﵇ فأتاه قارون فصالحه عن كل ألف دينار بدينار، وعن كل ألف درهم بدرهم، وعن كل ألف شاة بشاة، فلم تسمح بذلك نفسه فجمع بني إسرائيل وقال: لهم إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فأمرنا بما شئت قال: آمركم أن تجيئوا بفلانة البغي فنجعل لها جعلاً حتى تقذف موسى بنفسها فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه فدعاها فجعل لها قارون ألف درهم، وقيل ألف دينار، قيل طشتاً من ذهب، وقيل قال لها إني أمونك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غداً إذا حضر بنو إسرائيل فلما كان من الغد وكان يوم عيد لهم قام موسى ﵇ خطيباً فقال: من سرق قطعناه ومن زنى غير محصن جلدناه ومن زنى محصناً رجمناه فقال له قارون ولو كنت أنت قال ولو كنت أنا قال إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة قال: ادعها فإن قالت فهو كما قالت فلما أن جاءت قال: لها موسى يا فلانة أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء فعظم عليها وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة إلا صدقت فتداركها الله تعالى بالتوفيق وقالت في نفسها أحدث اليوم توبة أفضل من أن أوذي رسول الله فقالت لا كذبوا ولكن جعل لي قارون جعلاً على أن أرميك بنفسي فخرّ موسى ساجداً يبكي ويقول: اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى الله تعالى إليه إني أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت فقال موسى: ﵇ يا بني إسرائيل إنّ الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلبث مكانه ومن كان معي فليعتزل فاعتزلوا ولم يبق مع قارون إلا رجلان ثم قال موسى: يا أرض خذيهم فأخذت الأرض بأقدامهم، وفي رواية كان على فراشه وسريره فأخذته حتى غيبت سريره ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الركب ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وقارون وصاحباه في كل ذلك يتضرعون إلى موسى ويناشده قارون بالله والرحم، حتى روي أنه ناشده سبعين مرّة وموسى في كل ذلك لا يلتفت إليه لشدّة غضبه ثم قال: يا أرض خذيهم فانطبقت عليهم الأرض فأوحى الله تعالى إليه ما أغلظ قلبك استغاث بك سبعين مرة فلم ترحمه وعزتي وجلالي لو دعاني مرة واحدة لأجبته، وفي بعض الآثار لا أجعل الأرض بعدك طوعاً لأحد، قال قتادة: خسف به فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة قال: وأصبح بنو إسرائيل يتناجون فيما بينهم إن موسى إنما دعا على قارون ليستبدّ بداره وكنوزه فدعا الله تعالى حتى خسف بداره وبأمواله، فإياكم يا أمة هذا النبيّ أن تردوا ما أتاكم به من الرحمة فتهلكوا، وإن كنتم أقرب الناس إليه فإن قارون كان من أقارب موسى ﵇ فإن الأنبياء ﵈ كما أنهم لا يوجدون الهدى في قلوب العدا فكذلك لا يمنعونهم من الردى ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴿فما﴾ فتسبب عنه أنه ما ﴿كان له﴾ أي: لقارون، وأكد النفي لما استقر في الأذهان أن الأكابر منصورون بزيادة الجار في قوله تعالى: ﴿من فئة﴾ أي: أعوان وأصل الفئة

стр. 1451

الجماعة من الطير كأنها سميت بذلك لكثرة رجوعها وسرعتها إلى المكان الذي ذهبت منه ﴿ينصرونه من دون الله﴾ أي: غيره بأن يمنعوا عنه الهلاك ﴿وما كان من المنتصرين﴾ أي: الممتنعين منه من قولهم نصره من عدوه فانتصر إذا منعه منه فامتنع ولما خسف به واستبصر الجهال الذين هم كالبهائم لا يرون إلا المحسوسات ذكر حالهم بقوله: ﴿ وأصبح﴾ أي: وصار ولكنه ذكره لمقابلة المساء ﴿الذين تمنوا﴾ أي: أرادوا إرادة عظيمة بغاية الشفقة أن يكونوا ﴿مكانه﴾ أي: تكون حاله ومنزلته في الدنيا لهم ﴿بالأمس﴾ أي: الزمان الماضي القريب وإن لم يكن يلي يومهم الذي هم فيه فالأمس قد يذكر ولا يراد به اليوم الذي قبل يومك ولكن الوقت المستقرب على طريق الاستعارة ﴿يقولون ويكأنّ الله يبسط﴾ أي: يوسع ﴿الرزق لمن يشاء من عباده﴾ بحسب مشيئته وحكمته لا لكرامته عليه ﴿ويقدر﴾ أي: يضيق على من يشاء لا لهوان من يضيق عليه بل لحكمته وقضائه ابتلاء منه وفتنة و «وي» اسم فعل بمعنى أعجب أي: أتى والكاف بمعنى اللام، وهذه الكلمة والتي بعدها متصلة بإجماع المصاحف. واختلف القراء في الوقف فالكسائي وقف على الياء قبل الكاف، ووقف أبو عمرو على الكاف، ووقف الباقون على النون وعلى الهاء، وحمزة يسهل الهمزة في الوقف على أصله، وأما الوصل فلا خلاف فيه بينهم ولما لاح لهم من واقعته أن الرزق إنما هو بيد الله اتبعوه ما دل على أنهم اعتقدوا أيضاً أن الله قادر على ما يريد من غير الرزق كما هو قادر على الرزق من قولهم ﴿لولا أن منّ الله﴾ أي: تفضل الملك الأعظم ﴿علينا﴾ بجوده ولم يعطنا ما تمنيناه من الكنوز على مثل حاله ﴿لخسف بنا﴾ مثل ما خسف به ﴿ويكأنه لا يفلح الكافرون﴾ لنعمة الله تعالى كقارون والمكذبين لرسله وبما وعد لهم من ثواب الآخرة وقوله تعالى: ﴿تلك الدار الآخرة﴾ إشارة تعظيم وتفخيم لشأنها أي: تلك الدار التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها، وتلك مبتدأ والدار صفته والخبر ﴿نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض﴾ بالبغي ﴿ولا فساداً﴾ بعمل المعاصي فلم يعلق تعالى الوعد بترك العلو والفساد ولكن بترك، إرادتهما وميل القلوب إليهما كما قال تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ (هود، ١١٣) فعلق الوعيد بالركون، وعن علي رضي الله تعالى عنه أن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها، وعن الفضيل أنه قرأها ثم قال ذهبت الأماني ههنا، وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أنه كان يرددها حتى قبض، قال الزمخشري: ومن الطماع من يجعل العلو لفرعون والفساد لقارون متعلقاً بقوله تعالى: ﴿أن فرعون علا في الأرض﴾ وبقوله تعالى: ﴿ولا تبغ الفساد في الأرض﴾ فيقول من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة ولا يتدبر قوله تعالى ﴿والعاقبة﴾ أي: المحمودة ﴿للمتقين﴾ أي: عقاب الله تعالى بعمل طاعته كما تدبره علي والفضيل وعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهم، ولما بيَّن تعالى أن الدار الآخرة ليست لمن يريد علواً في الأرض ولا فساداً بل هي للمتقين بين بعد ذلك ما يحصل فقال تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها﴾ من عشرة أضعاف إلى سبعين إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا يحيط به إلا الله تعالى ﴿ومن جاء بالسيئة﴾ وهي ما نهى الله تعالى عنه ومنه إخافه المؤمنين ﴿فلا يجزى﴾ أي: من أيّ جاز وأظهر ما في هذا الفعل من الضمير العائد على

стр. 1452

من بقوله تعالى: ﴿الذين عملوا السيئآت﴾ تصويراً لحالهم وتقبيحاً لهم وتنفيراً من عملها ﴿إلا﴾ جزاء ﴿ما كانوا يعملون﴾ أي: مثله وهذا من فضل الله العظيم وكرمه الواسع أن لا يجزي السيئة إلا بمثلها ويجزي الحسنة بأكثر منها كما مرّ، فإن قيل قال تعالى: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾ (الإسراء: ٧) كرر ذكر الإحسان واكتفى في ذكر الإساءة بمرة واحدة فما السبب في ذلك؟. أجيب: بأن هذا المقام مقام ترغيب في الدار الآخرة فكانت المبالغة في النهي عن المعصية مبالغة في الدعوة إلى الآخرة، وأما الآية الأخرى فهي شرح حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى، فإن قيل كيف أنه تعالى لا يجزي السيئة إلا بمثلها مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد الآبار؟ أجيب: بأنه كان على عزم أنه لو عاش أبداً لقال ذلك فعومل بمقتضى عزمه. ﴿إن الذي فرض﴾ أي: أنزل ﴿عليك القرآن﴾ قاله أكثر المفسرين، وقال عطاء: أوجب عليك العمل بالقرآن، وقال أبو عليّ: فرض عليك أحكامه وفرائضه ﴿لرادّك إلى معاد﴾ أي: معاد ليس لغيرك من البشر وهو المقام المحمود الذي وعدك أن يبعثك فيه وتنكير المعاد لذلك، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس يعني إلى الموت، وقال الزهري وعكرمة: إلى يوم القيامة، وقيل إلى الجنة. وروى العوفي عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما يعني إلى مكة وهو قول مجاهد، وقال القتيبي: معاد الرجل بلده ينصرف ثم يعود إلى بلده وذلك أنّ النبيّ ﷺ لما خرج من الغار مهاجراً إلى المدينة سار في غير الطريق مخافة الطلب فلما أمن ورجع إلى الطريق ونزل الجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة اشتاق إليها فأتاه جبريل ﵇ فقال: اشتقت إلى بلدك ومولدك قال: نعم قال: فإنّ الله تعالى يقول: ﴿أن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد﴾ قال الرازي: وهذا أقرب لأنّ ظاهر المعاد أنه كان فيه وفارقه وحصل له العود إليه وذلك لا يليق إلا بمكة وإن كان سائر الوجوه محتملاً لكن ذلك أقرب، قال أهل التحقيق: وهذا آخر مما يدل على نبوته لأنه أخبر عن الغيب ووقع كما أخبر فيكون معجزاً ونزل جواباً لقول كفار مكة إنك لفي ضلال مبين ﴿قل﴾ أي: للمشركين ﴿ربي أعلم من جاء بالهدى﴾ وما يستحقه من الثواب في المعاد يعني نفسه ﴿ومن هو في ضلال مبين﴾ يعنيهم وما يستحقونه من العذاب في معادهم فهو الجائي بالهدى وهم في الضلال، تنبيه: من جاء منصوب بمضمر أي: يعلم أو بأعلم أن جعلناها بمعنى عالم وأعملناها إعماله. ﴿وما كنت ترجو﴾ أي: في سالف الدهر بحال من الأحوال ﴿أن يلقى﴾ أي: ينزل على وجه لم تقدر على رده ﴿إليك الكتاب﴾ أي: يوحى إليك القرآن، قال البيضاوي أي: سيردك إلى معاد كما ألقى إليك الكتاب وما كنت ترجوه وهو ظاهر على أن المراد بالمعاد مكة وقوله تعالى: ﴿إلا رحمة﴾ استثناء منقطع أي: لكن ألقى إليك الكتاب رحمة ﴿من ربك﴾ أي: فأعطاك القرآن، وقيل: متصل قال الزمخشري: هذا كلام محمول على المعنى كأنه قيل وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة فيكون استثناء من الأحوال أو من المفعول له ﴿فلا تكونن ظهيراً﴾ أي: معيناً ﴿للكافرين﴾ على دينهم الذي دعوك إليه، قال مقاتل: وذلك حين دعي إلى دين آبائه، فذكره الله تعالى نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه. ﴿ولا يصدنك عن آيات الله﴾ أي: قراءتها والعمل بها ﴿بعد إذ نزلت

стр. 1453

إليك﴾ أي: لا ترجع إليهم في ذلك ﴿وادع﴾ أي: أوجد الدعاء ﴿إلى ربك﴾ أي: إلى عبادته وتوحيده ﴿ولا تكونن من المشكرين﴾ أي: بإعانتهم، ولم يؤثر الجازم في الفعل لبنائه بخلافه في يصدنك فإنه حذف منه نون الرفع إذ أصله يصدوننك حذفت نون الرفع للجازم ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين. ﴿ولا تدع﴾ أي: تعبد ﴿مع الله﴾ أي: الجامع لجميع صفات الكمال ﴿إلهاً آخر﴾ فإن قيل: هذا وما قبله لا يقع منه ﷺ فما فائدة ذلك النهي؟ أجيب: بأنه ذكر للتهييج وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم أو أن الخطاب وإن كان معه لكن المراد غيره كما في قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (الزمر: ٦٥) ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو﴾ أي: لا نافع ولا ضار ولا معطى ولا مانع إلا هو كقوله تعالى: ﴿رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً﴾ (المزمل: ٩) فلا يجوز اتخاذ إله سواه، ثم علل وحدانيته بقوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ أي: ذاته فإنّ الوجه يعبر به عن الذات، قال أبو العالية: إلا ما أريد به وجهه، وقيل: إلا ملكه، واختلفوا في قوله تعالى: ﴿هالك﴾ فمن الناس من فسر الهلاك بإخراجه عن كونه منتفعاً به بالإماتة أو بتفريق الأجزاء وإن كانت أجزاؤه باقية فإنه يقال هلك الثوب وهلك المتاع ولا يريدون به فناء أجزائه بل خروجه عن كونه منتفعاً به، ومنهم من قال: معنى كونه هالكاً كونه قابلاً للهلاك في ذاته فإن كل ما عداه تعالى ممكن الوجود قابل للعدم فكان قابلاً للهلاك فأطلق عليه اسم الهالك نظراً إلى هذا الوجه وعلى هذا يحمل قول النسفي في بحر الكلام سبعة لا تفنى: العرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار بأهلهما من ملائكة العذاب والحور العين والأرواح ﴿له الحكم﴾ أي: القضاء النافذ في الخلق ﴿وإليه﴾ وحده ﴿ترجعون﴾ أي: في جميع أحوالكم في الدنيا وبالنشور من القبور للجزاء في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم، وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشريّ من قوله ﷺ «من قرأ سورة طسم القصص كان له من الأجر بعدد من صدّق بموسى وكذب ولم يبق ملك في السموات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنه كان صادقاً» ، حديث موضوع. سورة العنكبوت مكية إلا عشر آيات من أوّلها إلى قوله تعالى ﴿وليعلمنّ المنافقين﴾ قال الحسن: فإنها مدنية وهي سبع وستون آية، وألف وتسعمائة وإحدى وثمانون كلمة، وأربعة آلاف وخمسمائة وخمسة وتسعون حرفاً. ﴿بسم الله﴾ الذي أحاط بجميع القوة فأعز جنده ﴿الرحمن﴾ الذي شمل جميع العباد بنعمه ﴿الرحيم﴾ بجميع خلقه وقوله تعالى: ﴿ألم﴾ سبق القول فيه في أوّل البقرة، ووقوع الاستفهام بعده دليل على استقلاله بنفسه فيكون اسماً للسورة، أو للقرآن، أو لله، أو أنه سرّ استأثر بعلمه الله تعالى، أو استقلالِه بما يضمر معه بتقديره مبتدأ أو خبراً وغيره مما مرّ أوّل سورة البقرة، وقيل في ألم أشار بالألف الدال على القائم إلا على المحيط، ولام الوصلة وميم التمام بطريق الرمز إلى أنه تعالى أرسل جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام، ولما قال تعالى في آخر السورة المتقدّمة ﴿وادع إلى ربك﴾ (القصص: ٨٧) وكان في الدعاء إليه الحراب والضراب والطعان لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 1454

وأصحابه كانوا مأمورين بالجهاد فشق على البعض ذلك فقال تعالى: ﴿أحسب الناس﴾ أي: كافةً ﴿أن يتركوا﴾ أي: أظنوا أنهم يتركون بغير اختبار وابتلاء في وقت ما بوجه من الوجوه تنبيه: أن يتركوا سدّ مسدّ مفعولي حسب عند الجمهور ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿يقولوا﴾ أي: بقولهم ﴿آمنا وهم﴾ أي: والحال أنهم ﴿لا يفتنون﴾ أي: يختبرون بما تتميز به حقية إيمانهم بمشاق التكاليف كالمهاجرة والمجاهدة ورفض الشهوات وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ليتبين المخلص من المنافق، والصادق من الكاذب، ولينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات فإنّ مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب. واختلفوا في سبب نزول هذه الآية: فقال الشعبي: نزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام ثم هاجروا فتبعهم الكفار فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إنها نزلت في عمار بن ياسر وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام كانوا يعذبون بمكة. وقال ابن جريج: نزلت في عمار بن ياسر كان يعذب في الله . وقال مقاتل: نزلت في مهجع بن عبد الله مولى عمر كان أوّل قتيل قتل من المسلمين يوم بدر فقال ﷺ سيد الشهداء مهجع وهو أوّل من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة فجزع عليه أبواه وامرأته فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل وهم لا يفتنون بالأوامر والنواهي وذلك أنّ الله تعالى أمرهم في الابتداء بمجرد الإيمان ثم فرض عليهم الصلاة والزكاة وسائر الشرائع فشق على بعض فأنزل الله تعالى هذه الآية ثم عزاهم فقال: ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم﴾ أي: من الأنبياء والمؤمنين فمنهم من نشر بالمنشار ومنهم من قتل، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب فذلك سنة قديمة جارية في الأمم كلها فلا ينبغي أن يتوقع خلافه ﴿فليعلمنّ الله﴾ أي: الذي له الكمال كله ﴿الذين صدقوا﴾ في إيمانهم علم مشاهدة للخلق وإلا فالله تعالى لا يخفى عليه خافية ﴿وليعلمن الكاذبين﴾ فيه أي: فيظهر الله الصادقين من الكاذبين في الإيمان. (فائدة) لبعض المحبين: *للهوى آية (أي علامة) بها يعرف الصا ... دق في عشقه من الكذاب * *سهر الليل دائماً ونحول ال ... جسم والموت في رضا الأحباب ... ﴿أم حسب﴾ أي: ظن ﴿الذين يعلمون السيئات﴾ أي: الشرك والمعاصي، فإن العمل يعم أفعال القلوب والجوارح ﴿أن يسبقونا﴾ أي: يفوتونا فلا ننتقم منهم، وهذا ساد مسدّ مفعولي حسب. وأم منقطعة والإضراب فيها لأنّ هذا الحساب أبطل من الأوّل لأنّ صاحب ذلك يقدر أن لا يمتحن لإيمانه وصاحب هذا يظن أن لا يجازى بمساويه، ولهذا عقبه بقوله تعالى: ﴿ساء ما يحكمون﴾ أي: بئس الذي يحكمونه، أو حكماً يحكمونه، حكمهم هذا فحذف المخصوص بالذم، ولما بين بقوله: ﴿أحسب الناس أن يتركوا﴾ أن العبد لا يترك في الدنيا سدى، وبين في قوله تعالى: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ أن من ترك ما كلف به يعذب عذاباً بين أن من يعترف بالآخرة ويعمل لها لا يضيع عمله بقوله تعالى: ﴿من كان يرجو لقاء الله﴾ أي: الملك الأعلى، قال ابن عباس ومقاتل: من كان يخشى البعث والحساب والرجاء بمعنى الخوف، وقال سعيد بن جبير: من كان يطمع

стр. 1455

في ثواب الله ﴿فإن أجل الله﴾ أي: الوقت المضروب للقائه ﴿لآت﴾ أي: لجاءٍ لا محالة فإنه لا يجوز عليه إخلاف الوعد، فإن قيل: كيف وقع فإن أجل الله لآت جواباً للشرط؟ أجيب: بأنه إذا كان وقت اللقاء آتياً كان اللقاء آتياً لا محالة كما تقول من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة قريب، إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة، وقال مقاتل يعني: يوم القيامة لكائن ومعنى الآية أن من يخشى الله تعالى ويأمله فليستعد له وليعمل لذلك اليوم كما قال تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً﴾ (الكهف: ١١٠) ﴿وهو السميع﴾ أي: لما قالوه ﴿العليم﴾ يعلم من صدق فيما قال ومن كذب فيثيب ويعاقب على حسب علمه، قال الرازي: وههنا لطيفة وهي أنّ للعبد أموراً هي أصناف حسناته عمل قلبه وهو التصديق وهو لا يرى ولا يسمع وإنما يعلم، وعمل لسانه وهو يسمع، وعمل أعضائه وجوارحه وهو يرى فإذا أتى بهذه الأشياء يجعل الله تعالى لمسموعه ما لا أذن سمعت، ولمرئيه ما لا عين رأت ولعمل قلبه ما لا خطر على قلب بشر كما وصف في الخبر في وصف الجنة اه. (تنبيه) لم يذكر الله تعالى من الصفات غير هذين الصفتين كالعزيز والحكيم وذلك لأنه سبق القول في قوله ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمناً﴾ وسبق الفعل بقوله تعالى: ﴿وهم لا يفتنون﴾ وبقوله تعالى: ﴿فليعلمن الله الذين صدقوا﴾ وبقوله تعالى: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ ولا شك أن القول يدرك بالسمع، والعمل منه ما يدرك بالبصر ومنه ما لا يدرك به كما علم مما مرّ والعلم يشملها، ولما بين تعالى أنّ التكليف حسن واقع وإن عليه وعداً وإيعاد ليس لهما دافع بين أن طلب الله تعالى ذلك من المكلف ليس لنفع يعود إليه بقوله تعالى: ﴿ومن جاهد﴾ أي: بذل جهده في جهاد حرب أو نفس حتى كأنه يسابق آخر في الأعمال الصالحة ﴿فإنما يجاهد لنفسه﴾ لأنّ منفعة جهاده له لا لله تعالى فإنه غني مطلق كما قال تعالى: ﴿إن الله﴾ أي: المتصرّف في عباده بما شاء ﴿لغنيّ عن العالمين﴾ أي: الأنس والجنّ والملائكة وعن عبادتهم ومثل هذا كثير في القرآن كقوله تعالى: ﴿من عمل صالحاً فلنفسه﴾ (فصلت: ٦) وقوله تعالى: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾ (الإسراء: ٧) فينبغي للعبد أن يكثر من العمل الصالح ويخلصه لأنّ من عمل فعلاً يطلب به ملكاً ويعلم أنّ الملك يراه يحسن العمل ويتقنه، وإذا علم أن عمله لنفسه لا لأحد يكثر منه، نسأل الله الكريم الفتاح أن يوفقنا للعمل الصالح وأن يفعل ذلك بأهلينا وذريتنا ومحبينا بمحمد وآله، ولما بين تعالى حال المسيء مجملاً بقوله تعالى: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا﴾ إشارة إلى التعذيب مجملاً، وذكر حال المحسن بقوله تعالى: ﴿ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه﴾ وكان التقدير فالذين جاهدوا والذين عملوا السيئات لنجزينهم أجمعين ولكنه طواه لأن السياق لأهل الرجاء عطف عليه قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا﴾ تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي: في الشدة والرخاء على حسب طاقتهم وفي ذلك إشارة إلى أن رحمته تعالى أتم من غضبه وفضله أتم من عدله وأشار بقوله تعالى: ﴿لنكفرنّ عنهم سيئاتهم﴾ إلى أن الإنسان وإن اجتهد لا بد من أن يزل عن الطاعة لأنه مجبول على النقص: «فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما لم تؤت الكبائر، والجمعة، إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان» ونحو ذلك مما وردت به الأخبار عن النبيّ ﷺ المختار، فالصغائر تكفر بعمل الصالحات، وأما الكبائر فتكفر بالتوبة، ولما بشرهم

стр. 1456

بالعفو عن العقاب أتم البشرى بالامتنان بالثواب فقال عاطفاً على ما تقديره ولنثبتنّ لهم حسناتهم ﴿ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون﴾ أي: أحسن جزاء ما عملوه وهو الصالحات، وأحسن نصب بنزع الخافض وهو الباء، ولما كان من جملة العمل الصالح الإحسان إلى الوالدين ذكر ذلك بقوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه﴾ أي: وإن عليا ﴿حسناً﴾ أي: برّاً بهما وعطفاً عليهما أي: وصيناه بإيتاء والديه حسناً أو بإيلاء والديه حسناً لأنهما سبب وجود الولد وسبب بقائه بالتربية المعتادة والله تعالى سبب له في الحقيقة بالإرادة وسبب بقائه بالإعادة للسعادة فهو أولى بأن يحسن العبد حاله معه، فيطيعهما ما لم يأمراه بمعصية الله تعالى كما قال: تعالى: ﴿وإن جاهداك لتشرك بي﴾ وقوله تعالى ﴿ما ليس لك به علم﴾ أي: لا علم لك بإلهيته موافق للواقع فلا مفهوم له أو أنه إذا كان لا يجوز أن يتبع فيما لا يعلم صحته فبالأولى أن لا يتبع فيما يعلم بطلانه ﴿فلا تطعهما﴾ في ذلك كما جاء في الحديث: «لا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى» ولا بد من إضمار القول إن لم يضمر قبل، ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿إليّ مرجعكم﴾ أي: من آمن منكم ومن كفر ومن برّ والديه ومن عق، ثم تسبب عنه قوله تعالى: ﴿فأنبئكم بما كنتم تعلمون﴾ أي: أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص الزهري وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس: «روي أنها لما سمعت بإسلامه قالت له: يا سعد بلغني أنك قد صبأت فوالله لا يظلني سقف بيت من الضِّح ـ وهو بكسر الضاد المعجمة وبحاء مهملة الشمس ـ والريح، وإن الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد وكان أحب أولادها إليها فأبى سعد ولبثت ثلاثة أيام لا تنتقل من الضح ولا تأكل ولا تشرب فلم يطعها سعد بل قال: والله لو كانت مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما كفرت بمحمد ﷺ ثم جاء سعد إلى النبيّ ﷺ وشكا إليه فنزلت هذه الآية وهي التي في لقمان والتي في الأحقاف فأمره ﷺ «أنْ يداريها ويترضاها بالإحسان» . وروي أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وذلك أنه هاجر مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما مترافقين حتى نزلا المدينة فخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام أخواه لأمّه أسماء بنت مخرمة امرأة من بني تميم بن حنظلة فنزلا بعياش وقالا له: إنّ من دين محمد صلة الأرحام وبرّ الوالدين وقد تركت أمك لا تأكل ولا تشرب ولا تأوي بيتاً حتى تراك وهي أشد حباً لك منا فاستشار عمر فقال: هما يخدعانك ولك عليّ أن أقسم مالي بيني وبينك فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر فقال عمر: أمّا إذا عصيتني فخذ ناقتي فليس في الدنيا بعير يلحقها فإن رابك منهما ريب فارجع فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي قد كلت فاحملني معك قال: نعم فنزل ليوطئ لنفسه وله فأخذاه وشدّاه وأوثقاه وجلده كل واحد منهما مائة جلدة وذهبا به إلى أمه فقالت: لا تزال في عذاب حتى ترجع عن دين محمد فنزلت رضي تعالى الله عنه وأرضاه ونفعنا به في الدنيا والآخرة، ولما كان التقدير فالذين أشركوا وعملوا السيئات لندخلنهم في المفسدين ولكنه طواه لدلالة السياق عليه عطف عليه زيادة في الحث على الإحسان إلى الوالدين قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا﴾ تحقيقاً لإيمانهم ﴿الصالحات لندخلهم في الصالحين﴾ أي: الأنبياء والأولياء بأن نحشرهم معهم، أو ندخلهم وهم

стр. 1457

الجنة، والصلاح منتهى درجات المؤمنين ومنتهى أنبياء الله والمرسلين، ولما بين المؤمن بقوله تعالى: ﴿فليعلمنّ الله الذين صدقوا﴾ وبين الكافر بقوله تعالى: ﴿وليعلمنّ الكاذبين﴾ بين أنه بقي قسم ثالث مذبذب بقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله﴾ بأن عذبهم الكفرة على الإيمان ﴿جعل فتنة الناس﴾ أي: له بما يصيبه من أذيتهم في منعه عن الإيمان إلى الكفر ﴿كعذاب الله﴾ أي: في الصرف عن الكفر إلى الإيمان ﴿ولئن﴾ لام قسم ﴿جاء نصر﴾ أي: للمؤمنين ﴿من ربك﴾ أي: بفتح وغنيمة ﴿ليقولنّ﴾ حذف منه نون الرفع لتوالي النونات، والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين ﴿إنا كنا معكم﴾ في الإيمان فأشركونا في الغنيمة وأما عند الشدّة فيجبنون كما قال الشاعر: *وما أكثر الأصحاب حين تعدهم ... ولكنهم في النائبات قليل * قال الله تعالى: ﴿أو ليس الله بأعلم﴾ أي: بعالم ﴿بما في صدور﴾ أي: قلوب ﴿العالمين﴾ من الإيمان والنفاق. ﴿وليعلمنّ الله الذين آمنوا﴾ أي: بقلوبهم ﴿وليعلمنّ المنافقين﴾ فيجازي الفريقين، واللام في الفعلين لام قسم، ولما بين الفرق الثلاثة وأحوالهم ذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بقوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا﴾ أي: ظاهراً وباطناً ﴿للذين آمنوا﴾ أي: ظاهراً وباطناً لم تتحملون الأذى والذل؟ ﴿اتبعوا سبيلنا﴾ أي: الذي نسلكه في ديننا تدفعوا عن أنفسكم ذلك، فقالوا: نخاف من عذاب الله تعالى على خطيئة اتباعكم فقالوا لهم اتبعونا ﴿ولنحمل خطاياكم﴾ إن كان ذلك خطيئة أو إن كان بعث ومؤاخذة، قال الجلال المحلي: والأمر بمعنى الخبر وهو أولى من قول البيضاوي: وإنما أمروا أنفسهم بالحمل عاطفين على أمرهم بالاتباع مبالغة في تعليق الحمل بالاتباع والوعد بتخفيف الأوزارعنهم إن كان تشجيعاً للمؤمنين على الاتباع وبهذا الاعتبار رد عليهم وكذبهم بقوله ﴿وما هم﴾ أي: الكفار ﴿بحاملين من خطاياهم﴾ أي: المؤمنين ﴿من شيء أنهم لكاذبون﴾ في ذلك، قال الزمخشري: وترى في المتسمين بالإسلام من يستن بأولئك فيقول لصاحبه إذا أراد أن يشجعه على ارتكاب بعض العظائم افعل هذا وإثمه في عنقي وكم من مغرور بمثل هذا الضمان من ضعفة العامة وجهلتهم؟. ومنه ما يحكي أن أبا جعفر المنصور رفع إليه بعض أهل الحشو حوائجه فلما قضاها قال: يا أمير المؤمنين بقيت الحاجة العظمى قال: وما هي قال شفاعتك يوم القيامة فقال: له عمرو بن عبيد ﵀ إياك وهؤلاء فإنهم قطاع الطريق في المأمن، فإن قيل كيف سماهم الله تعالى كاذبين وإنما ضمنوا شيئاً علم الله تعالى أنهم لا يقدرون على الوفاء به وضامن ما لا يعلم اقتداره على الوفاء به، لا يسمى كاذباً لا حين ضمن ولا حين عجز لأنه في الحالين لا يدخل تحت حد الكاذب وهو المخبر عن الشيء لا على ما هو عليه؟ أجيب: بأنّ الله تعالى شبه حالهم حيث علم أن ما ضمنوه لا طريق لهم إلى أن يفوا به فكان ضمانهم عنده لا على ما عليه المضمون بالكاذبين الذين خبرهم لا على ما عليه المخبر عنهم، ويجوز أن يراد أنهم كاذبون لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه كالكاذبين الذين يعدون الشيء وفي قلوبهم نية الخلف، تنبيه: من الأولى: للتبيين، والثانية: مزيدة، والتقدير: وما هم بحاملين

стр. 1458

شيئاً من خطاياهم. فإن قيل قال الله تعالى: ﴿وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء﴾ ثم قال الله تعالى: ﴿وليحملنّ﴾ أي: الكفرة ﴿أثقالهم﴾ أي: أثقال ما اقترفته أنفسهم ﴿وأثقالاً مع أثقالهم﴾ أي: أثقالاً بقولهم للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا وبإضلالهم مقلديهم فكيف الجمع بينهما؟ أجيب: بأن قول القائل حمل فلان عن فلان يريد أن حمل فلان خف فإن لم يخف حمله فلا يكون قد حمل منه شيئاً فقوله تعالى: ﴿وما هم بحاملين من خطاياهم﴾ يعني: لا يرفعون عنهم خطيئة بل يحملون أوزار أنفسهم وأوزاراً بسبب إضلالهم كقوله ﷺ «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء» وقال تعالى في آية أخرى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ (النحل، ٢٥) من غير أن ينقص من أوزار من تبعهم شيء ﴿وليسئلن يوم القيامة﴾ أي: سؤال توبيخ وتقريع ﴿عما كانوا يفترون﴾ أي: يختلقون من الأكاذيب والأباطيل، واللام في الفعلين لام قسم وحذف فاعلهما الواو ونون الرفع، ولما كان السياق للبلاء والامتحان والصبر على الهوان ذكر من الرسل الكرام ﵈ من طال صبره على البلاء ولم يفتر عزمه عن نصيحة العباد بقوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً﴾ أي: أوّل رسل الله إلى المخالفين من العباد وهو معنى ﴿إلى قومه﴾ وعمره أربعون سنة فإنّ الكفر كان قد عمّ أهل الأرض وكان ﵇ أطول الأنبياء ابتلاء بهم، ولذلك قال الله تعالى مسبباً عن ذلك ومتعقباً: ﴿فلبث فيهم﴾ أي: بعد الرسالة ﴿ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾ يدعوهم إلى توحيد الله تعالى فكذبوه ﴿فأخذهم الطوفان﴾ أي: الماء الكثير فغرقوا ﴿وهم ظالمون﴾ قال ابن عباس مشركون، وفي ذلك تسلية للنبيّ ﷺ ولتابعيه رضي الله تعالى عنهم وتثبيت لهم وتهديد لقريش، قال ابن عباس: كان عمر نوح ﵇ ألفاً وخمسين سنة بعث على رأس أربعين سنة ولبث في قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا. وروي عن ابن عباس أنه بعث وهو ابن أربعمائة وثمانين سنة وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة فإن كان هذا محفوظاً عن ابن عباس فيضاف إلى لبثه في قومه وهو تسعمائة وخمسون سنة فيكون قد عاش ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة، وأما قبره ﵇ فروى ابن جرير والأزرقي حديثاً مرسلاً «أنّ قبره بالمسجد الحرام» ، وقيل ببلدة البقاع يعرف اليوم بكرك نوح، وهناك جامع قد بني بسبب ذلك. وعن وهب أنه عاش ألفاً وأربعمائة سنة، والآية تدلّ على خلاف قول الأطباء العمر الإنساني لا يزيد على مائة وعشرين سنة ويسمونه العمر الطبيعي، قال الرازي: ونحن نقول ليس طبيعياً بل هو عطاء إلهي وأمّا العمر الطبيعي فلا يدوم عنده ولا نجده فضلاً عن مائة أو أكثر، فإن قيل: هلا قال تسعمائة سنة وخمسين ولم جاء التمييز أولاً بالسنة وثانياً بالعام؟ أجيب: عن الأوّل بأن ما أورده الله تعالى أحكم لأنه لو قيل كما ذكر لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك وكأنه قال تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد إلا أنّ ذلك أخصر وأعذب لفظاً وأملأ بالفائدة، وفيه نكتة أخرى وهي أنّ القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح ﵇ من أمته وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1459

وتثبيتاً له فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكبر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدّة صبره، وعن الثاني: بأنّ تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض نتيجة المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك، والطوفان لغة: ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام أو نحو ذلك قال العجاج: *وعمّ طوفان الظلام الأثأبا ﴿فأنجيناه﴾ أي: نوحاً ﵇ ﴿وأصحاب السفينة﴾ أي: الذين كانوا فيها من الغرق، وكانوا ثمانية وسبعين نفساً نصفهم ذكور ونصفهم إناث منهم أولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم، وعن محمد بن إسحاق كانوا عشرة خمسة رجال وخمسة نسوة، وقد روي عن النبيّ ﷺ «كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم» ﴿وجعلناها﴾ أي: السفينة أو الحادثة والقصة ﴿آية﴾ أي: عبرة وعلامة على قدرة الله تعالى وعلمه وإنجائه للطائع وإهلاكه للعاصي ﴿للعالمين﴾ أي: لمن بعدهم من الناس إن عصوا رسولهم فإنه لم يقع في الدهر حادثة أعظم منها ولا أغرب ولا أشهر في تطبيق الماء جميع الأرض بطولها والعرض وإغراق جميع ما عليها من حيوانٍ إنسانٍ وغيره، ولما ذكر تعالى قصة نوح وكان بلاء إبراهيم ﵇ عظيماً في قذفه في النار وإخراجه من بلاده اتبعه به بقوله تعالى: ﴿وإبراهيم﴾ وهو منصوب إما باذكر ويكون ﴿إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه﴾ أي: خافوا عقابه بدل اشتمال لأنّ الأحيان تشمل ما فيها، وإمّا معطوفاً على نوحاً، وإذ ظرف لأرسلنا أي: أرسلناه حين بلغ من السنّ والعلم مبلغاً صلح فيه لأنْ يعظ قومه وينصحهم ويعرض عليهم الحق ويأمرهم بالعبادة والتقوى ﴿ذلكم﴾ أي: الأمر العظيم الذي هو إخلاصكم في عبادتكم له وتقواكم ﴿خير لكم﴾ أي: من كل شيء ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي: في عداد من يتجدّد له علم فينظر في الأمور بنظر العلم دون نظر الجهل، ولما أمرهم بما تقدّم ونفى العلم عمن جهل خيريته دل عليه بقوله.b ﴿إنما تعبدون من دون الله﴾ أي: غيره ﴿أوثاناً﴾ أي: أصناماً لا تستحق العبادة لأنها حجارة منحوتة لا شرف لها ﴿وتخلقون﴾ أي: تصوّرون بأيديكم ﴿إفكاً﴾ أي: شيئاً مصروفاً عن وجهه فإنه مصنوع وأنتم تسمونه باسم الصانع، ومربوب وأنتم تسمونه رباً، أو تقولون كذباً في تسميتها آلهة وادعاء شفاعتها عند الله، ثم إنّ الله تعالى نفى عنها النفع بقوله تعالى: ﴿إن الذين تعبدون﴾ ضلالاً وعدولاً عن الحق الواضح ﴿من دون﴾ أي: غير ﴿الله﴾ الذي له الملك كله ﴿لا يملكون لكم رزقاً﴾ أي: شيئاً من الرزق الذي لا قوام لكم بدونه وأنتم تعبدونها فكيف بغيركم فتسبب عن ذلك قوله تعالى: ﴿فابتغوا﴾ أي: اطلبوا ﴿عند الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال ﴿الرزق﴾ أي: كله فإنه لا شيء منه إلا وهو بيده، فإن قيل: لم نكر الرزق في قوله تعالى: ﴿لا يملكون لكم رزقاً﴾ ؟ وعرفه في قوله تعالى: ﴿فابتغوا عند الله الرزق﴾ أجيب: بأنه نكره في معرض النفي أي: لا رزق عندهم أصلاً وعرفه عند الإثبات عند الله تعالى أي: كل رزق عنده فاطلبوه منه، وأيضاً الرزق من الله معروف لقوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ (هود، ٦) والرزق من الأوثان غير

стр. 1460

معلوم فنكره لعدم حصول العلم به ﴿واعبدوه﴾ أي: عبادة يقبلها وهي ما كانت خالصة من الشرك ﴿واشكروا﴾ أي: أوقعوا الشكر ﴿له﴾ خاصة على ما أفاض عليكم من النعم، ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿إليه﴾ وحده ﴿ترجعون﴾ أي: معنى في الدنيا والآخرة فإنه لا حكم في الحقيقة لأحد سواه، وحساً بالنشر والحشر بأيسر أمر فيثيب الطائع ويعذب العاصي، ولما فرغ من بيان التوحيد أتى بعده بالتهديد فقال: ﴿وإن تكذبوا﴾ أي: وإن تكذبوني ﴿فقد﴾ أي: فيكفيكم في الوعظ والتهديد معرفتكم بأنه قد ﴿كذب أمم﴾ أي: في الأزمان الكائنة ﴿من قبلكم﴾ أي: من قبلي من الرسل فجرى الأمر فيهم على سنن واحد لم يختلف قط في نجاة المطيع للرّسول، وهلاك العاصي له، ولم يضرّ ذلك الرسول شيئاً وما أضروا به إلا أنفسهم ﴿وما على الرسول﴾ أن يقهركم على التصديق بل ما عليه ﴿إلا البلاغ المبين﴾ الموضح مع ظهوره في نفسه بلا مرية بحيث لا يبقى فيه شك بإظهار المعجزة وإقامة الأدلة على الوحدانية. تنبيه: في المخاطب بهذه الآية والآيات بعدها إلى قوله تعالى: ﴿فما كان جواب قومه﴾ وجهان الأوّل: أنه قوم إبراهيم ﵇ لأنّ القصة له فكأنّ إبراهيم ﵇ قال لقومه: إن تكذبوني فقد كذب أمم من قبلكم، وإنما أتيت بما عليّ من التبليغ فإنّ الرسول ليس عليه إلا التبليغ والبيان، فإن قيل: إنّ إبراهيم ﵇ لم يسبقه إلا قوم نوح وهم أمّة واحدة؟ أجيب: بأن قبل قوم نوح أيضاً كان أقوام كقوم إدريس وقوم شيث وآدم، وأيضاً فإنّ نوحاً ﵇ عاش أكثر من ألف سنة وكان القرن يموت وتجيء أولاده والآباء يوصون الأبناء بالامتناع من الاتباع فكفى بقوم نوح أمما ولقد عاش إدريس ألف سنة في قومه إلى أن رفع إلى السماء وآمن به ألف إنسان منهم على عدد سنيه وأعقابهم على التكذيب. الثاني: أنّ الآية مع قوم محمد ﷺ لأنّ هذه القصص أكثرها المقصود منه تذكير قومه بحال من مضى حتى يمتنعوا من التكذيب ويرتدعوا خوفاً من التعذيب فقال في أثناء حكاياتهم يا قوم: إن تكذبوا فقد كذب قبلكم أقوام هلكوا فإن كذبتم فإني أخاف عليكم أن يقع بكم ما وقع بغيركم، وعلى هذا اقتصر الجلال المحلي والبقاعي. وهذه الآية تدل كما قال ابن عادل: على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لأنّ الرسول إذا بلغ شيئاً ولم يبينه فلم يأت بالبلاغ المبين. ﴿أو لم يروا﴾ أي: ينظروا ﴿كيف يبدئ الله﴾ أي: الذي له كل كمال ﴿الخلق﴾ أي: يخلقهم الله تعالى ابتداء نطفة ثم مضغة ثم علقة ﴿ثم﴾ هو لا غيره ﴿يعيده﴾ أي: الخلق كما كان ﴿إنّ ذلك﴾ أي: المذكور من الخلق الأوّل والثاني ﴿على الله﴾ أي: الجامع لكل كمال، المنزه عن كل شائبة نقص ﴿يسير﴾ فكيف ينكرون الثاني؟، فإن قيل: متى رأى الإنسان بدء الخلق حتى يقال أو لم يروا كيف يبدأ الله الخلق؟. أجيب: بأنّ المراد بالرؤية العلم الواضح الذي هو كالرؤية فالعاقل يعلم أنّ البدء من الله تعالى لأنّ الخلق الأول لا يكون من مخلوق وإلا لما كان الخلق الأول خلقاً أوّل فهو من الله تعالى، فإن قيل علق الرؤية بالكيفية لا بالخلق ولم يقل أو لم يروا أنّ الله خلق أو بدأ الخلق والكيفية غير معلومة؟ أجيب: بأنّ هذا القدر من الكيفية معلوم وهو أنه خلقه ولم يكُ شيئاً مذكوراً

стр. 1461

وأنه خلقه من نطفة هي من غذاء هو من ماء وتراب وهذا القدر كاف في حصول العلم بإمكان الإعادة، فإن قيل: لمَ أبرز اسمه تعالى في أن ذلك على الله يسير ولم يقل إن ذلك عليه كما قال: ثم يعيده من غير إبراز؟. أجيب: بأنه مع إقامة البرهان على أنه يسير أكده بإظهار اسمه فإنه يوجب المعرفة أيضاً بكون ذلك يسيراً فإن الإنسان إذا سمع لفظ الله وفهم معناه أنه الحيّ القادر بقدرة كاملة لا يعجزه شيء، محيط بذرات كل نافذ الإرادة يقطع بجواز الإعادة، وقرأ حمزة والكسائي وخلف تروا بالتاء على الخطاب على تقدير القول، والباقون بالياء على الغيْبة، ولما ساق تعالى هذا الدليل الذي حاجَّ به الخليل قومه قال تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿قل﴾ أي: لهؤلاء الذين تعبدوا بما تقلدوا بمذاهب آبائهم ﴿سيروا﴾ إن لم تقتدوا بأبيكم إبراهيم ﵊ وتتأمّلوا ما أقام من الدليل القاطع والبرهان الساطع ﴿في الأرض﴾ إن لم يكفكم النظر في أحوال بلادكم ﴿فانظروا﴾ أي: نظر اعتبار ﴿كيف بدأ﴾ ربكم الذي خلقكم ورزقكم ﴿الخلق﴾ من الحيوان والنبات والزروع والأشجار وغير ذلك مما تضمنته الجبال والسهول ﴿ثم الله﴾ أي: الحائز لجميع صفات الكمال ﴿ينشئ النشأة الآخرة﴾ بعد النشأة الأولى، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الشين وألف بعد الشين ممدودة قبل الهمزة، والباقون بسكون الشين والهمزة بعد الشين، ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ لأن نسبة الأشياء كلها إليه واحدة، فإن قيل: أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء فقال كيف يبدأ الله. وأضمره عند الإعادة وههنا أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة فقال ثم الله ينشئ؟ أجيب: بأنه في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله تعالى بفعل حتى يسند إليه البدء فقال: كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده اكتفاء بالأولى، وفي الثانية: كان ذكر البدء مسنداً إلى الله تعالى فاكتفى به ولم يبرزه، وأمّا إظهاره عند الإنشاء ثانياً فقال ثم الله ينشئ مع أنه كان يكفي أن يقول ثم ينشئ النشأة الآخرة فلحكمة بالغة وهي أنه مع إقامة البرهان على إمكان الإعادة أظهر اسمه حتى يفهم به صفات كماله ونعوت جلاله فيقطع بجواز الإعادة فقال: ثم الله مظهراً ليقع في ذهن الإنسان من اسمه كمال قدرته وشمول علمه ونفوذ إرادته فيعترف بوقوع بدئه وجواز إعادته. فإن قيل: قال في الأولى ﴿أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق﴾ بلفظ المستقبل وههنا قال: ﴿فانظروا كيف بدأ الخلق﴾ بلفظ الماضي فما الحكمة؟ أجيب: بأن الدليل الأوّل هو الدليل النفسي الموجب للعلم وهو موجب للعلم ببدء الخلق، وأمّا الدليل الثاني: فمعناه إن كان ليس لكم علم بأن الله يبدأ الخلق فانظروا إلى الأشياء المخلوقة فيحصل لكم العلم بأنّ الله بدأ خلقاً، ويحصل من هذا القدر العلم بأنه ينشئ كما بدأ ذلك. فإن قيل قال في هذه الآية: ﴿إنّ الله على كل شيء قدير﴾ وقال في الأولى: ﴿إن ذلك على الله يسير﴾ فما فائدته؟ أجيب بأنّ فيه فائدتين الأولى أن الدليل الأوّل هو الدليل: النفسي وهو وإن كان موجباً للعلم التامّ ولكن عند انضمام الدليل الآفاقي إليه يحصل العلم التامّ لأنه بالنظر إلى نفسه علم حاجته إلى غيره ووجوده منه فيتم علمه بأنّ كل شيء من الله تعالى فقال عند تمام الدليل: ﴿إنّ الله على كل شيء قدير﴾ وقال عند الدليل الواحد إنّ ذلك وهو الإعادة على

стр. 1462

الله يسير، الثانية: أنّ العلم الأوّل أتم وإن كان الثاني أعمّ وكون الأعم يسيراً على الفاعل أتم من كونه مقدوراً له بدليل قولك لمن يحمل مائة رطل إنه قادر عليه، فإذا سألت عن حمله عشرة أرطال تقول ذلك سهل يسير عليه فتقول: كان التقدير إن لم يحصل لكم العلم التامّ بأنّ هذه الأمور عند الله سهلة يسيرة فسيروا في الأرض لتعلموا أنه مقدور ونفس كونه مقدوراً كافٍ في إمكان الإعادة ولما تم الدليل على الإعادة أنتج لا محالة أنه: ﴿يعذب﴾ أي: بعدله ﴿من يشاء﴾ تعذيبه أي: منكم ومن غيركم في الدنيا والآخرة ﴿ويرحم﴾ أي: بفضله ورحمته ﴿من يشاء﴾ رحمته فلا يمسه سوء، فإن قيل: لم قدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أنّ رحمته سابقة كما قال ﷺ عن الله تعالى: «سبقت رحمتي غضبي» ؟ أجيب: بأنّ السابق ذكر الكفار فذكر العذاب لسبق ذكر مستحقه بحكم الإيعاد وعقبه بالرحمة، فذكر الرحمة وقع تبعاً لئلا يكون العذاب مذكوراً وحده وهذا تحقيق قوله: «رحمتي سبقت غضبي» ﴿وإليه﴾ وحده ﴿تقلبون﴾ أي: تردون بعد موتكم بأيسر سعي. ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ ربكم عن إدراككم ﴿في الأرض﴾ كيف انقلبتم في ظاهرها وباطنها واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿ولا في السماء﴾ لأنّ الخطاب مع الآدميين وهم ليسوا في السماء فقال الفراء معناه: ولا مَنْ في السماء بمعجز إن عصى كقول حسان بن ثابت رضى الله تعالى عنه: *فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء* أراد ومن يمدحه وينصره فأضمر (من) يريد أنه لا يعجز أهل الأرض من في الأرض ولا أهل السماء من في السماء فالمعنى أنّ من في السماء عطف بتقدير إن يعصى وقال الفراء: وهذا من غوامض العربية، وقال قُطْرب: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها كقول القائل: ما يفوتني فلان هنا ولا في البصرة أي: ولا في البصرة لو كان بها وكقوله تعالى: ﴿إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض﴾ (الرحمن: ٣٣) أي: على تقدير إن تكونوا فيها. وقال ابن عادل: وأبعد من ذلك من قدر موصولين محذوفين، أي: وما أنتم بمعجزين مَنْ في الأرض من الجنّ والأنس ولا مَنْ في السماء من الملائكة فكيف تعجزون خالقهما، وعلى قول الجمهور يكون المفعول محذوفاً أي: وما أنتم بمعجزين أي: فائتين ما يريد الله تعالى، وقال البقاعي: ويمكن أن يكون له نظر إلى قصة نمروذ وبنائه الصرح الذي أراد به التوصل إلى السماء لا سيما والآيات مكتنفة بقصة إبراهيم ﵇ من قبلها ومن بعدها، ولما أخبرهم بأنهم مقدور عليهم وكان ربما يتوهم أن غيرهم ينصرهم صرح بنفيه في قوله تعالى ﴿ومالكم﴾ أي: أجمعين وأشار إلى سفول رتبة كل من سواه بقوله تعالى: ﴿من دون الله﴾ أي: غيره وأكد النفي بإثبات الجار بقوله ﴿من ولي﴾ أي: قريب يحميكم لأجل القرابة ﴿ولا نصير﴾ ينصركم من عذابه، ولما بين الأصلين التوحيد والإعادة وقررهما بالبرهان هدد كل من خالفه على سبيل التفصيل بقوله تعالى: ﴿والذين كفروا﴾ أي: ستروا ما أظهرت لهم أنوار العقول ﴿بآيات الله﴾ أي: بسبب دلائل الملك الأعظم المرئية والمسموعة التي لا أوضح منها ﴿ولقائه﴾ بالبعث بعد الموت الذي أخبر به وأقام الدليل عليه

стр. 1463

﴿أولئك﴾ أي: البعداء البغضاء ﴿يئسوا﴾ أي: متحققين يأسهم من الآن بل من الأزل لأنهم لم يرجوا لقاء الله يوماً ولا قال قائل منهم: ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين ﴿من رحمتي﴾ أي: من أن أفعل بهم من الإكرام بدخول الجنة وغيرها فعل الراحم ﴿وأولئك لهم عذاب أليم﴾ أي: مؤلم بالغ ألمه، فإن قيل هلا اكتفى بقوله تعالى: ﴿أولئك﴾ مرة واحدة؟ أجيب: بأن ذلك كرّر تفخيماً للأمر فاليأس وصف لهم لأنّ المؤمن دائماً يكون راجياً خائفاً، وأمّا الكافر فلا يخطر بباله رجاء ولا خوف. وعن قتادة: أن الله تعالى ذمّ قوماً هانوا عليه فقال: ﴿أولئك يئسوا من رحمتي﴾ وقال ﴿ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ (يوسف: ٨٧) فينبغي للمؤمن أن لا ييأس من روح الله ولا من رحمته وأن لا يأمن عذابه وعقابه، فصفة المؤمن أن يكون راجياً لله خائفاً ثم إنّ الله تعالى أخبر عن فظاظة قوم إبراهيم وتكبرهم بقوله تعالى: ﴿فما كان جواب قومه﴾ لما أمرهم بالتوحيد وتقوى الله تعالى ﴿إلا أن قالوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض أو قاله واحد منهم وكان الباقون راضين ﴿اقتلوه أو حرّقوه﴾ بالنار، فإن قيل كيف سمى قولهم اقتلوه أو حرّقوه جواباً مع أنه ليس بجواب؟ أجيب عنه من وجهين: أحدهما: أنه خرج مخرج كلام المتكبر كما يقول الملك لرسول خصمه جوابكم السيف مع أن السيف ليس بجواب وإنما معناه لا أقابل بالجواب وإنما أقابل بالسيف، وثانيهما: أن الله تعالى أراد بيان صلابتهم وأنهم ذكروا ما ليس بجواب في معرض الجواب فبين أنهم لم يكن لهم جواب أصلاً، وذلك أن من لا يجيب غيره وسكت لا يعلم أنه يقدر على الجواب أم لا لجواز أن يكون سكوته عن الجواب لعدم الالتفات، وأما إذا أجاب بجواب فاسد علم أنه قصد الجواب وما قدر عليه، ثم إنهم استقرّ رأيهم على الإحراق فجمعوا له حطباً إلى أن ملؤوا ما بين الجبال وأضرموا فيه النار حتى أحرقت ما دنا منها بعظيم الاشتعال وقذفوه فيها بالمنجنيق ﴿فأنجاه الله﴾ بما له من كمال العظمة ﴿من النار﴾ أي: من إحراقها وأذاها ونفعته بأن أحرقت وثاقه ﴿إن في ذلك﴾ أي: ما ذكر من أمره وما اشتملت عليه قصته من الحكم ﴿لآيات﴾ أي: براهين قاطعة على جميع أمر الله من تصرفه في الأعيان والمعاني لكون النار لم تحرقه وأحرقت وثاقه وكل ما مرّ عليها من طائر وإخمادها مع عظمتها في زمان يسير وإنشاء روض مكانها، وروي أنه لم ينتفع في ذلك اليوم الذي ألقي فيه إبراهيم ﵇ بالنار وذلك لذهاب حرقها ﴿لقوم يؤمنون﴾ أي: يصدقون بتوحيد الله وقدرته لأنهم المنتفعون بالفحص عنها والتأمّل فيها. ﴿وقال﴾ أي: إبراهيم ﵇ غير هائب لتهديدهم بقتل أو غيره ﴿إنما اتخذتم﴾ أي: أخذتم باصطناع وتكلف وأشار إلى عظمة الله وعلوّ شأنه ﴿من دون الله﴾ الذي كل شيء تحت قهره ﴿أوثاناً﴾ أي: أصناماً تبعدونها وما مصدرية ﴿مودّة بينكم﴾ أي: تواددتم على محبتها ﴿في الحياة الدنيا﴾ بالاجتماع عندها والتواصل في أمرها بالتناصر والتعاضد كما يتفق ناس على مذهب فيكون ذلك سبب تصادقهم، وهذا دال على أن جمع الفسوق لأهل الدنيا هو العادة المستمرّة، وأن الحب في الله والاجتماع له عزيز جدّاً لما فيه من قطع علائق الدنيا وشهواتها التي زينت للناس على ما فيها من الإلباس

стр. 1464

وعظيم البأس، وقرأ نافع وابن عامر وشعبة مودّة بالنصب والتنوين وبينكم بنصب النون فنصب مودّة على أنه مفعول له أي: لأجل مودّة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي برفع مودّة من غير تنوين وكسر النون على أنّ مودّة خبر مبتدأ محذوف أي: هي مودّة، والباقون بنصب مودّة من غير تنوين وكسر النون وهذا أيضاً كإعراب المنوّنة، ولما أشار إلى هذا النفع الذي هو في الحقيقة ضراً تبع ذلك ما يعقبه من الضرّ البالغ معبراً بأداة البعد بقوله: ﴿ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض﴾ فينكر كل منكم محاسن أخيه ويتبرأ منه وتلعن الأتباع القادة وتلعن القادة الأتباع كما قال تعالى: ﴿ويلعن بعضكم بعضاً﴾ (العنكبوت، ٢٥) وتنكرون كلكم عبادة الأوثان تارة إذا تحققتم أنها ضرر لا نفع لها وتقرّون بها أخرى طالبين نصرتها راجين منفعتها وتنكر الأوثان عبادتكم وتجحد منفعتكم ﴿ومأواكم﴾ أي: جميعاً أنتم والأوثان ﴿النار وما لكم من ناصرين﴾ يحمونكم منها، ثم بين تعالى أوّل من آمن بإبراهيم بقوله تعالى: ﴿فآمن له﴾ أي: لأجل دعائه له مع ما رأى من الآيات ﴿لوط﴾ وكان ابن أخيه هاران وهو أوّل من صدّقه من الرجال ﴿وقال﴾ أي: إبراهيم ﵇ لما هو جدير بالإنكار من الهجرة لصعوبتها ﴿إني مهاجر﴾ أي: خارج من أرضي وعشيرتي على وجه يهمّ فمنتقل ومنحاز ﴿إلى ربي﴾ أي: إلى أرض ليس فيها أنيس ولا عشير ولا من ترجى نصرته ولا من تنفع مودّته فهاجر من كوثى من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى الأرض المقدّسة فكانت هجرتان، ومن ثم قالوا لكل نبيّ هجرة ولإبراهيم ﵇ هجرتان، وهو أوّل من هاجر في الله وكان معه في هجرته لوط وامرأته سارة، قال مقاتل وكان إذ ذاك ابن خمس وسبعين سنة. فإن قيل: لمَ لَمْ يقل: إني مهاجر إلى حيث أمرني ربي مع أنّ المهاجرة توهم الجهة؟ أجيب: بأنّ هذا القول ليس في الإخلاص كقوله إلى ربي لأنّ الملك إذا صدر منه أمر برواح الأخيار ثم إن واحداً منهم سار إلى ذلك الموضع لغرض نفسه فقد هاجر إلى حيث أمره الملك ولكن ليس مخلصاً لوجهه فلذا قال مهاجر إلى ربي يعني يوجهني إلى الجهة المأمور بالهجرة إليها ليس طلباً للجهة وإنما هو طلب لله، ثم علل ذلك بما يسليه عن فراق أرضه وأهل ودّه من ذوي رحمه وأنسابه بقوله: ﴿إنه هو﴾ أي: وحده ﴿العزيز﴾ أي: فهو جدير بإعزاز من انقطع إليه ﴿الحكيم﴾ فهو إذا أعز أحداً منعته حكمته من التعرّض له بالإذلال بفعل أو مقال، ولما كان التقدير فأعززناه بما ظنّ بنا عطف عليه قوله: ﴿ووهبنا له﴾ أي: بعظيم قدرتنا شكراً على هجرته ﴿إسحاق﴾ من زوجته سارة رضي الله تعالى عنها التي جمعت إلى العقم في شبابها اليأس في كبرها ﴿ويعقوب﴾ من ولده إسحاق ﵉ فإن قيل لِمَ لَمْ يذكر إسماعيل ﵇ وذكر إسحاق وعقبه؟ أجيب: بأن هذه السورة لما كان السياق فيها للامتحان وكان إبراهيم ﵇ قد ابتلي في إسماعيل بفراقه مع أمّه ووضعهما في مضيعة من الأرض لا أنيس فيها لم يذكره تصريحاً في سياق الامتنان وأفرد إسحاق لأنه لم يبتل فيه بشيء من ذلك ولأن الامتنان به لكون أمّه عجوزاً عقيماً أكبر وأعظم لأنها أعجب، وذكر إسماعيل تلويحاً في قوله تعالى ﴿وجعلنا﴾ أي: بعزتنا وحكمتنا ﴿في ذرّيته﴾ من ولد إسحاق وإسماعيل

стр. 1465

عليهما السلام ﴿النبوّة﴾ فلم يكن بعده نبيّ أجنبي عنه بل جميع الأنبياء من ذرّية إسحاق إلا نبينا محمداً ﷺ فإنه من ذرّية إسماعيل قاله بعض العلماء، فإن قيل إن الله تعالى جعل في ذرّيته النبوة أجابة لدعائه والوالد يسوّي بين أولاده فكيف صارت النبوّة في ولد إسحاق ﵇ أكثر؟. أجيب: بأنّ الله تعالى قسم الزمان من وقت إبراهيم إلى يوم القيامة قسمين والناس أجمعين فالقسم الأوّل من الزمان: بعث الله تعالى فيه أنبياء فيهم فضائل جمة وجاؤوا تترى واحداً بعد واحد مجتمعين في عصر واحد كلهم من ذرّية إسحاق ﵇، ثم في القسم الثاني: من الزمان: أخرج من ذرّية ولده إسماعيل ﵇ واحداً اجتمع فيه ما كان فيهم وأرسله إلى كافة الخلق وهو محمد ﷺ وجعله خاتم النبيين وقد دام الخلق على دين أولاد إسحاق أكثر من أربعة آلاف سنة ولا يبعد أن تبقى الخلق على دين ذرية إسماعيل ذلك المقدار ﴿والكتاب﴾ فلم ينزل كتاب إلا على أولاده، فإن قيل: لم أفرد الكتاب مع أنها أربعة التوراة والإنجيل والزبور والفرقان؟ أجيب: بأنه أفرده ليدلّ مع تناوله جنسية الكتب الأربعة أنه لا شيء يستحق أن يكتب إلا ما أنزل فيها أو كان راجعاً إليها ولو جمع لم يفد هذا المعنى ﴿وآتيناه أجره﴾ على هجرته ﴿في الدنيا﴾ بما خصصناه به مما لا يقدر عليه غيرنا من سعة الرزق ورغد العيش وكثرة الولد والحزم في الشيخوخة وكثرة النسل، والثناء الحسن والمحبة من جميع الخلق وغير ذلك. قال الرازي: وفي الآية لطيفة وهي أنّ الله تعالى بدل جميع أحوال إبراهيم ﵇ في الدنيا بأضدادها لما أراد القوم تعذييه بالنار كان وحيداً فريداً فبدل الله تعالى وحدته بالكثرة حتى ملأ الدنيا من ذريته، ولما كان أوّلاً بعث إلى قومه وأقاربه الأقربين ضالين مضلين من جملتهم آزر بدل الله تعالى أقاربه بأقارب مهتدين هادين وهم ذرّيته الذين جعلت فيهم النبوّة والكتاب، وكان أولاً لا جاه له ولا مال وهما غاية المذلة الدنيوية آتاه الله تعالى من المال والجاه حتى كان له من المواشي ما علم الله تعالى عدده حتى قيل إنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس بأطواق الذهب وأما الجاه فصار بحيث تقرن الصلاة عليه بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم القيامة فصار معروفاً بشيخ المرسلين بعد أن كان خاملاً حتى قال قائلهم سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم وهذا الكلام لا يقال إلا للمجهول عند الناس. ﴿وإنه في الآخرة﴾ أي: التي هي الدار ومحلّ الاستقرار ﴿لمن الصالحين﴾ أي: الذين خصصناهم بالسعادة وجعلنا لهم الحسنى وزيادة، قال ابن عباس: مثل آدم ونوح، وفي إعراب قوله تعالى: ﴿ولوطاً﴾ ما تقدّم في إعراب نصب إبراهيم ﴿إذ﴾ أي: حين ﴿قال لقومه﴾ أهل سدوم الذين سكن فيهم وصاهرهم وانقطع إليهم فصاروا قومه حين فارق عمه الخليل إبراهيم ﵉ منكراً ما رأى من حالهم وقبيح فعالهم مؤكداً له ﴿أئنكم لتأتون الفاحشة﴾ وهي أدبار الرجال المجاوزة للحدّ في القبح فكأنها لذلك لا فاحشة غيرها ثم علل كونها فاحشة استئنافاً بقوله: ﴿ما سبقكم بها﴾ وهي حالة مبينة لعظيم جراءتهم على المنكر أي: غير مسبوقين به وأغرق في النفي بقوله: ﴿من أحد﴾ وزاد بقوله: ﴿من العالمين﴾ أي: كلهم من الأنس والجنّ أي: فضلاً عن خصوص الناس ثم كرّر الإنكار

стр. 1466

تأكيداً التجاوز قبحها الذي ينكرونه بقوله: ﴿أئنكم لتأتون الرجال﴾ إتيان الشهوة وعطف عليها ما ضموه إليها من المناكر بقوله ﴿وتقطعون السبيل﴾ أي: طريق المارّة بالقتل وأخذ المال بفعلكم الفاحشة بمن يمرّ بكم فترك الناس الممرّ بكم أو تقطعون سبيل النساء بالإعراض عن الحرث وإتيان ما ليس بحرث ﴿وتأتون في ناديكم المنكر﴾ أي: تفعلون في متحدّثكم فعل الفاحشة بعضكم ببعض وهو مما تنكره الشرائع والمروءآت والعقول وأنتم لا تتحاشون عن شيء منه في المجتمع الذي يتحاشى فيه الإنسان من فعل خلاف الأولى من غير أن يستحي بعضكم من بعض، قال ابن عباس: المنكر هو الحذف بالحصا والرمي بالبنادق والفرقعة ومضع العلك والسواك بين الناس وحلّ الأزار والسباب والتضارط في مجالسهم والفحش والمزاح، وعن عائشة رضى الله تعالى عنها كانوا يتحابقون، وقيل: السخرية بمن يمرّ بهم، وقيل المجاهرة في ناديهم بذلك العمل وكل معصية فإظهارها أقبح من سترها، ولذلك جاء «من خرق جلباب الحياء فلا غيبة له» ولا يقال للمجلس نادياً إلا ما دام فيه أهله فإذا قاموا عنه لم يسمّ نادياً، وعن مكحول في أخلاق قوم لوط مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء وحلّ الإزار والصفير والحذف واللوطية، ودلّ على عنادهم بقوله تعالى مسبباً عن هذه الفضائح بالنهي عن تلك القبائح ﴿فما كان جواب قومه﴾ أي: الذين فيهم قوّة ونجدة بحيث يخشى شرّهم ويتقى أذاهم لما أنكر عليهم ما أنكر ﴿إلا أن قالوا﴾ عناداً وجهلاً واستهزاءً ﴿ائتنا بعذاب الله﴾ وعبروا بالاسم الأعظم زيادة في الجراءة ﴿إن كنت من الصادقين﴾ أي: في استقباح ذلك وأنّ العذاب نازل بفاعليه، فإن قيل: قال قوم إبراهيم ﵇ اقتلوه أو حرّقوه وقال قوم لوط: ﴿ائتنا بعذاب الله إنّ كنت من الصادقين﴾ وما هدّدوه مع أنّ إبراهيم كان أعظم من لوط فإنّ لوطاً كان من قومه؟ أجيب: بأنّ إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم ويعدّد صفات نقصهم بقوله لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يغني والسب في الدين صعب فجعلوا جزاءه القتل والتحريق، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم وينسبهم إلى ارتكاب المحرّم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم كلام إبراهيم فقالوا له: إنك تقول إن هذا حرام والله يعذب عليه فإن كنت صادقاً فائتنا بالعذاب، فإن قيل: إنّ الله تعالى قال في موضع آخر. ﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم﴾ (النمل، ٥٦) وقال هنا: ﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله﴾ فكيف الجمع؟ أجيب: بأنّ لوطاً كان ثابتاً على الإرشاد مكرّراً على النهي والوعيد فقالوا أولاً: ائتنا، ثم لما كثر ذلك منه ولم يسكت عنهم قالوا: أخرجوا ولما أيس منهم طلب النصرة من الله بأن. ﴿قال﴾ أي: لوط ﵇ معرضاً عنهم مقبلاً بكليته على المحسن إليه ﴿رب﴾ أي: أيها المحسن إليّ ﴿انصرني على القوم﴾ أي: الذين فيهم من القوّة ما لا طاقة لي بهم معه ﴿المفسدين﴾ أي: العاصين بإتيان الرجال ووصفهم بذلك مبالغة في استنزال العذاب وإشعاراً بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب ولما دعا لوط على قومه بقوله رب إلى آخره استجاب الله تعالى دعاءه وأمر ملائكته بإهلاكهم

стр. 1467

وأرسلهم مبشرين ومنذرين كما قال تعالى: ﴿ولما جاءت﴾ وأسقط أن لأنه لم يتصل القول بأوّل المجيء بل كان قبله السلام والضيافة وعظم الرسل بقوله تعالى: ﴿رسلنا﴾ أي: من الملائكة تعظيماً لهم في أنفسهم ﴿إبراهيم بالبشرى﴾ أي: بإسحاق ولداً له ويعقوب ولداً لإسحاق ﵉. ﴿قالوا﴾ أي: الرسل ﵈ لإبراهيم ﵇ بعد أن بشروه وتوجهوا نحو سدوم ﴿إنا مهلكوا أهل هذه القرية﴾ أي: قرية سدوم، والإضافة لفظية لأنّ المعنى على الاستقبال، ثم عللوا ذلك بقولهم: ﴿إنّ أهلها كانوا ظالمين﴾ أي: غريقين في هذا الوصف فلا حيلة في رجوعهم عنه، فإن قيل قال تعالى في قوم نوح: ﴿فأخذهم الطوفان وهم ظالمون﴾ (العنكبوت، ١٤) ففي ذلك إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم ولم يقل فأخذهم وكانوا ظالمين وهنا قال: ﴿إنّ أهلها كانوا ظالمين﴾ ولم يقل وهم ظالمون؟ أجيب: بأنه لا فرق في الموضعين في كونهما مهلكين وهم مصرون على الظلم لكن هناك الإخبار من الله تعالى عن الماضي حيث قال فأخذهم وهم عند الوقوع في العذاب ظالمون وههنا الإخبار من الملائكة عن المستقبل حيث قالوا: ﴿إنا مهلكوا﴾ فذكروا ما أمروا به فإنّ الكلام عن الملك بغير إذنه سوء أدب، وهم كانوا ظالمين في وقت الأمر وكونهم يبقون كذلك لا علم لهم به، ولما قالت الملائكة لإبراهيم ﵇ ذلك ﴿قال﴾ لهم مؤكداً تنبيهاً على حالة ابن أخيه ﴿إنّ فيها لوطاً﴾ ولم يقل ﵇ إن منهم لوطاً لأنه نزيل عندهم فلذا جاء بالتصريح بالسؤال عنه ﴿قالوا﴾ أي: الرسل ﵈ له: ﴿نحن أعلم﴾ منك ﴿بمن فيها﴾ أي: من لوط وغيره ﴿لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين﴾ أي: الباقين في العذاب وهم الفجرة لتعم وجهها معهم الغبرة، وقرأ حمزة والكسائي بسكون النون الثانية وتخفيف الجيم بعدها، والباقون بفتح النون وتشديد الجيم بعدها. ﴿ولما أن جاءت رسلنا لوطاً﴾ أي: المعظمون بنا ﴿سيء﴾ أي: حصلت له المساءة والغم ﴿بهم﴾ أي: بسببهم مخافة أن يقصدهم قومه بسوء لما رأى من حسن أشكالهم وهو يظنّ أنهم من الناس لأنهم جاؤوا من عند إبراهيم ﵇ إليه على صورة البشر، روي أنهم كانوا يجلسون مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصاً فإذا مرّ بهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه كان أولى به، قيل: إنه كان يأخذه معه وينكحه ويغرّمه ثلاثة دراهم ولهم قاض بذلك، ولهذا يقال: أجور من قاضي سدوم. ﴿وضاق﴾ أي: بأعمال الحيلة في الدفع عنهم ﴿بهم ذرعاً﴾ أي: ذرعه أي: طاقته والأصل في ذلك أنّ من طالت ذراعه نال ما لا يناله قصيرها يضرب مثلاً في العجز والقدرة، ولما رأوه على هذه الحالة خفضوا عليه ﴿قالوا﴾ له ﴿لا تخف﴾ إنا رسل ربك لإهلاكهم ﴿ولا تحزن﴾ أي: على تمكنهم منا أو على أحد ممن يهلك فإنه ليس في أحد منهم خير يؤسف عليه بسببه فإنهم وصلوا في الخبث إلى حدّ لا مطمع في الرجوع عنه مع ملازمته لدعائهم من غير ملل ولا ضجر، ثم عللوا ذلك بقولهم مبالغين في التأكيد: ﴿إنا منجوك﴾ أي: مبالغون في إنجائك وقولهم: ﴿وأهلك﴾ منصوب على محل الكاف ﴿إلا امرأتك كانت من الغابرين﴾ فإن قيل: القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها ذلك فكيف كانت من الغابرين معهم؟.

стр. 1468

أجيب: بأنّ الدال على الشرّ كفاعله كما أنّ الدال على الخير كفاعله وهي كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم فبالدلالة صارت كأحدهم، فإن قيل ما مناسبة قولهم إنا منجوك لقولهم لا تخف ولا تحزن فإنّ خوفه ما كان على نفسه؟ أجيب: بأنّ لوطاً لما ضاق عليهم وحزن لأجلهم قالوا له: لا تخف أي: علينا ولا تحزن لأجلنا فإنا ملائكة، ثم قالوا له: يا لوط خفت علينا وحزنت لأجلنا ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك، وفي مقابلة حزنك نزيل حزنك ولا نتركك تفجع في أهلك فقالوا إنا منجوك وأهلك، وقرأ ابن كثير وشعبة وحمزة والكسائي بسكون النون وتخفيف الجيم والباقون بفتح النون وتشديد الجيم ثم إنهم بعد بشارة لوط بالتنجية قالوا له: ﴿إنا منزلون﴾ أي: لا محالة ﴿على أهل هذه القرية رجزاً﴾ أي: عذاباً ﴿من السماء﴾ فهو عظيم وقعه، شديد صدعه، واختلف في ذلك الرجز فقيل: حجارة وقيل: نار، وقيل: خسف، وعلى هذا يكون المراد أنّ الأمر بالخسف والقضاء به من السماء، وقرأ ابن عامر بفتح النون وتشديد الزاي، والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي، تنبيه: كلام الملائكة مع لوط جرى على نمط كلامهم مع إبراهيم ﵇ فقدموا البشارة على إنزال العذاب ثم قالوا إنا منجوك ثم قالوا إنا منزلون ولم يعللوا التنجية فلم يقولوا إنا منجوك لأنك نبيّ أو عابد وعللوا الإهلاك فقالوا: ﴿بما كانوا يفسقون﴾ أي: يخرجون في كل وقت من دائرة العقل والحياء كقولهم هناك إنّ أهلها كانوا ظالمين، ولما كان التقدير ففعلت رسلنا ما وعدوه به من إنجائه وإهلاك جميع قراهم فتركناها كأن لم يسكنها أحد عطف عليه قوله تعالى: ﴿ولقد تركنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿منها﴾ أي: من تلك القرى ﴿آية﴾ أي: علامة على قدرتنا على كل ما نريد ﴿بينة﴾ أي: ظاهرة، قال ابن عباس: منازلهم الخربة، وقال قتادة هي الحجارة التي أهلكوا بها أبقاها الله تعالى حتى أدركها أوائل هذه الأمة، وقال مجاهد هو ظهور الماء الأسود على وجه الأرض، فائدة: اتفق القراء على إدغام الدال في التاء، تنبيه: في هذه الآية إشارة إلى غفلة المخاطبين بهذه القصة من العرب وغيرهم وأنه ليس بينهم وبين الهدى إلا تفكرهم في أمرهم مع الانخلاع من الهوى وإنما يكون ذلك ﴿لقوم يعقلون﴾ أي: يتدبرون فعد من لم يستبصر بذلك غير عاقل، تنبيه: ههنا أسئلة: (الأوّل) كيف جعل الآية في نوح وإبراهيم ﵉ بالنجاة فقال: ﴿فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية﴾ (العنكبوت، ١٥) وقال: ﴿فأنجاه الله من النار إنّ في ذلك لآيات﴾ (العنكبوت، ٢٤) وجعل ههنا الهلاك آية، (الثاني) : ما الحكمة في قوله تعالى في السفينة ﴿جعلناها آية﴾ ولم يقل بينة وقال ههنا آية بينة، (الثالث) : ما الحكمة في قوله تعالى هناك ﴿للعالمين﴾ وقال ههنا: ﴿لقوم يعقلون﴾ ؟ أجيب عن الأوّل: بأنّ الآية في إبراهيم كانت في النجاة لأنّ في ذلك الوقت لم يكن إهلاك، وأما في نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذي علا الجبال بأسرها أمر عجيب إلهي وما به النجاة وهو السفينة كان باقياً والغرق لم يبق له بعده أثر محسوس في البلاد فجعل الباقي آية، وأما ههنا فنجاة لوط لم تكن بأمر يبقى في أثره للحس، والهلاك أثره محسوس في البلاد فجعل الآية الأمر الباقي ههنا البلاد وهناك السفينة. وههنا لطيفة: وهي أنّ الله تعالى آية قدرته موجودة

стр. 1469

في الإنجاء والإهلاك فذكر من كل باب آية وقدم آيات الإنجاء لأنها أثر الرحمة وآخر آيات الهلاك لأنها أثر الغضب ورحمته سابقة، وعن الثاني بأنّ الإنجاء بالسفينة لا يفتقر إلى أمر آخر، وأمّا الآية ههنا الخسف وجعل ديارهم المعمورة عاليها سافلها وهو ليس بمعتاد وإنما ذلك بإرادة قادر يخصصه بمكان دون مكان وبزمان دون زمان فهي بينة لا يمكن الجاهل أن يقول هذا أمر يكون كذلك وكان له أن يقول في السفينة أمرها يكون كذلك فيقال له فلو دام الماء حتى ينفد زادهم كيف كانت تحصل لهم النجاة ولو سلط الله تعالى عليهم الريح العاصفة كيف تكون أحوالهم، وعن الثالث بأنّ السفينة موجودة معلومة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال السفينة يتذكرون بها حالة نوح وإذا ركبوها يطلبون من الله النجاة منه ولا يثق أحد بمجرّد السفينة بل يكون دائماً مرتجف القلب متضرّعاً إلى الله تعالى طالباً للنجاة، وأمّا أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع عليه إلا من مر بها ويصل إليها ويكون له عقل يعلم أنّ ذلك من الله تعالى وإراداته بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده في زمان دون زمان، ولما كان شعيب ﵇ أيضاً قد ابتلي بتكذيب قومه اتبع قصته بقصة لوط بقوله تعالى: ﴿وإلى مدين﴾ أي: ولقد أرسلنا أو بعثنا إلى مدين ﴿أخاهم﴾ أي: من النسب والبلد ﴿شعيباً﴾ ومدين قيل: اسم رجل في الأصل وجهل وله ذرية فاشتهر في القبيلة كتميم وقيس وغيرهما، وقيل: اسم ماء نسب القوم إليه فاشتهر في القوم، قال الرازي: والأوّل كأنه أصح لأنّ الله تعالى أضاف الماء إلى مدين بقوله تعالى: ﴿ولما ورد ماء مدين﴾ (القصص: ٢٣) ولو كان اسماً للماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقية والأصل في الإضافة التغاير والحقيقة، فإن قيل: قال تعالى في نوح: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه﴾ (القصص: ٢٣) فقدم نوحاً في الذكر وعرف القوم بالإضافة إليه، وكذلك في إبراهيم ولوط وههنا ذكر القوم أولاً وأضاف إليهم أخاهم شعيباً، فما الحكمة في ذلك؟. أجيب: بأنّ الأصل في الجميع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأنّ الرسل لا تبعث إلى غير معينين وإنما تبعث الرسل إلى قوم محتاجين إلى الرسل فيرسل الله تعالى إليهم من يختاره، غير أنّ قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاصة ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها فعرفوا بنبيهم ﵇ فقيل قوم نوح وقوم لوط فأمّا قوم شعيب وهود وصالح فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس فجرى الكلام على أصله قال تعالى: ﴿وإلى عاد أخاهم هوداً﴾ ﴿وإلى مدين أخاهم شعيباً﴾ ﴿فقال﴾ أي: فتسبب عن إرساله وبعثه أن قال: ﴿يا قوم اعبدوا الله﴾ أي: الملك الأعلى وحده ولا تشركوا به شيئاً فإنّ العبادة التي فيها شرك ظاهر أو خفي عدم لأنّ الله تعالى أغنى الشركاء فهو لا يقبل إلا ما كان له خالصاً. فإن قيل: لم يذكر عن لوط ﵇ أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد، وذكر عن شعيب ذلك؟ أجيب: بأنّ لوطاً كان من قوم إبراهيم وفي زمانه وكان إبراهيم سبقه بذلك واجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق من إبراهيم فلم يحتج لوط إلى ذكره وإنما ذكر ما اختص به من المنع من الفاحشة وغيرها وإن كان هو أبداً يأمر بالتوحيد إذ ما من رسول إلا ويكون أكثر كلامه في التوحيد، وأمّا شعيب فكان بعد انقراض ذلك الزمن

стр. 1470

وذلك القوم فكان هو أصلاً في التوحيد فبدأ به، ولما كان السياق لإقامة الأدلة على البعث الذي هو من مقاصد السورة قال: ﴿وأرجوا اليوم الآخر﴾ أي: وافعلوا ما ترجون به العاقبة فأقيم المسبب مقام السبب، أو أمروا بالرجاء والمراد اشتراط ما يسوّغه من الإيمان كما يؤمر الكافر بالشرعيات على إرادة الشرط، وقيل: هو من الرجاء بمعنى الخوف ﴿ولا تعثوا في الأرض﴾ حال كونكم ﴿مفسدين﴾ أي: متعمدين الفساد، ولما تسبب عن هذا النصح وتعقبه تكذيبهم تسبب عنه وتعقبه إهلاكهم تحقيقاً لأنّ أهل السيئآت لا يسبقوننا قال تعالى: ﴿فكذبوه﴾ في ذلك، فإن قيل ما حكاه الله تعالى عن شعيب أمر ونهي والأمر لا يكذب ولا يصدق فإنّ من قال لغيره: اعبد الله لا يقال له كذبت؟ أجيب: بأنّ شعيباً كان يقول الله واحد فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، والفساد محرّم فلا تقربوه، وهذه فيها إخبارات فكذبوه فيما أخبر به ﴿فأخذتهم الرجفة﴾ أي: الزلزلة الشديدة، وعن الضحاك صيحة جبريل لأنّ القلوب رجفت بها ﴿فأصبحوا في دارهم﴾ أي: في بلدهم أو دورهم فاكتفى بالواحد ولم يجمع لأمن اللبس ﴿جاثمين﴾ أي: باركين على الركب ميتين فإن قيل: قال تعالى في الأعراف وههنا: فأخذتهم الرجفة وقال في هود: فأخذتهم الصيحة والحكاية واحدة؟ أجيب: بأنه لا تعارض بينهما فإن الصيحة كانت سبباً للرجفة لأنّ جبريل لما صاح تزلزلت الأرض من صيحته فرجفت قلوبهم، والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب. فإن قيل ما الحكمة في أنه تعالى إذا قال فأخذتهم الصيحة قال في ديارهم وحيث قال فأخذتهم الرجفة قال في دارهم؟ أجيب: بأنّ المراد من الدار هو الديار والإضافة إلى الجمع يجوز أن تكون بلفظ الجمع وأن تكون بلفظ الواحد إذا أمن اللبس كما مرّ، وإنما اختلف اللفظ للطيفة وهي أنّ الرجفة هائلة في نفسها فلم تحتج إلى تهويلها، وأمّا الصيحة فغير هائلة في نفسها لكن تلك الصيحة لما كانت عظيمة حتى أخذت الزلزلة في الأرض ذكر الديار بلفظ الجمع حتى تعلم هيئتها، والرجفة بمعنى الزلزلة عظيمة عند كلامه فلم تحتج إلى معظم لأمرها، ولما كان معنى ختام قصة مدين فأهلكناهم عطف على ذلك المعنى قوله تعالى: ﴿وعاداً﴾ أي: وأهلكنا أيضاً عاداً ﴿وثموداً﴾ مع ما كانوا فيه من العتو والتكبر والعلوّ لأنّ من المقاصد العظيمة الدلالة على اتباع بعض هذه الأمم بعضاً في الخير والشرّ على نسق والجري بهم في إهلاك المكذبين وإنجاء المصدقين طبقاً عن طبق، وقرأ حمزة وحفص في الوصل وثمود بغير تنوين على تأويل القبيلة وفي الوقف بسكون الدال، والباقون بالتنوين وفي الوقف بالألف ﴿وقد تبين لكم﴾ أي: ما حل بهم من مساكنهم أي: ما وصف من هلاكهم وما كانوا فيه من شدّة الأجسام وسفه الأحلام وعلوّ الاهتمام وتقرب الأذهان وعظم الشأن عند مروركم بتلك المساكن ونظركم إليها في ضربكم في التجارة إلى الشام فصرفوا في الإقبال على الاستمتاع بالعرض الفاني من هذه الدنيا فأملوا بعيداً وبنوا مشيداً ولم يغن عنهم شيء من ذلك شيئاً من أمر الله ﴿وزين لهم الشيطان﴾ البعيد من الرحمة، المحترق باللعنة بقوّة احتياله ومحبوب ضلاله ومحاله ﴿أعمالهم﴾ أي: الفاسدة من الكفر والمعاصي فأقبلوا بكليتهم عليها ﴿فصدّهم﴾ أي:

стр. 1471

فتسبب عن ذلك صدّهم ﴿عن السبيل﴾ أي: منعهم عن سلوك الطريق الذي لا طريق إلا هو لكونه يوصل إلى النجاة، وغيره يوصل إلى الهلاك، ولما كان ذلك ربما ظنّ لفرط غباوتهم قال: ﴿وكانوا مستبصرين﴾ أي: معدودين بين الناس من البصراء العقلاء، ولما كان فرعون ومن ذكر معه من العتوّ بمكان لا يخفى لما أوتوا من القوّة بالأموال والرجال قال: ﴿وقارون﴾ أي: وأهلكنا قارون وقومه لأنّ وقوعه في أسباب الهلاك أعجب لكونه من بني إسرائيل ولأنه ابتلي بالمال والعلم فكان ذلك سبب إعجابه فتكبر على موسى وهارون ﵉ فكان ذلك سبب هلاكه ﴿وفرعون وهامان﴾ وزيره الذي أوقد له على الطين فباع سعادته ليكونه ذنباً لغيره ﴿ولقد جاءهم﴾ من قبل ﴿موسى بالبينات﴾ أي: بالحجج الظاهرات التي لم تدع لبساً ﴿فاستكبروا﴾ أي: طلبوا أن يكونوا أكبر من كل كبير بأن كانت أفعالهم أفعال من يطلب ذلك ﴿في الأرض﴾ بعد مجيء موسى ﵇ إليهم أكثر مما كانوا قبله ﴿وما كانوا سابقين﴾ أي: فائتين بل أدركهم أمر الله، مِنْ سبق طالبه إذا فاته. ﴿فكلاً﴾ أي: فتسبب عن تكذيبهم أنّ كلاً ﴿أخذنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿بذنبه﴾ أي: أخذ عقوبة ليعلم أنه لا أحد يعجزنا ﴿فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً﴾ أي: ريحاً عاصفاً فيها حصباء كقوم لوط وعاد ﴿ومنهم من أخذته الصيحة﴾ أي: التي تظهر شدتها الريح الحاملة لها الموافقة لقصدها فترجف لعظمتها الأرض كمدين وثمود ﴿ومنهم من خسفنا به الأرض﴾ أي: غيبناه فيها كقارون وجماعته ﴿ومنهم من أغرقنا﴾ بالغمر في الماء كقوم نوح وفرعون وقومه وعذاب قوم صالح المعدّ في الإغراق والمعدّ في الخسف فتارة يهلك بريح تقذف بالحجارة من السماء كقوم لوط أو من الأرض كعاد ﴿وما كان الله﴾ أي: الذي لا شيء من الجلال والكمال إلا له ﴿ليظلمهم﴾ أي: فيعذبهم بغير ذنب ﴿ولكن كانوا أنفسهم﴾ لا غيرها ﴿يظلمون﴾ بارتكاب المعاصي ولم يقبلوا النصح مع هجرهم، ولا خافوا العقوبة على ضعفهم، ولما بين تعالى أنه أهلك من أشرك عاجلاً وعذب من كذب آجلاً ولم ينفعه معبوده مثل تعالى اتخاذه ذلك معبوداً باتخاذ العنكبوت بيتاً فقال: l ﴿مثل الذين اتخذوا﴾ أي: تكلفوا أن اتخذوا ﴿من دون الله﴾ أي: الذي لا كفء له فرضوا بالدون الذي لا ينفع ولا يضرّ عوضاً عمن لا تكيفه الأوهام والظنون ﴿أولياء﴾ ينصرونهم بزعمهم من معبودات وغيرها في الضعف والوهن. ﴿كمثل العنكبوت﴾ أي: الدابة المعروفة ذات الأرجل الكثيرة الطوال ﴿اتخذت بيتاً﴾ أي: تكلفت أخذه في صنعتها له ليقيها الردى ويحميها البلاء كما تكلف هؤلاء اصطناع أربابهم ليقوهم ويحفظوهم بزعمهم فكان ذلك البيت مع تكلفها في أمره وتعبها الشديد في شأنه في غاية الوهن ﴿وإن﴾ أي: والحال إن ﴿أوهن البيوت﴾ أي: أضعفها ﴿لبيت العنكبوت﴾ لا يدفع عنها حرّاً ولا بردا كذلك الأصنام لا تنفع عابديها ﴿لو كانوا يعلمون﴾ أي: لو كانوا يعلمون أنّ هذا مثلهم وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن، وأيضاً أنه إذا صح تشبيه ما اعتمدوه في دينهم ببيت العنكبوت فقد تبين أنّ دينهم أوهن الأديان لو كانوا يعلمون أي: لو كان لهم نوع مّا من العلم لانتفعوا به ولعلموا أنّ هذا مثلهم فأبعدوا عن اعتقاد ما هذا مثلهم، ولقائل

стр. 1472

أن يقول مثل المشرك الذي يعبد الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله مثل عنكبوت تتخذ بيتاً بالإضافة إلى رجل يبني بيتاً بآجر وجص أو ينحته من صخر وكان أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً بيت العنكبوت كذلك الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً عبادة الأوثان، فإن قيل: لم مثل تعالى باتخاذ العنكبوت ولم يمثل بنسجها؟ أجيب: بأنّ نسجها فيه فائدة لولاه لما حصلت وهو اصطياد الذباب به من غير أن يفوتها ما هو أعظم منه واتخاذهم الأوثان يفيدهم ما هو أقل من الذباب من متاع الدنيا ولكن يفوتهم ما هو أعظم منها وهو الدار الآخرة التي هي خير وأبقى فليس اتخاذهم كنسج العنكبوت، تنبيه: نون العنكبوت أصلية والواو والتاء مزيدتان بدليل جمعة على عناكب وتصغيره عنيكب ويذكر ويؤنث فمن التأنيث قوله تعالى ﴿اتخذت﴾ ومن التذكير قول القائل: *على هطالهم منهم بيوت ... كأن العنكبوت هو ابتناها* وهذا مطرد في أسماء الأجناس تذكر وتؤنث، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص البيوت بضم الباء، والباقون بكسرها، ولما كان ضرب المثل بالشيء لا يصح إلا من العالم بذلك الشيء قال الله تعالى: ﴿إن الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال ﴿يعلم ما﴾ أي: الذي ﴿يدعون﴾ أي: يعبدون ﴿من دونه﴾ أي: غيره ﴿من شيء﴾ أي: سواء كان صنماً أم إنسياً أم جنياً ﴿وهو العزيز﴾ في ملكه ﴿الحكيم﴾ في صنعه، وقرأ أبو عمرو وعاصم يدعون بالياء التحتية، والباقون بالفوقية، ولما ذكر مثلهم وما تتوقف صحته عليه كان كأنه قيل: على وجه التعظيم: هذا المثل مثلهم فعطف عليه قوله تعالى إشارة إلى أمثال القرآن كلها تعظيماً لها وتنبيهاً على جليل قدرها وعلوّ شأنها. ﴿وتلك الأمثال﴾ أي: العالية عن أن تنال بنوع احتيال، ثم استأنف قوله تعالى ﴿نضربها﴾ أي: بمالنا من العظمة بياناً ﴿للناس﴾ أي: تصويراً للمعاني المعقولات بصور المحسوسات لعلها تقرب من عقولهم فينتفعوا بها، وهكذا حال التشبيهات كلها هي طرق إلى إفهام المعاني المحتجبة في الأستار تبرزها وتكشف عنها وتصوّرها، روي أنّ الكفار قالوا كيف يضرب خالق الأرض والسموات الأمثال بالهوام والحشرات كالذباب والبعوض والعنكبوت؟ فقال الله تعالى مجهلاً لهم: ﴿وما يعقلها﴾ أي: حق تعقلها فينتفع بها ﴿إلا العالمون﴾ أي: الذين هيؤا للعلم وجعل طبعاً لهم بما بث في قلوبهم من أنواره وأشرق في صدورهم من أسراره، فهم يضعون الأشياء مواضعها، روى الحارث بن أبي أسامة عن جابر أنّ النبي ﷺ قال: «العالم: الذي عقل عن الله وعمل بطاعته واجتنب سخطه» قال البغويّ: والمثل كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأوّل يريد أمثال القرآن التي يشبه بها أحوال كفار هذه الأمّة بأحوال كفار الأمم المتقدّمة، ولما قدّم تعالى أنه لا معجز له سبحانه ولا ناصر لمن خذله استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿خلق الله﴾ أي: الذي لا يدانى في عظمته ﴿السموات والأرض بالحق﴾ أي: الأمر الذي يطابقه الواقع، أو بسبب إثبات الحق وإبطال الباطل، أو بسبب أنه محق غير قاصد به باطلاً فإنّ المقصود بالذات من خلقهما إفاضة الجود والدلالة على ذاته وصفاته كما أشار

стр. 1473

إليه بقوله تعالى: ﴿إنّ في ذلك لآية﴾ أي: دلالة ظاهرة على قدرته تعالى ﴿للمؤمنين﴾ وأُختص المؤمنون بذلك لأنهم المنتفعون به، ثم خاطب تعالى رأس أهل الإيمان بقوله تعالى: ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب﴾ أي: القرآن الجامع لكل خير لتعلم أن نوحاً ولوطاً وغيرهما كانوا على ما أنت عليه بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة، وهذا تسلية للنبي ﷺ ولما أرشد تعالى إلى مفتاح العلم دلّ على قانون العمل بقوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة﴾ أي: التي هي أحق العبادات، ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿إنّ الصلاة تنهى﴾ أي: توجد النهي وتجدّده للمواظب على إقامتها بجميع حدودها ﴿عن الفحشاء﴾ أي: عن الخصال التي بلغ قبحها ﴿والمنكر﴾ وهو ما لا يعرف في الشرع، فإن قيل: كم من مصلّ يرتكب الفحشاء؟ أجيب: بأنّ المراد الصلاة التي هي الصلاة عند الله تعالى المستحق بها الثواب بأن يدخل فيها مقدّماً للتوبة النصوح متقياً لقوله تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ (المائدة، ٣٧) ويصليها خاشعاً بالقلب والجوارح، فقد روي عن حاتم كأنّ رجليّ على الصراط والجنة عن يميني والنار عن شمالي وملك الموت من فوقي وأصلي بين الخوف والرجاء، ثم يحوطها بعد أن يصليها ولا يحبطها فهي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقال ابن مسعود وابن عباس: إن الصلاة تنهى وتزجر عن معاصي الله فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله تعالى إلا بعداً، وقال الحسن وقتادة: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه، وقيل من كان مراعياً للصلاة جره ذلك إلى أن ينتهي عن السيئات يوماً ما، فقد روي أنه قيل لرسول الله ﷺ أن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل فقال: «إن صلاته لتردعه» . وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلوات ولا يدع شيئاً من الفواحش إلا ركبه فوصف له فقال: إنّ صلاته ستنهاه فلم يلبث أن تاب، وقال ابن عوف: معنى الآية إن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها، وعلى كل حال فإنّ المراعي للصلاة لا بدّ أن يكون أبعد من الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها، وأيضاً فكم من مصلين تنهاهم الصلاة عن الفحشاء والمنكر، واللفظ لا يقتضي أن لا يخرج واحد من المصلين عن قضيتها كما تقول: إن زيداً ينهى عن المنكر فليس غرضك أنه ينهى عن جميع المناكر وإنما تريد أن هذه الخصلة موجودة فيه وحاصلة منه من غير اقتضاء للعموم، وقيل: المراد بالصلاة القرآن كما قال تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ (الإسراء: ١١٠) أي: بقراءتك وأراد به من يقرأ القرآن في الصلاة فالقرآن ينهاه عن الفحشاء والمنكر، روي أنه قيل لرسول الله ﷺ إن رجلاً يقرأ القرآن الليل كله ويصبح سارقاً قال ستنهاه قراءته، ولما كان الناهي في الحقيقة إنما هو ذكر الله أتبع ذلك بقوله تعالى: ﴿ولذكر الله أكبر﴾ أي: لأنّ ذكر المستحق لكل صفات كمال أكبر من كل شيء فذكر الله تعالى أفضل الطاعات، قال ﷺ «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير من إعطاء الذهب والفضة وأن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا: وما ذاك يا رسول الله قال: ذكر الله» وسئل ﷺ أي: العبادة أفضل عند الله درجة يوم القيامة قال: «الذاكرون الله كثيراً، قالوا

стр. 1474

يا رسول الله ومن الغازين في سبيل الله فقال: لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دماً لكان الذاكر الله كثيراً أفضل منه درجة» . وروي أن رسول الله ﷺ مرّ على جبل في طريق مكة يقال له جمدان فقال: «سيروا هذا جمدان سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيراً والذاكرات» أو والصلاة أكبر من غيرها من الطاعات وسماها بذكر الله كما قال تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ (الجمعة: ٩) وإنما قال ولذكر الله أكبر ليستقلّ بالتعليل كأنه قال والصلاة أكبر لأنها ذكر الله، وعن ابن عباس: ولذكر الله تعالى إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته، وقال عطاء: ولذكر الله أكبر من أن يتقى معه معصية. ﴿والله﴾ أي: المحيط علماً وقدرة ﴿يعلم﴾ أي: في كل وقت ﴿ما تصنعون﴾ من الخير والشرّ فيجازيكم على ذلك، ولما بين تعالى طريقة إرشاد المشركين بين طريقة إرشاد أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب﴾ أي: اليهود والنصارى ظناً منكم أنّ الجدال ينفع أو يزيد في اليقين أو يردّ واحداً عن ضلال مبين ﴿إلا بالتي﴾ أي: بالمجادلة التي ﴿هي أحسن﴾ كمعارضة الخشونة باللين، والغضب بالكظم والدعاء إلى الله تعالى بآياته والتنبيه على حججه كما قال تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ (المؤمنون، ٩٦) ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾ بأن حاربوا وأبوا أن يقروا بالجزية فجادلوهم بالسيف إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية، وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله ﷺ وقيل إلا الذين أثبتوا الولد والشريك وقالوا يد الله مغلولة، وعن قتادة: الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ (التوبة: ٢٩) ولا مجادلة أشدّ من السيف، ولما بين تعالى عن موجب الخلاف أمر بالاستعطاف بقوله تعالى: ﴿وقولوا﴾ أي: لمن قبل الإقرار بالجزية إذا أخبروكم بشيء مما في كتبهم ﴿آمنا بالذي أنزل إلينا﴾ أي: من هذا الكتاب المعجز ﴿وأنزل إليكم﴾ من كتبكم أي: لأنه في أصله حق وإن كان قد نسخ، منه ما نسخ وإن حدثوكم بشيء منه وليس عندكم ما يصدقه ولا ما يكذبه فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، لما روى أبو داوود أنه ﷺ قال: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن قالوا باطلاً لم تصدقوهم وإن قالوا حقاً لم تكذبوهم» أي: فإن هذا أدعى إلى الإنصاف وأنفى للخلاف، ولما لم يكن هذا جامعاً للفريقين أتبعه بما يجمعه بقوله تعالى: ﴿وإلهنا وإلهكم واحد﴾ أي: لا إله لنا غيره، وإن ادّعى بعضكم عزيراً والمسيح ﴿ونحن له﴾ خاصة ﴿مسلمون﴾ أي: خاضعون منقادون أتم انقياد فيما يأمرنا به بعد الأصول من الفروع سواء كانت موافقة لفروعكم كالتوجه بالصلاة إلى بيت المقدس، أو ناسخة كالتوجه إلى الكعبة ولا نتخذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله لنأخذ ما يشرعونه لنا مخالفاً لكتابه وسنة نبيه ﷺ ﴿وكذلك﴾ أي: ومثل ذلك الإنزال الذي أنزلناه إلى أنبيائهم من التوراة وغيرها ﴿أنزلنا إليك الكتاب﴾ أي: القرآن مصدّقاً لسائر الكتب الإلهية وهو تحقيق لقوله تعالى ﴿فالذين آتيناهم الكتاب﴾ أي: التوراة كعبد الله بن سلام وغيره ﴿يؤمنون به﴾ أي: بالقرآن ﴿ومن هؤلاء﴾ أي: أهل مكة أو ممن في عهده ﷺ من أهل الكتابين ﴿من يؤمن به﴾ وهم مؤمنو أهل

стр. 1475

مكة وأهل الكتابين ﴿وما يجحد﴾ أي: ينكر، قال قتادة: والجحود: إنما يكون بعد المعرفة ﴿بآياتنا﴾ أي: التي جاوزت أقصى غايات العظمة حتى إنها استحقت الإضافة إلينا ﴿إلا الكافرون﴾ أي: اليهود ظهر لهم أنّ القرآن حق والجائي به محق وجحدوا ذلك وهذا تنفير لهم عما هم عليه يعني أنكم آمنتم بكل شيء وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة إلا هذه المسألة الواحدة وبإنكارها تلحقون بهم وتعطلون مزاياكم فإنّ الجاحد بآية يصير كافراً. ﴿وما﴾ أي: وأنزلنا إليك الكتاب والحال أنك ما ﴿كنت تتلو﴾ أي: تقرأ أصلاً ﴿من قبله﴾ أي: هذا الكتاب الذي أنزلناه إليك، وأكد استغراق الكتب بقوله تعالى: ﴿من كتاب﴾ أصلاً ﴿ولا تخطه﴾ أي: تجدّد وتلازم خطه وصور الخط، وأكده بقوله: ﴿بيمينك﴾ فإن قيل ما فائدة قوله بيمينك؟ أجيب: بأنه ذكر اليمين التي هي أقوى الجارحتين وهي التي يزاول بها الخط زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتباً، ألا ترى أنك إذا قلت في الإثبات رأيت الأمير يخط هذا الكتاب بيمينه كان أشّذ لإثباتك أنه تولى كتبه فكذلك النفي، وفي ذلك إشارة إلى أنه لا تحدث الريبة في أمره لعاقل إلا بالمواظبة القوية التي ينشأ عنها ملكه فكيف إذا لم يحصل أصل الفعل ولذلك قال تعالى: ﴿إذاً﴾ أي: لو كنت ممن يخط ويقرأ ﴿لارتاب﴾ أي: شك ﴿المبطلون﴾ أي: اليهود فيك وقالوا: الذي في التوراة أنه أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، أو لارتاب مشركو مكة وقالوا لعله تعلمه أو التقطه من كتب الأوّلين وكتبه بيده. فإن قيل: لم سماهم مبطلين ولو لم يكن أمياً وقالوا ليس بالذي نجده في كتبنا لكانوا صادقين محقين ولكان أهل مكة أيضاً على حق في قولهم لعله تعلمه أو كتبه بيده فإنه رجل كاتب قارئ؟ أجيب: بأنه سماهم مبطلين لأنهم كفروا به وهو أمي بعيد من الريب فكأنه قال: هؤلاء المبطلون في كفرهم به لو لم يكن أمياً لارتابوا أشدّ الريب فحينئذٍ ليس بقارئ ولا كاتب فلا وجه لارتيابهم، وأيضاً سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يكونوا أميين ووجب الإيمان بهم وما جاؤوا به لكونهم مصدقين من جهة الحكيم بالمعجزات، فهب أنه قارئ كاتب فما لهم لم يؤمنوا به من الوجه الذي آمنوا منه بموسى وعيسى على أنّ المنزل إليهم معجز وهذا المنزل معجز فإذاً هم مبطلون حيث لم يؤمنوا وهو أمي ومبطلون حيث لم يؤمنوا وهو غير أمي، ولما كان التقدير ولكنه لا ريب لهم أصلاً ولا شبهة لقولهم أنه باطل قال تعالى: ﴿بل هو﴾ أي: القرآن الذي جئت به وارتابوا فيه فكانوا مبطلين لذلك على كل تقدير ﴿آيات﴾ أي: دلالات ﴿بينات﴾ أي: واضحات جدّاً في الدلالة على صدقك ﴿في صدور الذين أوتوا العلم﴾ أي: المؤمنين يحفظونه فلا يقدر أحد على تحريف شيء منه لبيان الحق لديهم، وفي ذلك إشارة إلى أن خفاءه عن غيرهم، وقال ابن عباس وقتادة: بل هو يعني محمداً ﷺ ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب لأنهم يجدونه بنعته ووصفه في كتبهم ﴿وما يجحد﴾ وكان الأصل به ولكنه أشار إلى عظمته بقوله تعالى: ﴿بآياتنا﴾ أي: ينكرها بعد المعرفة على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا والبيان الذي لا يجهله أحد ﴿إلا الظالمون﴾ أي: المتوغلون في الظلم المكابرون. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى
следующие страницы →