Полный текст (2 552 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
﴿يكفرون﴾ أي: بيأسهم من روح الله، جواب سدّ مسدّ الجزاء ولذلك فسر بالاستقبال. تنبيه: سمى النافعة رياحاً والضارّة ريحاً لوجوه: أحدها: أنّ النافعة كثيرة الأنواع كثيرة الأفراد فجمعها لأن في كل يوم وليلة تهب نفحات من الرياح النافعة ولا تهب الريح الضارّة في أعوام بل الضارّة لا تهب في الدهور. ثانيها: أنّ النافعة لا تكون إلا رياحاً وأما الضارة فنفخة واحدة تقبل كريح السموم. ثالثها: جاء في الحديث أنّ ريحاً هبت فقال ﵊: «اللهمّ اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً» إشارة إلى قوله تعالى ﴿فأرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ (الذاريات: ٤١)
وقوله تعالى ﴿ريحاً صرصراً﴾ إلى قوله ﴿تنزع الناس﴾ (القمر: ١٩ ـ ٢٠)
ولما علم الله تعالى نبيه ﷺ وجوه الأدلة ووعد وأوعد لم يزدهم دعاؤه إلا فرارا وكفراً وإرصاداً قال تعالى:
﴿فإنك لا تسمع الموتى﴾ أي: ليس في قدرتك إسماع الذين لا حياة لهم فلا نظر ولا سمع، أو موتى القلوب إسماعاً ينفعهم لأنه مما اختص به الله تعالى، وهؤلاء مثل الأموات؛ لأنّ الله تعالى قد ختم على مشاعرهم ﴿ولا تسمع الصم﴾ أي: الذين لا سماع لهم ﴿الدعاء﴾ إذا دعوتهم. ولما كان الأصم قد يحس بدعائك إذا كان مقبلاً بحاسة بصره قال تعالى ﴿إذا ولوا﴾ وذكر الفعل ولم يقل ولت إشارة إلى قوّة التولي لئلا يظنّ أنه أطلق على المجانبة مثلاً ولهذا قال تعالى ﴿مدبرين﴾ وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية في الوصل، والباقون بالتحقيق وإذا. وقف حمزة وهشام على الدعاء وأبدلا الهمزة ألفاً مع المدّة والتوسط والقصر.
﴿وما أنت بهادي العمي﴾ أي: بموجد لهم هداية ﴿عن ضلالتهم﴾ إذا ضلوا عن الطريق، وقرأ حمزة بتاء الخطاب مفتوحة وسكون الهاء والعمي بنصب الياء، والباقون بالباء الموحدة مكسورة وفتح الهاء والعمي بالخفض. تنبيه: قد جعل الله تعالى الكافر بهذه الصفات وهو أنه شبهه أولاً بالميت، وإرشاد الميت محال والمحال أبعد من الممكن، ثم بالأصم وإرشاد الأصم صعب فإنه لا يسمع الكلام وإنما يفهم بالإشارة والإفهام بالإشارة صعب، ثم بالأعمى وإرشاد الأعمى أيضاً صعب فإنك إذا قلت له مثلاً: الطريق عن يمينك فإنه يدور إلى يمينه لكنه لا يبقى عليه بل يتحير عن قريب، فإرشاد الأصم أصعب. ولهذا تكون المعاشرة مع الأعمى أسهل من المعاشرة مع الأصم الذي لا يسمع لأنّ غايته الإفهام وليس كل ما يفهم بالكلام يفهم بالإشارة فإنّ المعدوم والغائب لا إشارة إليه، فبدأ أولاً بالميت لأنه أعلى ثم بالأدون منه وهو الأصم، وقيده بقوله تعالى: ﴿إذا ولوا مدبرين﴾ ليكون أدخل في الامتناع لأنّ الأصم، وإن كان يفهم فإنما يفهم بالإشارة فإذا ولى لا يكون نظره إلى المشير، فامتنع إفهامه بالإشارة أيضاً ثم بأدنى منه وهو الأعمى لما مرّ. ثم قال تعالى.
﴿إن﴾ أي: ما ﴿تسمع﴾ أي: سماع إفهام وقبول ﴿إلا من يؤمن بآياتنا﴾ أي: القرآن فأثبت للمؤمن استماع الآيات فلزم أن يكون المؤمن حياً سميعاً بصيراً لأن المؤمن ينظر في البراهين ويسمع زواجر الوعظ فتظهر منه الأفعال الحسنة ويفعل ما يجب عليه ﴿فهم مسلمون﴾ أي: مطيعون كما قال تعالى عنهم ﴿وقالوا سمعنا وأطعنا﴾ (البقرة: ٢٨٥)
ولما أعاد تعالى دليل الآفاق بقوله تعالى: ﴿الله الذي يرسل الرياح﴾ أعاد دليلاً من دلائل الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر
стр. 1507
أحواله بقوله تعالى:
﴿الله﴾ أي: الجامع لصفات الكمال ﴿الذي خلقكم من ضعف﴾ أي: ماء ذي ضعف لقوله تعالى ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين﴾ ﴿ثم جعل من بعد ضعف﴾ آخر وهو ضعف الطفولية ﴿قوة﴾ أي: قوّة الشباب ﴿ثم جعل من بعد قوّة ضعفاً﴾ أي: ضعف الكبر ﴿وشيبة﴾ أي: شيب الهرم وهي بياض في الشعر يحصل أوّله في الغالب في السنة الثالثة والأربعين وهو أوّل سنّ الاكتهال، والأخذُ في النقص بالفعل بعد الخمسين إلى أن يزيد النقص في الثالثة والستين وهو أوّل سنّ الشيخوخة، ويقوى الضعف إلى ما شاء الله تعالى، وقرأ عاصم وحمزة بخلاف عن حفص بفتح الضاد في الثلاثة وهو لغة تميم، والباقون بالضم وهو لغة قريش، ولما كانت هذه هي العادة الغالبة وكان الناس متفاوتين فيها وكان من الناس من يطعن في السن وهو قويّ وأنتج ذلك كله لابدّ أن يكون التصرف بالاختيار مع شمول العلم وتمام القدرة قال تعالى ﴿يخلق ما يشاء﴾ أي: من هذا وغيره ﴿وهو العليم﴾ بتدبير خلقه ﴿القدير﴾ على ما يشاء.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى هنا ﴿وهو العليم القدير﴾ وقوله تعالى من قبل ﴿وهو العزيز الحكيم﴾ والعزة إشارة إلى كمال القدرة والحكمة إشارة إلى كمال العلم فقدم القدرة هناك على العلم؟ أجيب: بأنّ المذكور هناك الإعادة بقوله تعالى: ﴿وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ (الروم: ٢٧)
لأنّ الإعادة بقوله تعالى: كن فيكون، فالقدرة هناك أظهر وههنا المذكور الإبداء وهو أطوار وأحوال والعلم بكل حال حاصل فالعلم ههنا أظهر. ثم إنّ قوله تعالى ﴿وهو العليم القدير﴾ فيه تبشير وإنذار؛ لأنه إذا كان عالماً بأحوال الخلق يكون عالماً بأحوال المخلوق فإن عملوا خيراً علمه، وإن عملوا شرّاً علمه، ثم إذا كان قادراً وعلم الخير أثاب وإذا علم الشرّ عاقب، ولما كان العلم بالأحوال قبل الإثابة والعقاب اللذين هما بالقدرة والعلم قدم العلم، وأمّا الآية الأخرى فالعلم بتلك الأحوال قبل العقاب فقال: ﴿وهو العزيز الحكيم﴾ ، ولما ثبتت قدرته تعالى على البعث وغيره عطف على قوله أول السورة ﴿ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون﴾ .
﴿ويوم تقوم الساعة﴾ أي: القيامة سميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتة، أو إعلاماً بتيسيرها على الله تعالى، وصارت علماً عليها بالغلبة كالكوكب للزهرة ﴿يقسم﴾ أي: يحلف ﴿المجرمون﴾ أي: الكافرون.l
وقوله تعالى ﴿ما لبثوا﴾ جواب قوله تعالى يقسم وهو على المعنى إذ لو حكي قولهم بعينه لقيل ما لبثنا أي: في الدنيا ﴿غير ساعة﴾ استقلوا أجل الدنيا لما عاينوا في الآخرة، وقال مقاتل والكلبي: ما لبثوا في قبورهم غير ساعة كما قال تعالى ﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ (النازعات: ٤٦)
وكما قال تعالى ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ (الأحقاف: ٣٥)
وقيل: فيما بين فناء الدنيا والبعث. وفي حديث رواه الشيخان: «ما بين النفختين أربعون» وهو محتمل للساعات والأيام والأعوام ﴿كذلك﴾ أي: مثل ذلك الصرف عن حقائق الأمور إلى شكوكها ﴿كانوا﴾ في الدنيا كوناً هو كالجبلة لهم ﴿يؤفكون﴾ أي: يصرفون عن الحق في الدنيا، وقال مقاتل والكلبي: كذبوا في قولهم غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا بعث، والمعنى: أنّ الله تعالى أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء تبين لأهل الجمع أنهم كاذبون فيه، ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم بقوله تعالى:
﴿وقال الذين أوّتوا العلم والإيمان﴾
стр. 1508
وهم الملائكة والأنبياء والمؤمنين ﴿لقد لبثتم في كتاب الله﴾ أي: فيما كتب الله لكم في سابق علمه وقضائه، أو في اللوح المحفوظ، أو فيما وعد به في كتابه من الحشر والبعث فيكون في كتاب الله متعلق بلبثتم، وقال مقاتل وقتادة: فيه تقديم وتأخيره معناه: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان لقد لبثتم ﴿إلى يوم البعث﴾ و (في) ترد بمعنى (الباء) فردّوا ما قال هؤلاء الكفار وحلفوا عليه وأطلعوهم على الحقيقة، ثم وصلوا ذلك بتقريعهم على إنكار البعث بقولهم ﴿فهذا يوم البعث﴾ الذي أنكرتموه، وقراء نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة عند التاء المثناة، والباقون بالإدغام.
تنبيه: سبب اختلاف الفريقين أنّ الموعود بوعد إذا ضرب له أجل إن علم أنّ مصيره إلى النار وهو الكافر يستقل مدّة اللبث ويختار تأخير الحشر والإبقاء في القبر، وإن علم أنّ مصيره إلى الجنة وهو المؤمن فيستكثر المدة ولا يريد تأخيرها فيختلف الفريقان، وفي هذه الفاء قولان: أظهرهما: أنها عاطفة هذه الجملة على لبثتم، وقال الزمخشريّ: هي جواب شرط مقدّر أي: إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث أي: فقد تبين بطلان ما قلتم، ولما كان التقدير قد أتى فقد تبين أنه كما كنا به عالمين فلو كان لكم نوع من العلم لصدقتمونا في إخبارنا به فنفعكم ذلك الآن، عطف عليه قوله تعالى ﴿ولكنكم كنتم﴾ أي: كوناً هو كالجبلة لكم في إنكاركم له ﴿لا تعلمون﴾ أي: ليس لكم علم أصلاً لتفريطكم في طلب العلم من أبوابه والتوصل إليه بأسبابه فلذلك كذبتم به فاستوجبتم جزاء ذلك التكذيب اليوم، ولما كانت الآيات دالة على أنّ هذه الدار دار عمل وأنّ الآخرة دار جزاء وأنّ البرزخ حائل بينهما فلا يكون في واحدة منهما ما للأخرى، تسبب عن ذلك قوله تعالى:
﴿فيومئذ﴾ أي: إذ يقع ذلك ويقول الذين أوتوا العلم تلك المقالة ﴿لا تنفع الذين ظلموا معذرتهم﴾ في إنكارهم له ﴿ولا هم يستعتبون﴾ أي: لا يطلب منهم الرجوع إلى ما يرضي الله تعالى كما دعوا إليه في الدنيا، من قولهم: استعتبني فلان فأعتبته أي: استرضاني فأرضيته، وقرأ الكوفيون لا ينفع بالياء التحتية لأنّ المعذرة بمعنى العذر ولأنّ تأنيثها غير حقيقي وقد فصل بينهما، والباقون بالتاء الفوقية، ثم أشار تعالى إلى إزالة الأعذار والإتيان بما فوق الكفاية من الإنذار وأنه لم يبق من جانب الرسول ﷺ تقصير بقوله تعالى:
﴿ولقد ضربنا﴾ أي: جعلنا ﴿للناس في هذا القرآن﴾ أي: في هذه السورة وغيرها ﴿من كل مثل﴾ أي: معنى غريب هو أوضح وأثبت من أعلام الجبال في عبارة هي أرشق من سائر الأمثال، فإن طلبوا شيئاً آخر غير ذلك فهو عناد محض؛ لأنّ من كذب دليلاً حقاً لا يصعب عليه تكذيب الدلائل بل لا يجوز للمستدل أن يشرع في دليل آخر بعد ذكره دليلاً جيداً مستقيماً ظاهراً لا إشكال عليه وعانده الخصم وهذا من العالم فكيف بالنبيّ ﷺ
فإن قيل: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ذكروا أنواعاً من الدلائل؟ أجيب: بأنهم سردوها سرداً ثم قرروا فرداً فرداً كمن يقول: الدليل عليه من وجوه الأوّل: كذا، والثاني: كذا، والثالث: كذا، وفي مثل هذا عدم الالتفات إلى عناد المعاند؛ لأنه يريد تضييع الوقت كي لا يتمكن المستدل من الإتيان بجميع ما وعد من الدليل فتنحط درجته، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: ﴿ولئن﴾ اللام لام قسم ﴿جئتهم﴾ يا أفضل
стр. 1509
الخلق ﴿بآية﴾ مثل العصا واليد لموسى ﵇ ﴿ليقولنّ الذين كفروا﴾ منهم ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أنتم إلا مبطلون﴾ أي: أصحاب أباطيل، فإن قيل: لم وحد في قوله تعالى ﴿جئتهم﴾ وجمع في قوله تعالى ﴿إن أنتم﴾ ؟ أجيب: بأنّ ذلك لنكتة وهي أنه تعالى أخبر في موضع آخر فقال: ﴿ولئن جئتهم بكل آية﴾ أي: جاءت بها الرسل فقال الكفار: ما أنتم أيها المدّعون الرسالة كلكم إلا كذا. وقال الجلال المحلي: إن أنتم أي: محمد وأصحابه، وأمّا الذين آمنوا فيقولون نحن بهذه الآية مؤمنون.
﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا الطبع العظيم ﴿يطبع الله﴾ أي: الذي له العظمة والكمال ﴿على قلوب الذين لا يعلمون﴾ توحيد الله، فإن قيل: من لا يعلم شيئاً أي: فائدة في الإخبار عن الطبع على قلبه؟ أجيب: بأنّ معناه أنّ من لا يعلم الآن فقد طبع على قلبه من قبل. ثم إنه تعالى سلّى نبيه ﷺ بقوله تعالى:
﴿فاصبر﴾ أي: على إنذارهم مع هذا الجفاء والردّ بالباطل والأذى فإنّ الكل فعلنا لم يخرج منه شيء عن إرادتنا ﴿إنّ وعد الله﴾ أي: الذي له الكمال كله بنصرك وإظهار دينك على الدين كله وفي كل ما وعد به ﴿حق﴾ أي: ثابت جدّاً يطابقه الواقع كما يكشف عنه الزمان وتأتي به مطايا الحدثان. ولما كان التقدير فلا تعجل عطف عليه قوله تعالى ﴿ولا يستخفنك﴾ أي: يحملنك على الخفة ويطلب أن تخف باستعجال النصر خوفاً من عواقب تأخيره وتنفيرك عن التبليغ ﴿الذين لا يوقنون﴾ أي: أذى الذين لا يصدقون بوعدنا من البعث والحشر وغير ذلك تصديقاً ثابتاً في القلب بل هم إما شاكون وأدنى شيء يزلزلهم كمن يعبد الله على حرف، أو مكذبون فهم بالغون في العداوة والتكذيب حتى إنهم لا يصدّقون في وعد الله بنصر الروم على فارس كأنهم على ثقة وبصيرة من أمرهم في أنّ ذلك لا يكون. فإذا صدق الله وعده في ذلك بإظهاره عن قرب علموا كذبهم عياناً، وعلموا إن كان لهم علم أنّ الوعد بالساعة لإقامة العدل على الظالم والعود بالفضل على المحسن كذلك يأتي وهم صاغرون ويحشرون وهم داخرون.
﴿وسيعلم الذين ظلموا أي: منقلب ينقلبون﴾ فقد انعطف آخر السورة على أوّلها واتصل به اتصال القريب بالقريب. وها أنا أسأل الله تعالى القريب المجيب أن يغفر ذنوب من كتب هذا وهو محمد الشربيني الخطيب ويفعل ذلك بوالديه وأولاده ومشايخه وكل محب له وحبيب، وقول البيضاوي تبعاً للزمخشريّ عن النبي ﷺ «من قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل ملك يسبح الله بين السماء والأرض وأدرك ما صنع في يومه وليلته» حديث موضوع رواه الثعلبيّ في تفسيره والله تعالى أعلم بالصواب.
سورة لقمان
مكية أو إلا ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام﴾ الآيتينوهي أربع أو ثلاث وثلاثون آية، وخمسمائة وثمانوأربعون كلمة، وألفان ومائة وعشرة أحرف
﴿بسم الله﴾ أي: الذي وسع كل شيء رحمة وعلماً ﴿الرحمن﴾ الذي شملت نعمته سائر بريته ﴿الرحيم﴾ بأوليائه فخصهم بمعرفته قوله تعالى:
﴿ألم﴾ تقدّم الكلام عليه في أوّل سورة البقرة، وقيل: إنه أشار بذلك إلى أن الله الملك الأعلى أرسل جبريل ﵇ إلى محمد ﷺ بوحي ناطق من الحكم والأحكام بما لم ينطق به من قبله إمام
стр. 1510
ولا يلحقه في ذلك نبي مدى الأيام فهو المبدأ وهو الختام، وإلى ذلك أومأ بتعبيره بأداة البعد في قوله تعالى:
﴿تلك﴾ أي: الآيات التي هي من العلوّ والعظمة بمكان ﴿آيات الكتاب﴾ أي: الجامع لجميع أنواع الخير ﴿الحكيم﴾ بوضع الأشياء في حواق مراتبها فلا يستطاع نقص شيء من إبرامه، ولا معارضة شيء من كلامه الدال ذلك على تمام علم منزله وشمول عظمته وقدرته، والإضافة بمعنى من، وقوله تعالى:
﴿هدى ورحمة﴾ بالرفع وهي قراءة حمزة خبر مبتدأ مضمر هي أو هو، وقرأ الباقون بالنصب على الحال من آيات والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل. وقال تعالى ﴿للمحسنين﴾ إشارة إلى أنّ رحمة الله قريب من المحسنين فإنه تعالى قال في البقرة: ﴿ذلك الكتاب﴾ ولم يقل الحكيم وههنا قال: الحكيم؛ لأنه لما زاد ذكر وصف في الكتاب زاد ذكراً من أحواله فقال ﴿هدى ورحمة﴾ وقال هناك ﴿هدى للمتقين﴾ فقوله تعالى هدى في مقابلة قوله تعالى الكتاب، وقوله تعالى: ورحمة في مقابلة قوله تعالى: الحكيم، ووصف الكتاب بالحكيم على معنى ذي الحكمة كقوله تعالى في عيشة راضية أي: ذات رضا. وقوله تعالى هناك: للمتقين وقوله تعالى هنا للمحسنين لأنه لما ذكر أنه هدى ولم يذكر شيئاً آخر قال للمتقين أي: يهدي به من يتقي الشرك والعناد، وههنا زاد قوله تعالى ورحمة فقال للمحسنين كما قال تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ (يونس: ٢٦) فناسب زيادة
قوله تعالى ورحمة ولأنّ المحسن يتقي وزيادة ثم وصف المحسنين بقوله تعالى:
﴿الذين يقيمون الصلاة﴾ أي: يجعلونها كأنها قائمة بسبب إتقان جميع ما أمر به فيها وندب إليه، ودخل فيها الحج لأنه لا يعظم البيت في كل يوم خمس مرّات إلا معظم له بالحج فعلاً أو قوّة ﴿ويؤتون الزكاة﴾ أي: كلها فدخل فيها الصوم؛ لأنه لا يؤّدي زكاة الفطر إلا من صامه فعلاً أو قوّة. ولما كان الإيمان أساس هذه الأركان وكان الإيمان بالبعث جامعاً لجميع أنواعه وحاملاً على سائر وجوه الإحسان قال تعالى ﴿وهم بالآخرة﴾ أي: التي تقدّم أنّ المجرمين عنها غافلون ﴿هم يوقنون﴾ أي: يؤمنون بها إيمان موقن فهو لا يفعل شيئاً ينافي الإيمان، ولا يغفل عنه طرفة عين، فهو في الذورة العليا من ذلك فهو يعبد الله تعالى كأنه يراه، فآية البقرة بداية وهذه نهاية، ولما كانت هذه الخلال أمهات الأفعال الموجبة للكمال وكانت مساوية من وجه لآية البقرة ختمها بختامها بعد أن زمها بزمامها فقال.
﴿أولئك﴾ أي: العالو الرتبة الحائزون من منازل القرب أعظم رتبة ﴿على هدى﴾ أي: متمكنون منه تمكن المستعلي على الشيء، وقال ﴿من ربهم﴾ تذكيراً لهم بأنه لولا إحسانه لما وصلوا إلى شيء ليلزموا تمريغ الجباه على الأعتاب خوفاً من الإعجاب ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ أي: الظافرون بكل مراد، لما بين حال من تحلى بهذا الحال فترقى إلى حلية أهل الكمال بين حال أضدادهم بقوله تعالى:
﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ أي: ما يلهي عما يعني كالأحاديث التي لا أصل لها والأساطير التي لا اعتبار فيها والمضاحك وفضول الكلام، فإن قيل: ما معنى إضافة اللهو إلى الحديث؟ أجيب: بأنّ معناها التبيين وهي الإضافة بمعنى من وأن يضاف الشيء إلى ما هو منه كقوله: جبة خزَ وباب ساجٍ، والمعنى: من يشترى اللهو من الحديث لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره فبين بالحديث،
стр. 1511
والمراد بالحديث الحديث المنكر كما جاء في الحديث: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى مِنْ التبعيضية، كأنه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو.
قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة كان يتجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم ويحدّث بها قريشاً ويقول: إنّ محمداً يحدّثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدّثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال مجاهد: يعني شراء المغنيات والمغنين. ووجه الكلام على هذا التأويل: من يشتري ذات أو ذا لهو الحديث.
وقيل: كان النضر يشتري المغنيات ولا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينة فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه ويقول: هذا خير لك مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه، وعن أبي أمامة قال قال رسول الله ﷺ «لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهنّ وأثمانهنّ حرام» وفي مثل هذا نزلت الآية وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت» ، وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ «نهى عن ثمن الكلب وكسب المزمار» وقال مكحول: من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيماً عليه حتى يموت لم أصل عليه إن الله تعالى ليقول ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ الآية، وعن الحسن وغيره قالوا: لهو الحديث هو الغناء، والآية نزلت فيه ومعنى يشتري لهو الحديث يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن، وقال أبو الصهباء: سألت ابن مسعود عن هذه الآية فقال: هو الغناء والله الذي لا إله إلا هو يردّدها ثلاث مرّات. وقال إبراهيم النخعيّ: الغناء ينبت النفاق في القلب، قال وكان أصحابنا يأخذون بأفواه السكك يخرقون الدفوف، وقال ابن جريج: لهو الحديث هو الطبل، وقال الضحاك: هو الشرك، وقال قتادة: هو كل لهو ولعب، وقيل: الغناء منفدة للمال مسخطة للرّب مفسدة للقلب ﴿ليضلّ عن سبيل الله﴾ أي: الطريق الواضح الموصل للملك الأعلى المستجمع لصفات الكمال ضدّ ما كان عليه المحسنون من الهدى، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء قبل الضاد من الضلالة بمعنى ليثبت على ضلاله، والباقون بضمها، ونكر قوله تعالى ﴿بغير علم﴾ ليفيد السلب العامّ لكل نوع من أنواع العلم أي: لأنه لا علم بشيء من حال السبيل ولا حال غيرها علماً يستحق إطلاق العلم عليه، فإن قيل: ما معنى قوله تعالى بغير علم؟ أجيب: بأنه تعالى لما
جعله مشترياً لهو الحديث بالقرآن قال يشتري بغير علم بالتجارة بغير بصيرة بها حيث يستبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق. ونحوه قوله تعالى ﴿فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾ (البقرة: ١٦)
أي: وما كانوا مهتدين بالتجارة وبصراء بها ﴿ويتخذها﴾ أي: السبيل التي لا أشرف منها مع ما ثبت له من الجهل المطلق ﴿هزواً﴾ أي: مهزوّا بها، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بنصب الذال عطفاً على يضلّ، والباقون بالرفع على يشتري، وسكن حمزة زاي هزواً وضمها الباقون، ولما انفتح هذا الشقاء الدائم بينه بقوله تعالى:
стр. 1512
﴿أولئك﴾ أي: هؤلاء البعداء البغضاء ﴿لهم عذاب مهين﴾ لإهانتهم الحق باستثناء الباطل عليه، ولما كان الإنسان قد يكون غافلاً فإذا نبه انتبه نبه على أن هذا الإنسان المنهمك في أسباب الخسران لا يزداد على ممرّ الزمان إلا مفاجأة لكل ما يرد عليه من البيان بقوله تعالى:
﴿وإذا تتلى عليه آياتنا﴾ أي: تتجدّد عليه تلاوتها أي: تلاوة القرآن من كل تال كان ﴿ولى﴾ أي: بعد السماع مطلق التولية سواء كان على المجانبة أو مدبراً ﴿مستكبراً﴾ أي: طالباً للكبر موجداً له بالإعراض عن الطاعة ﴿كأن﴾ أي: كأنه لم ﴿يسمعها﴾ فهو لم يزل على حالة الكبر ﴿كأن في أذنيه وقراً﴾ أي: صمماً يستوي معه تكليم غيره له وسكوته (تنبيه) : جملتا التشبيه حالان من ضمير ولى، أو الثانية بيان للأولى. وقرأ نافع بسكون الذال، والباقون بضمنها، ولما تسبب عن ذلك استحقاقه لما يزيل كبره وعظمته قال تعالى ﴿فبشره﴾ أي: أعلمه ﴿بعذاب أليم﴾ أي: مؤلم، وذكر البشارة تهكم به وهو النضر بن الحارث كما مرّت الإشارة إليه، ولما بين تعالى حال المعرض عن سماع الآيات بين حال من يقبل على تلك الآيات بقوله تعالى:
﴿إن الذين آمنوا﴾ أي: أوجدوا الإيمان ﴿وعملوا﴾ أي: تصديقاً له ﴿الصالحات لهم جنات﴾ أي: بساتين ﴿النعيم﴾ أي: نعيم جنات فعكس للمبالغة كما أنّ لهؤلاء العذاب المهين، ووحد العذاب وجمع الرحمة إشارة إلى أنّ الرحمة واسعة أكثر من الغضب، ولما كان ذلك قد لا يكون دائماً وكان السرور بشيء قد ينقطع قال تعالى:
﴿خالدين فيها﴾ أي: دائماً، وقوله تعالى ﴿وعد الله﴾ أي: الذي لا شيء أجل منه مصدر مؤكد لنفسه؛ لأنّ قوله تعالى جنات في معنى وعدهم الله تعالى ذلك وقوله تعالى ﴿حقاً﴾ مصدر مؤكد لغيره أي: لمضمون تلك الجملة الأولى وعاملهما مختلف، فتقدير الأولى: وعد. الله ذلك وعداً. وتقدير الثانية: أحق ذلك حقاً فأكد نعيم الجنات ولم يؤكد العذاب المهين ﴿وهو العزيز﴾ أي: فلا يغلبه شيء ﴿الحكيم﴾ أي: الذي لا يضع شيئاً إلا في محله، ولما ختم بصفتي العزة وهي غاية القدرة والحكمة وهي ثمرة العلم دل عليهما بإتقان أفعاله بقوله تعالى:
﴿خلق السموات﴾ على علوّها وكبرها وضخامتها ﴿بغير عمد﴾ وقوله تعالى ﴿ترونها﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه راجع إلى السموات إذ ليست بعمد أصلاً وأنتم ترونها كذلك بغير عمد، الثاني: أنه راجع إلى العمد ومعناه بغير عمد مرئية، وعلى كلا الوجهين هي ثابتة لا تزول وليس ذلك إلا بقدرة قادر مختار، تنبيه: أكثر المفسرين أنّ السموات مبسوطة كصحف مستوية لقوله تعالى ﴿يوم نطوي السماء كطيّ السجلّ للكتب﴾ (الأنبياء: ١٠٤)
وقال بعضهم: إنها مستديرة وهو قول جميع المهندسين والغزالي رحمه الله تعالى حيث قال: ونحن نوافقهم في ذلك فإنّ لهم عليّ دليلاً من المحسوسات ومخالفة الحس لا تجوز، وإن كان في الباب خبر يؤّول بما يحتمله فضلاً عن أن ليس في القرآن والخبر ما يدل على ذلك صريحاً بل فيه ما يدل على الاستدارة كقوله تعالى ﴿كل في فلك يسبحون﴾ (الأنبياء: ٣٣)
والفلك اسم لشيء مستدير بل الواجب أنّ السموات سواء كانت مستديرة أو صفيحة مستقيمة هي مخلوقة لله تعالى باختيار لا بإيجاب وطبع، ولما ذكر تعالى العمد المقلة ذكر الأوتاد المقرّة بقوله تعالى: ﴿وألقى في الأرض﴾ أي: التي أنتم عليها جبالاً ﴿رواسي﴾ والعجب أنها من فوقها
стр. 1513
وجميع الرواسي التي تعرفونها تكون من تحت تثبتها عن ﴿أن تميد﴾ أي: تتحرك ﴿بكم﴾ كما هو شأن ما على ظهر الماء ﴿وبث﴾ أي: فرّق ﴿فيها من كل دابة﴾ وقوله تعالى:
﴿وأنزلنا﴾ أي: بما لنا من القوّة ﴿من السما ماء﴾ فيه التفات عن الغيبة، ولما تسبب عن ذلك تدبير الأقوات وكان من آثار الحكمة التابعة للعلم دل عليه بقوله تعالى: ﴿فأنبتنا﴾ أي: بما لنا من العلوّ في الحكمة ﴿فيها﴾ أي: الأرض بخلط الماء بترابها ﴿من كل زوج﴾ أي: صنف من النبات متشابه ﴿كريم﴾ بما له من البهجة والنضرة الجالبة للسرور، وفي هذا دليل على عزته التي هي كمال القدرة، وحكمته التي هل كمال العلم مهدبه قاعدة التوحيد وقرّرها بقوله تعالى:
﴿هذا﴾ أي: الذي تشاهدونه كله ﴿خلق الله﴾ أي: الذي له جميع الكمال فلا كفء له، فإن ادعيتم ذلك ﴿فأروني ماذا خلق الذين من دونه﴾ أي: غيره، بكتهم بأنّ هذه الأشياء العظيمة مما خلقه تعالى وأنشأه، فأروني ما خلقته آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة.
تنبيه: ما استفهام إنكار مبتدأ و (ذا) بمعنى الذي بصلته خبره، وأروني معلق عن العمل، وما بعده سدّ مسدّ المفعولين، ثم أضرب عن تبكيتهم بقوله تعالى: ﴿بل﴾ منبهاً على أنّ الجواب ليس لهم خلق هكذا كان الأصل ولكنه قال تعالى ﴿الظالمون﴾ أي: العريقون في الظلم تعميماً وتنبيهاً على الوصف الذي أوجب لهم كونهم ﴿في ضلال﴾ عظيم جدّاً محيط بهم ﴿مبين﴾ أي: في غاية الوضوح وهو كونهم يضعون الأشياء في غير مواضعها لأنهم في مثل الظلام لا نور لهم لانحجاب شمس الأنوار عنهم بجبل الهوى فلا حكمة لهم، ثم إنه تعالى لما نفاها عنهم أثبتها لبعض أوليائه بقوله تعالى:
﴿ولقد آتينا﴾ بما لنا من العظمة والحكمة ﴿لقمان﴾ وهو عبد من عبيدنا المطيعين لنا ﴿الحكمة﴾ وهو العلم المؤيد بالعمل أو العمل المحكم بالعلم، قال ابن قتيبة: لا يقال لشخص حكيم حتى يجتمع له الحكمة في القول والفعل.
قال: ولا يسمى المتكلم بالحكمة حكيماً حتى يكون عاملاً بها، وعن ابن عباس ﵄: هي العقل والفهم والفطنة، واختلف في نسبه وفي سبب حكمته فقيل: هو لقمان بن باعورا ابن أخت أيوب ﵇ أو ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود ﵇ وأخذ عنه العلم وكان يفتي قبل مبعث داود ﵇ فلما بعث قطع الفتوى فقيل: له فقال ألا أكتفي إذا كفيت، وقيل كان قاضياً في بني إسرائيل وأكثر الأقاويل أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً.
أخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه سئل أكان لقمان نبياً قال: لا لم يوح إليه وكان رجلاً حكيماً، وعن ابن عباس: لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان راعياً أسود ورزقه الله تعالى العتق ورضي قوله ووصيته فقص أمره في القرآن لتتمسكوا بوصيته، وقال ابن المسيب: كان أسود من سودان مصر خياطاً، وقال مجاهد: كان عبداً أسود غليظ الشفتين مشقق القدمين، وقيل كان نجاراً، وقيل كان راعياً، وقيل كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة حطب، وقال عكرمة والشعبي: كان نبياً، وقيل خير بين النبوّة والحكمة، فاختار الحكمة، وعنه أنه قال لرجل ينظر إليه إن كنت تراني أسود فقلبي أبيض، وعن عكرمة قال: كان لقمان أهون مملوك على سيده وأوّل ما رؤي من حكمته أنه بينما هو
стр. 1514
مع مولاه إذ دخل المخرج وأطال فيه الجلوس فنادى لقمان أنّ طول الجلوس على الحاجة يسيح منه الكبد ويكون منه الباسور ويصعد الحرّ إلى الرأس فخرج وكتب حكمته على الحش. قال: وسكر مولاه فخاطر قوماً على أن يشرب ماء بحيرة فلما أفاق عرف ما وقع منه فدعا لقمان فقال لمثل هذا كنت أخبؤك قال اجمعهم فلما اجتمعوا قال على أي. شيء خاطرتموه. قالوا: على أن يشرب ماء هذه البحيرة. قال: فإن لها موادّاً فاحبسوا موادها عنه، قال: وكيف نستطيع أن نحبس موادها. قال: فكيف يستطيع أن يشربها ولها مواد.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي مسلم الخولاني قال: قال رسول الله ﷺ «إن لقمان كان عبداً كثير التفكر، حسن الظنّ، كثير الصمت، أحب الله فأحبه الله فمنّ عليه بالحكمة نودي بالخلافة قبل داوود فقيل له يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس. قال لقمان: إن أجبرني ربي قبلت فإني أعلم أنه إن فعل ذلك أعانني وعلمني وعصمني، وإن خيرني اخترت العافية ولم أسأل البلاء فقالت الملائكة: يا لقمان لم؟ قال: لأنّ الحاكم بأشدّ المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان فيخذل أو يعان، فإن أصاب فبالحري أن ينجو وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلاً فهو خير من أن يكون شريفاً ضائعاً، ومن تخير الدنيا على الآخرة. نفته الدنيا ولا يصيب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه وهو يتكلم بها، ثم نودي داود بعده بالخلافة فقبلها ولم يشترط ما اشترط لقمان فوقع في الذي حكاه الله عنه فصفح الله تعالى عنه وتجاوز، وكان لقمان يؤازره أي: يساعده بعلمه وحكمته فقال داود طوبى لك يا لقمان أوتيت الحكمة فصرفت عنك البلية وأوتي داود الخلافة فابتلى بالذنب والفتنة» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: «خير الله تعالى لقمان بين الحكمة والنبوّة فاختار الحكمة فأتاه جبريل وهو نائم فذرّ عليه الحكمة فأصبح ينطق بها فقيل له: كيف اخترت الحكمة على النبوّة وقد خيرك ربك؛ فقال إنه لو أرسل إلي بالنبوّة عزمة لرجوت فيها الفوز منه ولكنت أرجو أن أقوم بها ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوّة فكانت الحكمة أحب إليّ» . وروي أنه دخل على داود وهو يصنع الدروع وقد لين الله له الحديد كالطين فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت. فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله. فقال له داود لحق ما سميت حكيماً، وروي أنّ مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين فأخرج اللسان والقلب ثم أمره بمثل ذلك وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا وأخبث ما فيها إذا خبثا، وروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة فقال ألست فلان الراعي فيم بلغت ما بلغت قال بصدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني، وعن ابن المسيب أنه قال لأسود: لا تحزن فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان بلال ومهجع مولى عمر ولقمان كان أسود نوبياً ذا مشافر، وروي سادات السودان أربعة لقمان الحبشي والنجاشي وبلال ومهجع.
وعن
стр. 1515
أبي هريرة أنّ النبيّ ﷺ قال: «الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في العزلة وواحد في الصمت» وقال لقمان لا مال كصحة ولا نعيم كطيب نفس، وقال ضرب الوالد لولده كالسماد للزرع، ولما كانت الحكمة هي الإقبال على الله قال الله تعالى ﴿أن اشكر لله﴾ أي: وقلنا له أن أشكر لله على ما أعطاك من الحكمة ﴿ومن يشكر﴾ أي: يجدّد الشكر ويتعاهده بنفسه كائناً من كان ﴿فإنما يشكر لنفسه﴾ أي: لأنّ ثواب شكره له ﴿ومن كفر﴾ أي: النعمة ﴿فإن الله غني﴾ عن الشكر وغيره ﴿حميد﴾ أي: له جميع المحامد وإن كفره جميع الخلق.
﴿و﴾ اذكر ﴿إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني﴾ تصغير إشفاق، وقرأ حفص بفتح الياء وسكنها ابن كثير، وكسرها الباقون ﴿لا تشرك بالله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿إن الشرك﴾ أي: بالله ﴿لظلم عظيم﴾ فرجع إليه وأسلم ثم قال له أيضاً: يا بني اتخذ تقوى الله تعالى تجارة يأتيك الفرج من غير بضاعة، يا بني احضر الجنائز ولا تحضر العرس، فإنّ الجنائز تذكر الآخرة والعرس يشهيك الدنيا، يا بني لا تأكل شبعاً من شبع فاتك أن تلقيه للكلب خير من أن تأكله، يا بني لا تكونن أعجز من هذا الديك الذي يصوّت بالأسحار وأنت النائم على فراشك، يا بني لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة، يا بنيّ لا ترغب في ودّ الجاهل فترى أنك ترضى عمله، يا بنيّ اتق الله ولا تُري الناس أنك تخشى ليكرموك بذلك وقلبك فاجر، يا بني ما ندمت على الصمت قط فإنّ الكلام إذا كان من فضة كان السكوت من ذهب، يا بني اعتزل الشر كيما يعتزلك فإنّ الشرّ للشرّ خلف، يا بني إياك وشدّة الغضب فإنّ شدّة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم، يا بني عليك بمجالس العلماء واستمع كلام الحكماء فإن الله تعالى يحي القلب الميت بنور الحكمة كما يحي الأرض بوابل المطر فإن من كذب ذهب ماء وجهه ومن ساء خلقه كثر غمه، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم، يا بني لا ترسل رسولاً جاهلاً فإن لم تجد حكيماً فكن رسول نفسك، يا بني لا تنكح أمة غيرك فتورث بنيك حزناً طويلاً، يا بني يأتي على الناس زمان لا تقرّ فيه عين حليم، يا بني اختر المجالس على عينك فإذا رأيت المجلس يذكر فيه الله فاجلس معهم فإنك إن تك عالماً ينفعك علمك، وإن تك غبياً يعلموك، وإن يطلع الله عليهم برحمة تصبك معهم، يا بنيّ لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر فيه الله تعالى فإنك إن تكن عالماً لا ينفعك علمك، وإن تكن غبياً يزيدوك غباوة وإن يطلع الله تعالى عليهم بعد ذلك بسخط يصبك معهم، يا بني لا يأكل طعامك إلا الأتقياء وشاور في أمرك
العلماء، يا بني إنّ الدنيا أمر عميق وقد غرق فيها ناس كثير فاجعل سفينتك فيها تقوى الله وحشوها الإيمان بالله، وشراعها التوكل على الله لعلك أن تنجو ولا أراك ناجياً، يا بني إني حملت الجندل والحديد فلم أحمل شيئاً أثقل من جار السوء، وذقت المرارة كلها فلم أذق أشد من الفقر، يا بني كن ممن لا يبتغي محمدة الناس ولا يكسب مذمتهم فنفسه عنهم في غنى والناس منه في راحة، يا بُنَّي إنّ الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك، يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإنّ الله ليحي القلوب بنور الحكمة كما يحي الأرض الميتة بوابل السماء، يا بني لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم، يا بني إذا أردت أن تواخي رجلاً فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره، يا بني إنك
стр. 1516
منذ نزلت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة فدار أنت إليها تسير أقرب من دار أنت عنها تباعد، يا بني عود لسانك أن يقول: اللهم اغفر لي فإن لله ساعات لا ترد، يا بني إياك والدين فإنه ذل النهار وهم الليل، يا بني ارج الله رجاء لا يجرئك على معصيته وخف الله خوفاً لا يؤيسك من رحمته ا. هـ. وإنما أكثرت من ذلك لعل الله ينفعنى ومن طالعه بذلك، وسيأتي في كلام الله تعالى زيادة على ذلك واقتصرت على هذا القدر وإلا فمواعظه لابنه لو أراد شخص الإكثار منها لجعل منها مجلدات.
فقد أخرج ابن أبي الدنيا عن حفص بن عمر الكندي قال: وضع لقمان ﵇ جراباً من خردل إلى جنبه وجعل يعظ ابنه موعظة ويخرج خردلة فنفذ الخردل فقال: يا بني وعظتك موعظة لو وعظتها جبلاً لتفطر فتفطر ابنه. فسبحان من يعز ويذل، ويغني ويفقر، ويشفي ويمرض، ويرفع من يشاء وإن كان عبداً فلا بدع أن يخص محمداً ﷺ ذا النسب العالي والمنصب المنيف بالرسالة من بين قريش وإن لم يكن من أهل الدنيا المتعظمين بها، ولما ذكر سبحانه ما أوصى به ولده من شكر المنعم الأوّل الذي لم يشركه في إيجاده أحد وذكر ما عليه الشرك من الفظاعة والشناعة أتبعه وصيته سبحانه للولد بالوالد لكونه المنعم الثاني بالسببية في وجوده بقوله تعالى:
﴿ووصينا الإنسان بوالديه﴾ أي: أمرناه أن يبرهما ويطيعهما ويقوم بهما، ثم بين تعالى السبب في ذلك بقوله تعالى: ﴿حملته أمه وهناً﴾ أي: حال كونها ذات وهن بحمله وبالغ في جعلها نفس الفعل دلالة على شدّة ذلك الضعف ﴿على وهن﴾ أي: ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف الولادة، ثم أشار إلى ما لها عليه من المنة بعد ذلك بالشفقة وحسن الكفالة وهو لا يملك لنفسه شيئاً بقوله تعالى: ﴿وفصاله﴾ أي: فطامه من الرضاعة بعد وضعه ﴿في عامين﴾ تقاسي فيهما في منامه وقيامه ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى، فإن قيل وصى الله تعالى بالوالدين وذكر السبب في حق الأم مع أن الأب وجد منه أكثر من الأم لأنه حمله في صلبه سنين ورباه بكسبه سنين فهو أبلغ؟ أجيب: بأن المشقة الحاصلة للأم أعظم فإن الأب حمله خفيفاً لكونه من جملة جسده والأم حملته ثقيلاً آدمياً مودعاً فيها وبعد وضعه وتربيته ليلاً ونهاراً وبينهما ما لا يخفى من المشقة، ومن ثم قال ﷺ لمن قال له: من أبر؟: «أمك ثم أمك ثم أمك ثم قال بعد ذلك ثم أباك» وقوله تعالى ﴿أن اشكر لي﴾ لأني المنعم في الحقيقة ﴿ولوالديك﴾ أي: لكوني جعلتهما سبباً لوجودك والإحسان بتربيتك تفسير لوصينا أو عدة له، ثم علل الأمر بالشكر محذراً بقوله تعالى: ﴿إليّ﴾ لا إلى غيري ﴿المصير﴾ فأحاسبك على شركك ومعاصيك، وعن القيام بحقوقهما، قال سفيان بن عيينة في هذه الآية: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر لله، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات الخمس فقد شكر للوالدين، ولما ذكر تعالى وصيته بهما وأكد حقهما أتبعه الدليل على ما ذكر لقمان من قباحة الشرك بقوله تعالى:
﴿وإن جاهداك﴾ أي: مع ما أمرتك به من طاعتهما ﴿على أن تشرك بي﴾ وقوله تعالى ﴿وما ليس لك به علم﴾ موافق للواقع لأنه لا يمكن أن يدل علم من أنواع العلوم على شيء من الشرك بل العلوم كلها دالة على الوحدانية، ولما قرر ذلك على هذا المنوال البديع قال مسبباً عنه ﴿فلا تطعهما﴾ أي: في ذلك
стр. 1517
ولو اجتمعا على المجاهدة لك عليه بل خالفهما، وإن أدى الأمر إلى السيف فجاهدهما به لأن أمرهما بذلك مناف للحكمة حامل على محض الجور والسفه ففيه تنبيه لقريش على محض الغلط في التقليد لآبائهم في ذلك، وربما أفهم ذلك الإعراض عنهما بالكلية فلهذا قال تعالى ﴿وصاحبهما في الدنيا﴾ أي: في أمورها التي لا تتعلق بالدين ما دمت حياً بها ﴿معروفاً﴾ ببرهما إن كانا على دين يقران عليه ومعاملتهما بالحلم والإحتمال وما تقتضيه مكارم الأخلاق ومعالي الشيم، ولما كان ذلك قد يجرّ إلى نوع وهن في الدين ببعض محاباة نفي ذلك بقوله تعالى: ﴿واتبع﴾ أي: بالغ في أن تتبع ﴿سبيل﴾ أي: دين وطريق ﴿من أناب﴾ أي: أقبل خاضعاً ﴿إليّ﴾ لم يلتفت إلى عبادة غيري وهم المخلصون، فإن ذلك لا يخرجك عن برهما ولا عن توحيد الله تعالى ولا عن الإخلاص له.
تنبيه: في هذا حث على معرفة الرجال بالحق وأمر بحك المشايخ وغيرهم على محك الكتاب والسنة، فمن كان عمله موافقاً لهما اتبع، ومن كان عمله مخالفاً لهما اجتنب. وإذا كان مرجع أمورهم كلها إليه في الدنيا ففي الآخرة كذلك كما قال تعالى ﴿ثم إليّ﴾ أي: في الآخرة ﴿مرجعكم فأنبئكم﴾ أي: أفعل فعل من يبالغ في التعقيب والاختبار عقب ذلك وتبيينه لأنّ ذلك أنسب شيء للحكمة وتعقب كل شيء بحسب ما يليق به ﴿بما كنتم تعملون﴾ أي: تجيددون عمله من صغير وكبير، وجليل وحقير، فأجازي من أريد وأغفر لمن أريد، فأعد لذلك عدته، ولا تعمل عمل من ليس له مرجع يحاسب فيه ويجازي على مثاقيل الذر من أعماله، والآيتان معترضتان في تضاعيف وصية لقمان تأكيداً لما فيها من النهي عن الشرك كأنه قال تعالى: وصينا بمثل ما وصى به وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك فإنهما مع أنهما تلو الباري في استحقاق التعظيم والطاعة لا يجوز أن يتبعا في الإشراك فما ظنكم بغيرهما ونزولهما في سعد بن أبي وقاص وأمه مكثت لإسلامه ثلاثاً لم تطعم فيها شيئاً، ولذلك قيل من أناب إليّ هو أبو بكر الصديق ﵁ فإن سعداً أسلم بدعوة أبي بكر له، ثم إن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبتِ إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله تعالى فقال.
﴿يا بني﴾ مجيباً له مستعطفاً مصغراً له بالنسبة إلى حلم شيء من غضب الله تعالى ﴿إنها﴾ أي: الخطيئة ﴿إن تك﴾ وأسقط النون لغرض الإيجاز في الإيصاء ﴿مثقال﴾ أي: وزن، ثم حقرها بقوله ﴿حبة﴾ وزاد في ذلك بقوله ﴿من خردل﴾ أي: إن تكن في الصغر كحبة الخردل، وقرأ نافع مثقال بالرفع على أنّ الهاء ضمير الخطيئة كما مر أو القصة وكان تامة، وتأنيثها الإضافة المثقال إلى الحبة كقول الأعشى:
*وتشرق بالقول الذي قد ذكرته ... كما شرقت صدر القناة من الدم*
والشرق الغصة، يقال شرق بريقه أي: غص، والشاهد في شرقت حيث أنه لإضافة الصدر إلى القناة، وصدرها ما فوق نصفها، ثم أثبت النون في قوله مبيناً عن صغرها ﴿فتكن﴾ إشارة إلى ثباتها في مكانها وليزداد شوق النفس إلى محط الفائدة ويذهب الوهم كل مذهب معبراً عن أعظم الخفاء وأتم الأحوال ﴿في صخرة﴾ أيّ صخرة كانت ولو أنها أشد الصخور وأخفاها، ولما أخفى وضيق أظهر ووسع ورفع وخفض ليكون أعظم لضياعها لحقارتها بقوله ﴿أو في السموات﴾
стр. 1518
أي: في أيّ مكان منها على سعة أرجائها وتباعد أنحائها، وأعاد أونصاً على إرادة كل منهما على حدته بقوله ﴿أو في الأرض﴾ أي: كذلك وهذا كما ترى لا ينفي أن تكون الصخرة فيهما أو في غيرهما أو في أحدهما.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عليّ بن رياح أنه لما وعظ لقمان ابنه وقال إنها إن تك الآية أخذ حبة من خردل فأتى بها إلى اليرموك فألقاها في عرضه، ثم مكث ما شاء الله تعالى، ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته، وقال بعض المفسرين: المراد بالصخرة: صخرة عليها الثور وهي لا في الأرض ولا في السماء، وقال الزمخشري: فيه إضمار تقديره إن تكن في صخرة أو في موضع آخر في السموات أو في الأرض، وقيل: هذا من تقديم الخاص وتأخير العامّ وهو جائز في مثل هذا التقسيم، وقيل: خفاء الشيء يكون بطرق: منها: أن يكون في غاية الصغر، ومنها: أن يكون بعيداً، ومنها أن يكون في ظلمة، ومنها: أن يكون وراء حجاب فإذا امتنعت هذه الأمور فلا يخفى في العادة فأثبت لله الرؤية والعلم مع انتفاء الشرائط بقوله إن تك مثقال حبة من خردل إشارة إلى الصغر، وقوله فتكن في صخرة إشارة إلى الحجاب وقوله أو في السموات إشارة إلى البعد فإنها أبعد الأبعاد، وقوله أو في الأرض إشارة إلى الظلمات فإن جوف الأرض أظلم الأماكن وقوله ﴿يأت بها الله﴾ أبلغ من قول القائل يعلمها الله لأنّ من يظهر له شيء ولا يقدر على إظهاره لغيره يكون حاله في العلم دون حال من يظهر له الشيء ويظهره لغيره، فقوله يأت بها الله أي: يظهرها للإشهاد يوم القيامة فيحاسب بها عاملها.
﴿إنّ الله﴾ أي: الملك العظيم ﴿لطيف﴾ أي: نافذ القدرة يتوصل علمه إلى كل خفي عالم بكنهه، وعن قتادة لطيف باستخراجها ﴿خبير﴾ أي: عالم ببواطن الأمور فيعلم مستقرها، روي في بعض الكتب أنّ هذه آخر كلمة تكلم بها لقمان فانشقت مرارته من هيبتها فمات.
قال الحسن: معنى الآية هو الإحاطة بالأشياء صغيرها وكبيرها، ولما نبه على إحاطة علمه سبحانه وإقامته للحساب أمره بما يدخره لذلك توسلاً إليه وتخشعاً لديه وهو رأس ما يصلح به العمل ويصحح التوحيد ويصدقه بقوله:
﴿يا بني﴾ مكرر للمناداة تنبيهاً على فرط النصيحة لفرط الشفقة ﴿أقم الصلاة﴾ أي: بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل عنها تسبباً في نجاة نفسك وتصفية سرك فإن إقامتها وهو الإتيان بها على النحو المرضي مانعة من الخلل في العمل، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر لأنها الإقبال على من وحدته، فاعتقدت أنه الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه لأنه في التحقيق عدم ولهذا الإقبال والإعراض كانت ثابتة للتوحيد وبهذا يعلم أن الصلاة كانت في سائر الملل غير أن هيآتها اختلفت وترك ذكر الزكاة تنبيهاً على أنه من حكمته، والحكمة تخليه وتخلى ولده من الدنيا حتى ما يكفيهم لقوتهم ولما، أمره بتكميله في نفسه توفية لحق الحق عطف على ذلك تكميله لغيره بقوله ﴿وأمر بالمعروف﴾ أي: كل من تقدر على أمره تهذيباً لغيرك وشفقة على نفسك لتخليص أبناء جنسك ﴿وإنه﴾ أي: كل من قدرت على نهيه ﴿عن المنكر﴾ حباً لأخيك ما تحب لنفسك تحقيقاً لنصيحتك وتكميلاً لعبادتك، ومن هذا الطراز قول أبي الأسود رحمه الله تعالى:
*ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإن انتهت عنه فأنت حكيم*
стр. 1519
لأنه أمره أولاً بالمعروف وهو الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر، فإذا أمر نفسه ونهاها ناسب أن يأمر غيره وينهاه، وهذا وإن كان من قول لقمان إلا أنه لما كان في سياق المدح له كنا مخاطبين به، فإن قيل كيف قدم في وصيته لابنه الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر وحين أمر أنه قدم النهي عن المنكر على الأمر بالمعروف فقال: لا تشرك بالله ثم قال أقم الصلاة؟ أجيب: بأنه كان يعلم أنّ ابنه معترف بوجود الإله فما أمره بهذا المعروف بل نهاه عن المنكر الذي ترتب على هذا المعروف، وأمّا ابنه فأمره أمراً مطلقاً والمعروف يقدم على المنكر، ولما كان القابض على دينه في غالب الأزمان كالقابض على الجمر قال له ﴿واصبر﴾ صبراً عظيماً بحيث تكون مستعلياً ﴿على ما﴾ أي: الذي ﴿أصابك﴾ أي: في عبادتك وغيرها من الأمر بالمعروف وغيره سواء أكان بواسطة العباد أم لا كالمرض، وقد بدأ هذه الوصية بالصلاة وختمها بالصبر لأنهما ملاك الاستعانة قال تعالى ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ (البقرة: ٤٥)
وأخرج أحمد عن هشام ابن عروة عن أبيه قال: مكتوب في الحكمة يعني حكمة لقمان ﵇ لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسيطاً تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطايا. وقال: مكتوب في الحكمة أو في التوراة الرفق رأس الحكمة، وقال: مكتوب في التوراة كما تَرحمون تُرحمون، وقال: مكتوب في الحكمة كما تزرعون تحصدون، وقال: مكتوب في الحكمة أحبب خليلك وخليل أبيك، وقيل للقمان: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً، ومن حكمته أنه قال: أقصر عن اللجاجة ولا أنطق فيما لا يعنيني ولا أكون مضحاكاً من غير عجب ولا مشاء لغير أرب، ومنها من كان له من نفسه واعظ كان له من الله حافظ ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله بذلك عزاً، والذل في طاعة الله أقرب من التعزز بالمعصية، ومنها أنه كان يقول ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: الحليم عند الغضب، والشجاع عند الحرب، وأخوك عند حاجتك إليه.
ولما كان ما أحكمه لولده عظيم الجدوى وجعل ختامه الصبر الذي هو ملاك الأعمال نبه بذلك بقوله على سبيل الاستئناف أو التعليل ﴿إن ذلك﴾ أي: الأمر العظيم الذي أوصيك به لا سيما الصبر على المصائب ﴿من عزم الأمور﴾ أي: معزوماتها تسمية لاسم المفعول أو الفاعل بالمصدر أي: الأمور المقطوع بها المفروضة، أو القاطعة الجازمة وبجزم فاعلها، ثم حذره عن الكبر معبراً عنه بلازمه لأن نفي الأعم نفي للأخص بقوله.»
﴿ولا تصعر خدّك﴾ أي: لا تمله متعمداً إمالته بإمالة العنق متكلفاً لها صرفاً عن الحالة القاصدة، قال أبو عبيدة: وأصل الصعر داء يصيب البعير يلوى منه عنقه، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم بغير ألف بعد الصاد وتشديد العين، والباقون بألف بعد الصاد وتخفيف العين، والرسم يحتملها فإنه رسم بغير ألف وهما لغتان لغة الحجاز التخفيف، وتميم التثقيل، ولما كان ذلك قد يكون لغرض من الأغراض التي لا تدوم أشار إلى المقصود بقوله ﴿للناس﴾ بلام العلة أي: لا تفعل ذلك لأجل الإمالة عنهم وذلك لا يكون إلا تهاوناً بهم من الكبر بل أقبل عليهم بوجهك كله مستبشراً منبسطاً من غير كبر ولا عتو، وعن ابن عباس لا تتكبر فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك، وقيل هو الرجل يكون بينك وبينه الشحنة فيلقاك فتعرض
стр. 1520
عنه، وقيل هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه تكبراً، وقيل معناه: لا تحقر الفقير، ليكن الفقير والغني عندك سواء، ثم أتبع ذلك ما يلزمه بقوله ﴿ولا تمش﴾ وأشار بقوله ﴿في الأرض﴾ إلى أنّ أصله تراب وهو لا يقدر أن يعدوه وسيصير إليه وأوقع المصدر موقع الحال والعلة في قوله ﴿مرحاً﴾ أي: اختيالاً وتبختراً أي: لا تكن منك هذه الحقيقة لأن ذلك مشي أشر بطر متكبر فهو جدير بأن يظلم صاحبه ويفحش ويبغي بل أمش هوناً فإن ذلك يفضي بك إلى التواضع فتصل إلى كل خير فترفق بك الأرض إذا صرت في بطنها ﴿إنّ الله﴾ أي: الذي له الكبرياء والعظمة ﴿لا يحب﴾ أي: يعذب ﴿كل مختال﴾ أي: مراء للناس في مشيه متبختر يرى له فضلاً على الناس ﴿فخور﴾ على الناس بنفسه يظن أن إسباغ النعم الدنيوية من محبة الله تعالى له وذلك من جهله، فإن الله يسبغ نعمه على الكافر الجاحد فينبغي للعارف أن لا يتكبر على عباده فإن الكبر هو الذي تردى به سبحانه فمن نازعه فيه قصمه، ولما كان النهي عن ذلك أمراً بضدّه قال:
﴿واقصد﴾ أي: اقتصد واسلك الطريق الوسطى ﴿في مشيك﴾ بين ذلك قواماً أي: ليكن مشيك قصداً لا تخيلاً ولا إسراعاً أي: بين مشيين لا تدب دبيب المتماوتين ولا تثب وثب الشطار، قال ﷺ «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن» وأمّا قول عائشة في عمر رضي الله تعالى عنهما: كان إذا مشى أسرع، فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت، وقال عطاء: امش بالوقار والسكينة لقوله تعالى يمشون: على الأرض هوناً وعن ابن مسعود: كانوا ينهون عن وثب اليهود ودبيب النصارى، والقصد في الأفعال كالقسط في الأوزان، قاله الرازي: في اللوامع وهو المشي الهون الذي ليس فيه تصنع للخلق لا بتواضع، ولا بتكبر ﴿واغضض﴾ أي: انقص ﴿من صوتك﴾ لئلا يكون صوتك منكراً وتكون برفع الصوت فوق الحاجة كالأذان فهو مأمور به، وكانت الجاهلية يتمدحون برفع الصوت قال القائل:
*جهير الكلام جهير العطاس ... جهير الروى جهير النغم*
وقال مقاتل: اخفض من صوتك، فإن قيل: لم ذكر المانع من رفع الصوت ولم يذكر المانع من سرعة المشي؟ أجيب: بأن رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوته وربما يخرق الغشاء الذي داخل الأذن، وأما سرعة المشي فلا تؤذي وإن آذت فلا تؤذي غير من في طريقه، والصوت يبلغ من على اليمين واليسار ولأنّ المشي يؤذي آلة المشي، والصوت يؤذي آلة السمع وآلة السمع على باب القلب فإنّ الكلام ينتقل من السمع إلى القلب، ولا كذلك المشي. وأيضاً فلأن قبح القول أقبح من قبح الفعل وحسنه أحسن، لأنّ اللسان ترجمان القلب، ولما كان رفع الصوت فوق الحاجة منكر كما أن خفضه دونها تماوت وتكبر وكان قد أشار إلى النهي عن هذا بمن فأفهم أنّ الطرفين مذمومان علل النهي عن الأوّل بقوله ﴿إن أنكر﴾ أي: أفظع وأبشع وأوحش ﴿الأصوات﴾ كلها المشتركة في المكاره برفعها فوق الحاجة، وأخلى الكلام من لفظ التشبيه، وأخرجه مخرج الاستعارة تصوير الصوت الرافع صوته فوق الحاجة بصورة النهاق وجعل المصوت كذلك حماراً مبالغة في التهجين وتنبيهاً على أنه من الكراهة بمكان
стр. 1521
فقال ﴿لصوت الحمير﴾ أي: هذا الجنس لما له من العلو المفرط من غير حاجة فإنّ كل حيوان قد يفهم من صوته أنه يصيح من ثقل أو تعب كالبعير أو لغير ذلك، والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق بصوت أوّله زفير وآخره شهيق وهما فعل أهل النار، وأفرد الصوت ليكون نصاً على إرادة الجنس لئلا يظن أنّ الاجتماع شرط في ذلك، ولذكر الحمار مع ذلك من بلاغة الشتم والذم ما ليس لغيره ولذلك يستهجن التصريح باسمه بل يكنون عنه ويرغبون عن التصريح به فيقولون الطويل الأذنين كما يكنى عن الأشياء المستقذرة وقد عد في مساوئ الأداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من ذوي المروءة من العرب من لا يركب الحمار استنكافاً، وإن بلغت منه الرحلة، وإنما ركبه ﷺ لمخالفته عادتهم وإظهاره التواضع من
نفسه، وأمّا الرفع مع الحاجة فغير مذموم فإنه ليس بمستنكر ولا مستبشع.
فإن قيل كيف يفهم كونه أنكر الأصوات مع أن حز المنشار بالمبرد ودق النحاس بالحديد أشد صوتاً؟ أجيب: من وجهين: الأوّل: المراد أنكر أصوات الحيوانات صوت الحمير فلا يرد السؤال، والثاني: أن الصوت الشديد لحاجة ومصلحة لا يستبشع ولا ينكر صوته كما مرت الإشارة إليه، بخلاف صوت الحمير، قال موسى بن أعين سمعت سفيان الثوري يقول في قوله تعالى ﴿إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ قال: صياح كل شيء تسبيح لله تعالى إلا الحمار، وقال جعفر الصادق في ذلك: هي العطسة القبيحة المنكرة، وقال وهب: تكلم لقمان باثني عشر ألف كلمة من الحكمة أدخلها الناس في كلامهم.
قال خالد الربعي: كان لقمان عبداً ومن حكمته أنه دفع إليه مولاه شاة فقال له: اذبحها وائتني بأطيب مضغتين فيها فأتاه باللسان والقلب ثم دفع إليه شاة أخرى فقال اذبحها وائتني بأخبث مضغتين منها فأتاه باللسان والقلب فسأله مولاه فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا وقد مرت الإشارة إلى ذلك.
ومن حكمته أنه قال لابنه: يا بني لا ينزلن بك أمر رضيته أو كرهته إلا جعلت في الضمير منك إن ذلك خير لك، ثم قال لابنه: يا بني إن الله قد بعث نبياً هلم حتى نأتيه فنصدقه فخرج على حمار وابنه على حمار وتزودا، ثم سارا أياماً وليالي حتى لقيتهما مفازة فأخذا أهبتها لها فدخلا فسارا ما شاء الله تعالى حتى ظهرا وقد تعالى النهار، واشتد الحر، ونفد الماء والزاد، واستبطأ حماريهما فنزلا وجعلا يشتدان على سوقهما فبينما هما كذلك إذ نظر لقمان أمامه فإذا هو بسواد ودخان فقال في نفسه: السواد الشجر والدخان العمران والناس، فبينما هما يشتدان إذ وطئ ابن لقمان على عظم ناتئ على الطريق فخر مغشياً عليه فوثب إليه لقمان وضمه إلى صدره واستخرج العظم بأسنانه ثم نظر إليه لقمان فذرفت عيناه فقال: يا أبت أنت تبكي وأنت تقول هذا خير لي وقد نفد الطعام والماء وبقيت أنا وأنت في هذا المكان فإن ذهبت وتركتني على حالي ذهبت بهم وغم ما بقيت، وإن أقمت معي متنا جميعاً، فقال: يا بني أمّا بكائي فرقة الوالدين، وأمّا ما قلت كيف يكون هذا خيراً فلعل ما صرف عنك، أعظم مما ابتليت به ولعل ما ابتليت به أيسر مما صرف عنك، ثم نظر لقمان أمامه فلم ير ذلك الدخان والسواد وإذا بشخص أقبل على فرس أبلق عليه ثياب بياض وعمامة بيضاء يمسح الهواء مسحاً فلم
стр. 1522
يزل يرمقه بعينه حتى كان منه قريباً فتوارى عنه؛ ثم صاح به أنت لقمان قال نعم، قال أنت الحكيم، قال كذلك يقال: قال ما قال لك ابنك. قال: يا عبد الله من أنت؟ أسمع كلامك ولا أرى وجهك، قال: أنا جبريل أمرني ربي بخسف هذه القرية ومن فيها فأخبرت أنكما تريدانها فدعوت ربي أن يحبسكما عني بما شاء فحبسكما بما ابتلى به ابنك ولولا ذلك لخسفت بكما مع من خسفت، ثم مسح جبريل ﵇ بيده على قدم ابنه فاستوى قائماً ومسح بيده على الذي كان فيه الطعام فامتلأ طعاماً وعلى الذي كان فيه الماء فامتلأ ماء ثم حملهما وحماريهما فرحل
بهما كما يرحل الطير فإذا هما في الدار التي خرجا بعد أيام وليال منها.
وعن عبد الله بن دينار أن لقمان قدم من سفر فلقي غلامه في الطريق فقال: ما فعل أبي؟ فقال: مات. قال: الحمد لله ملكت أمري، قال: ما فعلت أمي؟ قال: ماتت، قال: ذهب همي. قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت، قال: جدد فراشي. قال: ما فعلت أختي؟ قال: ماتت. قال: سترت عورتي، قال: ما فعل أخي؟ قال: مات، قال: انقطع ظهري.
وعن أبي قلابة قال: قيل للقمان أي الناس أصبر؟ قال: صبر لا معه أذى، قيل: فأيّ الناس أعلم؟ قال: من ازداد من علم الناس إلى علمه، قيل: فأي الناس خير؟ قال: الغني، قيل الغني من المال؟ قال: لا، ولكن الغني من التمس عنده خير وجد وإلا أغنى نفسه عن الناس.
وعن سفيان: قيل للقمان: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً، وعن عبد الله بن زيد قال قال لقمان ألا إن يد الله على أفواه الحكماء لا يتكلم أحدهم إلا ما هيأ الله تعالى له، ولما استدل سبحانه بقوله تعالى: ﴿خلق السموات بغير عمد﴾ على الوحدانية وبين بحكمة لقمان أنّ معرفة ذلك غير مختصة بالنبوّة استدل ثانياً على الوحدانية بالنعم بقوله تعالى:
﴿ألم تروا﴾ أي: تعلموا علماً هو في ظهوره كالمشاهدة ﴿أن الله﴾ أي: الحائز لكل كمال ﴿سخر لكم﴾ أي: لأجلكم ﴿ما في السموات﴾ من الإنارة والإظلام والشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر والبرد وغير ذلك من الإنعامات مما لا يحصى، كما قال ﴿والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره﴾ ﴿و﴾ سخر لكم ﴿ما في الأرض﴾ من البحار والثمار والآبار والأنهار والدواب والمعادن وغير ذلك مما لا يحصى ﴿وأسبغ﴾ أي: أوسع وأتم ﴿عليكم﴾ وقوله تعالى ﴿نعمه﴾ قرأه نافع وأبو عمرو وحفص بفتح العين وبعد الميم هاء مضمومة، والباقون بسكون العين وبعد الميم تاء مفتوحة منونة، ومعناها الجمع أيضاً كقوله تعالى ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ (إبراهيم: ٣٤)
واختلف في قوله ﴿ظاهرة وباطنة﴾ على أقوال: فقال عكرمة عن ابن عباس: النعمة الظاهرة: القرآن والإسلام، والباطنة: ما ستر عليك من الذنوب ولم يعجل عليك بالنقمة، وقال الضحاك: الظاهرة حسن الصورة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة، وقال مقاتل: الظاهرة تسوية الخلق والرزق والإسلام، والباطنة ما ستر من الذنوب، وقال الربيع: الظاهرة الجوارح والباطنة القلب، وقال عطاء الظاهرة تخفيف الشرائع والباطنة الشفاعة، وقال مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء والباطنة الإمداد بالملائكة، وقال سهل بن عبد الله: الظاهرة اتباع الرسول والباطنة محبته، وقيل الظاهرة تمام الرزق والباطنة تمام الخلق، وقيل الظاهرة الإمداد بالملائكة والباطنة إلقاء الرعب في قلوب
стр. 1523
الكفار، وقيل الظاهرة الإقرار باللسان والباطنة الاعتقاد بالقلب، وقيل الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح الظاهرة، والباطنة القلب والعقل والفهم وما أشبه ذلك، ويروى في دعاء موسى: ﵇ إلهي دلني على إخفاء نعمتك على عبادك، فقال: أخفى نعمتي عليهم النفس، ويروى أن أيسر ما يعذب به أهل النار الأخذ بالأنفاس، ونزل في النضر بن الحارث وأبي بن خلف وأشباههم كانوا يجادلون النبي ﷺ في الله تعالى وفي صفاته.
﴿ومن الناس﴾ أي: أهل مكة ﴿من يجادل﴾ أي: يحاجج فلا لهو أعظم من جداله ولا كبر مثل كبره ولا ضلال مثل ضلاله وأظهر زيادة التشنيع على هذا المجادل بقوله تعالى: ﴿في الله﴾ أي: المحيط علماً وقدرة ثم بين تعالى مجادلته أنها ﴿بغير علم﴾ أي: مستفاد من دليل بل بألفاظ في ركاكة معانيها لعدم إسنادها إلى حس ولا عقل ملحقة بأصوات الحيوانات العجم فكان بذلك حماراً تابعاً للهوى ﴿ولا هدى﴾ أي: من رسول عُهِد منه سداد الأقوال والأفعال بما أبدى من المعجزات والآيات البينات فوجب أخذ أقواله مسلمة وإن لم يظهر معناها ﴿ولا كتاب﴾ أي: من الله تعالى، ثم وصفه بما هو لازم له بقوله تعالى: ﴿منير﴾ أي: بين غاية السبيان؛ بل إنما يجادل بالتقليد كما قال تعالى:
﴿وإذا قيل﴾ أي: من أي: قائل كان ﴿لهم﴾ أي: المجادلين هذا الجدال ﴿اتبعوا ما أنزل الله﴾ أي: الذي خلقكم وخلق آباءكم الأوّلين ﴿قالوا﴾ جحوداً لا نفعل ﴿بل نتبع﴾ وإن أتيتنا بكل دليل ﴿ما وجدنا عليه آباءنا﴾ لأنهم أثبت منا عقولاً وأقوم قيلاً وأهدى سبيلا، فهذه المجادلة في غاية القبح فإن النبيّ ﷺ يدعوهم إلى كلام الله وهم يأخذون بكلام آبائهم، وبين كلام الله تعالى وبين كلام العلماء بون عظيم فكيف ما بين كلام الله تعالى وكلام الجهال ﴿أولو﴾ أي: أيتبعونهم ولو ﴿كان الشيطان﴾ أي: البعيد من الرحمه، المحترق باللعنة ﴿يدعوهم﴾ إلى الضلال فيوبقهم فيما يسخط الرحمن فيؤديهم لك ﴿إلى عذاب السعير﴾ وجواب لو محذوف مثل لا تتبعوه، والاستفهام للإنكار والتعجب، والمعنى أن الله تعالى يدعوهم إلى الثواب والشيطان يدعوهم إلى العذاب وهم مع هذا يتبعون الشيطان، ولما بين تعالى حال المشرك والمجادل في الله بين تعالى حال المسلم المستسلم لأمر الله تعالى بقوله تعالى:
﴿ومن يسلم﴾ أي: في الحال والاستقبال ﴿وجهه﴾ أي: قصده وتوجهه وذاته كلها ﴿إلى الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال بأن فوض أمره إليه فلم يبق لنفسه أمر أصلاً فهو لا يتحرك إلا بأمر من أوامره سبحانه ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه ﴿محسن﴾ أي: مخلص بباطنه كما أخلص بظاهره فهو دائماً في حال الشهود ﴿فقد استمسك﴾ أي: أوجد الإمساك بغاية ما يقدر عليه من القوّة في تأدية الأمور ﴿بالعروة الوثقى﴾ أي: اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه؛ لأنّ أوثق العرى جانب الله تعالى فإن كل ما عداه هالك منقطع وهو باق لا انقطاع له، وهذا من باب التمثيل مثل حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق جبل فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه، فإن قيل كيف قال ههنا ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله﴾ فعداه بإلى، وقال في البقرة ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾ (البقرة: ١١٢)
فعداه باللام؟ أجيب: بأن أسلم يتعدّى تارة
стр. 1524
باللام، وتارة بإلى، كما يتعدّى أرسل تارة باللام وتارة بإلى قال تعالى ﴿وأرسلناك للناس رسولاً﴾ وقال تعالى ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً﴾ ﴿وإلى الله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿عاقبة الأمور﴾ أي: مصير جميع الأشياء إليه، كما أنّ منه باديتها، وإنما خص العاقبة لأنهم مقرون بالبادية، ولما بين تعالى حال المسلم رجع إلى بيان حال الكافر فقال تعالى:
﴿ومن كفر﴾ أي: ستر ما أداه إليه عقله من أن الله تعالى لا شريك له وأن لا قدرة أصلاً لأحدٍ سواه ولم يسلم وجهه إليه ﴿فلا يحزنك﴾ أي: يهمك ويوجعك ﴿كفره﴾ كائناً من كان، فإنه لم يفتك شيء فيه ولا معجز لنا ليحزنك ولا تبعة عليك بسببه في الدنيا وفي الآخرة، وأفرد الضمير في كفره اعتباراً بلفظ من لإرادة التنصيص على كل فرد، وفي التعبير هنا بالماضي وفي الأوّل بالمضارع بشارة بدخول كثير في هذا الدين وأنهم لا يرتدون بعد إسلامهم، وترغيب في الإسلام لكل من كان خارجاً عنه فالآية من الاحتباك، ذكر الحزن ثانياً دليلاً على حذف ضدّه أوّلاً، وذكر الاستمساك أوّلاً دليلاً على حذف ضدّه ثانياً ﴿إلينا﴾ أي: في الدارين ﴿مرجعهم فننبئهم﴾ أي: بسبب إحاطتنا بأمرهم وعقب رجوعهم ﴿بما عملوا﴾ أي: ونجازيهم عليه إن أردنا ﴿إن الله﴾ أي: الذي لا كفء له ﴿عليم﴾ أي: محيط العلم بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿بذات الصدور﴾ أي: لا يخفى عليه سرّهم وعلانيتهم فينبئهم بما أسرّت صدورهم.
﴿نمتعهم﴾ أي: نمهلهم ليتمتعوا بنعيم الدنيا ﴿قليلاً﴾ أي: إلى انقضاء آجالهم فإن كل آت قريب، وإن ما يزول بالنسبة إلى ما يدوم قليل ﴿ثم نضطرّهم﴾ أي: نلجئهم ونردّهم في الآخرة ﴿إلى عذاب غليظ﴾ أي: شديد ثقيل لا ينقطع عنهم أصلاً ولا يجدون لهم منه محيصاً من جهة من جهاته فكأنه في شدّته وثقله جرم عظيم غليظ جدّاً إذا ترك على شيء لا يقدر على الخلاص منه، ثم إنه تعالى لما سلى قلب النبيّ ﷺ بقوله تعالى: ﴿فلا يحزنك كفره﴾ أي: لا تحزن على تكذيبهم فإن صدقك وكذبهم يتبين عن قريب وهو رجوعهم إلينا على أنه لا يتأخر إلى ذلك اليوم بل يتبين قبل يوم القيامة كما قال تعالى:
﴿ولئن﴾ اللام لام قسم ﴿سألتهم من خلق السموات﴾ أي: بأسرها ومن فيها ﴿والأرض﴾ كذلك وقوله تعالى ﴿ليقولنّ الله﴾ أي: المسمى بهذا الاسم حذف منه نون الرفع لتوالي والأمثال وواو الضمير لالتقاء الساكنين، فقد أقرّوا بأن كل ما أشركوا به بعض خلقه ومصنوع من مصنوعاته، ولما تبين بذلك صدقه ﷺ وكذبهم قال الله تعالى مستأنفاً ﴿قل الحمد﴾ أي: الإحاطة بجميع أوصاف الكمال ﴿لله﴾ أي: الذي له الإحاطة الشاملة من غير تقييد بخلق الخافقين ولا غيره على ظهور الحجة عليهم بالتوحيد ﴿بل أكثرهم لا يعلمون﴾ أي: ليس لهم علم يمنعهم من تكذيبك مع اعترافهم بما يوجب تصديقك، ولما أثبت لنفسه سبحانه الإحاطة بأوصاف الكمال استدلّ على ذلك بقوله تعالى:
﴿لله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿ما فيّ السموات﴾ كلها ﴿والأرض﴾ كذلك ملكاً وخلقاً فلا يستحق العبادة فيهما غيره، ولما ثبت ذلك أنتج قطعاً قوله تعالى ﴿إن الله﴾ أي: الذي لا كفء له ﴿هو﴾ أي: وحده ﴿الغني﴾ مطلقاً لأن جميع الأشياء له ومحتاجة إليه وليس محتاجاً إلى شيء أصلاً ﴿الحميد﴾ أي: المستحق لجميع المحامد لأنه المنعم على الإطلاق المحمود بكل
стр. 1525
لسان من ألسنة الأحوال والأقوال لأنه هو الذي أنطقها ومن قيد الخرس أطلقها، ولما قال تعالى ﴿لله ما في السموات والأرض﴾ أوهم تناهي ملكه لانحصار ما في السموات والأرض فيهما وحكم العقل الصريح بتناهيهما، بين تعالى أنه لأحد ولا ضبط لمعلوماته ومقدوراته الموجبة لحمده بقوله تعالى:
﴿ولو أن ما في الأرض﴾ أي: كلها، ودل على الاستغراق وتقضي كل فرد فرد من أفراد الجنس بقوله تعالى: ﴿من شجرة﴾ حيث وحدها ﴿أقلام﴾ أي: والشجرة يمدّها من بعدها على سبيل المبالغة سبع شجرات وأنّ ما في الأرض من البحر مداد لتلك الأقلام ﴿والبحر﴾ أي: والحال أنّ البحر ﴿يمده﴾ أي: يكون مداداً له وزيادة فيه ﴿من بعده﴾ أي: من ورائه ﴿سبعة أبحر﴾ تكتب بتلك الأقلام وذلك المداد الذي الأرض كلها له دواة ﴿ما نفدت كلمات الله﴾ وفنيت الأقلام والمداد، قال المفسرون: نزل بمكة قوله تعالى.
﴿ويسئلونك عن الروح﴾ (الإسراء، ٨٥)
الآية فلما هاجر رسول الله ﷺ أتاه أحبار اليهود فقالوا يا محمد بلغنا أنك تقول وما أوتيتم من العلم إلا قليلا أفعنيتنا أم قومك فقال ﷺ «كلاً قد عنيت، فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنّا أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فقال: ﷺ هي في علم الله تعالى قليل وقد أتاكم ما إن عملتم به انتفعتم، قالوا: يا محمد كيف تزعم هذا وأنت تقول ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً فكيف يجتمع هذا علم قليل وخير كثير؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية» ، وقال قتادة إنّ المشركين قالوا: إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ينفد فينقطع فنزلت، فإن قيل كان مقتضى الكلام أن يقال: ولو أنّ الشجر أقلام والبحر مداد؟ أجيب: بأنه أغنى عن ذكر المداد قوله تعالى يمدّه لأنه من مدّ الدواة وأمدّها جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة وجعل الأبحر السبعة مملوأة مداداً فهي تصب فيه مدادها أبداً صباً لا ينقطع، والمعنى: ولو أن أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله ما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد كقوله تعالى ﴿قل لو كان البحر مداد الكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي﴾ (الكهف: ١٠٩)
لأنّ المحصور لا يفي بما ليس بمحصور، فيا لها من عظمة لا تتناهى، ومن كبرياء لا يجارى ولا يضاهى.
فإن قيل لم قيل من شجرة على التوحيد دون اسم الجنس؟ أجيب: بأنه أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاماً، فإن قيل الكلمات جمع قلة والموضع موضع التكثير لا التقليل فهلا قيل كلم الله؟ أجيب: بأنّ معناه أنّ كلماته لا تفي بها البحار فكيف بكلمه، وقرأ أبو عمرو: والبحر بنصب الراء وذلك من وجهين: أحدهما: العطف على اسم أن، أي: ولو أنّ البحر، ويمدّه الخبر، والثاني: النصب بفعل مضمر يفسره يمدّه والواو حينئذ للحال والجملة حالية، ولم يحتج إلى ضمير رابط بين الحال وصاحبها للاستغناء عنه بالواو، والتقدير: ولو أنّ الذي في الأرض حال كون البحر ممدوداً بكذا، وقرأ الباقون برفع الراء وذلك من وجهين: أيضاً أحدهما: العطف على أن وما في حيزها، والثاني: أنه مبتدأ، ويمدّه الخبر، والجملة حالية والرابط الواو تنبيه: قوله تعالى سبعة، ليس لانحصارها في سبعة وإنما الإشارة إلى المدد والكثرة ولو بألف بحر، وإنما خصصت السبعة
стр. 1526
بالذكر من بين الأعداد لأنها عدد كثير يحصر المعدودات في العادة، ويدل على ذلك وجهان: الأوّل: أن المعلوم عند كل أحد لحاجته إليه هو الزمان والمكان فالزمان منحصر في سبعة أيام والمكان منحصر في سبعة أقاليم، ولأنّ الكواكب السيارة سبعة والمنجمون ينسبون إليها أموراً فصارت السبعة كالعدد الحاصر للكثرات الواقعة في العادة فاستعملت في كل كثير.
ومنه قوله ﷺ «المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء» الثاني: أن في السبعة معنى يخصها ولذلك كانت السموات سبعاً والأرضون سبعاً وأبواب جهنم سبعاً وأبواب الجنة ثمانية، لأنها الحسنى وزيادة، فالزيادة هي الثامن؛ لأن العرب عند الثامن يزيدون واو تقول القراء لها واو الثمانية وليس ذلك إلا للإستئناف لأنّ العدد تم بالسبعة، ثم بين نتيجة ذلك بقوله تعالى: ﴿إن الله﴾ أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿عزيز﴾ أي: كامل القدرة لا نهاية لمقدوراته ﴿حكيم﴾ أي: كامل العلم لا نهاية لمعلوماته.
تنبيه: قد علم مما تقرّر أنّ الآية من الاحتباك ذكر الأقلام دليلاً على حذف مدادها وذكر السبعة في مبالغة الأبحر دليلاً على حذفها في الأشجار، ولما ختم تعالى بهاتين الصفتين بعد إثبات القدرة على الإبداع من غير انتهاء ذكر بعض آثارها في البعث بقوله تعالى:
﴿ما خلقكم﴾ أي: كلكم في عزته وحكمته إلا كخلق نفس واحدة، وأعاد النافي نصاً على كل واحد من الخلق والبعث على حدته بقوله تعالى: ﴿ولا بعثكم﴾ أي: كلكم ﴿إلا كنفس﴾ أي: كبعث نفس، وبين الأفراد تحقيقاً للمراد تأكيداً للسهولة بقوله تعالى: ﴿واحدة﴾ فإن كلماته مع كونها غير نافذة نافذة وقدرته مع كونها باقية بالغة فنسبة القليل والكثير إلى قدرته على حدّ سواء؛ لأنه لا يشغله شأن، عن شأن، ثم دل على ذلك بقوله تعالى: مؤكداً ﴿إن الله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿سميع﴾ أي: بالغ السمع يسمع كل مسموع ﴿بصير﴾ أي: بليغ البصر يبصر كل مبصر لا يشغله شيء عن شيء، ولما قرّر تعالى هذه الآية الخارقة دل عليها بأمر محسوس يشاهد كل يوم مرّتين بقوله تعالى:
﴿ألم تر﴾ وهو محتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الخطاب مع النبيّ ﷺ الأكثر وكأنه تعالى ترك الخطاب مع غيره؛ لأن من هو غيره من الكفار لا فائدة في الخطاب معهم ومن هو غيره من المؤمنين فهم تبع له، والوجه الثاني: المراد منه الوعظ والواعظ يخاطب ولايعين أحداً فيقول لجمع عظيم: يا مسكين إلى الله مصيرك فمن نصيرك ولماذا تقصيرك ﴿أنّ الله﴾ أي: بجلاله وعز كماله ﴿يولج﴾ أي: يدخل إدخالاً لا مرية فيه ﴿الليل في النهار﴾ فيغيب فيه بحيث لا يرى شيء منه فإذا النهار قد عمّ الأرض كلها أسرع من اللمح ﴿ويولج النهار﴾ أي: يدخله كذلك ﴿في الليل﴾ فيخفى حتى لا يبقى له أثر فإذا الليل قد طبق الآفاق مشارقها ومغاربها في مثل الطرف فيميز سبحانه كلاً منهما من الآخر بعد اضمحلاله فكذلك الخلق والبعث في قدرته بعزته وحكمته لبلوغ سمعه ونفوذ بصره ﴿وسخر الشمس﴾ آية للنهار يدخل الليل فيه ﴿والقمر﴾ أي: آية لليل كذلك ثم استأنف ما سخرا فيه بقوله تعالى: ﴿كل﴾ أي: منهما ﴿يجري﴾ أي: في فلكه سائراً متمادياً وبالغاً ومنتهياً ﴿إلى أجل مسمى﴾ لا يتعداه في منازل معروفة في جميع الفلك
стр. 1527
لا يزيد ولا ينقص هذا في الشهر مرّة وتلك في السنة مرّة، لا يقدر واحد منهما أن يتعدّى طوره ولا أن ينقض دوره ولا أن يغير سيره.
تنبيه: قال تعالى يولج بصيغة المستقبل، وقال في الشمس والقمر وسخر بصيغة الماضي لأن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدّد كل يوم وتسخير الشمس والقمر أمر مستمرّ كما قال تعالى ﴿حتى عاد كالعرجون القديم﴾ (يس: ٣٩)
وقال ههنا إلى أجل، وفي الزمر لأجل؛ لأن المعنيين لائقان بالحرفين فلا عليك في أيهما وقع. قال الأكثرون: هذا خطاب للنبي ﷺ والمؤمنين، وقيل: عامّ، ولما كان الليل والنهار محل الأفعال بين أنّ ما يقع في هذين الزمانين اللذين هما بتصرف الله لا يخفى عليه بقوله تعالى: ﴿وإنّ الله﴾ أي: بما له من صفات الكمال ﴿بما تعملون﴾ أي: في كل وقت على سبيل التجدّد ﴿خبير﴾ أي: لا يخفى عليه شيء منه؛ لأنه الخالق له كله دقه وجله ولما ثبت بهذه الأوصاف الحسنى والأفعال العليا أنه لا موجد بالحقيقة إلا الله تعالى:
قال تعالى ﴿ذلك﴾ أي: المذكور ﴿بأنّ﴾ أي: بسبب أن ﴿الله﴾ أي: الذي لا عظيم سواه ﴿هو﴾ وحده ﴿الحق﴾ أي: بسبب أنه الثابت في ذاته الواجب من جميع جهاته المستحق للعبادة ﴿وأنّ ما يدعون﴾ أي: هؤلاء المختوم على مداركهم وأشار إلى سفول رتبتهم بقوله تعالى: ﴿من دونه﴾ أي: غيره ﴿الباطل﴾ أي: العدم في حدّ ذاته لا يستحق أن تضاف إليه الإلهية بوجه من الوجوه، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص يدعون بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب وإن مقطوعة من ما في الرسم ﴿وأنّ الله﴾ أي: الملك الأعظم وحده ﴿هو العليّ﴾ على خلقه بالقهر فله الصفات العليا والأسماء الحسنى ﴿الكبير﴾ أي: العظيم في ذاته وصفاته. ولما قال تعالى ﴿ألم تر أنّ الله يولج الليل في النهار وسخر الشمس والقمر﴾ ذكر آية سماوية وأشار إلى السبب والمسبب ذكر بعده آية أرضية تدلّ على باهر قدرته وكمال نعمته وشمول إنعامه وأشار إلى السبب والمسبب بقوله تعالى:
﴿ألم تر﴾ وفي المخاطب بذلك ما تقدّم ﴿أنّ الفلك﴾ أي: السفن كباراً وصغاراً ﴿تجري﴾ أي: بكم حاملة ما تعجزون عن نقل مثله في البرّ ﴿في البحر﴾ أي: على وجه الماء ﴿بنعمة الله﴾ أي: بإنعام الملك الأعلى المحيط علماً وقدرة المحسن إليكم بتعليم صفتها حتى تهيأت لذلك على يد أبيكم نوح العبد الشكور ﵇، وقيل: نعمة الله هنا هي الريح التي تتحرك بأمر الله ﴿ليريكم من آياته﴾ أي: عجائب قدرته ودلائله التي تدلكم على أنه الحق الذي أثبت بوجوب وجوده ما ترون من الأحمال الثقال على وجه الماء الذي ترسب فيه الإبرة فما دونها ﴿إن في ذلك﴾ أي: الأمر الهائل البديع الرفيع ﴿لآيات﴾ أي: دلالات واضحات على ماله من صفات الكمال ﴿لكل صبار﴾ على المشاق فيبعث نفسه في التفكير في عدم غرقه وفي مسيره إلى البلاد الشاسعة والأقطار البعيدة، وفي كون سيره ذهاباً وإياباً تارة بريحين، وتارة بريح واحدة. وفي إنجاء أبيه نوح ﵇ ومن أراد الله تعالى من خلقه بها وإغراق غيرهم من جميع أهل الأرض، وفي غير ذلك من شؤونه وأموره ﴿شكور﴾ أي: مبالغ في كل من الصبر والشكر لأنهما الإيمان، كما ورد: الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر، وعلم من صيغة المبالغة في كل منهما أنه لا يعرف في الرخاء من
стр. 1528
عظمة الله ما كان يعرفه في الشدّة إلا من طبعهم الله تعالى على ذلك ووفقهم له وأعانهم عليه، ولهذا قال تعالى ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ (سبأ: ١٣)
وها أنا أسأل الله الحنان المنان من فضله أن يجعلني منهم ويفعل ذلك بأهلي وأحبابي فإنه كريم جواد، ولما ذكر تعالى أن في ذلك لآيات ذكر أنّ الكل معترفون غير أنّ البصير يدركه أوّلاً ومن في بصيرته ضعف لا يدركه أوّلاً كما قال تعالى:
﴿وإذا غشيهم﴾ أي: علاهم وهم في الفلك حتى صار كالمغطي لهم ﴿موج﴾ أي: هذا الجنس وأفرده لشدّة اضطرابه وإتيانه شيئاً في أثر شيء متابعاً يركب بعضه بعضاً كأنه شيء واحد، وأصله من الحركة والازدحام واختلف في قوله تعالى ﴿كالظلل﴾ فقال مقاتل: كالجبال، وقال الكلبي: كالسحاب. والظلل جمع ظلة شبه بها الموج في كثرتها وارتفاعها، فإن قيل: كيف جعل الموج وهو واحد كالظلل وهو جمع؟ أجيب: بأنّ الموج يأتي منه شيء بعد شيء فلما صاروا إلى هذه الحالة ﴿دعوا الله﴾ أي: مستحضرين لما يقدر عليه الإنسان من كماله بجلاله وجماله عالمين بجميع مضمون الآية السابقة من حقيته وعلوّه وكبريائه وبطلان ما يدعونه من دونه ﴿مخلصين له الدّين﴾ أي: الدعاء بأن ينجيهم لا يدعون شيئاً سواه بأنفسهم ولا قلوبهم لما اضطرّهم إلى ذلك ﴿فلما نجاهم﴾ أي: خلصهم من تلك الأهوال ﴿إلى البر﴾ نزلوا عن تلك المرتبة التي أخلصوا فيها الدين وانقسموا قسمين ﴿فمنهم﴾ أي: تسبب عن نعمة الإنجاء أنه كان منهم ﴿مقتصد﴾ أي: عدل موف في البرّ بما قد عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له، بمعنى أنه ثبت على ذلك وهم قليل كما دل عليه التصريح بالتبعيض، قيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل هرب في عام الفتح إلى البحر فجاءتهم ريح عاصف فقال عكرمة: لئن نجاني الله من هذه لأرجعنّ إلى محمد ﷺ ولأضعنّ يدي في يده فسكنت الريح فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه، قال مجاهد: مقتصد في القول مضمر للكفر، قال الكلبي: مقتصد في القول أي: من الكفار لأنّ بعضهم كان أشدّ قولاً وأعلى في الافتراء من بعض ومنهم جاحد للنعمة ملق لجلبات الحياء في التصريح بذلك وهو الأكثر كما دل عليه ترك التصريح فيه بالتبعيض.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى في العنكبوت ﴿فلما نجاهم إلى البرّ إذا هم يشركون﴾ (العنكبوت: ٦٥)
وقال هنا ﴿فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد﴾ ؟ أجيب: بأنه لما ذكر ههنا أمراً عظيماً وهو الموج الذي كالجبال بقي أثر ذلك في قلوبهم فخرج منهم مقتصد، وهناك لم يذكر مع ركوب البحر معاينة مثل ذلك الأمر، فذكر إشراكهم حيث لم يبق عندهم أثر وقوله تعالى ﴿وما يجحدنا بآياتنا إلا كل ختار﴾ أي: غدّار فإنه نقض للعهد الفطري أي: لما كان في البحر والختر أشدّ الغدر ﴿كفور﴾ أي: للنعم في مقابله قوله تعالى إن في ذلك لآيات أي: يعترف بها الصبار الشكور، ويجحدها الختار الكفور، فالصبار في موازنة الختار لفظاً ومعنى، والكفور في موازنة الشكور كذلك أما لفظا فيهما فظاهر، وأمّا كون الختار في موازنة الصبار معنى فلأن الختار هو الغدّار الكثير الغدر أو شديد الغدر مثال مبالغة من الختر وهو أشدّ الغدر، والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر؛ لأنّ الصبور لا يعهده منه الإضرار فإنه يصبر ويفوّض الأمر إلى الله تعالى، وأما الغدّار ليعاهدك ولا يصبر على العهد فينقضه. وأما أن الكفور في
стр. 1529
مقابلة الشكور معنى فظاهر، ولما ذكر تعالى الدلائل من أول السورة إلى هنا وعظ بالتقوى بقوله تعالى:
﴿يا أيها الناس﴾ أي: عامّة. وقيل: أهل مكة ﴿اتقوا ربكم﴾ أي: الذي لا محسن إليكم غيره ﴿واخشوا﴾ أي: خافوا ﴿يوماً﴾ لا يشبه الأيام ولا يعدّ هول البحر ولا غيره عند أدنى هول من أهواله شيئاً بوجه ﴿لا يجزي﴾ أي: لا يقضي ولا يغني ﴿والد عن ولده﴾ والراجع إلى الموصوف محذوف أي: لا يجزي فيه. وفي التعبير بالمضارع إشارة إلى أنّ الوالد لا تزال تدعوه الوالدية إلى الشفقة على الولد ويتجدّد عنده العطف والرقة. والمفعول إما محذوف لأنه أشدّ في النفي وإما مدلول عليه بما في الشق الذي بعده. وقوله تعالى ﴿ولا مولود﴾ عطف على والد أو مبتدأ وخبره ﴿هو جاز عن والده﴾ أي: فيه ﴿شيئاً﴾ من الجزاء وتغيير النظم للدلالة على أن المولود أولى بأن لا يجزي، وقطع طمع من توقع من المؤمنين أن ينفع أباه الكافر في الآخرة ﴿إنّ وعد الله﴾ أي: الذي له معاقد العز والجلال ﴿حق﴾ أي: أنّ هذا اليوم الذي هذا شأنه هو كائن؛ لأنّ الله تعالى وعد به ووعده حق، وقيل: إنّ وعد الله حق بأن لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً لأنه وعد بأن لا تزر وازرة وزر أخرى ووعد الله حق ﴿فلا تغرّنكم الحياة الدنيا﴾ بزخرفها ورونقها فإنها زائلة لوقوع اليوم المذكور بالوعد الحق ﴿ولا يغرّنكم بالله﴾ أي: الذي لا أعظم منه ولا مكافئ مع ولايته معكم ﴿الغرور﴾ أي: الكثير الغرور المبالغ فيه وهو الشيطان الذي لا أحقر منه لما جمع من البعد والطرد والاحتراق مع عداوته بما يزين لكم من أمرها ويلهيكم به من تعظيم قدرها وينسيكم كيدها وغدرها وتعبها وأذاها فيوجب ذلك لكم الإعراض عن ذلك اليوم فلا تعدّونه معاداً فلا تتخذون له زاد لما اقترن بغروره من حلم الله تعالى وإمهاله، قال سعيد بن جبير: الغرة بالله أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة، وروي أنّ الحارث بن عمرو أتى رسول الله ﷺ فقال متى قيام الساعة وإني قد ألقيت حباً في الأرض فمتى السماء تمطر، وحمل امرأتي أذكر أم
أنثى وما أعمل غداً وأين أموت؟ فنزل قوله تعالى:
﴿إن الله﴾ أي: بما له من العظمة وجميع أوصاف الكمال ﴿عنده﴾ أي: خاصة ﴿علم الساعة﴾ أي: وقت قيامها لا علم لغيره بذلك أصلاً ﴿وينزل الغيث﴾ أي: في أوانه المقدّر له والمحل المعين له في علمه، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح النون وتشديد الزاي، والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي ﴿ويعلم ما في الأرحام﴾ أي: من ذكر أو أنثى أحيّ أو ميت تامّ أو ناقص ﴿وما تدري نفس﴾ أي: من الأنفس البشرية وغيرها ﴿ماذا تكسب غداً﴾ أي: من خير أو شرّ وربما تعزم على شيء وتفعل خلافه.
﴿وما تدري نفس بأي: أرض تموت﴾ أي: كما لا تدري في أي: وقت تموت ويعلمه الله تعالى، وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: جاء رجل من أهل البادية فقال: يا رسول الله إنّ امرأتي حبلى فأخبرني ما تلد، وبلادنا مجدبة فأخبرني متى ينزل الغيث، وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعن عكرمة أنّ رجلاً يقال له الوارث من بني حازن جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: يا محمد متى قيام الساعة وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب، وقد تركت امرأتي حبلى فمتى تلد، وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا أكسب غداً، وقد علمت بأيّ أرض ولدت
стр. 1530
فبأي أرض أموت؟ فنزلت هذه الآية، وعن قتادة قال: خمس من الغيب استأثر الله بهنّ فلم يطلع عليهنّ ملكاً مقرّباً ولا نبياً مرسلاً: إنّ الله عنده علم الساعة فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي: سنة ولا في أي: شهر أليلاً أم نهاراً، وينزل الغيث فلا يعلم أحد متى ينزل أليلاً أم نهاراً، ويعلم ما في الأرحام فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى أحمر أم أسود، ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً أخيراً أم شراً، وما تدري نفس بأي أرض تموت ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض أفي بحر أم في برّ أم سهل أم جبل.
وعن أحمد وابن أبي شيبة موقوفاً على شهر بن حوشب أنّ ملك الموت مرّ على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فقال الرجل: من هذا؟ فقال: ملك الموت، فقال: فكأنه يريدني فمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند، فأمر سليمان الريح فحلمته إلى بلاد الهند فوق سحابة فلما استقرّ فيها قبض روحه ملك الموت، ﵇ ثم جاء إلى سليمان ﵇ فسأله عن نظره إلى الرجل، فقال ملك الموت: كان دوام نظري إليه تعجباً منه إذا أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك، وعن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهنّ إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا متى تقوم الساعة إلا الله، ولا ما في الأرحام إلا الله، ولا متى ينزل الغيث إلا الله، وما تدري نفس بأي: أرض تموت إلا الله» .
وعن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه أنّ رجلاً قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثكم بأشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من أشراطها، وإذا كانت الحفاة الرعاة رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء الغنم في البنيان فذاك من أشراطها. وخمس من الغيب لا يعلمهنّ إلا الله، ثم تلا إنّ الله عنده علم الساعة إلى آخر الآية، وعن أبي أمامة أنّ إعرابياً وقف على النبي ﷺ يوم بدر على ناقة له عشراء فقال: يا محمد ما في بطن ناقتي هذه؟ فقال له رجل من الأنصار: دع عنك رسول الله ﷺ وهلم إلي حتى أخبرك، وقعت أنت عليها وفي بطنها ولد منك، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ثم قال: «إنّ الله يحب كل حيي كريم ويبغض كل قاس لئيم متفحش ثم أقبل على الأعرابي فقال خمس لا يعلمهنّ إلا الله إنّ الله عنده علم الساعة الآية» وعن سلمة بن الأكوع قال: كان رسول الله ﷺ في قبة حمراء إذ جاءه رجل على فرس فقال له من أنت: «قال أنا رسول الله قال متى الساعة قال غيب وما يعلم الغيب إلا الله قال ما في بطن فرسي قال غيب وما يعلم الغيب إلا الله قال فمتى نمطر قال غيب وما يعلم الغيب إلا الله» وعن ابن عمر أن النبيّ ﷺ قال: «أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس إنّ الله عنده علم الساعة الآية» .
وعن ابن مسعود قال أوتي نبيكم ﷺ مفاتيح كل شيء غير خمس: إنّ الله عنده علم الساعة الآية، وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لم يعم على نبيكم إلا الخمس من سرائر الغيب هذه الآية في آخر لقمان: إنّ الله عنده علم الساعة إلى آخر السورة، وعن ربعي قال حدّثني رجل من بني عامر أنه قال: يا رسول الله هل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ فقال: «لقد علمني الله خيراً وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله الخمس إن الله عنده علم الساعة الآية» .
وعن بنت معوّذ قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله
стр. 1531
عليه وسلم صبيحة عرسي وعندي جاريتان تغنيان وتقولان: وفينا نبيّ يعلم ما في غد فقال: «أما هذا فلا تقولاه ما يعلم ما في غد إلا الله» وعن ابن عزة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يقدمها ثم قرأ رسول الله ﷺ وما تدري نفس بأي: أرض تموت» ، وعن أبي مالك أنّ النبي ﷺ «بينما هو جالس في مجلس فيه أصحابه جاءه جبريل في غير صورته يحسبه رجلاً من المسلمين فسلم فردّ، ﵇ ثم وضع يده على ركبتي النبي ﷺ وقال له: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: أن تسلم وجهك لله وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت قال نعم ثم قال ما الإيمان قال أن تؤمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين والموت والحياة بعد الموت والجنة والنار والحساب والميزان والقدر خيره وشرّه، قال فإذا فعلت ذلك فقد آمنت قال نعم ثم قال ما الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن كنت لا تراه فإنه يراك قال فإذا فعلت ذلك فقد أحسنت قال نعم ثم قال فمتى الساعة يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ سبحان الله خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله: إنّ الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت» .
﴿إن الله﴾ أي: المختص بأوصاف الكمال ﴿عليم﴾ أي: شامل علمه للأمور كلها كلياتها وجزئياتها، فأثبت العلم المطلق لنفسه سبحانه بعد أن نفاه عن الغير في هذه الخمس ﴿خبير﴾ أي: يعلم خبايا الأمور وخفايا الصدور، كما يعلم ظواهرها وجلاياها كل عنده على حدّ سواء فهو الحكيم في ذاته وصفاته، ولذلك أخفى هذه المفاتيح عن عباده؛ لأنه لو أطلعهم عليها لفات كثير من الحكم باختلال هذا النظام على ما فيه من الأحكام فقد انطبق آخر السورة بإثبات العلم والخبر مع تقرير أمر الساعة التي هي مفتاح الدار الآخرة على أوّلها المخبر بحكمة صفته التي من علمها حق علمها وتخلق بما دعت إليه وحضت عليه، لا سيما الإيقان بالآخرة كان حيكماً.
فسبحان من هذا كلامه وتعالى كبرياؤه وعز مرامه. وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنّ رسول الله ﷺ قال: من قرأ سورة لقمان كان له لقمان رفيقاً يوم القيامة، وأعطي من الحسنات عشراً بعدد من عمل المعروف ونهى عن المنكر» حديث موضوع.
سورة السجدة
مكية وهي ثلاثون آية، وستمائة وثمانون كلمة، وألف وخمسمائة وثمانية عشر حرفاً
﴿بسم الله﴾ ذي الجلال والإكرام ﴿الرحمن﴾ بعموم البشارة والنذارة ﴿الرحيم﴾ الذي أسكن في قلوب أحبابه الشوق إليه والخضوع بين يديه وتقدّم في البقرة وغيرها الكلام على.
﴿ألم﴾ ومما لم يسبق أنها إشارة إلى أنّ الله تعالى أرسل جبريل ﵇ إلى محمد الفاتح الخاتم ﷺ بكتاب معجز دال بإعجازه على صحة رسالته ووحدانية من أرسله، وسرد سبحانه هذه الأحرف
стр. 1532
في أوائل أربع من هذه السور فزادت على الطواسين بواحدة إشارة إلى أنّ هذه المعاني في غاية الثبات لا انقطاع لها، ولما كان المقصود في التي قبلها إثبات الحكمة لمنزل هذا الكتاب الذي فيه تبيان كل شيء أخبر عن هذا بأنه من عنده بقوله تعالى:
﴿تنزيل الكتاب﴾ أي: الجامع لكل هدى على ما ترون من التدريج من السماء ﴿لا ريب﴾ أي: لا شك ﴿فيه﴾ لأنّ نافي الشك هو الإعجاز معه لا ينفك عنه فكل ما تقولونه مما يخالف ذلك تعنت أو جهل من غير ريب حال كونه ﴿من ربّ العالمين﴾ أي: الخالق لهم المدبر لمصالحهم فلا يجوز في عقل ولا يخطر في بال ولا يقع في وهم ولا يتصوّر في خيال أنه يصل شيء من كتابه تعالى إلى هذا النبي الكريم بغير أمره، ولا يتخيل أنّ شيئاً منه ليس بقول الله تعالى ثم لا يتخيل أنه من كلامه ولكنه أخذه من بعض أهل الكتاب؛ لأنّ هذا لا يفعل مع بعض الملوك فكيف بملك الملوك فكيف بمن هو عالم بالسرّ والجهر، محيطٌ علمه بالخفي والجلي، تنبيه: في تنزيل الكتاب إعرابات مختلفة، وأظهرها ما جرى عليه الجلال المحلي من أنّ تنزيل الكتاب مبتدأ، ولا ريب فيه خبر أوّل ومن رب العالمين خبر ثان. وقوله تعالى:
﴿أم يقولون﴾ أي: مع ذلك الذي لا يمتري فيه عاقل ﴿افتراه﴾ أي: تعمد كذبه، أم فيه هي المنقطعة والإضراب للانتقال لا للإبطال، وقيل الميم صلة، أي: أتقولون افتراه. وقوله تعالى ﴿بل هو الحق﴾ أي: الثابت ثباتاً لا يضاهيه ثبات شيء من الكتب قبله إضراب ثان، ولو قيل بأنه إضراب إبطاليّ لنفس افتراه وحده لكان صواباً، وعلى هذا يقال: كل ما في القرآن إضراب فهو إضراب انتقالي، إلا هذا فإنه يجوز أن يكون إبطالياً لأنه إبطال لقولهم أي: ليس هو كما قالوا مفترى بل هو الحق. وفي كلام الزمخشري ما يرشد إلى هذا فإنه قال: والضمير في فيه راجع إلى مضمون الجملة كأنه قيل لا ريب في ذلك أي: في كونه من رب العالمين. قال ابن عادل: ويشهد لوجاهته أم يقولون افتراه لأنّ قولهم هذا مفترى إنكار لأن يكون من رب العالمين وكذلك قوله بل هو الحق من ربك وما فيه من تقرير أنه من عند الله، وهذا أسلوب صحيح محكم انتهى. وقوله تعالى ﴿من ربك﴾ أي: المحسن إليك بإنزاله وإحكامه حال من الحق، والعامل فيه محذوف على القاعدة وهو العامل أيضاً في
﴿لتنذر﴾ ويجوز أن يكون العامل في لتنذر غيره، أي: أنزله لتنذر ﴿قوماً﴾ أي: ذوي قوّة وجلد ومنعة ﴿ما أتاهم من نذير﴾ أي: رسول في هذه الأزمان القريبة لقول ابن عباس أنّ المراد الفترة، ويؤيده إثبات الجار في قوله تعالى ﴿من قبلك﴾ ولما ذكر تعالى علة الإنزال أتبعه علة الإنذار بقوله تعالى: ﴿لعلهم يهتدون﴾ أي: ليكون حالهم في مجاري العادات حال من تُرجى هدايته إلى كمال الشريعة، وأمّا التوحيد فلا عذر لأحد فيه مع إقامة الله تعالى من حجة العقل ومع ما أتقنه الرسل عليهم الصلاة والسلام آدم فمن بعده من أوضح النقل بآثار دعواتهم وبقايا دلالاتهم، ولذلك قال ﷺ لمن سأله عن أبيه: «أبي وأبوك في النار» وغير ذلك من الأدلة الدالة على أنّ من مات قبل دعوته على الشرك فهو في النار، لكن ذكر بعض العلماء أنّ من خصائصه ﷺ أنّ الله تعالى أحيا له أبويه وأسلما على يديه ولا بدع في ذلك، فإنّ الله تعالى أكرمه بأشياء لا تحصر، ولما ذكر
стр. 1533
تعالى: الرسالة وبين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد وإقامة الدليل قال: ﴿الله﴾ أي: الحاوي لجميع صفات الكمال وحده ﴿الذي خلق السموات﴾ كلها ﴿والأرض﴾ بأسرها ﴿وما بينهما﴾ من المنافع العينية والمعنوية ﴿في ستة أيام﴾ كما يأتي تفصيله في فصلت إن شاء الله تعالى ﴿ثم استوى على العرش﴾ وهو في اللغة سرير الملك استواء يليق به تعالى لم تعهد، وأمثله وهو أنه تعالى أخذ في تدبيره وتدبير ما حواه بنفسه لا شريك له ولا نائب فيه ولا وزير كما تعهدون من ملوك الدنيا إذا امتنعت ممالكهم وتباعدت أطرافها وتناءت أقطارها ﴿ما لكم من دونه﴾ لأن كل ما سواه دونه وتحت قهره، ودل على عموم النفي بقوله تعالى: ﴿من ولي﴾ أي: يلي أموركم ويقوم بمصالحكم وينصركم إذا حل بكم شيء مما تنذرون به ﴿ولا شفيع﴾ يشفع عنده في تدبيركم أو في أحد منكم بغير إذن. ﴿أفلا تتذكرون﴾ هذا فتؤمنون.
ولما نفى أن يكون له وزيرٌ أو شريكٌ في الخلق ذكر كيف يفعل في هذا الملك العظيم الذي أبدعه فقال مستأنفاً مفسراً للمراد بالاستواء:
﴿يدبر الأمر﴾ أي: كل أمر هذا العالم بأن يفعل في ذلك فعل الناظر في أدباره لإتقان خواتمه ولوازمه، كما نظر في إقباله لأحكام فواتحه وعوازمه، لا يكل شيئاً منه إلى أحد من خلقه. قال الرازي في اللوامع: وهذا دليل على أن استواءه على العرش بمعنى إظهاره القدرة، والعرش مظهر التدبير لا مقر لمدبر.
ولما كان المقصود للقرب إنما هو تدبير ما يمكن مشاهدتهم له من العالم قال تعالى مفرداً: ﴿من السماء﴾ أي: فينزل ذلك الأمر الذي أتقنه كما يتقن من ينظر في إدبار ما يعمله ﴿إلى الأرض﴾ أي: غير متعرض إلى ما فوق ذلك، على أن السماء تشمل كل عال فيدخل جميع العالم العلوي، والأرض تشمل كل ما سفل فيشمل ذلك العالم السفلي.
تنبيه: ههنا همزتان مكسورتان، فقالون وابن كثير يسهل الأولى كالياء مع المد والقصر، وورش وقنبل يسهل الثانية، ولهما إبدالهما من غير مدَ، وأسقط أبو عمرو الأولى مع المد والقصر والباقون بتحقيقهما. ولما كان الصعود أشق من النزول على ما جرت به العوائد فكان بذلك مستبعداً؛ أشار إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿ثم يعرج﴾ أي: يصعد ﴿إليه﴾ أي: بصعود الملك إلى الله تعالى أي: إلى الموضع الذي شرفه أو أمره بالكون فيه كقوله تعالى ﴿إني ذاهب إلى ربي﴾ (الصافات: ٩٩)
﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله﴾ (النساء: ١٠٠)
ونحو ذلك، أو إلى الموضع الذي ابتدأ منه نزول التدبير إلى السماء كأنه صاعد في معارج، وهي الدرج على ما تتعارفون بينكم في أسرع من لمح البصر ﴿في يوم﴾ أي: من أيام الدنيا ﴿كان مقداره﴾ لو كان الصاعد واحداً منكم على ما تعهدون ﴿ألف سنة مما تعدون﴾ من سنيكم التي تعهدون، قال البقاعي: والذي دل على هذا التقدير شيء من العرف وشيء من اللفظ، أما اللفظ فالتعبير بكان مع انتظام الكلام بدونها لو أريد غير ذلك، وأما العرف فهو أن الإنسان المتمكن يبني البيت العظيم العالي في سنة مثلاً، فإذا فرغه صعد إليه خادمه إلى أعلاه في أقل من درجتين من درج الرمل، فلا تكون نسبة ذلك من زمن بنائه الأجر، أو لا يبعد هذا وهو خلق محتاج، فما ظنّك بمن خلق الخلق في ستة أيام ولو شاء لخلقهم في لمحة، وهو غني عن كل شيء قادر على كل شيء انتهى.
فنزول الأمر وعروج العمل في مسافة ألف سنة مما تعدون وهو ما بين السماء والأرض فإن
стр. 1534
مسافته خمسمائة سنة، فينزل في مسيرة خمسمائة سنة، ويعرج في خمسمائة سنة فهو مقدار ألف سنة كأنه تعالى يقول: لو سار أحد من بني آدم لم يقطعه إلا في ألف سنة، والملائكة يقطعونه في يوم واحد، هذا في وصف عروج الملك من الأرض إلى السماء، وأما قوله تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ فأراد مدة المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى التي هي مقام جبريل، ﵇ فسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. قاله مجاهد والضحاك، وورد أنه ﷺ قال: «بين السماء والأرض خمسمائة عام ثم قال: أتدرون ما الذي فوقها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: سماء أخرى أتدرون كم بينها وبينها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: خمسمائة عام حتى عد سبع سموات ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: العرش ثم قال: أتدرون ما بينه وبين السماء السابعة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال مسيرة خمسمائة عام، ثم قال: ما هذه تحتكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: أرض، أتدرون ما تحتها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: أرض أخرى أتدرون كم بينها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: مسيرة سبعمائة عام، حتى عد سبع أرضين ثم قال: أيمُ الله لو دليتم بحبل لهبط على علم الله وقدرته» وروي: «مَثَلُ السموات والأرض في الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة، وإن فضل الكرسي على السموات والأرض كفضل الفلاة على تلك الحلقة» .
وقوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ (البقرة: ٢٥٥)
يدل على أن الكرسي محيط بالكل. وقيل: مقدار ألف سنة وخمسين ألف سنة كلها في القيامة، ومعناه حينئذ: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا ثم يعرج أي: يرجع الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدنيا في يوم كان مقداره ذلك، وذلك اليوم يتفاوت، فهو على الكافر كخمسين ألف سنة، وعلى المؤمن دون ذلك. بل جاء في الحديث أنه يكون على المؤمن كمثل صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا.
وقيل: إن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر؛ وذلك لأن من نفد أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة، فقوله: ﴿في يوم كان مقداره ألف سنة﴾ يعني: يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟ وعلى هذا فلا فرق بين هذا وبين قوله: ﴿مقداره خمسين ألف سنة﴾ لأن ذلك إذا كان إشارة إلى دوام نفاذ الأمر فسواء يعبر بألف سنة أو بخمسين ألف سنة لا يتفاوت، إلا أن المبالغة بالخمسين أكثر، وسيأتي بيان فائدتها في موضعها إن شاء الله تعالى.
ولما تقرر هذا من عالم الأشباح والخلق، ثم عالم الأرواح والأمر بيّن أنه تعالى عالم بما كان وما يكون بقوله تعالى:
﴿ذلك﴾ أي: الإله الواحد القهار، ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ أي: ما غاب عن الخلق، ومنه الذي تقدمت مفاتيحه وما حضر وظهر فيدبر أمرهما ﴿العزيز﴾ أي: الغالب على أمره ﴿الرحيم﴾ على العباد في تدبيره، وفيه إيماء بأنه تعالى يراعي المصالح تفضلاً وإحساناً.
ولما ذكر تعالى الدليل على الوحدانية من الآفاق بقوله تعالى: ﴿خلق السموات والأرض وما بينهما﴾ ذكر الدليل عليها من الأنفس بقوله تعالى:
﴿الذي أحسن كل شيء خلقه﴾ قال ابن عباس: أتقنه وأحكمه، فجميع المخلوقات حسنة وإن تفاوتت إلى حسن وأحسن كما قال تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان
стр. 1535
في أحسن تقويم﴾ (التين: ٤)
وقال مقاتل: علم كيف يخلق كل شيء من قول القائل: فلان يحسن كذا إذا كان يتقنه، وقيل: خلق كل حيوان على صورة لم يخلق البعض على صورة البعض، وقيل: معناه أحسن إلى كل خلقه.
وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام فعلاً ماضياً، والجملة صفة للمضاف أو المضاف إليه، والباقون بسكونها على أنه بدل من كل شيء بدل اشتمال والضمير عائد على كل شيء.
ولما كان الحيوان أشرف الأجناس وكان الإنسان أشرفه خصه بالذكر ليقوم دليل الوحدانية بالأنفس كما قام بالآفاق. فقال دالاً على البعث: ﴿وبدأ خلق الإنسان﴾ أي: آدم ﵇ ﴿من طين﴾ قال الرازي: ويمكن أن يقال الطين ماء وتراب مجتمعان، فالآدمي أصله مني، والمني أصله غذاء، والأغذية إما حيوانية أو نباتية، والحيوانية ترجع إلى النباتية والنبات وجوده بالماء والتراب الذي هو الطين.
﴿ثم جعل نسله﴾ أي: ذريته ﴿من سلالة﴾ أي: نطفة سميت سلالة لأنها تسل من الإنسان أي: تنفصل منه وتخرج من صلبه، ونحوه قولهم للولد: سليل، هذا على التفسير الأول؛ لأن آدم كان من الطين ونسله من سلالة ﴿من ماء مهين﴾ أي: ضعيف، وعلى التفسير الثاني هو أن أصله من طين، ثم يوجد من ذلك الأصل سلالة هي ماء مهين وهو نطفة الرجل، وأشار إلى عظمة ما بعد ذلك من خلقه وتطويره بقوله تعالى:
﴿ثم سواه﴾ قومه بتصوير أعضائه وإبداع المعاني على ما ينبغي ﴿ونفخ فيه﴾ أي: آدم ﴿من روحه﴾ أي: جعله حياً حساساً بعد أن كان جماداً، وإضافة الروح إلى الله تعالى إضافة تشريف كبيت الله، وناقة الله، فيا له من شرف ما أعلاه، ففيه إشعار بأنه خلق عجيب وإن له شأناً له مناسبة ما إلى الحضرة الربوبية، قال البيضاوي: ولأجله أي: ولأجل كون أن له شأناً إلى آخره. روي: من عرف نفسه فقد عرف ربه. هذا الحديث لا أصل له، وبتقدير أن له أصلاً ليس معناه ما ذكر بل معناه: من عرف نفسه وتأمل في حقيقتها عرف أن له صانعاً موجداً له، وإليه أشار بقوله تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ (الذاريات: ٢١)
ثم ذكر ما يترتب على نفخ الروح في الجسد مخاطباً للذرية بقوله تعالى: ﴿وجعل لكم﴾ بعد أن كنتم نطفاً أمواتاً ﴿السمع﴾ أي: لتدركوا به ما يقال لكم ﴿والأبصار﴾ أي: لتدركوا بها الأشياء على ما هي عليه ﴿والأفئدة﴾ أي: القلوب المودعة غرائز العقول.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم السمع على البصر والبصر على الأفئدة؟ أجيب بأن الإنسان يسمع أولاً كلاماً فينظر إلى قائله ليعرفه ثم يتفكر بقلبه في ذلك الكلام ليفهم معناه، فإن قيل: ما الحكمة في ذكره المصدر في السمع وفي البصر والفؤاد الاسم، ولهذا جمع الأبصار والأفئدة ولم يجمع السمع؛ لأن المصدر لا يجمع؟ أجيب: بأن السمع
стр. 1536
قوة واحدة ولها محل واحد وهو الأُذن ولا اختيار لها فيه، وإن الصوت من أي جانب كان واصل إليه ولا قدرة للأُذن على تخصيص السمع بإدراك البعض دون البعض، وأما البصر فمحله العين ولها فيه اختيار فإنها تتحرك إلى جانب المرئي دون غيره، وكذلك الفؤاد محله الإدراك وله نوع اختيار يلتفت إلى ما يريدون غيره.
فالسمع أصل دون محله لعدم الاختيار له، والعين كالأصل، وقوة الإبصار آلتها، والفؤاد كذلك، وقوة الفهم آلته، فذكر في السمع المصدر الذي هو القوة، وفي الإبصار والأفئدة الاسم الذي هو محل القوة، ولأن السمع قوة واحدة لها محل واحد، ولهذا لا يسمع الإنسان في زمان واحد كلامين على وجه يضبطهما ويرى في زمان واحد صورتين فأكثر ويثبتهما.
فإن قيل: لم قدم السمع هنا وقدم القول في قوله تعالى في البقرة ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم﴾ (البقرة: ٧)
أجيب: بأنه تعالى عند الإعطاء ذكر الأدنى ثم ارتقى إلى الأعلى فكأنه قال: أعطاكم السمع ثم أعطاكم ما هو أشرف منه وهو القلب، وعند السلب قال: ليس لهم قلب يدركون به ولا ما هو دونه وهو السمع الذي يسمعون به ممن له قلب يفهم الحقائق ويستخرجها.
ولما لم يبادروا إلى الإيمان عند التذكير بهذه النعم الجسام قال تعالى: ﴿قليلاً ما تشكرون﴾ أي: تشكرون شكراً قليلاً، فما مزيدة مؤكدة للقلة.
وقوله تعالى: ﴿وقالوا﴾ معطوف على ما سبق منهم فإنهم قالوا: محمد ليس برسول، والإله ليس بواحد، والبعث ليس بممكن فدل على صحة الرسالة بنفي الريب عن الكتاب، ثم على الوحدانية بشمول القدرة وإحاطة العلم بإبداع الخلق على وجه هو نعمة لهم، وختم بالتعجب من كفرهم وكان استبعادهم للبعث الذي هو الثابت الأصل من أعظم كفرهم وهو قولهم ﴿أئذا﴾ أي: انبعث إذا ﴿ضللنا﴾ أي: غبنا ﴿في الأرض﴾ أي: صرنا تراباً مخلوطاً بتراب الأرض لا نتميز منه، وأصله من ضل الماء في اللبن إذا أذهب فيه، وقولهم ﴿أئنا لفي خلق جديد﴾ أي: يجدد خلقنا استفهام إنكاري زيادة في الاستبعاد.
فإن قيل: إنه تعالى ذكر الرسالة من قبل وذكر دليلها وهو التنزيل الذي لا ريب فيه، وذكر الوحدانية، وذكر دليلها وهو خلق السموات والأرض وخلق الإنسان من طين. ولما ذكر إنكارهم الحشر لم يذكر الدليل؟ أجيب: بأنه ذكر دليله أيضاً وهو أن خلقة الإنسان ابتداء دليل على قدرته على الإعادة، ولهذا استدل تعالى على إنكار الحشر بالخلق الأول ثم يعيده وهو أهون عليه وقوله تعالى: ﴿الذي أنشأها أول مرة﴾ (يس: ٧٩)
وأيضاً ﴿خلق السموات والأرض﴾ كما قال: ﴿أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أنه يخلق مثلهم بلى﴾ (يس: ٨)
وقرأ نافع والكسائي ﴿أئذا ضللنا في الأرض﴾ أنا الأول: بالاستفهام والثاني: بالخبر، وقرأ ابن عامر الأول بالخبر الثاني بالاستفهام، والباقون بالاستفهام فيهما، ومذهب قالون وأبي عمرو في الاستفهام تسهيل الثانية وإدخال الألف بينها وبين همزة الاستفهام، وورش وابن كثير بتسهيل الثانية من غير إدخال وهشام يسهل الثانية ويحققها مع الإدخال، والباقون بتحقيقهما من غير إدخال. وقوله تعالى ﴿بل هم بلقاء ربهم كافرون﴾ أي: جاحدون إضراب عن الأول أي: ليس إنكارهم لمجرد الخلق ثانياً، بل يكفرون بجميع أحوال الآخرة، حتى لو صدقوا بالخلق الثاني لما اعترفوا بالعذاب والثواب، أو يكون المعنى لم ينكروا البعث لنفسه بل لكفرهم بلقاء الله، فإنهم كرهوه فأنكروا المفضي إليه، ثم بين لهم ما يكون من الموت إلى العذاب بقوله تعالى:
﴿قل﴾ أي: يا أفضل الخلق لهم ﴿يتوفاكم﴾ أي: يقبض أرواحكم ﴿ملك الموت الذي وكل بكم﴾ أي: بقبض أرواحكم وهو عزرائيل ﵇ والتوفي: استيفاء العدد، معناه: أن يقبض أرواحهم حتى لا يبقى أحد من العدد الذي كتب عليه الموت، روي أن ملك الموت جعلت له الدنيا مثل راحةٍ لليد يأخذ منها صاحبها ما أحب من غير مشقة، فهو يقبض أنفس الخلق من مشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من
стр. 1537
ملائكة الرحمة وأعوان من ملائكة العذاب. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب، وقال مجاهد: جعلت الأرض مثل الطست يتناول منها حيث يشاء.
وفي بعض الأخبار: أن ملك الموت على معراج بين السماء والأرض فتنزع أعوانه روح الإنسان، فإذا بلغ ثغرة نحره قبضه ملك الموت، وعن معاذ بن جبل أن لملك الموت حربة تبلغ ما بين المشرق والمغرب وهو يتصفح وجوه الناس فما من أهل بيت إلا وملك الموت يتصفحهم في كل يوم مرتين، فإذا رأى إنساناً قد انقضى أجله ضرب رأسه بتلك الحربة وقال: الآن يزار بك عسكر الموت، فيصير ملقىً لا روح في شيء منه وهو على حاله كاملاً لا نقص في شيء منه يدعى الخلل بسببه.
فإذا كان هذا فعل عبد من عبيده تعالى صرّفه في ذلك فقام به كما ترونه مع أن ممازجة الروح للبدن أشد من ممازجة تراب البدن لبقية التراب؛ لأنه ربما يستدل بعض الحذق على بعض ذلك بنوع دليل من شم ونحوه، فكيف يستبعد شيء من الأشياء على رب العالمين ومدبر الخلائق أجمعين. نسأل الله تعالى أن يقبضنا على التوحيد، وأن يستعملنا في طاعته ما أحيانا ويفعل ذلك بأهلنا وإحبائنا.
ولما قام هذا البرهان القطعي على قدرته التامة علم أن التقدير: ثم يعيدكم خلقاً جديداً كما كنتم أول مرة فحذفه كما هو عادة القرآن في حذف كل ما دل عليه السياق ولم يدع داع إلى ذكره، وعطف عليه قوله تعالى ﴿ثم إلى ربكم﴾ أي: الذي ابتدأ خلقكم وتربيتكم وأحسن إليكم غاية الإحسان ﴿ترجعون﴾ أي: تصيرون إليه أحياء فيجزيكم بأعمالكم.
ولما تقرر دليل البعث بما لا خفاء فيه ولا لبس شرع في بعض أحواله بقوله تعالى:
﴿ولو ترى﴾ أي: تبصر ﴿إذ المجرمون﴾ أي: الكافرون ﴿ناكسوا رؤوسهم﴾ أي: مطأطؤها خوفاً وخجلاً وحزناً وذلاً ﴿عند ربهم﴾ المحسن إليهم المتوحد بتدبيرهم قائلين بغاية الذل والرقة ﴿ربنا﴾ أي: المحسن إلينا ﴿أبصرنا﴾ أي: ما كنا نكذب به ﴿وسمعنا﴾ منك تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه ﴿فارجعنا﴾ بمالك من هذه الصفة المقتضية للإحسان إلى الدنيا دار العمل ﴿نعمل صالحاً﴾ فيها ﴿إنا موقنون﴾ أي: ثابت لنا الآن الإيقان بجميع ما أخبرنا به عنك.w
فلا ينفعهم ذلك ولا يرجعون، وجواب لو محذوف تقديره: لرأيت أمراً فظيعاً، والمخاطب يحتمل أن يكون النبي ﷺ شفاء لصدره، فإنهم كانوا يؤذونه بالتكذيب، ويحتمل أن يكون عاماً. وإذ على بابها من المضي لأن لو تصرف المضارع للمضي، وإنما جيء هنا ماضياً لتحقيق وقوعه نحو ﴿أتى أمر الله﴾ (النحل: ١)
وجعله أبو البقاء مما وقع فيه إذ موقع إذا ولا حاجة إليه. وقوله تعالى:
﴿ولو شئنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿لآتينا كل نفس﴾ أي: مكلفة لأن الكلام فيها ﴿هداها﴾ فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيار منها جواب عن قولهم ﴿ربنا أبصرنا وسمعنا﴾ وذلك أن الله تعالى قال: إني لو أردت منكم الإيمان لهديتكم في الدنيا، ولما لم أهدكم تبين أني ما أردت ولا شئت إيمانكم فلا أردكم، وهذا صريح في الدلالة على صحة مذهب أهل السنة حيث قالوا: إن الله تعالى ما أراد الإيمان من الكافر وما شاء منه إلا الكفر ﴿ولكن﴾ لم أشأ ذلك لأنه ﴿حق القول مني﴾ وأنا من لا يخلف الميعاد؛
стр. 1538
لأن الإخلاف إما العجزٍ أو نسيانٍ أو حاجةٍ ولا شيء من ذلك يليق بجنابي ولا يحل بساحتي، وأكد لأجل إنكارهم فقال مقسماً: ﴿لأملأن جهنم﴾ أي: التي هي محل إهانتي ﴿من الجنة﴾ أي: الجن طائفة إبليس، وكأنه تعالى أنثهم تحقيراً لهم عند من يستعظم أمرهم وبدأ بهم لاستعظامهم لهم ولأنهم الذين أضلوهم ﴿والناس أجمعين﴾ حيث قلت لإبليس: ﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ (ص: ٨٥)
فلذلك شئت كفر الكافر وعصيان العاصي بعد أن جعلت لهم اختياراً، وغيبت العاقبة عنهم، فصار الكسب ينسب إليهم ظاهراً والخلق في الحقيقة والمشيئة لي.
ولما تسبب عن هذا القول الصادق أنه لا محيص بهم عن عذابهم قال لهم الخزنة إذا دخلوا جهنم:
﴿فذوقوا﴾ العذاب ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿نسيتم لقاء يومكم﴾ وحققه وبين ذلك بقوله تعالى: ﴿هذا﴾ أي: بترككم الإيمان به ﴿إنا نسيناكم﴾ أي: عاملناكم بمالنا من العظمة ولكم من الحقارة معاملة الناسي لكم فتركناكم في العذاب ﴿وذوقوا عذاب الخلد﴾ أي: المختص بأنه لا آخر له ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كنتم تعملون﴾ أي: من الكفر والتكذيب وإنكار البعث.
ولما ذكر تعالى علامة أهل الكفر أن ذكر علامة أهل الإيمان بقوله تعالى:
﴿إنما يؤمن بآياتنا﴾ أي: الدالة على عظمتنا ﴿الذين إذا ذكروا بها﴾ أي: من أي: مذكر كان في أي: وقت كان ﴿خروا سجداً﴾ أي: بادروا إلى السجود مبادرة من كأنه سقط من غير قصد خضعاً لله من شدة تواضعهم وخشيتهم وإخباتهم خضوعاً ثابتاً دائماً ﴿وسبحوا﴾ أي: أوقعوا التسبيح به عن كل شائبة نقص متلبسين ﴿بحمد ربهم﴾ أي: قالوا سبحان الله وبحمده. وقيل: صلوا بأمر ربهم.
ولما تضمن هذا تواضعهم صرح به في قوله تعالى ﴿وهم لا يستكبرون﴾ أي: عن الإيمان والطاعة كما يفعل من يصير مستكبراً، وكان رسول الله ﷺ «يقرأ السورة التي فيها السجدة فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا مكاناً لموضع جبهته في غير وقت الصلاة» وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل إبليس يبكي يقول: يا ويلتي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» وهذه من عزائم سجود القرآن فتسن للقارئ والمستمع والسامع.
ولما كان المتواضع ربما ينسب إلى الكسل نفى ذلك عنهم مبيناً لما تضمنته الآية السالفة من خوفهم بقوله تعالى:
﴿تتجافى﴾ أي: ترتفع وتنبو ﴿جنوبهم عن المضاجع﴾ عبر به عن ترك النوم، قال ابن رواحة:
*نبيٌّ تجافى جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع*
والمضاجع: جمع المضجع وهو الموضع الذي يضجع عليه يعني الفراش وهم المتهجدون الذين يقيمون الصلاة. قال أنس: «نزلت فينا معاشر الأنصار كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي ﷺ وعن أنس أيضاً قال: «نزلت في أناس من أصحاب النبي ﷺ كانوا يصلون صلاة المغرب إلى صلاة العشاء» قال عطاء: هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة والفجر في جماعة.
وعنه ﷺ «من صلى العشاء في جماعة كان
стр. 1539
كقيام نصف ليلة، ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة» وعن أنس كنا نجتنب الفرش قبل صلاة العشاء، وعنه أيضاً قال: «ما رأيت رسول الله ﷺ راقداً قط قبل العشاء ولا متحدثاً بعدها» فإن هذه الآية نزلت في ذلك، وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «هم الذين لا ينامون قبل العشاء فأثنى عليهم» فلما ذكر ذلك جعل الرجل يعتزل فراشه مخافة أن تغلبه عينه فوقه قبل أن ينام الصغير ويكسل الكبير.
وعن مالك بن دينار قال: سألت أنساً عن هذه الآية فقال: كان قوم من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين الأولين يصلون المغرب ويصلون بعدها إلى العشاء الآخرة فنزلت هذه الآية فيهم، وعن ابن أبي حازم قال: هي ما بين المغرب والعشاء صلاة الأوابين، وعن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ قال: قيام العبد من الليل، وعن معاذ بن جبل أيضاً قال: «كنت مع رسول الله ﷺ في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه وهو يسير فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل من جوف الليل، ثم قرأ ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ حتى بلغ ﴿يعملون﴾ ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت: بلى يا نبي الله فأخذ بلسانه فقال: كف عنك هذا فقلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم» .
وعن كعب قال: إذا حشر الناس نادى مناد: هذا يوم الفصل أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع أين الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم
ثم يخرج عنق من نار فيقول: أمرت بثلاثٍ: بمن جَعَلَ مع الله إلهاً آخر، وبكل جبار عنيد، وبكل معتدٍ، لأَنَا أعرف بالرجل من الوالد بولده والمولود بوالده، ويؤمر بفقراء المسلمين إلى الجنة فيحبسون فيقولون: تحبسونا ما كان لنا أموال وما كنا أمراء، وعن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى ربكم وتكفير للسيئات ومنهاة عن الآثام ومطردة للداء» .
وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقاً مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم مع أصحابه فعلم ما عليه من الانهزام وما عليه في الرجوع فرجع حتى هريق دمه» وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ «كان يقوم الليل حتى تنفطر قدماه فقلت: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبداً شكوراً» وعن علي أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها أعدّها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام» .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ربيعة الخرشي قال: يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد
стр. 1540
فيكونون ما شاء الله أن يكونوا، ثم ينادي منادٍ: سيعلم أهل الجمع لمن يكون العز اليوم والكرم، ليقم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً فيقومون وفيهم قلة، ثم يلبث ما شاء الله أن يلبث، ثم يعود فينادي المنادي: سيعلم أهل الجمع لمن العز اليوم والكرم ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله
فيقومون وهم أكثر من الأولين ثم يلبث ما شاء الله أن يلبث ثم يعود فينادي المنادي: سيعلم أهل الجمع لمن العز اليوم والكرم، ليقم الحامدون على كل حال فيقومون وهم أكثر من الأولين، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿تتجافى في جنوبهم عن المضاجع﴾ يقول: تتجافى لذكر الله إما في الصلاة وإما في قيام أو قعود أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله.
ولما كان هجران المضجع قد يكون لغير العبادة بين أنه لها بقوله تعالى: مبيناً لحالهم ﴿يدعون﴾ أي: داعين ﴿ربهم﴾ الذي عوّدهم بإحسانه ثم علله بقوله تعالى: ﴿خوفاً﴾ أي: من سخطه وعقابه، فإن أسباب الخوف من نقائصهم كثيرة سواء أعرفوا سبباً يوجب خوفاً أو لا لأنهم لا يأمنون مكر الله لأنه يفعل ما يشاء ﴿وطمعاً﴾ في رضاه الموجب لثوابه، وقال ابن عباس: خوفاً من النار وطمعاً في الجنة وعبر به دون الرجاء إشارة إلى أنهم لشدة معرفتهم بنقائصهم لا يعدون أعمالهم شيئاً بل يطلبون فضله بغير سبب وإن كانوا مجتهدين في طاعته.
ولما كانت العبادة تقطع غالباً عن التوسع في الدنيا بما دعت نفس العابد إلى التمسك بما في يده خوفاً من نقص العبادة عند الحاجة، وصفهم الله تعالى بقوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم﴾ أي: بعظمتنا لا بحول منهم ولا قوة ﴿ينفقون﴾ من غير إسراف ولا تقتير في جميع وجوه القرب التي شرعناها لهم فلا يبخلون بما عندهم اعتماداً على الخلاق الرزَّاق الذي ضمن الخلق فهم بما ضمن لهم أوثق منهم بما عندهم.
ولما ذكر تعالى جزاء المستكبرين ذكر جزاء المتواضعين بقوله عز من قائل:
﴿فلا تعلم نفس﴾ أي: من جميع النفوس مقربة ولا غيرها ﴿ما أُخفي﴾ أي: خبئ ﴿لهم﴾ أي: لهؤلاء المذكورين من مفاتيح الغيوب وخزائنها كما كانوا يخفون أعمالهم في الصلاة في جوف الليل وبالصدقة وبغير ذلك، وقرأ حمزة بسكون الياء والباقون بالفتح.
ولما كانت العين لا تقر فتهجع إلا عند الأمن والسرور قال تعالى ﴿من قرة أعين﴾ أي: من شيء نفيس تقرّ به أعينهم لأجل ما أقلقوها عن قرارها بالنوم، ثم صرح بما أفهمته فاء السبب بقوله تعالى: ﴿جزاء﴾ أي: أخفاها لهم لجزائهم ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كانوا يعملون﴾ أي: من الطاعات في دار الدنيا. روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال أبو هريرة اقرؤا إن شئتهم ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم﴾ الآية وعن ابن مسعود قال: «إنه لمكتوب في التوراة لقد أعد الله تعالى للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر، ولا يعلم ملك مقرب ولا نبي مرسل وإنه لفي القرآن ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ .
وعن ابن عمر قال: إن الرجل من أهل الجنة ليجيء فيشرف عليه النساء فيقلن: يا فلان بن فلان ما أنت بمن خرجت من عندها بأولى بك منا فيقول: ومن أنتن؟ فيقلن: نحن من اللاتي قال الله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين
стр. 1541
جزاء بما كانوا يعملون﴾ وعن عامر بن عبد الواحد قال: بلغني أن الرجل من أهل الجنة يمكث في مكان سبعين سنة، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه فتقول له: قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب فيقول: من أنت فتقول: أنا مزيد، فيمكث معها سبعين سنة ويلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه، فتقول: قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب فيقول: من أنت فتقول: أنا التي قال الله تعالى ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ .
وعن سعيد بن جبير قال: يدخلون عليهم على مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات معهم التحف من الله من جنات عدن ما ليس في جناتهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ وعن كعب قال: سأصف لكم منزل رجل من أهل الجنة كان يطلب حلالاً ويأكل حلالاً حتى لقي الله تعالى على ذلك، فإنه يعطى يوم القيامة قصراً من لؤلؤة واحدة ليس فيها صدع ولا وصل، فيها سبعون ألف غرفة، وأسفل الغرف سبعون ألف بيت كل بيت سقفه صفائح الذهب والفضة ليس بموصول، ولولا أن الله تعالى سخر النظر لذهب بصره من نوره غلظ الحائط خمس عشر ميلاً وطوله في السماء سبعون ميلاً، في كل بيت سبعون ألف باب يدخل عليه في كل بيت من كل باب سبعون ألف خادم لا يراهم من في هذا البيت ولا يراهم من في هذا البيت، فإذا خرج من قصره سار في ملكه مثل عمر الدنيا يسير في ملكه عن يمينه وعن يساره ومن ورائه، وأزواجه معه وليس معه ذكر غيره ومن بين يديه ملائكة قد سخروا له وبين أزواجه ستر، وبين يديه ستر ووصاف ووصائف قد أفهموا ما يشتهي وما تشتهي أزواجه، ولا يموت هو ولا أزواجه ولا خدّامه أبداً، نعيمهم يزداد كل يوم من غير أن يبلي الأول، وقرة عين لا تنقطع أبداً، لا يدخل عليه فيه روعة أبداً.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لو أن أحد أهل الجنة رجل أضاف آدم فمن دونه فوضع لهم طعاماً وشراباً حتى خرجوا من عنده لا ينقصه ذلك شيئاً مما أعطاه الله» وعن سهل بن سعد قال: «بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يصف الجنة حتى انتهى ثم قال: فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قال: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ الآيتين قال القرطبي: إنهم أخفوا عملاً وأخفى لهم ثواباً فقدموا على الله فقرت تلك الأعين، وعن أبي اليمان قال: الجنة مائة درجة أولها درجة فضة وأرضها فضة ومساكنها فضة وآنيتها فضة وترابها المسك، والثانية ذهب وأرضها ذهب ومساكنها ذهب وآنيتها ذهب وترابها المسك، والثالثة لؤلؤ وأرضها لؤلؤ ومساكنها لؤلؤ وآنيتها لؤلؤ وترابها المسك وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وتلا هذه الآية ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ الآية.
وعن المغيرة بن شعبة يرفعه إلى النبي ﷺ أن موسى ﵇ سأل ربه فقال: أي: رب، أي: أهل الجنة أدنى منزلة؟ فقال: رجل يجيء بعدما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل فيقول كيف أدخل وقد نزلوا منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ما كان لملك من ملوك الدنيا فيقول: نعم أي: رب قد رضيت فيقال له: فإن لك هذا وعشرة أمثاله معه فيقول: قد رضيت أي رب فيقال له: فإن لك هذا وما اشتهت نفسك ولذت عينك فقال موسى:
стр. 1542
أي: رب فأي أهل الجنة أرفع منزلة؟ قال: إياها أردت وسأحدثك عنهم، إني غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال: ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ .
ونزل في علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه والوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه حين تنازعا فقال الوليد بن عقبة لعلي: اسكت فإنك صبي وأنا شيخ وأنا والله أبسط منك لساناً وأحد منك سناناً وأشجع جناناً وأملأ منك حشواً في الكتيبة، فقال له علي اسكت فإنك فاسق.
﴿أفمن كان مؤمناً﴾ أي: راسخاً في التصديق بجميع ما أخبرت به الرسل ﴿كمن كان فاسقاً﴾ أي: راسخاً في الفسق خارجاً عن دائرة الإذعان وقال تعالى ﴿لا يستوون﴾ ولم يقل تعالى لا يستويان؛ لأنه لم يرد مؤمناً واحداً ولا فاسقاً واحداً بل أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين فلا يستوي جمع من هؤلاء بجميع من أولئك ولا فرد بفرد. قال قتادة: لا يستوون لا في الدنيا ولا عند الموت ولا في الآخرة.
ولما نفى استواءهم أتبعه حال كلَ على سبيل التفصيل وبدأ بحال المؤمن بقوله تعالى:
﴿أما الذي آمنوا وعملوا﴾ أي: تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي: الطاعات ﴿فلهم جنات المأوى﴾ أي: التي يأوي إليها المؤمنون فإنها المأوى الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنها لا محالة، وهي نوع من الجنات قال الله تعالى: ﴿ولقد رآه نزله أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى﴾ (النجم: ١٣، ١٥)
سميت بذلك لما روى عن ابن عباس قال: تأوي إليها أرواح الشهداء وقيل هي عن يمين العرش ﴿نزلاً﴾ أي: عداداً لهم أول قدومهم قال البقاعي: كما يهيأ للضيف على ما لاح أي: عند قدومه ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كانوا يعملون﴾ من الطاعات فإن أعمالهم من رحمة ربهم، وإذا كانت هذه الجناب نزلاً فماظنك بما بعد ذلك هو لعمري ما أشار إليه قوله ﷺ «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» وهم كل لحظة في زيادة لأن قدرة الله تعالى لا نهاية لها، فإياك أن تخادع أو يغرنك ملحد، ثم ثنى بحال الكافر بقوله تعالى:
﴿وأما الذين فسقوا﴾ أي: خرجوا عن دائرة الإيمان الذي هو معدن التواضع وأهل للمصاحبة والملازمة ﴿فمأواهم النار﴾ أي: التي لا صلاحية فيها للإيواء بوجه من الوجوه ملجؤهم ومنزلهم أي: فالنار لهم مكان جنة المأوى للمؤمنين ﴿كلما أرادوا﴾ أي: وهم مجتمعون، فكيف إذا أراد بعضهم ﴿أن يخرجوا منها﴾ بأن يخيل إليهم ما يظنون به القدرة على الخروج منها كما كانوا يخرجون نفوسهم من محيط الأدلة ومن دائرة الطاعات إلى ميدان المعاصي والزلات فيعالجون الخروج، فإذا ظنوا أنه تيسر لهم وهم بعد في غمراتها ﴿أعيدوا فيها﴾ فهو عبارة عن خلودهم فيها ﴿وقيل لهم﴾ أي: من أي: قائل وكل بهم ﴿ذوقوا عذاب النار﴾ إهانة لهم وزيادة في تغيظهم وقوله تعالى ﴿الذي كنتم به تكذبون﴾ صفة لعذاب، وجوز أبو البقاء أن يكون صفة للنار قال: وذكر على معنى الجحيم والحريق.
ولما كان المؤمنون الآن يتمنون إصابتهم بشيء من الهوان قال تعالى:
﴿ولنذيقهم من العذاب الأدنى﴾ أي: عذاب الدنيا، قال الحسن: هو مصائب الدنيا وأسقامها وقال عكرمة: الجوع بمكة تسع سنين أكلوا فيها الجيف والعظام والكلاب، وقال ابن مسعود: هو القتل بالسيف يوم بدر ﴿دون العذاب الأكبر﴾ وهو عذاب
стр. 1543
الآخرة فإن عذاب الدنيا لا نسبة له إلى عذاب الآخرة، فإن قيل: ما الحكمة في مقابلة الأدنى بالأكبر، والأدنى إنما هو في مقابلة الأقصى والأكبر إنما هو في مقابلة الأصغر.
أجيب: بأنه حصل في عذاب الدنيا أمران: أحدهما: أنه قريب، والآخر: أنه قليل صغير، وحصل في عذاب الآخرة أيضاً أمران: أحدهما: أنه بعيد، والآخر: أنه عظيم كبير، لكن العرف في عذاب الدنيا هو أنه الذي يصلح للتخويف، فإن العذاب الآجل وإن كان قليلاً فلا يحترز عنه بعض الناس أكثر مما يحترز من العذاب الشديد إذا كان آجلاً، وكذا الثواب العاجل قد يرغب فيه بعض الناس ويستبعد الثواب العظيم الآجل.
وأما في عذاب الآخرة فالذي يصلح للتخويف به هو العظيم والكبير لا البعيد؛ لما ذكر. فقال في عذاب الدنيا: العذاب الأدنى ليحترز العاقل ولو قال تعالى: ولنذيقنهم من العذاب الأصغر ما كان ليحترز عنه لصغره وعدم فهم كونه عاجلاً، وقال في عذاب الآخرة: الأكبر لذلك المعنى، ولو قال: من العذاب الأبعد الأقصى لما حصل التخويف به مثل ما يحصل بوصفه من الكبر ﴿لعلهم يرجعون﴾ إلى الإيمان أي: من بقي منهم بعد بدر، فإن قيل: ما الحكمة في هذا الترجي وهو على الله تعالى محال، أجيب بوجهين: أحدهما: معناه لنذيقنهم إذاقة الراجي كقوله تعالى ﴿إنا نسيناكم﴾ يعني تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلاً كذلك هنا، والثاني: نذيقنهم العذاب، إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه.
﴿ومن﴾ أي: لا أحد ﴿أظلم ممن ذكر بآيات ربه﴾ أي: القرآن ﴿ثم أعرض عنها﴾ فلم يتفكر فيها، وثم لاستبعاد الإعراض عنها مع فرط وضوحها وإرشادها إلى أسباب السعادة بعد التذكر بها عقلاً كما في بيت الحماسة:
*وما يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها*
أي: لا يكشف الأمر العظيم إلا رجل كريم موصوف بما ذكر، والغماء بتشديد الميم والمد أي: في مدة اقتحام الحرب، والشاهد في قوله: ثم يزورها، إذ المعنى أنه استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدتها ﴿إنا من المجرمين﴾ أي: الكافرين ﴿منتقمون﴾ وعبر بصيغة العظمة تنبيهاً على أن الذي يحصل لهم من العذاب لا يدخل تحت الوصف على مجرد العداد في الظالمين فكيف إذا كانوا أظلم الظالمين، والجملة الاسمية تدل على دوام ذلك عليهم في الدنيا أما باطناً بالاستدراج بالنعم، وأما ظاهراً بإحلال النقم وفي الآخرة بدوام العذاب على ممر الآباد.
ولما قرر الأصول الثلاثة وعاد إلى الأصل الذي بدأ به وهو الرسالة المذكورة في قوله تعالى ﴿لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير﴾ (القصص: ٤٦)
بين أنه ليس بدعا من الرسل بقوله تعالى:
﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ أي: الجامع للأحكام وهو التوراة فكان قبلك رسل مثلك، وذكر موسى ﵇ لقربه من النبي ﷺ وهو أول من أنزل عليه كتاب من أنبياء بني إسرائيل بعد فترة كثيرة من الأنبياء بينه وبين يوسف ﵉، ولم يختر عيسى ﵇ للذكر والاستدلال لأن اليهود ما كانوا يوافقون على نبوته وأما النصارى فكانوا يعترفون بنبوءة موسى ﵇ فذكر المجمع عليه ﴿فلا تكن في مريه﴾ واختلف في الهاء في قوله تعالى ﴿من لقائه﴾ على
стр. 1544
أقوال: أحدها: أنها عائدة على موسى ﵇ والمصدر مضاف لمفعوله أي: من لقائك موسى ليلة الإسراء.
وامتحن المبرد الزجاج في هذه المسألة فأجاب بما ذكر قال ابن عباس وغيره: المعنى فلا تكن في شك من لقاء موسى فإنك تراه وتلقاه، روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالاً جعداً كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلاً مربوعاً إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت مالكاً خازن النار والدجال في آيات آراهن الله إياه» وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «أتيت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو يصلي في قبره» ، فإن قيل: قد صح في حديث المعراج أنه رآه في السماء السادسة ومراجعته في أمر الصلاة، فكيف الجمع بين هذين الحديثين.
أجيب: بأنه يحتمل أن تكون رؤيته في قبره عند الكثيب الأحمر قبل صعوده إلى السماء وذلك في طريقه إلى بيت المقدس، فلما صعد إلى السماء السادسة وجده هناك قد سبقه لما يريده الله تعالى وهو على كل شيء قدير.
فإن قيل: كيف تصح منه الصلاة في قبره وهو ميت وقد سقط عنه التكليف وهو في الدار الآخرة وهي ليست دار عمل، وكذلك رأى النبي ﷺ جماعة من الأنبياء وهم يحجون؟ أجيب عن ذلك بأجوبة: الأول: أن الأنبياء أفضل من الشهداء، والشهداء أحياء عند ربهم فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا كما صح في الحديث، وأن يتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا لأنهم وإن كانوا قد توفوا لكنهم بمنزلة الأحياء في هذه الدار التي هي دار العمل إلى أن تفنى ويفضوا إلى دار الجزاء التي هي الجنة.
الجواب الثاني: أنه ﷺ رأى حالهم التي كانوا عليها في حياتهم ومثلوا له كيف كانوا وكيف كان حجهم وصلاتهم. الجواب الثالث: أن التكليف وإن ارتفع عنهم في الآخرة لكن الذكر والشكر والدعاء لا يرتفع قال الله تعالى ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم﴾ (يونس: ١٠)
وقال ﷺ «يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس» فالعبد يعبد ربه تعالى في الجنة أكثر ما كان يعبده في دار الدنيا، وكيف لا يكون ذلك وقد صار مثل حال الملائكة الذين قال الله تعالى في حقهم ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ (الأنبياء: ٢٠)
غاية ما في الباب أن العبادة ليست عليهم بتكليف بل هي مقتضى الطبع. ثانيها: أن الضمير يعود إلى الكتاب وحينئذ يجوز أن تكون الإضافة للفاعل أي: من لقاء الكتاب لموسى أو المعول أي: من لقاء موسى الكتاب لأن اللقاء تصح نسبته إلى كل منهما؛ لأن من لقيك فقد لقيته. قال السدي: المعنى فلا تكن في مرية من لقائه أي: تلقى موسى كتاب الله تعالى بالرضا والقبول. ثالثها: أنه يعود على الكتاب على حذف مضاف أي: من لقاء مثل كتاب موسى.
رابعها: أنه عائد على ملك الموت ﵇ لتقدم ذكره. خامسها: عوده على الرجوع المفهوم من قوله ﴿إلى ربكم ترجعون﴾ أي: لا تكن في مرية من لقاء الرجوع. سادسها: أنه يعود على ما يفهم من سياق الكلام مما ابتلي به موسى من الابتلاء والامتحان قاله الحسن أي: لا بد أن تلقى ما لقي موسى من قومه، واختار موسى ﵇ الحكمة وهي أن أحداً من الأنبياء لم يؤذه من قومه إلا الذين لم يؤمنوا، وأما الذين آمنوا به فلم يخالفوه غير قوم موسى ﵇ فإن من لم يؤمن به آذاه كفرعون، ومن آمن به من بني
стр. 1545
إسرائيل آذاه أيضاً بالمخالفة، فطلبوا أشياء مثل رؤية الله جهرة، وكقولهم ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا﴾ (المائدة: ٢٤)
وأظهر هذه الأقوال أن الضمير إما لموسى وإما للكتاب، واختلف في الضمير أيضاً في قوله تعالى ﴿وجعلناه﴾ على قولين: أحدهما: يرجع إلى موسى أي: وجعلنا موسى ﴿هدى﴾ أي: هادياً ﴿لبني إسرائيل﴾ كما جعلناك هادياً لأمتك. والثاني: أنه يرجع إلى الكتاب أي: وجعلنا كتاب موسى هادياً كما جعلنا كتابك كذلك.
﴿وجعلنا منهم﴾ أي: من أنبيائهم وأحبارهم ﴿أئمة يهدون﴾ أي: يرفعون البيان ويعملون على حسبه ﴿بأمرنا﴾ أي: بما نزلنا فيه من الأوامر، كذلك جعلنا من أمتك صحابة يهدون، كما قال النبي ﷺ «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة قبل الميم، ولهم أيضاً إبدالها ياء، وحققها الباقون ومد هشام بين الهمزتين بخلاف عنه، وقوله تعالى ﴿لما صبروا﴾ قرأ حمزة والكسائي بكسر اللام وتخفيف الميم أي: بسبب صبرهم على دينهم وعلى البلاء من عدوهم ولأجله، وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد الميم أي: حين صبرهم على ذلك، وإن كان الصبر أيضاً إنما هو بتوفيق الله تعالى ﴿وكانوا بآياتنا﴾ الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا لما لها من العظمة ﴿يوقنون﴾ أي: لا يرتابون في شيء منها ولا يعملون فعل الشاك فيها بالإعراض.
ولما أفهم قوله تعالى منهم أنه كان منهم من يضل عن أمر الله قال الله تعالى:
﴿إن ربك﴾ أي: المحسن إليك بإرسالك ليعظم ثوابك ﴿هو﴾ أي: وحده ﴿يفصل بينهم﴾ أي: بين الهادين والمهديين والضالين والمضلين ﴿يوم القيامة﴾ بالقضاء الحق ﴿فيما كانوا فيه يختلفون﴾ أي: من أمر الدين لا يخفي عليه شيء منه وأما غير ما اختلفوا فيه، فالحكم فيه لهم أو عليهم، وما اختلفوا فيه لا على وجه القصد فيقع في محل العفو.
ولما أعاد ذكر الرسالة أعاد ذكر التوحيد بقوله تعالى:
﴿أولم يهد﴾ أي: يبين كما رواه البخاري عن ابن عباس ﴿لهم كم أهلكنا﴾ أي: كثرة من أهلكنا ﴿من قبلهم من القرون﴾ الماضين من المعرضين عن الآيات، ونجينا من آمن بها. وقوله تعالى ﴿يمشون﴾ حال من ضمير لهم ﴿في مساكنهم﴾ أي: في أسفارهم إلى الشام وغيرها كمساكن عاد وثمود وقوم لوط فيعتبروا ﴿إن في ذلك﴾ أي: الأمر العظيم ﴿لآيات﴾ أي: دلالات على قدرتنا ﴿أفلا يسمعون﴾ سماع تدبر واتعاظ فيتعظوا بها.
﴿أولم﴾ أي: أيقولون في إنكار البعث أئذا ضللنا في الأرض ولم ﴿يروا أنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿نسوق الماء﴾ أي: من السماء أو الأرض ﴿إلى الأرض الجرز﴾ أي: التي جرز نباتها أي: قطع باليبس والتهشم أو بأيدي الناس فصارت ملساء لا نبات فيها، وفي البخاري عن ابن عباس أنها التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز ويدل عليه قوله تعالى ﴿فنخرج به﴾ من أعمال الأرض بذلك الماء ﴿زرعاً﴾ أي: نبتاً لا ساق له باختلاط الماء بالتراب، وقيل الجرز: اسم موضع باليمن ﴿تأكل منه أنعامهم﴾ أي: من حبه وورقه وتبنه وحشيشه ﴿وأنفسهم﴾ أي: من الحبوب والأقوات، وقدّم الأنعام لوقوع الامتنان بها لأن بها قوامهم في معايشهم وأبدانهم ولأن الزرع غذاء للدواب لابد منه، وأما غذاء الإنسان فقد يصلح للحيوان فكان الحيوان يأكل الزرع، ثم الإنسان يأكل من الحيوان.
فإن قيل:
следующие страницы →