← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

لكل ما قضاه وقدره وإن كانت على غير ما يألفه الناس. من انقطع إلى الله كفاه الله تعالى كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها، ولقد صدق الله تعالى وعده في لطفه وحقق بره في خبره بأن فتح على نبيه ﷺ خبير، فأفاض بها من رزقه الواسع، ولما توفى نبيه ﷺ ليحميه من زهرة الحياة الدنيا فتح الفتوحات الكبار من بلاد فارس والروم ومصر وما بقي من اليمن، فعم الفتح جميع الأقطار، الشرق والغرب والجنوب والشمال، ومكن أصحاب نبيه ﷺ من كنوز تلك البلاد وذخائر أولئك الملوك حتى صار الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يكيلون المال كيلاً، وزاد الأمر حتى دوّن عمر رضي الله تعالى عنه الدواوين. وفرض للناس عامة أرزاقهم حتى للرضعاء، وكان أولاً لا يفرض للمولود حتى يفطم، فكانوا يستعجلون بالفطام فنادى مناديه لا تعجلوا أولادكم بالفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وفاوت بين الناس في العطاء بحسب القرب من النبي ﷺ والبعد منه، وبحسب السابقة في الإسلام والهجرة. ونزل الناس منازلهم بحيث أرضى جميع الناس، حتى قدم عليه خالد بن عرفطة فسأله عما وراءه فقال: تركتهم يسألون الله تعالى أن يزيد في عمرك من أعمارهم، قال عمر: إنما هو حقهم، وأنا أسعى بأدائه إليهم وإني لأعم بنصيحتي كل من طوقني الله أمره، فإن رسول الله ﷺ قال: «من مات غاشاً لرعيته لم يَرَ ريح الجنة» فكان فرضه لأزواج النبي ﷺ اثني عشر ألفاً لكل واحدة، وهي نحو ألف دينار في كل سنة، وأعطى عائشة خمسة وعشرين ألفاً لحب رسول الله ﷺ إياها، فأبت أن تأخذ إلا ما تأخذه صواحباتها. وروي عن برزة بنت رافع قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فلما أدخل إليها قالت: غفر الله لعمر، غيري من أخواتي أقوى على قسم هذا مني قالوا: هذا كله لك قالت: سبحان الله ثم قالت: صبوه واطرحوا عليه ثوباً، ثم قالت لي: أدخلي يديك واقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلان من ذوي رحمها وأيتام لها، فقسمته حتى بقيت منه بقية تحت الثوب قالت برزة بنت رافع: نظر الله لك يا أم المؤمنين والله لقد كان لنا في هذا المال حق قالت: فلكم ما تحت الثوب قالت: فوجدنا تحته خمسمائة وثمانين درهماً، ثم رفعت يديها إلى السماء وقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا فماتت، قال البقاعي: ذكر ذلك البلاذري في كتاب «فتوح البلاد» انتهى. وعن مقاتل قال: قالت أم سلمة بنت أبي أمية، ونسيبة بنت كعب الأنصارية للنبي ﷺ «ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه نخشى أن لا يكون فيهن خير» فأنزل الله تعالى: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ أي: الداخلين في الإسلام المنقادين لحكم الله في القول والعمل. ولما كان الإسلام مع كونه أكمل الأوصاف وأعلاها يمكن أن يكون بالظاهر فقط أتبعه المحقق له وهو إسلام الباطن بالتصديق التام بغاية الإذعان فقال عاطفاً له ولما بعده من الأوصاف التي يمكن اجتماعها بالواو للدلالة على تمكن الجامعين لهذه الأوصاف في كل وصف منها: ﴿والمؤمنين والمؤمنات﴾ أي: المصدقين بما يجب أن يصدق به. ولما كان

стр. 1577

المؤمن المسلم قد لا يكون في أعماله مخلصاً قال: ﴿والقانتين والقانتات﴾ أي: المخلصين في إيمانهم وإسلامهم المداومين على الطاعة. ولما كان القنوت قد يطلق على الإخلاص المقتضى للمداومة، وقد يطلق على مطلق الطاعة قال: ﴿والصادقين والصادقات﴾ أي: في ذلك كله من قول وعمل. ولما كان الصدق وهو إخلاص القول والعمل عن شوب يلحقه أو شيء يدنسه قد لا يكون دائماً قال مشيراً إلى أن ما لا يكون دائماً لا يكون صدقاً في الواقع: ﴿والصابرين والصابرات﴾ أي: على الطاعات وعن المعاصي. ولما كان الصبر قد يكون سجية دل على صرفه إلى الله بقوله تعالى: ﴿والخاشعين والخاشعات﴾ أي: المتواضعين لله تعالى بقلوبهم وجوارحهم. ولما كان الخشوع والخضوع والإخبات والسكون لا يصح مع توفير المال، فإنه سكون إليه قال معلماً: إنه إذ ذاك لا يكون على حقيقته ﴿والمتصدقين والمتصدقات﴾ بما وجب في أموالهم وبما استحب سراً وعلانية تصديقاً لخشوعهم. ولما كان بذل المال قد لا يكون مع الإيثار أتبعه ما يعين عليه بقوله تعالى: ﴿والصائمين والصائمات﴾ أي: فرضاً ونفلاً للإيثار بالقوت وغير ذلك. ولما كان الصوم يكسر شهوة الفرج وقد يثيرها قال تعالى: ﴿والحافظين فروجهم والحافظات﴾ أي: عما لا يحل لهم. وحذف مفعول الحافظات لتقدم ما يدل عليه، والتقدير: والحافظاتها، وكذلك والذاكرات، وحسن الحذف رؤوس الفواصل. ولما كان حفظ الفرج وسائر الأعمال لا يكاد يوجد إلا بالذكر وهو الذي يكون عنده المراقبة الموصلة إلى المحاضرة المحققة للمشاهدة المحببة للفناء قال تعالى: ﴿والذاكرين الله كثيراً والذاكرات﴾ أي: بقلوبهم وألسنتهم في كل حالة. ومن علامات الإكثار من الذكر اللهج به عند الاستيقاظ من النوم، وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً، روي أن النبي ﷺ قال: «سبق المفردون قالوا: وما المفردون قال: «الذاكرون الله تعالى كثيراً والذاكرات» قال عطاء بن أبي رباح: من فوض أمره إلى الله فهو داخل في قوله تعالى: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ ومن أقر بأن الله تعالى ربه، ومحمداً ﷺ رسوله ولم يخالف قلبه لسانه فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والمؤمنين والمؤمنات﴾ ومن أطاع الله تعالى في الفرض، والرسول ﷺ في السنة فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والقانتين والقانتات﴾ ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والصادقين والصادقات﴾ ومن صبر على الطاعات وعن المعصية وعلى الرزية فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والصابرين والصابرات﴾ . ومن صلى ولم يعرف من عن يمينه وعن يساره فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والخاشعين والخاشعات﴾ ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والمتصدقين والمتصدقات﴾ ومن صام في كل شهر أيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والصائمين والصائمات﴾ ومن حفظ فرجه عن الحرام فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والحافظين فروجهم والحافظات﴾ ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: ﴿والذاكرين الله كثيراً والذاكرات﴾ ﴿أعد الله﴾ أي: الذي لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره مع أنه لا يعاظمه

стр. 1578

شيء ﴿لهم مغفرة﴾ أي: لما اقترفوه من الصغائر لأنها مكفرات بفعل الطاعات، والآية عامة وفضل الله تعالى واسع. ولما ذكر تعالى الفضل بالتجاوز أتبعه الفضل بالكرم والرحمة بقوله تعالى: ﴿وأجراً عظيما﴾ أي: على طاعتهم، والآية وعد لهن ولأمثالهن بالإثابة على الطاعة والتدرع بهذه الخصال، وروي أن سبب نزول هذه الآية: «أن أزواج النبي ﷺ قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر به؟ إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة فأنزل الله تعالى هذه الآية» . روي أن أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فدخلت على نساء النبي ﷺ فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن قلن: لا فأتت النبي ﷺ فقالت: «يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار قال: ومم ذاك قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما تذكر الرجال» فأنزل الله هذه الآية. وقيل: لما نزل في نساء النبي ﷺ ما نزل قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء فنزلت. تنبيه: عطف الإناث على الذكور لاختلاف جنسهما، والعطف فيه ضروري لاختلافهما ذاتاً، وعطف الزوجين وهو مجموع المؤمنين والمؤمنات على الزوجين، وهو مجموع المسلمين والمسلمات لتغاير وصفيهما. وليس العطف فيه بضروري بخلافه في الأول؛ لأن اختلاف الجنس أشد من اختلاف الصفة، وفائدة العطف عند تغاير الأوصاف الدلالة على أن أعداد المعد من المغفرة والأجر العظيم أي: تهيئته للمذكورين للجمع بين هذه الصفات، فصار المعنى: أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات العشر أعد الله تعالى لهم مغفرة وأجراً عظيماً. وقوله تعالى: ﴿وما كان﴾ أي: وما صح ﴿لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً﴾ أي: إذا قضى رسول الله ﷺ وذكر الله تعالى لتعظيم أمره، والإشعار بأنه قضاء الله تعالى. نزلت في زينب بنت جحش الأسدية وأخيها عبد الله بن جحش، وأمها أمية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ «لما خطب النبي ﷺ زينب على مولاه زيد بن حارثة، وكان اشترى زيداً في الجاهلية بعكاظ فأعتقه وتبناه، فلما خطب النبي ﷺ زينب رضيت وظنت أنه يخطبها لنفسه، فلما علمت أنه يخطبها لزيد بن حارثة أبت وقالت: أنا ابنة عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي، وكانت بيضاء جميلة فيها حدة، وكذلك كره أخوها» ذلك رواه الدارقطني بسند ضعيف، وقيل: في أم كلثوم بنت عقبة وهبت نفسها للنبي ﷺ فزوجها من زيد ﴿أن تكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ أي: أن يختاروا من أمرهم شيئاً، بل يجب عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعاً لاختيار الله تعالى ولرسوله ﷺ تنبيه: الخيرة: مصدر من تخير كالطيرة من تطير على غير قياس، وجمع الضمير في قوله تعالى: ﴿لهم﴾ وفي قوله تعالى: ﴿من أمرهم﴾ لعموم مؤمن ومؤمنة من حيث أنها في سياق النفي، ويجوز أن يكون الضمير في من أمرهم لله تعالى ولرسوله ﷺ وجمع للتعظيم كما جرى عليه البيضاوي، وقرأ أن يكون الكوفيون وهشام بالياء التحتية والباقون بالفوقية، ولأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، ومن عصاه فقد عصى الله تعالى كما قال تعالى: ﴿ومن يعص الله﴾ أي: الذي لا أمر لأحد معه ﴿ورسوله﴾ أي: الذي معصيته معصية الله تعالى لكونه بينه وبين الخلق في بيان ما أرسل به إليهم.

стр. 1579

وقوله تعالى: ﴿فقد ضل﴾ قرأه قالون وابن كثير وعاصم بالإظهار، والباقون بالإدغام وزاد ذلك بقوله تعالى: ﴿ضلالاً مبيناً﴾ أي: فقد أخطأ خطأ ظاهراً لا خفاء فيه، فالواجب على كل أحد أن يكون معه ﷺ في كل ما يختاره، وإن كان فيه أعظم المشقات عليه تخلقاً. يقول الشاعر: *وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم* *وأهنتني فأهنت نفسي عامداً ... ما من يهون عليك ممن يكرم* فلما نزلت هذه الآية رضيت زينب بذلك وجعلت أمرها بيد النبي ﷺ وكذلك أخوها فأنكحها ﷺ زيداً، فدخل بها وساق إليها رسول الله ﷺ عشرة دنانير وستين درهماً، وخماراً ودرعاً وإزاراً وملحفة، وخمسين مداً من الطعام، وثلاثين صاعاً من تمر. ومكثت عنده حيناً. ثم إن رسول الله ﷺ أتى زيداً ذات يوم لحاجة، فأبصر زينب قائمة في درع وخمار وكانت بيضاء جميلة ذات خلق من أتم نساء قريش، فوقعت في نفسه وأعجبه حسنها فقال: سبحان الله مقلب القلوب وانصرف، فلما جاء زيد ذكرت ذلك له ففطن زيد، فألقي في نفس زيد كراهتها في الوقت، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي قال: مالك أربك منها شيء قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيراً، ولكنها تتعاظم عليّ لشرفها، وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي ﷺ أمسك عليك زوجك يعني زينب بنت جحش واتق الله في أمرها فأنزل الله تعالى: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله﴾ أي: الملك الذي له كل الكمال ﴿عليه﴾ وتولى نبيه ﵊ إياه» ، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بالإظهار والباقون بالإدغام. ثم بين تعالى منزلته من النبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿وأنعمت عليه﴾ أي: بالعتق والتبني حيث استشارك في فراق زوجته التي أخبرك الله تعالى أنه يفارقها وتصير زوجتك ﴿أمسك عليك زوجك﴾ أي: زينب ﵂ ﴿واتق الله﴾ الذي له جميع العظمة في جميع أمرك ﴿وتخفي﴾ أي: والحال أنك تخفي أي: تقول قولاً مخفياً ﴿ما في نفسك﴾ أي: ما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك عند طلاق زيد ﴿ما الله مبديه﴾ أي: مظهره بحمل زيد على تطليقها، وإن أمرته بإمساكها وتزويجك بها وأمرك بالدخول عليها، وهذا دليل على أنه ما أخفى غير ما أعلمه الله تعالى من أنها ستصير زوجته عند طلاق زيد؛ لأن الله تعالى ما أبدى غير ذلك، ولو أخفى غيره لأبداه سبحانه؛ لأنه لا يبدل قوله، وقول ابن عباس كان في قلبه حبها بعيد، وكذا قول قتادة: ودّ لو أنه لو طلقها زيد، وكذا قول غيرهما: كان في قلبه لو فارقها زيد تزوجها. ولما ذكر تعالى إخفاءه ذلك ذكر علته بقوله تعالى: عاطفاً على تخفي ﴿وتخشى الناس﴾ أي: من أن تخبر بما أخبر الله تعالى به فيصوبوا إليك مرجمات الظنون لاسيما اليهود والمنافقون، وقال ابن عباس والحسن: تستحييهم، وقيل: تخاف لأئمة الناس أن يقولوا: أمر رجلاً بطلاق امرأته ثم نكحها ﴿والله﴾ أي: والحال أن الذي لا شيء أعظم منه ﴿أحق أن تخشاه﴾ أي: وحده ولا تجمع خشية الناس مع خشيته في أن تؤخر شيئاً أخبرك به حتى يأتيك فيه أمر. قال عمر وابن

стр. 1580

مسعود وعائشة: ما نزلت على رسول الله ﷺ آية هي أشد عليه من هذه، وروي عن مسروق قال: قالت عائشة: «لو كتم النبي ﷺ شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾ . ويؤيد ما مر ما روى سفيان بن عيينة عن علي عن زيد بن جدعان قال: سألني علي بن الحسين زين العابدين ما يقول الحسن في قوله تعالى: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ قال: قلت يقول لما جاء زيد إلى النبي ﷺ قال: يا رسول الله إني أريد أن أطلقها فقال له: ﴿أمسك عليه زوجك﴾ فقال علي بن الحسين: ليس كذلك؛ لأن الله تعالى قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه، وأن زيداً سيطلقها، فلما جاء زيد وقال: إني أريد أن أطلقها قال له: ﴿أمسك عليك زوجك﴾ فعاتبه الله تعالى وقال: «لم قلت أمسك عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك» وهذا هو اللائق والأليق بحال الأنبياء ﵈، وهو مطابق للتلاوة لأن الله تعالى أعلم أنه يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه فقال تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرأ﴾ أي: حاجة من زواجها والدخول بها، وذلك بانقضاء عدتها منه؛ لأن به يعرف أنه لا حاجة له فيها، وأنه قد تقاصرت عنها همته وإلا راجعها ﴿زوجناكها﴾ أي: ولم نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها تشريفاً لك ولها بما لنا من العظمة التي خرقنا بها عوائد الخلق حتى أذعن لذلك كل من علم به، وسرت به جميع النفوس. ولم يقدر منافق ولا غيره على الخوض في ذلك ببنت شفة مما يوهنه ويؤثر فيه، فلو كان الذي أضمره رسول الله ﷺ محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره، فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله تعالى من أنها ستكون زوجة له.k وإنما أخفاه استحياء أن يقول لزيد: إن التي تحتك وفي نكاحك ستكون امرأتي. قال البغوي: وهذا هو الأولى والأليق وإن كان الآخر وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها لا يقدح في حال الأنبياء ﵈؛ لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المأثم؛ لأن الود وميل النفس من طبع البشر، وقوله: ﴿أمسك عليك زوجك واتق الله﴾ أمر بالمعروف وهو خشية الإثم فيه وقوله: ﴿والله أحق أن تخشاه﴾ لم يرد به أنه لم يكن يخشى الله فيما سبق فإنه ﵊ قال: «أنا أخشاكم لله وأتقاكم له» ولكن المعنى: الله أحق أن تخشاه وحده ولا تخشى أحداً معه، فأنت تخشاه وتخشى الناس أيضاً. ولكنه لما ذكر الخشية من الناس ذكر أن الله أحق بالخشية في عموم الأحوال وفي جميع الأشياء انتهى. وذكر قضاء الوطر ليعلم أن زوجة المتبني تحل بعد الدخول بها إذا طلقت وانقضت عدتها، روى مسلم في صحيحه عن أنس ﵁ قال: «لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: اذهب فاذكرها علي قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها لأن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت: يا زينب أرسل رسول الله ﷺ يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1581

فدخل عليها بغير إذن قال: ولقد رأيتنا أن رسول الله ﷺ أطعمنا الخبز واللحم حتى امتد النهار، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته، فجعل يتبع حجر نسائه يسلم عليهن ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ قال: فما أدري، أنا أخبرته أن القوم خرجوا أو أخبرني قال: فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب» . وعن أنس ﵁ قال: «ما أولم النبي ﷺ على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة» وفي رواية: «أكثر وأفضل ما أولم على زينب» قال ثابت: فما أولم قال: أطعمهم خبزاً ولحماً حتى تركوه قال أنس ﵁: «كانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات» وقال الشعبي: «كانت زينب تقول للنبي ﷺ إني لأدل عليك بثلاث: ما من نسائك امرأة تدل بهن: جدي وجدك واحد، وأنكحنيك الله في السماء، وإن السفير لجبريل ﵇» وأخرج ابن سعد والحاكم عن محمد بن يحيى بن حبان قال: «جاء رسول الله ﷺ بيت زيد بن حارثة يطلبه، وكان زيد يقال له: زيد بن محمد، فربما فقده رسول الله ﷺ الساعة فيقول: أين زيد؟ فجاء منزله يطلبه فلم يجده، وتقوم إليه زينب بنت جحش زوجته فضلاً، فأعرض رسول الله ﷺ عنها فقالت: ليس هو ههنا يا رسول الله فادخل، فأبى أن يدخل، فأعجبت رسول الله ﷺ فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يفهم منه إلا ربما أعلن بسبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد إلى منزله فأخبرته امرأته أن رسول الله ﷺ أتى منزله فقال زيد: ألا قلت له أن يدخل قالت: قد عرضت ذلك عليه فأبى قال: فسمعت شيئاً منه قالت: سمعته حين ولى تكلم بكلام لا أفهمه وسمعته يقول: سبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله بلغني أنك جئت منزلي فهلا دخلت يا رسول الله لعل زينب أعجبتك فأفارقها فقال رسول الله ﷺ ﴿أمسك عليك زوجك﴾ فما استطاع زيد إليها سبيلاً بعد ذلك اليوم فيأتي إلى رسول الله ﷺ فيخبره فيقول: ﴿أمسك عليك زوجك﴾ ففارقها زيد واعتزلها وانقضت عدتها، فبينما رسول الله ﷺ جالس يتحدث مع عائشة إذ أخذته غشية، فسري عنه وهو يبتسم ويقول: من يذهب إلى زينب يبشرها أن الله زوجنيها من السماء، وقرأ ﴿وإذ تقول للذي﴾ الآية قالت عائشة: فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها، وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها زوجها الله من السماء وقلت: هي تفخر علينا بهذا» . ولما ذكر تعالى التزويج على ماله من العظمة ذكر علته بقوله تعالى: ﴿لكي لا يكون على المؤمنين حرج﴾ أي: ضيق وإثم ﴿في أزواج أدعيائهم﴾ أي: الذين تبنوهم وأجروهم في تحريم أزواجهم مجرى أزواج البنين على الحقيقة ﴿إذا قضوا منهن وطرا﴾ أي: حاجة بالدخول بهن، ثم الطلاق وانقضاء العدة. فائدة: لا مقطوعة في الرسم من ﴿لكي﴾ . تنبيه: الأدعياء: جمع دعي وهو المتبنى أي: زوجناك زينب وهي امرأة زيد الذي تبنيته

стр. 1582

ليعلم أن زوجة المتبنى حلال للمتبني وإن كان قد دخل بها المتبنى، بخلاف امرأة ابن الصلب لا تحل للأب ﴿وكان أمر الله﴾ من الحكم بتزويجها وإن كرهت وتركت إظهار ما أخبرك الله تعالى به كراهية لسوء المقالة واستحياء من ذلك، وكذا كل أمر يريده سبحانه ﴿مفعولاً﴾ أي: قضاء الله تعالى ماضياً وحكمه نافذاً في كل ما أراده لا معقب لحكمه. ﴿ما كان على النبي﴾ أي: الذي منزلته من الله تعالى الاطلاع على ألا يطلع عليه غيره من الخلق ﴿من حرج فيما فرض﴾ أي: قدر ﴿الله﴾ بما له من صفات الكمال وأوجبه ﴿له﴾ لأنه لم يكن على المؤمنين مطلقاً حرج في ذلك فكيف برأس المؤمنين؟ وقوله تعالى ﴿سنة الله﴾ منصوب بنزع الخافض أي: كسنة الله ﴿في الذين خلوا من قبل﴾ من الأنبياء ﵈ أنه لا حرج عليهم فيما أباح لهم، قال الكلبي ومقاتل: أراد داود ﵇ حين جمع بينه وبين المرأة التي هويها، فكذلك جمع بين محمد وبين زينب. وقيل: أراد بالسنة النكاح فإنه من سنة الأنبياء ﵈، فكان من كان من الأنبياء ﵈ هذا سنتهم، فقد كان لسليمان بن داود ﵉ ألف امرأة، وكان لداود مائة امرأة ﴿وكان أمر الله﴾ أي: قضاء الملك الأعظم في ذلك وغيره ﴿قدراً﴾ وأكده بقوله تعالى: ﴿مقدوراً﴾ أي: لا خلف فيه ولابد من وقوعه في حينه الذي حكم بكونه فيه وقوله تعالى: ﴿الذين﴾ نعت للذين قبله ﴿يبلغون﴾ أي: إلى أممهم ﴿رسالات الله﴾ أي: الملك الأعظم، سواء كانت في نكاح أم غيره ﴿ويخشونه﴾ أي: فيخبرون بكل ما أخبرهم به ﴿ولا يخشون أحداً﴾ قل أو جلَّ ﴿إلا الله﴾ فلا يخشون قالة الناس فيما أحل الله لهم ﴿وكفى بالله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال ﴿حسيباً﴾ أي: حافظاً لأعمال خلقه ومحاسبهم. ولما أفاد هذا كله أن الدعي ليس ابناً وكانوا قد قالوا: لما تزوج زينب كما رواه الترمذي عن عائشة تزوج حليلة ابنه قال تعالى: ﴿ما كان﴾ أي: بوجه من الوجوه ﴿محمد﴾ أي: على كثرة نسائه وأولاده ﴿أبا أحد من رجالكم﴾ لا مجازاً بالتبني ولا حقيقة بالولادة، فثبت بذلك أنه يحرم عليه زوجة الابن، ولم يقل تعالى من بنيكم؛ لأنه لم يكن له في ذلك الوقت سنة خمس، وما داناها ابن ذكر لعلمه تعالى أنه سيولد له ابنه إبراهيم ﵇ مع ما كان له قبله من البنين الطاهر والطيب والقاسم، وأنه لم يبلغ أحد منهم الحلم ﵈. قال البيضاوي: ولو بلغوا لكانوا رجاله لا رجالهم. انتهى. وهذا إنما يأتي على أن المراد التبني. وقال البغوي: والصحيح أنه أراد بأحد من رجالكم: الذين لم يلدهم. انتهى. ومع هذا الأول أوجه كما جرى عليه البقاعي. ثم لما نفى تعالى أبوته عنهم قال: ﴿ولكن﴾ كان في علم الله غيباً وشهادة ﴿رسول الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي كل من سواه عبده ﴿وخاتم النبيين﴾ أي: آخرهم الذي ختمهم لأن رسالته عامة ومعها إعجاز القرآن فلا حاجة مع ذلك إلى استنباء ولا إرسال، وذلك مفض لئلا يبلغ له ولد إذ لو بلغ له ولد، لاق بمنصبه أن يكون نبياً إكراماً له؛ لأنه أعلى النبيين رتبة وأعظمهم شرفاً، وليس لأحد من الأنبياء كرامة إلا وله مثلها وأعظم منها، ولو صار أحد من ولده رجلاً لكان نبياً بعد ظهور نبوته، وقد قضى الله تعالى أن لا يكون بعده نبي إكراماً له. روى أحمد وابن ماجة عن أنس وعن ابن عباس ﵄ أن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 1583

قال في ابنه إبراهيم ﵇: لو عاش لكان صديقاً نبياً وللبخاري نحوه عن البراء بن عازب. وللبخاري من حديث ابن أبي أوفى: «لو قضي أن يكون بعد محمد ﷺ نبي لعاش ابنه ولكن لا نبي بعده» وقال ابن عباس ﵁: يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابناً يكون من بعده نبياً. وروى عطاء عن ابن عباس ﵁: لما حكم أنه لا نبي بعده لم يعطه ولداً ذكراً يصير رجلاً. وقيل: من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم، إذ هو كالوالد لولد ليس له غيره، والحاصل أنه لا يأتي بعده نبي مطلقاً بشرع جديد ولا يتجدد بعده مطلقاً استنباء، وهذه الآية مثبتة لكونه خاتماً على أبلغ وجه وأعظمه، وذلك أنها في سياق الإنكار بأن يكون بينه وبين أحد من رجالهم بنوة حقيقية أو مجازية، ولو كانت بعده لأحد لم يكن ذلك إلا لولده، ولأن فائدة إثبات النبي تتميم شيء لم يأت به من قبله. وقد حصل به ﷺ التمام، فلم يبق بعد ذلك مرام: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وأما تجديد ما وهي مما أحدث بعض الفسقة فالعلماء كافون فيه لوجود ما خص به ﷺ من هذا القرآن المعجز الذي من سمعه فكأنما سمعه من الله ؛ لوقوع التحقق والقطع بأنه لا يقدر غيره أن يقول شيئاً منه، فمهما حصل ذهول عن ذلك قرره من يريد الله تعالى من العلماء فيعود الاستبصار، كما روي في بعض الآثار: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» وأما إتيان عيسى ﵇ بعد تجديد الهدى لجميع ما وهي من أركان المكارم فلأجل فتنة الدجال ثم طامة يأجوج ومأجوج ونحو ذلك مما لا يستقل بأعبائه غير نبي، وما أحسن قول حسان بن ثابت في مرثية لإبراهيم بن النبي ﷺ *مضى ابنك محمود العواقب لم يشب ... بعيب ولم يذمم بقول ولا فعل* *رأى أنه إن عاش ساواك في العلا ... فآثر أن تبقى وحيداً بلا مثل* وقال الغزالي في آخر كتابه الاقتصاد: إن الأمة فهمت من هذا اللفظ ومن قرائن أحواله ﷺ أنه أفهم عدم نبي بعده أبداً، وعدم رسول بعده أبداً، وأنه ليس فيه تأويل ولا تخصيص. وقال: إن من أوله بتخصيص النبيين بأولي العزم من الرسل ونحو هذا فكلامه من أنواع الهذيان لا يمنع الحكم بتكفيره؛ لأنه مكذب لهذا النص الذي أجمعت الأمة على أنه غير مؤول ولا مخصوص انتهى. وقد بان بهذا أن إتيان عيسى ﵇ غير قادح في هذا النص، فإنه من أمته ﷺ المقررين لشريعته، وهو قد كان نبياً قبله لم يستجد له شيء لم يكن، فلم يكن ذلك قادحاً في الختم. وهو مثبت لشرف نبينا ﷺ إذ لولاه لما وجد، وذلك أنه لم يكن لنبي من الأنبياء شرف إلا وله ﷺ مثله أو أعلى منه، وقد كانت الأنبياء تأتي مقررة لشريعة موسى ﵇ مجددة لها، فكان المقرر لشريعة نبينا ﷺ المتبع لملته من كان ناسخاً لشريعة موسى ﷺ وقرأ عاصم بفتح التاء والباقون بكسرها، فالفتح: اسم للآلة التي يختم بها كالطابع والقالب لما يطبع به ويقلب فيه، والكسر على أنه اسم فاعل. وقال بعضهم: هو بمعنى المفتوح يعني بمعنى آخرهم لأنه ختم النبيين فهو خاتمهم ﴿وكان الله﴾ أي: الذي له كل صفة كمال أزلاً وأبداً ﴿بكل شيء﴾ من

стр. 1584

ذلك وغيره ﴿عليماً﴾ فيعلم من يليق بالختم ومن يليق بالبدء. قال الأستاذ ولي الدين الملوي في كتابه حصن النفوس: في سؤال القبر واختصاصه ﷺ بالأحمدية والمحمدية علماً وصفه برهان على ختمه، إذ الحمد مقرون بانقضاء الأمور مشروع عنده ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحكم بنيانه، ترك منه موضع لبنة فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنائه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون بسواها، فكنت أنا موضع تلك اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل» وقال ﵊: «إن لي أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الله تعالى الناس على قدمي، وأنا العاقب» والعاقب الذي ليس بعده نبي. ولما كان ما أثبته لنفسه من إحاطة العلم مستلزماً للإحاطة بأوصاف الكمال قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: ادعوا ذلك بألسنتهم ﴿اذكروا الله﴾ الذي هو أعظم من كل شيء تصديقاً لدعواكم ذلك ﴿ذكراً كثيراً﴾ قال ابن عباس: لم يفرض الله تعالى على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإنه لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أهله في تركه إلا مغلوباً على عقله. وأمرهم به في الأحوال فقال تعالى: ﴿فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم﴾ (النساء: ١٠٣) وقال تعالى: ﴿اذكروا الله ذكراً كثيراً﴾ أي: بالليل والنهار والبر والبحر والصحة والسقم في السر والعلانية، وقال مجاهد: الذكر الكثير: أن لا ينساه أبداً، فيعم ذلك سائر الأوقات وسائر ما هو أهله من التقديس والتهليل والتمجيد. ﴿وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ أي: أول النهار وآخره خصوصاً، وتخصيصهما بالذكر للدلالة على فضلهما على سائر الأوقات؛ لكونهما مشهودين. كإفراد التسبيح من جملة الإذكار لأنه العمدة فيها، وقال البغوي: وسبحوه أي: صلوا له بكرة أي: صلاة الصبح، وأصيلا يعني صلاة العصر. وقال الكلبي: وأصيلا يعني صلاة الظهر والعصر والعشاءين وقال مجاهد: معناه قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فعبر بالتسبيح عن إخوانه، وقيل: المراد من قوله تعالى: ﴿ذكراً كثيراً﴾ هذه الكلمات يقولها الطاهر والجنب والمحدث. وعن أنس لما نزل قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ (الأحزاب: ٥٦) وقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله ما أنزل الله تعالى عليك خيراً إلا أشركنا فيه أنزل الله تعالى: ﴿هو الذي يصلي عليكم﴾ أي: يرحمكم ﴿وملائكته﴾ أي: يستغفرون لكم، فالصلاة من الله تعالى رحمة، ومن الملائكة استغفار للمؤمنين، فذكر صلاته تحريضاً للمؤمنين على الذكر والتسبيح. قال السدي: قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: أيصلي ربنا؟ فكبر هذا الكلام على موسى، فأوحى الله تعالى إليه قل لهم: إني أصلي، وإن صلاتي رحمتي وقد وسعت رحمتي كل شيء، وقيل: الصلاة من الله: هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده. وقيل: الثناء عليه. واستغفار الملائكة ودعاؤهم للمؤمنين ترحم عليهم، وهو سبب للرحمة من حيث أنهم مجابو الدعوة، فقد اشتركت الصلاتان، واللفظ المشترك يجوز استعماله في معنييه معاً، وكذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ جائز. قال الرازي: وينسب هذا القول للشافعي رحمه الله تعالى

стр. 1585

وهو غير بعيد، وذلك لأن الرحمة والاستغفار مشتركان في العناية بحال المرحوم والمستغفر له، والمراد: هو القدر المشترك فتكون الدلالة تضمنية. ولما كان فعل الملائكة منسوباً إليه قال تعالى: ﴿ليخرجكم﴾ أي: ليديم إخراجه إياكم بذلك ﴿من الظلمات﴾ أي: الكفر والمعصية ﴿إلى النور﴾ إلى الإيمان والطاعة، أو ليخرجكم من الجهل الموجب للضلال إلى العلم المثمر للهدى ﴿وكان﴾ أي: أزلاً وأبداً ﴿بالمؤمنين﴾ أي: الذين صار الإيمان وصفاً لهم ﴿رحيماً﴾ أي: بليغ الرحمة بتوفيقهم حيث اعتنى بصلاح أمرهم واستعمل في ذلك ملائكته المقربين فحملهم ذلك على الإخلاص في الطاعات فرفع لهم الدرجات في روضات الجنات. ﴿تحيتهم﴾ أي: المؤمنين ﴿يوم يلقونه﴾ أي: يرون الله تعالى ﴿سلام﴾ أي: يسلم الله تعالى عليهم ويسلمهم من جميع الآفات، وروي عن البراء بن عازب قال: ﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ يعني يلقون ملك الموت فلا يقبض روح مؤمن إلا يسلم عليه، وعن ابن مسعود قال: إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام، وقيل: تسلم عليهم الملائكة وتبشرهم حين يخرجون من قبورهم ﴿وأعد﴾ أي: والحال أنه أعد ﴿لهم﴾ أي: بعد السلامة الدائمة ﴿أجراً كريماً﴾ هو الجنة، وتقدم ذكر الكريم في الرزق، فإن قيل: الإعداد إنما يكون ممن لا يقدر عند الحاجة إلى الشيء عليه، وأما الله تعالى فغير محتاج ولا عاجز، فحيث يلقاه يؤتيه ما يرضى به وزيادة، فما معنى الإعداد من قبل؟ أجيب: بأن الإعداد للإكرام لا للحاجة. قال البيضاوي: ولعل اختلاف النظم لمحافظة الفواصل والمبالغة فيما هو أهم. ﴿يا أيها النبي﴾ أي: الذي نخبره بما لا يطلع عليه غيره ﴿إنا أرسلناك﴾ أي: بعظمتنا إلى سائر خلقنا ﴿شاهداً﴾ أي: عليهم بتصديقهم وتكذيبهم ونجاتهم وضلالتهم، وشاهداً للرسل بالتبليغ، وهو حال مقدرة أو مقارنة لقرب الزمان ﴿ومبشراً﴾ أي: لمن آمن بالجنة ﴿ونذيراً﴾ أي: لمن كذب بالنار. ﴿وداعياً إلى الله﴾ أي: إلى توحيده وطاعته، وقوله تعالى: ﴿بإذنه﴾ حال أي: متلبساً بتسهيله، ولا يريد حقيقة الإذن؛ لأنه مستفاد من أرسلناك ﴿وسراجاً﴾ أي: مثله في الاهتداء به يمد البصائر فيجلي ظلمات الجهل بالعلم للمبصر لمواقع الزلل كما يمد النور الحسي نور الإبصار ﴿منيراً﴾ أي: نيراً على من اتبعه فيصير في أعظم ضياء، ومن تخلف عنه كان في أشد ظلام. وعبر به دون الشمس مع أن الشمس أشد إضاءة من السراج؛ لأن نور الشمس لا يؤخذ منه شيء، والسراج يؤخذ منه أنوار كثيرة، إذا انطفأ الأول يبقى الذي أخذ منه، وكذلك إن غاب النبي ﷺ كان كل صحابي سراجاً يؤخذ منه نور الهداية كما قال ﷺ «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» . قال ابن عادل: وفي هذا الخبر لطيفة: وهي أن النبي ﷺ لم يجعل أصحابه كالسرج وجعلهم كالنجوم، لأن النجم لا يؤخذ منه نور بل له في نفسه نور إذا غرب لا يبقى نور يستفاد منه، فكذلك الصحابي إذا مات فالتابعي يستنير بنور النبي ﷺ فلا يؤخذ إلا قول النبي ﷺ وفعله، فأنوار المجتهدين كلهم من النبي ﷺ ولو جعلهم كالسرج والنبي ﷺ كان سراجاً كان للمجتهد أن يستنير بمن أراد منهم ويأخذ النور ممن اختار وليس كذلك، فإن مع نص النبي ﷺ لا يعمل بقول الصحابي، بل يؤخذ

стр. 1586

النور من النبي ﷺ ولا يؤخذ من الصحابي فلم يجعله سراجاً. تنبيه: جوز الفراء أن يكون الأصل وتالياً سراجاً، ويعني بالسراج: القرآن، وعلى هذا فيكون من عطف الصفات وهي الذات واحدة؛ لأن التالي هو المرسل. وقوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾ عطف على محذوف، مثل فراقب أحوال أمتك. ولم يقل أنذر المعرضين إشارة للكرم. وقوله تعالى: ﴿بأن لهم من الله فضلاً كبيراً﴾ كقوله تعالى ﴿أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً﴾ (الأحزاب: ٣٥) والعظيم والكبير متقاربان. ولما أمره بما يسر نهاه عما يضر بقوله تعالى: ﴿ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ أي: لا تترك إبلاغ شيء مما أنزلت إليك من الإنذار وغيره كراهة لشيء من مقالهم وأفعالهم في أمر زينب وغيرها، فإنك نذير لهم، وزاد على ما في أول السورة محط الفائدة في قوله مصرحاً بما اقتضاه ما قبله ﴿ودع﴾ أي: اترك على حالة حسنة لك وأمر جميل بك ﴿أذاهم﴾ فلا تحسب له حساباً أصلاً، واصبر عليه فإن الله تعالى دافع عنك لأنك داع بإذنه ﴿وتوكل على الله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿وكفى بالله﴾ أي: الذي له الإحاطة الكاملة ﴿وكيلاً﴾ أي: حافظاً. قال البغوي: وهذا منسوخ بآية القتال. ولما بدأ الله تعالى بتأديب النبي ﷺ بذكر ما يتعلق بجانب الله تعالى بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ وثنى بما يتعلق بجانب من هو تحت يده من أزواجه الشريفات بقوله تعالى: بعده: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ وثلث بما يتعلق بذكر العامة بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً﴾ وكان تعالى كلما ذكر لنبيه مكرمة وعلمه أدباً ذكر للمؤمنين ما يناسبه، فلذلك بدأ في إرشاد المؤمنين بجانب الله تعالى فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً﴾ ثم ثنى بما يتعلق بجانب من تحت أيديهم بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات﴾ أي: عقدتم على الموصوفات بهذا الوصف الشريف المقتضى لغاية الرغبة فيهن، وأتم الوصلة بينكم وبينهن ثم كما ثلث في تأديب النبي ﷺ بجانب الأمة ثلث في حق المؤمنين بما يتعلق بهم فقال بعد هذا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي﴾ (الأحزاب: ٥٣) ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ (الأحزاب: ٥٦) فإن قيل: إذا كان هذا إرشاداً بما يتعلق بجانب منه ومن خواص المرأة فلم خص المطلقات اللاتي طلقن قبل المسيس بقوله تعالى: ﴿ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ أي: تجامعوهن، أطلق المس على الجماع؛ لأنه طريق له كما سمى الخمر إثماً؛ لأنها سببه؟ أجيب: بأن هذا إرشاد إلى أعلى درجات المكرمات ليعلم منها ما دونها.l وبيانه: أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس لم يحصل بينهما تأكيد العهد، ولهذا قال تعالى في حق الممسوسة: ﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً﴾ (النساء: ٢١) فإذا أمر الله تعالى بالتمتع والإحسان مع من لا مودة بينه وبينها فما ظنك بما حصلت المودة بالنسبة إليها بالإفضاء، أو حصل تأكدها بحصول الولد بينهما، وهذا كقوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ (الإسراء: ٢٣) ولو قال: لا تضر بهما ولا تشتمهما ظن أنه حرام لمعنى يختص بالضرب أو الشتم لهما، فأما إذا قال: ﴿لا تقل لهما أف﴾ لعلم منه معان كثيرة فكذلك ههنا أمر بالإحسان مع من لا مودة معها، فعلم منه الإحسان إلى الممسوسة، ومن لم تطلق بعد، ومن ولدت عنده منه، وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء وألف بعد الميم، والباقون بفتح

стр. 1587

التاء ولا ألف بعد الميم. ولما كانت العدة حقاً للرجال وإن كانت لا تسقط بإسقاطهم لما فيها من حق الله تعالى قال تعالى: ﴿فما لكم عليهن من عدة﴾ أي: أياماً يتربصن فيها بأنفسهن ﴿تعتدونها﴾ أي: تحصونها وتستوفونها بالإقراء وغيرها، فتعتدونها صفة لعدة، وتعتدونها إما من العدد، وإما من الاعتداد، أو تحسبونها أو تستوفون عددها من قولك: عد الدراهم فاعتدها أي: استوفى عددها نحو: كلته فاكتال ووزنته فاتزن، فإن قيل: ما الفائدة في الاتيان بثم وحكم من طلقت على الفور بعد العقد كذلك؟ أجيب: بأن ذلك إزاحة لما قد يتوهم أن تراخي الطلاق ريثما تمكن الإصابة كما يؤثر في النسب فيؤثر في العدة، وظاهره يقتضي عدم وجود العدة بمجرد الخلوة، وتخصيص المؤمنات والحكم عام للتنبيه على أن شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيراً لنطفة المؤمن، وفي هذه الآية دليل على أن تعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح؛ لأن الله تعالى رتب الطلاق بكلمة ثم وهي للتراخي حتى لو قال لأجنبية: إذا نكحتك فأنت طالق، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق فنكح لا يقع الطلاق. وهو قول علي وابن مسعود وجابر ومعاذ وعائشة رضي الله تعالى عنهم، وبه قال أهل العلم: منهم الشافعي وأحمد رضي الله تعالى عنهما. وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: يقع الطلاق، وهو قول إبراهيم النخعي وأصحاب الرأي: وقال ربيعة ومالك والأوزاعي: إن عيّن امرأة يقع وإن عمم فلا يقع. وروى عكرمة عن ابن عباس ﵁ أنه قال: كذبوا على ابن مسعود ﵁، إن كان قالها فزلة من عالم في الرجل يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق، يقول الله تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ ولم يقل إذا طلقتموهن ثم نكحتموهن. وروى عطاء عن جابر: لا طلاق قبل النكاح وقوله تعالى: ﴿فمتعوهن﴾ أي: أعطوهن ما يستمتعن به محله كما قال ابن عباس ﵁: إذا لم يكن سمى لها صداقاً وإلا فلها نصف الصداق ولا متعة لها، وقال قتادة: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ (البقرة: ٢٣٧) أي: فلا متعة لها مع وجوب نصف الفرض. واختلف في المتعة هل هي واجبة، أو مندوبة؟ وهي عندنا: واجبة بشروط وقد تقدم، والكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿فتعالين أمتعكن﴾ وعند بعض الأئمة أنها مندوبة، وقال بعضهم: هي مندوبة عند استحقاقها نصف المهر، واجبة عند عدمه، وذهب بعضهم إلى أنها تستحق المتعة بكل حال لظاهر الآية ﴿وسرحوهن سراحاً جميلاً﴾ أي: خلوا سبيلهن بالمعروف من غير ضرار، وليس لكم عليهن عدة، وقيل: السراح الجميل أن لا يطالب بما دفعه إليها بأن يخلي لها جميع المهر وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ أي: مهورهن؛ لأن المهر أجر على البضع بيان لإيثار الأفضل له لا لتوقف الحل عليه، وليفيد إحلال المملوكة بكونها مسببة بقوله تعالى: ﴿وما ملكت يمينك مما أفاء الله﴾ أي: الذي له الأمر كله ﴿عليك﴾ مثل صفية بنت حيي النضيرية، وريحانة القرظية، وجويرية بنت الحارث الخزاعية، مما كن في أيدي الكفار، وتقييد الأقارب بكونهن مهاجرات معه في قوله تعالى ﴿وبنات عمك﴾ أي: الشقيق وغيره ﴿وبنات عماتك﴾ أي: نساء قريش، ولما بدأ بالعمومة لشرفها أتبعها قوله تعالى: ﴿وبنات خالك﴾ جارياً

стр. 1588

في الإفراد والجمع على ذلك النحو ﴿وبنات خالاتك﴾ من نساء بني زهرة، وقال البقاعي: ويمكن في ذلك احتباك عجيب وهو بنات عمك، وبنات أعمامك، وبنات عماتك، وبنات عمتك، وبنات خالك، وبنات أخوالك، وبنات خالتك انتهى. وقوله تعالى: ﴿اللاتي هاجرن معك﴾ يحتمل تقييد الحل بذلك في حقه خاصة. ويعضده ما روى الترمذي والحاكم عن أم هانئ بنت أبي طالب أنها قالت في خطبة رسول الله ﷺ «فاعتذرت إليه فعذرني ثم أنزل الله تعالى ﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾ الآية فلم أكن لأحل له لأني لم أهاجر، كنت من الطلقاء أي: الأسراء الذين أطلقوا من الأسر، وخلى سبيلهم» قال ابن عادل: ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل انتهى. ثم إن الله تعالى ذكر ما خص به نبيه ﷺ بقوله تعالى: ﴿وامرأة﴾ أي: حرة ﴿مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي﴾ أي: الذي أعلينا قدره بما خصصناه به ﴿أي: يستنكحها﴾ أي: يوجد نكاحه لها بجعلها من منكوحاته فتصير له بمجرد ذلك بلا مهر ولا ولي ولا شهود، وخرج بالمؤمنة الكتابية فلا تحل له؛ لأنها تكره صحبته، ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة ولقوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ (الأحزاب: ٦) ولا يجوز أن تكون المشركة أم المؤمنين، ولخبر: «سألت ربي أن لا أزوج إلا من كان معي في الجنة فأعطاني» رواه الحاكم وصحح إسناده، وأما التسري بالكتابية فلا يحرم عليه، قال الماوردي: لأنه ﷺ تسرى بريحانة وكانت يهودية من بني قريظة» ، واستشكل بهذا تعليلهم السابق بأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة، وأجيب: بأن القصد بالنكاح أصالة التوالد فاحتيط له، وبأنه يلزم فيه أن تكون الزوجة المشركة أم المؤمنين بخلاف الملك فيها، وخرج بالحرة الرقيقة وإن كانت مؤمنة لأن نكاحها معتبر بخوف العنت وهو معصوم، وبفقدان مهر حرة، ونكاحه غني عن المهر ابتداءً وانتهاءً، وبرِقِّ الولد ومنصبه ﷺ منزه عنه. تنبيه: في نصب امرأة وجهان: أحدهما: أنه عطف على مفعول أحللنا أي: وأحللنا لك امرأة موصوفة بهذين الشرطين. قال أبو البقاء: وقد رد هذا قوم وقالوا: أحللنا ماض، وإن وهبت وهو صفة المرأة مستقبل، فأحللنا في موضع جوابه، وجواب الشرط لا يكون ماضياً في المعنى، قال: وهذا ليس بصحيح لأن معنى الإحلال ههنا: الإعلام بالحل إذا وقع الفعل على ذلك كما تقول: أبحت لك أن تكلم فلاناً إن سلم عليك. والثاني: أنه نصب بمقدر تقديره ونحل لك امرأة، وفي قول الله تعالى: ﴿إن وهبت﴾ إن أراد اعتراض الشرط على الشرط، والثاني: هو قيد في الأول ولذلك تعربه حالاً؛ لأن الحال قيد، ولهذا اشترط الفقهاء أن يتقدم الثاني على الأول في الوجود، فلو قال لزوجته: إن أكلت إن ركبت فأنت طالق فلا بُدَّ أن يتقدم الركوب على الأكل وهذا لتحقيق الحالية والتقييد كما ذكر، إذ لو لم يتقدم لخلا جزء من الأكل غير مقيد بركوب، فلهذا اشترط تقدم الثاني، ولكن يشترط أن لا يكون ثم قرينة تمنع من تقدم الثاني على الأول كقوله لامرأة: إن تزوجتك إن طلقتك فعبدي حر لا يتصور هنا تقدم الطلاق على التزوج، قال بعض المفسرين: وقد عرض لي إشكال على ما قاله الفقهاء بهذه الآية وذلك أن الشرط الثاني ههنا لا يمكن تقدمه في الوجود بالنسبة إلى الحكم بالنبي ﷺ لا أنه لا يمكن عقلاً، وذلك أن المفسرين

стр. 1589

فسروا قوله تعالى: ﴿إن أراد﴾ بمعنى قبل الهبة لأن بالقبول منه ﷺ يتم نكاحه وهذا لا يتصور تقدمه على الهبة؛ إذ القبول متأخر، فإن العصمة كانت في تأخر إرادته عن هبتها، ولما جاء أبو حيان إلى هنا جعل الشرط الثاني مقدماً على الأول على القاعدة العامة، ولم يستشكل شيئاً مما ذكر. قال ذلك البعض. وقد عرضت هذا الإشكال على جماعة من أعيان زماننا فاعترفوا به ولم يظهر عنه جواب إلا ما قدمته من أنه ثم قرينة مانعة من ذلك كما مثلته آنفاً. ولما كان ربما فهم أن غير النبي ﷺ يشاركه في هذا المعنى قال الله منبهاً للخصوصية: ﴿خالصة لك﴾ وزاد المعنى بياناً بقوله تعالى: ﴿من دون المؤمنين﴾ أي: من الأنبياء وغيرهم. تنبيهات: الأول في إعراب خالصة وفيه أوجه: أحدها: أنه منصوب على الحال من فاعل وهبت أي: حالة كونها خالصة لك دون غيرك. ثانيها: أنه نعت مصدرٍ مقدّر أي: هبة خالصة فنصبه بوهبت. ثالثها: أنه حال من امرأة؛ لأنها وصفت فتخصصت، وهو بمعنى الأول، وإليه ذهب الزجاج، وقيل غير ذلك. والمعنى: أنا أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك بغير صداق. التنبيه الثاني: في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة وفيه خلاف: فقال سعيد بن المسيب والزهري ومجاهد وعطاء: لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج، وبه قال مالك وربيعة والشافعي. ومعنى الآية: أن إباحة الوطء بالهبة وحصول التزويج بلفظها من خواصه ﷺ وقال النخعي وأبو حنيفة وأهل الكوفة: ينعقد بلفظ الهبة والتمليك. وأن معنى الآية: أن تلك المرأة صارت خالصة لك زوجة من أمهات المؤمنين لا تحل لغيرك أبداً بالتزويج، وأجيب: بأن هذا التخصيص بالواهبة لا فائدة فيه، فإن أزواجه ﷺ كلهن خالصات له، وما مر فللتخصيص فائدة. التنبيه الثالث: في التي وهبت نفسها للنبي ﷺ هل كانت عنده امرأة منهن؟ فقال عبد الله بن عباس ومجاهد: لم يكن عند النبي ﷺ امرأة وهبت نفسها منه، ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين وقوله تعالى ﴿وهبت نفسها﴾ على طريق الشرط والجزاء، وقال غيرهما: بل كانت موهوبة وهو ظاهر الآية، واختلفوا فيها: فقال الشعبي: هي زينب بنت خزيمة الهلالية يقال لها: أم لمساكين، وقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث، وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل: هي أم شريك بنت جابر من بني أسد، وقال عروة بن الزبير: هي خولة بنت حكيم من بني سليم. التنبيه الرابع: في ذكر شيء من خصائصه ﷺ وقد ذكرت منها أشياء كثيرة ينشرح الصدر بها في شرح التنبيه فلا أطيل بذكرها هنا، ولكن أذكر منها طرفاً يسيراً تبركاً ببركة صاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام، فإن ذكرها مستحب. قال النووي في روضته: ولا يبعد القول بوجوبها لئلا يرى الجاهل بعض الخصائص في الخبر الصحيح فيعمل به أخذاً بأصل التأسي، فوجب بيانها لتعرف وهي أربعة أنواع: أحدها الواجبات وهي أشياء كثيرة: منها الضحى، والوتر، والأضحية، وفي الحديث ما يدل على أن الواجب أقل الضحى، وقياسه أن الوتر كذلك. ومنها السواك لكل صلاة، والمشاورة لذوي الأحلام في الأمر، وتخيير نسائه بين مفارقته طلباً للدنيا واختياره طلباً للآخرة، ولا يشترط الجواب له منهن

стр. 1590

فوراً، فلو اختارته واحدة لم يحرم عليه طلاقها أو كرهته توقفت الفرقة على الطلاق، وليس قولها: اخترت نفسي بطلاق كما مرت الإشارة إليه، وله تزوجها بعد الفراق. النوع الثاني: المحرمات: وهي أشياء كثيرة منها الزكاة والصدقة وتعلم الخط والشعر ومد العين إلى متاع الدنيا. وخائنة الأعين وهي: الإيماء بما يظهر خلافه دون الخديعة في الحرب، وإمساك من كرهت نكاحه. ومنها نكاح كتابية لا للتسري بها كما مر، ولا يحرم عليه أكل الثوم ونحوه ولا الأكل متكئاً. النوع الثالث: التخفيفات والمباحات: وهي كثيرة جداً منها: تزويج من شاء من النساء لمن شاء ولو لنفسه بغير إذن من المرأة ووليها متولياً للطرفين، وزوجه الله تعالى، وأبيح له الوصال ونصفي المغنم. ويحكم ويشهد لولده ولو لنفسه، وأبيح له نكاح تسع، وقد تزوج ﷺ بضع عشرة ومات عن تسع، قال الأئمة: وكثرة الزوجات في حقه ﷺ للتوسعة في تبليغ الأحكام عنه الواقعة سراً مما لا يطلع عليه الرجال، ونقل محاسنه الباطنة فإنه ﷺ تكمل له الظاهر والباطن، وحرم عليه الزيادة عليهن، ثم نسخ وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. وينعقد نكاحه محرماً وبلفظ الهبة إيجاباً لا قبولاً، بل يجب لفظ النكاح أو التزويج لظاهر قوله تعالى: ﴿إن أراد النبي أن يستنكحها﴾ ولا مهر للواهبة له وإن دخل بها، وتجب إجابته على امرأة رغب فيها، ويجب على زوجها طلاقها لينكحها. النوع الرابع: الفضائل: وهي كثيرة لا تدخل تحت الحصر منها: تحريم منكوحاته على غيره سواء كن موطوآت أم لا، مطلقات باختيارهن أم لا، وتحريم سراريه وهن إماؤه الموطوآت بخلاف غير الموطوآت، وتقدم أن نساءه أمهات المؤمنين لا المؤمنات بخلافه ﷺ فإنه أبو الرجال والنساء، وتقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ (الأحزاب: ٤٠) وإن ثوابهن وعقابهن مضاعف. ومنها أنه يحرم سؤالهن إلا من وراء حجاب، وأفضلهن خديجة ثم عائشة، وأفضل نساء العالمين مريم بنت عمران إذ قيل بنبوتها، ثم فاطمة بنت رسول الله ﷺ ثم خديجة، ثم عائشة، ثم آسية امرأة فرعون، وأما خبر الطبراني: خير نساء العالمين مريم بنت عمران، ثم خديجة بنت خويلد، ثم فاطمة بنت محمد ﷺ ثم آسية امرأة فرعون فأجيب عنه: بأن خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة لا باعتبار السيادة، وتقدم أنه ﷺ خاتم النبيين. ومنها: أنه أول النبيين خلقاً وأفضل الخلق على الإطلاق، وخص بتقديم نبوته فكان نبياً وآدم منجدل في طينته، وبتقديم أخذ الميثاق عليه، وبأنه أول من قال: بلى وقت ﴿ألست بربكم﴾ وبخلق آدم وجميع المخلوقات من أجله، وبكتابة اسمه الشريف على العرش والسماوات والجنات وسائر ما في الملكوت، وبشق صدره الشريف، وبجعل خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه، وبحراسة السماء من استراق السمع والرمي بالشهب، وبإحياء أبويه حتى آمنا به، وبأنه أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأول من يقرع باب الجنة، وأول شافع وأول مشفع، وأكرم بالشفاعات الخمس يوم القيامة: أولها: العظمى في الفصل بين أهل الموقف حين يفزعون إليه بعد الأنبياء. الثانية: في إدخال خلق الجنة بغير حساب جعلنا الله وأحبابنا منهم. الثالثة: في ناس استحقوا

стр. 1591

دخول النار فلا يدخلونها. الرابعة: في ناس دخلوا النار فيخرجون منها. الخامسة: في رفع درجات ناس في الجنة وكلها ثبتت بالأخبار، وخص منها بالعظمى ودخول خلق من أمته الجنة بغير حساب وهي الثانية. قال النووي في روضته: ويجوز أن يكون خص بالثالثة والخامسة أيضاً، ونصر بالرعب مسيرة شهر، وجعلت له الأرض مسجداً وترابها طهوراً، وأحلت له الغنائم، وأرسل إلى الكافة ورسالة غيره خاصة، وأما عموم رسالة نوح ﵇ بعد الطوفان فلانحصار الباقين فيمن كان معه في السفينة وهو أكثر الأنبياء أتباعاً، وأمته خير الأمم وأفضلها أصحابه، وأفضلهم الخلفاء الأربعة على ترتيبهم في الخلافة، ثم باقي العشرة. وهي معصومة لا تجتمع على ضلالة، وصفوفهم كصفوف الملائكة، ولها فضائل كثيرة على سائر الأمم. منها: أنها أول من يدخل الجنة بعد الأنبياء ﵈. ومنها: وضع الإصر، وليلة القدر والجمعة ورمضان على أحد قولين، ونظر الله تعالى إليهم ومغفرته لهم أول ليلة منه، وطيب خلوف فم صائمه عنده تعالى، واستغفار الملائكة ﵈ في ليله ونهاره، وأمر الله تعالى الجنة أن تتزين لهم، وردِّ صدقاتهم إلى فقرائهم، والغرة والتحجيل من أثر الوضوء، وسلسلة الإسناد والحفظ عن ظهر قلب، وأخذ العلم عن الأحداث والمشايخ. وكتابه ﷺ معجز محفوظ من التغيير والتبديل، وأقيم بعده حجة على الناس، ومعجزات سائر الأنبياء انقرضت، وشريعته مؤبدة ناسخة لغيرها من الشرائع، وتطوعه قاعداً كقائم، ويحرم رفع الصوت فوق صوته، قال القرطبي: وكره بعضهم رفعه عند قبره ﷺ ولا تبطل صلاة من خاطبه بالسلام، وتجب إجابته في الصلاة ولو بالفعل ولا تبطل، ويحرم نداؤه من وراء الحجرات، ويحرم نداؤه باسمه كيا محمد ﷺ لا بكنيته كيا أبا القاسم، ويحرم التكني بكنيته مطلقاً. وقيل: مختص بزمنه. وقيل على من اسمه محمد، وكان يتبرك ويستشفى ببوله ودمه وفضلاته النازلة من الدبر لا ترى بخلافها من القبل. والذي صوبه بعض المتأخرين طهارتها وهو الصواب، وأولاد بناته ينسبون إليه. وأعطي جوامع الكلم. وكان يؤخذ عن الدنيا عند تلقي الوحي ولا يسقط عنه التكليف، ورؤيته في النوم حق، ولا يعمل بها فيما يتعلق بالأحكام لعدم ضبط النائم، والكذب عمداً عليه كبيرة، ولا يجوز الجنون على الأنبياء ولا الاحتلام ولا تأكل الأرض لحومهم. وفي هذا القدر كفاية. ومن أراد الزيادة على ذلك فعليه بكتب الخصائص، فإن العلماء قد صنفوا في ذلك تصانيف، وأنا أسأل الله تعالى من فضله وكرمه أن يشفعه فينا ويدخلنا معه الجنة، ويفعل ذلك بأهلينا ومشايخنا وإخواننا ومحبينا ولا يحرمنا زيارته ولا رؤيته قبل الممات. ولما كان التخصيص لا يصح ولا يتصور إلا من محيط العلم بأن هذا الأمر ما كان لغير المخصوص تام القدرة لمنع غيره من ذلك قال تعالى: ﴿قد﴾ أي: أخبرناك بأن هذا أمر يخصك غيرهم لا ناقد ﴿علمنا ما فرضنا﴾ أي: قدرنا بعظمتنا ﴿عليهم﴾ أي: على المؤمنين ﴿في أزواجهم﴾ أي: من شرائط العقد، وأنهم لا تحل لهم امرأة بلفظ الهبة منها، ولا بدون مهر ولا بدون ولي وشهود، وهذا عام لجميع المؤمنين المتقدمين والمتأخرين ﴿و﴾ في ﴿ما ملكت أيمانهم﴾ من الإماء بشراء وغيره بأن تكون الأمة ممن تحل لمالكها كالكتابية بخلاف المجوسية والوثنية، وأن تستبرأ قبل الوطء، وقيل:

стр. 1592

المراد أن أحداً غيرك لا يملك رقبة بهبتها لنفسها منه فيكون أحق من سيدها. ولما فرغ من تعليل الدونية علل التخصيص لفاً ونشراً مشوشاً بقوله تعالى: ﴿لكي لا يكون عليك حرج﴾ أي: ضيق في شيء من أمر النساء حيث أحللنا لك أنواع المنكوحات وزدناك الواهبة، فلكيلا متعلق بخالصة وما بينهما اعتراض، ومن دون متعلق بخالصة كما تقول خلص من كذا ﴿وكان الله﴾ أي: المتصف بصفات الكمال أزلاً وأبداً ﴿غفوراً رحيماً﴾ أي: بليغ الستر على عباده. ولما ذكر تعالى ما فرض في الأزواج والإماء الشامل للعدل في عشرتهن وكان ﷺ أعدل الناس فيهما وأشدهم لله خشية، وكان يعدل بينهن ويعتذر مع ذلك عن ميل القلب الذي هو خارج عن طوق البشر بقوله: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك» خفف عنه بقوله: ﴿ترجي﴾ أي: تؤخر وتترك مصاحبتها ﴿من تشاء منهن وتؤوي﴾ أي: تضم ﴿إليك من تشاء﴾ وتضاجعها، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بياء ساكنة بعد الجيم من الإرجاء أي: تؤخرها مع أفعال تكون بها راجية لعطفك، والباقون بهمزة مضمومة وهو مطلق التأخير ﴿ومن ابتغيت﴾ أي: طلبت ﴿ممن عزلت﴾ أي: من القسمة ﴿فلا جناج عليك﴾ أي: في وطئها وضمها إليك. تنبيه: اختلف المفسرون في معنى هذه الآية: فأشهر الأقوال أنها في القسم بينهن، وذلك أن التسوية بينهن في القسم كانت واجبة عليه، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار إليه فيهن. وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية حين غار بعض أمهات المؤمنين على النبي ﷺ وطلب بعضهن زيادة في النفقة فهجرهن النبي ﷺ شهراً حتى نزلت آية التخيير، فأمره الله أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة وأن يخلي سبيل من اختارت الدنيا، ويمسك من اختارت الله ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين، وأن لا ينكحن أبداً، وعلى أن يؤوي إليه من يشاء ويرجي من يشاء فيرضين، قسم لهن أو لم يقسم قسم، لبعضهن دون بعض، أو فضل بعضهن في النفقة والقسمة فيكون الأمر في ذلك إليه يفعل كيف يشاء، وكان ذلك من خصائصه فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط، وذلك؛ لأن النبي ﷺ بالنسبة إلى أمته نسبة السيد المطاع. والرجل وإن لم يكن نبياً فالزوجة في ملك نكاحه، والنكاح عليها رق، فكيف زوجات النبي ﷺ بالنسبة إليه، فإذا هن كالمملوكات له ولا يجب لقسم بين المملوكات. واختلفوا هل أخرج أحداً منهن عن القسم؟ فقال بعضهم: لم يخرج أحداً منهن عن القسم بل: «كان رسول الله ﷺ مع ما جعل الله له من ذلك يسوى بينهن في القسم، إلا سودة فإنها رضيت بترك حقها من القسم، وجعلت يومها لعائشة» وقيل: أخرج بعضهن. روى جرير عن منصور عن أبي رزين قال: لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقهن فقلن يا رسول الله: اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا فنزلت هذه الآية فأرجأ رسول الله ﷺ بعضهن، وآوى إليه بعضهن، فكان ممن أوى: عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة، وكان يقسم بينهن سواء، وأرجأ منهن خمساً: أم حبيبة وميمونة وسودة وصفية وجويرية، فكان لا يقسم لهن ما شاء، وقال مجاهد: ﴿ترجي من تشاء منهن﴾ أي: تعزل من تشاء منهن بغير طلاق، وترد

стр. 1593

إليك من تشاء بعد العزل بلا تجديد عقد، وقال ابن عباس: تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء. وقال الحسن: تترك نكاح من شئت من نساء أمتك. قال: وكان النبي ﷺ إذا خطب امرأة لم يكن لغيره خطبتها حتى يتركها رسول الله ﷺ وقيل: تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك وتترك من تشاء فلا تقبلها، وروى هشام عن أبيه قال: «كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ فقالت عائشة: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت ترجي من تشاء منهن قلت: يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك» ﴿ذلك﴾ أي: التفويض إلى مشيئتك ﴿أدنى﴾ أي: أقرب ﴿أن﴾ أي: إلى أن ﴿تقر أعينهن﴾ أي: بما حصل لهن من عشرتك الكريمة، وهو كناية عن السرور والطمأنينة ببلوغ المراد؛ لأن من كان كذلك كانت عينه قارة، ومن كان مهموماً كانت عينه كثيرة التقلب، هذا إذا كان من القرار بمعنى السكون. ويجوز أن يكون من القر الذي هو ضد الحر؛ لأن المسرور تكون عينه باردة، والمهموم تكون عينه حارة، فذلك يقال للصديق: أقر الله تعالى عينك. وللعدو: سخن الله عينك ﴿ولا يحزن﴾ أي: بالفراق وغيره مما يحزن من ذلك ﴿ويرضين﴾ لعلمهن أن ذلك من الله تعالى ﴿بما أتيتهن﴾ أي: من الأجور ونحوها من نفقة وقسم وإيثار وغيرها. ثم أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿كلهن﴾ أي: ليس منهن واحدة لا هي كذلك؛ لأن حكم كلهن فيه سواء، إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلاً منك، وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله تعالى فتطمئن نفوسهن، وزاد ذلك تأكيداً لما لذلك من الغرابة بقوله تعالى: ﴿والله﴾ أي: بما له من الإحاطة بصفات الكمال ﴿يعلم ما في قلوبكم﴾ أي: الخلائق كلهم، فلا يدع أن يعلم ما في قلوب هؤلاء ﴿وكان الله﴾ أي: أزلاً وأبداً ﴿عليماً﴾ أي: بكل شيء من يطيعه ومن يعصيه ﴿حليماً﴾ لا يعاجل من عصاه بل يديم إحسانه إليه في الدنيا، فيجب أن يتقي لعلمه وحلمه، فعلمه موجب للخوف منه وحلمه مقتضٍ للاستحياء منه، وأخذ الحليم شديدٌ، فينبغي لعبده المحب له أن يحلم عمن يعلم تقصيره في حقه، فإنه سبحانه يأجره على ذلك بأن يحلم عنه فيما علمه منه، ويرفع قدره ويعلي ذكره. وروى البخاري في التفسير عن معاذ عن عائشة أن رسول الله ﷺ «كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية ﴿ترجي من تشاء﴾ الآية قلت لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له: إن كان ذاك إليَّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحداً» . ولما أمره الله تعالى بالتخيير وخيرهن واخترن الله ورسوله زاد الله تعالى سرورهن بقوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ أي: بعد من معك من هؤلاء التسع اللاتي اخترنك شكراً من الله لهن؛ لكونهن لما نزلت آية التخيير اخترن الله ورسوله فحرم عليه النساء سواهن، ونهاه عن تطليقهن وعن الاستبدال بهن بقوله تعالى: ﴿ولا أن تبدل بهن﴾ أي: هؤلاء التسع، وأعرق في النفي بقوله تعالى: ﴿من﴾ أي: شيئاً من ﴿أزواج﴾ أي: بأن تطلقهن أي: هؤلاء المعينات أو بعضهن وتأخذ بدلها من غيرهن ﴿ولو أعجبك حسنهن﴾ أي: النساء المغايرات لمن معك. قال ابن عباس: يعني أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، فلما استشهد أراد رسول الله ﷺ أن

стр. 1594

يخطبها فنُهي عن ذلك، وقرأ أبو عمرو لا تحل لك بالتاء الفوقية والباقون بالياء التحتية، وشدد البزي التاء من أن تبذل. تنبيه: في الآية دليل على إباحة النظر إلى من يريد نكاحها لكن من غير العورة في الصلاة، فينظر الرجل من الحرة الوجه والكفين، ومن الأمة ما عدا ما بين السرة والركبة، واحتج لذلك بقوله ﷺ للمغيرة وقد خطب امرأة: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما أن تدوم المودة والإلفة» رواه الحاكم وصححه. وقوله تعالى: ﴿إلا ما ملكت يمينك﴾ استثناء من النساء؛ لأنه يتناول الأزواج والإماء أي: فتحل لك، وقد ملك بعدهن مارية وولدت له إبراهيم ومات، واختلفوا هل أبيح له النساء من بعد؟ قالت عائشة: «ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء» أي: فنسخ ذلك، وأبيح له أن ينكح أكثر منهن بآية ﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾ ، فإن قيل: هذه الآية متقدمة وشرط الناسخ أن يكون متأخراً؟ أجيب: بأنها مؤخرة في النزول مقدمة في التلاوة، وهذا أصح الأقوال. وقال أنس: مات على التحريم، وقال عكرمة والضحاك: معنى الآية لا تحل لك النساء بعد التي أحللنا لك بالصفة التي تقدم ذكرها، وقيل لأبي بن كعب: لو مات نساء النبي ﷺ أكان يحل له أن يتزوج فقال: وما يمنعه من ذلك قيل: قوله تعالى: ﴿لا تحل لك النساء من بعد﴾ قال: إنما أحل الله تعالى له ضرباً من النساء فقال: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك﴾ (الأحزاب: ٥٠) ثم قال ﴿لا تحل لك النساء من بعد﴾ قال أبو صالح: أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا غريبة ويتزوج من نساء قومه من بنات العم والعمة، والخال والخالة إن شاء ثلثمائة وقال مجاهد: معناه لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات بعد المسلمات ولا أن تبدل بهن، يقول: ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من اليهود والنصارى. وقال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم يقول الرجل للرجل: بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتي تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي فأنزل الله تعالى: ﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ يعني: تبادل بأزواجك غيرك بأن تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته إلا ما ملكت يمينك فلا بأس أن تبادل بجاريتك من شئت، فأما الحرائر فلا. روى عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: دخل عيينة بن حصن على النبي ﷺ بغير إذن ومعه عائشة فقال له النبي ﷺ «يا عيينة أين الاستئذان قال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر مذ أدركت، ثم قال: من هذه الحميرة إلى جنبك فقال: هذه عائشة أم المؤمنين، فقال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق، فقال رسول الله ﷺ إن الله قد حرم ذلك، فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ قال: هذا أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه» . ولما أمر تعالى في هذه الآيات بأشياء ونهى عن أشياء، وحد حدوداً حذر من التهاون بشيء منها ولو بنوع تأويل بقوله تعالى: ﴿وكان الله﴾ أي: الذي لا شيء أعظم منه وهو المحيط بجميع صفات الكمال ﴿على كل شيء رقيباً﴾ أي: حافظاً عالماً بكل شيء قادراً عليه فتحفظوا أمركم ولا تتخطوا ما حد لكم وهذا من أشد الأشياء وعيداً. ولما ذكر حالة النبي ﷺ مع أمته في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً﴾ (الأحزاب: ٤٥) ذكر حالهم معه من الاحترام له ﷺ بقوله

стр. 1595

تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: ادعوا الإيمان صدقوا دعواكم فيه بأن ﴿لا تدخلوا بيوت النبي﴾ أي: الذي تأتيه الأنباء من علام الغيوب مما فيه رفعته في حال من الأحوال أصلاً ﴿إلا﴾ في حال ﴿أن يؤذن لكم﴾ أي: ممن له الإذن في بيوته ﷺ منه، أو ممن يأذن له في الدخول بالدعاء ﴿إلى طعام﴾ أي: أكله حال كونكم ﴿غير ناظرين﴾ أي: منتظرين ﴿أناه﴾ أي: نضجه وهو مصدر أنى يأني، وقرأ هشام وحمزة والكسائي بالإمالة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح. ولما كان هذا الدخول بالإذن مطلقاً وكان يراد تقييده قال تعالى: ﴿ولكن إذا دعيتم﴾ أي: ممن له الدعوة ﴿فادخلوا﴾ أي: لأجل ما دعاكم له ثم تسبب عنه قوله تعالى: ﴿فإذا طعمتم﴾ أي: أكلتم طعاماً أو شربتم شراباً ﴿فانتشروا﴾ أي: اذهبوا حيث شئتم في الحال ولا تمكثوا بعد الأكل أو الشرب لا مستريحين لقرار الطعام ﴿ولا مستأنسين لحديث﴾ أي: طالبين الأنس لأجله. فائدة: قال الحسن: حسبك بالثقلاء أن الله لم يتجوز في أمورهم، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: حسبك بالثقلاء أن الله تعالى لم يحتملهم. ثم علل ذلك بقوله تعالى: مصوباً الخطاب إلى جميعهم معظماً له بأداة البعد ﴿إن ذلكم﴾ أي: الأمر الشديد وهو المكث بعد الفراغ ﴿كان يؤذي النبي﴾ أي: الذي هيأناه لسماع ما ننبئه به مما يكون سبب شرفكم وعلوكم في الدارين، فاحذروا أن تشغلوه عن شيء منه، ثم تسبب عن ذلك المانع له من مواجهتهم له بما يزيد أذاه بقوله تعالى: ﴿فيستحيي منكم﴾ أي: بأن يأمركم بالانصراف ﴿والله﴾ أي: الذي له جميع الأمر ﴿لا يستحيي من الحق﴾ أي: لا يفعل فعل المستحيي فيؤدّيه ذلك إلى ترك الأمر به. تنبيه: قال أكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب حين بنى بها رسول الله ﷺ لما روى ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك: «أنه كان ابن عشر سنين فقدم رسول الله ﷺ المدينة قال: فكانت أمهاتي توطنني على خدمة النبي ﷺ فخدمته عشر سنين وتوفي وأنا ابن عشرين سنة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أول ما أنزل في بناء رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش أصبح النبي ﷺ بها عروساً فدعا القوم وأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقي رهط منهم عند النبي ﷺ فأطالوا المكث فقام النبي ﷺ فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا فمشى النبي ﷺ ومشيت حتى جاء عتبة حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها، ثم ظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس لم يخرجوا فرجع النبي ﷺ ورجعت معه حتى إذا بلغ حجرة عائشة فظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي ﷺ بيني وبينه الستر ونزلت آية الحجاب، وقال أبو عثمان: واسمه الجعد عن أنس قال: فدخل يعني رسول الله ﷺ البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة وهو يقول ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ إلى قوله تعالى ﴿والله لا يستحيي من الحق﴾ . وروي عن ابن عباس: «أنها نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول الله ﷺ فيدخلون عليه قبل الطعام إلى

стр. 1596

أن يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون، وكان رسول الله ﷺ يتأذى بهم فنزلت الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي﴾ الآية. وروى أبو يعلى الموصلي عن أنس قال: «بعثتني أم سليم برطب إلى رسول الله ﷺ فوضعته بين يديه فأصاب منه ثم أخذ بيدي فخرجنا، وكان حديث عهد بعرس زينب بنت جحش قال: فمر بنساء من نسائه وعندهن رجال يتحدثون فهنينه وهناه الناس فقالوا: الحمد لله أقر بعينك يا رسول الله فمضى حتى أتى عائشة فإذا عندها رجال قال: فكره ذلك، وكان إذا كره الشيء عرف في وجهه قال: فأتيت أم سليم فأخبرتها فقال أبو طلحة: لئن كان كما قال ابنك ليحدثن أمر قال: فلما كان من العشي خرج رسول الله ﷺ فصعد المنبر ثم تلا هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا﴾ الآية. وروى البخاري وغيره عنه قال: «كان النبي ﷺ عروساً بزينب فقالت لي أم سليم: لو أهديت للنبي ﷺ هدية فقلت لها: افعلي فعمدت إلى تمر وأقط وسمن فاتخذت حيسة في برمة وأرسلت بها معي إليه فقال لي: ضعها ثم أمرني فقال: ادع لي رجالاً سماهم، وادع لي من لقيت ففعلت الذي أمرني فرجعت فإذا البيت غاص بأهله» وفي رواية الترمذي أن الراوي قال: قلت لأنس: كم كانوا قال: زهاء ثلثمائة فرأيت النبي ﷺ وضع يده على تلك الحيسة وتكلم بما شاء الله تعالى، ثم يدعو عشرة عشرة يأكلون منه ويقول لهم: اذكروا اسم الله تعالى وليأكل كل رجل مما يليه حتى تصدّعوا كلهم عنها، قال الترمذي: فقال لي: يا أنس ارفع فرفعت فما أدري حين وضعت كانت أكثر أو حين رفعت فخرج معي من خرج وبقي قوم يتحدثون فنزلت. ولما كان البيت يطلق على المرأة لملازمتها له عادة أعاد الضمير عليه مراداً به النساء استخداماً فقال تعالى: ﴿وإذا سألتموهن﴾ أي: الأزواج ﴿متاعاً﴾ أي: شيئاً من آلات البيت ﴿فاسألوهن﴾ أي: ذلك المتاع كائنين وكائنات ﴿من وراء حجاب﴾ أي: ستر يستركم عنهن ويسترهن عنكم، وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين ولا همزة بعدها والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها ﴿ذلكم﴾ أي: الأمر العالي الرتبة ﴿أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ أي: من وسواس الشيطان والريب لأن العين وزيرة القلب فإذا لم تر العين لم يشته القلب، فأما إذا رأت العين فقد يشتهي القلب وقد لا يشتهي، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر وعدم الفتنة حينئذ أظهر. روى ابن شهاب عن عروة عن عائشة: «أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح فكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول للنبي ﷺ احجب نساءك فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر ألا قد عرفناك يا سودة حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله الحجاب» ، وعن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاثة قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ (البقرة: ١٢٥) وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله تعالى آية الحجاب، قال: وبلغني ما آذين

стр. 1597

رسول الله ﷺ نساؤه قال: فدخلت عليهن فجعلت أستقررهن واحدة واحدة فقلت والله لتنتهن أو ليبدله الله تعالى أزواجاً خيراً منكن، حتى أتيت على زينب فقالت: يا عمر أما كان في رسول الله ﷺ ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت قال: فخرجت فأنزل الله تعالى ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن﴾ (التحريم: ٥) الآية. ولما بين تعالى للمؤمنين الأدب أكده بما يحملهم على ملاطفة نبيه ﷺ بقوله تعالى: ﴿وما كان﴾ أي: وما صح وما استقام ﴿لكم﴾ في حال من الأحوال ﴿أن تؤذوا رسول الله﴾ فله إليكم من الإحسان ما يستوجب به منكم غاية الإكرام والإجلال فضلاً عن الكف عن الأذى فلا تؤذوه بالدخول إلى شيء من بيوته بغير إذنه أو المكث بعد فراغ الحاجة ولا بغير ذلك. ولما كان قد قصر ﷺ عليهن أحل له غيرهن وقصرهن الله عليه بقوله تعالى: ﴿ولا أن تنكحوا﴾ أي: فيما يستقبل من الزمان ﴿أزواجه من بعده﴾ أي: فراقه بموت أو طلاق سواء أدخل بها أم لا ﴿أبداً﴾ زيادة لشرفه وإظهاراً لمزيته، ولأنهن أمهات المؤمنين ولأنهن أزواجه في الجنة، ولأن المرأة في الجنة مع آخر أزواجها كما قاله ابن القشيري، روي أن هذه الآية نزلت في رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: لئن قبض رسول الله ﷺ لأنكحن عائشة قال مقاتل بن سليمان: هو طلحة بن عبيد الله فأخبر الله تعالى أن ذلك محرم، وقال: ﴿إن ذلكم﴾ أي: الإيذاء بالنكاح وغيره ﴿كان عند الله﴾ أي: القادر على كل شيء ﴿عظيماً﴾ أي: ذنباً عظيماً. فإن قيل: روى معمر عن الزهري أن العالية بنت ظبيان التي طلقها النبي ﷺ تزوجت رجلاً وولدت له. أجيب: بأن ذلك كان قبل تحريم أزواج النبي ﷺ على الناس وقيل: لا تحرم غير الموطوءة لما روي أن أشعث بن قيس تزوج المستعيذة في أيام عمر فهم برجمهما، فأخبر بأنه ﷺ فارقها قبل أن يمسها فترك من غير نكير، فأما إماؤه ﷺ فيحرم منهن الموطوءات على غيره إكراماً له بخلاف غير الموطوءات وقيل: لا تحرم الموطوءات أيضاً. ونزل فيمن أضمر نكاح عائشة بعد رسول الله ﷺ ﴿إن تبدوا﴾ أي: بألسنتكم وغيرها ﴿شيئاً﴾ أي: من ذلك أو غيره ﴿أو تخفوه﴾ في صدوركم ﴿فإن الله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال ﴿كان﴾ أي: أزلاً وأبداً به هكذا كان الأصل، ولكنه أتى بما يعمه وغيره فقال ﴿بكل شيء﴾ أي: من ذلك وغيره ﴿عليماً﴾ فهو يعلم ما أسررتم وما أعلنتم وإن بالغتم في كتمه فيجازي عليه من ثواب وعقاب، وفي هذا التعميم مع البرهان على المقصود مزيد تهويل ومبالغة في الوعيد. ولما نزلت آية الحجاب قال: الآباء والأبناء والأقارب ونحن أيضاً نكلمهن من وراء حجاب فنزل قوله تعالى: ﴿لا جناح﴾ أي: لا إثم ﴿عليهن في آبائهن﴾ دخولاً وخلوة من غير حجاب سواء كان الأب من النسب أو من الرضاع ﴿ولا أبنائهن﴾ أي: من البطن أو الرضاعة ﴿ولا إخوانهن﴾ لأن عارهنّ عارهم فلا فرق أن يكونوا من النسب أو الرضاع ﴿ولا أبناء إخوانهن﴾ فإنهن بمنزلة آبائهم ﴿ولا أبناء أخواتهن﴾ فإنهن بمنزلة أمهاتهم وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية ياء خالصة في الوصل وحققها

стр. 1598

الباقون وفي الابتداء بالثانية الجميع بالتحقيق ﴿ولا نسائهن﴾ أي: المسلمات القربى منهن والبعدى بمنزلة واحدة، وأما الكافرات فهن بمنزلة الأجانب من الرجال لكن رجح النووي أنه يجوز أن تنظر منها ما يبدو عند المهنة ﴿ولا ما ملكت أيمانهن﴾ من العبيد لأنهم لما لهنّ عليهم من السلطان يبعد منهم الريبة هيبة لهن مع مشقة الاحتجاب عنهم. تنبيه: قدم تعالى الآباء؛ لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر وكيف وهم قد رأوا جميع بدن البنات في حال صغرهن، ثم الأبناء ثم الإخوة وذلك ظاهر، وإنما الكلام في بني الإخوة حيث قدّمهم الله تعالى على بني الأخوات، لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم خالات أبنائهم وبني الإخوة آباؤهم محارم، ففي بني الأخوات مفسدة ما، وهي أن الابن ربما يحكي خالته عند أبيه وهو ليس بمحرم ولا كذلك في بني الإخوة. فإن قيل: لم يذكر الله تعالى من المحارم الأعمام والأخوال فلم يقل: ولا أعمامهن ولا أخوالهن. أجيب عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن ذلك معلوم من بني الإخوة وبني الأخوات؛ لأن من علم أن بني الأخ للعمات محارم علم أن بنات الأخ للأعمام محارم، وكذلك الحال في أمر الخالة. وثانيهما: أن الأعمام ربما يذكرون بنات الأخ عند أبنائهم وهم غير محارم، وكذلك الحال في ابن الخال. وذكر ملك اليمين بعد هذا كله لأن المفسدة في التكشف لهم ظاهرة وقوله تعالى ﴿واتقين﴾ عطف على محذوف أي: امتثلن ما أمرتن به واتقين ﴿الله﴾ أي: الذي لا شيء أعظم منه فلا تقربن شيئاً مما يكرهه وإنما أمرهن لأن الريبة من جهة النساء أكثر لأنه لا يكاد الرجل يتعرض إلا لمن ظن بها الإجابة لما يرى من مخايلها ومخايل أشكالها. ولما كان الخوف لا يعظم إلا ممن كان حاضراً مطلعاً قال: ﴿إن الله﴾ أي: العظيم الشأن ﴿كان﴾ أي: أزلاً وأبداً ﴿على كل شيء﴾ من أفعالكن وغيرها ﴿شهيداً﴾ أي: لا يغيب عنه شيء وإن دق فهو مطلع عليكن حال الخلوة فلا تخفى عليه خافية. ولما أمر تعالى بالاستئذان وعدم النظر إلى نسائه احتراماً له كمل بيان حرمته بقوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ أي: محمد ﷺ قال ابن عباس: أراد أن الله تعالى يرحم النبي والملائكة يدعون له، وعن ابن عباس أيضاً: يصلون يبركون والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار وقال أبو العالية: صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة الدعاء. تنبيه: بيان كمال حرمته في ذلك أن حالاته منحصرة في حالتين حالة خلوة فذكر ما يدل على احترامه في تلك الحالة بقوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي﴾ وحالة تكون في ملأ، والملأ إما الملأ الأعلى، وإما الملأ الأدنى أما احترامه في الملأ الأعلى، فإن الله وملائكته يصلون عليه، وأما احترامه في الملأ الأدنى فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾ أي: ادعو له بالرحمة ﴿وسلموا تسليماً﴾ أي: حيوه بتحية الإسلام وأظهروا شرفه بكل ما تصل قدرتكم إليه من حسن متابعته وكثرة الثناء الحسن عليه والانقياد لأمره في كل ما يأمر به، ومنه الصلاة والسلام عليه بألسنتكم. روى عبد الرحمن بن أبي ليلى لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله ﷺ فقلت: بلى فأهدها لي قال: قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل

стр. 1599

محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» وروى أبو حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال رسول الله ﷺ «قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» وروى ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة» ، وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً» وروى عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه جاء ذات يوم والبشرى ترى في وجهه فقلنا: إنا لنرى البشرى في وجهك فقال: «جاءني جبريل فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول أما يرضيك أن لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشراً» وروى عامر بن ربيعة أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من صلى علي صلاة صلت عليه الملائكة ما صلى علي، فليقلل العبد من ذلك أو ليكثر» ، وروى أنس أن النبي ﷺ قال: «من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحطت عنه عشر خطيئات ورفعت له عشر درجات» وروى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام» . تنبيه: دلت الآية على وجوب الصلاة على النبي ﷺ لأن الأمر للوجوب قالوا: وقد أجمع العلماء أنها لا تجب في غير الصلاة فتعين وجوبها فيها والمناسب لها من الصلاة التشهد آخرها فتجب في التشهد آخر الصلاة أي: بعده وهو مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد فالقائل بوجوبها في العمر مرة في غيرها محجوج بإجماع من قبله، ولحديث كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا فقال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إلى آخره» وقيل: تجب كلما ذكر، واختاره الطحاوي من الحنفية والحليمي من الشافعية لقول جابر: «إن النبي ﷺ رقى المنبر فلما رقى الدرجة الأولى قال: آمين، ثم رقى الثانية فقال: آمين ثم رقى الثالثة فقال: آمين فقالوا: يا رسول الله سمعناك تقول: آمين ثلاث مرات فقال: لما رقيت الدرجة الأولى جاءني جبريل فقال: شقي عبد أدرك رمضان فانسلخ منه ولم يغفر له فقلت: آمين، ثم قال: شقي عبد أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة فقلت: آمين، ثم قال: شقي عبد ذكرت عنده ولم يصل عليك فقلت: آمين» ، وفي رواية رقي المنبر فقال: آمين آمين آمين قيل: يا رسول الله ما كنت تصنع هذا فقال: قال لي جبريل: رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما لم يدخلاه الجنة فقلت: آمين، ثم قال رغم أنف عبد دخل عليه رمضان لم يغفر له فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت: آمين» ، وكذلك قوله: ﴿وسلموا﴾ أمر فيجب السلام ولم يجب في غير الصلاة فيجب فيها وهو قولنا في التشهد سلام عليك أيها النبي إلخ، وذكر في السلام المصدر للتأكيد ولم يذكره في الصلاة لأنها كانت مؤكدة بقوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ وأقل الصلاة عليه اللهم صل على محمد، وأكملها اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد

стр. 1600

كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وآل إبراهيم إسماعيل وإسحاق وأولادهما. فائدة: كل الأنبياء من بعد إبراهيم ﵇ من ولده إسحاق إلا نبينا محمداً ﷺ فإنه من نسل إسماعيل، ولم يكن من نسله نبي غيره وخص إبراهيم ﵇ بالذكر لأن الرحمة والبركة لم يجتمعا لنبي غيره فقال الله تعالى: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ (هود: ٧٣) فإن قيل: إذا صلى الله وملائكته عليه فأي حاجة به إلى صلاتنا؟ أجيب: بأن الصلاة عليه ليست لحاجة إليها وإلا فلا حاجة إلى صلاة الملائكة مع صلاة الله تعالى عليه وإنما هو إظهاره وتعظيمه منا شفقة علينا ليثيبنا عليه، ولهذا قال رسول الله ﷺ «من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً» ، وفي رواية أخرى: وملائكته سبعين، وتجوز الصلاة على غيره تبعاً له وتكره استقلالاً لأنه في العرف صار شعاراً لذكر الرسل ولذلك كره أن يقال لمحمد ، وإن كان عزيزاً جليلاً. ولما أمر الله تعالى باحترام نبيه محمد ﷺ نهى عن إيذاء نفسه وإيذاء رسوله بقوله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله﴾ أي: الذي لا أعظم منه ولا نعمة عندهم إلا من فضله ﴿ورسوله﴾ أي: الذي استحق عليهم بما يخبرهم به عن الله تعالى ما لا يقدرون على القيام بشكره ﴿لعنهم الله﴾ أي: أبعدهم وأبغضهم ﴿في الدنيا﴾ بالحمل على ما يوجب السخط ﴿والآخرة﴾ بإدخال دار الإهانة كما قال تعالى: ﴿وأعد لهم عذاباً مهيناً﴾ (الأحزاب: ٥٧) أي: ذا إهانة، وهو النار ومعنى يؤذون الله يقولون فيه ما صورته أذى وإن كان تعالى لا يلحقه ضرر، ذلك، حيث وصفوه بما لا يليق بجلاله من اتخاذ الأنداد ونسبة الولد والزوجة إليه. قال ابن عباس: هم اليهود والنصارى والمشركون، فأما اليهود فقالوا: عزير ابن الله، وقالوا: يد الله مغلولة وقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، وأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله وثالث ثلاثة، وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله : «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد» ، وعن أبي هريرة أيضاً عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: «يؤذيني ابن آدم بسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» معنى الحديث: أنه كان من عادة العرب في الجاهلية أن يسبوا الدهر ويذموه عند النوازل لاعتقادهم أن الذي يصيبهم من أفعال الدهر فقال تعالى: أنا الدهر أي: الذي أحل بهم النوازل وأنا فاعل لذلك الذي تنسبونه للدهر في زعمكم وقيل: معنى يؤذون الله يلحدون في أسمائه وصفاته وقيل: هم أصحاب التصاوير، وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فيخلقوا ذرة وليخلقوا حبة أو شعيرة» ، ويحتمل أن يكون ذلك على حذف مضاف أي: أولياء الله كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ (يوسف، ٨٢) قال ﷺ قال الله تعالى: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب» وقال: «من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة» ومعنى الأذى: هو مخالفة أمر الله وارتكاب معاصيه ذكره على ما يتعارفه الناس بينهم، والله منزه عن أن يلحقه أذى من

стр. 1601

أحد قال بعضهم: أتي بالجلالة تعظيماً والمراد: يؤذون رسول الله ﷺ كقوله تعالى: ﴿إنما يبايعون الله﴾ (الفتح: ١٠) وأما إيذاء الرسول ﷺ فقال ابن عباس: إنه شج في وجهه، وكسرت رباعيته وقيل: ساحر شاعر مجنون. ولما كان من أعظم أذاه أذى من تابعه، وكان الأتباع لكونهم غير معصومين يتصور أن يؤذوا على الحق قال تعالى مقيداً للكلام: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات﴾ أي: الراسخين في صفة الإيمان ﴿بغير ما اكتسبوا﴾ أي: بغير شيء واقعوه متعمدين له حتى أباح أذاهم ﴿فقد احتملوا﴾ أي: كلفوا أنفسهم أن حملوا ﴿بهتاناً﴾ أي: كذباً وفجوراً زائداً على الحد موجباً للجزاء في الدنيا والآخرة ﴿وإثماً مبيناً﴾ أي: ذنباً ظاهراً جداً موجباً للعقاب في الآخرة. تنبيه: اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال مقاتل: نزلت في علي بن أبي طالب كانوا يؤذونه ويسمعونه، وقيل: نزلت في شأن عائشة وقال الضحاك والكلبي: نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طريق المدينة يبتغون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن فيغمزون المرأة، فإن سكتت اتبعوها وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة لأن زي الكل كان واحداً، يخرجن في درع وخمار الحرة والأمة، فشكوا ذلك إلى أزواجهن فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات﴾ الآية. ثم نهى الحرائر أن يشتبهن بالإماء بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي﴾ ذكره بالوصف الذي هو منبع المعرفة والحكمة ﴿قل لأزواجك﴾ بدأ بهن لما لهن به من الوصلة بالنكاح ﴿وبناتك﴾ ثنى بهن لما لهن من الوصلة، ولهن من القسمين من الشرف وآخرهن عن الأزواج لأن أزواجه يكفونه أمرهن ﴿ونساء المؤمنين يدنين﴾ أي: يقربن ﴿عليهن﴾ أي: على وجوههن وجميع أبدانهن فلا يدعن شيئاً منها مكشوفاً ﴿من جلابيبهن﴾ ولا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن بكشف الشعور ونحوها ظناً أن ذلك أخفى لهن وأستر، والجلباب والقميص وثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة، والملحفة: ما ستر اللباس، والخمار: وهو كل ما غطى الرأس وقال البغوي: الجلباب الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقال حمزة الكرماني، قال الخليل: كل ما يستر به من دثار وشعار وكساء فهو جلباب والكل تصح إرادته هنا، فإن كان المراد القميص فإدناؤه إسباغه حتى يغطي بدنها ورجليها، وإن كان يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها، وإن كان المراد ما يغطي الثياب فإدناؤه تطويله وتوسيعه بحيث يستر جميع بدنها وثيابها، وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه واليدين وقال ابن عباس وعبيدة: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عيناً واحدة ليعلم أنهن حرائر. ولما أمر تعالى بذلك علله بقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ أي: الستر ﴿أدنى﴾ أي: أقرب من تركه في ﴿أن يعرفن﴾ أنهن حرائر بما يميزهن عن الإماء ﴿فلا﴾ أي: فتسبب عن معرفتهن أن لا ﴿يؤذين﴾ ممن يتعرضن للإماء فلا يشتغل قلبك عن تلقي ما يرد عليك من الأنباء الإلهية قال ابن عادل: ويمكن أن يقال: المراد يعرفن أنهن لا يزنين لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة أي: في الصلاة لا يطمع فيها أنها

стр. 1602

تكشف عورتها، فبفرض أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن انتهى. ولما رقاهن تعالى لهذا الأمر خفف عاقبة ما كن فيه من التشبيه بالإماء فأخبرهن تعالى بوسع كرمه وجوده بقوله تعالى: ﴿وكان الله﴾ أي: الذي له الكمال المطلق أزلاً وأبداً ﴿غفوراً﴾ أي: لما سلف منهن من ترك الستر فهو محاء للذنوب عيناً وأثراً ﴿رحيماً﴾ بهن إذ سترهن وبمن يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه قال البغوي: قال أنس: مرت بعمر جارية مقنعة فعلاها بالدرة وقال: يا لكاع أتتشبهين بالحرائر ألقي القناع ويظهر أن عمر إنما فعل ذلك خوفاً من أن تلتبس الإماء بالحرائر فلا يعرف الحرائر فيعود الأمر كما كان. ولما كان المأذون بما مضى وغيره أهل النفاق ومن داناهم حذرهم بقوله تعالى مؤكداً دفعاً لظنهم دوام الحلم عليهم: ﴿لئن لم ينته﴾ عن الأذى ﴿المنافقون﴾ أي: الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام ﴿والذي في قلوبهم مرض﴾ أي: غل مقرب من النفاق حامل على المعاصي ﴿والمرجفون في المدينة﴾ المؤمنين أي: بالكذب وذلك أن ناساً منهم كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله ﷺ يذيعون في الناس أنهم قد قتلوا أو هزموا ويقولون: قد أتاكم العدو ونحو ذلك، وأصل الرجفة: التحريك من الرجفة وهي الزلزلة سمى به الأخبار الكاذبة لكونها متزلزلة غير ثابتة ﴿لنغرينك بهم﴾ أي: لنسلطنك عليهم بالقتل والجلاء، أو بما يضطرهم إلى طلب الجلاء وقوله تعالى: ﴿ثم لا يجاورونك﴾ أي: يساكنونك ﴿فيها﴾ أي: المدينة عطف على لنغرينك وثم للدلالة على أن الجلاء ومفارقة رسول الله ﷺ أعظم ما يصيبهم ﴿إلا قليلاً﴾ أي: زماناً أو جواراً قليلاً، ثم يخرجون منها وقيل: نسلطك عليهم حتى تقتلهم وتخلى منهم المدينة. وقوله تعالى: ﴿ملعونين﴾ أي: مبعودين عن الرحمة حال من فاعل يجاورونك قاله ابن عطية والزمخشري وأبو البقاء ﴿أينما ثقفوا﴾ أي: وجدوا ﴿أخذوا وقتلوا﴾ ثم أكده بالمصدر بغضاً فيهم وإرهاباً لهم بقوله تعالى: ﴿تقتيلاً﴾ أي: الحكم فيهم هذا على وجه الأمر به. وقوله تعالى: ﴿سنة الله﴾ أي: المحيط بجميع العظمة مصدر مؤكد أي: سن الله ذلك ﴿في الذين خلوا من قبل﴾ أي: في الأمم الماضية وهو أن يقتل الذين نافقوا الأنبياء وسعوا في وهنهم بالإرجاف ونحوه أينما ثقفوا ﴿ولن تجد لسنة الله﴾ أي: طريقة الملك الأعظم ﴿تبديلاً﴾ أي: ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ، فإن النسخ يكون في الأقوال أما الأفعال إذا وقعت والأخبار فلا تنسخ. ولما بين تعالى حالهم في الدنيا أنهم ملعونون ومهانون ويقتلون أراد أن يبين حالهم في الآخرة فذكرهم بالقيامة وذكر ما يكون لهم فيها بقوله: ﴿يسألك﴾ يا أشرف الخلق ﴿الناس﴾ أي: المشركون استهزاء منهم وتعنتاً وامتحاناً ﴿عن الساعة﴾ أي متى تكون في أي: وقت ﴿قل﴾ أي: لهم في جوابهم ﴿إنما علمها عند الله﴾ الذي أحاط علمه بجميع الأشياء ﴿وما يدريك﴾ أي: أي شيء يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها أنت لا تعرفه ﴿لعل الساعة﴾ أي: التي لا ساعة في الحقيقة غيرها لما لها من العجائب ﴿تكون﴾ أي: توجد وتحدث على وجه مهوّل عجيب ﴿قريباً﴾ أي: في زمن قريب قال البقاعي: ويجوز أن يكون التذكير لأجل الوقت لأن السؤال عنها إنما هو عن تعيين وقتها قال البخاري

стр. 1603

في الصحيح: إذا وصفت صفة المؤنث قلت قريبة، وإذا جعلته ظرفاً أو بدلاً ولم ترد الصفة نزعت الهاء من المؤنث، وكذلك لفظها في الاثنين والجمع للذكر والأنثى. ثم استأنف الإخبار بحال السائلين عنها بقوله تعالى: ﴿إن الله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿لعن﴾ أي: أبعد إبعاداً عظيماً من رحمته ﴿الكافرين﴾ أي: الساترين لما من شأنه أن يظهر مما دلت عليه العقول السليمة من أمرها ﴿وأعد﴾ أي: أوجد وهيأ ﴿لهم﴾ من الآن ﴿سعيراً﴾ أي: ناراً شديدة الاضطرام والتوقد لتكذيبهم بها وبغيرها مما أوضح لهم أدلته. ﴿خالدين﴾ أي: مقدّراً خلودهم ﴿فيها﴾ أي: السعير وأعاد عليها الضمير مؤنثاً لأنها مؤنثة أو لأنه في معنى جهنم وقوله تعالى: ﴿أبداً﴾ بيان لإرادة الحقيقة لئلا يتوهم بالخلود المكث الطويل ﴿لا يجدون ولياً﴾ أي: يتولى أمراً مما يصيبهم بشفاعة أو غيرها ﴿ولا نصيراً﴾ ينصرهم وقوله تعالى: ﴿يوم﴾ معمول لخالدين أي: مقدراً خلودهم فيها على تلك الحال يوم ﴿تقلب﴾ أي: تقلباً كثيراً ﴿وجوههم في النار﴾ أي: ظهراً لبطن كاللحم يشوى بالنار حالة كونهم ﴿يقولون﴾ وهم في محل الجزاء وقد فات المحل القابل للعمل متمنين بقولهم: ﴿يا ليتنا أطعنا﴾ أي: في الدنيا ﴿الله﴾ أي: الذي لا أمر لأحد معه لما لا يدركون تلافيه لأنهم لا يجدون ما يقدّر أنه يبرد غلتهم من ولي ولا نصير ولا غيرهما سوى هذا التمني. ولما كان المقام للمبالغة في الإذعان والخضوع أعادوا العامل بقولهم ﴿وأطعنا الرسول﴾ أي: الذي بلغنا عنه حتى لا نبتلي بهذا العذاب. تنبيه: تقدم الكلام على القراءة في ﴿الرسولا﴾ و ﴿السبيلا﴾ أول السورة عند ﴿الظنونا﴾ . ﴿وقالوا﴾ : أي: الأتباع منهم لما لم ينفعهم شيء متبرئين بالدعاء على من أضلهم بما لا يبرئ عليلاً ولا يشفي غليلاً ﴿ربنا﴾ أي: أيها المحسن إلينا وأسقطوا أداة النداء على عادة أهل الخصوص بالحضور زيادة في التوثيق بإظهار أنه لا واسطة لهم إلا ذلهم وانكسارهم ﴿إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا﴾ يعنون قادتهم الذين لقنوهم الكفر، وقرأ ابن عامر بألف بعد الدال وكسر التاء على جمع الجمع للدلالة على الكثرة والباقون بغير ألف بعد الدال وفتح التاء على أنه جمع تكسير غير مجموع بألف وتاء ﴿فأضلونا﴾ أي: فتسبب عن ذلك أنهم أضلونا بما كان لهم من نفوذ الكلمة ﴿السبيلا﴾ أي: طريق الهدى فأحالوا ذلك على غيرهم كما هي عادة المخطئ من الإحالة على غيره مما لا ينفعه. ثم كأنه قيل: فما تريدون لهم فقالوا: مبالغين في الرقة للاستعطاف بإعادة الرب. ﴿ربنا﴾ أي: المحسن إلينا ﴿آتهم ضعفين من العذاب﴾ أي: مثلي عذابنا لأنهم ضلوا وأضلوا ﴿والعنهم لعناً كبيراً﴾ أي: اطردهم عن محالّ الرحمة طرداً متناهياً، وقرأ عاصم بالباء الموحدة أي: لعناً هو أشد اللعن وأعظمه والباقون بالثاء المثلثة أي: كثير العدد. ولما بين تعالى أن من يؤذي الله ورسوله يلعن ويعذب، أرشد المؤمنين إلى الامتناع من الإيذاء بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: صدقوا بما يتلى عليهم ﴿لا تكونوا﴾ بإيذائكم رسول الله ﷺ بأمر زينب وغيره كوناً هو كالطبع لكم ﴿كالذين آذوا موسى﴾ من قومه بني إسرائيل آذوه بأنواع الأذى كما قال نبينا ﷺ حين قسم قسماً فتكلم فيه بعضهم فقال: «لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر» . واختلفوا فيما أوذي به موسى،

стр. 1604

فروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما تستر هذا الستر إلا من عيب بجلده إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله تعالى أراد أن يبرئه مما قالوا» كما قال تعالى: ﴿فبرأه﴾ أي: فتسبب عن أذاهم أن برأه ﴿الله﴾ الذي له صفات الجلال والكمال ﴿مما قالوا﴾ فخلا يوماً وحده ليغتسل فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها ففر الحجر بثوبه فجمح موسى ﵇ وأخذ عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه واستتر به، وطفق بالحجر يضربه بعصاه فوالله إن بالحجر لندباً من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً» ، والأدرة: عظم الخصية لنفخة فيها وقوله: فجمح أي: أسرع وقوله ندباً هو بفتح النون والدال وأصله: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد فشبه به الضرب بالحجر، وقال قوم: إيذاؤهم إياه لما مات هارون في التيه ادّعوا على موسى أنه قتله فأمر الله الملائكة ﵈ حتى مروا به على بني إسرائيل فعرفوا أنه لم يقتله فبرأه الله مما قالوا، وقال أبو العالية: هو أن قارون استأجر مومسة أي: زانية لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ فعصمها الله تعالى وبرأ موسى من ذلك، وكان ذلك سبب الخسف بقارون ومن معه وقال عبد الله بن مسعود: لما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناساً في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى فلاناً كذا لناس من العرب، وآثرهم في القسمة فقال رجل: هذه قسمة والله ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله فقلت: والله لأخبرن بها رسول الله ﷺ قال: فأتيته فأخبرته بما قال فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ثم قال: «يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» والصرف بكسر الصاد: صبغ أحمر يصبغ به الأديم. ولما كان قصدهم بهذا الأذى إسقاط وجاهته قال تعالى: ﴿وكان﴾ أي: موسى ﵇ كوناً راسخاً ﴿عند الله﴾ أي: الذي لا يذل من والاه ﴿وجيهاً﴾ أي: معظماً رفيع القدر ذا وجاهة يقال وجه الرجل يوجه فهو وجيه إذا كان ذا جاه وقدر قال ابن عباس كان عظيماً عند الله تعالى لا يسأله شيئاً إلا أعطاه وقال الحسن كان مجاب الدعوة وقيل كان محبباً مقبولاً. ولما نهاهم عن الأذى أمرهم بالنفع ليصيروا ذوي وجاهة عنده مكرر للنداء استعطافاً وإظهاراً للاهتمام بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: ادعوا ذلك ﴿اتقوا الله﴾ أي: صدقوا دعواكم بمخافة من له جميع العظمة فاجعلوا لكم وقاية من سخطه بأن تبذلوا له جميع ما أودعكم من الأمانة ﴿وقولوا﴾ في حق النبي ﷺ في أمر زينب وغيرها، وفي حق بناته ونسائه وفي حق المؤمنين ونسائهم وغير ذلك ﴿قولاً سديداً﴾ قال ابن عباس: صواباً وقال قتادة: عدلاً وقال الحسن: صدقاً وقال عكرمة: هو قول لا إله إلا الله. وقيل: مستقيماً. ﴿يصلح لكم أعمالكم﴾ قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم وقال مقاتل: يزكي أعمالكم ﴿ويغفر لكم ذنوبكم﴾ أي: يمحها عيناً وأثراً فلا يعاقب عليها ولا يعاتب ﴿ومن يطع الله﴾ أي: الذي لا أعظم منه ﴿ورسوله﴾

стр. 1605

أي: الذي عظمته من عظمته في الأوامر النواهي ﴿فقد فاز﴾ وأكد ذلك بقوله تعالى: ﴿فوزاً عظيماً﴾ أي: ظفر بجميع مراداته يعيش في الدنيا حميداً وفي الآخرة سعيداً. ولما أرشد الله تعالى المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وأدب النبي ﷺ بأحسن الآداب بين أن التكليف الذي وجهه الله تعالى إلى الإنسان أمر عظيم بقوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة﴾ واختلف في هذه الأمانة المعروضة فقال ابن عباس: أراد بالأمانة الطاعة من الفرائض التي فرضها الله تعالى على عباده عرضها ﴿على السموات والأرض والجبال﴾ على أنهم إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم وقال ابن مسعود: الأمانة أداء الصلوات، وإيتاء الزكوات، وصوم رمضان، وحج البيت، وصدق الحديث، وقضاء الدين والعدل في المكيال والميزان، وأشد من هذا كله الودائع وقال مجاهد: الأمانة الفرائض وحدود الدين. وقال أبو العالية: ما أمروا به ونهوا عنه وقال زيد بن أسلم: هو الصوم والغسل من الجنابة وما يخفى من الشرائع، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أول ما خلق الله تعالى من الإنسان فرجه، وقال: هذه أمانتي استودعتكها، فالفرج أمانة، والعين أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. وقال بعضهم: هي أمانات الناس والوفاء بالعهود فحق على كل مؤمن أن لا يغش مؤمناً ولا معاهداً في شيء قليل ولا كثير وهي رواية الضحاك عن ابن عباس وجماعة من التابعين وأكثر السلف أن الله تعالى عرض هذه الأمانة على السموات والأرض والجبال فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها قلن: وما فيها؟ فقال: إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن ﴿فأبين﴾ على عظم أجرامها وقوة أركانها وسعة أرجائها ﴿أن يحملنها﴾ أي: قلن: لا يا رب نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثواباً ولا عقاباً ﴿وأشفقن منها﴾ أي: وقلن ذلك خوفاً وخشية وتعظيماً لله تعالى أن لا يقوموا بها لا معصية ومخالفة، وكان العرض عليهن تخييراً لا إلزاماً ولو ألزمن لم يمتنعن من حملها فالجمادات كلها خاضعة لله مطيعة ساجدة له كما قال تعالى للسموات والأرض: ﴿ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين﴾ (فصلت: ١١) وقال في الحجارة: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ (البقرة: ٧٤) وقال تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال﴾ (الحج: ١٨) الآية وقال بعض أهل العلم: ركّب الله فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة حتى عقلن الخطاب وأجبن بما أجبن وقال بعضهم: المراد بالعرض على السموات والأرض هو العرض على أهل السموات والأرض عرضها على من فيهما من الملائكة كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ (يوسف: ٨٢) أي: أهلها وقيل: المراد المقابلة أي: قابلنا الأمانة مع السماوات والأرض والجبال فرجحت الأمانة قال البغوي: والأول أصح، وهو قول أكثر العلماء. تنبيه: قوله تعالى: ﴿فأبين﴾ أتى بضمير هذه كضمير الإناث لأن جمع تكسير غير العاقل يجوز فيه ذلك، وإنما ذكر ذلك لئلا يتوهم أنه قد غلب المؤنث وهو السماوات على المذكر وهو الجبال. فإن قيل: ما الفرق بين إبائهن وإباء إبليس في قوله تعالى: ﴿أبى أن يكون مع الساجدين﴾ (الحجر: ٣١) أجيب: بأن الإباء هناك كان استكباراً، لأن السجود كان فرضاً وههنا استصغاراً لأن الأمانة كانت عرضاً. وإنما امتنعن خوفاً كما قال تعالى: ﴿وأشفقن منها﴾ أي: خفن من

стр. 1606

الأمانة أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب ﴿وحملها الإنسان﴾ أي: آدم قال الله تعالى لآدم: إني عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت آخذها بما فيها قال: يا رب وما فيها قال: إن أحسنت جوزيت، وإن أسأت عوقبت فتحملها آدم ﵇ وقال: بين أذني وعاتقي فقال الله تعالى: أما إذا تحملت فسأعينك اجعل لبصرك حجاباً فإذا خشيت أن تنظر لما لا يحل فأرخ عليه حجابه، وأجعل للسانك لحيين وغلقاً فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك ستراً فإذا خشيت فلا تكشفه على ما حرمت عليك قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها وبين أن أخرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر. وحكى النقاش بإسناده عن ابن مسعود أنه قال: مثلت الأمانة بصخرة ملقاة ودعيت السموات والأرض والجبال إليها فلم يقربوا منها وقالوا: لا نطيق حملها وجاء آدم ﵇ من غير أن يدعى وحرك الصخرة وقال: لو أمرت بحملها لحملتها فقلن: احمل فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها وقال: والله لو أردت أن أزداد لازددت فقلن له: احمل فحملها إلى حقويه وقال والله لو أردت أن أزداد لازددت فقلن له احمل فحملها حتى وضعها على عاتقه فأراد أن يضعها فقال له الله تعالى: مكانك فإنها في عنقك وعنق ذريتك إلى يوم القيامة. ﴿إنه كان ظلوماً جهولاً﴾ قال ابن عباس: ظلوماً لنفسه جهولاً بأمر الله تعالى وما احتمل من الأمانة وقال الكلبي: ظلوماً حين عصى ربه جهولاً لا يدري ما العقاب في ترك الأمانة وقال مقاتل: ظلوماً لنفسه جهولاً بعاقبة ما تحمل، وذكر الزجاج وغيره من أهل المعاني في قوله تعالى: ﴿وحملها الإنسان﴾ قولاً آخر فقالوا: إن الله تعالى ائتمن آدم وأولاده على شيء وائتمن السموات والأرض والجبال على شيء فالأمانة في حق بني آدم ما ذكرنا من الطاعة والقيام بالفرائض، والأمانة في حق السموات والأرض والجبال هي الخضوع والطاعة لما خلقن له وقوله تعالى: ﴿فأبين أن يحملنها﴾ أي: أبين الأمانة يقال: فلان حمل الأمانة أي: أثم فيها بالخيانة قال تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم﴾ (العنكبوت: ١٣) ﴿إنه كان ظلوماً جهولاً﴾ حكي عن الحسن على هذا التأويل أنه قال: وحملها الإنسان يعني الكافر والمنافق حملا الأمانة أي: خانا فيها، والأول قول السلف وهو الأولى وقيل: المراد بالأمانة العقل والتكليف، وبعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن وبإبائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد وتحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلوماً جهولاً لما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية، وعلى هذا يحسن أن يكون علة للحمل عليه فإن من فوائد العقل أن يكون مهيمناً على القوتين حافظاً لهما عن التعدي، ومجازوة الحد ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما، وعن أبي هريرة قال: بينما رسول الله ﷺ في مجلس يحدث القوم فجاء أعرابي فقال: «متى الساعة فمضى رسول الله ﷺ يحدث فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال: بعضهم بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه قال: أين السائل عن الساعة قال: ها أنا يا رسول الله قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة» وعنه قال: قال رسول الله ﷺ «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1607

«إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها» وقوله تعالى: ﴿ليعذب الله﴾ أي: الملك الأعظم متعلق بعرضنا المترتب عليه حمل الإنسان ﴿المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات﴾ أي: المضيعين الأمانة. تنبيه: لم يعد اسمه تعالى فلم يقل: ويعذب الله المشركين وأعاده في قوله تعالى ﴿ويتوب الله﴾ أي: بما له من العظمة ﴿على المؤمنين والمؤمنات﴾ أي: المؤدين للأمانة، ولو قال تعالى: ويتوب على المؤمنين والمؤمنات كان المعنى حاصلاً، ولكنه أراد تفضيل المؤمن على المنافق فجعله كالكلام المستأنف. ولما ذكر تعالى في الإنسان وصفين الظلوم والجهول ذكر تعالى من أوصافه وصفين بقوله تعالى: ﴿وكان الله﴾ أي: على ما له من الكبرياء والعظمة ﴿غفوراً﴾ للمؤمنين حيث عفا عن فرطاتهم ﴿رحيماً﴾ بهم حيث أثابهم بالعفو على طاعتهم مكرماً لهم بأنواع الكرم. وما رواه البيضاوي من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ملكت يمينه أعطي الأمان من عذاب القبر» حديث موضوع رواه الثعلبي. سورة سبأ مكية إلا ﴿ويرى الذين أوتو العلم﴾ الآية وهي أربع أو خمس وخمسون آية، وثمانمائة وثلاث وثمانون كلمة، وأربعة آلاف وخمسمائة واثنا عشر حرفاً ﴿بسم الله﴾ أي: الذي من شمول قدرته إقامة الحساب ﴿الرحمن﴾ أي: الذي من عموم رحمته ترتيب الثواب والعقاب ﴿الرحيم﴾ أي: الذي يمن على أهل كرامته بطاعته حتى لا عقاب يلحقهم ولا عتاب. ولما ختم السورة التي قبل هذه بصفتي المغفرة والرحمة بدأ هذه بقوله: ﴿الحمد لله﴾ أي: ذي الجلال والجمال على هذه النعمة. فائدة: السور المفتتحة بالحمد خمس: سورتان في النصف الأول وهما الأنعام والكهف، وسورتان في النصف الأخير وهما هذه السورة وسورة الملائكة، والخامسة هي فاتحة الكتاب تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الثاني الأخير، والحكمة فيها أن نعم الله مع كثرتها وعدم قدرتنا على إحصائها منحصرة في قسمين: نعمة الإيجاد، ونعمة الإبقاء، فإن الله تعالى خلقنا أولاً برحمته، وخلق لنا ما نقوم به وهذه النعمة توجد مرة أخرى بالإعادة فإنه يخلقنا مرة أخرى ويخلق لنا ما ندوم به فلنا حالتان: الإبداء، والإعادة، وفي كل حالة له تعالى نعمتان: نعمة الإيجاد، ونعمة الإبقاء، فقال في النصف الأول: ﴿الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ (الأنعام: ١) إشارة إلى الشكر على نعمة الإيجاد، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿هو الذي خلقكم من طين﴾ (الأنعام: ٢) فأشار إلى الإيجاد الأول، وقال في السورة الثانية: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً﴾ (الكهف: ١) فأشار إلى الشكر على نعمة الإبقاء، فإن الشرائع بها البقاء ولولا شرع تنقاد له الخلق لاتبع كل واحد هواه ووقعت المنازعات وأدت إلى التقاتل والنفاق وقال ههنا: ﴿الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض﴾ ملكاً وخلقاً إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله تعالى ﴿وله﴾ أي: وحده ﴿الحمد﴾ أي: الإحاطة بالكمال ﴿في الآخرة﴾ أي: ظاهر الكل من يجمعه الحشر وله كل ما فيها لا يدعي

стр. 1608

أحد ذلك في شيء منه ظاهراً ولا باطناً وقال في سورة الملائكة: ﴿الحمد لله فاطر السموات والأرض﴾ (فاطر: ١) إشارة إلى نعمة الإبقاء بدليل قوله تعالى: ﴿جاعل الملائكة رسلاً﴾ (فاطر: ١) أي: يوم القيامة يرسلهم الله تعالى مسلمين على المسلمين كما قال تعالى: ﴿وتتلقاهم الملائكة﴾ (الأنبياء: ١٠٣) وقال تعالى عنهم: ﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ (الزمر: ٧٣) وفاتحة الكتاب لما اشتملت على ذكر نعمتين أشار بقوله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ (الفاتحة: ٢) إلى النعمة العاجلة، وأشار بقوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾ (الفاتحة: ٤) إلى النعمة الآجلة فرتب الافتتاح والاختتام عليهما. فإن قيل: قد ذكرتم أن الحمد ههنا إشارة إلى النعم التي في الآخرة فلم ذكر الله تعالى السموات والأرض؟ أجيب: بأن نعم الآخرة غير مرئية فذكر الله تعالى النعم المرئية وهي ما في السموات وما في الأرض. ثم قال: ﴿وله الحمد في الآخرة﴾ ليقابل نعم الآخرة بنعم الدنيا، ويعلم فضلها بدوامها وقيل: الحمد في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما قال تعالى: ﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ (فاطر: ٣٤) ﴿والحمد لله الذي صدقنا وعده﴾ (الزمر: ٧٤) وتقدم الكلام على الحمد لغة واصطلاحاً، والشكر كذلك في أول الفاتحة فتح الله علينا بكل خير وفعل ذلك بأحبابنا. ولما تقرر أن الحكمة لا تتم إلا بإيجاد الآخرة قال تعالى: ﴿وهو الحكيم﴾ أي: الذي بلغت حكمته النهاية التي لا مزيد عليها، والحكمة هي العلم بالأمور على وجه الصواب متصلاً بالعمل على وفقه ﴿الخبير﴾ أي: البليغ الخبر وهو العلم بظواهر الأمور وبواطنها حالاً ومآلاً. ثم بين كمال خبره بقوله تعالى: ﴿يعلم ما يلج﴾ أي: يدخل ﴿في الأرض﴾ أي: هذا الجنس من المياه والأموال والأموات وغيرها ﴿وما يخرج منها﴾ من المياه والمعادن والنبات وغيرها ﴿وما ينزل من السماء﴾ أي: من هذا الجنس من قرآن وملائكة وماء وحرارة وبرودة وغير ذلك ﴿وما يعرج فيها﴾ من الكلام الطيب قال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ (فاطر: ١٠) والملائكة والأعمال الصالحة قال تعالى ﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ (فاطر: ١٠) تنبيه: قدم ما يلج في الأرض على ما ينزل من السماء لأن الحبة تبذر أولاً ثم تسقى ثانياً وقال تعالى ﴿ما يعرج فيها﴾ ولم يقل ما يعرج إليها إشارة إلى قبول الأعمال الصالحة لأن كلمة إلى للغاية فلو قال وما يعرج إليها لفهم الوقوف عند السموات فقال ﴿وما يعرج فيها﴾ ليفهم نفوذه فيها وصعوده وتمكنه فيها، ولهذا قال في الكلم الطيب ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ لأن الله تعالى هو المنتهى ولا مرتبة فوق الوصول إليه ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه وحده مع كثرة نعمه المقيمة للأبدان ﴿الرحيم﴾ أي: المنعم بإنزال الكتب وإرسال الرسل لإقامة الأديان وغير ذلك ﴿الغفور﴾ أي: المحاء للذنوب للمفرطين في شكر نعمته مع كثرتها أو في الآخرة مع ما له من سوابق هذه النعم الفائقة للحصر. تنبيه: قدم تعالى صفة الرحمة على صفة الغفور ليعلم أن رحمته سبقت غضبه. ثم بين تعالى أن هذه النعمة التي يستحق الله تعالى بها الحمد وهي نعمة الآخرة أنكرها قوم فقال: ﴿وقال الذين كفروا﴾ أي: ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من براهينها الظاهرة ﴿لا تأتينا الساعة﴾ أي: أنكروا مجيئها أو استظهارها استهزاء بالوعد به، وقوله تعالى لنبيه ﷺ ﴿قل﴾ أي: لهم ﴿بلى﴾ رد لكلامهم وإيثار لما نفوه ﴿وربي﴾ أي: المحسن إلي بما عمني به معكم وبما خصني من تنبيئي وإرسالي إليكم إلى غير ذلك من أمور

стр. 1609

لا يحصيها إلا هو ﴿لتأتينكم﴾ أي: الساعة لتظهر فيها ظهوراً تاماً الحكمة بالعدل والفصل وغير ذلك من عجائب الحكم والفضل وقوله تعالى ﴿عالم الغيب﴾ قرأه نافع وابن عامر برفع الميم على هو عالم الغيب، أو مبتدأ وخبره ما بعده، وابن كثير وأبو عمرو وعاصم بجره نعتاً لربي وقرأ حمزة والكسائي بعد العين بلام ألف مشددة وخفض الميم ﴿لا يعزب﴾ أي: لا يغيب ﴿عنه مثقال﴾ أي: وزن ﴿ذرة﴾ أي: من ذات ولا معنى، والذرة: النملة الحمراء الصغيرة جداً صارت مثلاً في أقل القليل فهي كناية عنه، وقرأ الكسائي بكسر الزاي والباقون بضمها. وقوله تعالى ﴿في السموات ولا في الأرض﴾ فيه لطيفة وهي أن الإنسان له جسم وروح فالأجسام أجزاؤها في الأرض والأرواح في السماء فقوله تعالى ﴿في السموات﴾ إشارة إلى علمه بالأرواح وما فيها من الملائكة وغيرهم. وقوله تعالى ﴿ولا في الأرض﴾ إشارة إلى علمه بالأجسام وما في الأرض من غيرها، فإذا علم الأرواح والأجسام قدر على جمعهما فلا استبعاد في الإعادة. وقوله تعالى: ﴿ولا أصغر﴾ أي: ولا يكون شيء أصغر ﴿من ذلك﴾ أي: المثقال ﴿ولا أكبر﴾ أي: منه ﴿إلا في كتاب مبين﴾ أي: بين هو اللوح المحفوظ جملة مؤكدة لنفي العزوب. فإن قيل: فأي حاجة إلى ذكر الأكبر فإن من علم الأصغر من الذرة لا بد وأن يعلم الأكبر؟ أجيب: بأنه تعالى أراد بيان إثبات الأمور في الكتاب فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغار لكونها محل النسيان، وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته فقال: الإثبات في الكتاب ليس كذلك فإن الأكبر أيضاً مكتوب. ثم بين علة ذلك كله بقوله: ﴿ليجزي الذين آمنوا وعملوا﴾ تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي: وإنه ما خلق الأكوان إلا لأجل الإنسان فلا يدعه بغير جزاء، ثم بين جزاءهم بقوله تعالى: ﴿أولئك﴾ أي: العالو الرتبة ﴿لهم مغفرة﴾ أي: لزلاتهم وهفواتهم لأن الإنسان المبني على النقصان لا يقدر أن يقدر العظيم السلطان حق قدره ﴿ورزق كريم﴾ أي: جليل عزيز دائم لذيذ نافع شهي لا كدر فيه وهو رزق الجنة. تنبيه: ذكر تعالى في الذين آمنوا وعملوا الصالحات أمرين: الإيمان، والعمل الصالح، وذكر لهم أمرين: المغفرة والرزق الكريم، فالمغفرة جزاء الإيمان فكل مؤمن مغفور له لقوله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء: ٤٨) وقوله ﷺ «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله ومن في قلبه وزن ذرة من إيمان» ، والرزق الكريم على العمل الصالح وهذا مناسب، فإن من عمل لسيد كريم عملاً فعند فراغه لا بد وأن ينعم عليه وقوله تعالى ﴿كريم﴾ بمعنى: ذي كرم أو مكرم أو لأنه يأتي من غير طلب بخلاف رزق الدنيا فإنه إن لم يطلب ويتسبب فيه لا يأتي غالباً. فإن قيل: ما الحكمة في تمييزه الرزق بأنه كريم ولم يصف المغفرة؟ أجيب: بأن المغفرة واحدة وهي للمؤمنين، وأما الرزق فمنه شجرة الزقوم والحميم، ومنه الفواكه والشراب الطهور فميز الرزق لحصول الانقسام فيه ولم يميز المغفرة لعدم الانقسام فيها. ولما بين تعالى حال المؤمنين يوم القيامة بين حال الكافرين في ذلك اليوم بقوله سبحانه: ﴿والذين سعوا﴾ أي: فعلوا فعل الساعي ﴿في آياتنا﴾ أي: القرآن بالإبطال وتزهيد الناس فيها وقوله تعالى: ﴿معجزين﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو

стр. 1610

بغير ألف بعد العين وتشديد الجيم أي: مبطئين عن الإيمان من أراده، والباقون بألف بعد العين وتخفيف الجيم وكذا في آخر السورة أي: مسابقين كي يفوتونا ﴿أولئك﴾ الحقيرون عن أن يبلغوا مراداً بمعاجزتهم ﴿لهم عذاب﴾ وأي عذاب ﴿من رجز﴾ أي: سيئ العذاب ﴿أليم﴾ أي: مؤلم وقرأ ابن كثيرة وحفص أليم بالرفع على أنه صفة لعذاب، والباقون بالجر على أنه صفة لرجز قال الرازي: قال هناك لهم رزق كريم ولم يقل بمن التبعيضية فلم يقل لهم نصيب من رزق ولا رزق من جنس كريم، وقال ههنا ﴿لهم عذاب من رجز أليم﴾ بلفظة صالحة للتبعيض وذلك إشارة إلى سعة الرحمة وقلة الغضب وقوله: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم﴾ أي: الذي قذفه الله تعالى في قلوبهم سواء كانوا ممن أسلم من العرب أو أهل الكتاب وقيل: مؤمنو أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه وقيل: الصحابة ومن شايعهم فيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على ليجزي أي: وليعلم الذين أوتوا العلم. والثاني: أنه مستأنف أخبر عنهم بذلك ﴿الذي أنزل إليك من ربك﴾ أي: المحسن إليك بإنزاله ﴿هو الحق﴾ أي: أنه من عند الله تعالى. تنبيه: الذي أنزل هو المفعول الأول، وهو ضمير فصل والحق: مفعول ثان لأن الرؤية علمية. وقوله تعالى ﴿ويهدي إلى صراط﴾ أي: طريق ﴿العزيز الحميد﴾ في فاعله وجهان أظهرهما أنه ضمير الذي أنزل وهو القرآن. والثاني: ضمير اسم الله تعالى وهاتان الصفتان يفيدان الرهبة والرغبة، العزيز: يفيد التخويف والانتقام من المكذب والحميد يفيد الترغيب في الرحمة للمصدق. ﴿وقال الذين كفروا﴾ أي: قال بعضهم على وجه التعجب لبعض ﴿هل ندلكم على رجل﴾ يعنون محمداً ﷺ ﴿ينبئكم﴾ أي: يخبركم إخباراً لا أعظم منه بما حواه من العجب الخارج عما نفعله أنكم ﴿إذا مزقتم﴾ أي: قطعتم وفرقتم بعد موتكم. وقوله تعالى ﴿كل ممزق﴾ يحتمل أن يكون اسم مفعول أي: كل تمزيق فلم يبق شيء من أجسادكم مع شيء بل صار الكل بحيث لا يميز بين ترابه وتراب الأرض، ويحتمل أن يكون ظرف مكان بمعنى إذا مزقتم وذهبت بكم الرياح والسيول كل مذهب ﴿إنكم لفي خلق جديد﴾ أي: تنشؤون خلقاً جديداً بعد أن تكونوا رفاتاً وتراباً. والهمزة في قوله: ﴿أفترى﴾ أي: تعمد ﴿على الله﴾ أي: الذي لا أعلم منه ﴿كذباً﴾ أي: بالإخبار بخلاف الواقع وهو عاقل صحيح القصد همزة استفهام فالقراء الجميع يحققونها، واستغنى بها عن همزة الوصل فإنها تحذف لأجلها فلذلك تثبت هذه الهمزة ابتداء ووصلاً، قال البغوي: هذه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فلذلك نصبت ﴿أم به جنة﴾ أي: جنون يحكى به ذلك، واستدل الجاحظ بهذه الآية على أن الكلام ثلاثة أقسام: صدق وكذب، ولا صدق ولا كذب ووجه الدلالة منه على القسم الثالث أن قولهم ﴿أم به جنة﴾ لا جائز أن يكون كذباً لأنه قسيم الكذب وقسيم الشيء غيره، ولا جائز أن يكون صدقاً لأنهم لم يعتقدوه فثبت قسم ثالث. وأجيب عنه: بأن المعنى أم لم يفتر ولكن عبر هذا بقولهم ﴿أم به جنة﴾ لأن المجنون لا افتراء له. تنبيه: قوله ﴿أفترى﴾ يحتمل أن يكون من تمام قول الكافرين أولاً أي: من كلام القائلين ﴿هل ندلكم﴾ ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب للقائل ﴿هل ندلكم﴾ كأن القائل لما قال له ﴿هل ندلكم على رجل﴾ قال له: هل افترى على الله كذباً إن كان يعتقد خلافه أم به جنة أي: جنون

стр. 1611

إن كان لا يعتقد خلافه. ولما كان الجواب ليس به شيء من ذلك عطف عليه قوله تعالى ﴿بل الذين لا يؤمنون﴾ أي: لا يوجدون الإيمان لأنهم طبعوا على الكفر ﴿بالآخرة﴾ أي: المشتملة على البعث والعذاب ﴿في العذاب﴾ أي: في الآخرة ﴿والضلال البعيد﴾ أي: عن الصواب في الدنيا، فرد الله تعالى عليهم ترديدهم وأثبت لهم سبحانه ما هو أفظع من القسمين فقوله تعالى ﴿بل الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ (يس: ٨١) في العذاب في مقابلة قولهم ﴿أفترى على الله كذباً﴾ وقوله تعالى ﴿والضلال البعيد﴾ في مقابلة قولهم ﴿أم به جنة﴾ وكلاهما مناسب، أما العذاب فلأن نسبة الكذب إلى الصادق مؤد إلى أنه شهادة عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب عليهم حيث نسبوا الكذب إلى البريء، وأما الضلال فلأن نسبة الجنون إلى العاقل دونه في الإيذاء، فإنه لا يشهد عليه بأنه يعذب وإنما ينسبه إلى عدم الهداية فبين تعالى أنهم هم الضالون، ثم وصف ضلالهم بالبعد ووصف الضلال به للإسناد المجازي لأن من يسمى المهدي ضالاً يكون أضل، والنبي ﷺ هادي كل مهتد. ولما ذكر تعالى الدليل على كونه عالم الغيب وكونه مجازياً على السيئات والحسنات، ذكر دليلاً آخر فيه التهديد والتوحيد بقوله تعالى: ﴿أفلم يروا﴾ أي: ينظروا ﴿إلى ما بين أيديهم﴾ أي: أمامهم ﴿وما خلفهم﴾ وذلك إشارة إلى جميع الجوانب من كلا الخافقين فقوله تعالى ﴿من السماء والأرض﴾ دليل التوحيد فإنهما يدلان على الوحدانية، ويدلان على الحشر والإعادة لأنهما يدلان على كمال القدرة لقوله تعالى ﴿أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ وأما دليل التهديد فقوله تعالى ﴿إن نشأ﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿نخسف بهم الأرض﴾ أي: كما فعلنا بقارون وذويه لأنه ليس نفوذ بعض أفعالنا فيه بأولى من غيره ﴿أو نسقط عليهم كسفاً﴾ أي: قطعاً ﴿من السماء﴾ فنهلكهم بها، وقرأ حفص بفتح السين والباقون بسكونها. تنبيه: في قوله تعالى ﴿أفلم يروا﴾ الرأيان المشهوران قدره الزمخشري أفعموا فلم يروا وغيره يدعي أن الهمزة مقدمة على حرف العطف، وقوله ﴿من السماء﴾ بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، ويجوز أن يكون حالاً فيتعلق به أيضاً قيل: وثم حال محذوفة تقديره: أفلم يروا إلى كذا مقهوراً تحت قدرتنا أو محيطاً بهم فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من أقطارها، وأنا القادر عليهم وقرأ حمزة والكسائي ﴿إن يشأ يخسف بهم الأرض أو يسقط﴾ بالياء في الثلاثة كقوله تعالى ﴿افترى على الله كذباً﴾ والباقون بالنون، وأدغم الكسائي الفاء في الباء وأظهرها الباقون ﴿إن في ذلك﴾ أي: فيما ترون من السماء والأرض ﴿لآية﴾ أي: علامة بينة تدل على قدرتنا على البعث ﴿لكل عبد﴾ أي: متحقق أنه مربوب ضعيف مسخر لما يراد منه ﴿منيب﴾ أي: فيه قابلية الرجوع إلى ربه بقلبه. ولما ذكر تعالى من ينيب من عباده وكان من جملتهم داود ﵇ كما قال ربه ﴿فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب﴾ (ص: ٢٤) ذكره بقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا﴾ أي: أعطينا إعطاء عظيماً دالاً على نهاية المكنة بما لنا من العظمة ﴿داود منا فضلاً﴾ أي: النبوة والكتاب، أو الملك أو جميع ما أوتي من حسن الصوت وتليين الحديد وغير ذلك مما خص به، وهذا الأخير أولى. تنبيه: قوله تعالى ﴿منا﴾ فيه إشارة إلى بيان

стр. 1612

فضل داود ﵇ لأن قوله تعالى ﴿ولقد آتينا داود منا فضلاً﴾ مستقل بالمفهوم وتام كما يقول القائل: آتى الملك زيداً خلعة فإذا قال القائل: أتاه منه خلعه يفيد أنه كان من خاص ما يكون له، فكذلك إيتاء الله تعالى الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض ونظيره قوله تعالى ﴿يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان﴾ (التوبة: ٢١) فإن رحمة الله تعالى واسعة تصل إلى كل أحد، لكن رحمته في الآخرة على المؤمنين رحمة من عنده لخواصه وقوله تعالى ﴿يا جبال﴾ محكي بقول مضمر ثم إن شئت قدرته مصدراً، ويكون بدلاً من فضل على جهة تفسيره به كأنه قيل آتيناه فضلاً قولنا يا جبال، وإن شئت قدرته فعلاً وحينئذ لك وجهان: إن شئت جعلته بدلاً من آتينا معناه آتينا قلنا: يا جبال، وإن شئت جعلته مستأنفاً ﴿أوبي﴾ أي: رجّعي ﴿معه﴾ بالتسبيح إذا سبح أمر من التأويب وهو الترجيع وقيل: التسبيح بلغة الحبشة وقال العيني: أصله من التأويب في السير، وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلاً كأنه يقول: أوبي النهار كله بالتسبيح معه وقال وهب: نوحي معه وقيل: سيري معه وقوله تعالى ﴿والطير﴾ منصوب بإجماع القراء السبعة واختلف في وجه نصبه على أوجه: أحدها: أنه عطف على محل جبال لأنه منصوب تقديراً لأن كل منادى في موضع نصب. الثاني: أنه عطف على فضلاً قاله الكسائي، ولابد من حذف مضاف تقديره آتيناه فضلاً وتسبيح الطير. الثالث: أنه منصوب بإضمار فعل أي: وسخرنا له الطير قاله أبو عمرو. تنبيه: لم يكن الموافق له في التأويب منحصراً في الطير والجبال ولكن ذكر الجبال لأن الصخور للجمود والطير للنفور وكلاهما تستبعد منه الموافقة، فإذا وافقته هذه الأشياء فغيرها أولى، ثم من الناس من لم يوافقه وهم القاسية قلوبهم التي هي أشد قسوة قال المفسرون: كان داود ﵊ إذ نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك وقيل: كان داود إذا تخلل الجبال فسبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح، وقيل: كان داود إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطاً له. وقال وهب بن منبه: كان يقول للجبال سبحي، وللطير أجيبي، ثم يأخذ في تلاوة الزبور بين تلك بصوته الحسن فلا يرى الناس منظراً أحسن من ذلك، ولا يسمعون شيئاً أطيب منه، وذلك كما: «كان الحصى يسبح في كف نبينا ﷺ وكف أبي بكر وعمر ﵄» وكما: «كان الطعام يسبح في حضرته الشريفة وهو يؤكل» ، وكما: «كان الحجر يسلم عليه وأسكفة الباب وحوائط البيت تؤمن على دعائه» ، و «حنين الجذع مشهور» ، وكما: «كان الضب يشهد له» و «الجمل يشكو إليه ويسجد بين يديه» ونحو ذلك، وكما: «جاء الطائر الذي يسمى الحمرة تشكو الذي أخذ بيضها، فأمره النبي ﷺ برده رحمة لها» . ولما ذكر تعالى طاعة أكثف الأرض وألطف الحيوان الذي أنشأه الله تعالى منها، ذكر ما أنشأه من ذلك الأكثف، وهو أصلب الأشياء بقوله تعالى: ﴿وألنا له الحديد﴾ أي: الذي ولدناه من الجبال جعلناه في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة، وذلك في قدرة الله تعالى يسير، وكان سبب ذلك ما روي في الأخبار أن داود ﵇ لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج

стр. 1613

للناس متنكراً، فإذا رأى رجلاً لا يعرفه تقدم إليه يسأله عن داود ويقول له ما تقول في داود، وإليكم هذا أي رجل هو فيثنون عليه ويقولون خيراً، فقيض الله تعالى له ملكاً في صورة آدمي فلما رآه داود تقدم إليه على عادته يسأله فقال الملك: نعم الرجل هو لولا خصلة فيه فراع داود ذلك وقال: ما هي يا عبد الله؟ فقال: إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال قال: فتنبه لذلك وسأل الله تعالى أن يسبب له سبباً يستغني به عن بيت المال يتقوت منه ويطعم عياله، فألان الله له الحديد وعلمه صنعة الدروع، وإنه أول من اتخذها يقال: إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف درهم فيأكل ويطعم منها عياله، ويتصدق منها على الفقراء والمساكين ويقال: إنه كان يعمل كل يوم درعاً يبيعه بستة آلاف درهم، فينفق منها ألفين على نفسه وعياله، ويتصدق بأربعة آلاف درهم على فقراء بني إسرائيل، وإنما اختار الله تعالى له ذلك لأنه وقاية للروح التي هي من أمره ويحفظ الآدمي المكرم عند الله تعالى من القتل، فالزرّاد خير من القواس والسياف وغيرهما، لأن القوس والسيف وغيرهما من السلاح ربما يستعمل في قتل النفس المحرمة بخلاف الدرع قال ﷺ «كان داود ﵇ لا يأكل إلا من عمل يده» . ثم ذكر علة الإلانة بصيغة الأمر إشارة إلى أن عمله كان لله تعالى بقوله عز من قائل: ﴿أن اعمل سابغات﴾ أي: دروعاً طوالاً واسعات يجرها لابسها على الأرض، وذكر الصفة يعلم منها الموصوف، واختلف في معنى قوله ﴿وقدر في السرد﴾ أي: نسج الدروع يقال لصانعه: الزراد والسراد فقيل: قدر المسامير في حلق الدروع أي: لا تجعل المسامير غلاظاً فتكسر الحلق ولا دقاقاً فتتقلقل فيها ويقال: السرد المسمار في الحلقة يقال: درع مسرودة أي: مسمورة الحلق ﴿وقدر في السرد﴾ اجعله على القصد وقدر الحاجة وقيل: اجعل كل حلقة مساوية لأختها مع كونها ضيقة لئلاً ينفذ منها سهم، ولتكن في ثخنها بحيث لا يقطعها سيف، ولا تثقل على الدرع فتمنعه خفة التصرف وسرعة الانتقال في الكر والفر والطعن والضرب في البرد والحر، والظاهر ـ كما قال البقاعي ـ أنه لم يكن في حلقها مسامير لعدم الحاجة بإلانة الحديد إليها، وإلا لم يكن بينه وبين غيره فرق ولا كان للإلانة كبير فائدة، وقد أخبر بعض من رأى ما نسب إليه بغير مسامير وقال الرازي: يحتمل أن يقال: السرد هو عمل الزرد وقوله تعالى ﴿وقدر في السرد﴾ أي: أنك غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب، والكسب يكون بقدر الحاجة، وباقي الأيام والليالي للعبادة فقدر في ذلك العمل ولا تشتغل جميع أوقاتك بالكسب بل حصل به القوت فحسب، ويدل عليه قوله تعالى ﴿واعملوا صالحاً﴾ أي: لستم مخلوقين إلا للعمل الصالح فاعملوا ذلك وأكثروا منه، وأما الكسب فقدروا فيه ثم أكد طلب الفعل الصالح بقوله تعالى: ﴿إني بما تعملون بصير﴾ أي: مبصر فأجازيكم به يريد بهذا داود وآله. تنبيه: كما ألان الله تعالى لداود ﵇ الحديد ألان لنبينا ﷺ في الخندق تلك الكدية وذلك بعد أن لم تكن المعاول تعمل فيها وبلغت غاية الجهد منهم، فضربها رسول الله ﷺ ضربة واحدة، وفي رواية رش عليها ماء فعادت كثيباً أهيل لا ترد فأساً، وتلك الصخرة التي أخبره سلمان عنها أنها كسرت فؤوسهم ومعاولهم وعجزوا عنها فضربها

стр. 1614

صلى الله عليه وسلم ثلاث ضربات كسر في كل ضربة ثلثاً منها، وبرقت مع كل ضربة برقة كبر معها تكبيرة وأضاءت للصحابة رضي الله تعالى عنهم ما بين لابتي المدينة بحيث كانت في النهار، كأنها مصباح في جوف بيت مظلم فسألوه عن ذلك، فأخبرهم ﷺ أن إحدى الضربات أضاءت له صنعاء من أرض اليمن حتى رأى أبوابها من مكانه ذلك، وأخبره جبريل ﵇ أنها ستفتح على أمته، وأضاءت له الأخرى قصور الحيرة البيض كأنها أنياب الكلاب، وأخبر أنها مفتوحة لهم، وأضاءت له الأخرى قصور الشام الحمر كأنها أنياب الكلاب، وأخبر بفتحها عليهم فصدقه الله تعالى في جميع ما قال، وأعظم من ذلك تصلب الخشب له ﵇ حتى صار سيفاً قوىّ المتن جيد الحديدة، وذلك أن سيف عبد الله بن جحش انقطع يوم أحد فأعطاه رسول الله ﷺ عرجوناً فصار في يده سيفاً قائمة منه فقاتل به، فكان يسمى العرجون ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ وبعده حتى قتل، وهو عنده وعن الواقدي: «أنه انكسر سيف سلمة بن أسلم يوم بدر، فأعطاه رسول الله ﷺ قضيباً كان في يده من عراجين رطاب فقال: اضرب به فإذا هو سيف جيد، فلم يزل عنده حتى قتل» وإلحام داود للحديد ليس بأعجب من: «إلحام النبي ﷺ ليد معوذ بن عفراء لما قطعها أبو جهل يوم بدر فأتى بها يحملها في يده الأخرى فبصق عليها رسول الله ﷺ وألصقها فلصقت وصحت مثل أختها» كما نقله البيهقي وغيره ومعجزاته ﷺ لا تنحصر، وإنما أذكر بعضها تبركاً بذكره ﷺ وأسأل الله تعالى أن يحشرنا في زمرته ويفعل ذلك بأهلينا ومحبينا. ولما أتم الله تعالى المراد من آيات داود ﵇، أتبعها بعض آيات ابنه سليمان ﵊ لمشاركته في الإنابة بقوله تعالى: ﴿ولسليمان﴾ أي: عوضاً عن الخيل التي عقرها لله تعالى ﴿الريح﴾ قرأ شعبة الريح بالرفع على الابتداء، والخبر في الجار قبله أو محذوف والباقون بالنصب بإضمار فعل أي: وسخرنا ﴿غدوها﴾ أي: سيرها من الغدوة بمعنى الصباح إلى الزوال ﴿شهر﴾ أي: تحمله وتذهب به وبجميع عسكره من الصباح إلى نصف النهار مسيرة شهر ﴿ورواحها﴾ أي: من الزوال إلى الغروب ﴿شهر﴾ أي: مسيرته فكانت تسير به في يوم واحد مسيرته شهرين قال الحسن: كان يغدو من دمشق فيقبل بإصطخر وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع، وهذا كما سخر الله تعالى الريح لنبينا ﷺ في غزوة الأحزاب، فكانت تهد خيامهم وتضرب وجوههم بالتراب والحجارة، وهي لا تجاوز عسكرهم إلى أن هزمهم الله تعالى بها، وكما حملت شخصين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في غزوة تبوك فألقتهما بجبل طيىء، وتحمل من أراد الله تعالى من أولياء أمته كما هو في غاية الشهرة ونهاية الكثرة، وأما أمر الإسراء والمعراج فهو من الجلالة والعظم بحيث لا يعلمه إلا الله تعالى، مع أن الله تعالى صرفه في آيات السماء بحبس المطر تارة وإرساله أخرى. ولما ذكر تعالى الريح أتبعها ما هو من أسباب تكوينه بقوله تعالى: ﴿وأسلنا﴾ أي: أذبنا بما لنا من العظمة ﴿له عين القطر﴾ أي: النحاس حتى صار كأنه عين ماء فأجريت ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وعمل الناس إلى اليوم مما أعطي سليمان ﴿ومن الجن﴾ أي: الذي سترناهم عن العيون من

стр. 1615

الشياطين وغيرهم عطف على الريح أي: وسخرنا له من الجن ﴿من يعمل بين يديه﴾ أي: قد أمكنه الله تعالى منهم غاية الإمكان في غيبته وحضوره ﴿بإذن﴾ أي: بأمر ﴿ربه﴾ أي: بتمكين المحسن إليه ﴿ومن يزغ﴾ أي: يمل ﴿منهم عن أمرنا﴾ أي: عن أمره الذي هو من أمرنا ﴿نذقه من عذاب السعير﴾ أي: النار أي: في الآخرة وقيل: في الدنيا بأن يضربه ملك بسوط منها ضربة يحرقه، وهذا كما أمكن نبينا ﷺ من ذلك العفريت فخنقه وهم بربطه حتى تلعب به صبيان المدينة، ثم تركه تأدباً مع أخيه سليمان ﵇ فيما سأل الله تعالى فيه، وأما الأعمال التي يدور عليها إقامة الدين فأغناه الله تعالى فيها عن الجن بالملائكة الكرام ﵈ وسلط جمعاً من صحابته على جماعة من مردة الجان منهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «لما وكله النبي ﷺ بحفظ زكاة رمضان» ، ومنهم أبي بن كعب قبض على شخص منهم كان يسرق من تمره وقال: لقد علمت الجن ما فيهم من هو أشد مني، ومنهم معاذ بن جبل لما جعله النبي ﷺ على صدقة المسلمين فأتاه شيطان يسرق وتصور له بصور منها صورة فيل، فضبطه والتفت يداه عليه وقال له: يا عدو الله فشكا له الفقر وأخبره أنه من جن نصيبين، وأنهم كانت لهم المدينة فلما بعث النبي ﷺ أخرجهم منها، وسأله أن يخلي عنه على أن لا يعود، ومنهم بريدة، ومنهم أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، ومنهم زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه صارع الشيطان فصرعه عمر، ومنهم عمار بن ياسر قاتل الشيطان فصرعه عمار وأدمى أنف الشيطان بحجر ذكر ذلك البيهقي في الدلائل، وأما عين القطر فهي مما تضمنه قول النبي ﷺ «أعطيت مفاتيح خزائن الأرض والملك في الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فاخترت أن أكون نبياً عبداً أجوع يوماً وأشبع يوماً» الحديث، فشمل ذلك اللؤلؤ الرطب إلى عين الذهب المصفى إلى ما دون ذلك، وروى الترمذي ـ وقال: حسن ـ عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً قلت: لا يارب ولكن أجوع يوماً وأشبع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك وشكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» وللطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس: «أن إسرافيل أتى النبي ﷺ بمفاتيح خزائن الأرض وقال: إن الله أمرني أن أعرض عليك أن تسير معك جبال تهامة زمرداً وياقوتاً وذهباً وفضة، فإن شئت نبياً مالكاً وإن شئت نبياً عبداً فأومأ إليَّ جبريل ﵇ أن تواضع فقال: نبياً عبداً» ورواه ابن حبان في صحيحه مختصراً من حديث أبي هريرة، وله في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق على قطيفة من سندس» وفي البخاري في غزوة أحد عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض» هذا ما يتعلق بالأرض، وقد زيد ﷺ على ذلك بأن أيده ربه سبحانه بالتصرف في خزائن السماء تارة بشق القمر وتارة برجم النجوم، وتارة باختراق السموات، وتارة بحبس المطر، وتارة بإرساله إلى غير ذلك مما قد أكرمه الله تعالى به مما لا يحيط به إلا الله ﷺ وعلى آله وأزواجه وذريته وأصحابه، وحشرنا ومحبينا معهم في دار
следующие страницы →