Полный текст (2 552 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
خطاب للكفار، أي: لا مانع لكم بعد سماعكم ما ذكر ﴿والرسول﴾ أي: والحال أن الذي له الرسالة العامة ﴿يدعوكم﴾ في الصباح والمساء ﴿لتؤمنوا﴾ أي: لأجل أن تؤمنوا ﴿بربكم﴾ الذي أحسن تربيتكم بأن جعلكم من أمّة هذا النبيّ الكريم فشرفكم به ﴿وقد﴾ أي: والحال أنه قد ﴿أخذ ميثاقكم﴾ أي: وقع أخذه فصار في غاية القباحة، ترك التوثق بسبب نصب الأدلة والتمكين من النظر بإبداع العقول وذلك كله منضم إلى أخذ الذرّية من ظهر آدم ﵇ حين أشهدهم على أنفسهم ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ (الأعراف: ١٧٢)
وقرأ أبو عمرو: بضم الهمزة وكسر الخاء ورفع القاف على البناء للمفعول ليكون المعنى: من أيّ أخذ كان من غير نظر إلى معين وقرأ الباقون بفتح الهمزة والخاء ونصب القاف على البناء للفاعل والآخذ هو الله القادر على كل شيء العالم بكل شيء، والحاصل: أنهم نقضوا الميثاق في الإيمان فلم يؤاخذهم حتى أرسل الرسل ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي: مريدين الإيمان فبادروا إليه ﴿هو﴾ أي: لا غيره ﴿الذي ينزل﴾ أي: على سبيل التدريج والموالاة بحسب الحاجة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي ﴿على عبده﴾ الذي هو أحق الناس بحضرة جماله وإكرامه وهو محمد ﷺ ﴿آيات﴾ أي: علامات هي من ظهورها حقيقة أن يرجع إليها ويتعبد بها ﴿بينات﴾ أي: واضحات وهي آيات القرآن الكريم ﴿ليخرجكم﴾ أي: الله بالقرآن أو عبده بالدعوة ﴿من الظلمات﴾ التي أنتم منغمسون فيها من الحظوظ والنقائص التي جبل عليها الإنسان والغفلة الكاملة على تراكم الجهل، فمن آتاه الله تعالى العلم والإيمان فقد أخرجه من هذه الظلمات التي طرأت عليه ﴿إلى النور﴾ الذي كان له وصفاً لروحه وفطرته الأولى السليمة ﴿وإن الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال ﴿بكم لرؤوف رحيم﴾ أي: حيث نبهكم بالرسل والآيات ولم يقتصر على ما نصب لكم من الحجج العقلية، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بقصر الهمزة، والباقون بالمدّ، وورش على أصله بالمدّ والتوسط والقصر، وليس قصره كقصر أبي عمرو ومن معه وإنما قصره كمدّ قالون ومن وافقه ﴿وما﴾ أي: وأي شيء يحصل ﴿لكم﴾ في ﴿أن لا تنفقوا﴾ أي: توجدوا الإنفاق للمال ﴿في سبيل الله﴾ أي: في كل ما يرضى الملك الأعظم الذي له صفات الكمال ليكون لكم به وصلة فيخصكم بالرأفة التي هي أعظم الرحمة، فإنه ما يبخل أحد عن وجه خير إلا سلط الله عليه غرامة في وجه شرّ ﴿ولله﴾ أي: الذي له صفات الكمال لا سيما صفة الإرث المقتضية للزهد في الموروث ﴿ميراث السموات
والأرض﴾ أي: يرث كل شيء فيهما فلا يبقى لأحد مال فمن تأمّل أنه زائل هو وكل ما في يده والموت من ورائه وطوارق الحوادث مطبقة به وعما قليل ينقل ما في يده إلى غيره هان عليه الجود بنفسه وماله
s
ثم بين تعالى التفاوت بين المنفقين منهم فقال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق﴾ أي: أوجد الإنفاق في ماله وجميع قواه وما يقدر عليه ﴿من قبل الفتح﴾ أي: الذي هو فتح جميع الدنيا في الحقيقة وهو فتح مكة الذي كان سبباً لظهور الدين الحق ﴿وقاتل﴾ سعياً في إنفاق نفسه لمن آمن به قبل الإسلام وقوة أهله ودخول الناس في دين الله أفواجاً وقله الحاجة إلى القتال والنفقة فيه ومن أنفق من بعد
стр. 2137
الفتح، فحذف لوضوحه ودلالة ما بعده عليه، وفضل الأوّل لما ناله إذ ذاك بالإنفاق من كثرة المشاق لضيق المال حينئذ، وفي هذا دليل على فضل أبي بكر فإنه أوّل من أنفق لم يسبقه في ذلك أحد، وخاصم الكفار حتى ضرب ضرباً شديداً أشرف منه على الهلاك، روى محمد بن فضيل عن الكلبي: أنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضى الله عنه، وعن ابن عمر قال: «كنت عند رسول الله ﷺ وعنده أبو بكر الصديق عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال فنزل عليه جبريل ﵇ فقال: مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها بخلال؟ فقال: أنفق ماله عليّ قبل الفتح قال: فإنّ الله يقول: اقرأ ﵇ وقل له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر: أسخط على ربي إني عن ربي راض» ﴿أولئك﴾ أي: المنفقون المقاتلون وهم السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم النبيّ ﷺ «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلع مدّ أحدهم ولا نصيفه» لمبادرتهم إلى الجود بالنفس والمال ﴿أعظم درجة﴾ وتعظيم الدرجة يكون لعظم صاحبها ﴿من الذين أنفقوا من بعد﴾ أي: من بعد الفتح ﴿وقاتلوا﴾ أي: من بعد الفتح ﴿وكلا﴾ أي: وكل واحد من الفريقين ﴿وعد الله﴾ أي: الذي له
الجلال
والإكرام ﴿الحسنى﴾ أي: المثوبة الحسنى وهي: الجنة مع تفاوت الدرجات، وقرأ ابن عامر: برفع اللام على الابتداء أي: وكل وعده ليطابق ما عطف عليه والباقون بنصبها أي: وعد كلا ﴿والله﴾ أي: الذي له الإحاطة الكاملة بجميع صفات الكمال ﴿بما تعملون﴾ أي: تجدّدون عمله على الأوقات ﴿خبير﴾ أي: عالم بباطنه وظاهره علماً لا مزيد عليه بوجه فهو يجعل جزاء الأعمال على قدر النيات التي هي أرواح صورها.
تنبيه: التقدم والتأخر قد يكون في أحكام الدين وقد يكون في أحكام الدنيا فأمّا التقدّم في أحكام الدين فقالت عائشة «أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم وأعظم المنازل مرتبة الصلاة» وقد قال ﷺ في مرضه: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» وقال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» وقال: «فليؤمكما أكبركما» وأما أحكام الدنيا فهي مرتبة على أحكام الدين فمن قدّم في الدين قدّم في الدنيا، وفي الحديث «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا» وفي الحديث: «ما أكرم شاب شيخاً لسنه إلا قيض الله له عند سنه من يكرمه»
ثم رغب في الإنفاق بقوله تعالى: ﴿من﴾ وأكد بالإشارة بقوله تعالى: ﴿ذا﴾ لأجل ما للنفوس من الشح ﴿الذي يقرض الله﴾ أي: يعطي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام شبه ذلك بالقرض على سبيل المجاز لأنه إذا أعطى المستحق ما له لوجه الله تعالى فكأنه أقرضه إياه ﴿قرضاً حسناً﴾ أي: طيباً خالصاً مخلصاً فيه متحرياّ به أفضل الوجوه من غير منّ وكدر بتسويف وغيره ﴿فيضاعفه له﴾ أي: يؤتي أجره من عشرة إلى أكثر من سبعمئة كما ذكره في البقرة إلى ما شاء الله تعالى من الأضعاف، وقيل: القرض الحسن أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقال زيد بن أسلم: هو النفقة على الأهل، وقال الحسن: التطوع بالعبادات، وقرأ ابن عامر وعاصم بنصب الفاء بعد العين والباقون بالرفع وقرأ ابن كثير وابن عامر بغير ألف بعد الضاد وتشديد العين، والباقون بألف بعد الضاد وتخفيف العين ﴿وله﴾ أي: للمقرض زيادة
стр. 2138
على ذلك ﴿أجر﴾ لا يعلم قدره إلا الله تعالى وهو معنى وصفه بقوله تعالى: ﴿كريم﴾ أي: حسن طيب زاك تامّ وقوله تعالى:
﴿يوم﴾ ظرف لقوله تعالى: ﴿وله أجر كريم﴾ أو منصوب بإضمار أذكر أي: واذكر يوم ﴿ترى﴾ أي: بالعين ﴿المؤمنين والمؤمنات﴾ أي: الذين صار الإيمان لهم صفة راسخة ﴿يسعى نورهم﴾ أي: ما يوجب نجاتهم وهدايتهم إلى الجنة ﴿بين أيديهم وبأيمانهم﴾ لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أنّ الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم فيجعل النور في الجهتين شعار لهم وآية لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومرّوا على الصراط يسعون يسعى معهم ذلك النور حبيباً لهم ومتقدّماً، والأوّل: نور الإيمان والمعرفة والأعمال المقبولة، والثاني: نور الإنفاق لأنه بالإيمان نبه عليه الرازي وقال قتادة: ذكر لنا أنّ نبيّ الله ﷺ «قال من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن ودون ذلك حتى أنّ من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه» . وقال عبد الله بن مسعود: «يؤتون نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم وأدناهم نوراً نوره على إبهامه فيطفأ مرة ويتقد أخرى ويقول لهم الذين يتلقونهم من الملائكة: ﴿بشراكم اليوم﴾ أي: بشارتكم العظيمة في جميع ما يستقبلكم من الزمان.
تنبيه: ﴿بشراكم اليوم﴾ مبتدأ واليوم ظرف وقوله تعالى: ﴿جنات﴾ خبره على حذف مضاف أي: دخول جنات وهو المبشر به ثم وصفها بما لا تكمل اللذة إلا به بقوله: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ ثم آمنهم من خوف الانقطاع بقوله تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ أي: خلوداً لا آخر له لأنّ الله تعالى أورثهم ذلك فلا يورث عنه لأنّ الجنة لا موت فيها ﴿ذلك﴾ أي: هذا الأمر العظيم المتقدّم من النور والبشرى بالجنات المخلدة ﴿هو الفوز العظيم﴾ أي: الذي ملأ بعظمته جميع جهاتهم.
ولما شرح تعالى حال المؤمنين في موقف القيامة أتبع ذلك بشرح حال المنافقين بقوله: ﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات﴾ وهم المظهرون الإيمان المبطنون الكفر.
تنبيه: يوم بدل من يوم ترى أو منصوب بأذكر ﴿للذين آمنوا﴾ أي: ظاهراً وباطناً ﴿انظرونا﴾ أي: انتظرونا لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف على ركائب تزف بهم وهؤلاء مشاة، أو انظروا إلينا لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به، وقرأ حمزة: بقطع الهمزة في الوصل وكسر الظاء والباقون بوصل الهمزة ورفع الظاء، وأما الوقف على آمنوا والابتداء بانظرونا فحمزة على حاله كما يقرأ في الوصل، والباقون بضم همزة الوصل في الابتداء والظاء على حالها من الضم ﴿نقتبس﴾ أي: نستضيء ﴿من نوركم﴾ أي: هذا الذي نراه لكم ولا يلحقنا منه شيء كما كنا في الدنيا نرى إيمانكم بما نرى من ظواهركم ولا نتعلق من ذلك بشيء، ﴿جزاء وفاقاً﴾ (النبأ: ٢٦)
وذلك لأنّ الله تعالى يضيء للمؤمنين نوراً على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضاً نوراً خديعة لهم وهو قوله تعالى: ﴿وهو خادعهم﴾ (التحريم: ٨)
فبينما هم يمشون إذ بعث الله ريحاً وظلمة فأطفأت نور المنافقين فذلك قوله تعالى: ﴿يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه﴾ الآية مخافة أن يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين والقبس الشعلة من النار أو السراج، قال ابن عباس
стр. 2139
وأبو إمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة؛ قال الماوردي: أظنها بعد فصل القضاء ثم يعطون نوراً يمشون فيه؛ وقال الكلبي: بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور فإذا سبقهم المؤمنون وبقوا في الظلمة قالوا للمؤمنين: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ قيل لهم جواباً لسؤالهم؛ قال ابن عباس يقول لهم المؤمنون: أي: قول ردّ وتوبيخ وتهكم وتنديم ﴿ارجعوا وراءكم﴾ أي: ارجعوا إلى الموقف حيث أعطينا النور ﴿فالتمسوا نوراً﴾ هناك فمن ثم يقتبس أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نوراً بتحصيل سببه وهو الإيمان أو ارجعوا خائبين وتنحوا عنا والتمسوا نوراً آخر فلا سبيل لكم إلى هذا النور، وقد علموا أن لا نور وراءهم وإنما هو تخييب وإقناط لهم، وقال قتادة: تقول لهم الملائكة: ارجعوا وراءكم من حيث جئتم، وقرأ هشام والكسائي: بضم القاف والباقون بكسرها.
ولما كان التقدير فرجعوا أو فأقاموا في الظلمة سبب عنه وعقب قوله تعالى: ﴿فضرب بينهم﴾ أي: بين المؤمنين والمنافقين ﴿بسور﴾ أي: حائط حائل بين شق الجنة وشق النار ﴿له﴾ أي: لذلك السور ﴿باب﴾ موكل به حجاب لا يفتحون إلا لمن أذن له الله تعالى من المؤمنين لما يهديهم إليه من نورهم الذي بين أيديهم بشفاعة أو نحوها ﴿باطنه﴾ أي: ذلك السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة من جهة الذين آمنوا جزاء لإيمانهم الذي هو غيب ﴿فيه الرحمة﴾ وهي ما لهم من الكرامة لأنه يلي الجنة التي هي ساترة تبطن من فيها بأشجارها وبأستارها كما كانت بواطنهم ملآنة رحمة ﴿وظاهره﴾ أي: ما ظهر لأهل النار ﴿من قبله﴾ أي: من عنده ومن جهته ﴿العذاب﴾ وهو الظلمة والنار لأنه يليها لاقتصار أهلها على الظواهر من غير أن يكون لهم نفوذ إلى باطن، وروي عن عبد الله بن عمر أنّ السور الذي ذكر الله تعالى في القرآن هو سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم.
وقال ابن سريج: كان كعب يقول: في الباب الذي يسمى باب الرحمة في بيت المقدس إنه الباب الذي قال الله تعالى: ﴿فضرب بينهم بسور له باب﴾ الآية، وقيل: السور عبارة عن منع المنافقين عن طلب المؤمنين ﴿ينادونهم﴾ أي: ينادي المنافقون الذين آمنوا ويترققون لهم ﴿ألم نكن معكم﴾ أي: في الدنيا نصلي ونصوم فنستحق المشاركة فيما صرتم إليه بسبب ذلك الذي كنا معكم فيه ﴿قالوا﴾ أي: الذين آمنوا ﴿بلى﴾ أي: كنتم معنا في الظاهر ﴿ولكنكم فتنتم أنفسكم﴾ أهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملتموها في المعاصي والشهوات وكلها فتنة ﴿وتربصتم﴾ أي: بالإيمان والتوبة وبمحمد ﷺ وقلتم: يوشك أن يموت فنستريح منه ﴿وارتبتم﴾ أي: شككتم في الدين وفي نبوة محمد ﷺ وفيما وعدكم به ﴿وغرّتكم الأمانيّ﴾ أي: ما تتمنون من الإرادات التي معها شهوة عظيمة من الأطماع الفارغة التي لا سبب لها غير شهوة النفس إياها بما كنتم تتوقعون لنا من دوائر السوء ﴿حتى جاء أمر الله﴾ أي: قضاء الملك المتصف بجميع صفات الكمال فلا كفؤ له ولا خلف وقرأ قالون وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المدّ والقصر، وقرأ ورش وقنبل بتسهيل الثانية، وأيضاً لهما إبدالها والباقون بتحقيقهما، وأمال الألف بعد الميم حمزة وابن ذكوان، والباقون
стр. 2140
بالفتح وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة الثانية مع المدّ والتوسط والقصر ﴿وغرّكم بالله﴾ أي: الملك الذي له جميع العظمة ﴿الغرور﴾ أي: من لا صنع له إلا الكذب وهو الشيطان فإنه يزين لكم بغروره التسويف ويقول: إنّ الله غفور رحيم وعفو كريم وماذا عسى أن تكون ذنوبكم عنده وهو عظيم ومحسن وحليم ونحو ذلك فلا يزال حتى يوقع الإنسان فإذا أوقعه واصل عليه مثل ذلك حتى يتمادى فإذا تمادى صار الباعث له حينئذ من قبل نفسه فصار طوع يده ﴿فاليوم﴾ أي: بسبب أفعالكم تلك ﴿لا يؤخذ منكم فدية﴾ أي: نوع من أنواع الفداء وهو البدل والعوض للنفس على أي حال كان من قلة أو
كثرة لأنّ الإله غني وقد فات محل العمل الذي شرعه لكم لانقياد أنفسكم، وقرأ ابن عامر بالتاء الفوقية على التأنيث والباقون بالتحتية على التذكير ﴿ولا من الذين كفروا﴾ أي: الذين أظهروا كفرهم ولم يستروه كما سترتموه أنتم لمساواتكم لهم في الكفر، وإنما عطف الكافر على المنافق وإن كان المنافق كافراً في الحقيقة لأنّ المنافق أبطن الكفر والكافر أظهره فصار غير المنافق فحسن عطفه على المنافق ﴿مأواكم النار﴾ أي: منزلكم ومسكنكم لا مقر لكم غيرها تحرقكم كما كنتم تحرقون قلوب الأولياء بإقبالكم على الشهوات وإضاعة حقوق ذوي الحاجات، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح، وورش لا يبدل هذه الهمزة ثم أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿هي﴾ أي: لا غيرها ﴿مولاكم﴾ أي: هي أولى بكم وأنشد قول لبيد:
*
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها*
والشاهد في مولى المخافة فمولى بمعنى أولى والفرجان الجانبان وهو الخلف والقدام وهو وصف بقرة وحشية أي: غدت على حالة كلا جانبيها مخوف وحقيقته في الآية محراكم بحاء مهملة وراء أي: مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم أي: مكان، كقول القائل: إنه لكريم، ويجوز أن يراد هي ناصركم، أي: لا ناصر لكم غيرها، والمراد: نفي الناصر على البنات، وقيل: تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار.
ولما كان التقدير بئس المولى هي عطف عليه قوله تعالى: ﴿وبئس المصير﴾ أي: هذه النار واختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿ألم يأن﴾ أي: يحن ويدرك وينتهي إلى الغاية ﴿للذين آمنوا﴾ أي: أقرّوا بالإيمان ﴿أن تخشع﴾ أي: تلين وتسكن وتخضع وتذل وتطمئن ﴿قلوبهم لذكر الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي لا خير إلا منه فيصدق في إيمانه من كان كاذباً ويقوى في الدين من كان ضعيفاً فيعرض عن الفاني ويقبل على الباقي ولا يطلب لداء دينه دواء ولا لمرض قلبه شفاء في غير القرآن، فقال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، وعن ابن مسعود رضى الله عنه: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، وعن الحسن: أما والله لقد استبطأهم وهم يقرؤون من القرآن أقل ما تقرؤون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق، وقيل: كانوا مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت؛ وعن أبي بكر رضى الله عنه: أنّ هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة
стр. 2141
فبكوا بكاء شديداً فنظر إليهم وقال: هكذا كنا حتى قست القلوب وقال الشاعر:
*ألم يأن لي يا قلب أن نترك الجهلا ... وأن يحدث الشيب المنير لنا عقلا*
وقوله تعالى: ﴿وما نزل من الحق﴾ أي: القرآن عطف على الذكر عطف أحد الوصفين على الآخر لأن القرآن جامع للأمرين للذكر والموعظة أو أنه حق نازل من السموات؛ ويجوز أن يراد بالذكر أن يذكر الله تعالى، وقرأ نافع وحفص بتخفيف الزاي والباقون بالتشديد وقوله تعالى: ﴿ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل﴾ أي: قبل ما نزل إليكم وهم اليهود والنصارى معطوف على تخشع والمراد: النهي عن مماثلة أهل الكتاب فيما حكى عنهم بقوله تعالى: ﴿فطال عليهم الأمد﴾ أي: الأجل لطول أعمارهم أو آمالهم أو ما بينهم وبين أنبيائهم ﴿فقست﴾ أي: بسبب الطول ﴿قلوبهم﴾ أي: صلبت واعوجت بحيث لا تنفعل بالطاعات والخير فكانوا كل حين في تعنت جديد على أنبيائهم ﵈ يسألونهم المقترحات، وأما بعد أنبيائهم فابعدوا في القساوة فمالوا إلى دار الكدر وأعرضوا عن دار الصفاء فانجروا إلى الهلاك باتباع الشهوات؛ قال القشيري: وقسوة القلب إنما تحصل باتباع الشهوة فإن الشهوة والصفوة لا يجتمعان؛ وعن أبي موسى الأشعري: أنه بعث إلى قراء البصرة فدخل عليه ثلاث مئة رجل قد قرؤوا القرآن فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاقرؤه ولا تطيلوا عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم ﴿وكثير منهم﴾ أخرجته قساوته عن الدين أصلاً ورأسا فهم ﴿فاسقون﴾ أي: عريقون في صفة الإقدام على الخروج من دائرة الحق التي حدها لهم الكتاب حتى تركوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وقوله تعالى:
﴿اعلموا أن الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي له الكمال كله فلا يعجزه شيء ﴿يحيي﴾ أي: على سبيل التجديد والاستمرار كما تشاهدونه ﴿الأرض﴾ أي: بالنبات ﴿بعد موتها﴾ أي: يبسها تمثيل لإحياء الأموات بجميع أجسادهم وإفاضة الأرواح عليها كما فعل بالنبات وكما فعل بالأجسام أول مرة، ولإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة فاحذروا سطوته واخشوا غضبه وارجوا رحمته، لإحياء القلوب فإنه قادر على إحيائها بروح الوحي كما أحيا الأرض بروح الماء لتصير بأحيائها بالذكر خاشعة بعد قسوتها كما صارت الأرض رابية بعد خشوعها وموتها. ﴿ ﴿
ولما انكشف الأمر بهذه غاية الانكشاف أنتج قوله تعالى: ﴿قد بينا﴾ أي: على مالنا من العظمة ﴿لكم الآيات﴾ أي: العلامات النيرات ﴿لعلكم تعقلون﴾ أي: لتكونوا عند من يعلم ذلك ويمنعه من الخلائق على رجاء من حصول العقل لكم بما يتجدد لكم من فهمه على سبيل التواصل الدائم بالاستمرار
وقرأ: ﴿إن المصدقين﴾ أي: العريقين في هذا الوصف من الرجال ﴿والمصدقات﴾ أي: من النساء، ابن كثير وشعبة بتخفيف الصاد فيهما من التصديق بالإيمان والباقون بالتشديد فيهما من التصدق أدغمت التاء في الصاد أي: الذين تصدقوا وقوله تعالى: ﴿وأقرضوا الله﴾ أي: الذي له الكمال كله عطف على معنى الفعل في المصدقين لأنّ اللام بمعنى الذين واسم الفاعل بمعنى أصدقوا كأنه قيل: إنّ الذين أصدقوا وأقرضوا الله ﴿قرضاً حسناً﴾ أي: بغاية ما يكون من طيب النفس وإخلاص النية والنفقة
стр. 2142
في سبيل الخير وحسنه؛ كما قال الرازي: أن يصرف بصره عن النظر إلى فعله والنفقة وإلا متنا به وطلب العوض عليه ﴿يضاعف﴾ أي: ذلك القرض ﴿لهم﴾ من عشرة إلى سبعمائة كما مرّ لأنّ الذي كان له العرض كريم، وقرأ ابن كثير وابن عامر: بتشديد العين ولا ألف بينها وبين الضاد؛ والباقون بتخفيف العين وبينها وبين الضاد ألف ﴿ولهم﴾ أي: مع المضاعفة ﴿أجر كريم﴾ أي: ثواب حسن وهو الجنة والنظر إلى وجهه الكريم.
ثم بين الحامل على الصدقة ترغيباً فيه وهو الإيمان فقال تعالى: ﴿والذين آمنوا﴾ أي: أوجدوا هذه الحقيقة العظيمة في أنفسهم ﴿بالله﴾ أي: الملك الأعلى الذي له الجلال والإكرام ﴿ورسله﴾ أي: كلهم لأجل ما لهم من النسبة إليه فمن كذب واحد منهم لم يكن مؤمناً بالله تعالى: ﴿أولئك﴾ أي: هؤلاء العالو الرتبة ﴿هم الصديقون﴾ أي: الذين هم في غاية الصدق والتصديق لما يحق له أن يصدقه من سمعه؛ وقال القشيري الصديق من استوى ظاهره وباطنه؛ ويقال: هو الذي يحمل الأمر على الأشق ولا ينزل إلى الرخص ولا يجنح للتأويلات؛ وقال مجاهد: كل من آمن بالله تعالى ورسله ﵈ فهو صدّيق وتلا هذه الآية؛ وقال الضحاك: الآية خاصة في ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب رضى الله عنهم ألحقه الله تعالى بهم لما عرف من صدق نبيه ﷺ وعلى آله، واختلف في نظم قوله تعالى: ﴿والشهداء عند ربهم﴾ أي: المحسن إليهم بالتربية لمثل تلك الرتبة العالية فمنهم من قال: هي متصلة بما قبلها والواو للنسق وأراد بالشهداء المؤمنين المخلصين، وقال الضحاك: هم التسعة الذين سميناهم ﵃؛ وقال مجاهد: كل مؤمن صدّيق وشهيد وتلا هذه الآية، وقال قوم: تم الكلام عند قوله تعالى: ﴿هم الصديقون﴾ ثم ابتدأ بقوله تعالى: ﴿والشهداء﴾ فهو مبتدأ وخبره ﴿لهم أجرهم﴾ أي: جعله ربهم لهم ﴿ونورهم﴾ أي: الذي زادهموه من فضله برحمته قالوا: والواو للاستئناف وهو قول ابن عباس ﵄ ومسروق وجماعة؛ ثم اختلفوا فيهم فمنهم من قال: هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين يشهدون على الأمم يروى ذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما وهو قول مقاتل بن حيان، وقال مقاتل بن سليمان: هم الذين استشهدوا في سبيل الله .
ولما ذكر تعالى أهل السعادة جعلنا الله تعالى ووالدينا ومحبينا منهم جامعاً لأصنافهم أتبعهم أهل الشقاوة لذلك بقوله تعالى: ﴿والذين كفروا﴾ أي: ستروا ما دلت عليه الأدلة ﴿وكذبوا بآياتنا﴾ أي: على مالها من العظمة بنسبتها إلينا ﴿أولئك﴾ أي: هؤلاء البعداء من كل خير ﴿أصحاب الجحيم﴾ أي: النار التي هي غاية في توقدها وفي ذلك دليل على أنّ الخلود في النار مخصوص بالكفار من حيث أن التركيب يشعر بالاختصاص، والصحبة تدل على الملازمة عرفاً، وأما غيرهم من العصاة فدخولهم فيها ليس على وجه الصحبة الدالة على الملازمة.
ثم بين الحامل على الصدقة ترغيباً فيه وهو الإيمان فقال تعالى: ﴿والذين آمنوا﴾ أي: أوجدوا هذه الحقيقة العظيمة في أنفسهم ﴿بالله﴾ أي: الملك الأعلى الذي له الجلال والإكرام ﴿ورسله﴾ أي: كلهم لأجل ما لهم من النسبة إليه فمن كذب واحد منهم لم يكن مؤمناً بالله تعالى: ﴿أولئك﴾ أي: هؤلاء العالو الرتبة ﴿هم الصديقون﴾ أي: الذين هم في غاية الصدق والتصديق لما يحق له أن يصدقه من سمعه؛ وقال القشيري الصديق من استوى ظاهره وباطنه؛ ويقال: هو الذي يحمل الأمر على الأشق ولا ينزل إلى الرخص ولا يجنح للتأويلات؛ وقال مجاهد: كل من آمن بالله تعالى ورسله ﵈ فهو صدّيق وتلا هذه الآية؛ وقال الضحاك: الآية خاصة في ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب رضى الله عنهم ألحقه الله تعالى بهم لما عرف من صدق نبيه ﷺ وعلى آله، واختلف في نظم قوله تعالى: ﴿والشهداء عند ربهم﴾ أي: المحسن إليهم بالتربية لمثل تلك الرتبة العالية فمنهم من قال: هي متصلة بما قبلها والواو للنسق وأراد بالشهداء المؤمنين المخلصين، وقال الضحاك: هم التسعة الذين سميناهم ﵃؛ وقال مجاهد: كل مؤمن صدّيق وشهيد وتلا هذه الآية، وقال قوم: تم الكلام عند قوله تعالى: ﴿هم الصديقون﴾ ثم ابتدأ بقوله تعالى: ﴿والشهداء﴾ فهو مبتدأ وخبره ﴿لهم أجرهم﴾ أي: جعله ربهم لهم ﴿ونورهم﴾ أي: الذي زادهموه من فضله برحمته قالوا: والواو للاستئناف وهو قول ابن عباس ﵄ ومسروق وجماعة؛ ثم اختلفوا فيهم فمنهم من قال: هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين يشهدون على الأمم يروى ذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما وهو قول مقاتل بن حيان، وقال مقاتل بن سليمان: هم الذين استشهدوا في سبيل الله .
ولما ذكر تعالى أهل السعادة جعلنا الله تعالى ووالدينا ومحبينا منهم جامعاً لأصنافهم أتبعهم أهل الشقاوة لذلك بقوله تعالى: ﴿والذين كفروا﴾ أي: ستروا ما دلت عليه الأدلة ﴿وكذبوا بآياتنا﴾ أي: على مالها من العظمة بنسبتها إلينا ﴿أولئك﴾ أي: هؤلاء البعداء من كل خير ﴿أصحاب الجحيم﴾ أي: النار التي هي غاية في توقدها وفي ذلك دليل على أنّ الخلود في النار مخصوص بالكفار من حيث أن التركيب يشعر بالاختصاص، والصحبة تدل على الملازمة عرفاً، وأما غيرهم من العصاة فدخولهم فيها ليس على وجه الصحبة الدالة على الملازمة.
ولما ذكر تعالى حال الفريقين في الآخرة حقر أمر الدنيا بقوله تعالى: ﴿اعلموا﴾ أي: أيها العباد المبتلون بحب الدنيا ﴿أنما الحياة الدنيا﴾ أي: الحاضرة التي رغب في الزهد فيها والخروج عنها بالصدقة والقرض الحسن، وما مزيدة للتأكيد أي: الحياة في هذه الدار ﴿لعب﴾ أي: لعب لا ثمرة له فهو باطل كلعب الصبيان ﴿ولهو﴾ أي:
стр. 2143
شيء يفرح به الإنسان فيلهيه أي يشغله عما يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان، ثم أتبع ذلك أعظم ما يلهي في الدنيا بقوله تعالى: ﴿وزينة﴾ أي: شيء يبهج العين ويسر النفس كزينة النسوان وأتبعها ثمرتها بقوله تعالى: ﴿وتفاخر بينكم﴾ أي: كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على بعض فيجر ذلك إلى الحسد والبغضاء وأتبع ذلك بما يحصل به الفخر بقوله تعالى: ﴿وتكاثر﴾ أي: من الجانبين كتكاثر الرهبان ﴿في الأموال﴾ أي: التي لا يفتخر بها إلا أحمق لكونها مائلة ﴿والأولاد﴾ أي: التي لا يغتر بها إلا سفيه لأنها زائلة وآفاتها هائلة وإنما هي فتنة وابتلاء يظهر بها الشاكر من غيره، ثم ذلك كله قد يكون ذهابه عن قريب فيكون على أضداد ما كان عليه فيكون أشد في الحسرة ثم في آخر ذلك يموت فإذا هو قد اضمحل أمره ونسى عما قليل ذكره وصار ماله لغيره وزينته متمتعاً بها سواه، فالدنيا حقيرة وأحقر منها طالبها لأنها جيفة وطالب الجيفة ليس له خطر وأخسهم من يبخل بها، وقال علي لعمار: لا تحزن على الدنيا فإنّ الدنيا ستة أشياء: مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح، فأحسن طعامها العسل وهو بزقة ذبابة، وأكثر شرابها الماء ويستوي فيه جميع الحيوان، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسج دودة، وأفضل مشمومها المسك وهو دم فأرة، وأفضل المركوب الفرس وعليها تقتل الرجال، وأما المنكوح فهو النساء وهو مبال في مبال والله إنّ المرأة لتزين أحسنها فيراد منها أقبحها ا. هـ. ويناسب بعض ذلك قول الشاعر:
*فخير لباسها نسجات دود
... وخير شرابها قيء الذباب
*وأشهى ما ينال المرء فيها
... مبال في مبال مستطاب
قال القشيري: وهذه الدنيا المذمومة هي ما يشغل العبد عن الآخرة فكل ما يشغله عن الآخرة فهو الدنيا ا. هـ. أي: وأما الطاعات وما يعين عليها فمن أمور الآخرة ثم ضرب الله للدنيا مثلاً بقوله تعالى: ﴿كمثل﴾ أي: هذا الذي ذكرته من أمرها يشبه مثل ﴿غيث﴾ أي: مطر حصل بعد جدب وسوء حال ﴿أعجب الكفار﴾ أي: الزراع الذين حصل منهم الحرث والبذر الذي يستره الحارث كما يستر الكافر حقيقة أنوار الإيمان بما يحصل منه من الجحد والطغيان ﴿نباته﴾ أي: نبات ذلك الغيث كما يعجب الكافر في الغالب بسط الدنيا له استدراجاً من الله تعالى: ﴿ثم يهيج﴾ أي: ييبس فيتم جفافه فيحين حصاده ﴿فتراه﴾ أي: عقب كل ذلك وبالقرب منه ﴿مصفراً﴾ أي: على حالة لا نموّ بعدها ﴿ثم﴾ أي: بعد تناهي الجفاف ﴿يكون﴾ أي: كونا كأنه مطبوع عليه ﴿حطاماً﴾ أي: فتاتاً يضمحل بالرياح.
ولما ذكر تعالى الظل الزائل ذكر أثره الثابت الدائم مقسماً له إلى قسمين فقال تعالى: ﴿وفي الآخرة عذاب شديد﴾ أي: على من آثر الدنيا وأخذها بغير حقها معرضاً عن ذكر الله تعالى وعن الآخرة هذا أحد القسمين، وأما القسم الآخر فهو: ما ذكره بقوله تعالى: ﴿ومغفرة﴾ أي: ولمن أقبل على الآخرة ورفض الدنيا ولم تشغله عن ذلك الله تعالى مغفرة ﴿من الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿ورضوان﴾ أي: في جنة عالية تفضلاً منه تعالى ورحمة، وقوله تعالى جل وعلا: ﴿وما الحياة الدنيا﴾ أي: لكونها تشغل بزينتها مع أنها زائلة ﴿إلا متاع الغرور﴾ أي: هو في نفسه غرور لا حقيقة له
стр. 2144
إلا ذلك لأنه لا يسر بقدر ما يضر تأكيد لما سبق، قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة فنعم المتاع ونعم الوسيلة.
ثم أرشدهم الله تعالى إلى المسابقة إلى الخيرات لأنّ الدنيا خيال ومحال، والآخرة بقاء وكمال بقوله تعالى:
﴿سابقوا﴾ أي: سارعوا مسارعة المسابقين في المضمار ﴿إلى مغفرة﴾ أي: ستر لذنوبكم عيناً وأثراً ﴿من ربكم﴾ أي: المحسن إليكم بأنواع الخيرات التي توجب المغفرة لكم من ربكم، وقال الكلبي: سارعوا بالتوبة لأنها تؤدي إلى المغفرة، وقال مكحول: هي التكبيرة الأولى مع الإمام، وقيل: الصف الأول ﴿وجنة﴾ أي: وبستان هو من عظم أشجاره واطراد أنهاره بحيث يستر داخله ﴿عرضها كعرض السماء والأرض﴾ أي: السموات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح وألزق بعضها ببعض لكان عرض الجنة في قدرها جميعاً، وقال ابن عباس ﵄: يريد أن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه السعة، وقال مقاتل: إنّ السموات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح وألزق بعضها إلى بعض لكانت عرض جنة واحدة من الجنان، وسأل عمر ناس من اليهود إذا كانت الجنة عرضها ذلك فأين النار؟ فقال لهم: أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا: إنه لمثلهما في التوراة. ومعناه: أنه حيث شاء الله وهذا عرضها ولا شك أن الطول أزيد من العرض فذكر العرض تنبيهاً على أن طولها أضعاف ذلك، وقيل إن هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه ويقع في أنفسهم وأفكارهم وأكثر ما يقع في أنفسهم مقدار السموات والأرض فشبه عرض الجنة بما تعرفه الناس ﴿أعدت﴾ أي: هيئت هذه الجنة الموعود بها وفرغ من أمرها بأيسر أمر ﴿للذين آمنوا﴾ أي: أوقعوا هذه الحقيقة ﴿بالله﴾ أي: الذي له جميع العظمة لأجل ذاته مخلصين له الإيمان ﴿ورسله﴾ فلم يفرقوا بين أحد منهم وفي هذا أعظم رجاء وأقوى أمل لأنه ذكر أنّ الجنة أعدت لمن آمن بالله ورسله ولم يذكر مع الإيمان شيئاً آخر، يدل عليه قوله تعالى في سياق الآية ﴿ذلك﴾ أي: الفضل العظيم جداً ﴿فضل الله﴾ أي: الملك الذي لا كفؤ له فلا اعتراض عليه ﴿يؤتيه من يشاء﴾ فبين أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله لا بعمله، لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ
«لن يدخل الجنة أحداً منكم عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل رحمة» . ولا ينافي ذلك قوله تعالى: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ لأنّ الباء في الحديث عوضيه، وفي الآية سببية، فإن قيل: يلزم على هذا أن يقطع بحصول الجنة لجميع العصاة وأن يقطع بأنه لا عقاب عليهم؟ أجيب: بأنا نقطع بحصول الجنة ولا نقطع بنفي العقاب عنهم لأنهم إذا عذبوا مدة ثم نقلوا إلى الجنة بقوا فيها أبد الآباد فكانت معدة لهم ﴿والله﴾ أي: والحال أنّ الملك المختص بجميع صفات الكمال فله الأمر كله ﴿ذو الفضل العظيم﴾ أي: الذي جل أن تحيط بوصفه العقول ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض﴾ أي: من قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمرات وغلاء الأسعار وتتابع الحوائج وغير ذلك ﴿ولا في أنفسكم﴾ أي: من الأمراض والفقر وذهاب الأولاد وضيق العيش وغير ذلك ﴿إلا في كتاب﴾ أي: مكتوبة في اللوح مثبتة في علم الله تعالى:
стр. 2145
﴿من قبل أن نبرأها﴾ أي: نخلق ونوجد ونقدر المصيبة في الأرض والأنفس، وهذا دليل على أنّ اكتساب العباد بخلقه وتقديره ﴿إن ذلك﴾ أي: الأمر الجليل وهو علمه بالشيء وكتبه له على تفاصيله قبل أن يخلقه ﴿على الله﴾ أي: لما له من الإحاطة بصفات الكمال ﴿يسير﴾ لأن علمه محيط بكل شيء فقدرته شاملة لا يعجزه فيها شيء.
ثم بين ثمرة إعلامه بذلك بقوله تعالى: ﴿لكيلا﴾ أي: أعلمناكم بأنا على مالنا من العظمة قد فرغنا من التقدير فلا يتصور فيه تقديم ولا تأخير ولا تبديل ولا تغيير لا الحزن يدفعه ولا السرور يجلبه ويجمعه كما قال ﷺ «يا معاذ ليقل همك ما قدر يكن» لأجل أن ﴿لا تأسوا﴾ أي: تحزنوا حزناً كبيراً زائداً على ما في أصل الجبلة فربما جرّ ذلك إلى السخط وعدم الرضا بالقضاء ﴿على ما فاتكم﴾ أي: من المحبوبات الدنيوية ﴿ولا تفرحوا﴾ أي: تسروا سروراً يوصلكم إلى البطر بالتمادي على ما في أصل الجبلة وقوله تعالى: ﴿بما آتاكم﴾ قرأه أبو عمرو بقصر الهمزة، أي: جاءكم منه، والباقون بالمد أي أعطاكم قال جعفر الصادق ﵁: مالك تأسف على مفقود ولا يردّه عليك الفوت ومالك تفرح بموجود ولا يتركه في يدك الموت ا. هـ.
ولقد عزى الله تعالى المؤمنين رحمة بهم في مصائبهم وزهدهم في رغائبهم بأن أسفهم على فوت المطلوب لا يعيده، وفرحهم بحصول المحبوب لا يفيده، وبأن ذلك لا مطمع في بقائه إلا بإدخاره عند الله تعالى وذلك بأن يقول: المصيبة قدر الله تعالى وما شاء فعل ويصبر؛ وفي النعمة هكذا قضى وما أدري مآله هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر فلا يزال خائفاً عند النعمة قائلاً في الحالين ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن، وأكمل من هذا أن يكون مسروراً بذكر ربه في كلتا الحالتين، وقيمة الرجال إنما تعرف بالواردات المغيرة فمن لم يتغير بالمضار ولم يتأثر بالمسار فهو سيد وقته كما أشار إليه القشيري؛ وقال ابن عباس ﵄: ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبراً وغنيمته شكراً والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان تتعدى فيهما إلى ما لا يجوز ﴿والله﴾ أي: الذي له صفات الكمال ﴿لا يحب﴾ أي: لا يفعل فعل المحب بأن يكرم ﴿كل مختال﴾ أي: متكبر نظراً إلى ما في يده من الدنيا ﴿فخور﴾ أي: به على الناس قال القشيري: الاختيال من بقايا النفس ورؤيتها، والفخر من رؤية خطر ما به يفتخر.
وقوله تعالى: ﴿الذين يبخلون﴾ بدل من كل مختال فخور فإنّ المختال بالمال يضن به غالباً ﴿ويأمرون الناس﴾ أي: كل من يعرفونه ﴿بالبخل﴾ إرادة أن يكونوا لهم رفقاء يعملون بأعمالهم الخبيثة أو مبتدأ خبره محذوف مدلول عليه بقوله تعالى: ﴿ومن يتول﴾ أي: يكلف نفسه الإعراض ضد ما في فطرته من محبة الخير والإقبال على الله تعالى: ﴿فإن الله﴾ الذي له جميع صفات الكمال ﴿هو﴾ أي: وحده ﴿الغني الحميد﴾ لأنّ معناه ومن يعرض عن الإنفاق فإنّ الله غني أي: عن ماله وعن إنفاقه وكل شيء مفتقر إليه وهو مستحق للحمد سواء أحمده الحامدون أم لا ﴿لقد أرسلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿رسلنا﴾ أي: الذين لهم نهاية الجلال بما لهم بنا من الاتصال من الملائكة إلى الأنبياء على جميعهم أفضل الصلاة والسلام ومن الأنبياء إلى الأمم ﴿بالبينات﴾ أي: الحجج القواطع ﴿وأنزلنا﴾ أي: بعظمتنا التي لا شيء أعلى منها ﴿معهم الكتاب﴾
стр. 2146
أي: الكتب المتضمنة للأحكام وشرائع الدين ﴿والميزان﴾ أي: العدل، وقيل: الآلة روي أن جبريل ﵇ نزل بالميزان فدفعه إلى نوح ﵇ وقال مر قومك يزنوا به ﴿ليقوم الناس بالقسط﴾ أي: ليتعاملوا بينهم بالعدل ﴿وأنزلنا﴾ أي: خلقنا خلقا عظيماً بما لنا من القوة ﴿الحديد﴾ أي: المعروف على وجه من القوّة والصلابة واللين فلذلك سمي إيجاده إنزالاً؛ وعن ابن عباس ﵄ قال: نزل آدم ﵇ من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد وروي من آلة الحدادين السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة، وحكاه القشيري قال: والميقعة ما يحدد به يقال: وقعت الحديدة أقعها أي: حددتها وفي الصحاح: الميقعة الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه، وخشبة القصار التي يدق عليها والمطرقة والمسن الطويل، وروي ومعه المبرد والمسحاة، وعن عمر أن النبي ﷺ قال: «إنّ الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض أنزل الحديد والنار والماء والملح» . وروى عكرمة
عن ابن عباس ﵄ قال: «أنزل ثلاثة أشياء مع آدم ﵇ الحجر الأسود وكان أشد بياضاً من الثلج وعصا موسى ﵇ وكانت من آس طولها عشرة أذرع مع طول موسى» ؛ وعن الحسن ﴿وأنزلنا الحديد﴾ خلقناه كقوله تعالى: ﴿وأنزل لكم من الأنعام﴾ (الزمر: ٦)
وذلك أن أوامره تنزل من السماء وقضاياه وأحكامه ﴿فيه بأس﴾ أي: قوة وشدّة ﴿شديد﴾ أي: قوة شديدة فمنه جنة وهي آلة الدفع ومنه سلاح وهو آلة الضرب ﴿ومنافع للناس﴾ بما يعمل منه من مرافقهم لتقوم أحوالهم بذلك قال البيضاوي: ما من صنعة إلا والحديد آلتها، وقال مجاهد: يعني جنة، وقيل: انتفاع الناس بالماعون الحديد كالسكين والفأس ونحو ذلك، وروي أنّ الحديد أنزل في يوم الثلاثاء فيه بأس شديد، أي مهراق الدماء ولذلك نهي عن الفصد والحجامة في يوم الثلاثاء لأنه يوم جرى فيه الدم؛ وروي أنه ﷺ قال: «أن في يوم الثلاثاء ساعة لا يراقد فيها الدم» .
وقوله تعالى: ﴿وليعلم الله﴾ أي: الذي له جميع العظمة علم شهادة لأجل إقامة الحجة بما يليق بعقول الخلق فيكون الجزاء على العمل لا على العلم، عطف على قوله تعالى: ﴿ليقوم الناس﴾ أي: لقد أرسلنا رسلنا وفعلنا كيت وكيت ليقوم الناس وليعلم الله ﴿من ينصره﴾ أي: ينصر دينه بآلات الحرب من الحديد وغيره وقوله تعالى: ﴿ورسله﴾ عطف على مفعول ينصره أي: وينصر رسله وقوله تعالى: ﴿بالغيب﴾ حال من هاء ينصره، أي: غائباً عنهم في الدنيا، قال ابن عباس ﵄: ينصرونه ولا يبصرونه ﴿إن الله﴾ أي: الذي له العظمة كلها ﴿قوي﴾ أي: فهو قادر على إهلاك جميع أعدائه وتأييد من ينصره من أوليائه ﴿عزيز﴾ فهو غير مفتقر إلى نصرة أحد وإنما دعا عباده إلى نصرة دينه ليقيم الحجة عليهم فيرحم من أراد بامتثال المأمور ويعذب من يشاء بارتكاب المنهي لبناء هذه الدار على حكمة ربط المسببات بالأسباب ولما أجمل الرسل في قوله تعالى:
﴿لقد أرسلنا رسلنا﴾ (الحديد: ٥) فصل هنا ما أجمل من إرسال الرسل بالكتب فقال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿نوحاً﴾ وهو الأب الثاني وجعلنا الأغلب على رسالته مظهر الجلال ﴿وإبراهيم﴾ وهو أبو العرب والروم وبني إسرائيل الذي أكثر الأنبياء من نسله وجعلنا الأغلب على رسالته تجلى الإكرام ﴿وجعلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿في ذريتهما النبوّة﴾
стр. 2147
فلا يوجد نبي إلا من نسلهما ﴿والكتاب﴾ أي: الكتب الأربعة وهي التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وعن ابن عباس ﵄: الكتاب الخط بالقلم يقال: كتب كتاباً وكتابة والضمير في قوله تعالى: ﴿فمنهم مهتد﴾ يعود على الذرية لتقدم ذكرها لفظاً وقيل: يعود على المرسل إليهم لدلالة أرسلنا، أي: هو بعين الرضا منا وهو من لزم طريقة الاصفياء وإن كان من أولاد الأعداء ﴿وكثير منهم﴾ أي: المذكورين ﴿فاسقون﴾ أي: هم بعين السخط وإن كانوا من أولاد الأصفياء، والمراد بالفاسق ههنا: الكافر لأنه جعل الفساق ضد المهتدين، وقيل: هو الذي ارتكب الكبيرة سواء أكان كافراً أم لم يكن لإطلاق هذا الاسم وهو يشمل الكافر وغيره ﴿ثم قفينا﴾ أي: أتبعنا بما لنا من العظمة ﴿على آثارهم﴾ أي: الأبوين المذكورين ومن مضى قبلهما من الرسل أو عاصرهما منهم ﴿برسلنا﴾ أي: فأرسلناهم واحداً في أثر واحد كموسى والياس وداود وغيرهم، ولا يعود الضمير على الذرية لأنها باقية مع الرسل وبعدهم وأيضاً الرسل المقفى بهم من الذرية ﴿وقفينا﴾ أي: أتبعنا بما لنا من العظمة على آثارهم قبل أن تندرس ﴿بعيسى بن مريم﴾ وهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه وهو آخر من جاء قبل النبي الخاتم ﵊ فأمته أولى الأمم باتباعه ﷺ ﴿وآتيناه﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿الإنجيل﴾ كتاباً ضابطاً لما جاء به مقيماً لملته مبشراً بالنبيّ العربيّ موضحاً لأمره مكثراً من ذكره ﴿وجعلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿في قلوب الذين اتبعوه﴾ أي: على
دينه بغاية جهدهم فكانوا على ﴿ ﴿
منهاجه ﴿رأفة﴾ أي: أشدّ رقة على من كان ينسب إلى الاتصال بهم ﴿ورحمة﴾ أي: رقة وعطفاً على من لم يكن له سبب في الاتصال بهم كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين رحماء بينهم حتى كانوا أذلة على المؤمنين مع أنّ قلوبهم في غاية الصلابة فهم أعزة على الكافرين متوادين بعضهم لبعض وقوله تعالى: ﴿ورهبانية﴾ منصوب بفعل مقدر يفسره الظاهر وهو قوله تعالى: ﴿ابتدعوها﴾ قال أبو علي: ابتدعوا رهبانية ابتدعوها فتكون المسألة من باب الاشتغال وإلى هذا نحا الفارسي والزمخشري وأبو البقاء وجماعة إلا أن هذا يقال: إنه إعراب المعتزلة، وذلك أنهم يقولون: ما كان من فعل الإنسان فهو مخلوق له فالرحمة والرأفة لما كانتا من فعل الله تعالى نسب خلقهما إليه، والرهبانية لما لم تكن من فعل الله تعالى بل من فعل العبد يستقل بفعلها نسب ابتداعها إليه، وقيل: إن رهبانية معطوفة على رأفة ورحمة، وجعل إما بمعنى خلق أو بمعنى صيّر وابتدعوها على هذا صفة الرهبانية، وإنما خصت بذكر الابتداع لأنّ الرأفة والرحمة في القلب أمر غريزي لا تكلف للإنسان فيهما بخلاف الرهبانية فإنها أفعال البدن وللإنسان فيها تكسب، لكن أبو البقاء منع هذا بأن ما جعله الله تعالى ليبتدعونه. وجوابه: ما تقدم من أنه لما كانت مكتسبة صح ذلك بها والمراد من الرهبانية ترهبهم في الجبال فارّين من الفتنة في الدين متحملين كلفاً زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم من الخلو واللباس والخشن والاعتزال عن النساء والتعبد في الكهوف والغيران، روي أنّ ابن عباس ﵄ قال: في أيام الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ غير الملوك التوراة والإنجيل فساح نفر وبقي نفر قليل فترهبوا وتبتلوا؛ قال الضحاك:
стр. 2148
إن ملوكاً بعد عيسى ﵇ ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى فقتلوهم، فقال قوم بقي بعدهم: نحن إذا
نهيناهم قتلونا فليس يسعنا المقام بينهم
فاعتزلوا الناس واتخذوا الصوامع. وقال قتادة: الرهبانية التي ابتعدوها رفض النساء واتخاذ الصوامع. وفي خبر مرفوع هي لحوقهم بالبراري والجبال وقوله تعالى: ﴿ما كتبناها﴾ صفة لرهبانية ويجوز أن يكون استئناف إخبار بذلك، قال ابن زيد: معناه ما فرضناها ﴿عليهم﴾ ولا أمرنا هم بها في كتابهم ولا على لسان رسولهم وقوله تعالى: ﴿إلا ابتغاء رضوان الله﴾ أي: الملك الأعظم استثناء منقطع، أي: ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، وقيل: متصل بما هو مفعول من أجله والمعنى: ما كتبناها عليهم الشيء من الأشياء إلا لابتغاء مرضاة الله ويكون كتب بمعنى: قضى فصار المعنى: كتبناها عليهم ابتغاء مرضاة الله ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ أي: ما قاموا بها حق القيام بل ضموا إليها التثليث وكفروا بدين عيسى ودخلوا في دين ملكهم وبقي على دين عيسى كثير منهم وآمنوا بنبينا محمد ﷺ ﴿فآتينا﴾ أي: بما لنا من صفات الكمال ﴿الذين آمنوا﴾ أي: بالنبيّ ﷺ ﴿منهم أجرهم﴾ أي: اللائق بهم وهو الرضوان المضاعف ﴿وكثير منهم﴾ أي: من هؤلاء الذين ابتدعوها فضيعوا ﴿فاسقون﴾ أي: عريقون في وصف الخروج عن الحدود التي حدّها الله تعالى وهم الذين تركوا الرهبانية وكفروا بدين عيسى ﵇، روى البغوي بسنده عن ابن مسعود أنه قال: «دخلت على رسول الله ﷺ فقال: يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة نجا منهم ثلاث وهلك سائرهم فرقة غزت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى وفرقة لم يكن لهم طاقة بمعاداة الملوك ولا أن يقيموا بين أظهرهم فدعوهم إلى دين الله تعالى ودين عيسى ﵇ فساحوا في البلاد فترهبوا وهم الذين قال الله : ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾ » ثم قال النبي ﷺ «من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم
الهالكون» .
وعن ابن مسعود أيضاً قال: «كنت رديف رسول الله ﷺ على حمار فقال: يا ابن أم عبد هل تدري من أين اتخذت بنو إسرائيل الرهبانية؟ فقلت الله ورسوله أعلم، قال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بالمعاصي فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزموا أهل الإيمان ثلاث مرار فلم يبق منهم إلا القليل فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء قتلونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله تعالى النبيّ الذي وعدنا عيسى ﵇ يعنون محمداً ﷺ فتفرّقوا في غيران الجبال وأحدثوا الرهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر ثم تلا هذه الآية ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم﴾ يعني من ثبت عليها أجرهم ثم قال النبي ﷺ يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي قلت الله ورسوله أعلم قال: الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة»
وعن أنس أنّ النبي ﷺ قال: «إنّ لكلّ أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله تعالى» وعن ابن عباس قال: كانت ملوك بني إسرائيل بعد عيسى ﵇ بدلوا التوراة والإنجيل
стр. 2149
وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله تعالى: فقيل لملوكهم: لو جمعتم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن فيه فجمعهم ملكهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل وإلا فما بدلوا منهما فقالوا نحن نكفيكم أنفسنا، فقالت طائفة: ابنوا لنا اسطوانة ثم ارفعونا إليها أعطونا شيئاً نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم، وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن قدرتم علينا بأرض فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنوا لنا دوراً في الفيافي نحتفر الآبار ونحترث البقر فلا نرد عليكم ولا نراكم ففعلوا بهم ذلك، فمضى أولئك على منهاج عيسى ﵇، وخلف قوم من بعدهم ممن غير الكتاب فجعل الرجل يقول: نكون في مكان فلان فنتعبد كما تعبد ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دوراً كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم فذلك قوله : ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ ابتدعها هؤلاء الصالحون فما رعوها حق رعايتها، يعني الآخرين الذين جاؤوا من بعدهم ﴿فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم﴾ يعني: الذين اتبعوها ابتغاء مرضاة الله ﴿وكثير منهم فاسقون﴾ هم الذين جاؤوا من بعدهم قال: فلما بعث النبي ﷺ ولم يبق منهم إلا القليل انحط رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته وصاحب دير من ديره فآمنوا وصدّقوا فقال الله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: بموسى وعيسى ﵉ إيماناً صحيحاً ﴿اتقوا الله﴾ أي: خافوا عقاب الملك الأعظم ﴿وآمنوا برسوله﴾ محمد ﷺ إيماناً مضموماً إلى إيمانكم بمن تقدّمه، هذا إذا كان خطاباً لمؤمني أهل الكتاب، وأمّا إذا كان خطاباً للمؤمنين من أهل الكتاب وغيرهم، فالمعنى: آمنوا برسوله إيماناً مضموماً إلى إيمانكم بالله تعالى فإنه لا يصح الإيمان بالله إلا مع الإيمان برسوله ﷺ ﴿يؤتكم﴾ أي: يثبكم على اتباعه ﴿كفلين﴾ أي: نصيبين ضخمين ﴿من رحمته﴾ يحصنانكم من العذاب كما يحصن الكفل الراكب من الوقوع وهو كساء يعقد على ظهر البعير فيلقي مقدّمه على الكاهل ومؤخره على العجز وهذا التحصين لأجل إيمانكم بمحمد ﷺ وإيمانكم بمن تقدّمه مع خفة العمل ورفع الآصار، ولا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق وإن كان منسوخاً ببركة الإسلام. وقيل: الخطاب للنصارى الذين كانوا في عصره ﷺ وقال أبو موسى الأشعري: كفلين ضعفين بلسان الحبشة، وقال ابن زيد: كفلين أجر الدنيا وأجر الآخرة، وعن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: «ثلاث يؤتون أجرهم مرتين رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوّجها، ورجل من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد ﷺ وعبد أحسن عبادة الله ونصح سيده» ﴿ويجعل لكم﴾ أي: مع ذلك ﴿نوراً﴾ مجازياً في الدنيا من العلوم والمعارف القلبية وحسياً في الآخرة بسبب العمل ﴿تمشون به﴾ أي: مجازاً في الدنيا بالتوفيق للعمل وحقيقة في الآخرة بسبب العمل، وقال مجاهد: النور هو البيان والهدى، وقال ابن عباس: هو القرآن، وقال الزمخشري: هو النور المذكور في قوله تعالى: ﴿نورهم يسعى﴾ (التحريم: ١)
وقيل: يمشون في الناس يدعونهم إلى الإسلام فيكونون رؤساء في دين الإسلام لا تزول عنكم رياستكم فيه وذلك أنهم خافوا أن تزول
стр. 2150
رياستهم لو آمنوا بمحمد ﷺ وإنما كان يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من الضعفة بتحريف أحكام الله تعالى لا الرياسة الحقيقية في الدين ﴿ويغفر لكم﴾ أي: ما فرط منكم من سهو وعمد وهزل وجدّ ﴿والله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال ﴿غفور﴾ أي: بليغ المحو للذنوب عيناً وأثر ﴿رحيم﴾ أي: بليغ الإكرام لمن يغفر له ويوفقه للعمل بما يرضيه.
ولما بلغ من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله تعالى: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾ قالوا للمسلمين: أمّا من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابكم وبكتابنا ومن لم يؤمن منا فله أجره كأجوركم فما فضلكم علينا فأنزل الله تعالى: ﴿لئلا يعلم﴾ أي: ليعلم ولا زائدة للتأكيد ﴿أهل الكتاب﴾ الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ ﴿أن﴾ مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشان والمعنى أنهم ﴿لا يقدرون على شيء﴾ في زمن من الأزمان ﴿من فضل الله﴾ أي: الملك الأعلى فلا أجر لهم ولا نصيب في فضله إن لم يؤمنوا بنبيه محمد ﷺ وقال قتادة: حسد الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب المؤمنين منهم فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد: قالت اليهود يوشك أن يخرج منا نبيّ يقطع الأيدي والأرجل فلما خرج من العرب كفروا به فنزلت الآية. وروي أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادّعوا الفضل عليهم فنزلت، وقيل: المراد من فضل الله الإسلام، وقيل: الثواب، وقال الكلبي: من رزق الله وقيل: نعم الله تعالى التي لا تحصى ﴿وأنّ﴾ أي: وليعلموا أن ﴿الفضل﴾ أي: الذي لا يحتاج إليه من هو عنده ﴿بيد الله﴾ الذي له الأمر كله ﴿يؤتيه من يشاء﴾ لأنه قادر مختار فآتى المؤمنين منهم أجرهم مرتين ﴿والله﴾ أي: الذي أحاط بجميع صفات الكمال ﴿ذو الفضل العظيم﴾ أي: مالكه ملكاً لا ينفك ولا ملك لأحد فيه معه ولا تصرف بوجه أصلاً فلذلك يخص من يشاء بما يشاء
روى البخاري عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو قائم على المنبر: «إنما بقاؤكم فيمن سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين، قال أهل التوراة: ربنا هؤلاء أقل عملاً وأكثر أجراً قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئاً؟ قالوا: لا، قال فذلك فضلي أوتيه من أشاء» وفي رواية «فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: ربنا» الحديث، وفي رواية «إنما أجلكم في أجل من كان قبلكم خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس» ؟ «وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالاً فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعلمت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط، ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل عطاء قال الله تعالى: هل ظلمتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فإنه فضلي أوتيه من شئت» . وعن أبي موسى الأشعري
стр. 2151
عن النبي ﷺ قال «مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوماً يعملون له عملاً يوماً إلى الليل على أجر معلوم فعملوا إلى نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملاً فأبوا وتركوا واستأجر آخرين من بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا حتى
إذا كان حين صلاة العصر قالوا ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه فقال: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأبوا فاستأجر آخرين على أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكلموا أجر الفريقين كلاهما فذلك مثلهم ومثل ما بقوا من هذا النور» . وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسله» حديث موضوع.
سورة المجادلة
مدنية
في قول الجميع الأرواية عن عطاء إلا العشر الأول منها مدني وباقيها مكي، وقال الكلبي: نزل جميعها بالمدينة غير قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ نزلت بمكة وهي اثنتان وعشرون آية وأربعمائة وثلاث وسبعون كلمة وألف وسبعمائة واثنان وسبعون حرفاً.
﴿بسم الله﴾ الذي تمت قدرته وكملت جميع صفاته ﴿الرحمن﴾ الذي شمل الخلائق جوداً بالإيجاد وإرسال الهداة ﴿الرحيم﴾ الذي خص أصفياءه فتمت عليهم نعمة مرضاته
ونزل في خولة بنت ثعلبة وكانت تحت أوس بن الصامت وكان قد ظاهر منها.
﴿قد سمع الله﴾ أي: أجاب بعظيم فضله الذي أحاط بجميع صفات الكمال فوسع سمعه الأصوات ﴿قول التي تجادلك﴾ أي: تراجعك أيها النبيّ ﴿في زوجها﴾ المظاهر منها روي «أنّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مرّ بها في خلافته وهو على حمار والناس معه، فاستوقفته طويلاً ووعظته وقالت: يا عمر قد كنت تدعى عميراً ثم قيل لك: عمر ثم قيل لك: أمير المؤمنين فاتق الله يا عمر فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت ومن أيقن بالحساب خاف العذاب وهو واقف يسمع كلامها فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الموقف فقال: والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة أتدرون من هذه العجوز هي: خولة بنت ثعلبة سمع الله تعالى قولها من فوق سبع سموات أيسمع ربّ العالمين قولها ولا يسمعه عمر» وعن عائشة: «تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهمّ إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل بهذه الآية ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ الآية. وروي «أنها كانت حسنة الجسم فرآها زوجها ساجدة فنظر عجيزتها فأعجبه أمرها فلما انصرفت أرادها فأبت فغضب عليها، قال عروة: وكان امرأ به لمم فأصابه بعض لممه فقال لها: أنت عليّ كظهر أمي وكان الإيلاء والظهار من الطلاق في الجاهلية، فسألت النبي ﷺ فقالت:
стр. 2152
إنّ أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوب فيّ فلما علا سنى ونثرت بطني أي: كثر ولدي جعلني عليه كأمّه فقال لها النبيّ ﷺ حرمت عليه فقالت: والله ما ذكر طلاقاً وإنه أبو ولدي وأحب الناس إليّ، فقال رسول الله ﷺ حرمت عليه فقالت أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي فقد طالت صحبتي ونفضت له بطني، فقال رسول الله ﷺ ما آراك إلا حرمت عليه
أو أومر في شأنك بشيء فجعلت تراجع رسول الله ﷺ وإذا قال لها رسول الله ﷺ حرمت عليه، هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدّة حالي وأنّ لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليّ جاعوا وإن ضممتهم إليه ضاعوا وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهمّ أني أشكو إليك، فأنزل على لسان نبيك وكان هذا أوّل ظهار في الإسلام، فأنزل الله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ الآية فأرسل رسول الله ﷺ إلى زوجها وقال: ما حملك على ما صنعت قال: الشيطان فهل من رخصة؟ فقال: نعم وقرأ عليه الأربع آيات فقال له هل تستطيع العتق فقال لا والله فقال هل تستطيع الصوم؟ فقال لا والله إني إن أخطأني أن آكل في اليوم مرّة أو مرتين لكل صبري ولظننت أني أموت قال: فأطعم ستين مسكيناً، قال: ما أجد إلا أن تعينني منك بعون وصلة فأعانه رسول الله ﷺ بخمسة عشر صاعاً، وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين مسكيناً» .
وروي أنه ﷺ قال لها مريه أن يعتق رقبة فقالت: أيّ رقبة والله لا يجد رقبة وما له خادم غيري، فقال: مريه أن يصوم شهرين، فقالت: والله ما يقدر على ذلك إنه يشرب في اليوم كذا كذا مرّة، فقال: مريه فليطعم ستين مسكيناً، فقالت: أنّى له ذلك» ﴿وتشتكي﴾ أي: تتعمد بتلك المجادلة الشكوى منتهية ﴿إلى الله﴾ أي: سؤال الملك الأعظم الرحمة الذي أحاط بكل شيء علماً.
فإن قيل: ما معنى قد في قوله تعالى: ﴿قد سمع﴾ أجيب: بأنّ معناها التوقع لأنّ رسول الله ﷺ والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله تعالى تجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما يفرّج عنها لصدقها في شكواها وقطع رجائها في كشف ما بها من غير الله إنّ الله تعالى يكشف كربتها ﴿والله﴾ أي: والحال أنّ الذي وسعت رحمته كلّ شيء، لأنّ له الأمر كله ﴿يسمع تحاوركما﴾ أي: تراجعكما الكلام وهو على تغليب الخطاب ﴿إن الله﴾ أي: الذي أحاط بجميع صفات الكمال ﴿سميع﴾ أي: بالغ السمع لكل مسموع ﴿بصير﴾ أي: بالغ البصر لكل ما يبصر فهما صفتان كالعلم والقدرة والحياة والإرادة وهما من صفات الذات لم يزل الخالق سبحانه متصفاً بهما
ولما أتم تعالى الخبر عن إحاطة العلم استأنف الإخبار عن حكم الأمر المجادل بسببه فقال تعالى: ﴿الذين يظهرون﴾ أي: يوجدون الظهار في أي زمان كان وقوله تعالى: ﴿منكم﴾ أي: أيها العرب المسلمون توبيخ لهم وتهجين لعادتهم لأنّ الظهار كان خاصاً بالعرب دون سائر الأمم فنبه تعالى على أنّ اللائق بهم أن يكونوا أبعد الناس عن هذا الكلام لأنّ الكذب لم يزل مستهجناً عندهم في الجاهلية ثم زاده الإسلام استهجاناً ﴿من نسائهم﴾ أي: يحرمون نساءهم على أنفسهم تحريم الله تعالى عليهم ظهور أمّهاتهم.
والظهار لغة: مأخوذ من الظهر لأنّ صورته الأصلية أن يقول لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي، وخصوا الظهر دون البطن
стр. 2153
والفخذ وغيرهما لأنه موضع الركوب والمرأة مركوب الزوج.
وقيل: من العلو قال تعالى: ﴿فما اسطاعوا أن يظهروه﴾ (الكهف: ٩٧)
أي: أن يعلوه وكان طلاقاً في الجاهلية، وقيل: في أوّل الإسلام ويقال: كان في الجاهلية إذا كره أحدهم أمرأته أنه ولم يرد أن تتزوج بغيره آلى منها أو ظاهر فتبقى لا ذات زوج ولا خلية تنكح غيره؛ فغير الشارع حكمه إلى تحريمها بعد العود ولزوم الكفارة كما سيأتي.
وحقيقته الشرعية: تشبيه الزوجة غير البائن بأنثى لم تكن حلاله وسمى هذا المعنى ظهاراً لتشبيه الزوجة بظهر الأم، وله أركان أربعة: مظاهر ومظاهره منها وصيغة ومشبه به وشرط في المظاهر كونه زوجاً يصح طلاقه، وشرط في المشبه به كونه كلّ أنثى محرم أو جزء أنثى محرم لم تكن حلاله كابنته وأخته، وشرط في الصيغة لفظ يشعر بالظهار صريح كأنتِ أو رأسك أو بدنك كظهر أمي أو كجسمها أو بدنها أو كناية كانت أمي أو كعينها أو غيرها مما يذكر للكرامة كرأسها أو روحها ويصح تأقيته وتعليقه، وأصل يظهرون يتظهرون أدغمت التاء في الظاء وقرأ ﴿الذين يظاهرون﴾ و ﴿الذي يظاهرون﴾ عاصم بضم الياء وتخفيف الظاء وبعدها ألف وتخفيف الهاء مكسورة، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح الياء وتشديد الظاء وتخفيف الهاء مع فتحها وبين الظاء والهاء ألف، والباقون بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء ولا ألف بينهما ﴿ما هنّ﴾ أي: نساؤهم ﴿أمهاتهم﴾ أي: على الحقيقة ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أمهاتهم﴾ أي: حقيقة ﴿إلا اللائي ولدنهم﴾ ونساؤهم لم يلدنهم فلا يحرمن عليهم حرمة مؤبدة للإكرام والاحترام، ولا هنّ ممن ألحق بالأمهات بوجه يصح كأزواج النبيّ ﷺ فإنهنّ أمّهات لما لهنّ من حق الإكرام والاحترام والإعظام؛ لأنّ النبيّ ﷺ أعظم في أبوة الدين من أبي النسب، وكذا المرضعات، لما لهنّ من حق الرضاع الذي هو وظيفة الأمّ بالأصالة.
وأمّا الزوجة فمباينة لجميع ذلك.
وقرأ قالون وقنبل: بالهمزة المكسورة ولا ياء بعدها، وقرأ ورش والبزي وأبو عمرو بتسهيل الهمزة مع المدّ والقصر وللبزي وأبو عمر وأيضاً موضع الهمزة ياء ساكنة مع المدّ والباقون بهمزة مكسورة وبعدها ياء وهم على مراتبهم في المدّ ﴿وإنهم﴾ أي: المظاهرون ﴿ليقولون﴾ أي: في هذا التظهر على كلّ حالة ﴿منكراً من القول﴾ إذ الشرع أنكره وهو حرام إتفاقاً كما نقل عن الرافعي في باب الشهادات ﴿وزوراً﴾ أي: قولاً مائلاً عن السداد منحرفاً عن القصد، لأنّ الزوجة معدّة للاستمتاع الذي هو في الغاية من الامتهان والأمّ في غاية البعد عن ذلك.
فإن قيل: المظاهر إنما قال: أنت عليّ كظهر أمي فشبه بأمه ولم يقل أنها أمّه فما معنى أنه منكر من القول وزور والزور الكذب وهذا ليس بكذب.
أجيب: بأنّ قوله هذا إن كان خبراً فهو كذب وإن كان إنشاء فهو كذلك لأنه جعله سبباً للتحريم والشرع لم يجعله سبباً لذلك، وأيضاً فإنما وصف بذلك لأنّ الأم مؤبدة التحريم والزوجة لا يتأبد تحريمها بالظهار فهو زور محض.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿إلا اللائي ولدنهم﴾ يقتضي أن لا أمّ إلا الوالدة وهذا مشكل بقوله تعالى: ﴿وأمّهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ (النساء: ٢٣)
وقوله تعالى: ﴿وأزواجه أمّهاتهم﴾ (الأحزاب: ٦)
أجيب: بأنّ الشارع ألحقهنّ بالوالدات لما مر ﴿وإن الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه في شرع ولا غيره ﴿لعفوّ﴾ أي: من صفاته أن يترك عقاب من شاء ﴿غفور﴾ أي: من صفاته أن يمحو عين الذنب وأثره.
стр. 2154
ثم بين أحكام الظهار بقوله تعالى: ﴿والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا﴾ والعود في ظهار غير مؤقت من غير رجعية أن يمسكها بعد ظهاره مع علمه بوجود الصفة في المعلق زمن إمكان فرقة ولم يفارق، لأن العود للقول مخالفته، يقال: قال فلان قولاً ثم عادله وعاد فيه أي: خالفه ونقضه، وهو قريب من قولهم عاد في هبته، ومقصود الظهار وصف المرأة بالتحريم وإمساكها يخالفه، فلو اتصل بظهاره جنونه أو إغماؤه أو فرقة بموت أو فسخ من أحدهما بمقتضية كعيب بأحدهما أو بطلاق بائن أو رجعي ولم يراجع فلا عود، والعود في ظهار غير مؤقت من رجعية سواء أطلقها عقب الظهار أم قبله أن يراجع.
ولو ارتد متصلاً بالظهار بعد الدخول ثم أسلم في العدّة فلا عود بالإسلام بل بعده، والفرق أنّ الرجعة إمساك في ذلك النكاح والإسلام بعد الردّة تبديل للدّين الباطل بالحق والحّل تابع له فلا يحصل به إمساك وإنما يحصل بعده فالعود في ظهار مؤقت يحصل بتغييب حشفة أو قدرها من فاقدها في المدّة ويجب في العود به وإن حلّ نزع لما غيبه، كما لو قال: إن وطأتك فأنت طالق لحرمة الوطء قبل التكفير كما سيأتي وانقضاء المدة واستمرار الوطء وطء ولما كان المبتدأ الموصول يتضمن معنى الشرط أدخل الفاء في خبره ليفيد السببية فيتكرّر الوجوب بتكرير سببه فقال عز من قائل: ﴿فتحرير﴾ أي: فعليهم بسبب هذا الظهار والعود تحرير ﴿رقبة﴾ مؤمنة فلا تجزىء كافرة قال تعالى في كفارة القتل: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ (النساء: ٩٢)
وألحق بها غيرها قياساً عليها بجامع حرمة سببيهما من القتل والظهار أو حملاً للمطلق على المقيد كما في حمل المطلق في قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهدين من رجالكم﴾ (البقرة: ٢٨٢)
على المقيد في قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (الطلاق: ٢)
بلا عوض ولا بعيب يخل بعمل فيجزئ صغير ولو ابن يوم وأقرع وأعرج يمكنه تباع مشي بأن يكون عرجه غير شديد وأعور لم يضعف عوره بصر عينه السليمة ضعفاً يخل بالعمل وأصم وأخرس يفهم الإشارة وتفهم عنه وأخشم وفاقد أنفه وأذنيه وأصابع رجليه لا فاقد رجل أو خنصر وبنصر من يد أو أنملتين من كلّ منهما أو فاقد أنملتين من أصبع غيرهما أو فاقد أنملة إبهام لا خلال كل من الصفات المذكورة بالعمل.
ولا يجزىء مريض لا يرجى برؤه ولم يبرأ كيد شلاء وهرم بخلاف من يرجى برؤه ومن لا يرجى برؤه إذا برىء، ولا مجنون إفاقته أقلّ من جنونه تغليباً للأكثر، ويجزئ معلق عتقه بصفة بأن ينجز عتقه بنية الكفارة أو معلقه كذلك بصفة أخرى وتوجد قبل الأولى، ويجزئ نصفا رقبتين أعتقهما عن كفارة باقيهما أو في أحدهما كما استظهره بعضهم، ويجزئ إعتاق رقبتيه عن كفارتيه لأجعل العتق المعلق كفارة عند وجود الصفة ولا مستحق عتق كأم ولد وصحيح كتابة ﴿من قبل أنّ يتماسا﴾ أي: يتجدّد بينهما مس روى أبو داود وغيره «أنه ﷺ قال لرجل ظاهر من امرأته وواقعها: لا تقربها حتى تكفّر» . وكالتكفير مضى مدة المؤقت لانتهائه بها وحمل التماس هنا لشبه الظهار بالحيض على التمتع بما بين السرّة والركبة ومن حمله على الوطء ألحق به التمتع بغيره فيما بينهما، ولو ظاهر من أربع بكلمة كأنتن كظهر أمي فإن أمسكهنّ فأربع كفارات لوجود سببها أو ظاهر منهنّ بأربع كلمات ولو متوالية فعائد من غير أخيرة، ولو كرر في امرأة متصلاً تعدد الظهار إن قصد استئنافاً ويصير المظاهر بالاستئناف عائداً
стр. 2155
﴿ذلكم﴾ أي: ذلك الحكم بالكفارة ﴿توعظون به﴾ أي: أن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار ولا تعاودوه ﴿والله﴾ أي: الذي له الإحاطة بالكمال ﴿بما تعملون﴾ أي: تجدّدون فعله ﴿خبير﴾ أي: عالم بظاهره وباطنه فهو عالم بما يكفره فافعلوا بما أمر به وقفوا عند حدوده، وإنما يلزم الإعتاق عن الكفارة من ملك رقيقاً أو
ثمنه فاضلاً عن كفاية ممونة من نفسه وغيره.
قال الرافعي: وسكتوا عن تقدير مدة ذلك ويجوز أن تقدر بالعمر الغالب وأن تقدّر بسنة ا. هـ. والذي عليه الجمهور هو: الأوّل ولا يلزمه بيع عقار ورأس تجارة وماشية لا يفضل دخلوها عن غلة العقار وربح مال التجارة وفوائد الماشية من نتاج وغيره عن كفاية ممونة ولا بيع مسكن ورقيق نفيسين ألفهما ولا يلزمه شراء بغبن.
﴿فمن لم يجد﴾ أي: الرقبة بأن عجز المكفر عن الإعتاق حساً أو شرعاً وقت أداء الكفارة ﴿فصيام﴾ أي: فعليه صيام ﴿شهرين متتابعين﴾ عن كفارته فالرقيق لا يكفر إلا بالصوم لأنه معسر لا يملك شيئاً وليس لسيده منعه من الصوم إن ضره، وإنما اعتبر العجز وقت الأداء لا وقت الوجوب قياساً على سائر العبادات.
ولو ابتدأ الصوم ثم وجد الرقبة لم يلزمه الانتقال عنه، لأنه أمر به حيث دخل فيه، وقال أبو حنيفة: يعتق قياساً على الصغيرة المعتدة بالشهور إذا رأت الدم قبل انقضاء عدّتها فإنها تستأنف الحيض إجماعاً ويكفيه نية صوم الكفارة، وإن لم ينو الولاء، فإن انكسر الشهر الأول أتمه من الثالث ثلاثين لتعذر الرجوع فيه إلى الهلال.
وينقطع التتابع بفوات يوم ولو بعذر كمرض أو سفر فيجب الاستئناف ولو كان الفائت اليوم الأخير أو اليوم الذي نسيت النية له بخلاف ما إذا فات بجنون أو إغماء مستغرق لمنافاة ذلك الصوم ﴿من قبل أن يتماسا﴾ كما مرّ في العتق، فإن جامع ليلاً عصى ولم ينقطع التتابع لأنه ليس محلاً للصوم بخلافه نهاراً وقال أبو حنيفة ومالك: يبطل بكلّ حال ويجب عليه ابتداء الكفارة لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ .
﴿فمن لم يستطع﴾ بأن عجز عن صوم أو لا لمرض يدوم شهرين بالظنّ المستفاد من العادة في مثله أو من قول الأطباء أو لمشقة شديدة تلحقه بالصوم أو بولائه ولو كانت المشقة لشدّة شهوة الوطء أو خوف زيادة مرض ﴿فإطعام﴾ أي: فعليه إطعام ﴿ستين مسكيناً﴾ أي: من قبل أن يتماسا حملاً للمطلق على المقيد بأن يملك كل مسكين من أهل الزكاة مدّاً من جنس الفطرة كبر وشعير وأقط ولبن فلا يجزئ لحم ودقيق وسويق، وخرج بأهل زكاة غيره فلا يجزئ دفعها لكافر ولا لهاشميّ ومطلبيّ ولا لمواليهما ولا لمن تلزمه مؤنته ولا لرقيق، لأنها حق الله تعالى فاعتبر فيها صفات الكمال.
﴿ذلك﴾ أي: الترخيص العظيم لكم والرفق بكم والبيان الشافي من أمر الله الذي هو موافق للحنيفية السمحة ملة أبيكم إبراهيم ﵇ ﴿لتؤمنوا﴾ أي: ليتحقق إيمانكم ﴿بالله﴾ أي: الملك الذي لا أمر لأحد معه فتطيعوا بالانسلاخ عن أمر الجاهلية ﴿ورسوله﴾ أي: الذي تعظيمه من تعظيمه.
ولما رغب في هذا الحكم رهب في التهاون به بقوله تعالى: ﴿وتلك﴾ أي: هذه الأحكام العظيمة المذكورة ﴿حدود الله﴾ أي: أوامر الملك الأعظم ونواهيه التي يجب امتثالها والتعبد بها لترعى حق رعايتها فالتزموها وقفوا عندها ولا تعدوها، فإنه لا يطاق انتقامه إذا تعدّى نقضه وإبرامه ﴿وللكافرين﴾ أي: العريقين في الكفر بها أو بشيء
стр. 2156
من شرائعه ﴿عذاب أليم﴾ أي: بما آلموا المؤمنين به من الاعتداء فإن عجز عن جميع خصال الكفارة لم تسقط الكفارة عنه بل هي باقية في ذمته إلى أن يقدر على شيء منها، فإذا قدر عل خصلة من خصالها فعلها، ولا يتبعض العتق ولا الصوم بخلاف الإطعام حتى لو وجد بعض مدّ أخرجه، لأنه لا بدل له وبقي الباقي في ذمته.
قال الزمخشري: فإن قلت فإذا امتنع المظاهر من الكفارة هل للمرأة أن تدافعه قلت لها ذلك وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر وأن يحبسه، ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها لأنه يضرّ بها في ترك التكفير والانتفاع بحق الاستمتاع فيلزم أبداً حقها فإن قلت: فإن مس قبل أن يكفر قلت عليه أن يستغفر ولا يعود حتى يكفر لما روي أن سلمة بن صخر البياضي قال لرسول الله ﷺ ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها فقال ﵊: استغفر ربك ولا تعد حتى تكفر» ا. هـ. والمراد بالاستغفار هنا: التوبة.
ولما ذكر تعالى المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادين المخالفين لها بقوله تعالى: ﴿إن الذين يحادّون الله﴾ أي: يغالبون الملك الأعلى على حدوده ليجعلوا حدوداً غيرها وذلك صورته صورة العداوة؛ لأنّ المحادة المعاداة والمخالفة في الحدود وهو كقوله تعالى: ﴿ومن يشاق الله﴾ (الحشر: ٤)
﴿ورسوله﴾ أي: الذي عزه من عزه، وقيل: يحادّون الله أي: أولياء الله كما في الخبر «من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة» والضمير في قوله تعالى: ﴿إن الذين يحادّون الله ورسوله﴾ يحتمل أن يرجع إلى المنافقين، فإنهم كانوا يوادّون الكافرين ويظاهرونهم على النبيّ ﷺ فأذلهم الله تعالى ويحتمل أن يرجع لجميع الكفار فأعلم الله تعالى نبيه ﷺ أنهم ﴿كبتوا﴾ أي: أذلوا وقال أبو عبيدة والأخفش: أهلكوا، وقال قتادة: أخذوا، وقال أبو زيد: عذبوا، وقال السدي: لعنوا، وقال الفراء: أغيظوا يوم الخندق.
وقيل: يوم بدر ﴿كما كبت الذين من قبلهم﴾ أي: المحادّين المخالفين رسلهم كقوم نوح ومن بعدهم ممن أصرّ على العصيان.
قال القشيريّ: ومن ضيع لرسول الله ﷺ سنة أو أحدث في دينه بدعة انخرط في هذا السلك ﴿وقد أنزلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة عليكم وعلى من قبلكم ﴿آيات بينات﴾ أي: دلالات عظيمة هي في غاية البيان لذلك ولكل ما يتوقف عليه الإيمان كترك المحادّة وتحصيل الإذعان ﴿وللكافرين﴾ أي: الراسخين في الكفر بالآيات أو بغيرها من أوامر الله تعالى: ﴿عذاب مهين﴾ بما تكبروا واعتدوا على أولياء الله تعالى وشرائعه يهينهم ذلك العذاب ويذهب عزهم وشماختهم ويتركون به محادتهم.
وقوله تعالى: ﴿يوم﴾ منصوب باذكر كما قاله الزمخشري قال: تعظيماً لليوم أو بلهم أي بالاستقرار الذي تضمنه لوقوعه خبراً أو بفعل مقدّر قدّره أبو البقاء يهانون أو يعذبون أو استقرّ ذلك يوم ﴿يبعثهم الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿جميعاً﴾ أي: حال كونهم مجتمعين، الكافرين المصرّح بهم والمؤمنين المشار إليهم الرجال والنساء أحياء كما كانوا لا يترك منهم أحد، وقيل: مجتمعين في حال واحد ﴿فينبئهم﴾ أي: يخبرهم أخباراً عظيماً مستقصى ﴿بما عملوا﴾ تخجيلاً وتوبيخاً وتشهيراً لحالهم ﴿أحصاه الله﴾ أي: أحاط به عدداً وكماً وكيفاً وزماناً ومكاناً بماله من صفات الكمال والجلال ﴿ونسوه﴾ لأنهم تهاونوا به حيث ارتكبوه ولم يبالوا به لضر أو تهم بالمعاصي وإنما تحفظ
стр. 2157
معظمات الأمور أو لخروجه عن الحدّ في الكثرة فكيف كل واحد على انفراده ﴿والله﴾ أي: بماله من القدرة الشاملة والعلم المحيط ﴿على كل شيء﴾ أي: على الإطلاق ﴿شهيد﴾ أي: حفيظ حاضر لا يغيب ورقيب لا يغفل.
ثم إنه تعالى أكد بيان كونه عالماً بكل المعلومات فقال جل ذكره:
﴿ألم تر﴾ أي: تعلم علماً هو في وضوحه كالرؤية بالعين ﴿أنّ الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال كلها ﴿يعلم ما في السموات﴾ كلها ﴿وما في الأرض﴾ كذلك كليات ذلك وجزئياته لا يغيب عنه شيء منه بدليل أنّ تدبيره محيط بذلك على أتم ما يكون، وهو يخبر من شاء من أنبيائه وأصفيائه بما يشاء من أخبار ذلك القاصية والدانية والماضية والآتية فيكون كما أخبر، وقوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى﴾ يكون فيه من كان التامة، ومن نجوى فاعلها، ومن مزيدة فيه أي: ما يقع من تناجي ﴿ثلاثة﴾ ويجوز أن يقدره مضاف أي: أهل نجوى فيكون ثلاثة صفة لأهل وإن يؤوّل نجوى بمتناجين جعلوا نجوى مبالغة فيكون ثلاثة صفة لنجوى واشتقاقها من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض فإنّ السر يرتفع إلى الذهن لا يتيسر لكل أحد أن يطلع عليه وقوله تعالى: ﴿إلا هو رابعهم﴾ استثناء من أعمّ الأحوال.
أي: ما يوجد شيء من هذه الأشياء في حال من الأحوال إلا وهو يعلم نجواهم كأنه حاضر معهم وشاهدهم كما تكون نجواهم عند الرابع الذي يكون معهم ﴿ولا خمسة﴾ أي: من نجواهم ﴿إلا هو سادسهم﴾ أي: يعلم نجواهم كما مرّ.
فإن قيل: ما الداعي إلى تخصيص الثلاثة والخمسة؟ أجيب: بوجهين أحدهما: أن قوماً من المنافقين تحلقوا للتناجي فيما بينهم دون المؤمنين وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم مغايظة للمؤمنين على هذين العددين ثلاثة وخمسة، فقيل: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة كما ترونهم يتناجون ﴿ولا أدنى من ذلك﴾ أي: من عددهم ﴿ولا أكثر﴾ أي: من ذلك ﴿إلا هو معهم﴾ يسمع ما يقولون ﴿أينما﴾ أي: في أي مكان ﴿كانوا﴾ فإنه لا مسافة بينه وبين شيء فقد روي عن ابن عباس: أنها نزلت في ربيعة وخبيب ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوماً يتحدّثون فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً وقال الثالث: إن كان يعلم بعضه فهو يعلم كله وصدق لأنّ من علم بعض الأشياء بغير سبب فقد علمها كلها، لأنّ كونه عالماً بغير سبب ثابت له مع كل معلوم.
والوجه الثاني: أنه قصد أن يذكر ما جرت عليه العادة من أعداد أهل النجوى والمتخالين للشورى والمندوبون لذلك ليسوا بكل أحد وإنما هم طائفة مجتباة من أولي النهي والأحلام ورهط من أهل الرأي والتجارب، وأوّل عددهم اثنان فصاعداً إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال، وحكم به الاستصواب.
ألا ترى إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه كيف ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع فذكر الثلاثة والخمسة وقال ﴿ولا أدنى من ذلك﴾ فدلّ على الاثنين والأربعة، وقال: ﴿ولا أكثر﴾ فدلّ على ما يلي هذا العدد ويقاربه، وروي أنه ﵊ قال في خطبته الكبرى أخرجها الحارث ابن أبي أسامة رقى المنبر وقال: «يا أيها الناس ادنوا واسمعوا لمن خلفكم ثلاث مرات» فدنا الناس وانضمّ بعضهم إلى بعض والتفتوا فلم يروا أحداً فقال: رجل منهم بعد الثالثة: لمن نسمع
стр. 2158
يا رسول الله الملائكة فقال: «لا أنهم إذا كانوا معكم لم يكونوا بين أيديكم ولا خلفكم ولكن عن أيمانكم وعن شمائلكم» وعلى ذلك فليسوا في مكان الإيمان هنا والشمائل بل في المكانة من ذلك فالله ﷻ أعلى وأجل وأنزه مكانة وأكرم استواء ﴿ثم ينبئهم﴾ أي: يخبر أصحاب النجوى أخباراً عظيماً ﴿بما عملوا﴾ دقيقه وجليله ﴿يوم القيامة﴾ الذي هو المراد الأعظم من الوجود لإظهار الصفات العلا فيه أتم إظهار ﴿إنّ الله﴾ الذي له الكمال كله ﴿بكل شيء﴾ أي: مما ذكر وغيره ﴿عليم﴾ أي: بالغ العلم فهو على كل شيء شهيد وهذا تحذير من المعاصي وترغيب في الطاعات.
واختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿ألم تر﴾ أي: تعلم علماً هو كالرؤية ﴿إلى الذين نهوا عن النجوى﴾ فقيل: في اليهود وقيل: في المنافقين، وقيل: في فريق من الكفار وقيل في فريق من المسلمين لما روى أبو سعيد الخدري قال: «كنا ذات ليلة نتحدث إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال ﷺ ما هذه النجوى فقلنا تبنا إلى الله تعالى يا رسول الله إنا كنا في ذكر المسيخ يعني الدجال فرقاً منه، فقال رسول الله ﷺ ألا أخبركم بما هو أخوف عندي منه قلنا بلى يا رسول الله قال: الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل» ذكره الماوردي.
وقال ابن عباس: «نزلت في اليهود والمنافقين، كانوا يتناجون فيما بينهم وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم يوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم فيحزنون لذلك ويقولون: ما نراهم إلا وقد بلغهم من إخواننا الذين خرجوا وفي السرايا قتل أو موت أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم، فلما طال ذلك عليهم وأثر شكوا إلى رسول الله ﷺ فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم فأنزل الله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى﴾ ﴿ثم يعودون﴾ أي: على سبيل الاستمرار، لأنه وقع مرّة وبادروا إلى التوبة منها أو فلتة معفواً عنها ﴿لما نهوا عنه﴾ أي: من غير أن يعتدوا لما يتوقع من جهة الناهي من الضرر عنده ﴿ويتناجون﴾ أي: يقبل بعضهم على المناجاة إقبالاً واحداً فيفعل كل منهم منها ما يفعله الآخر مرّة بعد أخرى على سبيل الاستمرار.
وقرأ حمزة بعد الياء: بنون ساكنة وبعدها ثاء فوقية مفتوحة ولا ألف قبل الجيم وضم الجيم، والباقون بتاء فوقية مفتوحة وبعدها نون مفتوحة وبعد النون ألف وفتح الجيم ﴿بالإثم﴾ أي: بالشيء الذي لا يثبت عليهم به الذنب وبالكذب وبما لا يحل ﴿والعدوان﴾ أي: العدوان الذي هو نهاية في قصد الشرّ بالإفراط في مجاوزة الحدود ﴿ومعصيت الرسول﴾ أي: مخالفة النبيّ الذي جاء إليهم من الملك الأعلى وهو كامل في الرسالة لكونه مرسلاً إلى جميع الخلق وفي كل الأزمان فلا نبيّ بعده فهو لذلك مستحق غاية الإكرام.
فائدة: رسمت معصية في الموضعين بالتاء المجرورة، وإذا وقف عليها فأبو عمرو وابن كثير والكسائي بالهاء في الوقف، والكسائي بالإمالة في الوقف على أصله ووقف الباقون بالتاء على الرسم واتفقوا في الوصل على التاء
﴿وإذا جاؤوك﴾ أي: يا أشرف الخلق ﴿حيوك﴾ أي: واجهوك بما يعدونه تحية ﴿بما لم يحيك به الله﴾ أي: الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه «وذلك أنّ اليهود كانوا يدخلون على النبيّ ﷺ ويقولون السام عليك، والسام
стр. 2159
الموت وهم يوهمون أنهم يقولون السلام عليك وكان النبيّ ﷺ يرد عليهم فيقول: وعليكم فقالت السيدة عائشة: السام عليكم ولعنة الله وغضبه عليكم، فقال رسول الله ﷺ مهلاً يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش، فقالت: أو لم تسمع ما قالوا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ أو لم تسمعي ما قلت، رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيّ» وقال النبي ﷺ عند ذلك: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: عليك ما قلت» فأنزل الله تعالى: ﴿وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله﴾ وروى أنس أنه ﷺ قال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم» بالواو فقال بعض العلماء: إنّ الواو العاطفة تقتضي التشريك فيلزم منه أن ندخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت أو من سآمة ديننا وهو الملال يقال سئم يسأم سأمة وسأماً، وقال بعضهم: الواو زائدة كما زيدت في قول الشاعر:
*فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى*
أي: لما أجزنا انتحى فزاد الواو وقال: آخرون هي للاستئناف، كأنه قيل: والسام عليكم، وقال آخرون: هي على بابها من العطف ولا يضرّنا ذلك لأنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا كما تقدّم في قوله ﷺ لعائشة.
تنبيه: اختلف العلماء في ردّ السلام على أهل الذمة فقال ابن عباس والشعبي وقتادة: هو واجب لظاهر الأمر بذلك، وقال مالك: ليس بواجب فإن رددت فقل وعليك، وعندنا يجب أن يقول له وعليك لما مرّ في الحديث، وقال بعضهم: يقول في الردّ علاك السلام أي: ارتفع عنك، وقال بعض المالكية: يقال في الردّ السلام عليك بكسر السين يعني الحجارة
ولما كانوا يخفون ذلك جهدهم ويظنون بإملاء الله تعالى لهم أنه ﷺ لا يطلع عليه وإن اطلع عليه لم يقدر أن ينتقم منهم عبر عن ذلك بقوله تعالى: ﴿ويقولون في أنفسهم﴾ من غير أن يطلع عليه أحد ﴿لولا﴾ أي: هلا ولم لا ﴿يعذبنا الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿بما نقول﴾ أي: لو كان نبيناً لعذبنا الله بما نقول وقيل: قالوا إنه يردّ علينا ويقول: وعليكم السام فلو كان نبياً لاستجيب له فينا ومتنا وهذا موضع تعجب منهم فإنهم كانوا أهل الكتاب وكانوا يعلمون أنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يغضبون فلا يعاجلون من يغضبهم بالعذاب ﴿حسبهم﴾ أي: كافيهم في الانتقام ﴿جهنم﴾ أي: الطبقة التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة والفظاظة فإن حصل لهم في الدنيا عذاب كان زيادة على الكفاية فاستعجالهم بالعذاب محض رعونة ﴿يصلونها﴾ أي: يقاسون عذابها دائماً، فإنا قد أعددناها لهم ﴿فبئس المصير﴾ أي: مصيرهم.
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة ﴿إذا تناجيتم﴾ أي: اطلع كل منكم الكلام من نفسه فرفعه وكشفه لصاحبه سرّاً ﴿فلا تتناجوا﴾ أي: توجدوا هذه الحقيقة ﴿بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول﴾ أي: الكامل في الرسالة كفعل المنافقين واليهود، وقال مقاتل: أراد تعالى بقوله: ﴿آمنوا﴾ المنافقين آمنوا بلسانهم، وقال عطاء: يريد الذين آمنوا بزعمهم، وقيل: يا أيها الذين آمنوا بموسى ﴿وتناجوا بالبرّ والتقوى﴾ أي: الطاعة والعفاف عما نهى الله تعالى عنه ﴿واتقوا الله﴾ أي: اقصدوا قصداً يتبعه العمل بأن تجعلوا بينكم وبين سخط الملك الأعظم وقاية ﴿الذي إليه﴾ خاصة ﴿تحشرون﴾ أي: تجمعون
стр. 2160
بأيسر أمر وأسهله بقهر وكره وهو يوم القيامة، فيتجلى فيه سبحانه للحكم بين الخلق والإنصاف بينهم بالعدل ومحاسبتهم على النقير والقطمير، لا تخفى عليه خافية ولا تقي منه واقية.
﴿إنما النجوى﴾ أي: المعهود وهي المنهي عنها ﴿من الشيطان﴾ أي: مبتدئة وممتدّة من المحترق بطرده عن رحمة الله تعالى، فإنه الحامل عليها بتزيينها ففاعلها تابع لأعدى أعدائه مخالف لأعظم أوليائه ﴿ليحزن﴾ أي: الشيطان ﴿الذين آمنوا﴾ أي: ليوهمهم أنها لسبب شيء وقع مما يؤذيهم، والحزن همّ غليظ وتوجع يدق، يقال: حزنه وأحزنه بمعنى، قال في القاموس: أو أحزنه جعله حزيناً.
وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه، والباقون بفتح الياء وضم الزاي من حزن، والقراءة الأولى أشد في المعنى على ما في القاموس
﴿وليس﴾ أي: الشيطان أو ما حمل عليه من التناجي ﴿بضارهم﴾ أي: الذين آمنوا ﴿شيأ﴾ من الضرر وإن قلّ ﴿إلا بأذن الله﴾ أي: بمشيئة الملك المحيط علماً وقدرة.
فإن قيل: كيف لا يضرّهم ذلك ولا يحزنهم إلا بإذن الله؟ أجيب: بأنهم كانوا يوهمون المؤمنين في نجواهم وتفاخرهم أنّ غزاتهم غلبوا وأنّ أقاربهم قتلوا فقال تعالى: ﴿لا يضرّهم الشيطان﴾ والحزن بذلك الموهم إلا بأذن الله تعالى أي: بمشيئته وهو أن يقضي الموت على أقاربهم والغلبة على الغزاة ﴿وعلى الله﴾ أي: الملك الذي لا كفء له لا على أحد غيره ﴿فيتوكل المؤمنون﴾ أي: الراسخون في الإيمان في جميع أمورهم، فإنه القادر وحده على إصلاحها وإفسادها فلا يحزنوا من أحد أن يكيدهم بسرّه ولا يجهره فإنهم توكلوا عليه وفوّضوا أمورهم إليه، وخص الراسخين لإمكان ذلك منهم في العادة، وأمّا أصحاب البدايات فلا يكون ذلك منهم إلا خرق عادة، روى ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بأذنه فإنّ ذلك يحزنه» وعن عبد الله بن مسعود أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى يختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه» فبين في هذا الحديث غاية المنع وهو أن يجد الثالث من يتحدّث معه كما فعل ابن عمر وذلك أنه كان يتحدث مع رجل فجاء آخر يريد أن يناجيه فلم يناجه حتى دعا رابعاً فقال له وللأول تأخرا وناجى الرجل الطالب للمناجاة، أخرجه في الموطأ ونبه على العلة بقوله: من أجل أن يحزنه أي: يقع في نفسه ما يحزن لأجله وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد فلا يتناجى أربعة دون واحد ولا عشرة ولا ألف مثلاً، لوجود ذلك المعنى في حقه بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع فيكون بالمنع أولى، وإنما خص الثلاثة بالذكر، لأنه أوّل عدد يتأتى ذلك فيه.
قال القرطبي: وظاهر الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال وذهب إليه ابن عمر ومالك والجمهور وسواء أكان التناجي في واجب أو مندوب أو مباح فإنّ الحزن ثابت به، وقد ذهب بعض الناس إلى أنّ ذلك كان في أوّل الإسلام لأنّ ذلك كان حال المنافقين فيتناجى المنافقون دون المؤمنين فلما فشا الإسلام سقط ذلك، وقال بعضهم: ذلك خاص بالسفر وفي المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه فأمّا الحضر وبين العمارة فلا؛ لأنه يجد من يغيثه بخلاف السفر فإنه مظنة الاغتيال وعدم الغوث
ولما نهى المؤمنين عما يكون سبباً للتباغض والتنافر أمرهم الآن بما يصير سبباً لزيادة
стр. 2161
المحبة والمودّة بقوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: الذين اتصفوا بهذا الوصف ﴿إذا قيل لكم﴾ أي: من أيّ قائل كان فإنّ الخير يرغب فيه لذاته ﴿تفسحوا﴾ أي: توسعوا أي: كلفوا أنفسكم في اتساع المواضع ﴿في المجلس﴾ أي: الجلوس أو مكانه لأجل من يأتي فلا يجد مجلساً يجلس فيه، قال قتادة ومجاهد: «كانوا يتنافسون في مجلس النبيّ ﷺ فأمرهم أن يفسح بعضهم لبعض» ، وقال ابن عباس: المراد بذلك مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب، قال الحسن وزيد بن أبي حبيب «كان النبيّ ﷺ إذا قاتل المشركين تشاح أصحابه على الصف الأوّل فلا يوسع بعضهم لبعض رغبة في القتال والشهادة فنزلت» . فيكون كقوله تعالى: ﴿مقاعد للقتال﴾ (آل عمران: ١٢١)
وقال مقاتل «كان النبيّ ﷺ في الصفة وكان في المكان ضيق وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين، والأنصار فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس، فقاموا قبل النبيّ ﷺ على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول الله ﷺ ما يحملهم على القيام وشق ذلك على رسول الله ﷺ فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان بعدد القائمين من أهل بدر فشق ذلك على من قام، وعرف النبيّ ﷺ الكراهة في وجوههم فقال المنافقون: والله ما عدل على هؤلاء أنّ قوماً أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم وأجلس من أبطأ» فنزلت الآية يوم الجمعة
وروي عن ابن عباس قال: «نزلت الآية في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أنه دخل المسجد وقد أخذ القوم مجالسهم وكان يريد القرب من رسول الله ﷺ للوقر أي: الصمم الذي كان في أذنيه فوسعوا له حتى قرب من رسول الله ﷺ ثم ضايقه بعضهم وجرى بينه وبينهم كلام فنزلت» وقد تقدّمت قصته في سورة الحجرات. وقرأ عاصم: يفتح الجيم، ألف بعدها جمعاً لأنّ لكل جالس مجلساً أي: فليفسح كل واحد في مجلسه والباقون بسكون الجيم ولا ألف إفرادا، قال البغوي: لأنّ المراد منه مجلس النبيّ ﷺ
وقال القرطبي: الصحيح في الآية أنها عامة في مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير وللأجر سواء أكان مجلس حرب أو ذكر أو مجلس يوم الجمعة، وإنّ كل واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه قال ﷺ «من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ بذلك فيخرجه الضيق من موضعه» فيكون المراد بالمجلس الجنس ويؤيده قراءة الجمع ﴿فافسحوا﴾ أي: وسعوا فيه عن سعة صدر ﴿يفسح الله﴾ أي: الذي له الأمر كله ﴿لكم﴾ في كل ما تكرهون ضيقه من الدارين.
وقال الرازي: هذا يطلق فيما يطلب الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر والجنة قال: ولا ينبغي للعاقل أن يقيد الآية بالتفسح في المجلس بل المراد منه إيصال الخير إلى المسلم وإدخال السرور في قلبه.
وإذا قيل: أي من أيّ قائل كان كما مضى إذا كان يريد الإصلاح والخير ﴿انشزوا﴾ أي: ارتفعوا وانهضوا إلى الموضع الذي تؤمرون به أو يقتضيه الحال للتوسعة أو غيرها من الأوامر كالصلاة والجهاد ﴿فانشزوا﴾ أي: فارتفعوا وانهضوا ﴿يرفع الله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال ﴿الذين آمنوا﴾ وإن كانوا غير علماء ﴿منكم﴾ أي: أيها
стр. 2162
المأمورون بالتفسح السامعون للأوامر المبادرون إليها بطاعتهم لرسول الله ﷺ وقيامهم في مجلسهم وتوسعهم لإخوانهم ﴿والذين أوتوا العلم درجات﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على الذين آمنوا فهو من عطف الخاص على العام فإنّ الذين أوتوا العلم بعض المؤمنين، ويجوز أن يكون والذين أوتوا العلم من عطف الصفات أي: تكون الصفتان لذات واحدة كأنه قيل: يرفع الله المؤمنين العلماء ودرجات مفعول ثان، وقال ابن عباس: تمّ الكلام عند قوله تعالى: ﴿منكم﴾ وينتصب الذين أوتوا بفعل مضمر أي: ويخص الذين أوتوا العلم درجات أو ويرفع درجات.
قال المفسرون: في هذه الآية أنّ الله تعالى رفع المؤمن على من ليس بمؤمن والعالم على من ليس بعالم، قال ابن مسعود مدح الله تعالى العلماء في هذه الآية، والمعنى: أنّ الله تعالى يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات في دينهم إذا فعلوا بما أمروا به وقال تعالى: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ (الزمر: ٩)
وقال تعالى: ﴿وقل رب زدني علماً﴾ (طه: ١١٤)
وقال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (فاطر: ٢٨)
والآيات في ذلك كثيرة معلومة
وأمّا الأحاديث فكثيرة مشهورة منها من «يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» وروي أنّ عمر رضى الله عنه «كان يقدّم عبد الله بن عباس على الصحابة رضي الله تعالى عنهم فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه فسألهم عن تفسير ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ فسكتوا فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله إياه فقال عمر ما أعلم منها إلا ما تعلم» .
ومنها أنه ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله ما لا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» والمراد بالحسد: الغبطة: وهي أن تتمنى مثله ومنها أنه ﷺ «قال لعليّ كرّم الله وجهه: لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» ومنها أنه ﷺ قال: «من جاءه أجله وهو يطلب العلم لحيي به الإسلام لم يفضله النبيون إلا بدرجة واحدة» ومنها أنه ﷺ قال: «بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة» .
ومنها: أنه ﷺ قال فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وفي رواية كفضلي على أدناكم» .
ومنها: أنه ﷺ قال: إنّ الله أوحى إلى إبراهيم ﵊ أني عليم أحب كل عليم» .
ومنها: أنه ﷺ قال: «يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» فأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله ﷺ
ومنها: «أنه ﷺ مرّ بمجلسين في مسجده أحد المجلسين يدعون الله تعالى ويرغبون إليه، والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه فقال رسول الله ﷺ كلا المجلسين على خير وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون لله ويرغبون إليه، وأما هؤلاء فيتعملون الفقه ويعلمونه الجاهل فهؤلاء أفضل، وإنما بعثت معلماً ثم جلس فيهم» والأحاديث في ذلك كثيرة جدّاً.
وأمّا أقوال السلف فلا تحصر، فمنها ما قاله ابن عباس: أن سليمان ﵇ خير بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه، وما قاله بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك
стр. 2163
من فاته العلم وأي شيء فات من أدرك العلم.
وما قاله الأحنف: كاد العلماء يكونون أرباباً، وكل عز لم يؤكد بعلم فإلى ذل ما يصير.
وما قاله الزبيري: العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال.
وما قاله أبو مسلم الخولاني: مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء إذا برزت للناس اهتدوا بها وإذا خفيت عنهم تحيروا.
وما قاله معاذ: تعلم العلم فإنّ تعلمه لك حسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة.
وما قاله علي: العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق.
وما قاله ابن عمر: مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة.
وما قاله الشافعي من أن: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة وقال: ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم، وقال: من أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم فإنه يحتاج إليه في كل منهما.
وقد ذكرت في أوّل شرح المنهاج من الأحاديث ومن أقوال السلف ما يسرّ الناظر الراغب في الخير وفيما ذكرته هنا كفاية لأولي الأبصار ﴿والله﴾ أي: والحال أنّ المحيط بكل شيء علماً وقدرة ﴿بما تعملون﴾ أي: حال الأمر وغيره ﴿خبير﴾ أي: عالم بظاهره وباطنه فإن كان العلم مزيناً بالعمل بامتثال الأوامر واجتناب النواهي وتصفية الباطن كانت الرفعة على حسبه، وإن كان على غير ذلك فكذلك.
واختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة أغنياء كانوا أو فقراء ﴿إذا ناجيتم الرسول﴾ أي: أردتم مناجاة الذي لا أكمل منه في الرسالة الآية، فقال ابن عباس: «إنّ المسلمين كانوا يكثرون المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه فأنزل الله تعالى هذه الآية فكف كثير من الناس» . وقال الحسن: «أنّ قوماً من المسلمين كانوا يستخلون بالنبيّ ﷺ يناجونه، فظنّ بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى فشق عليهم ذلك فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن استخلائه» .
وقال زيد بن أسلم «إنّ المنافقين واليهود كانوا يناجون النبيّ ﷺ ويقولون: إنه أذن يسمع كل ما قيل له، وكان لا يمنع أحداً من مناجاته فكان ذلك يشق على المسلمين لأنّ الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم يناجون أنّ جموعاً اجتمعت للقتال فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول﴾ » أي: أردتم مناجاته ﴿فقدّموا﴾ أي: بسبب هذه الإرادة وقوله تعالى: ﴿بين يدي نجواكم﴾ استعارة ممن له يدان والمعنى: قبل نجواكم التي هي سرّكم الذي تريدون أن ترفعوه ﴿صدقة﴾ لقول عمر من أفضل ما أوتيت العرب الشعر يقدّمه الرجل أمام حاجته فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم يريد قبل حاجته، والصدقة تكون لكم برهاناً على إخلاصكم كما ورد أنّ الصدقة برهان فهي مصدّقة لكم في دعوى الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ وبكل ما جاء به عن الله تعالى.
تنبيه: ظاهر الآية يدل على أنّ تقديم الصدقة كان واجباً لأنّ الأمر للوجوب ويؤكد ذلك قوله تعالى بعده: ﴿فإنّ لم تجدوا فإنّ الله غفور رحيم﴾ وقيل: كان مندوباً لقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ أي: التصدّق ﴿خير لكم وأطهر﴾ أي: لأنفسكم من الريبة وحب المال هذا
стр. 2164
إنما يستعمل في التطوّع لا في الواجب ولأنه لو كان واجباً لما أزيل وجوبه والكلام متصل به وهو قوله تعالى: ﴿فإن لم تجدوا﴾ الآية.
وأجيب عن الأوّل: بأنّ المندوب كما يوصف بأنه خير وأطهر فكذلك أيضاً يوصف بهما الواجب.
وعن الثاني: بأنه لا يلزم من اتصال الآيتين في التلاوة كونهما متصلتين في القول كما قيل في الآية الدالة على وجوب الاعتداد أربعة أشهر وعشراً أنها ناسخة للاعتداد بحول وإن كان الناسخ متقدّماً في التلاوة.
وعن علي أنه قال: «لما نزلت دعاني رسول الله ﷺ فقال: ما تقول في دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: كم؟ قلت: حبة أو شعيرة قال إنك لزهيد فلما رأوا ذلك اشتدّ عليهم فارتدعوا، أما الفقير فلعسرته وأما الغنيّ فلشحته» واختلف في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ في هذه الآية، فقال الكلبي: ما بقي ذلك التكليف إلا ساعة من نهار ثم نسخ وقال مقاتل وابن حبان: بقي ذلك التكليف عشرة أيام ثم نسخ لما روي عن عليّ أنه قال إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم. وفي رواية عنه فاشتريت به عشرة دراهم وكلما ناجيت النبيّ ﷺ قدمت بين يدي نجواي درهماً ثم نسخت فلم يعمل بها أحد.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنهم نهوا عن المناجاة حتى يتصدّقوا فلم يناج أحد إلا علي تصدّق بدينار، وعدم عمل غيره لا يقدح فيه لاحتمال أن يكون لم يجد عند المناجاة شيئاً أو أن لا يكون احتاج إلى المناجاة ثم نزلت الرخصة.
وعن ابن عمر رضى الله عنه كان لعليّ ثلاث لو كان لي واحدة منهنّ كانت أحب إليّ من حمر النعم تزويجه فاطمة وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى.
واختلف في الناسخ لذلك فقيل: هي منسوخة بالزكاة وأكثر المفسرين أنها منسوخة بالآية التي بعدها وهي ﴿أأشفقتم﴾ كما سيأتي وكان عليّ يقول: وخفف عن هذه الأمة ﴿فإن لم تجدوا﴾ أي: ما تقدّمونه فإن الله أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿غفور رحيم﴾ أي: له صفتا الستر للمساوي والإكرام بإظهار المحاسن على الدوام فهو يعفو ويرحم تارة يقدّم العقاب للعاصي وتارة بالتوسعة للضيق بأن ينسخ ما يشق إلى ما يخف.
وقوله تعالى: ﴿أأشفقتم﴾ أي: خفتم العيلة لما يعدكم به الشيطان من الفقر خوفاً كاد أن يفطر قلوبكم ﴿أن تقدّموا﴾ أي: بإعطاء الفقراء وهم إخوانكم ﴿بين يدي نجواكم﴾ أي: النبيّ ﷺ ﴿صدقات﴾ وجمع؛ لأنه أكثر توبيخاً من حيث إنه يدل على أنّ النجوى تتكرّر استفهام معناه التقرير وهو الناسخ عند الأكثر كما مرّ.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام: بتسهيل الثانية بخلاف عن هشام، وأدخل بينهما الفاء قالون وأبو عمرو وهشام، والباقون بتحقيقهما ولا إدخال والأولى محققة بلا خلاف ﴿فإذ﴾ أي: فحين ﴿لم تفعلوا﴾ أي: ما أمرتكم به من الصدقة للنجوى بسبب هذا الإشفاق ﴿وتاب الله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿عليكم﴾ أي: رجع بكم عنها بأن نسخها عنكم تخفيفاً عليكم ﴿فأقيموا﴾ أي: بسبب العفو عنكم شكراً أي: على هذا الكرم والحلم ﴿الصلاة﴾ التي هي طهرة لأرواحكم وصلة لكم بربكم ﴿وآتوا الزكاة﴾ التي هي براءة لأبدانكم وتطهير ونماء لأموالكم وصلة لكم بإخوانكم، ولا تفرّطوا في شيء من ذلك فتهملوه فالصلاة نور يهدي إلى المقاصد الدنيوية والأخروية ويعين على نوائب الدارين، والصدقة برهان على صحة القصد في الصلاة.
стр. 2165
ثم عمم بعد أن خصص أشرف العبادات البدنية وأعلى المناسك المالية بقوله تعالى: ﴿وأطيعوا الله﴾ أي: الذي له الكمال له ﴿ورسوله﴾ أي: الذي عظمته من عظمته في سائر ما يأمرانكم به، فإنه تعالى ما أمركم لأجل إكرام رسولكم ﷺ إلا بالحنيفية السمحة ﴿والله﴾ أي: الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة ﴿خبير بما تعملون﴾ أي: يعلم بواطنكم كما يعلم ظواهركم لا تخفى عليه خافية.
﴿ألم تر﴾ أي: تنظر يا أشرف الخلق ﴿إلى الذين تولوا﴾ أي: تكلفوا بغاية جهدهم وهم المنافقون أي جعلوا أولياءهم الذين يتولون لهم أمورهم ﴿قوماً﴾ وهم اليهود ابتغوا عندهم العزة اغتراراً بما يظهر لهم منهم من القوة ﴿غضب الله﴾ أي: الملك الأعلى الذي لا ندّله ﴿عليهم﴾ أي: المتولى والمتولى لهم ﴿ما هم﴾ أي: المنافقون ﴿منكم﴾ أي: المؤمنين ﴿ولا منهم﴾ أي: اليهود بل هم مذبذبون وزاد في الشناعة عليهم بأقبح الأشياء بقوله تعالى: ﴿ويحلفون﴾ أي: المنافقون يجدّدون الحلف على الاستمرار ودل بأداة الاستعلاء على أنهم في غاية الجراءة على استمرارهم على الإيمان الكاذبة بأنّ التقدير مجترئين ﴿على الكذب﴾ في دعوى الإسلام وغير ذلك مما يقعون فيه من عظائم الآثام فإذا عوتبوا عليه بادروا إلى الإيمان ﴿وهم يعلمون﴾ أنهم كاذبون متعمدون.
روي «أنّ عبد الله بن نبتل كان يجالس رسول الله ﷺ ثم يرفع حديثه إلى اليهود فبينا رسول الله ﷺ في حجرة من حجره إذ قال لأصحابه: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل ابن نبتل وكان أزرق العينين أسمر قصيراً خفيف اللحية، فقال له النبي ﷺ علام تشتمني أنت وأصحابك فحلف بالله ما فعل فقال النبي ﷺ فعلت فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزلت» .
﴿أعد الله﴾ أي: الذي له العظمة الباهرة فلا كفء له ﴿لهم عذاباً﴾ أي: أمراً قاطعاً لكل عذوبة ﴿شديداً﴾ أي: لا طاقة لهم به ثم علل عذابهم بما دلّ على أنه واقع في أتم مواقعه بقوله تعالى مؤكداً تقبيحاً على من كان يستحسن فعالهم ﴿إنهم ساء﴾ أي: بلغ الغاية بما يسوء ودل على أنّ ذلك لهم كالجبلة بقوله تعالى: ﴿ما كانوا يعملون﴾ أي: يجدّدون عمله مستمرّين عليه لا ينفكون عنه، قال الزمخشري: أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة
﴿اتخذوا أيمانهم﴾ أي: الكاذبة التي لا تهون على من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ﴿جنة﴾ وقاية وسترة من كل ما يفضحهم من النفاق كائناً ما كان ﴿فصدّوا﴾ أي: كان قبول ذلك منهم وتأخير عقابهم سبباً لإيقاعهم الصدّ ﴿عن سبيل الله﴾ أي: شرع الملك الأعلى الذي هو طريق إلى رضوانه الذي هو سبب الفوز العظيم فإنهم كانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويوهنون أمره ويحقرونه، ومن رآهم قد خلصوا من المكاره بأيمانهم الخائنة ودرّت عليهم الأرزاق استدراجاً، وحصلت لهم الرفعة عند الناس بما يرضونه من أقوالهم المؤكدة بالإيمان، غرّه ذلك فاتبع سنتهم في أقوالهم وأفعالهم ونسج على منوالهم غروراً بظاهر أمرهم معرضاً عما توعدهم الله تعالى عليه من جزاء خداعهم وأمرهم وأجرى الأمر على أسلوب التهكم باللام التي تكون في المحبوب فقال تعالى: ﴿فلهم﴾ أي: فتسبب عن صدّهم إنه كان لهم ﴿عذاب مهين﴾ جزاء بما طلبوا بذلك الصدّ إعزاز أنفسهم وإهانة أهل الإسلام
﴿لن
стр. 2166
تغنى﴾ أي: بوجه من الوجوه ﴿عنهم أموالهم﴾ أي: في الدنيا ولا في الآخرة بالافتداء ولا بغيره ﴿ولا أولادهم﴾ أي: بالنصرة والمدافعة ﴿من الله﴾ أي: أغناه مبتدأ من الملك الأعلى ﴿شيئاً﴾ ولو قل جدّاً فمهما أراد بهم سبحانه كان ونفذ ومضى لا يدفعه شيء تكذيباً لمن قال منهم: لئن كان يوم القيامة لنكوننّ أسعد فيه منكم كما نحن الآن ولننجونّ بأنفسنا وأموالنا وأولادنا ﴿أولئك﴾ أي: البعداء من كل خير ﴿أصحاب النار هم﴾ أي: خاصة ﴿فيها﴾ أي: خاصة ﴿خالدون﴾ أي: دائمون لازمون إلى غير نهاية
وقوله تعالى: ﴿يوم﴾ منصوب باذكر أي: واذكر يوم ﴿يبعثهم الله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال ﴿جميعاً﴾ فلا يترك أحداً منهم ولا من غيرهم إلا أعاده إلى ما كان قبل موته ﴿فيحلفون﴾ أي: فيتسبب عن ظهور القدرة التامّة لهم ومعاينة ما كانوا يكذبون به أنهم يحلفون ﴿له﴾ أي: لله في الآخرة أنهم مسلمون فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين ونحو ذلك ﴿كما يحلفون لكم﴾ في الدنيا أنهم مثلكم، وقال ابن عباس رضى الله عنهما: يحلفون لله تعالى يوم القيامة كذباً كما حلفوا لأوليائه في الدنيا وهو قولهم والله ربنا ما كنا مشركين. ﴿ويحسبون﴾ أي: في القيامة بأيمانهم الكاذبة ﴿أنهم على شيء﴾ أي: يحصل لهم به نفع بإنكارهم وحلفهم، وقيل: يحسبون في الدنيا أنهم على شيء، لأنهم في الآخرة يعلمون الحق باضطرار والأول أظهر والمعنى: أنهم لشدّة توغلهم في النفاق ظنوا يوم القيامة أنهم يمكنهم ترويج كذبهم بالأيمان الكاذبة على علام الغيوب.
وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ (الأنعام: ٢٨)
وعن ابن عباس رضى الله عنهما «أن رسول الله ﷺ قال: «ينادي مناد يوم القيامة أين خصماء الله تعالى فتقوم القدرية مسودّة وجوههم مزرقة أعينهم مائل شقهم يسيل لعابهم فيقولون والله ما عبدنا من دونك شمساً ولا قمراً ولا صنماً ولا اتخذنا من دونك إلهاً» قال ابن عباس رضى الله عنهما: صدقوا والله أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون ثم تلا: ﴿ويحسبون أنهم على شيء﴾ » وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: بفتح السين، والباقون بكسرها ﴿ألا إنهم هم الكاذبون﴾ المحكوم بكذبهم في حسبانهم هم والله القدرية ثلاثاً.
﴿استحوذ﴾ أي: استولى ﴿عليهم الشيطان﴾ مع أنه طريد ومحترق ووصل منهم إلى ما يريده وملكهم ملكاً لم يبق لهم معه اختيار فصاروا رعيته وصار هو محيطاً بهم من كل جهة غالباً عليهم ظاهراً وباطناً من قولهم حذت الأبل وحذذتها إذا استوليت عليها، والحوذ أيضاً: السوق السريع ومنه الأحوذي الخفيف في الشيء لحذقه، واستحوذ مما جاء على الأصل وهو ثبوت الواو دون قلبها ألفاً ﴿فأنساهم﴾ أي: فتسبب عن استحواذه عليهم أن أنساهم ﴿ذكر الله﴾ أي: الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا ﴿أولئك﴾ أي: البعداء البغضاء ﴿حزب الشيطان﴾ أي: أتباعه وجنوده وطائفته وأصحابه ﴿ألا إنّ حزب الشيطان﴾ أي: الطريد المحترق ﴿هم الخاسرون﴾ أي: العريقون في هذا الوصف؛ لأنهم لم يظفروا بغير الطرد والاحتراق.
﴿إن الذين يحادون الله﴾ أي: يفعلون مع الملك الأعظم الذي لا كفؤ له، فعل من ينازع آخر في الأرض فيغلب على طائفة ليجعل لها حداً لا يتعداه خصمه ﴿ورسوله﴾ أي: الذي عظمته من عظمته ﴿أولئك﴾ أي: البعداء البغضاء ﴿في الأذلين﴾ أي: في جملة من هو أدل خلق الله تعالى.
واختلف في معنى قوله ﴿كتب الله﴾ أي: الملك الذي لا كفؤ له
стр. 2167
فقال أكثر المفسرين أي: قضى الله ﴿لأغلبن﴾ وقال قتادة: كتب في اللوح المحفوظ، وقال الفراء: كتب بمعنى قال وقوله تعالى: ﴿أنا﴾ تأكيد ﴿ورسُلي﴾ أي: من بعث منهم بالحرب ومن بعث منهم بالحجة فإذا انضم إلى الغلبة بالحجة الغلبة بالحرب كان أغلب وأقوى.
وقال مقاتل: قال المؤمنون لئن فتح الله لنا مكة والطائف وخيبر وما حولهنّ رجونا أن يظهرنا الله تعالى على فارس والروم، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها والله أنهم لأكثر عدداً وأشدّ بطشاً من أن تظنوا فيهم فنزل ﴿لأغلبن أنا ورسلي﴾ .
ونظيره قوله تعالى: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون وإنّ جندنا لهم الغالبون﴾ (الصافات: ١٧١ ـ ١٧٣)
وقرأ نافع وابن عامر: بفتح الياء والباقون بالسكون ﴿إن الله﴾ أي: الذي له الأمر كله ﴿قويّ﴾ أي: على نصر أوليائه ﴿عزيز﴾ أي: لا يغلب عليه في مراده.
ثم نهى تعالى عن موالاة أعداء الله تعالى بقوله سبحانه ﴿لا تجد﴾ أي: بعد هذا البيان ﴿قوماً﴾ أي: ناساً لهم قوة على ما يريدون ﴿يؤمنون﴾ أي: يجددون الإيمان ويديمونه ﴿بالله﴾ أي: الذي له صفات الكمال ﴿واليوم الآخر﴾ الذي هو موضع الجزاء لكل عامل بكل ما عمل الذي هو محط الحكمة ﴿يوادّون﴾ أي: يحصل منهم ودّ لا ظاهراً ولا باطناً ﴿من حادّ الله﴾ أي: عادى بالمناصبة في حدود الملك الأعلى ﴿ورسوله﴾ فإن من حادّه فقد حادّ الذي أرسله بل لا تجدهم إلا يحادّونهم لا أنهم يوادّونهم.
وزاد ذلك تأكيداً بقوله تعالى: ﴿ولو كانوا آباؤهم﴾ أي: الذين أوجب الله تعالى إلا بناء طاعتهم في المعروف، وذلك كما فعل أبو عبيدة بن الجراح حيث قتل أباه عبد الله بن الجرّاح يوم أحد ﴿أو أبناءهم﴾ أي: الذين جبلوا على محبتهم ورحمتهم، كما فعل أبو بكر «فإنه دعا ابنه يوم بدر إلى المبارزة وقال: دعني يا رسول الله أكن في الرعلة الأولى فقال له رسول الله ﷺ متعنا بنفسك يا أبا بكر أما تعلم أنك عندي بمنزلة سمعي وبصري» ﴿أو إخوانهم﴾ أي: الذين هم أعضادهم كما فعل مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد وخزف سعد بن أبي وقاص غير مرّة فراغ منه روغان الثعلب فنهاه النبي ﷺ عنه وقال: أتريد أن تقتل نفسك.
وقتل محمد بن سلمة الأنصاري أخاه من الرضاع كعب بن الأشرف اليهودي رأس بني النضير ﴿أو عشيرتهم﴾ أي: الذين هم أنصارهم وأمدادهم كما قتل عمر خاله العاصي وهشام بن المغيرة يوم بدر، وعلي وحمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم بدر بني عمهم عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة.
وعن الثوري: أنّ السلف كانوا يرون أنّ الآية نزلت فيمن يصحب السلطان ا. هـ. ومدار ذلك على أنّ الإنسان يقطع رجاء من غير الله تعالى، وإن لم يكن كذلك لم يكن مخلصاً في إيمانه.
تنبيه: قدّم الآباء أوّلاً لأنهم تجب طاعتهم على أبنائهم، ثم ثنى بالأبناء لأنهم أعلق بالقلوب وهم حياتها، ثم ثلث بالأخوان لأنهم هم الناصرون بمنزلة العضد من الذراع. قال الشاعر:
*أخاك أخاك إن من لا أخا له
... كساع إلى الهيجا بغير سلاح
*وإن ابن عمّ المرء فاعلم جناحه
... وهل ينهض البازي بغير جناح
ثم ربع بالعشيرة لأنّ بها يستغاث وعليها يعتمد، والمعنى: أنّ الميل إلى هؤلاء أعظم أنواع المحبة ومع
стр. 2168
هذا فيجب أن يكون هذا الميل مطروحاً بسبب الدين.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجرّاح لما قتل أباه، وعمر بن الخطاب رضى الله عنه لما قتل خاله العاصي ابن هشام يوم بدر روي أنها نزلت في أبي بكر، وذلك أنّ أبا قحافة سب النبي ﷺ فصكه صكةً سقطت منها أسنانه، ثم أتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال: أو فعلت، قال: نعم، قال: لا تعد إليه، فقال: والذي بعثك بالحق نبياً لو كان السيف مني قريباً لقتلته، فهؤلاء لم يوادّوا أقاربهم.
قال القرطبي: استدل مالك بهذه الآية على معاداة القدرية وترك مجالستهم، قال القرطبي: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم. وعن عبد العزيز بن أبي دواد: أنه لقي المنصور في الطواف فلما عرفه هرب منه وتلا الآية. وقال ﷺ «اللهمّ لا تجعل لفاجر عندي نعمة، فإني وجدت فيما أوحيت إليّ ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ الآية ﴿أولئك﴾ أي: العالو الهمة ﴿كتب﴾ أي: أثبت قاله الربيع بن أنس رضى الله عنه، وقيل: خلق، وقيل: جعل كقوله تعالى: ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ (آل عمران: ٥٣)
أي: اجعلنا، وقوله تعالى: ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ (الأعراف: ١٥٦)
وقيل: ﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾ (طه: ٧١)
بما وفقهم فيه وشرح له صدرهم، أي: على قلوبهم كقوله تعالى: ﴿في جذوع النخل﴾ وخص القلوب بالذكر لأنها موضع الإيمان. قال البيضاوي: وهو دليل على خروج العمل من مفهوم الإيمان، فإنّ جزاء الثابت في القلب يكون ثابتاً فيه، وأعمال الجوارح لا تثبت فيه. ﴿وأيدهم﴾ أي: وقوّاهم وشدّدهم وشرّفهم ﴿بروح﴾ أي: نور شريف جدّاً يفهمون به ما أودع في كتابه وسنة نبيه ﷺ من نور العلم والعمل ﴿منه﴾ أي: من الله تعالى أحياهم به فلا إنفكاك لذلك عنهم في وقت من الأوقات، فأثمر لهم استقامة المناهج ظاهراً وباطناً، فعملوا الأعمال الصالحة فكانوا للدنيا كالسراج، فلا تجد شيئاً أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله تعالى، ومعاداة أعدائه لا بل هو عين الإخلاص، ومن جنح إلى منحرف عن دينه، أوداهن مبتدعاً في عقيدته نزع الله تعالى نور التوحيد من قلبه.
قال الزمخشري: ويجوز أن يكون الضمير للإيمان، أي: بروح من الإيمان على أنه في نفسه روح لحياة القلوب به وقال ابن عباس رضى الله عنهما: نصرهم على عدوّهم، وسمى تلك النصرة روحاً، لأنّ بها يحيا أمرهم. وقال الربيع بن أنس رضى الله عنه: بالقرآن وحججه، وقال ابن جريج: بنور وبرهان وهدى، وقيل: برحمة، وقيل: أيدهم بجبريل ﵇ ﴿ويدخلهم جنات﴾ أي: بساتين تستر داخلها من كثرة أشجارها.
وأخبر عن ريها بقوله تعالى: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي قصورها ﴿الأنهار﴾ فهي بذلك كثيرة الرياض والأشجار وقال تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ لأنّ ذلك لا يلذ إلا بالدوام، وقال تعالى: ﴿رضى الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿عنهم﴾ لأنّ ذلك لا يتم إلا برضا مالكها الذي له الملك كله ﴿ورضوا عنه﴾ أي: لأنه أعطاهم فوق ما يؤملون ﴿أولئك﴾ أي: الذين هم في الدرجات العلى من العظمة لكونهم قصروا ودّهم على الله تعالى، علماً منهم بأنه ليس الضرّ والنفع إلا بيده ﴿حزب الله﴾ أي: جند الملك الذي أحاط بجميع صفات الكمال ﴿ألا إنّ حزب الله﴾ أي: جند الملك الأعلى، وهم هؤلاء الموصوفون ومن والاهم ﴿هم المفلحون﴾ أي: الذين حازوا الظفر بكل ما يؤملون في الدارين، وقد علم من الرضا من الجانبين والحزبية والإفلاح عدم الإنفكاك عن السعادة فأغنى
стр. 2169
ذلك عن تقييد الخلود بالتأييد.
فائدة: هذه السورة نصف القرآن عدداً، وليس فيها آية إلا وفيها ذكر الجلالة الكريمة مرة أو مرتين أو ثلاثاً. وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري عن النبيّ ﷺ «أنّ من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله تعالى يوم القيامة حديث موضوع. والله تعالى أعلم.
سورة الحشر
مدنية
في قول الجميع، وهي أربع وعشرون آية وأربعمائةوخمس وأربعون كلمة، وألف وتسعمائة وثلاثة عشر حرفاً
﴿بسم الله﴾ الملك الأعظم الذي لا خلف لميعاده ﴿الرحمن﴾ الذي عمت نعمة إيجاده ﴿الرحيم﴾ الذي خص أهل ودّه بالتوفيق فهم أهل السعادة.
ولما ختمت المجادلة بأنه يعز أهل طاعته ويذل أهل معصيته تنزه عن النقائص تأييداً للوعد بنصرهم فقال تعالى:
﴿سبح﴾ أي: أوقع التنزيه الأعظم عن كل شائبة نقص ﴿لله﴾ الذي أحاط بجميع صفات الكمال ﴿ما في السموات﴾ أي: كلها ﴿وما في الأرض﴾ أي: كذلك، وقيل: أن اللام مزيدة، أي: نزهة وأتى بما تغليباً للأكثر، وجمع السماء لأنها أجناس.
قيل: بعضها من فضة وبعضها من غير ذلك، وأفراد الأرض لأنها جنس واحد ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه وحده ﴿العزيز﴾ الذي يغلب كل شيء، ولا يمتنع عليه شيء ﴿الحكيم﴾ الذي نفذ علمه في الظواهر والبواطن، وأحاط بكل شيء فأتقن ما أراد، فكل ما خلقه جعله على وحدانيته دليلاً، وإلى بيان ماله من العزة والحكمة سبيلاً.
وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء، والباقون بضمها، قال المفسرون: نزلت هذه السورة في بني النضير، وذلك أنّ النبي ﷺ لما دخل المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما غزا بدراً وظهر على المشركين قالوا: هو النبيّ الذي نعته في التوراة لا تردّ له راية، فلما غزا أحد وهزم المسلمون ارتابوا وأظهروا العداوة لرسول الله ﷺ والمؤمنين، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ
وركب كعب بن الأشرف في أربعين راكباً من اليهود إلى مكة، فأتوا قريشاً فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على رسول الله ﷺ ودخل أبو سفيان في أربعين وكعب في أربعين من اليهود المسجد، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين أستار الكعبة، ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة فنزل جبريل ﵇، وأخبر النبيّ ﷺ بما عاقد عليه كعب وأبو سفيان، فأمر النبيّ ﷺ بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة، فلما قتل كعب بن الأشرف أصبح رسول الله ﷺ وأمر الناس بالمسير إلى بني النضير، وكانوا بقرية يقال لها: زهرة فلما سار إليهم رسول الله ﷺ وجدهم ينوحون على كعب، وقالوا: يا محمد واعية على أثر واعية، وباكية على أثر باكية، قال: نعم، قالوا: ذرنا نبكي شجونا ثم ائتمر أمرك، فقال النبي ﷺ اخرجوا من المدينة، فقالوا: الموت أقرب إلينا من ذلك، ثم تنادوا بالحرب وآذنوا بالقتال، ودس المنافقون عبد الله بن أبيّ وأصحابه إليهم أن لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم، ولئن
стр. 2170
خرجتم لنخرجنّ معكم، فدربوا على الأزفة وحصنوها، ثم إنهم اجمعوا الغدر برسول الله ﷺ فأرسلوا إليه أن اخرج في ثلاثين رجلاً من أصحابك، ويخرج منا ثلاثون حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك فيسمعون منك، فإن صدّقوك وآمنوا بك آمنا كلنا. فخرج النبي ﷺ في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبراً من اليهود حتى إذا كانوا في براز من الأرض، قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون من رجال أصحابه كلهم يحب الموت قبله، ولكن أرسلوا إليه كيف نفهم ونحن ستون رجلاً اخرج في ثلاثة من أصحابك ونخرج إليك في ثلاثة من علمائنا فيسمعون منك، فإن آمنوا بك آمنا كلنا بك وصدقناك.
فخرج النبي ﷺ في ثلاثة من أصحابه، واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله ﷺ فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها، وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله ﷺ فأقبل أخوها سريعاً حتى أدرك النبي ﷺ فسارّه بخبرهم.
فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين فسألوا رسول الله ﷺ الصلح، فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به النبيّ ﷺ فقبلوا ذلك فصالحهم على الجلاء وعلى أنّ لهم ما أقلت الإبل من أموالهم إلا الحلقة، وهي السلاح، وعلى أن يخلوا لهم ديارهم وعقارهم وسائر أموالهم.
قال ابن عباس ﵄: على أن يحمل كل أهل بيت على بعير ما شاء من متاعهم، وللنبيّ ﷺ ما بقي.
وقال الضحاك: على كل ثلاثة نفر بعيراً ووسقاً من طعام. ففعلوا ذلك وخرجوا من المدينة إلى الشام إلى أذرعات وأريحاء إلا أهل بيتين من آل بني الحقيق، وآل حيي بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة.
فذلك قوله تعالى: ﴿هو﴾ أي: وحده من غير إيجاف خيل ولا ركاب ﴿الذي أخرج﴾ أي: على وجه القهر ﴿الذي كفروا﴾ أي: ستروا ما في كتبهم من الشواهد لمحمد ﷺ بأنه النبيّ الخاتم، وما في فطرتهم الأولى من اتباع الحق ﴿من أهل الكتاب﴾ أي: الذي أنزله الله تعالى على رسوله موسى ﷺ وهم بنو النضير. وفي التعبير بكفروا إشعار بأنهم الذي أزالوا بالتبديل والإخفاء ما قدروا عليه مما بقي من التوراة ﴿من ديارهم﴾ أي: مساكنهم بالمدينة عقوبة لهم، لأنّ الوطن عديل الروح لأنه للبدن كالبدن للروح فكان الخروج منه في غاية العسر. قال ابن اسحق: كان إجلاء بني النضير مرجع النبي ﷺ من أحد، وفتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان ﴿لأول الحشر﴾ هو حشرهم إلى الشام.
وآخره أن جلاهم عمر في خلافته إلى خيبر. قال سمرة الهمداني: كان أوّل الحشر من المدينة، والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا من الشام في أيام عمر وقال القرطبي: الحشر الجمع، وهو على أربعة أضرب: حشران في الدنيا وحشران في الآخرة، أما الذي في الدنيا فقوله تعالى: ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾ كانوا من سبط لم يصبهم جلاء، وكان الله تعالى قد كتب عليهم الجلاء فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا، وكان أوّل حشر في الدنيا إلى
стр. 2171
الشام، قال ابن عباس وعكرمة ﵃: من شك أنّ المحشر في الشام فليقرأ هذه الآية، وأنّ النبي ﷺ قال لهم: «اخرجوا قالوا إلى أين، قال: إلى أرض الحشر» قال قتادة: هذا أول الحشر. قال ابن عباس ﵄: هو أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من داره.
وأما الحشر الثاني: فحشرهم قرب القيامة، قال قتادة: تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا وتأكل من تخلف منهم، وهذا ثابت في الصحيح. وذكروا أنّ تلك النار ترى بالليل ولا ترى بالنهار.
وقال ابن العربي: للحشر أوّل ووسط وآخر، فالأوّل: جلاء بني النضير، والأوسط: جلاء خيبر، والآخر: حشر يوم القيامة. وعن الحسن: هم بنو قريظة وخالفه بقية المفسرين، وقالوا: بنو قريظة ما حشروا ولكنهم قتلوا حكاه الثعلبي ﴿ما ظننتم﴾ أيها المؤمنون ﴿أن يخرجوا﴾ أي: يوقعوا الخروج من شيء أورثتموه منهم لما كان لكم من الضعف ولهم من القوة لكثرتهم وشدّة بأسهم وقرب بني قريظة منهم وأهل خيبر أيضاً غير بعيدين عنهم، وكلهم أهل ملتهم والمنافقون من أنصارهم فخابت ظنونهم في جميع ذلك ﴿وظنوا أنهم﴾ وقوله تعالى: ﴿ما نعتهم حصونهم﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون حصونهم مبتدأ، وما نعتهم خبر مقدّماً، والجملة خبر أنهم.
الثاني: أن تكون مانعتهم خبر أنهم، وحصونهم فاعل به نحو إنّ زيداً قائم أبوه، وإنّ عمراً قائمة جاريته. وجعله أبو حيان أولى لأنّ في نحو قائم زيد على أن يكون خبراً مقدّماً ومبتدأ مؤخراً خلافاً، والكوفيون يمنعونه فمحل الوفاق أولى.
وقال الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين قولك وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو ما نعتهم، وبين النظم الذي جاء عليه. قلت: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي تصيير ضميرهم اسماً لأن وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة، لا يبالي معها بأحد يتعرّض لهم أو يطمع في معازتهم، وليس ذلك في قولك: وظنوا أنّ حصونهم تمنعهم ا. هـ. وهذا الذي ذكره إنما يتأتى على الإعراب الأوّل، وقد تقدّم أنه مرجوح ودل على ضعف عقولهم بأن عبر عن جنده باسمه الأعظم بقوله تعالى: ﴿من الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي لا عز إلا له ﴿فأتاهم الله﴾ أي: جاءهم الملك الأعظم الذي لا يحتملون مجيئه ﴿من حيث لم يحتسبوا﴾ بما صوّر لهم من حقارة أنفسهم على حبسها، وهي خذلان المنافقين رعباً كرعبهم. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بفتحها ﴿وقذف﴾ أي: أنزل إنزالاً كأنه قذف بحجارة فثبت ﴿في قلوبهم الرعب﴾ أي: الخوف الذي سكنها بعد أن كان الشيطان زين لهم غير ذلك، وملأ قلوبهم من الأطماع الفارغة. وقرأ في قلوبهم الرعب، وعليهم الجلاء، ولأخوانهم الذين حمزة والكسائي في الوصل بضم الهاء والميم، وأبو عمر وبكسرهما، والباقون بكسر الهاء وضم الميم، وحرّك العين بالضم ابن عامر والكسائي، والباقون بالكسون
ثم بين تعالى حالهم عند ذلك وفسر قذف الرعب بقوله تعالى: ﴿يخربون بيوتهم﴾ أي: لينقلوا ما استحسنوه منها من خشب وغيره. وقرأ أبو عمرو بفتح الخاء وتشديد الراء، والباقون بسكون الخاء وتخفيف الراء وهما بمعنى، لأنّ خرب عدّاه أبو عمرو بالتضعيف، وهم بالهمزة. وعن أبي عمر وأنه فرق بمعنى آخر فقال: خرّب بالتشديد هدم، وأفسد وأخرب بالهمزة ترك الموضع خراباً وذهب عنه، وهو
стр. 2172
قول الفرّاء. قال المبرد: ولا أعلم لهذا وجهاً، وزعم سيبويه أنهما متعاقبان في بعض الكلام فيجري كل واحد مجرى الآخر، نحو: فرحته وأفرحته.
وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بيوتهم بضم الباء الموحدة، والباقون بكسرها ﴿بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ قال الزهري: وذلك أنّ النبي ﷺ لما صالحهم على أنّ لهم ما أقلت الأبل، كانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم فيهدمونها، وينزعون ما استحسنوه منها فيحملونه على إبلهم، ويخرّب المؤمنون باقيها. وقال قتادة والضحاك: كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا، واليهود من داخل ليبنوا ما خرّب من حصنهم.
وقال مقاتل: إنّ المنافقين أرسلوا إليهم أن لا تخرجوا ود ربوا عليهم الأزقة، وكان المسلمون سائر الجوانب.
فإن قيل: ما معنى تخريبها لهم بأيدي المؤمنين؟ أجيب: بأنهم لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه. وقال أبو عمرو بن العلاء: بأيديهم في تركهم لها، وبأيدي المؤمنين في إجلائهم عنها
ولما كان في غاية الغرابة أن يعمل الإنسان في نفسه كما يفعل فيه عدوّه تسبب عن ذلك قوله ﴿فاعتبروا﴾ أي: احملوا أنفسكم بالإمعان في التأمّل في عظيم قدرة الله تعالى، والاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ولهذا سميت العبرة عبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخدّ. وسمي علم التعبير لأنّ صاحبه ينتقل من التخيل إلى المعقول، وسميت الألفاظ عبارات؛ لأنها تنقل المعاني عن لسان القائل إلى عقل المستمع ويقال: السعيد من اعتبر بغيره لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، ومن لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره. ولهذا قال القشيري: الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالاتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها
ثم بين أنّ الاعتبار لا يحصل إلا للكمل بقوله تعالى: ﴿يا أولي الأبصار﴾ بالنظر بإبصارهم وبصائرهم في غريب هذا الصنع، لتحققوا به ما وعدكم على لسان رسول الله ﷺ من إظهار دينه وإعزاز نبيه، ولا تعتمدوا على غير الله تعالى كما اعتمد هؤلاء على المنافقين، فإنّ من اعتمد على مخلوق أسلمه ذلك إلى صغاره ومذلته.
﴿ولولا أن كتب الله﴾ أي: فرض فرضاً حتماً الملك الذي له الأمر كله ﴿عليهم الجلاء﴾ أي: الخروج من ديارهم والجولان في الأرض. فأمّا معظمهم فأجلاهم بختنصر من بلاد الشام إلى العراق، وأمّا هؤلاء فحماهم الله تعالى بمهاجرة رسول الله ﷺ من ذلك الجلاء، وجعله على يده ﷺ فأجلاهم، فذهب بعضهم إلى خيبر، وبعضهم إلى الشام مرة بعد مرة
تنبيه:: قال الماوردي: الجلاء أخص من الخروج، لأنه لا يقال إلا للجماعة، والإخراج يكون للجماعة والواحد. وقال غيره: الفرق بينهما أنّ الجلاء ما كان مع الأهل والولد، بخلاف الإخراج فإنه لا يستلزم ذلك ﴿لعذبهم﴾ أي: بالقتل والسبي ﴿في الدينا﴾ كما فعل بقريظة من اليهود ﴿ولهم﴾ أي: على كل حال أجلوا أو تركوا ﴿في الآخرة﴾ التي هي دار البقاء ﴿عذاب النار﴾ وهو العذاب الأكبر.
﴿ذلك﴾ أي: الأمر العظيم الذي فعله بهم من الجلاء ومقدماته في الدنيا، ويفعله بهم في الآخرة ﴿بأنهم شاقوا الله﴾ أي: الملك الأعلى الذي له الإحاطة التامّة فكانوا في شق غير شقه، بأن صاروا في شق الأعداء المحاربين بعدما كانوا الموادعين ﴿و﴾ شاقوا ﴿رسوله﴾ أي:
стр. 2173
الذي إجلاله من إجلاله ﴿ومن يشاق الله﴾ أي: يوقع في الباطن مشاقة الملك الأعلى الذي لا كفؤ له في الماضي والحال والاستقبال ﴿فإن الله﴾ أي: المحيط بجميع العظمة ﴿شديد العقاب﴾ وذلك كما فعل بأهل خيبر.
وقوله تعالى:
﴿ما﴾ شرطية في موضع نصب بقوله تعالى: ﴿قطعتم﴾ وقوله تعالى: ﴿من لينة﴾ بيان له. واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿من لينة﴾ فأكثر المفسرين على أنها هي النخلة مطلقاً، كأنهم اشتقوها من اللين. قال ذو الرمة:
*كان قتودي فوقها عش طائر ... على لينة سوقاء تهفو جنوبها*
وقال الزهري: هي النخلة ما لم تكن عجوة ولا برنية، وقال جعفر بن محمد: هي العجوة خاصة، وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح ﵊ في السفينة، والعتيق: الفحل وكانت العجوة أصل الإناث كلها فلذلك شق على اليهود قطعها حكاه الماوردي. وقال سفيان: هي ضرب من النخل يقال لثمرها اللون، وهو شديد الصفرة يرى نواه من خارجه، ويغيب فيه الضرس النخلة منها أحب إليهم من وصيف.
وقيل: هي النخلة الكريمة، أي: القريبة من الأرض. وقيل: هي الفسيلة، أي: بالفاء وهي صغار النخل لأنها ألين من النخلة. وقيل: هي الأشجار كلها للينها بالحياة. وقال الأصمعي: هي الدقل. قال ابن العربي: والصحيح ما قاله الأزهري ومالك، وجمع اللينة لين؛ لأنه من باب اسم الجنس كتمرة وتمر، وقد تكسر على ليان وهو شاذ لأن تكسر ما يفرق بتاء التأنيث شاذ كرطبة ورطب وأرطاب والضمير في قوله تعالى: ﴿أوتركتموها قائمة﴾ عائد على معنى ما.
ولما كان الترك يصدق ببقائها مغروسة أو مقطوعة قال تعالى: ﴿على أصولها فبأذن الله﴾ أي: فقطعها بتمكين الملك الأعظم، روي أنّ رسول الله ﷺ لما نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فجزع أعداء الله تعالى عند ذلك وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح، أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخل، وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض، فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم وخشوا أن يكون ذلك فساداً، واختلفوا في ذلك فقال بعضهم لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا، وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعه فأنزل الله تعالى هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الأثم، وإن ذلك كان بإذن الله وعن ابن عمر قال: «حرق رسول الله ﷺ نخل بني النضير وقطع» واللام في قوله تعالى: ﴿وليخزي الفاسقين﴾ متعلقة بمحذوف، أي: وأذن في قطعها ليخزي اليهود في اعتراضهم بأن قطع الشجر المثمر فساد، وليسر المؤمنين ويعزهم، وليخزي الفاسقين.
فإن قيل: لم خصت اللينة بالقطع؟ أجيب: بأنه إن كانت من الألوان فليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية، وإن كانت من كرام النخل فليكون غيظ اليهود أشدّ.
واحتجوا بهذه الآية على أنّ حصون الكفرة وديارهم يجوز هدمها وتحريقها وتغريقها، وأن ترمى بالمناجيق، وكذا أشجارهم. وعن ابن مسعود: أنهم قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال، وروي: أنّ رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة والآخر اللون فسألهما رسول الله ﷺ فقال: هذا تركتها لرسول الله صلى
стр. 2174
الله عليه وسلم وقال: هذا قطعتها غيظاً للكفار. وقد استدل به على جواز الاجتهاد، وعلى جوازه بحضور النبي ﷺ لأنهما بالاجتهاد فعلا ذلك، واحتج به من يقول: كل مجتهد مصيب. وقال الكيا الطبري: وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبيّ ﷺ بين أظهرهم، ولا شك أنّ رسول الله ﷺ رأى ذلك وسكت، فتلقوا الحكم من تقريره فقط. قال ابن العربي: وهذا باطل لأنّ رسول الله ﷺ كان معهم، ولا اجتهاد مع حضوره ﷺ وإنما يدل على اجتهاد النبيّ ﷺ فيما لم ينزل عليه أخذاً بعموم الأدلة للكفار ودخولاً للأذن في الكل بما يقضي عليهم بالبوار، وذلك قوله تعالى: ﴿وليخزي الفاسقين﴾
﴿وما أفاء الله﴾ أي: ردّ الملك الذي له الأمر كله ردّاً سهلاً بعد أن كان في غاية العسر والصعوبة ﴿على رسوله﴾ فصيره في يده بعد أن كان خروجه عنها بوضع أيدي الكفرة عليه ظلماً وعدواناً، كما دل عليه التعبير بالفيء الذي هو عود الظلّ إلى الناحية التي كان ابتدأ منها ﴿منهم﴾ أي: ردّاً مبتدأ من الفاسقين فبين تعالى أن هذا فيء لا غنيمة، ويدخل في الفيء أموال من مات منهم بلا وارث، وكذا الفاضل عن وارث له غير حائز، وكذا الجزية وعشر تجارتهم، وما جلوا أي: تفرقوا عنه ولو لغير خوف كضرّ أصابهم.
وأمّا الغنيمة فهي ما حصل لنا من الحربيين مما هو لهم بايجاف حتى ما حصل بسرقة أو التقاط، وكذا ما انهزموا عنه عند التقاء الصفين ولو قبل شهر السلاح، أو أهداه الكافر لنا والحرب قائمة. ولم تحل الغنائم لأحد قبل الإسلام بل كانت الأنبياء إذا غنموا مالاً جمعوه فتأتي نار من السماء فتأخذه، ثم أحلت لنبينا ﷺ وكانت في صدر الإسلام له خاصة، لأنه كالمقاتلين كلهم نصرة وشجاعة بل أعظم، ثم نسخ ذلك واستقرّ الأمر على ما هو في سورة الأنفال في قوله تعالى: ﴿واعلموا إنما غنمتم من شيء﴾ (الأنفال: ٤١)
الآية وأما الفيء فهو مذكور هنا بقوله تعالى: ﴿فما أوجفتم﴾ أي: أسرعتم يا مسلمين ﴿عليه﴾ ومن في قوله تعالى: ﴿من خيل﴾ مزيدة، أي: خيلاً، وأكد بإعادة النافي دفعاً لظن من ظنّ أنه غنيمة لأحاطتهم به بقوله تعالى: ﴿ولا ركاب﴾ والركاب الإبل غلب ذلك عليها من بين المركوبات، واحدها راكبة ولا واحد لها من لفظها.
وقال الرازي: العرب لا يطلقون لفظ الراكب إلا على راكب البعير، ويسمون راكب الفرس فارساً، والمعنى: لم تقطعوا إليها شقة ولا لقيتم بها حرباً ولا مشقة، فإنها كانت من المدينة على ميلين، قاله الفرّاء فمشوا إليها مشياً، ولم يركبوا إليها خيلاً ولا إبلاً إلا النبي ﷺ ركب جملاً، وقيل: حماراً مخطوماً بليف فافتتحها صلحاً.
قال الرازي: إنّ الصحابة طلبوا من النبيّ ﷺ أن يقسم الفيء بينهم كما قسم الغنيمة بينهم، فذكر الله تعالى الفرق بين الأمرين، وأنّ الغنيمة هي التي تعبتم أنفسكم في تحصيلها، وأمّا الفيء فلم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فكان الأمر مفوّضاً فيه إلى النبيّ ﷺ يضعه حيث يشاء
﴿ولكن الله﴾ أي: الذي له العز كله فلا كفؤ له ﴿يسلط رسله﴾ أي: له هذه السنة في كل زمن ﴿على من يشاء﴾ يجعل ما آتاهم سبحانه من الهيبة رعباً في قلوب أعدائه ﴿والله﴾ أي: الملك الذي له الكمال كله ﴿على كل شيء﴾ يصح أن تتعلق المشيئة به، وهو كل ممكن من التسليط وغيره ﴿قدير﴾
стр. 2175
أي: بالغ القدرة إلى أقصى الغايات فلا حق لكم فيه، ويختص به النبيّ ﷺ ومن ذكر معه في الآية الثانية من الأصناف الأربعة، على ما كان عليه القسمة من أنّ لكل منهم خمس الخمس وله ﷺ الباقي يفعل فيه ما يشاء
ثم بين تعالى مصرف الفيء بقوله تعالى: ﴿ما أفاء الله﴾ أي: الذي اختص بالعزة والقدرة والحكمة ﴿على رسوله من أهل القرى﴾ أي: قرية بني النضير وغيرها من وادي القرى والصفراء وينبع، وما هنالك من قرى العرب التي تسمى قرى عربية، فيخمس ذلك خمسة أخماس وإن لم يكن في الآية تخميس، فإنه مذكور في آية الغنيمة فحمل المطلق على المقيد، وكان ﷺ يقسم له أربعة أخماسه وخمس خمسة، ولكل من الأربعة المذكورين معه خمس خمس وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بين اللفظين، والباقون بالفتح فقوله تعالى: ﴿فلله﴾ أي: الملك الأعلى الذي كله بيده ذلك للتبرّك، فإنّ كل أمر لا يبدأ فيه به فهو أجذم ﴿وللرسول﴾ أي: الذي عظمته من عظمته تعالى، وقد تقدم ما كان له ﷺ وأمّا بعده ﷺ فيصرف ما كان له من خمس الخمس لمصالح المسلمين، وسد ثغور، وقضاة، وعلماء بعلوم تتعلق بمصالح المسلمين كتفسير وقراءة، والمراد بالقضاة غير قضاة العسكر أمّا قضاته وهم الذين يحكمون لأهل الفيء في مغزاهم فيرزقون من الأخماس الأربعة لا من خمس الخمس، يقدّم وجوباً الأهمّ فالأهمّ. وأمّا الأربعة المذكورة معه ﷺ فأولها المذكور في قوله تعالى: ﴿ولذي القربى﴾ أي: منه، وهم مؤمنو بني هاشم وبني المطلب لاقتصاره ﷺ في القسم عليهم مع سؤال غيرهم من بني عميهم نوفل وعبد شمس له، ولقوله ﷺ «أما بنو هاشم وبنو المطلب فشيء واحد، وشبك بين أصابعه» فيعطون ولو أغنياء لأنه ﷺ أعطى العباس وكان غنياً، ويفضل الذكر على الأنثى كالإرث فله سهمان ولها سهم، لأنه عطية من الله تعالى يستحق بقرابة الأب كالإرث سواء الكبير والصغير، والعبرة بالانتساب إلى الآباء فلا يعطى أولاد البنات من بني هاشم والمطلب شيئاً لأنه ﷺ لم يعط الزبير وعثمان مع أن أم كل منهما كانت هاشمية.
وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين، وأبو عمرو بين بين، والباقون بالفتح، وخالفهم أبو عمرو في واليتامى. ثانيها: المذكور في قوله تعالى: ﴿واليتامى﴾ أي: الفقراء منا لأن لفظ اليتيم يشعر بالحاجة لأنه مال أو نحوه أخذ من الكفار فاختص كسهم المصالح، واليتيم صغير ولو أنثى لخبر «لا يتم بعد احتلام» رواه أبو داود وحسنه النووي وإن ضعفه غيره لا أب له، وإن كان له أمّ. وحد اليتيم في البهائم من فقد أمّه، وفي الطير من فقد أباه وأمّه، ومن فقد أمّه فقط من الآدميين يقال له: منقطع. ثالثها: المذكور في قوله تعالى: ﴿والمساكين﴾ الصادقين بالفقراء، وهم أهل الحاجة منا وتقدّم تعريفهما في سورة الأنفال، وكذا تعريف الرابع المذكور في قوله تعالى: ﴿ابن السبيل﴾ أي: الطريق الفقير منا ذكوراً كانوا أو إناثاً، ولو اجتمع في واحد من هذا الأصناف يتم ومسكنة أعطي باليتم فقط، لأنه وصف لازم والمسكنة زائلة، وللإمام التسوية والتفضيل بحسب الحاجة ويعم الإمام ولو بنائبه الأصناف الأربعة الأخيرة بالأعطاء وجوباً لعموم الآية فلا يخص
следующие страницы →