Полный текст (2 552 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ولا يفعلون، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به» .
تنبيه: قوله تعالى: ﴿لم تقولون ما لا تفعلون﴾ استفهام على وجه الإنكار والتوبيخ على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير مالا يفعله، إما في الماضي فيكون كذباً، وإما في المستقبل فيكون خلقاً وكلاهما مذموم. قال الزمخشري: لم هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك: بم، وفيم، ومم، وعم، وإلام، وعلام، وإنما حذفت الألف لأن ما والحرف كشيء واحد، ووقع استعمالهما كثيراً في كلام المستفهم، وقد جاء استعمال الأصل قليلاً والوقف على زيادة هاء السكت أو الإسكان. ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف كما سمع ثلاثه أربعه بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة ا. هـ. ووقف البزي لمه بهاء السكت بخلاف عنه.
﴿كبر﴾ أي: عظم. وقوله تعالى: ﴿مقتاً﴾ تمييز، والمقت أشد البغض، وزاد في تشنيعه زيادة في التنفير منه بقوله تعالى: ﴿عند الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي يحقر عنده كل متعاظم، وقيل: إن كبر من أمثلة التعجب. وقد عده ابن عصفور في التعجب المبوب له في النحو فقال: صيغة ما أفعله وأفعل به، وفعل، نحو كرم الرجل، وإليه نحا الزمخشري فقال: هذا من أفصح الكلام وأبلغه في معناه قصد في كبر التعجب من غير لفظه، كقوله: غلت ناب كليب بواؤها، ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله. وقوله تعالى: ﴿أن تقولوا﴾ أي: عظم من تلك الجهة أن يقع في وقت من الأوقات، أو حال من الأحوال قولكم ﴿ما لا تفعلون﴾ فاعل كبر. قال الرازي: وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أن في السورة التي قبلها بين الخروج إلى الجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته بقوله تعالى: ﴿إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي﴾ وفي هذه السورة بين ما يحمل المؤمن ويحثه على الجهاد بقوله تعالى:
﴿إن الله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال ﴿يحب﴾ أي: يفعل فعل المحب مع ﴿الذين يقاتلون﴾ أي: يوقعون القتال ﴿في سبيله﴾ أي: بسبب تسهيل طريقه الموصلة إلى رضاه. وقوله تعالى: ﴿صفاً﴾ حال، أي: مصطفين حتى كأنهم في اتحاد المراد على قلب واحد كما كانوا في التساوي في الاصطفاف كالبدن الواحد ﴿كأنهم﴾ من شدة التراص والمساواة بالصدور والمناكب والثبات في المركز ﴿بنيان﴾ وزاد في التأكيد بقوله تعالى: ﴿مرصوص﴾ أي: ملزوق بعض إلى بعض ثابت كثبوت البناء.
وقال ابن عباس: يوضع الحجر على الحجر، ثم يرص بأحجار صغار، ثم يوضع اللبن عليه فيسميه أهل مكة المرصوص. وقال الرازي: يجوز أن يكون المعنى على أن يستوي شأنهم في حرب عدوهم، حتى يكونوا في اجتماع الكلمة وموالاة بعضهم بعضاً كالبنيان المرصوص قال القرطبي: استدل بعضهم بهذه الآية على أن قتال الراجل أفضل من قتال الفارس، لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة. قال المهدوي: وذلك غير مستقيم لما جاء في فضل الفارس من الأجر والغنيمة، ولا يخرج الفرسان من معنى الآية لأن معناها الثبات، ولهذا يحرم الخروج من الصف إن قاومناهم إلا متحرفاً لقتال، كمن ينصرف ليكمن في موضع ويهجم، أو ينصرف من مضيق ليتبعه العدو إلى متسع سهل للقتال، أو متحيز إلى فئة يستنجد بها ولو بعيدة قليلة أو كثيرة، فيجوز انصرافه لقوله تعالى: ﴿إلا
стр. 2207
متحرفاً لقتال﴾ (الأنفال: ١٦)
وتجوز المبارزة لكافر لم يطلبها بلا كره، وندب لقوي أذن له الإمام أو نائبه لإقراره ﷺ عليها، وهي ظهور اثنين من الصفين للقتال، من البروز وهو الظهور، فإن طلبها كافر سنت للقوي المأذون له للأمر بها في خبر أبي داود، ولإن تركها حينئذ إضعافاً لنا وتقوية لهم، وإلا كرهت
ولما ذكر تعالى الجهاد ذكر قصة موسى وعيسى ﵉ تسلية لنبيه ﷺ ليصبر على أذى قومه، مبتدئاً بقصة موسى ﵇ لتقدمه فقال تعالى:
﴿وإذ﴾ أي: واذكر ياأشرف الخلق إذ ﴿قال موسى لقومه﴾ أي: بني إسرائيل، وقوله: ﴿ياقوم﴾ استعطاف لهم واستنهاض إلى رضا ربهم ﴿لم تؤذونني﴾ أي: تجددون أذاي مع الاستمرار، وذلك حين رموه بالأدرة كما مر في سورة الأحزاب ومن الأذى ما ذكر في قصة قارون أنه دس إلى امرأة تدعي على موسى الفجور، ومن الأذى قولهم ﴿اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾ (الأعراف: ١٣٨)
وقولهم: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون﴾ (المائدة: ٢٤)
وقولهم: أنت قتلت هارون، وغير ذلك. وقوله تعالى: ﴿وقد تعملون﴾ جملة حالية، أي: علمتم علماً قطعياً تجدده لكم كل وقت بتجدد أسبابه بما آتيتكم به من المعجزات، والكتاب الحافظ لكم من الزيغ ﴿إني رسول الله﴾ الملك الأعظم الذي لا كفؤ له ﴿إليكم﴾ ورسوله يعظم ويحترم لا أنه تنتهك جلالته وتخترم، وأنا لا أقول لكم شيئاً إلا عنه، ولا أنطق عن الهوى ﴿فلما زاغوا﴾ أي: عدلوا عن الحق بمخالفة أوامر الله تعالى وبإيذائه. وقرأ حمزة بالإمالة والباقون بالفتح ﴿أزاغ الله﴾ أي: الملك الذي له الأمر كله ﴿قلوبهم﴾ أي: أمالهم عن الهدى على وفق ما قدره في الأزل ﴿والله﴾ أي: الذي له الحكمة البالغة لأنه المستجمع لصفات الكمال ﴿لا يهدي﴾ أي: بالتوفيق بعد هداية البيان ﴿القوم الفاسقين﴾ أي: العريقين في الفسق الذين لهم قوة المحاولة، فلم يحملهم على الفسق ضعف فاحذروا أن تكونوا مثلهم في العزائم فتساووهم في عقوبات الجرائم، وهذا تنبيه على عظيم إيذاء الرسل حتى إن أذاهم يؤدي إلى الكفر وزيغ القلوب عن الهدى، ثم ذكر القصة الثانية بقوله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ﴿وإذ﴾ أي: واذكر يا أشرف المرسلين إذ ﴿قال عيسى﴾ ووصفه بقوله ﴿ابن مريم﴾ ليعلم أنه من غير أب وثبتت نبوته بالمعجزات ﴿يا بني إسرائيل﴾ فذكرهم بما كان عليه أبوهم من الدين وما أوصى به بنيه من التمسك بالإسلام، ولم يقل: يا قوم، كما قال موسى ﵇؛ لأنه لا أب له فيهم وإن كانت أمه منهم، فإن النسب إنما هو من جهة الأب، وأكد لإنكار بعضهم فقال ﴿إني رسول الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿إليكم﴾ أي: لا إلى غيركم ﴿مصدقاً لما بين يدي﴾ أي: قبلي ﴿من التوراة﴾ التي تعلمون أن الله تعالى أنزلها على موسى ﵇، وهي أول الكتب التي نزلت بعد الصحف وحكم بها النبيون، فتصديقي لها مع تأييدي بها مؤيد، لأن ما أقمت من الدلائل حق ومبين أنها دليلي فيما لم أنسخه منها، كما يستدل بما قدامه من الإعلام ويراعيه ببصره. وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ حمزة ونافع بين بين بخلاف عنه عن قالون، والباقون بالفتح ﴿ومبشراً﴾ في حال تصديقي للتوراة ﴿برسول﴾ أي: إلى كل من شملته الربوبية ﴿يأتي من بعدي﴾ أي: يصدق بالتوراة. فكأنه قيل: ما اسمه؟ قال: ﴿اسمه أحمد﴾ والمعنى: أرسلت إليكم في حال تصديقي ما تقدمني من التوراة، وفي حال تبشيري برسول
стр. 2208
يأتي من بعدي يعني أن ديني التصديق بكتب الله تعالى وأنبيائه جميعاً ممن تقدم وتأخر.
فإن قيل: بم انتصب مصدقاً ومبشراً، أبما في الرسول من معنى الإرسال أم بإليكم؟.
أجيب: بأنه بمعنى الإرسال لأن إليكم صلة للرسول فلا يجوز أن يعمل شيئاً لأن حروف الجر لا تعمل بأنفسها، ولكن بما فيها من معنى الفعل، فإذا وقعت صلات لم تتضمن معنى فعل فمن أين تعمل.
وعن كعب: أن الحواريين قالوا لعيسى: يا رسول الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم أمة أحمد حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل. وعن حبيش بن مطعم قال: «قال رسول الله ﷺ لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي» وقد سماه الله تعالى رؤوفاً ورحيماً. وروي أنه ﷺ قال: «اسمي في التوراة أحيد لأني أحيد أمتي عن النار، واسمي في الزبور الماحي محى الله بي عبدة الأوثان، واسمي في الإنجيل أحمد، وفي القرآن محمد لأني محمود في أهل السماء والأرض» بل ذكر بعض العلماء أنه له ألف اسم. قال البغوي: والألف في أحمد للمبالغة في الحمد، وله وجهان:
أحدهما: أنه مبالغة من الفاعل، أي: ومعناه أن الأنبياء حمادون لله تعالى، وهو أكثر حمداً من غيره.
والثاني: أنه مبالغة من المفعول، أي: ومعناه أن الأنبياء كلهم محمودون لما فيهم من الخصال الحميدة، وهو أكثر مبالغة وأجمع للفضائل والمحاسن والأخلاق التي يحمد بها ا. هـ. وعلى كلا الوجهين منعه من الصرف للعملية والوزن الغالب، إلا أنه على الاحتمال الأول يمتنع معرفة وينصرف نكرة، وعلى الثاني يمتنع تعريفاً وتنكيراً لأنه يخلف العلمية الصفة، وإذا نكر بعد كونه علماً جرى فيه خلاف سيبويه والأخفش، وهي مسألة مشهورة بين النحاة. وأنشد حسان يمدحه وصرفه:
*صلى الإله ومن يحف بعرشه ... والطيبون على المبارك أحمد*
أحمد بدل أو بيان للمبارك، وأما محمد فمنقول من صفة أيضاً، وهو في معنى محمود ولكن في معنى المبالغة والتكرار، فأحمد هو الذي حمد مرة بعد مرة. قال القرطبي: كما أن المكرم من أكرم مرة بعد مرة، وكذلك الممدح ونحو ذلك: واسم محمد مطابق لمعناه، والله سماه قبل أن يسمي به نفسه، فهذا علم من أعلام نبوته، وكان اسمه صادقاً عليه فهو محمود في الدنيا لما هدي إليه ونفع به من العلم والحكمة، وهو محمود في الآخرة بالشفاعة. فقد تكرر معنى الحمد كما يقتضي اللفظ، ثم إنه لم يكن محمداً حتى كان أحمد حمد ربه فنبأه وشرفه، فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد فذكره عيسى فقال: اسمه أحمد، وذكره موسى ﵇ حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللهم اجعلني من أمة محمد. فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمد، لأن حمده لربه كان قبل حمد الناس له، فلما وجد وبعث كان محمداً بالفعل.
وكذلك في الشفاعة يحمد ربه بالمحامد التي يفتحها عليه فيكون أحمد الناس لربه، ثم يشفع فيحمد على شفاعته، فدل ذلك على أنه ﷺ أشرف الأنبياء فاتحاً لهم وخاتماً عليهم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وشعبة بفتح الياء، والباقون بالسكون
وقوله تعالى: ﴿فلما جاءهم﴾ يحتمل أن يعود فيه الضمير لأحمد، أي: جاء الكفار، واقتصر على ذلك الجلال المحلي،
стр. 2209
ويحتمل عوده لعيسى، أي: جاء لبني إسرائيل ﴿بالبينات﴾ أي: من المعجزات العظيمة التي لا يسوغ لعاقل إلا التسليم لها، ومن الكتاب المبين ﴿قالوا﴾ أي: عند مجيئها من غير نظرة تأمل ﴿هذا﴾ أي: المأتي به من البينات، أو الآتي بها على المبالغة ﴿سحر﴾ فكانوا أول كافر به، لأن هذا وصف لهم لازم سواء بلغهم ذلك أم لا ﴿مبين﴾ أي: في غاية البيان في سحريته. وقرأ حمزة والكسائي بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء، وهذه القراءة مناسبة للتفسير الثاني، والباقون بكسر السين وسكون الحاء، وهذه مناسبة للتفسير الأول.
﴿ومن﴾ أي: لا أحد ﴿أظلم﴾ أي: أشد ظلماً ﴿ممن افترى﴾ أي: تعمد ﴿على الله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿الكذب﴾ أي: بنسبة الشريك والولد إليه، ووصف آياته بالسحر، ووصف أنبيائه بالسحرة ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه ﴿يدعى﴾ أي: من أي داع كان ﴿إلى الإسلام﴾ أي: الذي هو أحسن الأشياء فإن له فيه سعادة الدارين، فيجعل مكان إجابته افتراء الكذب على الله تعالى: ﴿والله﴾ أي: الذي له الأمر كله فلا أمر لأحد معه ﴿لا يهدي القوم﴾ أي: لا يخلق الهداية في قلوب من فيهم قوة المجادلة للأمور الصعاب ﴿الظالمين﴾ أي: الذين يخبطون في عقولهم خبط من هو في الظلام.
﴿يريدون﴾ أي: يوقعون إرادة ردهم للرسالة بافترائهم ﴿ليطفئوا﴾ أي: لأجل أن يطفئوا ﴿نور الله﴾ أي: الملك الذي لا شئ يكافئه ﴿بأفواههم﴾ أي: بما يقولون من كذب لا منشأ له غير الأفواه، لأنه لا اعتقاد له في القلوب.
تنبيه: الإطفاء هو الإخماد يستعملان في النار وفيما يجري مجراها من الضياء والظهور، ويفرق بين الإطفاء والإخماد من حيث إن الإطفاء يستعمل في القليل، فيقال: أطفأت السراج، ولا يقال: أخمدت السراج، وفي هذه اللام أوجه: أحدها: أنها تعليلية كما مر، ثانيها: أنها مزيدة في مفعول الإرادة، وقال الزمخشري: أصله يريدون أن يطفئوا كما في سورة التوبة، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة توكيداً له، لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئتك لإكرامك، كما زيدت اللام في: لا أب لك تأكيداً لمعنى الإضافة في لا أباك.
قال الماوردي: وسبب نزول هذه الآية ما حكاه عطاء عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ أبطأ عليه الوحي أربعين يوماً، فقال كعب بن الأشرف: يا معشر يهود أبشروا فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه وما كان ليتم أمره، فحزن رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية» ، واتصل الوحي بعدها واختلف في المراد بالنور، فقال ابن عباس: هو القرآن، أي: يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول. وقال السدي: الإسلام، أي: يريدون رفعه بالكلام. وقال الضحاك: إنه محمد ﷺ أي: يريدون هلاكه بالأراجيف وقال ابن جريج: حجج الله تعالى ودلائله، يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم. وقيل: إنه مثل مضروب، أي: من أراد إطفاء نور الشمس بفيه فوجده مستحيلاً ممتنعاً، كذلك من أراد إطفاء الحق ﴿والله﴾ أي: الذي لا مدافع له لتمام عظمته ﴿متم نوره﴾ فلا يضره ستر أحد له بتكذيبه ولا إرادة إطفائه، وزاد ذلك بقوله تعالى: ﴿ولو كره﴾ أي: إتمامه له ﴿الكافرون﴾ أي: الراسخون في جهة الكفر المجتهدون في المحاماة عنه.
﴿هو﴾ أي: الذي ثبت أنه جامع لصفات الكمال والجلال وحده من غير أن يكون له شريك أو وزير ﴿الذي أرسل رسوله﴾ أي: الحقيق
стр. 2210
بأن يعظمه كل من بلغه أمره لأن عظمته من عظمته، ولم يذكر حرف الغاية إشارة إلى عموم الإرسال إلى كل من شمله الملك كما مضى ﴿بالهدى﴾ أي: البيان الشافي بالقرآن والمعجزة ﴿ودين الحق﴾ أي: والملة الحنيفية ﴿ليظهره﴾ أي: يعليه مع الشهرة وإذلال المنازع ﴿على الدين﴾ أي: جنس الشريعة التي ستجعل ليجازى من يسلكها ومن يزغ عنها بما يشرع فيها من الأحكام ﴿كله﴾ فلا يبقى دين إلا كان دونه، وانمحق به وذل أهله ذلاً لا يقاس به ذل ﴿ولو كره﴾ أي: إظهاره ﴿المشركون﴾ أي: المعاندون في كفرهم الراسخون في سلك المعاندة.
فإن قيل: قال أولاً: ﴿ولو كره الكافرون﴾ ، وقال ثانياً: ﴿ولو كره المشركون﴾ ، فما الحكمة في ذلك؟.
أجيب: بأنه تعالى أرسل رسوله، وهو من نعم الله تعالى، والكافرون كلهم في كفران النعم سواء فلهذا قال ﴿ولو كره الكافرون﴾ لأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك فالمراد من الكافرين هنا اليهود والنصارى والمشركون، فلفظ الكافر أليق به. وأما قوله تعالى: ﴿ولو كره المشركون﴾ فذلك عند إنكارهم التوحيد وإصرارهم عليه، لأنه ﷺ في ابتداء الدعوة أمر بالتوحيد بلا إله إلا الله فلم يقولوها، فلهذا قال: ﴿ولو كره المشركون﴾ .
﴿س٦١ش١٠/ش١٤ يَا?أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا? هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ? وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ? ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ا?نْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ? ذَالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا? نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ? وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * يَا?أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا? كُونُو?ا? أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّـ?نَ مَنْ أَنصَارِى? إِلَى اللَّهِ? قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ? فَـ?َامَنَت طَّآ?ـ?ِفَةٌ مِّن? بَنِى? إِسْرَا?ءِيلَ وَكَفَرَت طَّآ?ـ?ِفَةٌ? فَأَيَّدْنَا الَّذِينَءَامَنُوا? عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا? ظَاهِرِينَ﴾
واختلف في سب نزول قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ أي: أقروا بالإيمان ﴿هل أدلكم﴾ أي: وأنا المحيط علماً وقدرة فهي إيجاب في المعنى، ذكر بلفظ الاستفهام تشريفاً ليكون أوقع في النفس ﴿على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ أي: مؤلم فقال مقاتل: نزلت في عثمان بن مظعون قال: «يا رسول الله لو أذنت لي طلقت خولة، وترهبت واختصيت، وحرمت اللحم، ولا أنام بليل أبداً، ولا أفطر بنهار، فقال ﷺ إن من سنتي النكاح، ولا رهبانية في الإسلام إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله، وخصاء أمتي الصوم، ولا تحرموا طيبات ما احل الله لكم، ومن سنتي أنام وأقوم وأفطر وأصوم فمن رغب عن سنتي فليس مني، فقال عثمان: والله لوددت يا رسول الله أيّ التجارة أحب إلى الله تعالى فأتجر فيها، فنزلت» وقيل: أدلكم، أي: سأدلكم، والتجارة: الجهاد، قال الله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ (التوبة: ١١١)
الآية، وهذا خطاب لجميع المؤمنين. وقيل: نزل هذا حين قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى لعملنا به. قال البغوي: وجعل هذا بمنزلة التجارة لأنهم يربحون بها رضا الله تعالى، ونيل جنته والنجاة من النار وقرأ ابن عامر بفتح النون وتشدد الجيم، والباقون بسكون النون وتخفيف الجيم
ثم بين سبحانه تلك التجارة بقوله تعالى: ﴿تؤمنون﴾ أي: تدومون على الإيمان ﴿بالله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال، وعلى هذا فلا ينافي ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وقيل: المراد من هذه الآية المنافقون وهم الذين آمنوا في الظاهر، وقيل: أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فإنهم آمنوا بالكتب المتقدمة ﴿ورسوله﴾ الذي تصديقه آية الإذعان للعبودية ﴿وتجاهدون﴾ بياناً لصحة إيمانكم على سبيل التجديد والاستمرار ﴿في سبيل الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي لا أمر لغيره ﴿بأموالكم وأنفسكم﴾ وقدم الأموال لعزتها في ذلك الزمان، ولأنها قوام الأنفس فمن بذل ماله كله لم يبخل بنفسه، لأن المال قوامها. وقال القرطبي: ذكر الأموال أولاً لأنها التي يبدأ بها في الإنفاق ﴿ذلكم﴾ أي: الأمر العظيم من الإيمان وتصديقه بالجهاد ﴿خير لكم﴾ أي: من أموالكم
стр. 2211
وأنفسكم ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي: إن كان يمكن أن يتجدد لكم علم في وقت فأنتم تعلمون أن ذلك خير لكم، فإذا علمتم أنه خير أقبلتم عليه فكان لكم به أمر عظيم، وإن كانت قلوبكم قد طمست طمساً لا رجاء لصلاحه فصلوا على أنفسكم صلاة الموت.
وقوله تعالى: ﴿يغفر لكم﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه مجزوم على جواب الخبر بمعنى الأمر، أي: آمنوا وجاهدوا.
والثاني: أنه مجزوم في جواب الاستفهام، كما قاله الفراء.
والثالث: أنه مجزوم بشرط مقدر، أي: إن تؤمنوا يغفر لكم. قال القرطبي: وأدغم بعضهم فقرأ يغفر لكم، والأحسن ترك الإدغام فإن الراء متكرر قوي فلا يحسن الإدغام في اللام، لأن الأقوى لا يدغم في الأضعف ا. هـ. وتقدم في آخر سورة البقرة مثل ذلك للزمخشري والبيضاوي ورد عليهما ﴿ذنوبكم﴾ أي: يمحو أعيانها وآثارها كلها ﴿ويدخلكم﴾ أي: بعد التزكية بالمغفرة رحمة لكم ﴿جنات﴾ أي: بساتين ﴿تجري من تحتها﴾ أي: من تحت أشجارها وغرفها وكل منتزه فيها ﴿الأنهار﴾ فهي لا تزال غضة زهراء لم يحتج هذا الأسلوب إلى ذكر الخلود لإغناء ما بعده عنه، ودل على الكثرة المفرطة في الدور بقوله في صيغة منتهى الجموع ﴿ومساكن طيبة﴾ روى الحسن قال: «سألت عمران بن حصين، وأبا هريرة عن قوله تعالى: ﴿ومساكن طيبة﴾ فقالا: على الخبير سقطت سألنا رسول الله ﷺ عنها فقال: «قصر من لؤلؤة في الجنة في ذلك القصر سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زبرجدة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً، في كل سرير سبعون فراشاً من كل لون على كل فراش سبعون امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، في كل بيت سبعون وصيفاً ووصيفة فيعطي الله تعالى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله» ﴿في جنات عدن﴾ أي: بساتين هي أهل للإقامة بها لا يحتاج في إصلاحها إلى شيء خارج يحتاج في تحصيله إلى الخروج عنها له، قال حمزة الكرماني في كتابه «جوامع التفسير» : هي أي جنات عدن قصبة الجنان ومدينة الجنة أقربها إلى العرش ﴿ذلك﴾ أي: الأمر العظيم جداً ﴿الفوز العظيم﴾ أي: السعادة الدائمة الكبيرة، وأصل الفوز الظفر بالمطلوب.
ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم في الآخرة بشرهم بنعمته في الدنيا.
بقوله تعالى: ﴿وأخرى تحبونها﴾ أي: ولكم إلى هذه النعمة المذكورة نعمة أخرى عاجلة محبوبة، وفي تحبونها تعريض بأنهم يؤثرون العاجل على الآجل. وقوله تعالى: ﴿نصر من الله﴾ أي: الذي أحاطت عظمته بكل شيء خبر مبتدأ مضمر، أي: تلك النعمة أو الخصلة الأخرى نصر من الله ﴿وفتح قريب﴾ أي: غنيمة في عاجل الدنيا قيل: فتح مكة قال الكلبي: هو النصر على قريش، وقال ابن عباس: يريد فتح فارس والروم. وقوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾ عطف على محذوف مثل ﴿قل يا أيها الذين آمنوا وبشر﴾ ، أو على يؤمنون فإنه في معنى الأمر كأنه قال آمنوا وجاهدوا أيها المؤمنون، وبشرهم يا أشرف الرسل بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة.
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: أقروا بذلك ﴿كونوا﴾ أي: بغاية جهدكم ﴿أنصاراً لله﴾ أي: لدينه، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو أنصاراً بالتنوين وجر اللام من الاسم الجليل وترقيقها، والباقون بغير تنوين وتفخيم اللام. ﴿كما﴾ أي: كونوا لأجل أني ندبتكم أنا بقولي من غير واسطة ولذذتكم بخطابي مثل ما كان الحواريون أنصار الله حين ﴿قال
стр. 2212
عيسى بن مريم﴾ حين أرسلته إلى بني إسرائيل ناسخاً لشريعة موسى ﵇ ﴿للحواريين﴾ أي: خلص أصحابه وخاصته منهم ﴿من أنصاري إلى الله﴾ أي: المحيط بكل شيء أي: انصروا دين الله تعالى مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى ﵇ من أنصاري إلى الله، أي: من ينصرني مع الله تعالى: ﴿قال الحواريون﴾ معلمين إنهم جادون في ذلك جداً لا مزيد عليه لعلمهم أن أجابته إجابة الله تعالى، لأنه لا ينطق عن الهوى فليس كلامه إلا عن الله تعالى: ﴿نحن﴾ أي: بأجمعنا وكانوا اثني عشر رجلاً، وهم أول من آمن بعيسى ﴿أنصار الله﴾ أي: الملك الأعلى القادر على تمام نصرنا، ولو كان عدونا كل أهل الأرض.
ولما كان التقدير ثم دعوا كل من خالفهم من بني اسرائيل وبارزهم تسبب عنهم قوله تعالى: ﴿فآمنت﴾ أي: به ﴿طائفة﴾ أي: ناس منهم أهل الاستدارة لما لهم من الكثرة ﴿من بني اسرائيل﴾ قومه ﴿وكفرت طائفة﴾ أي: منهم، وأصل الطائفة: القطعة من الشيء، وذلك أنه لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق:
فرقة قالوا: كان الله فارتفع.
وفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه إليه.
وفرقة قالوا: كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه، وهم المؤمنون.
واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس فاقتتلوا، وظهرت الفرقتان الكافرتان على الفرقة المؤمنة حتى بعث الله تعالى محمداً ﷺ فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة فذلك قوله تعالى: ﴿فأيدنا﴾ أي: قوينا بعد رفع عيسى ﵇ ﴿الذين آمنوا﴾ أي: أقروا بالإيمان المخلص ﴿على عدوهم﴾ أي: الذين عادوهم لأجل إيمانهم ﴿فأصبحوا﴾ أي: صاروا بعد ما كانوا فيه من الذل ﴿ظاهرين﴾ أي: عالين غالبين قاهرين في أقوالهم وأفعالهم لا يخافون أحداً ولا يستخفون منه، وروى المغيرة عن إبراهيم قال: فأصبحت حجة من آمن بعيسى ﵇ ظاهرة بتصديق محمد ﷺ أن عيسى ﵇ كلمة الله وعبده ورسوله. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة الصف كان عيسى مصلياً عليه مستغفراً له ما دام في الدنيا وهو يوم القيامة رفيقه» حديث موضوع.
سورة الجمعة
مدنية وهي إحدى عشرة آية، ومائةوثمانون كلمة، وسبعمائة وعشرون حرفاً
روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة» وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ «نحن الآخرون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب الأول من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فهدانا الله تعالى لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له» وقال يوم الجمعة: «فاليوم لنا، وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى» .
﴿بسم الله﴾ الذي أحاط علمه بكل معلوم فتم بيانه ﴿الرحمن﴾ الذي تمت نعمة بيانه فهو العظيم شأنه ﴿الرحيم﴾ الذي خص حزبه بالتوفيق فثبت عندهم حبه وإيمانه
﴿يسبح﴾ أي: يوقع التنزيه الأعظم الأنهى الأكمل ﴿لله﴾ أي: الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿ما في السموات﴾ أي: من جميع الأشياء من الملائكة وغيرها كالأفلاك والنجوم ﴿وما في الأرض﴾
стр. 2213
كذلك من الآدميين وغيرهم كالشجر والثمار، وقيل: اللام مزيدة، أي: ينزه الله وأتى بما دون من، قال الجلال المحلي: تغليباً للأكثر، ويحتمل أن يكون المراد بالسماء جهة العلو فيشمل السماء وما فيها، وبالأرض جهة السفل فيشمل الأرض وما فيها ﴿الملك﴾ أي: الذي ثبت له جميع الكمالات، فهو ينصر من يشاء من جنده ولو كان ذليلاً فيصبح ظاهراً ﴿القدوس﴾ أي: المنزه عما لا يليق به، وعن إحاطة أحد من الخلق بعلمه وإدراك كنه ذاته فليس في أيدي الخلق إلا التردد في شهود أفعاله والتدبير لمفاهيم نعوته وجلاله وأحقهم بالقرب والعداد في حزبه المتخلق بأوصافه على قدر اجتهاده، فينبغي للمؤمن التنزه عن أن يقول مالا يفعل، أو يبني شيئاً من أموره على غير إحكام ﴿العزيز﴾ أي: الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ﴿الحكيم﴾ أي: الذي يوقع كل ما أراد في أحكم مواقعه وأتمها وأتقنها.
﴿هو﴾ أي: وحده ﴿الذي بعث في الأميين﴾ أي: العرب لأن أكثرهم لا يكتبون ولا يقرؤون، والأمي: من لا يقرأ ولا يكتب ﴿رسولاً منهم﴾ أي: من جملتهم أمياً مثلهم، وهو محمد ﷺ وما من حي من العرب إلا وله ﷺ فيهم قرابة، وقد ولدوه. قال ابن إسحاق: إلا بني تغلب فإن الله تعالى طهر نبيه ﷺ منهم فلم يجعل لهم عليه ولادة، وكان أمياً لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم ﷺ علمه الله ما لم يكن يعلم من غير تطلب، فكانت آثار البشرية عنه مندرسة وأنوار الحقائق علية لائحة، وذلك لئلا يتوهم الافتقار إلى الاستعانة بالكتب لأن مشاكلته لحال من بعث فيهم أقرب إلى مساواتهم له لو أمكنهم فيكون معنى عدم إمكان المساواة أدل على الإعجاز، وبعثه إلى العرب لا ينفي بعثه إلى غيرهم لاسيما مع ما ورد فيه من صرائح الدلائل القطعية، فذكر موضع البعث وابتداءه فتكون الغاية مطلقة تقديرها إلى عامة الخلق ﴿يتلو﴾ أي: يقرأ قراءة يتبع بعضها بعضاً على وجه الكثرة والعلو والرفعة ﴿عليهم﴾ مع كونه أمياً مثلهم ﴿آيات﴾ أي: يأتيهم بها على سبيل التجدد والمواصلة، وهي القرآن الذي أعجز الجن والإنس أن يأتوا بسورة من مثله ﴿ويزكيهم﴾ أي: يطهرهم من الشرك والأخلاق الرذيلة، والعقائد الزائغة فكانت تزكيته لهم مدة حياته بنظره الشريف إليهم، وتعليمه لهم وتلاوته عليهم، فربما نظر الإنسان نظرة محبة فزكاه الله تعالى بها بحسب القابليات والأمور التي قضى الله تعالى أن تكون مهيآت فكان له أعشق فكان لأتباعه ألزم فكان في كتاب الله وسنته أرسخ ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ أي: القرآن المنزل عليه الجامع لكل خير ديني ودنيوي في الأولى والأخرى ﴿والحكمة﴾ هي غاية الحكم للكتاب في قوة فهمه والعمل به فهي العمل المزين بالعلم المتقن به، وقال الحسن: الكتاب: القرآن، والحكمة: السنة. وقال ابن عباس: الكتاب الخط بالقلم، والحكمة: السنة، لأن الخط إنما فشا
في العرب بالشرع لما أمروا بالتقييد بالخط. وقال مالك بن أنس: الحكمة: الفقه في الدين ﴿وإن﴾ أي: والحال أنهم ﴿كانوا﴾ أي: كوناً هو كالجبلة لهم ﴿من قبل﴾ أي: قبل إرساله إليهم ﴿لفي ضلال﴾ أي: بعد عن المقصود ﴿مبين﴾ أي: ظاهر في نفسه مناد لغيره أنه ضلال باعتقادهم الأباطيل الظاهرة، وظنهم أنهم على شيء، وعموم الجهل لهم ورضاهم به واختبارهم له.
وقوله تعالى: ﴿وآخرين منهم﴾ فيه
стр. 2214
وجهان: أحدهما: أنه مجرور عطفاً على الأميين، أي: وبعث في الآخرين من الأميين، أي: الموجودين والآتين منهم بعدهم ﴿لما﴾ أي: لم ﴿يلحقوا بهم﴾ في السابقة والفصل والثاني: أنه منصوب عطفاً على الضمير المنصوب في يعلمهم، أي: ويعلم آخرين لما يلحقوا بهم وسيلحقون، وكل من تعلم شريعة محمد ﷺ إلى آخر الزمان فرسول الله ﷺ معلمه بالقوة، لأنه أصل ذلك الخير العظيم والفضل الجسيم.
تنبيه: الذين لم يلحقوا بهم هم الذين لم يكونوا في زمنهم وسيجيئون بعدهم. قال عمر وسعيد بن جبير: هم العجم، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: «كنا جلوساً عند النبي ﷺ إذ نزلت عليه سورة الجمعة فلما قرأ: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي ﷺ حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثاً، قال: وفينا سلمان الفارسي، قال: «فوضع النبي صلى الله علية وسلم يده على سلمان ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجل من هؤلاء» وفي رواية «لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجال من فارس» أو قال: من أبناء فارس حتى يتناوله. وقال عكرمة: هم التابعون، وقال مجاهد: هم الناس كلهم، يعني: من بعد العرب الذين بعث فيهم محمد ﷺ وقال ابن زيد، ومقاتل بن حبان: هم من دخل في الإسلام بعد النبي ﷺ إلى يوم القيامة.
وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال «إن في أصلاب أمتي رجالاً ونساء يدخلون الجنة بغير حساب، ثم تلا ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ » قال ابن عادل: والقول الأول أثبت. وروي أن النبي ﷺ قال: «رأيتني أسقي غنماً سوداً، ثم أتبعتها غنماً عقراً أولها يا أبا بكر، قال: يا نبي الله أما السود فالعرب، وأما العقر فالعجم تتبعك بعد العرب، فقال النبي ﷺ كذلك أولها الملك يعني جبريل ﵊» رواه ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي ﷺ وهو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه وحده ﴿العزيز﴾ أي: الذي يقدر على كل ما أراده، ولا يغلبة شيء فهو يزكي من يشاء ويعلمه ما أراد من أي طائفة كان، ولو كان أجهل أهل تلك الطائفة لأن الأشياء كلها بيده ﴿الحكيم﴾ فهو إذاً أراد شيئاً موافقاً لشرعه وأمره جعله على أتقن الوجوه وأوثقها، فلا يستطاع نقضه ومهما أراده كيف كان فلا بد من إنفاذه فلا يطاق ردة بوجه.
ولما كان هذا أمراً باهراً عظمه بقوله تعالى على وجه الاستثمار من قدرته:
﴿ذلك﴾ الأمر العظيم الرتبة من تفضيل الرسول وقومه، وجعلهم متبوعين بعد أن كان العرب أتباعاً لا وزن لهم عند غيرهم من الطوائف ﴿فضلُ الله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال والفضل ما لم يكن مستحقاً بخلاف الفرص ﴿يؤتيه من يشاء﴾ قال ابن عباس: حيث ألحق العجم بقريش، وقال الكلبي: يعني الإسلام فضل الله يؤتيه من يشاء، وقال مقاتل: يعني الوحي والنبوة.
وقيل: إنه المال ينفق في الطاعة لما روى أبو صالح عن أبي هريرة ﵁ أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال: وما ذاك؟ فقالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 2215
«أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: تسبحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة، قال أبو صالح فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا من أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» وقيل: إنه انقياد الناس إلى تصديق النبي ﷺ ودخولهم في دينه ونصرته ﴿والله﴾ الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿ذو الفضل العظيم﴾ .
ولما ترك اليهود العمل بالتوراة ولم يؤمنوا بمحمد ﷺ ضرب الله تعالى لهم مثلاً بقوله تعالى:
﴿مثل الذين حملوا التوراة﴾ أي: كلفوا وألزموا حمل الكتاب الذي آتاه الله تعالى لبني إسرائيل على لسان موسى ﵊، بأن علمهم إياها سبحانه وكلفهم حفظ ألفاظها عن التغيير والنسيان ومعانيها عن التحريف والتلبيس، وحدودها وأحكامها عن الإهمال والتضييع ﴿ثم لم يحملوها﴾ أي: بأن حملوا ألفاظها ولم يعملوا بما فيها من الوصية باتباع عيسى ﵊ إذا جاءهم، ثم بمحمد ﷺ إذا جاء فهي ضارة لهم بشهادتها عليهم فإذا لهم النار من غير نفع أصلاً ﴿كمثل﴾ أي: مثلهم مثل ﴿الحمار﴾ أي: الذي هو أبلد الحيوان فهو مثل في الغباوة حال كونه ﴿يحمل أسفاراً﴾ أي: كتباً كباراً من كتب العلم جمع سفر، وهو الكتاب الكبير المسفر عما فيه، في عدم الانتفاع بها لأنه يمشي ولا يدري منها إلا ما يضر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله ومثل ذلك قول الشاعر:
k
*زوامل للأسفار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر*
*لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأحماله أو راح ما في الغرائر*
من إنشاد الشيخ ابن الخباز. ﴿بئس مثل القوم﴾ أي: الذين لهم قوة شديدة على محاولة ما يريدون ﴿الذين كذبوا﴾ أي: محمداً على علم ﴿بآيات الله﴾ أي: دلالات الملك الأعظم على رسوله، ولاسيما محمد ﷺ والمخصوص بالذم محذوف تقديره: هذا المثل ﴿والله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال ﴿لا يهدي القوم﴾ أي: لا يخلق الهداية في قلوب الذين تعمدوا الزيغ ﴿الظالمين﴾ أي: الذين تعمدوا الظلم بمنابذة الهدى الذي هو البيان، الذي لم يدع لبساً حتى صار الظلم لهم صفة راسخة.
ولما ادعت اليهود الفضيلة وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه نزل قوله تعالى:
﴿قل﴾ أي: يا أشرف الرسل ﴿يا أيها الذين هادوا﴾ أي: تدينوا باليهودية ﴿إن زعمتم﴾ أي: قلتم قولاً هو معرض للتكذيب، ولذلك أكذبتموه ﴿إنكم أولياء لله﴾ أي: الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه خصكم بذلك خصوصية مبتدأة ﴿من دون﴾ أي: أدنى رتبة من رتب ﴿الناس﴾ فلم تنفذ الولاية، وتلك الرتبة في الدنيا إلى أحد منهم غيركم بل خصكم بذلك عن كل من فيه أهلية الحركة لاسيما الأميين ﴿فتمنوا الموت﴾ وأخبروا عن أنفسكم بذلك للنقلة من دار البلاء إلى محل الكرامة والآلاء ﴿إن كنتم﴾ أي: كوناً راسخاً ﴿صادقين﴾ أي: غريقين عند أنفسكم في الصدق، فإن من علامات المحبة الاشتياق إلى المحبوب، ومن المقطوع به أن من كان في كدر
стр. 2216
وكان له ولي قد وعده عند الوصول إليه الراحة التي لا يشوبها ضرر تمنى النقلة إلى وليه. روي أنه ﷺ قال لهم «والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه فلم يقلها منهم أحد علماً منهم بصدقه ﷺ فلم يقولوا ولم يؤمنوا عناداً منهم» .
ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يتمنونه في المستقبل أيضاً بقوله تعالى:
﴿ولا يتمنونه﴾ أي: في المستقبل ﴿أبداً بما قدمت أيديهم﴾ أي: بسبب ما قدموا من الكفر والمعاصي التي أحاطت به فلم تدع لهم حظاً في الآخرة.
تنبيه: قال تعالى هنا: ﴿ولا يتمنونه﴾ وفي البقرة ﴿ولن يتمنوه﴾ (البقرة: ٩٥)
قال الزمخشري: لا فرق بين لا ولن في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل، إلا أن في لن تأكيداً وتشديداً ليس في لا فأتى مرة بلفظ التأكيد ﴿ولن يتمنوه﴾ ومرة بغير لفظه ﴿ولا يتمنونه﴾ قال أبو حيان: وهذا رجوع منه عن مذهبه وهو أن لن تقتضي النفي على التأبيد إلى مذهب الجماعة، وهي أنها لا تقتضيه. قال بعضهم: وليس فيه رجوع، غاية ما فيه أنه سكت عنه، وتشريكه بين لا ولن في نفي المستقبل لا ينفي اختصاص لن بمعنى آخر ا. هـ. ودعواهم الولاية إلى التوسل إلى الجنة لا يلزم منها الاختصاص بالنعم بدليل أن الدنيا ليست خالصة للأولياء المحقق لهم الولاية بل البر والفاجر مشتركون فيها. ﴿والله﴾ أي: الذي له الإحاطة بكل شيء قدرة وعلماً ﴿عليم﴾ بالغ العلم محيط بهم هكذا كان الأصل ولكنه تعالى قال: ﴿بالظالمين﴾ تعميماً وتعليقاً بالوصف لا بالذات، فالمعنى أنه عالم بأصحاب هذا الوصف الراسخين فيه منهم ومن غيرهم، فهو مجازيهم على ظلمهم.
﴿قل﴾ أي: لهؤلاء يا أشرف الرسل ﴿إن الموت الذي تفرون منه﴾ بالكف عن التمني ﴿فإنه ملاقيكم﴾ أي: لا تفوتونه لاحق بكم.
تنبيه: في هذه الفاء وجهان: أحدهما: إنها داخلة لما تضمنه الاسم من معنى الشرط، وحكم الموصوف بالموصول حكم الموصول في ذلك. قال الزجاج: لا يقال: إن زيداً فمنطلق، وههنا قال: ﴿فإنه ملاقيكم﴾ لما في معنى الذي من الشرط أو الجزاء، أي: إن فررتم منه فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه. الثاني: إنها مزيدة محضة لا للتضمن المذكور.
ولما كان الحبس في البرزخ أمراً لا بد منه مهولاً نبه عليه وعلى طوله بأداة التراخي فقال تعالى: ﴿ثم تردون إلى عالم الغيب﴾ أي: السر ﴿والشهادة﴾ أي: العلانية، أو كل ما غاب عن الخلق، وكل ما شوهد ﴿فينبئكم﴾ أي: يخبركم إخباراً عظيماً مستقصى مستوفى ﴿بما كنتم﴾ أي: بما هو لكم كالجبلة ﴿تعملون﴾ أي: بكل جزء منه بما برز إلى الخارج، وبما كان في جبلاتكم ولو بقيتم لفعلتموه ليجازيكم.
﴿يا أيها الذين أمنوا﴾ أي: أقروا بألسنتهم بالإيمان ﴿إذا نودي﴾ أي: من أي مناد كان من أهل النداء ﴿للصلاة﴾ أي: صلاة الجمعة ﴿من﴾ أي: في ﴿يوم الجمعة﴾ كقوله تعالى: ﴿أروني ماذا خلقوا من الأرض﴾ (فاطر: ٤٠)
أي: في الأرض، والمراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة، لأنه لم يكن في عهد رسول الله ﷺ نداء سواه، كان إذا جلس رسول الله ﷺ على المنبر أذن بلال، وعن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثاني على الدور، زاد في رواية فثبت الأمر على ذلك.
وعن أبي داود قال: كان يؤذن بين يدي رسول الله
стр. 2217
صلى الله عليه وسلم إذا جلس يوم الجمعة على المنبر على باب المسجد، روي أنه كان لرسول الله ﷺ مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد، فإذا نزل أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة على ذلك حتى إذا كان عثمان، وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذاناً آخر، فأمر بالتأذين الأول على داره التي تسمى زوراء، فإذا سمعوا أقبلوا حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذن الأذان الثاني الذي كان على زمن النبي ﷺ فإذا نزل أقام الصلاة، فلم يعب ذلك عليه لقوله ﷺ «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» .
قال الماوردي: أما الأذان الأول فمحدث فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها، وكان عمر أمر أن يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن سوقهم، فإذا اجتمعوا أذن في المسجد فجعله عثمان أذانين في المسجد. قال ابن العربي: وفي الحديث الصحيح: «أن الأذان كان على عهد رسول الله ﷺ واحداً، فلما كان زمن عثمان زاد النداء الثالث على الزوراء» ، وسماه في الحديث ثالثاً لأنه أضافه إلى الإقامة، كقوله ﷺ «بين كل إذانين صلاة لمن شاء» يعني: الأذان والإقامة، وتوهم بعض الناس أنه أذان أصلي فجعلوا المؤذنين ثلاثة. قال ابن عادل: فكان وهماً، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهماً على وهم.
واختلفوا في تسمية هذا اليوم جمعة فمنهم من قال: لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم ﵊. روى مالك عن أبن هريرة أن رسول الله ﷺ قال «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم ﵊، وفيه أهبط، وفيه مات وفيه تاب الله عليه، وفيه تقوم الساعة، وهو عند الله يوم المزيد» وروي أنه ﷺ قال: «أتاني جبريل وفي كفه مرآة بيضاء، وقال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيداً ولأمتك من بعدك، وهو سيد الأيام عندنا، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد» ومنهم من قال: لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات، ومنهم من قال: لاجتماع الجماعات فيه للصلاة، وقيل: أول من سمى هذا اليوم جمعة كعب بن لؤي.
قال أبو سلمة: أول من قال أما بعد: كعب بن لؤي، وكان أول من سمى الجمعة جمعة، وكان يقول له: يوم العروبة. وعن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ ، وقبل أن تنزل الجمعة وهم الذين سموها الجمعة. وقيل: إن الأنصار قالوا لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى مثل ذلك، فهلموا نجعل لنا يوماً نجتمع فيه فنذكر الله تعالى فيه ونصلي، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين، وذكرهم فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، ثم أنزل الله تعالى آية الجمعة فهي أول جمعة كانت في الإسلام.
وروي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة، قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبت من حرة بني بياضة في بقيع يقال له: بقيع الخضمان، قلت له: كم كنتم يومئذٍ، قال: أربعين» أخرجه أبو داوود.
وأما أول جمعة جمعها النبي
стр. 2218
صلى الله عيه وسلم بأصحابه، فقال أهل السير: لما قدم النبي ﷺ مهاجراً نزل قباء على بني عمرو بن عوف يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، حين اشتد الضحى ومن تلك السنة يعد التاريخ، فأقام بها إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجداً، فجمع بهم وخطب وهي أول خطبة خطبها بالمدينة.
وقال فيها: «الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره، وأستهديه وأؤمن به ولا أكفره، وأعادي من يكفر به، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق، والنور والموعظة، والحكمة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة وقرب من الأجل. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط، وضل ضلالاً بعيداً أوصيكم بتقوى الله فإن خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، واحذروا ما حذركم الله من نفسه فإن تقوى الله لمن عمل بها على وجل ومخافة من ربه عنوان صدق على ما تبغون من الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي به إلا وجه الله يكون له ذكراً في عاجل أمره، وذخراً فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان مما سوى ذلك ﴿يود لو أن بينه وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد﴾ (آل عمران: ٣٠)
وهو الذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك، فإنه يقول: ﴿ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد﴾ (ق: ٢٩)
فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عن سيئاته ويعظم له أجراً ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ (الأحزاب: ٧١)
وإن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجه، وترضي الرب، وترفع الدرجة فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله فقد علمكم في كتابه، وأوضح لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين وأحسنوا كما أحسن الله إليكم وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده ﴿هو اجتباكم﴾ و ﴿سماكم المسلمين﴾ (الحج: ٧٨)
ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيّ عن بينة ولا حول ولا قوة إلا بالله فأكثروا ذكر الله تعالى واعملوا لما بعد الموت، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» .
قال بعضهم: قد أبطل الله تعالى قول اليهود في ثلاث افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه، فكذبهم في قوله: ﴿فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم الله بالحمار يحمل أسفاراً وبالسبت وإنه ليس للمسلمين مثله فشرع الله تعالى لهم يوم الجمعة.
تنبيه: سمى الله تعالى الجمعة ذكراً له، قال أبو حنيفة: إن اقتصر الخطيب على مقدار يسمى ذكر الله كقوله: الحمد لله سبحان الله جاز، وعن عثمان أنه صعد المنبر فقال: الحمد لله؛ فارتج عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالاً، وإنكم إلى أمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب، ثم نزل وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر
стр. 2219
عليه أحد.
وعند صاحبيه والشافعي لا بد من كلام يسمى خطبة، ولها أركان وشروط مذكورة في الفقه.
فإن قيل: كيف يفسر ذكر الله بالخطبة، وفيها ذكر غير الله؟
أجيب: بأن ما كان من ذكر رسوله والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين، وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله، وأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحق بعكس ذلك فمن ذكر الشيطان.
وهو من ذكر الله على مراحل فإن المنصت للخطبة إذا قال لصاحبه: صه فقد لغا، أفلا يكون الخطيب المغالي في ذلك لاغياً نعوذ بالله من غربة الإسلام، ومن نكد الأيام وقد خاطب الله تعالى المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفاً لهم وتكريماً، فقال ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ثم خصه بالنداء وإن كان قد دخل في عموم قوله تعالى: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة﴾ ليدل على وجوبه وتأكد فرضه. وقال بعض العلماء: كون الصلاة الجمعة ههنا معلوم بالإجماع لا من نفس اللفظ، وقال ابن العربي: وعندي إنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة، وهي قوله تعالى: ﴿من يوم الجمعة﴾ وذلك يفيده لأن النداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة، وأما غيرها فهو عام في سائر الأيام، ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى فلا فائدة فيه.
واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿فاسعوا﴾ أي: لتكونوا أولياء الله ولا تتهاونوا في ذلك. فقال الحسن: والله ما هو سعي على الأقدام، ولكن سعي بالقلوب والنية، وقال الجمهور: السعي: العمل لقوله تعالى: ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن﴾ (الإسراء: ١٩)
كقوله تعالى: ﴿إن سعيكم لشتى﴾ (الليل: ٤)
وقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (النجم: ٣٩)
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن أئتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» واختلفوا أيضاً: في معنى قوله تعالى: ﴿إلى ذكر الله﴾ أي: الملك الأعظم، فقال سعيد بن المسيب: هو موعظة الإمام، وقال غيره: الخطبة والصلاة المذكرة بالملك الأعظم الذي من انقطع عن خدمته هلك.
ولما أمر بالمبادرة إلى تجارة الآخرة قال تعالى ناهياً عن تجارة الدنيا التي تعوق عن الجمعة ﴿وذروا البيع﴾ أي: اتركوا البيع والشراء؛ لأن اسم البيع يتناولهما جميعاً، وإنما يحرم البيع والشراء عند الأذان الثاني. وقال الزهري: عند خروج الإمام، وقال الضحاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء. وإنما خص البيع من بين الأمور الشاغلة عن ذكر الله تعالى، لأن يوم الجمعة يوم تهبط الناس فيه من بواديهم وقراهم، وينصبون إلى المصر من كل أوب ووقت هبوطهم واجتماعهم، واختصاص الأسواق إذا انتفخ النهار وتعالى الضحى، ودنا وقت الظهيرة وحينئذ تنجز التجارة ويتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك الوقت مظنة للذهول بالبيع عن ذكر الله والمضي إلى المسجد قيل: بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله ﴿ذلكم﴾ أي: الأمر العالي الرتبة من فعل السعي، وترك الاشتغال بالدنيا ﴿خير لكم﴾ لأن الأمر الذي أمركم به الذي له الأمر كله، وهو يريد تطهيركم في أديانكم وأبدانكم وأموالكم وبيده إسعادكم وإشقاؤكم.
فإن قيل: إذا كان البيع في هذا الوقت محرماً فهل هو فاسد؟.
أجيب: بأن عامة العلماء على أن ذلك لا يوجب فساد البيع، قالوا:
стр. 2220
لأن البيع لم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة، والثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب، وعن بعض الناس أنه فاسد. وزاد في الحث على ذلك بقوله تعالى: ﴿إن كنتم﴾ أي: بما هو لكم كالجبلة ﴿تعلمون﴾ أي: يتجدد لكم علم في يوم من الأيام فأنتم ترون ذلك خيراً، فإذا علمتموه خيراً أقبلتم عليه فكان ذلك خيراً لكم وصلاة الجمعة فرض عين تجب على كل من جمع الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، والإقامة، إذا لم يكن له عذراً مما ذكره الفقهاء، ومن تركها استحق الوعيد. قال ﷺ : «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله تعالى على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين» وروي أنه ﷺ قال: «من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً بها طبع الله تعالى على قلبه» قال ابن عادل: ونقل عن بعض الشافعية أن الجمعة فرض على الكفاية، أما من به عذر يعذر به في ترك الجماعة مما يتصور هنا فلا تجب عليه، وتجب على أعمى وجد قائداً وشيخ هرم وزمن وجدا مركباً لا يشق ركوبه عليهما.
واختلف أهل العلم في موضوع إقامة الجمعة، وفي العدد الذي تنعقد به الجمعة، وفي المسافة التي يجب أن يؤتى منها، فذهب قوم إلى أن كل قرية اجتمع فيها أربعون رجلاً بالصفة المتقدمة تجب عليهم إقامة الجمعة فيها، وهو قول عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق قالوا: لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلاً على هذه الصفة، وشرط عمر بن عبد العزيز مع الأربعين أن يكون فيهم وال.
وعند أبي حنيفة تنعقد بأربعة، والوالي شرط، ولا تقام عنده إلا في مصر جامع. وقال الأوزاعي وأبو يوسف: تنعقد بثلاثة إن كان فيهم وال. وقال الحسن، وأبو ثور: تنعقد باثنين كسائر الصلوات، وقال شعبة: تنعقد باثني عشر رجلاً ولا تجب الجمعة على أهل البوادي إلا إذا سمعوا النداء من موضع تقام فيه الجمعة، فيلزمهم الحضور، وإن لم يسمعوا فلا جمعة عليهم، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق.
والشرط أن يبلغهم نداء مؤذن جهوري الصوت في وقت تكون الأصوات هادئة، والرياح ساكنة فكل قرية تكون من موضع الجمعة في القرب على هذا القدر يجب على أهلها حضور الجمعة. وقال سعيد بن المسيب: تجب الجمعة على من آواه المبيت. قال الزهري: تجب على من كان على ستة أميال وقال ربيعة: على أربعة أميال، وقال مالك والليث: على ثلاثة أميال، وقال أبو حنيفة: لا جمعة على أهل البوادي سواء كانت القرية قريبة أم بعيدة.
دليل الشافعي ومن وافقه ما روى البخاري عن ابن عباس: «أن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجؤانا من البحرين» ، ولأبي داود نحوه، وفيه بجؤانا قرية من قرى البحرين» .
تنبيه: فضل يوم الجمعة مشهور وأحاديثه كثيرة مشهورة تقدم بعضها، ومنها: أن الله يعتق في كل جمعة ستمائة عتيق من النار» ، وعن كعب: إن الله تعالى فضل من البلدان مكة، ومن الشهور رمضان، ومن الأيام الجمعة. وقال ﷺ «من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر» وفي الحديث «إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد بأيديهم صحف من فضة، وأقلام من ذهب يكتبون الأول فالأول على مراتبهم» قال
стр. 2221
الزمخشري: وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج، وقيل: أول بدعة أحدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجمعة. وعن ابن مسعود: أنه بكر فرأى ثلاثة نفر سبقوه فاغتم وأخذ يعاتب نفسه ويقول: أراك رابع أربعة، وما رابع أربعة بسعيد. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ـ أي: مثل غسلها ـ ثم راح في الساعة الأولى كان كمن قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة كأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر» وروى النسائي «في الخامسة كالذي يهدي عصفوراً، وفي السادسة بيضة، فمن جاء في أول ساعة منها، ومن جاء في آخرها مشتركان في تحصيل البدنة مثلاً، لكن بدنة الأول أكمل من بدنة الآخر، وبدنة المتوسط متوسطة» وهذا في حق غير الإمام أما هو فيسن له التأخير إلى وقت الخطبة اتباعاً للنبي ﷺ وخلفائه، ويسن إكثار الدعاء يومها وليلتها، أما يومها فلرجاء أن يصادف ساعة الإجابة، وهي ساعة خفية وإرجاها من جلوس الخطيب إلى آخر الصلاة كما في خبر مسلم. قال النووي: وأما خبر: «يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة فيه ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، فالتمسوها آخر
ساعة بعد العصر فيحتمل أن هذه الساعة منتقلة تكون يوماً في وقت، ويوماً في آخر كما هو المختار في ليلة القدر.
وأما ليلتها فبالقياس على يومها، وقد قال الشافعي: بلغني أن الدعاء يستجاب في ليلة الجمعة، ويسن إكثار الصلاة على النبي ﷺ في يومها وليلتها لخبر: «أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة فمن صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً» وإكثار قراءة سورة الكهف يومها وليلتها لخبر: «من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق» وخبر: «من قرأها يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» وفي هذا القدر كفاية.
ولما حث على الصلاة وأرشد إلى أن وقتها لا يصلح لطلب شيء غيرها بين لهم وقت المعاش بقوله تعالى:
﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ أي: وقع الفراغ منها على أيّ وجه كان ﴿فانتشروا﴾ أي: فدبوا وتفرقوا مجتهدين ﴿في الأرض﴾ أي: جميعها للتجارة والتصرف في حوائجكم إن شئتم لا جناح عليكم ولا حرج رخصة من الله تعالى لكم ﴿وابتغوا﴾ أي: اطلبوا الرزق ﴿من فضل الله﴾ أي: الذي بيده كل شيء ولا شيء لغيره، وهذا أمر إباحة كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ (المائدة: ٢)
قال ابن عباس: إن شئت فاخرج، وإن شئت فاقعد، وإن شئت فصل إلى العصر. وقيل: فانتشروا في الأرض ليس لطلب دنيا، ولكن لعيادة مريض وحضور جنازة، وزيارة أخ في الله تعالى. وقال الحسن، وسعيد بن جبير ومكحول ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ هو طلب العلم ﴿واذكروا الله﴾ أي: الذي له الأمر كله ﴿كثيراً﴾ أي: بحيث لا تغفلون عنه بقلوبكم أصلاً ولا بألسنتكم حتى عند الدخول إلى الخلاء وعند أول الجماع، واستثني من الثاني وقت التلبس بالقذر كوقت قضاء الحاجة والجماع ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي: تفوزون بالجنة والنظر إلى وجهه الكريم وعن جابر بن عبد الله «أن النبي ﷺ كان يخطب قائماً يوم الجمعة
стр. 2222
فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً» وفي رواية «أنا فيهم» فأنزل الله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة﴾ أي: حمولاً هي موضع للتجارة ﴿أو لهواً﴾ أي: ما يلهي عن كل نافع ﴿انفضوا﴾ أي: نفروا متفرقين من العجلة ﴿إليها﴾ أي: التجارة لأنها مطلوبهم دون اللهو، وأيضاً العطف بأو فإفراد الضمير أولى. وقال الزمخشري: تقديره: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه. وذكر الكلبي وغيره: أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عن مجاعة وغلاء سعر، وكان معه جميع ما تحتاج إليه الناس من بر ودقيق وغيره، فنزل عند أحجار الزيت وضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه، فخرج الناس إلا اثنى عشر رجلاً، وقيل: أحد عشر رجلالاً وقال ابن عباس في رواية الكلبي: لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط. وقال الحسن وأبو مالك: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام، والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشوا أن يسبقوا إليه، فلما لم يبق مع النبي ﷺ إلا رهط منهم أبو بكر وعمر فنزلت هذه الآية، فقال ﷺ «والذي نفس محمد بيده لو
تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي ناراً» .
وقال مقاتل بن حيان، ومقاتل بن سليمان: بينما رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة وكان إذا قدم المدينة لم يبق بالمدينة عاتق إلا أتته، وكان يقدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق وغيره، فينزل عند أحجار الزيت، وكانت في سوق المدينة ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فخرج إليه الناس ليتبايعوا منه، فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن يسلم، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس، ولم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلاً وامرأة، فقال النبي ﷺ «لولا هؤلاء لرميت عليهم الحجارة من السماء» وأنزل الله تعالى هذه الآية والمراد باللهو الطبل.
وقيل: كانت العير إذا قدمت المدينة استقبلوا بالطبل والتصفيق. وقال علقمة: سئل عبد الله أكان رسول الله ﷺ يخطب قائماً أو قاعداً فقال: أما تقرأ ﴿وتركوك قائماً﴾ وعن جابر بن عبد الله قال: «كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة خطبتين قائماً يفصل بينهما بجلوس» وذكر أبو داود في مراسيله السبب الذي ترخصوا لأنفسهم في ترك سماع الخطبة، وقد كانوا خليقاً لفضلهم أن لا يفعلوا، فقال: حدثنا محمد بن خالد، قال: حدثنا الوليد، قال: أخبرني أبو معاذ بكير بن معروف أنه سمع مقاتل بن حبان قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة قبل الخطبة كالعيدين، حتى كان يوم جمعة والنبي ﷺ يخطب وقد صلى الجمعة فدخل رجل يقال له: دحية بن خليفة قدم بتجارة، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفوف فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقدم النبي ﷺ يوم الجمعة الخطبة وأخر الصلاة، وكان لا يخرج أحد لرعاف أو حدث بعد النهي حتى يستأذن النبي ﷺ يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام، فيأذن له النبي ﷺ ثم يشير إليه بيده، فكان في المنافقين من تثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد، فكان
стр. 2223
إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه مستتراً به حتى يخرج فأنزل الله تعالى: ﴿قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً﴾ (النور: ٦٣)
الآية» . قال السهيلي: وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بأصحاب النبي ﷺ يوجب أن يكون صحيحاً وقال قتادة: وبلغنا أنهم فعلوه ثلاث مرات كل مرة عير تقدم من الشام، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة.
وقيل: إن خروجهم لقدوم دحية بتجارته ونظرهم إلى العير، وهي تمر لهو لا فائدة فيه إلا أنه كان مما لا إثم فيه لو وقع على ذلك الوجه، ولكنه لما اتصل به الإعراض عن رسول الله ﷺ والانفضاض عن حضرته غلظ وكبر، ونزل فيه من القرآن وتهجينه باسم اللهو ما نزل. وقوله تعالى: ﴿وتركوك﴾ أي: تخطب حتى بقيت في اثني عشر رجلاً، قال جابر: أنا أحدهم ﴿قائماً﴾ جملة حالية من فاعل انفضوا، وقد مقدرة عند بعضهم.
تنبيه: في قوله تعالى: ﴿قائماً﴾ تنبيه على مشروعيته في الخطبتين، وهو من الشروط للقادر على القيام، وأما أركانهما فخمسة: حمد الله تعالى، وصلاة على النبي ﷺ بلفظهما، ووصية بتقوى الله، وهذه الثلاثة في كل من الخطبتين، وقراءة آية مفهمة ولو في إحداهما والأولى أولى، ودعاء للمؤمنين والمؤمنات في ثانية، ومن الشروط كونهما عربيتين، وكونهما في الوقت، وولاء، وطهر، وستر كالصلاة ﴿قل﴾ يا أشرف الخلق للمؤمنين ﴿ما عند الله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال ﴿خير﴾ ما موصولة مبتدأ وخير خبرها ﴿من اللهو ومن التجارة﴾ والمعنى: ما عند الله تعالى من ثواب صلاتكم خير من لذة لهوكم، وفائدة تجارتكم. وقيل: ما عند الله من رزقكم الذي قسمه لكم خير مما اقتسمتموه من لهوكم وتجارتكم ﴿والله﴾ أي: ذو الجلال والإكرام وحده ﴿خير الرازقين﴾ أي: خير من رزق وأعطى فاطلبوا منه، واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة. وما قاله البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة الجمعة أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة ومن لم يأتها في أمصار المسلمين» حديث موضوع.
سورة المنافقين
مدنية وهي إحدى عشرة آية، ومائة وثمانون كلمةوسبعمائة وستة وسبعون حرفاً
﴿بسم الله﴾ الذي له الإحاطة العظمى علماً وقدرة ﴿الرحمن﴾ الذي ستر بعموم رحمته من أراد من عباده ﴿الرحيم﴾ الذي وفق أهل وده لما يحبه ويرضاه.
﴿إذا جاءك﴾ يا أيها الرسول المبشر بك في التوراة والإنجيل، وقرأ حمزة وابن ذكوان بالإمالة والباقون بالفتح، وإذا وقف حمزة سهل الهمزة مع المد والقصر، وله أيضاً إبدالها ألفاً مع المد والقصر ﴿المنافقون﴾ أي: الغريقون في وصف النفاق، وهم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه ﴿قالوا﴾ مؤكدين لأجل استشعارهم بتكذيب من يسمعهم لما عندهم من الارتياب ﴿نشهد﴾ قال الحسن: هو بمنزلة اليمين كأنهم قالوا نقسم ﴿إنك لرسول الله﴾ أي: الملك الذي له الإحاطة الكاملة فوافقوا الحق بظاهر
стр. 2224
أحوالهم، وخالفوا بقلوبهم وأفعالهم. وقوله تعالى: ﴿والله يعلم﴾ أي: وعلمه هو العلم في الحقيقة، وأكد سبحانه بحسب إنكار المنافقين فقال تعالى: ﴿إنك لرسوله﴾ سواء أشهد المنافقون بذلك أم لا فالشهادة حق ممن يطابق لسانه قلبه جملة معترضة بين قولهم: ﴿نشهد إنك لرسول الله﴾ وبين قوله تعالى: ﴿والله يشهد﴾ لفائدة.
قال الزمخشري: لو قال قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد انهم لكاذبون، لكان يوهم أن قولهم هذا كذب فوسط بينهما قوله تعالى: ﴿والله يعلم إنك لرسوله﴾ ليميط هذا الإيهام ﴿والله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال ﴿يشهد﴾ شهادة هي الشهادة لأنها محيطة بدقائق الظاهر والباطن ﴿إن المنافقين﴾ أي: الراسخين في وصف النفاق ﴿لكاذبون﴾ أي: في إخبارهم عن أنفسهم إنهم يشهدون، لأن قلوبهم لا تطابق ألسنتهم فهم لا يعتقدون ذلك، ومن شرط قول الحق أن يتصل ظاهره بباطنه وسره بعلانيته، ومتى تخالف ذلك فهو كذب ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم نشهد إنك لرسول الله وسماه الله تعالى كذباً لأن قولهم خالف اعتقادهم.
﴿اتخذوا أيمانهم﴾ أي: كلها من شهادتهم وكل يمين سواها ﴿جنة﴾ أي: سترة عن أموالهم ودمائهم، روى البخاري عن زيد بن أرقم قال: كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أبي ابن سلول يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي فذكره عمي لرسول الله ﷺ فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله ﷺ وكذبني، فأصابني هم لم يصبني مثله فجلست في بيتي، فأنزل الله ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ إلى قوله تعالى: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله﴾ وقوله ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ فأرسل إلي رسول الله ﷺ ثم قال: «إن الله قد صدقك» وروى الترمذي عن زيد بن أرقم قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ وكان معنا أناس من الأعراب فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقوننا فيسبق الأعرابي أصحابه فيملأ الحوض، ويجعل حوله حجارة ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجل من الأنصار أعرابياً فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه، فانتزع حجراً ففاض الماء، فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره، وكان من أصحابه فغضب عبد الله بن أبي، ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، يعني: الأعراب وكانوا يحضرون رسول الله ﷺ عند الطعام، فقال عبد الله: إذا انفضوا من عند محمد فائتوا محمداً بالطعام فليأكل هو ومن عنده، ثم قال لأصحابه: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال زيد: وأنا ردف عمي فسمعت عبد الله بن أبي فأخبرت عمي فانطلق فأخبر رسول الله ﷺ فأرسل إليه رسول الله ﷺ فحلف وجحد، قال: فصدقه رسول الله ﷺ وكذبني
قال: فجاء عمي إلي فقال: ما أردت إلا أن مقتك رسول الله ﷺ وكذبك المنافقون، قال: فوقع علي من جراءتهم ما لم يقع على أحد، قال: فبينما أنا أسير مع رسول الله ﷺ في سفر قد خفقت
стр. 2225
رأسي من الهمّ؛ إذ أتاني رسول الله ﷺ فعرك أذني، وضحك في وجهي فكان ما يسرّني أنّ لي بها الخلد في الدنيا، ثم إنّ أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول الله ﷺ قلت: ما قال لي شيئاً إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي، فقال: أبشر ثم لحقني عمر فقلت له: مثل قولي لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسول الله ﷺ سورة المنافقين» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروي «أنه ﷺ حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم وقتل منهم، ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد أجير لعمر يقود فرسه، وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أبيّ، واقتتلا فصرخ جهجه: يا للمهاجرين، وسنان يا للأنصار فأعان جهجاهاً جعال من فقراء المهاجرين، ولطم سناناً، فقال عبد الله لجعال: وأنت هناك وقال: ما صحبنا محمداً إلا لتلطم وجوهنا، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل، عنى بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله ﷺ ثم قال لقومه: ماذا فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحوّلوا عنكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث، فقال: أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك، ومحمد في عز من الرحمن وقوّة من المسلمين، فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب، فأخبر زيد رسول الله ﷺ فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله، فقال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب، قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر به أنصارياً، قال: فكيف إذا تحدّث الناس أنّ محمداً يقتل أصحابه؟ وقال ﷺ لعبد الله: أنت صاحب الكلام الذي بلغني، قال: والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئاً من ذلك، وإنّ زيداً لكاذب فهو قوله تعالى: ﴿اتخذوا إيمانهم جنة﴾ فقال الحاضرون: يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام عسى أن يكون قد وهم» .
وروي أنه ﷺ قال: «لعلك غضبت عليه، قال: لا، قال: فلعله أخطأ سمعك، قال: لا، قال: فلعله شبه عليك، قال: لا، فلما نزلت لحق ﷺ زيداً من خلفه فعرك أذنه، وقال: وعت أذنك يا غلام إنّ الله قد صدقك وكذب المنافقين» .
تنبيه:: سئل حذيفة بن اليمان عن المنافق فقال: الذي يصف الإيمان ولا يعمل به.
وروى أبو هريرة أنّ النبيّ ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» وروى عبد الله بن عمر أنّ النبيّ ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه خصلة منهنّ كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» وروي عن الحسن أنه ذكر هذا الحديث فقال: إنّ بني يعقوب حدثوا فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا، إنما هذا القول من النبيّ ﷺ على سبيل الإنذار للمسلمين، والتحذير لهم أن يعتادوا هذه الخصال شفقة أن تفضي بهم إلى النفاق، وليس المعنى أنّ من ندرت منه هذه الخصال من غير اختيار واعتياد أنه منافق وقال ﵊: «المؤمن إذا حدث صدق، وإذا وعد نجز، وإذا ائتمن وفى»
стр. 2226
والمعنى المؤمن الكامل ﴿فصدّوا﴾ أي: فسبب لهم اتخاذهم هذا أن أعرضوا بأنفسهم مع سوء البواطن وحرارة ما في الصدور، وحملوا غيرهم على الإعراض ﴿عن سبيل الله﴾ أي: عن طريق الملك الأعظم الذي شرعه لعباده ليصلوا به إلى محل رضوانه، ووصلوا إلى ذلك بخداعهم ومكرهم بجراءتهم على الأيمان الخائنة ﴿إنهم ساء ما كانوا﴾ أي: جبلة وطبعاً ﴿يعملون﴾ أي: يجدّدون عمله مستمرّين عليه بما هو كالجبلة من جراءتهم على الله ورسوله ﷺ وخلص عباده بالأيمان الخائنة.
ولما كانت المعاصي تعمي القلوب فكيف بأعظمها علله بقوله تعالى:
﴿ذلك﴾ أي: سوء عملهم ﴿بأنهم آمنوا ثم كفروا﴾ .
فإن قيل: إنّ المنافقين لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم، فما معنى قوله تعالى: ﴿آمنوا ثم كفروا﴾ ؟ أجيب: بثلاثة أوجه:
أحدها: آمنوا، أي: نطقوا بكلمة الشهادة، وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام، ثم كفروا أي: ثم ظهر كفرهم بعد ذلك، وتبين بما اطلع عليه من قولهم إن كان ما يقول محمد حقاً، فنحن حمير، وقولهم في غزوة تبوك: أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات، ونحوه قوله: ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم﴾ (التوبة: ٧٤)
أي: وظهر كفرهم بعد أن أسلموا، ونحوه ﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ (التوبة: ٦٦)
والثاني: آمنوا أي: نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام بقوله تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا﴾ إلى قوله ﴿إنما نحن مستهزؤن﴾ (البقرة: ١٤)
وهذا إعلام من الله تعالى بأنّ المنافقين كفار.
الثالث: أن يراد أنّ ذلك في قوم آمنوا ثم ارتدّوا ﴿فطبع﴾ أي: فحصل الطبع وهو الختم مع أنه معلوم أنه لا يقدر على ذلك غيره سبحانه ﴿على قلوبهم﴾ أي: لأجل اجترائهم على ما هو أكبر الكبائر على وجه النفاق ﴿فهم﴾ أي: فتسبب عن ذلك أنهم ﴿لا يفقهون﴾ أي: لا يقع لهم فقه في شيء من الأشياء، فهم لا يميزون صواباً من خطأ، ولا حقاً من باطل.
﴿وإذا رأيتهم﴾ أي: أيها الرسول على ما لك من الفطنة ونفوذ الفراسة، أو أيها الرائي كائناً من كان بعين البصر ﴿تعجبك أجسامهم﴾ لضخامتها وصباحتها، فإنّ عنايتهم كلها بصلاح ظواهرهم وترفيه أنفسهم، فهم أشباح وقوالب ليس وراءها ألباب وحقائق.
قال ابن عباس: كان ابن أبيّ جسيماً صحيحاً فصيحاً ذلق اللسان، وقوم من المنافقين في مثل صفته وهم رؤساء المدينة، وكانوا يحضرون مجلس النبيّ ﷺ ويستندون فيه، ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن، وكان النبيّ ﷺ ومن حضر يعجبون بهياكلهم ﴿وإن يقولوا﴾ أي: يوجد منهم قول في وقت من الأوقات ﴿تسمع لقولهم﴾ أي: لفصاحته فيلذذ السمع ويروق الفكر ﴿كأنهم﴾ أي: في حسن ظواهرهم وسوء بواطنهم، وفي عدم الانتفاع بهم في شيء ﴿خشب﴾ جمع كثرة لخشبة، وهو دليل على كثرتهم ﴿مسندة﴾ أي: قطعت من مغارسها ممالة إلى الجدار. وقرأ أبو عمرو والكسائي بسكون الشين، والباقون بضمها ﴿يحسبون﴾ أي: لضعف عقولهم وكثرة ارتيابهم لكثرة ما يباشرون من سوء أعمالهم ﴿كل صيحة﴾ أي: من نداء مناد في إنشاد ضالة، أو انفلات دابة، أو نحو ذلك واقعة ﴿عليهم﴾ وضارّة لهم لجبنهم وهلعهم لما في قلوبهم من الرعب أن ينزل فيهم ما يبيح دماءهم. ومنه أخذ الأخطل:
стр. 2227
*مازلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكرّ عليهم ورجالاً*
ومنه قول الآخر:
*كأنّ بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل*
*يخال إليه أنّ كل ثنية ... تيممها ترمي إليه بقاتل*
﴿هم العدوّ﴾ أي: الكامل العداوة بما دل عليه الأخبار بالمفرد الذي يقع على الجمع، إشارة إلى إنهم في شدّة عداوتهم للإسلام وأهله، وكمال قصدهم وشدّة سعيهم فيه على قلب رجل واحد، وإن أظهروا التودّد في الكلام، والتقرّب به إلى أهل الإسلام فإنّ ألسنتهم معكم إذا لقوكم، وقلوبهم عليكم مع أعدائكم فهم عيون لهم عليكم ﴿فاحذرهم﴾ لأنّ أعدى عدوّك من يعاشرك وتحت ضلوعه الداء لكنه يكون بلطف الله دائم الخذلان منكوساً في أكثر تقلباته بيد القهر والحرمان لسرّ قوله تعالى: ﴿قاتلهم الله﴾ أي: أحلهم الملك المحيط قدرة وعلماً محل من يقاتله عدوّ قاهر له أشدّ مقاتلة على عادة الفعل الذي يكون بين اثنين.
وقال ابن عباس: أي لعنهم الله، وقال أبو مالك: هي كلمة ذم وتوبيخ، وقد تقول العرب: قاتله الله ما أشعره فيضعونه موضع التعجب ﴿أنى﴾ أي: كيف، ومن أيّ جهة ﴿يؤفكون﴾ أي: يصرفهم عن قبح ما هم عليه صارف ما كائن ما كان ليرجعوا عما هم عليه، وقال ابن عباس: أنى يؤفكون، أي: يكذبون، وقال مقاتل: أي: يعدلون عن الحق، وقال الحسن: يصرفون عن الرشد، وقيل: معناه كيف تضل عقولهم عن هذا مع وضوح الدلائل، وهو من الإفك.
﴿وإذا قيل لهم﴾ أي: من أيّ قائل كان ﴿تعالوا﴾ أي: ارفعوا أنفسكم مجتهدين في ذلك بالمجيء إلى أشرف الخلق الذي لا يزال مكانه عالياً لعلوّ مكانته ﴿يستغفر لكم﴾ أي: يطلب الغفران لأجلكم خاصة من أجل هذا الكذب أي: الذي أنتم مصرّون عليه ﴿رسول الله﴾ أي: أقرب الخلق إلى الملك الأعظم الذي لا شبيه لوجوده ﴿لوّوا رؤوسهم﴾ أي: فعلوا اللي بغاية الشدّة والكثرة، وهو الصرف إلى جهة أخرى إعراضاً وعتواً، وإظهاراً للبغض والنفرة ﴿ورأيتهم﴾ أي: بعين البصيرة ﴿يصدّون﴾ أي: يعرضون إعراضاً قبيحاً عما دعوا إليه، مجدّدين لذلك كلما دعوا إليه، والجملة في وضع المفعول الثاني لرأيت ﴿وهم مستكبرون﴾ أي: ثابتوا الكبر عما دعوا إليه، وعن إحلال أنفسهم في محل الاعتذار فهم لشدّة غلظهم لا يدركون قبح ما هم عليه، ولا يهتدون إلى دوائه، وإذا أرشدهم غيرهم ونبههم لا ينتبهون.
فقد روي أنه لما نزل القرآن فيهم أتاهم عشائرهم من المؤمنين، وقالوا: ويحكم افتضحتم وأهلكتم أنفسكم، فأتوا رسول الله ﷺ وتوبوا إليه من النفاق، واسألوه أن يستغفر لكم فلووا رؤوسهم، أي: حرّكوها إعراضاً وإباء قاله ابن عباس.
وعنه: أنه كان لعبد الله بن أبي موقف في كل سبت يحض على طاعة الله وطاعة رسوله، فقيل له: وما ينفعك ذلك ورسول الله ﷺ عليك غضبان، فأته يستغفر لك فأبى، وقال: لا أذهب إليه. وروي أنّ ابن أبيّ رأسهم لوى رأسه، وقال لهم: أشرتم عليّ بالإيمان فآمنت، وأشرتم عليّ بأن أعطي زكاة مالي ففعلت، ولم يبق إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد فنزل ﴿وإذا قيل لهم تعالوا﴾ الآية. ولم يلبث إلا أياماً قلائل حتى اشتكى
стр. 2228
ومات.
ولما كان ﷺ يحب صلاحهم فهو يحب أن يستغفر لهم، وربما ندبه إلى ذلك بعض أقاربهم، قال تعالى منبهاً على أنهم ليسوا بأهل للاستغفار لأنهم لا يؤمنون:
﴿سواء عليهم أستغفرت لهم﴾ استغنى بهمزة الاستفهام عن همزة الوصل ﴿أم لم تستغفر﴾ الله ﴿لهم﴾ أي: سواء عليهم الاستغفار وعدمه لأنهم لا يلتفتون إليه، ولا يعتدّون به لكفرهم ﴿لن يغفر الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿لهم﴾ لرسوخهم في الكفر ﴿إن الله﴾ أي: الذي له كمال الصفات ﴿لا يهدي القوم﴾ أي: الناس الذين لهم قوّة في أنفسهم على ما يريدونه ﴿الفاسقين﴾ أي: لأنهم لا عذر لهم في الإصرار على الفسق، وهو المروق من حصن الإسلام بخرقه وهتكه مرّة بعد مرّة، والتمرن عليه حتى استحكم فهم راسخون في النفاق، والخروج عن مظنة الإصلاح.
﴿هم﴾ أي خاصة بخالص بواطنهم ﴿الذين يقولون﴾ أي: أوجدوا هذا القول للأنصار، ولا يزالون يجددونه لأنهم كانوا مربوطين بالأسباب محجوبين عن شهود التقدير ﴿لا تنفقوا﴾ أي: أيها المخلصون في النصرة ﴿على من﴾ أي: الذين ﴿عند رسول الله﴾ أي: الملك المحيط بكل شيء، وهم فقراء المهاجرين ﴿حتى ينفضوا﴾ أي: يتفرّقوا فيذهب كل أحد منهم إلى أهله وشغله الذي كان له قبل ذلك.
قال البقاعي: وما درى الأجلاف أنهم لو فعلوا ذلك أتاح الله تعالى غيرهم للإنفاق، أو أمر رسول الله ﷺ فدعا في الشيء اليسير فصار كثيراً، أو كان بحيث لا ينفد، أو أعطى كلاً يسيراً من طعام على كيفية لا ينفد معها كتمر أبي هريرة، وشعير عائشة، وعكة أمّ أيمن وغير ذلك كما روى غير مرّة، ولكن ﴿من يضلل الله فما له من هاد﴾ (الزمر: ٢٣)
ولذلك عبر في الردّ عليهم بقوله تعالى: ﴿ولله﴾ أي: قالوا ذلك واستمرّوا على تجديد قوله، والحال أنّ الملك الذي لا أمر لغيره ﴿خزائن السموات﴾ أي: كلها ﴿والأرض﴾ كذلك من الأشياء المعدومة الداخلة تحت مقدوره، ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ (يس: ٨٢)
ومن الأشياء التي أوجدها فهو يعطي من يشاء منها، حتى مما في أيديهم لا يقدر أحد على منع شيء من ذلك لا مما في يده ولا مما في يده غيره.
ونبه على سوء غباوتهم وأنهم تقيدوا بالوهم حتى سفلوا عن رتبة البهائم كما قال بعضهم: إن كان محمد صادقاً فنحن شرّ من البهائم بقوله تعالى: ﴿ولكن المنافقين﴾ أي: العريقين في وصف النفاق ﴿لا يفقهون﴾ أي: يتجدّد لهم فهم أصلاً كالبهائم بل هم أضل، لأنّ البهائم إذا رأت شيئاً ينفعها يوماً في مكان طلبته مرة أخرى، وهؤلاء رأوا غير مرّة ما أخرج الله تعالى من خوارق البركات على يد رسوله ﷺ فلم ينفعهم ذلك، ودل على عدم نفعهم بقوله تعالى:
﴿يقولون﴾ أي: يوجدون هذا القول ويجدّدونه مؤكدين لاستشعارهم بأنّ أكثر قومهم ينكره ﴿لئن رجعنا﴾ أي: أيتها العصابة المنافقة ﴿إلى المدينة﴾ أي: من غزاتنا هذه، وهي غزوة بني المصطلق حيّ من هذيل خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له: المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل ﴿ليخرجنّ الأعز﴾ يعنون أنفسهم ﴿منها﴾ أي: المدينة ﴿الأذل﴾ يعنون النبيّ ﷺ وأصحابه، وهم كاذبون في هذا لكونهم تصوروا لشدة غباوتهم أنّ العزة لهم، وأنهم يقدرون على إخراج المؤمنين ﴿وله﴾ أي: والحال أنّ كل من له نوع بصيرة يعلم أنّ الملك الأعلى هو الذي له وحده
стр. 2229
﴿العزة﴾ أي: الغلبة كلها ﴿ولرسوله﴾ لأنّ عزتّه من عزته ﴿وللمؤمنين﴾ فعزة الله قهره من دونه، وكل من عداه دونه وعزة رسوله إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين نصر الله تعالى إياهم على أعدائهم ﴿ولكن المنافقين﴾ أي: الذين استحكم فيهم مرض القلوب ﴿لا يعلمون﴾ أي: لا يوجد لهم علم الآن، ولا يتجدد في حين من الأحيان فلذلك هم يقولون مثل هذا الخراف.
روي أنه لما نزلت هذه الآية جاء عبد الله ولد عبد الله بن أبي ابن سلول الذي نزلت هذه الآيات بسببه كما مرّ إلى أبيه، وذلك في غزوة المريسيع لبني المصطلق فأخذ بزمام ناقته، وقال: أنت والله الذليل ورسول الله ﷺ العزيز. ولما أراد أن يدخل المدينة عبد الله بن أبي اعترضه ابنه حباب، وهو عبد الله غير رسول الله ﷺ اسمه، وقال «إن حباباً اسم شيطان» وكان مخلصاً، وقال: وراءك والله لا تدخلها حتى تقول رسول الله ﷺ الأعز وأنا الأذل، فلم يزل حبيساً في يده حتى أمره رسول الله ﷺ بتخليته. وروي أنه قال: لئن لم تقرّ لله ولرسوله بالعزة لأضربنّ عنقك، فقال: ويحك أفاعل أنت؟ قال: نعم، فلما رأى منه الجدّ، قال: أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فقال النبي ﷺ لابنه «جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيراً» .
فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى ختم الآية الأولى بقوله تعالى: ﴿لا يفقهون﴾ وختم الثانية بقوله تعالى: ﴿لا يعلمون﴾ ؟.
أجيب: بأنه ليعلم بالأولى قلة كياستهم وفهمهم، وبالثانية حماقتهم وجهلهم. ويفقهون من فقه يفقه كعلم يعلم، أو من فقه يفقه كعظم يعظم، فالأوّل لحصول الفقه بالتكلف، والثاني لا بالتكلف، فالأول علاجي، والثاني مزاجي.
ثم نهى الله تعالى المؤمنين عن التشبه بالمنافقين فقال تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي: أقروا بالإيمان، وقلوبهم مذعنة كظواهرهم ﴿لا تلهكم﴾ أي: لا تشغلكم ﴿أموالكم ولا أولادكم﴾ سواء كان ذلك في إصلاحها، أو التمتع بها بحيث تغفلون ﴿عن ذكر الله﴾ أي: الملك الأعظم حذر المؤمنين أخلاق المنافقين، أي: لا تشتغلوا بأموالكم كما فعل المنافقون؛ إذ قالوا لأجل الشح بأموالهم ﴿لا تنفقوا على من عند رسول الله﴾ وقوله تعالى: ﴿عن ذكر الله﴾ قال الضحاك: أي: عن الصلوات الخمس، نظيره: قوله تعالى: ﴿لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ (النور: ٣٧)
وقال الحسن: عن جميع الفرائض، كأنه قال: عن طاعة الله تعالى. وقيل: عن الحج والزكاة. وقيل عن قراءة القرآن، وقيل: عن إدامة الذكر، وقيل: هذا خطاب للمنافقين، أي: آمنتم بالقول فآمنوا بالقلب.
ولما كان التقدير فمن انتهى فهو من الفائزين عطف عليه قوله تعالى: ﴿ومن يفعل﴾ أي: يوقع في زمن من الأزمان على سبيل التجديد والاستمرار فعل ﴿ذلك﴾ أي: الأمر البعيد عن أفعال ذوي الهمم من الانقطاع إلى الاشتغال بالفاني والإعراض عن الباقي ﴿فأولئك﴾ البعداء عن الخير ﴿هم الخاسرون﴾ أي: العريقون في الخسارة في تجارتهم، حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني، حتى كأنهم مختصون بها دون الناس، وذلك بضد ما أرادوا.
﴿وأنفقوا﴾ أي: ما أمرتم به من واجب أو مندوب كما قاله بعض المفسرين، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يريد زكاة الأموال، وهو ظاهر الأمر.
ثم إنّ الله تعالى زاد في الترغيب بالرضا منهم باليسير بقوله تعالى: ﴿مما رزقناكم﴾ أي: بعظمتنا. قال الزمخشري: من في ﴿مما رزقناكم﴾ للتبعيض، والمراد الإنفاق
стр. 2230
الواجب ا. هـ. ثم قال تعالى محذراً من الاغترار بالتسويف في أوقات السلامة: ﴿من قبل أن يأتي أحدكم الموت﴾ أي: يرى دلائله وأماراته وكل لحظة مرّت فهي دلائله وأماراته. قال القرطبي: وهذا دليل على وجوب تعجيل إخراج الزكاة، ولا يجوز تأخيرها أصلاً، أي: بلا عذر، وكذا سائر العبادات إذا دخل وقتها. وقال الرازي: وبالجملة فقوله تعالى: ﴿لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله﴾ تنبيه على المحافظة على الذكر قبل الموت، وقوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناكم﴾ تنبيه على الشكر كذلك.
ولما كانت الشدّة تقتضي الإقبال إلى الله تعالى سبب عن ذلك قوله تعالى: ﴿فيقول﴾ أي: سائلاً في الرجعة، وأشار إلى ترقيقها للقلوب بقوله: ﴿رب لولا﴾ أي: هلا ولم لا ﴿أخرتني﴾ أي: أخرت موتي إمهالاً ﴿إلى أجل﴾ أي: زمان، وقوله ﴿قريب﴾ بين به أن مراده استدراك ما فات ليس إلا، وقيل: لا زائدة ولو للتمني أي: لو أخرتني إلى أجل قريب ﴿فأصدّق﴾ أي: للتزوّد في سفري هذا الطويل الذي أنا مستقبله.
وعن ابن عباس ﵄: تصدّقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت، فلا تقبل توبة ولا ينفع عمل. وعنه: ما يمنع أحدكم إذا كان له مال أن يزكي، وإذا أطاق الحج أن يحج من قبل أن يأتيه الموت، فيسأل ربه الكرة فلا يعطاها. وعنه: أنها نزلت في مانعي الزكاة، ووالله لو رأى خيراً ما سأل الرجعة، فقيل له: أما تتقي الله يسأل المؤمنون الكرّة، قال: نعم أنا أقرأ عليكم قرآناً يعني: أنها نزلت في المؤمنين، وهم المخاطبون بها. وكذا عن الحسن: ما من أحد لم يزك، ولم يصم، ولم يحج إلا سأل الرجعة. وقال الضحاك: لا ينزل بأحد لم يحج ولم يؤدّ الزكاة الموت إلا وسأل الرجعة، وعن عكرمة: نزلت في أهل القبلة.
وقيل: نزلت في المنافقين، ولهذا نقل عن ابن عباس ﵄ أنه قال هذه الآية تدل على أنّ القوم لم يكونوا من أهل التوحيد، لأنه لا يتمنى الرجوع إلى الدنيا والتأخير فيها أحد له عند الله تعالى خير في الآخرة، أي: إذا لم يكن بالصفة المتقدمة. قال القرطبي: إلا الشهيد فإنه يتمنى الرجوع حتى يقتل لما يرى من الكرامة. وقرأ ﴿وأكون من الصالحين﴾ أي: العريقين في هذا الوصف بالتدارك أبو عمرو بواو بعد الكاف ونصب النون عطفاً على فأصدّق، والباقون بحذف الواو لالتقاء الساكنين وجزم النون.
واختلفت عبارات الناس في ذلك، فقال الزمخشري: عطفاً على محل فأصدّق، كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن. وقال ابن عطية: عطفاً على الموضع لأنّ التقدير: إن أخرتني أصدّق وأكن، هذا مذهب أبي عليّ الفارسي. وقال القرطبي: عطفاً على موضع الفاء لأنّ قوله: ﴿فأصدّق﴾ لو لم تكن الفاء لكان مجزوماً، أي: أصدّق.
ثم زاد تعالى في الحث على المبادرة بالطاعات قبل الفوات بقوله تعالى مؤكداً لأجل عظم الرجاء من هذا المحتضر بالتأخير عاطفاً على ما، تقديره: فلا يؤخره الله فيفوته ما أراد:
﴿ولن يؤخر الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي لا كفء له فلا اعتراض عليه ﴿نفساً﴾ أيّ نفس كانت، وحقق الأجل بقوله تعالى: ﴿إذا جاء أجلها﴾ أي: وقت موتها الذي حدّه الله تعالى لها فلا يؤخر الله تعالى نفس هذا القائل، لأنها من جملة النفوس التي شملها النفي.
وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المدّ والقصر، وقرأ ورش وقنبل بتسهيل الثانية بعد تحقيق الأولى، ولهما أيضاً إبدالها ألفاً، والباقون بتحقيقهما ﴿والله﴾ أي: الذي له الإحاطة الشاملة علماً وقدرة ﴿خبير﴾ أي:
стр. 2231
بالغ الخبرة والعلم ظاهراً وباطناً ﴿بما تعملون﴾ أي: توقعون عمله في الماضي والحال والمآل كله باطنه وظاهره.
وقرأ شعبة بالياء التحتية على الغيبة على الخبر عمن مات، وقال هذه المقالة، والباقون بالفوقية على الخطاب. وما قاله البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة المنافقين بريء من النفاق» حديث موضوع.
سورة التغابن
مدنية
في قول الأكثرين، وقال الضحاك: مكية، وقال الكلبي: مدنية ومكية. وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن سورة التغابن نزلت بمكة إلا آيات من آخرها نزلت بالمدنية في عوف بن مالك الأشجعي، شكا إلى رسول الله ﷺ جفاء أهله وولده، فأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم﴾ إلى آخرها، وهي ثماني عشرة آية، ومائتان وإحدى وأربعون كلمة، وألف وسبعون حرفاً.
﴿بسم الله﴾ مالك الملك فلا كفء له ولا مثيل ﴿الرحمن﴾ أي: الذي وسع الخلائق بره الجليل ﴿الرحيم﴾ الذي خص من عمه فوفقهم للجميل.
﴿يسبح﴾ أي: يوقع التنزيه التامّ مع التجديد والاستمرار ﴿لله﴾ أي: الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿ما في السموات﴾ أي: كلها ﴿وما في الأرض﴾ كذلك، وقيل: اللام زائدة، أي: ينزه الله تعالى، قال الجلال المحلي: وأتى بما دون من تغليباً للأكثر ﴿له﴾ أي: وحده ﴿الملك﴾ أي: كله مطلقاً في الدنيا والآخرة ﴿وله﴾ أي: وحده ﴿الحمد﴾ أي: الإحاطة بأوصاف الكمال كلها، فلذلك نزهه جميع مخلوقاته وقدّم الظرفين ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله تعالى، وذلك بأنّ الملك على الحقيقة له، لأنه مبدئ كل شيء ومبدعه، والقائم به والمهيمن عليه، وكذا الحمد لأنّ أصول النعم وفروعها منه وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء وحمده اعتداد بأنّ نعمة الله جرت على يده ﴿وهو على كل شيء قدير﴾
﴿هو﴾ أي: وحده ﴿الذي خلقكم﴾ أي: أنشأكم على ما أنتم عليه ﴿فمنكم﴾ أي: فتسبب عن خلقه لكم وتقديره ﴿كافر﴾ أي: عريق في صفة الكفر ﴿ومنكم مؤمن﴾ أي: راسخ في الإيمان في حكم الله تعالى في الأزل، قال ابن عباس ﵄: إنّ الله خلق بني آدم مؤمناً وكافراً، ويعيدهم في القيامة مؤمناً وكافراً.
وروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ عشية فذكر شيئاً مما يكون فقال: تولد الناس على طبقات شتى، يولد الرجل مؤمناً ويعيش مؤمناً ويموت مؤمناً، ويولد الرجل كافراً ويعيش كافراً ويموت كافراً، ويولد الرجل كافراً ويعيش كافراً ويموت مؤمناً» ، أي: وسكت عن القسم الآخر، وهو أن يولد الرجل مؤمناً ويعيش مؤمناً ويموت كافراً اكتفاء بالمقابل، وقال ابن مسعود ﵁: قال النبيّ ﷺ «خلق الله تعالى فرعون في بطن أمّه كافراً، وخلق يحيى بن زكريا ﵉ في بطن أمّه مؤمناً وفي الصحيح من حديث ابن مسعود ﵁: «وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل
стр. 2232
الجنة فيدخلها» وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد الساعدي أنّ رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة» قال القرطبي: قال علماؤنا: والمعنى تعلق العلم الأزلي بكل معلوم فيجري ما علم وأراد وحكم، فقد يريد إيمان شخص على عموم الأحوال، وقد يريده إلى وقت معلوم، وكذلك الكفر.
وقيل: في الكلام محذوف، تقديره: فمنكم مؤمن ومنكم كافر ومنكم فاسق فحذف لما في الكلام من الدلالة عليه، قاله الحسن. وقال غيره: لا حذف لأنّ المقصود ذكر الطرفين، وقيل: إنه خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا، والتقدير: هو الذي خلقكم، ثم وصفهم فقال: ﴿فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ كقوله تعالى: ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ (النور: ٤٥)
ثم قال تعالى: ﴿فمنهم من يمشي على بطنه﴾ (النور: ٤٥)
الآية. قالوا: فإنه خلقهم والمشي فعلهم، وهذا اختيار الحسين بن الفضل، قال: لو خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفهم بفعلهم في قوله تعالى: ﴿فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ واحتجوا بقوله ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» قال البغوي: وروينا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع على الكفر» وقال تعالى: ﴿ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً﴾ (نوح: ٢٧)
وروى أنس رضى الله عنه عن النبيّ ﷺ أنه قال: «وكل الله بالرحم ملكاً، فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها، قال: يا رب ذكر أم أنثى، شقي أم سعيد، فما الرزق، فما الأجل، فيكتب ذلك في بطن أمه» وقال الضحاك: فمنكم كافر في السرّ مؤمن في العلانية كالمنافق، ومنكم مؤمن في العلانية والسرّ، كعمار وزيد. وقال عطاء بن أبي رباح: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب، يعني: في شأن الأنواء كما جاء في الحديث. قال القرطبي: وقال الزجاج: وهو أحسن الأقوال.
والذي عليه الأئمة أن الله خلق الكافر وكفره فعل له، وكسب واختيار، وخلق المؤمن وإيمانه فعل له، وكسب واختيار وكسبه واختياره بتقدير الله ومشيئته، فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان لأنّ الله تعالى أراد ذلك منه وقدّره عليه وعلمه منه، والكافر بعد خلق الله إياه يختار الكفر لأنّ الله تعالى قدره عليه وعلمه منه، ولا يجوز أن يوجد من كل منهما غير الذي قدره عليه وعلمه منه، لأنّ وجود خلاف المقدور عجز، ووجود خلاف المعلوم جهل فلا يليقان بالله تعالى. قال البغوي: وهذا طريق أهل السنة، من سلكه أصاب الحق وسلم من الجبر والقدر.
قال الرازي: فإن قيل: إنه تعالى حكيم وقد سبق في علمه أنه تعالى إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر فأيّ حكمة دعت إلى خلقهم؟.
فالجواب: إذا علمنا أنه تعالى حكيم علمنا أنّ أفعاله كلها على وفق الحكمة فيكون خلقه تعالى هذه الطائفة على وفق الحكمة، ولا يلزم من عدم علمنا بذلك أن لا يكون كذلك، بل اللازم أن يكون خلقهم على وفق الحكمة ﴿والله﴾ أي: الذي له الإحاطة الكاملة ﴿بما تعملون﴾ أي: توقعون عمله كسباً ﴿بصير﴾ أي: بالغ العلم بذلك، فهو الذي خلق جميع أعمالكم التي نسب كسبها إليكم، وهو خالق جميع الاستعدادات والصفات كما خلق الذوات خلافاً للقدرية، لأنه لا يتصور أن يخلق
стр. 2233
الخالق ما لا يعلمه، ولو سئل الإنسان كم مشى في يومه من خطوة لم يدر فكيف لو سئل أين موضع مشيه، ومتى زمانه فكيف، وإنه ليمشي أكثر مشيه وهو غافل عنه، ومن جهل أفعاله كماً وكيفاً وأيناً وغير ذلك لم يكن خالقاً لها بوجه.
ولما ذكر المظروف ذكر ظرفه دالاً على تمام إحاطته بالبواطن والظواهر.
وقوله تعالى: ﴿خلق السموات﴾ أي: على علوها وكبرها ﴿والأرض﴾ على سعتها ﴿بالحق﴾ أي: بالأمر الذي يطابقه الواقع لما أراد ﴿وصورّكم﴾ أي: آدم ﵇ خلقه بيده كرامة له. قال مقاتل: وقيل: جميع الخلائق على صور لا توافق شيئاً من صور العلويات، ولا السفليات، ولا فيها صور توافق الأخرى من كل وجه ﴿فأحسن صوركم﴾ فجعلها أحسن الحيوانات كلها كما هو مشاهد، وبدليل أن الإنسان لا يتمنى أن يكون على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته أن خلقه منتصباً غير منكب كما قال تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ (التين: ٤)
كما يأتى إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: قد يوجد في أفراد هذا النوع من كل مشوه الخلقة سمج الصورة.
أجيب: بأنه لا سماجة لأن الحسن في المعاني، وهو على طبقات ومراتب، فانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقه لا يمنع حسنه، فهو داخل في حيز الحسن غير خارج عن حدّه، فقبح القبيح منه إنما هو بالنسبة إلى أحسن منه. ولذا قال الحكماء: شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان، فقدرة الله لا تتناهى.
قال البقاعي: فإياك أن تصغي لما وقع في كتب الغزالي إنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، فإن ذلك ينحل إلى أنه سبحانه لا يقدر أن يخلق أحسن من هذا العالم، وهذا لا يقوله أحد، ا. هـ. وهو لا ينقص مقدار الغزالي فإن كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه كما قال الإمام مالك، وعزاه الغزالي نفسه إلى ابن عباس ﵄، وقال الشافعي: صنفت هذه الكتب وما ألوت فيها جهداً وإني لا علم أن فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا﴾ (النساء: ٨٢)
ولما كان التقدير فكان منه سبحانه المبدأ عطف عليه قوله تعالى: ﴿وإليه﴾ وحده ﴿المصير﴾ أي: المرجع بعد البعث فيجازى كلاً بعمله.
﴿يعلم﴾ أي: علمه حاصل في الماضي والحال والمآل ﴿ما﴾ أي: كل شئ ﴿في السماوات﴾ أي: كلها ﴿والأرض﴾ كذلك ﴿ويعلم﴾ أي: على سبيل الاستمرار ﴿ما تسرون﴾ أي: تخفون ﴿وما تعلنون﴾ أي: تظهرون من الكلمات والجزئيات ﴿والله﴾ أي: الذي له الإحاطة التامة ﴿عليم﴾ أي: بالغ العلم ﴿بذات﴾ أي: صاحبة ﴿الصدور﴾ من الأسرار والخواطر التي لم تبرز في الخارج سواء كان صاحب الصدر قد علمها أم لا، وعلمه لكل ذلك على حد سواء لا تفاوت فيه بين علم الخفي وعلم الجلي نبه بعمله ما في السماوات والأرض، ثم يعلم ما يسره العباد ويعلنونه، ثم بعلمه ذوات الصدور إن شيئاً من الجزئيات والكليات غير خافٍ عليه، ولا عازب عنه، ولا يجترىء على شيء مما يخالف رضاه، وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد، وكل ما ذكره بعد قوله: ﴿فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ كما ترى في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته.
﴿ألم يأتكم﴾ أيها الناس ولا سيما الكفار ﴿نبأ﴾ أي: خبر ﴿الذين كفروا من قبل﴾ كقوم نوح وهود وصالح ﴿فذاقوا﴾ أي: باشروا مباشرة الذائق ﴿وبال أمرهم﴾ أي: ضرر كفرهم في الدنيا، وأصله الثقل، ومنه الوبيل لطعام يثقل على المعدة، والوابل: المطر الثقيل القطر ﴿ولهم عذاب أليم﴾
стр. 2234
أي: مؤلم في البرزخ ثم يوم القيامة التي هي موضع الفصل الأعظم.
﴿ذلك﴾ أي: الأمر العظيم من الوبال الدال قطعاً على أن الكفر أبطل الباطل وأنه مما يغضب الخالق ﴿بأنه﴾ أي: بسبب أن الشان العظيم البالغ في الفظاعة ﴿كانت تأتيهم﴾ على عادة مستمرة ﴿رسلهم﴾ أي: رسل الله الذين أرسلهم إليهم ﴿بالبينات﴾ أي: الحجج الظاهرات على الإيمان ﴿فقالوا﴾ أي: الكل لرسلهم منكرين غاية الإنكار تكبراً، وقولهم: ﴿أبشر يهدوننا﴾ يجوز أن يرتفع بشر على الفاعلية ويكون من الاشتغال، وهو الأرجح لأن الأداة تطلب الفعل، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبر، وجمع الضمير في يهدوننا؛ إذ البشر اسم جنس، وقد يأتي الواحد بمعنى الجمع فيكون اسماً للجنس، وقد يأتي الجمع بمعنى الواحد كقوله تعالى: ﴿ما هذا بشراً﴾ (يوسف: ٣١)
فأنكروا على الملك الأعظم إرساله لهم ﴿فكفروا﴾ أي: بهذا القول؛ إذ قالوه استصغاراً ولم يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده ﴿وتولوا﴾ عن الإيمان.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فكفروا﴾ تعميم يفهم منه التولي فما الحاجة إلى ذكره؟ أجيب: بأنهم كفروا وقالوا: ﴿أبشر يهدوننا﴾ وهذا في معنى الإنكار والإعراض بالكلية، وهذا هو التولي فكأنهم كفروا وقالوا قولاً يدل على التولي، فلهذا قال: ﴿فكفروا وتولوا﴾ ، وقيل: كفروا بالرسل وتولوا بالبرهان، وأعرضوا عن الإيمان والموعظة.
ونبه بقوله تعالى: ﴿واستغنى الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه على أن هذا إنما هو لمصالح الخلق فهو غني عن كل شيء.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وتولوا واستغنى الله﴾ يوهم وجود التولي والاستغناء معاً، والله تعالى لم يزل غنياً؟ أجيب: بأن معناه وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان، ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك ﴿والله﴾ أي: المستجمع الصفات الكمال ﴿غني﴾ عن خلقه ﴿حميد﴾ أي: محمود في أفعاله.
﴿زعم الذين كفروا﴾ أي: أوقعوا الستر لما دلت عليه العقول من وحدانية الله تعالى، ولو على أدنى الوجوب. وزعم قال ابن عربي: كنية الكذب، وقال الزمخشري: الزعم ادعاء العلم، ومنه قوله ﵊: «زعموا مطية الكذب» وعن شريح: لكل شيء كنية، وكنية الكذب زعموا. وفي حديث ابن مسعود ﵁ عند أبي داود: «بئس مطية الرجال زعموا» ﴿أن لن يبعثوا﴾ أي: من أي باعث ما بوجه من الوجوه ﴿قل﴾ أي: يا أشرف الرسل لهؤلاء البعداء ﴿بلى﴾ أي: لتبعثن ثم أكد بصريح القسم فقال: ﴿وربي﴾ أي: المحسن إلي بالانتقام ممن كذب بي ﴿لتبعثنّ﴾ أي: بأهون شيء وأيسر أمر ﴿ثم لتنبؤن﴾ أي: تخبرنّ إخباراً عظيماً ممن يقيمه الله تعالى لإخباركم ﴿بما عملتم﴾ أي: بأعمالكم لتجزون عليها ﴿وذلك﴾ أي: الأمر العظيم عندكم من البعث والحساب ﴿على الله﴾ أي: المحيط بصفات الكمال وحده ﴿يسير﴾ إذ الإعادة أسهل من الابتداء.
فإن قيل: كيف يفيد القسم في إخباره عن البعث، وهم قد أنكروا الرسالة؟.
أجيب: بأنهم أنكروا الرسالة لكنهم يعتقدون أنه يعتقد ربه اعتقاداً جازماً فيعلمون أنه لا يقدم على القسم بربه إلا وأن يكون الإخبار عنده صدقاً أظهر من الشمس في اعتقاده، ثم إنه أكد الخبر باللام والنون فكأنه قسماً بعد قسم.
ثم إن الله تعالى لما أخبر عن البعث، والاعتراف بالبعث من لوازم الإيمان قال تعالى:
﴿فآمنوا بالله﴾ أي: الملك الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء ﴿ورسوله﴾ أي: كل من أرسله ولا سيما محمداً ﷺ ﴿والنور﴾ أي: القرآن ﴿الذي أنزلنا﴾
стр. 2235
أي: بما لنا من العظمة؛ لأنه نور يهتدى به من ظلمة الضلالة كما يهتدى بالنور في الظلمات.
فإن قيل: هلا قيل: ونوره، بالإضافة كما قال: ورسوله؟ أجيب بأن الألف واللام في النور بمعنى الإضافة فكأنه قال: ورسوله ونوره ﴿والله﴾ أي: المحيط علماً وقدرة ﴿بما تعملون خبير﴾ أي: بالغ العلم بما تسرون وما تعلنون فراقبوه في السر والعلانية.
وقوله تعالى: ﴿يوم يجمعكم﴾ منصوب بقوله تعالى: ﴿لتنبئون﴾ عند النحاس و ﴿بخبير﴾ عند الحوفي لما فيه من معنى الوعيد كأنه قال: والله يعاقبكم يوم يجمعكم، وباذكر مضمراً عند الزمخشري فيكون مفعولاً به، أو بما دلّ عليه الكلام، أي: تتفاوتون يوم يجمعكم؛ قاله أبو البقاء ﴿ليوم الجمع﴾ أي: لأجل ما يقع في ذلك اليوم، وهو يوم القيامة الذي يجمع الله تعالى فيه الأولين والآخرين من الإنس والجن وجميع أهل السماء والأرض.
وقيل: يوم يجمع الله بين كل عبد وعمله، وقيل: يجمع فيه بين الظالم والمظلوم، وقيل: يجمع فيه بين كل نبي وأمّته، وقيل: يجمع فيه ثواب أهل الطاعة وعقاب أهل المعاصي، بل هو جامع لجميع ما ذكر ﴿ذلك﴾ أي: اليوم العظيم ﴿يوم التغابن﴾ والتغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة، وهو أن يغبن بعضهم بعضاً لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء، وفيه تهكم بالأشقياء؛ لأن نزولهم ليس بغبن. ولهذا قيل: التفاعل هنا من واحد لا من اثنين، وفي الحديث «ما من عبد أدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرةً» وهو معنى ﴿ذلك يوم التغابن﴾ وقد يتغابن الناس في غير ذلك اليوم استعظاماً له وإن تغابنه هو التغابن في الحقيقة لا التغابن في أمور الدنيا وإن جلت وعظمت.
وذكر في بعض التفاسير أن التغابن هو أن يكتسب الرجل مالاً من غير وجهه ليرثه غيره فيعمل فيه بطاعة الله فيدخل الأول النار والثاني الجنة بذلك المال، فذلك هو الغبن البين، والمغابن ما انثنى من البدن نحو الإبطين والفخذين، والمغبون من غبن في أهله ومنازله في الجنة، ويظهر يومئذ غبن كل كافر بتركه الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وبصنيعه في الآثام.
قال الزجاج: ويغبن من ارتفعت منزلته في الجنة بالنسبة إلى من هو أعلى منزلة منه. فإن قيل: فأي معاملة وقعت بينهما حتى يقع الغبن فيها؟ أجيب: بأنه تمثيل للغبن في الشراء والبيع كقوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم﴾ (البقرة: ١٦)
فلما ذكر أن الكفار اشتروا الضلالة بالهدى وما ربحوا في تجارتهم بل خسروا، ذكر أيضاً أنهم غبنوا وذلك أن أهل الجنة اشتروا الآخرة بترك الدنيا، واشترى أهل النار الدنيا بترك الآخرة، وهذا نوع مبادلة اتساعاً ومجازاً.
وقد فرق الله تعالى الخلق فريقين فريقاً للجنة وفريقاً للنار، وقال الحسن وقتادة: بلغنا أن التغابن على ثلاثة أصناف: رجل علم علماً فضيعه ولم يعمل به فشقي به، ورجل علم علماً وعمل به فنجا به، ورجل اكتسب مالاً من وجوه يسأل عنها وشح عليه وفرط في طاعة ربه بسببه ولم يعمل فيه خيراً، وتركه لوارث لا حساب عليه، فعمل ذلك الوارث فيه بطاعة ربه، ورجل كان له عبد فعمل ذلك العبد بطاعة ربه فسعد، وعمل السيد بمعصية ربه فشقي. وروى القرطبي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى يقيم الرجل والمرأة يوم القيامة
стр. 2236
بين يديه فيقول الله تعالى لهما قولاً: ما أنتما قائلان؟ فيقول الرجل: يا رب أوجبت نفقتها علي فنفقتها من حرام ومن حلال، وهؤلاء الخصوم يطلبون ذلك، ولم يبق لي ما أوفي، فتقول المرأة: يا رب وما عسى أن يقول اكتسبه حراماً وأكلته حلالاً، وعصاك في مرضاتي ولم أرض له بذلك فبعداً له وسحقاً، فيقول الله تعالى: قد صدقت فيؤمر به إلى النار ويؤمر بها إلى الجنة، فتطلع عليه من طبقات الجنة فتقول له: غبناك غبناك سعدنا بما شقيت أنت به، فذلك يوم التغابن» .
وقال بعض علماء الصوفية: إن الله تعالى كتب الغبن على الخلق أجمعين فلا يلقى أحد ربه إلا مغبوناً، لأنه لا يمكنه الاستيفاء للعمل حتى يحصل له استيفاء الثواب قال ﷺ «لا يلقى الله أحد إلا نادماً إن كان مسيئاً إن لم يحسن، وإن كان محسناً إن لم يزدد» .
تنبيه:: استدل بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿ذلك يوم التغابن﴾ أنه لا يجوز الغبن في المعاملات الدنيوية لأن الله تعالى خص التغابن بيوم القيامة فقال تعالى: ﴿ذلك يوم التغابن﴾ وهذا الاختصاص يفيد أن لاغبن في الدنيا، فكل من اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود إذا زاد على الثلث، واختاره البغداديون واحتجوا عليه بقوله ﷺ لحسان بن سعد: «إذا بايعت فقل لا خلابة ولك الخيار ثلاثاً» ولأن الغبن في الدنيا ممنوع منه بالإجماع في حكم الدين إذ هو من باب الخداع المحرم شرعاً في كل ملة لكن اليسير منه لا يمكن الاحتراز عنه، فمضى في البيوع إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبداً لأنه لا يخلو منه، فإذا كان كثيراً أمكن الاحتراز عنه فوجب الرد به.
والفرق بين القليل والكثير في الشريعة غير معلوم فقدر بالثلث، وهذا الحد اعتبره الشارع في الوصية وغيرها، ويكون معنى الآية على هذا يوم التغابن الجائز مطلقاً من غير تفصيل، وذلك يوم التغابن الذي لا يستدرك أبداً ﴿ومن يؤمن﴾ أي: يوقع الإيمان ويجدده على سبيل الاستمرار ﴿بالله﴾ أي: الملك الأعظم الذي لا كفء له ﴿ويعمل﴾ تصديقاً لإيمانه ﴿صالحاً﴾ أي: عملاً هو مما ينبغي الاهتمام بتحصيله لأنه لا مثل له في جلب المصالح ودفع المضار ﴿يكفر عنه سيئاته﴾ التي غلبه عليها نقصان الطبع واتبع ذلك الحامل الآخر، وهو التوجيه بجلب المسار لأن الإنسان يطير إلى ربه سبحانه بجناحي الخوف والرجاء، والرهبة والرغبة، والنذارة والبشارة ﴿ويدخله﴾ أي: رحمة له وإكراماً وفضلاً ﴿جنات﴾ أي: بساتين ذات أشجار عظيمة وأغصان ظليلة تستر داخلها ورياض مديدة متنوعة الأزاهير عطرة النشر بهيج ريها، وأشار إلى دوام ريها بقوله تعالى: ﴿تجري من تحتها﴾ أي: من تحت قصورها وأشجارها ﴿الأنهار﴾ وقرأ نكفر عنه وندخله، نافع وابن عامر بالنون فيهما، أي: نحن بما لنا من العظمة، والباقون بالياء التحتية، أي: الله الواحد القهار ﴿خالدين﴾ أي: مقدرين الخلود ﴿فيها﴾ وأكده بقوله: ﴿أبداً﴾ فلا خروج لهم منها ﴿ذلك﴾ أي: الأمر العالي جداً من الغفران والإكرام ﴿الفوز العظيم﴾ لأنه جامع لجميع المصالح ودفع المضار وجلب المسار، ومن جملة ذلك النظر إلى وجه الله الكريم.
ولما ذكر تعالى الفائز بلزومه التقوى ترغيباً اتبعه بضده ترهيباً فقال عز من قائل: ﴿والذين كفروا﴾ أي: غطوا أدلة ذلك اليوم فكانوا في الظلام ﴿وكذبوا﴾ أي: أوقعوا جميع التغطية وجميع التكذيب ﴿بآياتنا﴾ أي: بسببها مع مالها من العظمة بإضافتها إلينا وهي القرآن
стр. 2237
فلم يعملوا به ﴿أولئك﴾ أي: البعداء البغضاء ﴿أصحاب النار خالدين﴾ أي: مقدرين الخلود ﴿فيها وبئس المصير﴾ هي، قال الرازي: فإن قيل: قال تعالى في حق المؤمنين ﴿ومن يؤمن بالله﴾ بلفظ المستقبل، وفي الكفار قال: ﴿والذين كفروا﴾ بلفظ الماضي.
فالجواب: أن تقدير الكلام: ومن يؤمن بالله من الذين كفروا وكذبوا بآياتنا يدخله جنات، ومن لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار.
فإن قيل: قال تعالى: ﴿يؤمن﴾ بلفظ الوحدان و ﴿خالدين فيها﴾ بلفظ الجمع. أجيب: بأن ذلك بحسب اللفظ، وهذا بحسب المعنى.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: ﴿وبئس المصير﴾ بعد قوله تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ وذلك بئس المصير؟ أجيب: بأن ذلك وإن كان في معناه فهو تصريح بما يؤكده كما في قوله: ﴿أبداً﴾ .
﴿ما أصاب﴾ أحداً ﴿من مصيبة﴾ أيّ مصيبة كانت دينية أو دنيوية في نفس أو مال أو قول أو فعل تقتضي هماً، أو توجب عقاباً آجلاً أو عاجلاً ﴿إلا بإذن الله﴾ أي: بتقدير الملك الأعظم. وقال الفراء: يريد إلا بأمر الله. وقيل: إلا بعلم الله، وقيل: سبب نزول هذه الآية أن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقاً لصانهم الله تعالى عن المصائب في الدنيا، فبين الله تعالى أن ما أصاب من مصيبة إلا بقضائه وقدره.
فإن قيل: بم يتصل قوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله﴾ ؟ أجيب: بأنه يتعلق بقوله تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله﴾ .
﴿ومن يؤمن بالله﴾ يصدق بأنه لا تصيبه مصيبة إلا بقضاء الله الملك الأعظم وتقديره وإذنه ﴿يهد قلبه﴾ قال ابن عباس ﵄: هو أن يجعل في قلبه اليقين حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، أي: فيسلم لقضاء الله وقدره. وقال الكلبي: هو إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر.
وقيل: يهد قلبه إلى نيل الثواب في الجنة، وقيل: يثبته على الإيمان. وقال أبو عثمان الحيري: من صح إيمانه يهد الله قلبه لاتباع السنة. وقيل: يهد قلبه عند المصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، قاله ابن جبير. ﴿والله﴾ أي: الملك الذي لا نظير له ﴿بكل شيء﴾ مطلقاً من غير استثناء ﴿عليم﴾ فلا يخفى عليه تسليم من انقاد لأمره، فإذا تحقق من هدى قلبه ذلك زاح عنه كل اعتقاد باطل من كفر أو بدعة أو صفة خبيثة.
﴿وأطيعوا الله﴾ أي: الملك الأعلى الذي له الأمر كله ﴿وأطيعوا الرسول﴾ أي: هونوا على أنفسكم المصائب واشتغلوا بطاعة الله تعالى، واعملوا بكتابه وأطيعوا الرسول في العمل بسنته ﴿فإن توليتم﴾ أي: عن الطاعة ﴿فإنما على رسولنا﴾ أضافه إليه على وجه الكمال تعظيماً له وتهديداً لمن يتولى عنه ﴿البلاغ المبين﴾ أي: الظاهر في نفسه المظهر لكل أحد أنه أوضح له غاية الإيضاح، ولم يدع لبساً، وليس إليه خلق الهداية في القلوب.
﴿الله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال ﴿لا إله إلا هو﴾ فهو القادر على خلق الهداية في القلوب والإقبال بها لا يقدر على ذلك غيره ﴿وعلى الله﴾ أي: الذي له الأمر لا على غيره ﴿فليتوكل المؤمنون﴾ أي: لأن إيمانهم بأن الكل منه يقتضي ذلك. وقال الزمخشري: هذا بعث لرسول الله ﷺ على التوكل عليه، والتقوى به في أمره حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه.
واختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم﴾ أي: وإن أظهرن غاية المودة ﴿وأولادكم﴾ أي: وإن أظهروا غاية الشفقة ﴿عدواً لكم﴾ فقال ابن عباس: نزلت بالمدينة في عوف بن مالك
стр. 2238
الأشجعي شكا إلى النبي ﷺ جفاء أهله وولده فنزلت ذكره النحاس، وحكاه الطبري عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة التغابن كلها بمكة إلا هؤلاء الآيات ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم﴾ فإنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوه ورققوه، وقالوا: إلى من تدعنا فيرق فيقيم، فنزلت هذه الآية إلى آخر السورة بالمدينة.
وروى الترمذي عن ابن عباس وسئل عن هذه الآية قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم يأتوا النبي ﷺ فلما أتوا النبي ﷺ رأوا الناس قد تفقهوا في الدين، فهموا أن يعاقبوهم فأنزل الله تعالى هذه الآية، حديث حسن صحيح.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان قعد لابن آدم في طرق الإيمان فقال له: أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك فخالفه فآمن، ثم قعد له على طريق الهجرة فقال له: أتهاجر وتترك أهلك ومالك فخالفه فهاجر، ثم قعد له على طريق الجهاد فقال له: أتجاهد فتقتل نفسك فتنكح نساؤك ويقسم مالك فخالفه فجاهد فقتل، فحق على الله أن يدخله الجنة» .
وقعود الشيطان يكون بوجهين: أحدهما: يكون بالوسوسة، والثاني: أن يحمل على ما يريد من ذلك الزوج والولد والصاحب قال تعالى: ﴿وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ (فصلت: ٢٥)
وفي حكمة عيسى ﵊: من اتخذ أهلاً ومالاً وولداً كان في الدنيا عبداً. وقال ﵊: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة» ولا دناءة أعظم من دناءة الدينار والدرهم، ولا أخس من همة ترتفع بثوب جديد ويدخل في قوله تعالى: ﴿إن من أزواجكم﴾ الذكر والأنثى، فكما أن الرجل تكون زوجته عدواً له كذلك المرأة يكون زوجها عدواً لها بهذا المعنى ﴿فاحذروهم﴾ أي: أن تطيعوهم في التخلف عن الخير، ولا تأمنوا غوائلهم ﴿وإن تعفوا﴾ أي: توقعوا المجاوزة عن ذنوبهم بعدم العقاب عليها فإنه لا فائدة في ذلك، فإن من طبع على شيء لا يرجع عنه وإنما النافع الحذر الذي أرشد إليه تعالى لئلا يكون سبباً للذم المنهي عنه ﴿وتصفحوا﴾ أي: بالإعراض عن المقابلة بالتثريب باللسان ﴿وتغفروا﴾ أي: بأن تستروا ذنوبهم ستراً تاماً شاملاً للعين والأثر بالتجاوز ﴿فإن الله﴾ أي: الجامع لصفات الكمال ﴿غفور﴾ أي: بالغ المحو لأعيان الذنوب وآثارها جزاء لكم على غفرانكم لهم، وهو جدير بأن يصلحهم لكم بسبب غفرانكم ﴿رحيم﴾ فيكرمكم بعد ذلك الستر بالإنعام فتخلقوا بأخلاقه تعالى يزدكم من فضله.
﴿إنما أموالكم﴾ أي: عامة ﴿وأولادكم﴾ كذلك ﴿فتنة﴾ أي: اختبار من الله تعالى لكم، وهو أعلم بما في نفوسكم منكم لكي ليظهر في عالم الشهادة من يميله ذلك فيكون عليه نقمة ممن لا يميله فيكون عليه نعمة، فربما رام الإنسان صلاح ماله وولده فبالغ فأفسد نفسه، ثم لا يصلح ذلك ماله ولا ولده. روى أبو نعيم في الحلية في ترجمة سفيان الثوري ﵁ أنه قال: يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: أكل عياله حسناته. وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات ويكفي في فتنة لمال قصة ثعلبة بن حاطب أحد من نزل فيه قوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ (التوبة: ٧٥)
وعن ابن
стр. 2239
مسعود: لا يقولن أحدكم اللهم اعصمني من الفتنة، فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال ولا ولد إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن ليقل اللهم أعوذ بك من مضلات الفتن. وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿إن من أزواجكم وأولادكم﴾ أدخل من للتبعيض لأنهم كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر في قوله تعالى: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما.
روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «رأيت النبي ﷺ يخطب فجاء الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل ﷺ فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» ثم أخذ في خطبته. /
تنبيه:: قدم الأموال على الأولاد لأن فتنة المال أكثر، وترك ذكر الأزواج في الفتنة قال البقاعي: لأن منهن من يكون صلاحاً وعوناً على الآخرة ﴿والله﴾ أي: ذو الجلال ﴿عنده﴾ وناهيك بما يكون منه بسبيل جلاله وعظمته ﴿أجر﴾ ثم وصفه بقوله تعالى: ﴿عظيم﴾ أي: لمن ائتمر بأوامره التي أمره بها.
وقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿مااستطعتم﴾ أي: جهدكم ووسعكم ناسخ لقوله تعالى: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ (آل عمران: ١٠٢)
قاله قتادة والربيع بن أنس السدي، وذكر الطبري عن ابن زيد في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ قال جاء أمر شديد قال: ومن يعرف قدر هذا ويبلغه، فلما علم الله تعالى أنه قد اشتد عليهم نسخه عنهم، وجاء بهذه الآية الأخرى فقال ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وقال ابن عباس: وهي محكمة لا نسخ فيها، ولكن ﴿حق تقاته﴾ أن يجاهدوا فيه حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.
فإن قيل: إذا كانت الآية غير منسوخة فكيف الجمع بين الآيتين، وما وجه الأمر باتقائه حق تقاته مطلقاً من غير تخصيص ولا مشروطاً بشرط، والأمر باتقائه بشرط الاستطاعة؟ أجيب: بأن قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ معناه: فاتقوا الله أيها الناس وراقبوه فيما جعله فتنة لكم من أموالكم وأولادكم أن تغلبكم فتنتهم وتصدكم عن الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فتتركوا الهجرة وأنتم مستطيعون، وذلك أن الله تعالى قد عذر من لم يقدر على الهجرة بتركها بقوله تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم﴾ (النساء: ٩٩)
فأخبر تعالى أنه قد عفا عمن لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلاً بالإقامة في دار الشرك، فكذلك معنى قوله تعالى: ﴿ما استطعتم﴾ في الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام أن تتركوها فتنة أموالكم وأولادكم، ويدل على صحة هذا أن قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ عقب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم﴾ ولا خلاف بين علماء التأويل في أن هذه الآيات نزلت بسبب قوم كفار تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك كما تقدم، وهذا اختيار الطبري.
وقال ابن جبير: قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ أي: فيما يتطوع به من نافلة أو صدقة، فإنه لما نزل
стр. 2240
قوله تعالى: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ اشتدت على القوم فقاموا حتى ورمت وقرحت جباههم فأنزل الله تعالى تخفيفاً فيهم ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ فنسخت الأولى.
قال الماوردي: ويحتمل أن يثبت هذا النقل لأن المكره على المعصية غير مؤاخذ بها، لأنه لا يستطيع اتقاءها ﴿واسمعوا﴾ أي: سماع إذعان وتسليم لما توعظون به وجميع أوامره ﴿وأطيعوا﴾ أي: وصدقوا ذلك الإذعان بمباشرة الأفعال الظاهرة في الإسلاميات من القيام بأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله في كل أمر ونهي على حسب الطاقة وحذف المتعلق ليصدق الأمر بكل طاعة ﴿وأنفقوا﴾ أي: أوقعوا الإنفاق كما حد لكم فيما وجب أو ندب إليه، والإنفاق لا يخص نوعاً بل يكون بكل ما رزق الله من الذاتي والخارجي. وقوله تعالى: ﴿خيراً لأنفسكم﴾ في نصبه أوجه: أحدها: قال سيبويه إنه مفعول بفعل مقدر دل عليه ﴿وأنفقوا﴾ تقديره: وقدموا خيراً لأنفسكم كقوله تعالى: ﴿انتهوا خيراً لكم﴾ (النساء: ١٧١)
الثاني: تقديره يكن الإنفاق خيراً فهو خبر كان المضمرة، وهو قول أبي عبيدة. الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، وهو قول الكسائي والفراء، أي: إنفاقاً خيراً لأنفسكم فإن الله يعطي خيراً منه في الدنيا مع ما تزكى به النفس ويدخر عليه من الجزاء في الآخرة مما لا يدري كنهه فلا يغرنكم عاجل شيء من ذلك فإنما هو زخرف.
ولما ذكر ما في الإنفاق من الخير عمم في جميع الأوامر بقوله تعالى: ﴿ومن يوق شح نفسه﴾ فيفعل في ماله جميع ما أمر به موقناً به مطمئناً إليه حتى يرتفع عن قلبه الإخطار، ويتحرر عن رق المكنونات، والشح خلق باطنى هو الداء العضال، والبخل فعل ظاهر ينشأ عن الشح، والنفس تارة تشح بترك الشهوة من المعاصي فتفعلها، وتارة بإعطاء الأعضاء في الطاعات فتتركها وتارة بإنفاق المال ومن فعل ما فرض عليه خرج من الشح. ولما كان الواقي هو الله تعالى سبب عن وقايته قوله تعالى: ﴿فأولئك﴾ أي: العالو الرتبة ﴿هم المفلحون﴾ أي: الفائزون الذين حازوا جميع المرادات بما اتقوا الله فيه.
ثم رغب في الإنفاق بقوله تعالى: ﴿إن تقرضوا الله﴾ أي: الملك الأعلى ذا الغنى المطلق الحائز لجميع صفات الكمال ﴿قرضاً حسناً﴾ والقرض الحسن هو التصدق من الحلال مع طيب النفس ومع الإخلاص والمبادرة ﴿يضاعفه لكم﴾ أي: لأجلكم خاصة أقل ما يكون بالواحد عشراً إلى ما لا يتناهى على حسب النيات.
قال القشيري: يتوجه الخطاب بهذا على الأغنياء في بذل أموالهم، وعلى الفقراء في إخلاء أيامهم وأوقاتهم من مروآتهم وإيثار مراد الحق على مراد أنفسهم، فالغني يقال له آثر حكمي على مرادك في مالك وغيره، والفقير يقال له: آثر حكمي في نفسك وقلبك ووقتك.
ولما كان الإنسان لما له من النقصان وإن اجتهد لا يبلغ جميع ما أمر به لأن الدين وإن كان يسيراً فهو متين لن يشاده أحد إلا غلبه قال تعالى: ﴿ويغفر لكم﴾ أي: يوقع الغفران وهو محو ما فرط عينه وأثره ﴿والله﴾ أي: الذي لا تقاس عظمته بشيء ﴿شكور﴾ أي: بليغ الشكر لمن يعطي لأجله، ولو كان قليلاً فيثيبه ثواباً جزيلاً خارجاً عن الحصر، وهو ناظر إلى المضاعفة ﴿حليم﴾ فلا يعجل بالعقوبة على ذنب من الذنوب، وإن عظم بل يمهل طويلاً ليتذكر العبد الإحسان مع العصيان فيتوب، ولا يهمل ولا يغتر بحلمه فإن غضب الحليم لا يطاق، وهو
стр. 2241
راجع إلى الغفران.
﴿عالم الغيب﴾ وهو ما غاب عن الخلق كلهم فيشمل ما هو داخل القلب مما تؤثره الجبلة، ولا علم لصاحب القلب به فضلاً عن غيره ﴿والشهادة﴾ وهو كل ما ظهر وكان بحيث يعلمه الخلق، وهذا الوصف داع إلى الإحسان من حيث إنه موجب للمؤمن ترك ظاهر الإثم وباطنه، وكل قصور وفتور وغفلة وتهاون فيعبد الله تعالى كأنه يراه ﴿العزيز﴾ أي: الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ﴿الحكيم﴾ أي: بالغ الحكمة التي يعجز عن إدراكها الخلائق.
وقال ابن الأنباري: الحكيم: هو المحكم لخلق الأشياء، فصرف عن مفعل إلى فعيل، ومنه قوله تعالى: ﴿الم تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ (لقمان: ١ ـ ٢)
معناه: المحكم فصرف من مفعل إلى فعيل، وما قاله البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال «من قرأ سورة التغابن رفع عنه موت الفجأة» حديث موضوع.
سورة الطلاق
مدنية وهي إحدى عشرة آية، وقيل: اثنتا عشرة آية، وقيل: ثلاث عشرةآية ومائتان وتسع وأربعون كلمة، وألف وستون حرفاً
﴿بسم الله﴾ الذي له جميع صفات الكمال ﴿الرحمن﴾ الذي عم برحمته والنوال ﴿الرحيم﴾ الذي خص بتمام النعمة ذوي الهمم العوال
وقرأ: ﴿يا أيها النبي﴾ نافع بالهمزة وسهل الهمزة من إذا وأبدلها أيضاً واواً. خصه ﷺ بالنداء وعم بالخطاب لأن النبي إمام أمته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهاراً لتقدمته واعتباراً لرآسته، وإنه لسان قومه والذي يصدرون عن رأيه، ولا يستبدون بأمر دونه فكان هو وحده في حكم كلهم وساداً مسد جميعهم.
وقيل: إنه على إضمار قول، أي يا أيها النبي قل لأمتك ﴿إذا طلقتم النساء﴾ أي: أردتم طلاق هذا النوع واحدة منهن فأكثر. وقيل: إنه خطاب له ولأمته، والتقدير: يا أيها النبي وأمته فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه كقوله: إذا حذفته رجلها، أي: ويدها، وكقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ (النحل: ٨١)
وقيل: إنه خطاب للنبي ﷺ خوطب بلفظ الجمع تعظيماً له كقوله:
*فإن شئت أحرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولابرداً*
قال الرازي: وجه تعلق أول هذه السورة بآخر التي قبلها، هو أنه تعالى أشار في آخر التي قبلها إلى كمال علمه بقوله تعالى: ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ وفي أول هذه السورة إشارة إلى كمال علمه بمصالح النساء والأحكام المخصوصة بطلاقهن، فكأنه بين ذلك الكلي بهذه الجزئيات.
وروى ابن ماجه عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها، وعن أنس قال: طلق رسول الله ﷺ حفصة فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ وقيل له: راجعها فإنها صوامة قوامة وهي من أزواجك في الجنة، ذكره الماوردي، والقشيري. وزاد القشيري ونزل خروجها إلى أهلها قوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ .
وقال الكلبي: سبب نزول هذه الآية غضب رسول الله صلى الله عليه
стр. 2242
وسلم على حفصة لما أسر إليها حديثاً فأظهرته لعائشة، فطلقها تطليقة فنزلت. وقال السدي: نزلت في عبد الله بن عمر «طلق امرأته حائضاً تطليقة واحدة فأمره النبي ﷺ بأن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها قبل أن يجامع فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» . وهو قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ أي: في الوقت الذي يشرعن فيه في العدة، وقد قيل: إن رجالاً فعلوا مثل ما فعل عبد الله بن عمر، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص، وعمر بن سعيد بن العاص، وعتبة بن غزوان فنزلت الآية فيهم. وروى الدراقطني عن ابن عباس أنه قال: «الطلاق على أربعة وجوه: وجهان حلالان، ووجهان حرامان.
فأما الحلال فأن يطلقها طاهراً عن غير جماع، وأن يطلقها حاملاً مستبيناً حملها.
وأما الحرام فأن يطلقها حائضاً، أو أن يطلقها حين يجامعها لا يدري اشتمل الرحم على ولد أم لا» .
تنبيه: الطلاق ينقسم إلى سني وبدعي ولا ولا، فطلاق موطوأة ولو في دبر تعتد بإقراء سني إن ابتدأتها الإقراء عقب الطلاق، ولم يطأها في طهر طلقها فيه أو علق طلاقها بمضي بعضه، ولا وطئها في نحو حيض قبله، ولا في حيض طلق مع آخره أو علق بآخره وذلك لاستعقابه الشروع في العدة وعدم الندم فيمن ذكرت، وإلا فبدعي وإن سألته طلاقاً بلا عوض وطلاق غير الموطوأة المذكورة بأن لم توطأ أو كانت صغيرة أو آيسة أو حاملاً منه وخلع زوجته في زمن حيض بعوض لا سني ولا بدعي، والبدعي حرام للنهي عنه.
وقسم جماعة الطلاق إلى واجب كطلاق المولى، أي: واجب مخير إن لم يكن عذر، ومعين إن كان عذر شرعي كالإحرام، ومندوب كطلاق غير مستقيمة الحال كسيئة الخلق، ومكروه كمستقيمة الحال، وحرام كطلاق البدعة. وأشار الإمام إلى المباح بطلاق من لا يهواها، ولا تسمح نفسه بمؤنتها من غير تمتع بها، وروى الثعلبي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق» وعن علي عن النبي ﷺ قال: «تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتز منه العرش» وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ «يا معاذ ماخلق الله تعالى شيئاً على وجه الأرض أحب إليه من العتاق، ولا خلق الله تعالى شيئاً أبغض إليه من الطلاق» وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ «ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق» واختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق، فقالت طائفة بجوازه، وهو مروي عن طاووس، وبه قال حماد الكوفي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز الاستثناء في الطلاق والعتق. وقال قتادة: لا يجوز الاستثناء في الطلاق خاصة. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول.
ولما كان نظر الشارع إلى العدة شديداً صرح بصيغة الأمر فقال تعالى: ﴿وأحصوا﴾ أي: اضبطوا ضبطاً كأنه في إتقانه محسوس ﴿العدة﴾ ليعرف زمان الرجعة والنفقة والسكنى، وحل النكاح لأخت المطلقة مثلاً ونحو ذلك من الفوائد الجليلة ﴿واتقوا﴾ أي: في ذلك ﴿الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي له الخلق والأمر ﴿ربكم﴾ أي: لإحسانه في تربيتكم في حملكم علي الحنيفية السمحة ورفع جميع الآصار عنكم ﴿لا تخرجوهن﴾ أي: أيها الرجال
стр. 2243
في حال العدة ﴿من بيتوهن﴾ أي: المسكن التي وقع الفراق فيها، وهي مساكنهن التي يسكنها قبل العدة، وهي بيوت الأزواج، وأضيفت إليهن لاختصاصها بهن من حيث السكنى.
وقرأ ورش وأبو عمر وحفص بضم الباء الموحدة، والباقون بكسرها ﴿ولا يخرجن﴾ أي: من بيتوهن حتى تنقضي عدتهن ولو وافق الزوج على ذلك، وعلى الحاكم المنع منه لأن في العدة حقاً لله تعالى، وقد وجبت في ذلك المسكن. وقوله تعالى: ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ مستثنى من الأول، والمعنى إلا أن تبدو على الزوج فإنه كالنشوز في إسقاط حقها.
وقال ابن عباس: الفاحشة المبينة أن تبدو على أهل زوجها فيحل إخراجها لسوء خلقها وقال ابن مسعود: أراد بالفاحشة المبينة أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها، ثم ترد إلى منزلها. وقال قتادة: الفاحشة النشوز، وذلك أن يطلقها على النشوز فتحوّل عن بيته. ويجوز أن يكون مستثنى من الثاني للمبالغة في النهي والدلالة على أن خروجها فاحشة هذا كله عند عدم العذر، أما لعذر كشراء غير من لها نفقة على المفارق نحو طعام كقطن وكتان نهاراً، وغزلها ونحوه كحديثها وتأنيسها عند جارتها ليلاً وترجع وتبيت ببيتها، فإنه جائز للحاجة إلى ذلك، وكخوف على نفس أو مال من نحو هدم وغرق وفسقة مجاورين لها وشدة تأذيها بجيران وشدة تأذيهم بها للحاجة إلى ذلك، بخلاف الأذى اليسير إذ لا يخلو منه أحد ومن الجيران الإحماء وهم أقارب الزوج، نعم إن اشتد أذاها بهم أو عكسه وكانت الدار ضيقة نقلهم الزوج عنها وخرج بالجيران ما لو طلبت بيت أبويها وتأذت بهما أو هما بها فلا نقل، لأن الوحشة لا تطول بينهما، ولو انتقلت لبلد أو مسكن بإذن زوجها فوجبت العدة، ولو قبل وصولها إليه اعتدت فيه لأنها مأمورة بالمقام فيه، فإن انتقلت لذلك بلا إذن فتعتد في الأول وإن وجبت العدة بعد وصولها للثاني لعصيانها بذلك. نعم إن أذن لها بعد انتقالها أن تقيم في الثاني فكما لو انتقلت بالإذن.
ولو أذن لها في الانتقال فوجبت العدة قبل خروجها اعتدت في الأول. ولو سافرت بإذن زوجها فوجبت في الطريق فعودها أولى من مضيها، فإن مضت وجب عودها بعد انقضاء حاجتها إن سافرت لها، أو بعد انقضاء مدة الأذن إن قدر لها مدة، أو مدة إقامة المسافر إن لم تقدر لها مدة في سفر غير حاجتها.
ولو خرجت فطلقها وقال: ما أذنت في الخروج، أو قال ـ وقد قالت: أذنت في نقلتي: أذنت لا لنقله، صدق بيمينه، ولو كان المسكن ملكاً له ويليق بها تعين؛ لأن تعتد فيه كما مر ويصح بيعه في عدة أشهر كالمكتري، أو كان مستعاراً، أو مكري وانقضت مدة الكراء انتقلت منه إن امتنع المالك، وإن كان ملكاً لها تخيرت بين الاستمرار فيه بإعارة أو إجارة والانتقال منه كما لو كان المسكن خسيساً، ويخير هو إن كان نفيساً وسكنى المعتدة عن فرقة واجب على الزوج حيث تجب نفقتها عليه لو لم تفارق، سواء أكانت الفرقة بطلاق أو فسخ أو وفاة لقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾ (الطلاق: ٦)
وقيس به الفسخ بأنواعه بجامع فرقة النكاح في الحياة، ولخبر فريعة بنت مالك في الوفاة: «أن زوجها قتل فسألت النبي ﷺ أن ترجع إلى أهلها، وقالت: إن زوجي لم يتركني في منزل يملكه، فأذن لها في الرجوع، قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد، دعاني فقال: امكثي في بيتك
стр. 2244
حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً» صححه الترمذي وغيره.
وقرأ ابن كثير وأبو بكر بفتح الياء التحتية، والباقون بكسرها ﴿وتلك﴾ أي: الأحكام العالية جداً لما فيها من الجلالة وبانتسابها إلى الملك الأعلى من هذا الذي ذكر في هذه السورة وغيرها ﴿حدود الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿ومن يتعد﴾ أي: يقع منه في وقت من الأوقات أنه تعمد أن يعدو ﴿حدود الله﴾ أي: الملك الذي لا كفء له أو بعضها كأن طلق بدعياً ﴿فقد ظلم نفسه﴾ أي: عرضها للعقاب.
وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال عند الظاء، والباقون بالإدغام ﴿لا تدري﴾ أي: نفس، أو أنت أيها النبي، أو المطلق ﴿لعل الله﴾ أي: الذي بيده القلوب ومقاليد جميع الأمور ﴿يحدث﴾ أي: يوجد شيئاً حادثاً لم يكن إيجاداً ثابتاً لا تقدر الخلق على التسبب في زواله ﴿بعد ذلك﴾ أي: الحادث من الإساءة والبغض ﴿أمراً﴾ بأن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها.
وقال أكثر المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة، ومعنى الكلام التحريض على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث، وهذا أحسن الطلاق وأحله في السنة وأبعده عن الندم..
ويدل عليه ما روي عن ابراهيم النخعي أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يستحبون أن لا يطلقوا للسنة إلا واحدة، ثم لا يطلقون غير ذلك حتى تنقضي العدة، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثاً في ثلاثة أطهار. وقال مالك بن أنس: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو مفرقة. وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد، فأما مفرقاً في الأطهار فلا لما روي عن النبي ﷺ أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض: «ما هكذا أمر الله إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً وتطلقها لكل قرء تطليقة» وروي أنه قال لعمر: «مر ابنك فليراجعها ثم ليدعها تحيض، ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة، وهو مباح. ومالك يراعي في طلاق السنة الواحدة والوقت، وأبو حنيفة يراعي التفريق والوقت، والشافعي يراعي الوقت وحده.
قال الزمخشري: فإن قلت: هل يقع الطلاق المخالف للسنة؟ قلت: نعم وهو آثم لما روي عن النبي ﷺ «أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً بين يديه فقال: أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم» وفي حديث ابن عمر أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثاً فقال له: قال: «إذاً عصيت وبانت منك امرأتك» .
وعن عمر ﵁ أنه كان لايؤتى برجل طلق امرأته ثلاثاً إلا أوجعه ضرباً، وأجاز ذلك عليه. وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين أن من خالف السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلاث لم يقع، وشبهوه بمن وكل غيره بطلاق السنة فخالف.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿إذا طلقتم النساء﴾ عام يتناول المدخول بهن وغير المدخول بهن من ذوات الأقراء والآيسات والصغائر والحوامل، فكيف صح تخصيصه بذوات الأقراء المدخول بهن؟.
أجيب: بأنه لا عموم ثم ولا خصوص، ولكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن
стр. 2245
وفي بعضهن فجاز أن يراد بالنساء هذا وذلك، فلما قيل: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ علم أنه أطلق على بعضهن وهن المدخول بهن من المعتدات بالحيض.
ولما حدّ سبحانه مايفعل في العدة أتبعه مايفعل عند انقضائها بقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن﴾ أي: المطلقات ﴿أجلهن﴾ أي: شارفن انقضاء العدة مشارفة عظيمة ﴿فأمسكوهن﴾ أي: بالمراجعة وهذا يدل على أن الأولى من الطلاق مادون البائن لا سيما الثلاث ﴿بمعروف﴾ أي: حسن عشرة لا لقصد المضارة بطلاق آخر لأجل إيجاد عدة أخرى، أو غير ذلك. ﴿أو فارقوهن﴾ بعدم المراجعة لتتم العدة فتملك نفسها ﴿بمعروف﴾ أي: بإيفاء الحق مع حسن الكلام وكل أمر حسنه الشرع، فلا يقصد أذاها بتفريقها عن ولدها مثلاً، أو عنه إن كانت عاشقة له لقصد الأذى فقط من غير مصلحة، وكذلك ما أشبه ذلك من أنواع الضرر بالفعل والقول فقد تضمنت الآية بإفصاحها الحث على فعل الخيرات وبإفهامها اجتناب المنكرات.
تنبيه: قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾ وقوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (البقرة: ٢٢٩)
إن: الزوج له حق في بدن الزوجة ولها حق في بدنه وذمته فكل من له دين في ذمة غيره سواء أكان مالاً، أو منفعة من ثمن أو مثمن أو أجرة، أو بدل متلف، أو ضمان مغصوب، أو نحو ذلك فعليه أن يؤدي ذلك الحق الواجب بإحسان، وعلى صاحب الحق أن يتبع بإحسان كما قال تعالى في آية القصاص: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ (البقرة: ١٧٨)
وكذا الحق الثابت في بدنه مثل حق الاستمتاع والإجارة على عينه ونحو ذلك، فالطالب يطلب بمعروف والمؤدي يؤدي بإحسان.
ولما كان الإشهاد أقطع للنزاع قال تعالى حاثاً على الكيس واليقظة والبعد عن أفعال المغفلين العجزة: ﴿وأشهدوا﴾ أي: على الرجعة والمفارقة، وقيل: المعنى وأشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعاً ﴿ذوي عدل منكم﴾ قطعاً للنزاع، وهذا الإشهاد مندوب إليه عند الجمهور كقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ (البقرة: ٢٨٢)
وأوجب الإشهاد في الرجعة الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي كذلك لظاهر الأمر. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الأخر: إن الرجعة لاتفتقر إلى القبول فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق.
وإذا جامع أو قبل أو باشر يريد بذلك الرجعة فليس بمراجع، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قبل أو باشر أو لمس بشهوة فهو رجعة، وكذا النظر إلى الفرج رجعة، وقال الشافعي وأبو ثور: إذا تكلم بالرجعة فهي رجعة، وقيل: وطؤه مراجعة على كل حال نواها أو لم ينوها، وهو مذهب أحمد وإليه ذهب الليث وبعض المالكية. قال القرطبي: وكان مالك يقول: إذا وطىء ولم ينو الرجعة فهو وطء فاسد، ولا يعود إلى وطئها حتى يستبرئها من مائه الفاسد، وله الرجعة في بقية العدة الأولى، وليست له الرجعة في هذا الاستبراء.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿منكم﴾ قال الحسن: من المسلمين، وعن قتادة: من أحراركم، وذلك يوجد اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون الإناث لأن ذوى للمذكر. وقوله تعالى: ﴿وأقيموا﴾ أي: أيها المأمورون حيث كنتم شهوداً ﴿الشهادة﴾ التي تحملتموها بأدائها على أكمل أحوالها ﴿لله﴾ أي: مخلصين لوجه الملك الأعلى لا لأجل المشهود له والمشهود عليه، ولا شيء سوى وجه الله تعالى.
следующие страницы →