Полный текст (2 552 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
لقلة انتفاعهم بعقولهم كما قال تعالى: ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾ (الأعراف، ١٧٩)
قال ابن عباس: هم نفر من بني عبد الدار بن قصي كانوا يقولون: نحن صم بكم عما جاء به محمد، فقتلوا جميعاً بأحد وكانوا أصحاب اللواء، ولم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة.
﴿ولو علم الله فيهم خيراً﴾ أي: سعادة كتبت لهم أو انتفاعاً بالآيات ﴿لأسمعهم﴾ سماع تفهم ﴿ولو أسمعهم﴾ على سبيل الفرض، وقد علم أن لا خير فيهم ﴿لتولوا﴾ عنه ولم ينتفعوا به وارتدّوا عن التصديق والقبول ﴿وهم معرضون﴾ لعنادهم وجحودهم الحق بعد ظهوره، وقيل: إنهم كانوا يقولون لرسول الله ﷺ أحي لنا قصياً فإنه كان شيخاً مباركاً يشهد لك بالنبوّة، فنؤمن بك، فقال الله تعالى: ولو أسمعهم كلام قصي لتولوا وهم معرضون.
﴿ياأيها الذين آمنوا استجيبوا وللرسول﴾ أي: أجيبوهما بالطاعة، ووحد الضمير في قوله تعالى: ﴿إذا دعاكم﴾ ؛ لأنّ دعوة الله تعالى تسمع من الرسول ﷺ
روى الترمذي أنه ﷺ مرّ على أبيّ بن كعب وهو يصلي فدعاه، فعجل في صلاته ثم جاء، فقال له ﷺ «ما منعك عن إجابتي؟» قال: كنت أصلي، قال: «ألم تجد فيما أوحي إليّ ﴿استجيبوا وللرسول﴾ ؟ ويؤخذ من ذلك أنّ إجابته ﷺ بالقول: لا تقطع الصلاة، وهو كذلك، بل ولا بالفعل الكثير كما قاله بعض أصحابنا، وهو ظاهر الحديث أيضاً.
ولما كان اجتناء ثمرة الطاعة في غاية القرب منه نبه على ذلك باللام دون إلى فقال: ﴿لما يحييكم﴾ من العلوم الدينية فإنها حياة القلوب والجهل موتها، قال أبو الطيب:
*لا تعجبنّ الجهول حليته ... فذاك ميت وثوبه كفن*
أو مما يورثكم الحياة الأبدية في النعيم الدائم من العقائد، وقال السدي: هو الإيمان؛ لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان، وقال ابن إسحق: هو الجهاد أعزكم الله تعالى به بعد الذل، وقال العتبي: هو الشهادة لقوله تعالى: ﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ (آل عمران، ١٦٩)
﴿واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه﴾ أي: إنه يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها وهي التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ورده سليماً كما يردّه الله تعالى، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله.
وقال الضحاك: يحول بين المرء المؤمن والمعصية وبين الكافر والطاعة، وقال السدي: يحول بين المرء وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه، وقال مجاهد: يحول بين المرء وقلبه، فلا يعقل ولا يدري ما يعمل.
وعن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» قالوا: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: «القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء» ﴿وإنه﴾ أي: واعلموا أنه تعالى: ﴿إليه تحشرون﴾ لا إلى غيره فلا تتركوا مهملين معطلين فيجازيكم بأعمالكم وفي هذا تشديد في العمل وتحذير عن الكسل والغفلة.
﴿واتقوا فتنة﴾ أي: ذنباً، قيل: هو إقرار المنكر بين أظهرهم، وقيل: افتراق الكلمة، وقيل: فتنة عذاباً، وقوله تعالى: ﴿لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ جواب الأمر، والمعنى إن إصابتكم لا تصب الظالمين منكم خاصة، ولكنها تعمكم، كما يحكى إنّ علماء بني إسرائيل لم ينهوا عن المنكر، فعمهم الله تعالى بالعذاب.
فإن قيل: كيف جاز أن تدخل
стр. 562
النون المؤكدة في جواب الأمر؟ أجيب: بأنّ فيه معنى النهي كقولك: انزل عن الدابة لا تطرحك ولا تطرحنك، وكقوله تعالى: ﴿يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان﴾ (النمل، ١٨)
﴿واعلموا أنّ الله شديد العقاب﴾ لمن خالفه.
﴿واذكروا﴾ يا معاشر المهاجرين ﴿إذ أنتم﴾ في أوائل الإسلام ﴿قليل﴾ أي: عددكم ﴿مستضعفون﴾ أي: لا منعة لكم ﴿في الأرض﴾ أي: أرض مكة، وإطلاقها لأنها لعظمها كأنها هي الأرض كلها، أو لأنّ حالهم كان في بقية البلاد كحالهم فيها أو قريباً من ذلك، ولهذا عبر بالناس في قوله تعالى: ﴿تخافون أن يتخطفكم الناس﴾ أي: تأخذكم الكفار بسرعة كما تتخطف الجوارح الصيد ﴿فآواكم﴾ إلى المدينة، أو جعل لكم مأوى تتحصنون فيه على أعدائكم ﴿وأيدكم﴾ أي: قوّاكم ﴿بنصره﴾ أي: بإمداد الملائكة يوم بدر، وبمظاهرة الأنصار ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ أي: الغنائم أحلها لكم، ولم يحلها لأحد قبلكم ﴿لعلكم تشكرون﴾ هذه النعم العظيمة.
﴿يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول﴾ أي: بأن تضمروا خلاف ما تظهرون.
روي أنه ﷺ حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوا رسول الله ﷺ الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحا من الشام فأبى رسول الله ﷺ أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة واسمه رفاعة، أو مروان بن عبد المنذر وكان مناصحاً لهم؛ لأنّ ماله وعياله عندهم، فبعثه رسول الله ﷺ إليهم، فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه إنه الذبح أي: حكم سعد هو القتل، فلا تفعلوا، فقال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي من مكانهما حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، ثم انطلق على وجهه، ولم يأت رسول الله ﷺ وشدّ نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ، فلما بلغ رسول الله ﷺ قال: أما لو جاءني لاستغفرت له، وأمّا إذ فعل ما فعل فإني لا أطلقه حتى يتوب الله تعالى عليه، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خرّ مغشياً عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: قد تيب عليك فحل نفسك، فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلني، فجاءه فحله بيده فقال: إنّ من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي، فقال له ﷺ «يجزيك الثلث أن تتصدّق به» فنزلت هذه الآية.
وعن المغيرة نزلت في قتل عثمان بن عفان ﵁، وعن جابر بن عبد الله أنّ أبا سفيان خرج من مكة، فعلم النبيّ ﷺ خروجه وعزم الذهاب إليه، فكتب رجل من المنافقين إليه: إنّ محمداً يريدكم فخذوا حذركم، فنزلت، وقيل: معنى لا تخونوا الله بأن لا تعطلوا فرائضه، ورسوله بأن لا تستنوا به، وأصل الخون النقص كما أنّ أصل الوفاء التمام، واستعماله في ضدّ الأمانة لتضمنه إياه، وقوله تعالى: ﴿وتخونوا أماناتكم﴾ أي: ما إئتمنتم عليه من الدين وغيره مجزوم بالعطف على الأوّل أي: ولا تخونوا، أو منصوب بأن مضمرة بعد الواو على جواب النهي أي: لا تجمعوا بين الخيانتين كقوله:
*لا تنه عن خلق وتأتيَ مثله*
﴿وأنتم تعلمون﴾
стр. 563
أنكم تخونون أي: وأنتم علماء مميزون الحسن من القبيح.
﴿واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ أي: محنة من الله تعالى ليبلوكم فيهم، فلا يحملنكم حبهم على الخيانة كأبي لبابة؛ لأنه يشغل القلب بالدنيا ويصيره حجاباً عن خدمة المولى.
ثم إنه تعالى نبه بقوله تعالى: ﴿وإنّ الله عنده أجر عظيم﴾ على أنّ سعادات الآخرة خير من سعادات الدنيا؛ لأنها أعظم في الشرف، وأعظم في القوّة، وأعظم في المدّة؛ لأنها تبقى بقاء لا نهاية له فهذا هو المراد من وصف الله الأجر الذي عنده بالعظم.
قال الرازي: ويمكن أن يتمسك بهذه الآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح؛ لأنّ الاشتغال بالنوافل يفيد الأجر العظيم عند الله، والاشتغال بالنكاح يفيد الولد، ويوجب الحاجة إلى المال، وذلك فتنة، ومعلوم أنّ ما يفضي إلى الأجر العظيم عند الله هو خير مما يفضي إلى الفتنة، اه. لكن محله في غير المحتاج إلى النكاح الواجد أهبته، وإلا فالنكاح حينئذٍ أفضل وأولى من التخلي للعبادة.
ولما حذر الله تعالى عن الفتنة بالأموال والأولاد رغب في التقوى التي توجب ترك الميل والهوى في محبة الأموال والأولاد بقوله:
,
﴿يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله﴾ أي: بالأمانة وغيرها ﴿يجعل لكم فرقاناً﴾ أي: هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل ﴿ويكفر عنكم سيآتكم﴾ أي: يسترها ما دمتم على التقوى ﴿ويغفر لكم﴾ أي: يمح ما كان منكم غير صالح عيناً وأثراً، وقيل: السيآت الصغائر، والذنوب الكبائر، وقيل: المراد ما تقدّم وما تأخر؛ لأنها في أهل بدر، وقد غفر الله تعالى لهم، وقوله تعالى: ﴿وا ذو الفضل العظيم﴾ تنبيه على أن ما وعده لهم على التقوى تفضل منه وإحسان، وإنه ليس مما توجبه تقواهم عليه كالسيد إذا وعد عبده إنعاماً على عمله.
ولما ذكر المؤمنين بنعمه عليهم بقوله تعالى: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل﴾ إلى آخره، عطف عليه قوله تعالى:
﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ فذكر رسوله الله ﷺ نعمه عليه، وهو دفع كيد المشركين ومكر الماكرين عنه، وهذه السورة مدنية، وهذا المكر كان بمكة، ولكن الله تعالى ذكره بالمدينة مكر قريش به حين كان بمكة ليشكر نعمة الله تعالى عليه في نجاته من مكرهم واستيلائه عليهم، وكان ذلك المكر على ما ذكره ابن عباس وغيره من المفسرين إنّ قريشاً لما أسلمت الأنصار وبايعوه فرقوا أن يتفاقم أمر رسول الله ﷺ فاجتمعت رؤساؤهم كأبي جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبي سفيان وهشام بن عمرو وطعيمة بن عدي والنضر بن الحرث وأبي البحتري بن هشام في دار الندوة متشاورين في أمره ﷺ فدخل عليهم إبليس لعنه الله تعالى في صورة شيخ، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد سمعت باجتماعكم، فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً قالوا: ادخل فدخل، فقال أبو البحتري: رأيي أن تحبسوه في بيت وتسدّوا باب البيت غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون حتى يهلك مثل ما هلك من قبله من الشعراء، فصرخ عدوّ الله النجدي وقال: بئس الرأي رأيتم والله لئن حبستموه في بيت ليأتينكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم قالوا: صدق الشيخ
стр. 564
النجدي، فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم، فلا يضركم ما صنع واسترحتم، فقال النجدي: بئس الرأي تعمدون إلى رجل قد أفسد سفهاءكم، فتخرجوه إلى غيركم فيفسدهم، ألم تروا إلى حلاوة منطقه وطلاوة لسانه وأخذ القلوب ما يسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ذلك فيذهب ويستميل قلوب قوم، ثم يسير بهم إليكم ويخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق والله الشيخ النجدي، فقال أبو جهل لعنه الله تعالى: والله لأشيرن عليكم برأي لا رأي غيره، إني أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شاباً وتعطوه سيفاً صارماً، فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرّق دمه في القبائل، فلا تقوى بنو هاشم على
حرب قريش كلهم فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا، فقال إبليس الملعون: صدق هذا الفتى هو أجودكم رأياً القول ما قال لا أرى غيره، فتفرّقوا على قول أبي جهل مجمعين على قتله، فأتى جبريل ﵊ النبيّ ﷺ فأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأذن الله تعالى له عند ذلك بالخروج إلى المدينة فأمر رسول الله ﷺ علياً ﵁ فنام في مضجعه، وقال له: اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه، ثم خرج النبيّ ﷺ فأخذ قبضة من تراب، وأخذ الله تعالى أبصارهم عنه، وجعل ينثر التراب على رؤوسهم، وهو يقرأ: ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فهم لا يبصرون﴾ (يس، ٩)
ومضى إلى الغار هو وأبو بكر، وخلف علياً بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت بمكة عنده، وكانت الودائع تودع عنده لصدقه وأمانته، وبات المشركون يحرسون علياً على فراش رسول الله ﷺ يحسبون إنه النبيّ ﷺ فلما أصبحوا بادروا إليه فرأوا علياً، فقالوا له: وأين صاحبك؟ فقال: لا أدري، فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه، فلما بلغوا الغار، رأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخله لم تكن تنسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاثاً، ثم قدم المدينة وأبطل الله مكرهم، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ ﴿ليثبتوك﴾ أي: يوثقوك ويحبسوك ﴿أو يقتلوك﴾ كلهم قتلة رجل واحد ﴿أو يخرجوك﴾ من مكة ﴿ويمكرون﴾ بك ﴿ويمكر الله﴾ أي: يردّ مكرهم عليهم بتدبير أمرك بأن أوحي إليك ما دبروه، وأمرك بالخروج إلى المدينة، وأخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فقتلوا ﴿وا خير الماكرين﴾ أي: أعلمهم به، فلا ينفذ مكرهم دون مكره.
قال البيضاوي: وإسناد أمثال هذا إنما يحسن للمزاوجة، ولا يجوز إطلاقها ابتداء لما فيه من إيهام الذم، اه.
واعترض عليه بأنه لا يتعين في مثل ذلك المشاكلة بل يجوز أن يكون ذلك استعارة؛ لأنّ إطلاق المكر على إخفاء الله تعالى ما أوعده لمن استوجبه إن جعل باعتبار أنّ صورته تشبه صورة المكر فاستعارة، أو باعتبار الوقوع في صحبة مكر العبد فمشاكلة، وعلى هذا لا يحتاج كما قال الطيبي إلى وقوعه في صحبة مكر العبد قال: ومنه قول عليّ ﵁: من وسع الله تعالى عليه في دنياه ولم يعلم إنه مكر به فهو مخدوع في عقله.
﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا﴾ أي: القرآن ﴿قالوا﴾ أي: هؤلاء الذين ائتمروا في أمره ﷺ ﴿قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾ وهذا غاية مكابرتهم، وفرط عنادهم، إذ لو استطاعوا ذلك لفعلوه وإلا فما منعهم
стр. 565
لو كانوا مستطيعين، وقرّعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف، فلم يعارضوا بسورة مع أنفتهم وفرط استنكافهم أن يغلبوا خصوصاً في باب البيان، وقيل: قائله النضر بن الحرث المقتول صبراً؛ لأنه كان يأتي الحيرة يتجر فيشتري كتب أخبار العجم ويحدّث بها أهل مكة، وإسناده إلى الجميع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، فكأنه كان قاضيهم، وقد أسره المقداد يوم بدر، فأمر النبيّ ﷺ بقتله، فقال المقداد: أسيري يا رسول الله؟ فقال: «إنه كان يقول في كتاب الله تعالى ما يقول» فعاد المقداد لقوله، فقال النبيّ ﷺ «اللهمّ أغن المقداد من فضلك» فقال: ذاك الذي أردت يا رسول الله فقتله النبيّ ﷺ فأنشدت أخته:
*ما كان ضرك لو مننت وربما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق*
فقال النبيّ ﷺ «لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت عليه» ﴿إن﴾ أي: ما ﴿هذا﴾ أي: القرآن ﴿إلا أساطير الأوّلين﴾ أي: أخبار الأمم الماضية وأسماؤهم، وما سطر الأوّلون في كتبهم، والأساطير جمع أسطورة وهي المكتوبة من قولهم سطرت أي: كتبت وقيل: أساطير جمع أسطور وأسطار جمع سطر.
﴿وإذ قالوا اللهمّ إن كان هذا﴾ أي: الذي يقرؤه محمد ﴿هو الحق﴾ المنزل ﴿من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم﴾ أي: مؤلم على إنكاره غير الحجارة قاله النضر وغيره، استهزاء وإيهاماً أنه على بصيرة وجزم ببطلانه.
وعن معاوية ﵁ أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة قال: أجهل من قومي قومك قالوا: ﴿اللهمّ إن كان هذا هو الحق من عندك﴾ الآية، وما قالوا: إن كان هذا هو الحق فاهدنا إليه.
فإن قيل: قد حكى الله تعالى هذه المقالة عن الكفار، وهي من حسن نظم القرآن، فقد حصلت المعارضة في هذا القدر، وأيضاً حكي عنهم أنهم قالوا في سورة بني إسرائيل، وقالوا: ﴿لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً﴾ (الإسراء، ٩٠)
الآية، وذلك أيضاً كلام الكفار، فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرآن وذلك يدل على حصول المعارضة، أجيب: بأنّ الإتيان بهذا القدر لا يكفي في حصول المعارضة؛ لأنه كلام قليل لا تظهر فيه وجوه المعارضة والفصاحة والبلاغة؛ لأنّ أقل ما وقع به التحدي سورة أو قدرها قال الله تعالى:
﴿وما كان الله ليعذبهم﴾ أي: بما سألوه ﴿وأنت فيهم﴾ أي: لأنّ العذاب إذا نزل عمّ، ولم يعذب أمّة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنين منها ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ أي: وفيهم من يستغفر، وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف عن رسول الله ﷺ من المستضعفين.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ كان في هذه الأمّة أمانان أما النبيّ ﷺ فقد مضى وأمّا الاستغفار فهو كائن فيكم إلى يوم القيامة، فاللفظ وإن كان عامّاً إلا أنّ المراد بعضهم كما يقال قدم أهل البلدة الفلانية على القتال والمراد بعضهم.
﴿وما لهم أن لا يعذبهم الله﴾ بالسيف بعد خروجك والمستضعفين، فنفى تعالى في الآية أنه لا يعذبهم ما دام الرسول والمؤمنون فيهم، وذكر في هذه الآية أنه يعذبهم إذا خرجوا من بينهم، وقال الحسن: الآية الأولى منسوخة بهذه، وردّ بأنّ الأخبار لا يدخلها النسخ، واختلفوا في هذا العذاب فقال بعضهم: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر، وقيل: يوم فتح مكة، وقال ابن عباس: هذا العذاب هو عذاب
стр. 566
الآخرة، والعذاب الذي نفي عنهم هو عذاب الدنيا، ثم بيّن تعالى ما لأجله يعذبهم، فقال: ﴿وهم يصدّون﴾ أي: يمنعون النبيّ ﷺ والمسلمين ﴿عن المسجد الحرام﴾ أن يطوفوا به وذلك عام الحديبية، ونبه تعالى على أنهم يصدّونهم لادعائهم أنهم أولياؤه، فكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم، فنصد من نشاء وندخل من نشاء، ثم بيّن تعالى بطلان هذه الدعوى بقوله تعالى: ﴿وما كانوا أولياءه﴾ كما زعموا ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أولياؤه إلا المتقون﴾ أي: الذين يتحرّزون عن المنكرات الذين لا يعبدون فيه غيره، وقيل: الضميران لله ﴿ولكنّ أكثرهم﴾ أي: الناس ﴿لا يعلمون﴾ أن لا ولاية لهم عليه وكأنه نبه بالأكثر على أنّ منهم من يعلم ويعاند، أو أراد به الكل كما يراد بالقلة العدم.
﴿وما كان صلاتهم عند البيت﴾ أي: دعاؤهم أو ما يسمونه صلاة، أو ما يضعون موضعها ﴿إلا مكاء﴾ أي: صفيراً ﴿وتصدية﴾ أي: تصفيقاً، قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون.
وقال مجاهد: كان نفر من بني عبد الدار يعارضون النبيّ ﷺ في الطواف ويستهزؤون به، ويدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون، ويخلطون عليه طوافه وصلاته، فالمكاء جعل الأصابع في الشدق، والتصدية الصفير، وقال مقاتل: كان النبيّ ﷺ إذا دخل المسجد الحرام قام رجلان عن يمينه ورجلان عن يساره يصفران ويصفقان ليخلطوا على النبيّ ﷺ صلاته ﴿فذوقوا العذاب﴾ أي: عذاب القتل والأسر ببدر في الدنيا، وعذاب النار في الآخرة ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كنتم تكفرون﴾ اعتقاداً وعملاً. ولما ذكر تعالى عبادة الكفار البدنية، وهي المكاء والتصدية، ذكر عقبه عبادتهم المالية التي لا جدوى لها في الآخرة بقوله تعالى:
﴿إنّ الذين كفروا ينفقون أموالهم﴾ في حرب النبيّ ﷺ ﴿ليصدّوا عن سبيل الله﴾ أي: ليصرفوا عن دين الله تعالى نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا إثني عشر رجلاً منهم: أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وكلهم من قريش، وكان يطعم كل واحد منهم أيام بدر عشر جزائر، أو في أبي سفيان استأجر يوم أحد ألفين من العرب سوى من استجاش أي: اتخذه جيشاً، وأنفق عليهم أربعين أوقية، والأوقية اثنان وأربعون مثقالاً، أو في أصحاب العير، فإنه لما أصيب قريش ببدر قيل لهم: أعينوا بهذا المال على حرب محمد لعلنا ندرك ثأرنا ففعلوا ﴿فسينفقونها ثم تكون﴾ أي: عاقبة الأمر ﴿عليهم حسرة﴾ أي: ندامة لفواتها وفوات ما قصدوه ﴿ثم يغلبون﴾ أي: آخر الأمر وإن كان الحرب بينهم سجالاً قبل ذلك كما اتفق لهم في بدر، فإنهم أنفقوا مع الكثرة والقوّة، ولم يغن عنهم شيء من ذلك بل كان وبالاً عليهم فإنه كان سبباً لجراءتهم حتى قدموا فما كان في الحقيقة إلا قوّة للمؤمنين ﴿والذين كفروا﴾ أي: ثبتوا على الكفر ﴿إلى جهنم يحشرون﴾ أي: يساقون إليها يوم القيامة فهم في خزي في الدنيا والأخرة.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل تعالى: وإلى جهنم يحشرون؟ أجيب: بأنه أسلم منهم جماعة كأبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وحكيم بن حزام، بل ذكر أن الذين ثبتوا على الكفر يكونون كذلك.
﴿ليميز الله الخبيث﴾ أي: الفريق الكافر ﴿من الطيب﴾ أي: من الفريق المؤمن ﴿ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً﴾ أي: يجمعه متراكماً بعضه على بعض
стр. 567
كقوله تعالى: ﴿كادوا يكونون عليه لبداً﴾ (الجن، ١٩)
أي: لفرط ازدحامهم، وقيل: ليميز المال الخبيث الذي أنفقه الكافر على عداوة محمد ﷺ من المال الطيب الذي أنفقه المؤمن في جهاد الكفار كإنفاق أبي بكر وعثمان ﵄ في نصرة النبيّ ﷺ فيركمه جميعاً ﴿فيجعله في جهنم﴾ في جملة ما يعذبون به كقوله تعالى: ﴿فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾ (التوبة، ٣٥)
الآية، واللام على هذا متعلقة بتكون من قوله تعالى: ﴿ثم تكون عليهم حسرة﴾ وعلى الأوّل متعلقة بيحشرون أو يغلبون.
وقرأ ﴿ليميز﴾ حمزة والكسائيّ بضم الياء الأولى وفتح الميم وتشديد الياء الثانية مع الكسر والباقون بفتح الياء الأولى وكسر الميم وسكون الياء الثانية، وقوله تعالى: ﴿أولئك﴾ إشارة إلى الذين كفروا ﴿هم الخاسرون﴾ أي: الكاملون في الخسران؛ لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم.
ولما بيّن تعالى ضلالهم في عباداتهم البدنية والمالية أرشدهم إلى طريق الصواب.
فقال: ﴿قل﴾ يا محمد ﴿للذين كفروا﴾ كأبي سفيان وأصحابه ﴿إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ أي: قل لأجلهم هذا القول وهو أن ينتهوا عن الكفر وقتال النبيّ ﷺ يغفر لهم ما قد سلف من ذلك ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل: إن تنتهوا يغفر لكم ﴿وإن يعودوا﴾ أي: إلى الكفر ومعاداة النبيّ ﷺ ﴿فقد مضت سنة الأوّلين﴾ أي: بإهلاك أعدائه ونصر أنبيائه وأوليائه وأجمع العلماء على أنّ الإسلام يجبّ ما قبله، واختلفوا هل الكافر الأصلي مخاطب بفروع الشريعة؟ وهل يسقط عن المرتدّ ما مضى في حال ردّته كالكافر الأصلي كما هو ظاهر الآية؟ وهل الردّة تحبط ما مضى من العبادات قبلها، ذهب أصحاب الشافعيّ رضي الله تعالى عنه إلى أنه مخاطب بدليل قوله تعالى: ﴿ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين﴾ (المدثر، الآيات: ٤٢ ـ ٤٣)
الآية، وأنّ المرتدّ لا تسقط عنه العبادات الفائتة في الردّة تغليظاً عليه، وأنّ الردّة لا تحبط ما مضى، وقد تقدّم الكلام على ذلك في المائدة، وعن يحيى بن معاذ أنه قال: توحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر أرجو أن لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب.
ولما بيّن تعالى أنّ هؤلاء الكفار إن انتهوا عن كفرهم حصل لهم الغفران، وإن عادوا فهم متوعدون سنة الأوّلين أتبعه بالأمر بقتالهم إذا أصرّوا، فقال تعالى:
﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ أي: شرك كما قاله ابن عباس، وقال الربيع: حتى لا يفتن أحدكم عن دينه؛ لأنّ المؤمنين كانوا يفتنون عن دين الله في مبدأ الدعوة، فافتتن من المسلمين بعضهم، وأمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى الحبشة، وفتنة ثانية وهو أنه لما بايعت الأنصار رسول الله ﷺ بيعة العقبة توامرت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكة عن دينهم، فأصاب المؤمنين جهد شديد، فأمر الله تعالى بقتالهم حتى تزول هذه الفتنة ﴿ويكون الدين كله﴾ خالصاً ﴿﴾ تعالى وحده لا يعبد غيره ﴿فإن انتهوا﴾ عن الكفر ﴿فإن الله بما يعملون بصير﴾ أي: فيجازيهم به.
﴿وإن تولوا﴾ عن الإيمان ﴿فاعلموا أنّ الله مولاكم﴾ أي: ناصركم ومتولي أموركم ﴿نعم المولى﴾ هو فإنه لا يضيع من تولاه ﴿ونعم النصير﴾ أي: الناصر، فلا يغلب من ينصره فمن كان في حماية هذا المولى وفي حفظه وكفايته كان آمناً من الآفات مصوناً عن المخالفات.
﴿واعلموا أنما غنمتم﴾ أي: أخذتم من الكفار الحربيين
стр. 568
﴿من شيء﴾ مما يقع عليه اسم شيء مما هو لهم ولو اختصاصاً ﴿فإنّ خمسه وللرسول﴾ .
واعلم أنّ الغنيمة والفيء إسمان لما يصيبه المسلمون من الحربيين والصحيح أنهما مختلفان، فالفيء ما حصل لنا مما هو لهم بلا إيجاف كجزية وعشر تجارة وما جلوا عنه ولو لغير خوف كضرّ أصابهم، وتركه مرتدّ وكافر معصوم بلا وارث، وكذا الفاضل عن وارث له غير حائز وسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله﴾ (الحشر، ٧) ، وأمّا الغنيمة فهي ما حصل لنا منهم مما هو لهم بإيجاف أو سرقة أو التقاط، وكذا ما انهزموا عنه عند التقاء الصفين، ولو قبل شهر السلاح، أو أهداه الكافر لنا والحرب قائمة، ولم تحلّ الغنائم لأحد قبل الإسلام بل كانت الأنبياء إذا غنموا مالاً جمعوه، فتأتي نار من السماء تأخذه، ثم أحلت للنبيّ ﷺ وكانت في صدر الإسلام له خاصة؛ لأنه كالمقاتلين كلهم نصرة وشجاعة بل أعظم، ثم نسخ ذلك واستقل الأمر على أنها تجعل خمسة أقسام متساوية، ويؤخذ خمس رقاع ويكتب على واحدة لله أو للمصالح وعلى أربع للغانمين، ثم تدرج في بنادق مستوية، ويخرج لكل خمس رقعة، فما خرج لله أو للمصالح جعل بين أهل الخمس على خمسة أصناف، وهو النبيّ ﷺ ومن معه وذكر الله تعالى في الآية للتبرك، وأما ما كان له ﷺ فهو لمصالح المسلمين كسد الثغور وأرزاق علماء بعلوم تتعلق بمصالحنا كتفسير وفقه وحديث، والصنف الثاني: ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿ولذي القربى﴾ أي: قرابة النبيّ ﷺ من بني هاشم وبني المطلب دون من عداهم لاقتصاره ﷺ في القسم عليهم مع سؤال غيرهم من بني عمهم نوفل وعبد شمس له لقوله ﷺ «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه» فيعطون ولو أغنياء، ويفضل الذكر على الأنثى كالإرث؛ لأنه عطية من الله تعالى تستحق بقرابة الأب كالإرث، فلا يعطي أولاد البنات من بني هاشم والمطلب شيئاً؛ لأنه ﷺ لم يعط الزبير وعثمان
مع أنّ أمّ كل واحد منهما كانت هاشمية.
والصنف الثالث: ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿واليتامى﴾ اليتيم صغير ولو أنثى لخبر: «لا يتم بعد احتلام» لا أب له وإن كان له أمّ وجد، ومن فقد أمّه فقط يقال له: منقطع، واليتيم في البهائم من فقد أمّه، وفي الطير من فقد أباه وأمّه.
والصنف الرابع: ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿والمساكين﴾ الصادقين بالفقراء والمسكين من له مال أو كسب لائق به يقع موقعاً من كفايته ولا يكفيه العمر الغالب، وقيل: سنة كمن يملك أو يكسب سبعة أو ثمانية ولا يكفيه إلا عشرة، والفقير من لا مال له أو له ذلك ولا يقع موقعاً من كفايته كمن يحتاج إلى عشرة، ولا يملك أو لا يكتسب إلا درهمين أو ثلاثة. والخامس: ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿وابن السبيل﴾ وهو المسافر المحتاج، ولا معصية بسفره والأخماس الأربعة الباقية للغانمين، وهم من حضر القتال ولو في أثنائه بنية القتال وإن لم يقاتل أو حضر بلا نية وقاتل كأجير لحفظ أمتعة وتاجر ومحترف، وقوله تعالى: ﴿إن كنتم آمنتم با﴾ متعلق بمحذوف دل عليه واعلموا أي: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء فسلموه إليهم واقنعوا بالأخماس الأربعة الباقية، فإنّ العلم العملي إذا أمر به لم يرد منه العلم المجرد؛ لأنه مقصود بالعرض، والمقصود بالذات هو العمل وقوله تعالى: ﴿وما﴾ عطف على بالله ﴿أنزلنا على عبدنا﴾
стр. 569
محمد ﷺ من الآيات والملائكة والنصر ﴿يوم الفرقان﴾ أي: يوم بدر، فإنه فرق به بين الحق والباطل ﴿يوم التقى الجمعان﴾ أي: جمع المؤمنين وجمع الكافرين، وهو يوم بدر وهو أوّل مشهد شهده رسول الله ﷺ وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة لتسعة عشر أو لسبعة عشر من رمضان وأصحاب رسول الله ﷺ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً والمشركون ما بين الألف والتسعمائة فهزم الله تعالى المشركين، وقتل منهم سبعون، وأسر منهم مثل
ذلك ﴿وا
على كلّ شيء قدير﴾ فيقدر على نصر القليل على الكثير، والدليل على العزيز كما فعل ذلك بكم ذلك اليوم وقوله تعالى:
﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا﴾ أي: القربى من المدينة، بدل من يوم الفرقان أو من يوم التقى الجمعان، أو منصوب باذكروا مقدّراً، والعدوة الدنيا مما يلي المدينة ﴿وهم بالعدوة القصوى﴾ أي: البعدى من المدينة، وهي مما يلي مكة وكان الماء بها، وكان استظهار المشركين من هذا الوجه أشدّ.
والقصوى تأنيث الأقصى، وكان قياسه قلب الواو كالدنيا والعليا، ولكن لم تغلب تفرقة بين الاسم والصفة، فإنها تقلب في الاسم دون الصفة على الأكثر وقيل: بالعكس وعلى الأوّل القصوى وإن كان صفة للعدوة في الآية كالدنيا لكن غلب عليها الاسمية لترك الوصف بها في أكثر الاستعمالات كما قاله ابن جني، فالقصوى بالواو على القولين شاذ بالنظر إلى اسميتها في الأوّل وإلى وصفيتها في الثاني، ومثال الصفة الخالصة حلوى تأنيث الأحلى فهي بالواو مقيسة على الأوّل شاذة على الثاني، ومثال الاسم الخالص حزوى اسم مكان فهو بالواو شاذ على الأوّل مقيس على الثاني، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو العدوّة وهي شط الوادي بكسر العين فيهما، والباقون بضمّ العين فيهما، وأمّا الدنيا والقصوى فأمالهما حمزة والكسائي محضة، وأبو عمرو بين بين، وورش بالفتح وبين اللفظين ﴿والركب﴾ أي: العير التي خرجوا لها التي يقودها أبو سفيان ﴿أسفل منكم﴾ أي: أسفل منكم على ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر، وأسفل نصب على الظرفية معناه مكاناً أسفل من مكانكم، وهو مرفوع المحل؛ لأنه خبر المبتدأ ﴿ولو تواعدتم﴾ أنتم والنفير للقتال ﴿لاختلفتم في الميعاد﴾ وذلك أنّ المسلمين خرجوا ليأخذوا العير راغبين في الخروج، وخرج الكفار مرعوبين مما بلغهم من تعرّض رسول الله ﷺ لأموالهم فيمنعوها من المسلمين، فالتقوا على غير ميعاد لقلتهم وكثرة عدوّهم ﴿ولكن﴾ جمع الله تعالى بينهم على هذه
الحالة من غير
ميعاد ﴿ليقضي الله أمراً كان مفعولاً﴾ في علمه وهو نصر أوليائه وإعزاز دينه وإعلاء كلمته وقهر أعدائه، وقوله تعالى: ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة﴾ بدل من ليقضي أو متعلق بقوله: ﴿مفعولاً﴾ واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام أي: ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالطة شبهة حتى لا يبقى له على الله حجة، ويصدر إسلام من أسلم أيضاً عن يقين وعلم بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به، فإنّ وقعة بدر من الآيات الواضحة التي من كفر بعدها كان مكابراً لنفسه مغالطاً لها.f
وقرأ نافع والبزيّ وشعبة بياءين: الأولى مكسورة والثانية مفتوحة، والباقون بياء واحدة مشدّدة، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿وإنّ الله لسميع عليم﴾ أي: يسمع دعاءكم
стр. 570
ويعلم حاجتكم وضعفكم لا تخفى عليه خافية.
﴿إذ﴾ أي: واذكر يا محمد نعمة الله عليك إذ ﴿يريكهم الله﴾ أي: المشركين ﴿في منامك﴾ أي: نومك ﴿قليلاً﴾ فأخبرت أصحابك فسروا وقالوا: رؤيا النبيّ ﷺ حق، وصار ذلك سبباً لجرائتهم على عدوّهم وقوّة لقلوبهم.
فإن قيل: رؤيا الكثير قليلاً غلط، فكيف يجوز على الله تعالى؟ أجيب: بأنّ الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا يسئل عما يفعل، أو أنه تعالى أراه بعضهم دون بعض، فحكم ﷺ على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون، وقال الحسن: إنّ هذه الإراءة كانت في اليقظة قال: والمراد من المنام العين التي هي موضع النوم ﴿ولو أراكهم كثيراً لفشلتم﴾ أي: ولو أراكم كثيراً لذكرته للقوم ولو سمعوا ذلك لفشلوا أي: جبنوا ﴿ولتنازعتم﴾ أي: اختلفتم ﴿في الأمر﴾ أي: أمر القتال وتفرّقت آراؤكم بين الفرار والقتال ﴿ولكنّ الله سلم﴾ أي: سلمكم من الفشل والتنازع فيما بينكم، وقيل: سلمكم من الهزيمة والقتل ﴿إنه﴾ تعالى ﴿عليم﴾ أي: بالغ العلم ﴿بذات الصدور﴾ أي: بما في القلوب من الجراءة والجبن والجزع وغير ذلك.
﴿وإذ يريكموهم﴾ أي: المؤمنون ﴿إذ التقيتم في أعينكم قليلاً﴾ أي: إنّ الله تعالى قلل عدد المشركين في أعين المؤمنين يوم التقوا في القتال ليتأكد في اليقظة ما رآه النبيّ ﷺ في منامه، وأخبر به أصحابه، وتقوى بذلك قلوب المؤمنين وتزداد جراءتهم ولا يجبنوا عن قتالهم.
قال ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى اجنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلاً منهم فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفاً، والضميران مفعولا يرى، وقليلاً حال من الثاني ﴿ويقللكم في أعينهم﴾ أي: ويقللكم يا معشر المؤمنين في أعينهم أي: المشركين؛ لئلا يهربوا وإذا استقلوا عدد المسلمين لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب لقتالهم، فيكون ذلك سبباً لظهور المؤمنين.
قال السدّيّ: قال ناس من المشركين: إنّ العير قد انصرفت، فارجعوا، فقال أبو جهل: الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه، فلا ترجعوا حتى تستأصلوهم إنما محمد وأصحابه أكلة جزور يعني جمع آكل أي: قليل يشبعهم جزور واحد، يضرب مثلاً في القلة والأمر الذي لا يعبأ به، ثم قال: فلا تقتلوهم واربطوهم بالحبال، أراد بقوله ذلك القدرة والقوّة.
فإن قيل: كيف يمكن تقليل الكثير وتكثير القليل؟ أجيب: بأنّ ذلك ممكن في قدرة الله تعالى، وإنّ الله تعالى على ما يشاء قدير، ويكون ذلك معجزة للنبيّ ﷺ والمعجزة هي من خوارق العادات، فلا ينكر ذلك، أو أنّ الله تعالى يستر عنهم بعضه بساتر، أو يحدث في أعينهم ما يستقلون له الكثير كما أحدث في عيون الحول ما يرون له الواحد اثنين، قيل لبعضهم: إنّ الأحول يرى الواحد اثنين، وكان بين يديه ديك قال: فمالي أرى هذين الديكين أربعة، وهذا قبل: التحام القتال فلما التحم أراهم إياهم مثليهم كما في آل عمران ﴿ليقضي الله أمراً كان مفعولاً﴾ أي: في علمه، وهو إعلاء كلمة الإسلام ونصر أهله.
فإن قيل: قد تقدّم ذلك في الآية المتقدّمة، فكان ذكره هنا محض تكرار أجيب: بأنّ المقصود من ذكره في الآية المتقدّمة هو أنه تعالى فعل تلك الأفعال ليحصل استيلاء المؤمنين على الكافرين على وجه يكون معجزة دالة على صدق النبيّ ﷺ والمقصود من ذكره هنا ليس هو ذلك المعنى بل المقصود أنه تعالى ذكر هنا أنه قلل عدد المؤمنين في أعين الكفار، فبين تعالى أنه
стр. 571
إنما فعل ذلك ليصير ذلك سبباً؛ لئلا يبالغ الكفار في تحصيل الاستعداد والحذر فيصير ذلك سبباً لانكسارهم ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ كلها فلا ينفذ إلا ما يريد إنفاذه فلا تجري الأمور على ما يظنه العباد، وفي هذا تنبيه على أنّ أمور الدنيا غير مقصودة وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاد اليوم المعاد.
ولما ذكر تعالى أنواع نعمه على النبيّ ﷺ وعلى المؤمنين يوم بدر علمهم إذا التقوا بالفئة وهي الجماعة من المحاربين نوعين من الأدب بقوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم﴾ أي: قاتلتم؛ لأنّ اللقاء سبب للقتال غالباً ﴿فئة﴾ أي: جماعة كافرة ﴿فاثبتوا﴾ لقتالهم كما ثبتم في بدر ولا تحدثوا أنفسكم بفرار هذا هو النوع الأوّل ﴿واذكروا الله كثيراً﴾ بقلوبكم وألسنتكم قال ابن عباس: أمر الله تعالى أولياءه بذكره في أشدّ أحوالهم تنبيهاً على أنّ الإنسان لا يجوز له أن يخلو قلبه ولسانه عن ذكر الله، ولو أنّ رجلاً أقبل من المشرق إلى المغرب على أن ينفق الأموال سخاء والآخر من المغرب إلى المشرق يضرب بسيفه في سبيل الله لكان الذاكر لله أعظم أجراً، وقيل: المراد من هذا الذكر الدعاء بالنصر والظفر؛ لأنّ ذلك لا يحصل إلا بمعونة الله تعالى ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي: تظفرون بمرادكم من النصر والثبوت.
فإن قيل: هذه الآية توجب الثبات على كل حال وذلك يوهم أنها ناسخة لآية التحرّف والتحيز. أجيب: بأنّ المراد من الثبات الجدّ في المحاربة بل كان الثبات في هذا المقصود لا يحصل إلا بذلك التحرّف والتحيز.
ثم قال تعالى مؤكداً لذلك:
﴿وأطيعوا الله ورسوله﴾ في سائر ما يأمران به؛ لأنّ الجهاد لا ينفع إلا مع التمسك بسائر الطاعات ﴿ولا تنازعوا﴾ أي: تختلفوا فيما بينكم ﴿فتفشلوا﴾ أي: تجبنوا ﴿وتذهب ريحكم﴾ أي: قوّتكم ودولتكم، والريح مستعارة للدولة شبهها في نفوذ أثرها بالريح، ثم أدخل المشبه في جنس المشبه به ادعاء، وأطلق اسم المشبه به على المشبه، وقيل: المراد بها الحقيقة؛ لأنه لم يكن قط نصر إلا بريح يبعثها الله تعالى، وفي حديث الشيخين «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» ، وعن النعمان بن مقرن قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ فكان إذا لم يقاتل من أوّل النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر» أخرجه أبو داود ﴿واصبروا﴾ أي: عند لقاء العدوّ ولا تنهزموا عنه ﴿إنّ الله مع الصابرين﴾ بالنصر والمعونة.
روي أنه ﷺ قال: «أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدوّ واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أنّ الجنة تحت ظلال السيوف» ثم قال ﷺ «اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم» .
﴿ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم﴾ أي: ليمنعوا غيرهم ولم يرجعوا بعد نجاتها ﴿بطراً﴾ أي: فخراً وطغياناً في النعمة وذلك إنّ النعم إذا كثرت من الله تعالى على العبد فإن صرفها في المفاخرة على الأقران وكاثر بها أبناء الزمان وأنفقها في غير طاعة الرحمن، فذلك هو البطر في النعمة، وإن صرفها في طاعة الله وابتغاء مرضاته فذلك شكرها ﴿ورئاء الناس﴾ أي: ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة وذلك أنهم لما بلغوا الجحفة، وأتاهم رسول أبي سفيان أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فقال أبو جهل: لا والله حتى نقدم بدراً، وكان بدر موسماً من مواسم العرب يجتمع لهم فيها سوق في كل عام،
стр. 572
ونشرب بها الخمور وتعزف علينا القينات، والعزف اللعب بالمعازف، وهي الدفوف وغيرها مما يضرب به قاله ابن الأثير وغيره، والقينات الجواري، ونطعم بها من حضرنا من العرب، فذلك بطرهم ورياؤهم الناس بإطعامهم فوافوها فسقوا المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القينات، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يكونوا أمثالهم بطرين مرائين، وأمرهم أن يكونوا أهل تقوى وإخلاص من حيث إنّ النهي عن الشيء أمر بضدّه ﴿ويصدّون عن سبيل الله﴾ أي: ويمنعون الناس الدخول في دين الله ﴿وا بما يعملون محيط﴾ لا يخفى عليه شيء؛ لأنه محيط بأعمال العباد كلها فيجازيهم بأعمالهم.
﴿وإذ﴾ أي: واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم إذ ﴿زين لهم﴾ أي: المشركين ﴿الشيطان﴾ أي: إبليس ﴿أعمالهم﴾ الخبيثة بأنّ شجعهم على لقاء المسلمين لما خافوا الخروج من أعدائهم بني بكر بن الحرث جاء إبليس وجند من الشياطين معه راية فتمثل لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكنانيّ وكان من أشرافهم ﴿وقال﴾ غارّاً لهم في أنفسهم ﴿لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم﴾ أي: مجير لكم من كنانة ﴿فلما تراءت الفئتان﴾ أي: التقى الفريقان رأى إبليس الملائكة قد نزلوا من السماء علم عدوّ الله إبليس أنهم لا طاقة لهم بهم ﴿نكص على عقبيه﴾ قال الضحاك: ولى مدبراً وقال النضر بن شميل: رجع القهقرى على قفاه هارباً ﴿وقال إني بريء منكم﴾ قال الكلبي: لما التقى الجمعان كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة بن مالك، وهو آخذ بيد الحرث بن هشام، فنكص عدوّ الله إبليس على عقبيه، فقال له الحرث: إلى أين أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال له عدوّ الله إبليس: ﴿إني أرى ما لا ترون﴾ ودفع في صدر الحرث، وانطلق فانهزموا قال الحسن: رأى إبليس جبريل بين يدي النبيّ ﷺ وفي يده اللجام يقود الفرس ما ركب، قال قتادة: قال إبليس: إني أرى ما لا ترون وصدق وقال: ﴿إني أخاف الله﴾ وكذب والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوّة له ولا منعة، فأوردهم وأسلمهم، وذلك من عادة عدوّ الله إبليس لعنه الله لمن أطاعه إذا التقى الحق والباطل أسلمهم وتبرأ منهم، وقال عطاء: خاف إبليس أن يهلكه الله تعالى فيمن يهلك، وقيل: أخاف الله عليكم، وقيل: إنه لما رأى جبريل خافه، وقيل: لما رأى الملائكة تنزل من السماء خاف أن يكون الوقت الذي أنظر إليه قد حضر، فقال ما قال إشفاقاً على نفسه.
ولما انهزموا وبلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغه ذلك فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فلما أسلموا علموا أنه الشيطان، وقوله تعالى: ﴿وا شديد العقاب﴾ يجوز أن يكون من كلام إبليس أي: إني أخاف الله؛ لأنه شديد العقاب وأن يكون مستأنفاً أي: والله شديد العقاب لمن خالفه وكفر به.
فإن قيل: كيف يقدر إبليس أن يتصوّر بصورة البشر وإذا تشكل بصورة البشر فكيف يسمى شيطاناً؟ أجيب: بأنّ الله تعالى أعطاه قوّة، وأقدره على فعل ذلك كما أعطى الملائكة قوّة وأقدرهم على أن يتشكلوا بصورة البشر لكن النفس الباطنية لم تتغير، فلم يلزم من تغير الصورة تغير الحقيقة.
وروي أنه ﷺ قال: «ما رؤي إبليس يوماً فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة» وما ذاك إلا لما يرى من نزول الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما كان
стр. 573
من يوم بدر.
﴿إذ﴾ أي: واذكر إذ ﴿يقول المنافقون﴾ أي: من أهل المدينة، والمنافق هو من يظهر الإسلام ويخفي الكفر كما أنّ المرائي هو من يظهر الطاعة ويخفي المعصية ﴿والذين في قلوبهم مرض﴾ أي: شك وارتياب، وهم قوم من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يقع الإسلام في قلوبهم ولم يتمكن، فلما خرج قريش إلى حرب رسول الله ﷺ خرجوا معهم إلى بدر، فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا وارتدوا وقالوا: ﴿غرّ هؤلاء﴾ المسلمين ﴿دينهم﴾ إذ خرجوا مع قلتهم يقاتلون الجمع الكثير توهماً أنهم ينصرون بسببه، فقتلوا جميعاً منهم قيس بن الوليد بن المغيرة وعديّ بن أمية بن خلف الجمحي والعاص بن أمية بن الحجاج، قال تعالى في جوابهم: ﴿ومن يتوكل على الله﴾ أي: يثق به يغلب ﴿فإنّ الله عزيز﴾ أي: غالب على أمره ﴿حكيم﴾ أي: في صنعه يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل، ويعجز عن إدراكه.
ولما شرح تعالى أحوال هؤلاء الكفار شرح أحوال موتهم، والعذاب الذي يصل إليهم في ذلك الوقت بقوله تعالى:
﴿ولو ترى﴾ أي: عاينت وشاهدت يا محمد ﴿إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة﴾ أي: بقبض أرواحهم عند الموت ﴿يضربون وجوههم وأدبارهم﴾ أي: ظهورهم وأستاههم، قال البيضاويّ: ولعلّ المراد تعميم الضرب أي: يضربون ما أقبل منهم وما أدبر بمقامع من حديد ﴿و﴾ يقولون لهم: ﴿ذوقوا عذاب الحريق﴾ أي: النار.
قال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف، وإذا ولوا ضربوا أدبارهم، فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت نزع الروح، وجواب لو محذوف، والتقدير لرأيت منظراً هائلاً وأمراً فظيعاً وعقاباً شديداً، والملائكة مرفوع بالفعل ويضربون حال منهم ويجوز أن يكون في قوله: يتوفى ضمير الله تعالى والملائكة مرفوعة بالابتداء ويضربون خبر.
﴿ذلك﴾ أي: الذي نزل بكم من القتل والضرب والحريق ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿قدّمت﴾ أي: كسبت ﴿أيديكم﴾ من الكفر والمعاصي، وإنما عبر بالأيدي دون غيرها لأنّ أكثر الأفعال تزاول بها والتحقيق إنّ الإنسان جوهر واحد وهو الفعال وهو الدراك وهو المؤمن وهو الكافر وهو المطيع وهو العاصي وهذه الأعضاء آلة له وأدوات في الفعل فأضيف الفعل في الظاهر إلى الآلة وهو في الحقيقة مضاف إلى جوهر ذات الإنسان ﴿وأنّ الله ليس بظلام للعبيد﴾ فلا يعذب أحداً من خلقه بغير ذنب وظلام للتكثير لأجل العبيد أي: أنه بمعنى ذي ظلم.
﴿كدأب﴾ أي: دأب هؤلاء الكفار بكفرهم مثل دأب ﴿آل فرعون﴾ وهو عادتهم وعملهم الذي دأبوا فيه أي: داموا عليه فجوزي هؤلاء بالقتل والأسر يوم بدر كما جوزي آل فرعون بالإغراق، وأصل الدأب في اللغة إدامة العمل يقال: فلان دأب في كذا أي: داوم عليه وسميت العادة دأباً لأنّ الإنسان مداوم على عادته مواظب عليها ﴿والذين من قبلهم﴾ أي: من قبل آل فرعون وقوله تعالى: ﴿كفروا بآيات الله﴾ تفسير لدأب آل فرعون ﴿فأخذهم الله بذنوبهم﴾ أي: بسبب كفرهم كما أخذ هؤلاء ﴿الله الله قويّ﴾ أي: على ما يريده فينتقم ممن كفر وكذب رسله ﴿شديد العقاب﴾ ممن كفر وكذب رسله وقوله تعالى:
﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما حلّ بهم من العقاب ﴿بأن﴾ أي:
стр. 574
بسبب أن ﴿الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم﴾ أي: مبدلاً لها بالنقمة ﴿حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ أي: بأن يبدّلوا ما بهم من الحال إلى حال أسوأ منه.
فإن قيل: فما كان من تغيير آل فرعون ومشركي مكة حتى غير الله تعالى نعمته عليهم، ولم تكن لهم حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة أجيب: بأنه تعالى كما يغير الحال المرضية إلى المسخوطة يغير الحال المسخوطة؟ إلى أسخط منها، وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول ﷺ كفرة عبدة أوثان فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه ساعين في إراقة دمه غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت عليه فغير الله تعالى ما أنعم به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب ﴿وإنّ الله سميع﴾ لما يقولون ﴿عليم﴾ بما يفعلون.
﴿كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم﴾ أي: أهلكنا بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالحجارة وبعضهم بالريح وبعضهم بالمسخ، كذلك أهلكنا كفار قريش بالسيف ﴿وأغرقنا آل فرعون﴾ أي: هو وقومه.
فإن قيل: ما فائدة تكرير هذه الآية مرّة ثانية؟ أجيب: بأنّ فيها فوائد:
منها: إنّ الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأوّل؛ لأن الكلام الأوّل فيه ذكر أخذهم، وفي الثاني ذكر إغراقهم وذلك تفصيل.
ومنها: أنه ذكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله، وفي الآية الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم ففي الآية الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها وكفرهم بها.
ومنها: أنّ تكرير هذه القصة للتأكيد، ولما نيط به من الدلالة على كفران النعم بقوله: ﴿بآيات ربهم﴾ وبيان ما أخذ به آل فرعون.
ومنها: أنّ الأولى لسببية الكفر، والثانية لسببية التغيير، والنقمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم ﴿وكل﴾ أي: من الفرق المكذبة أو من غرقى القبط وقتلى قريش ﴿كانوا ظالمين﴾ أنفسهم بالكفر والمعاصي وغيرهم بالإضلال واضعين الآيات في غير موضعها وهم يظنون بأنفسهم العدل، ولما وصف تعالى كل الكفار بقوله تعالى: ﴿وكل كانوا ظالمين﴾ أفرد بعضهم بمزية في الشر والفساد فقال:
﴿إنّ شرّ الدواب عند الله﴾ في حكمه وعلمه ﴿الذين كفروا﴾ أي: أصرّوا على الكفر ﴿فهم لا يؤمنون﴾ أي: لا يتوقع منهم إيمان وقوله تعالى:
﴿الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرّة﴾ بدل البعض من الذين كفروا، وهم يهود قريظة عاهدهم رسول الله ﷺ أن لا يمالئوا أي: يساعدوا عليه فنكثوا بأن أعانوا مشركي مكة بالسلاح، وقالوا: نسينا وأخطأنا ثم عاهدهم فنكثوا ومالؤوا معهم يوم الخندق وانطلق كعب بن الأشرف إلى أهل مكة فحالفهم، وإنما جعلهم الله تعالى شر الدواب؛ لأنّ شر الناس الكفار، وشر الكفار المصرون منهم وشر المصرين الناكثون العهود ﴿وهم لا يتقون﴾ الله في حذرهم.
﴿فإمّا﴾ فيه إدغام إن الشرطية في ما الزائدة ﴿تثقفنهم﴾ أي: تجدن هؤلاء الذين نقضوا العهد وظفرت بهم ﴿في الحرب فشرد﴾ قال ابن عباس: فنكل ﴿بهم﴾ أي: بهؤلاء الذين نقضوا العهد ﴿من خلفهم﴾ أي: من وراءهم من أهل مكة واليمن وغيرهما، فيخافون أن تفعل بهم كفعل هؤلاء، وقال عطاء: أثخنْ فيهم القتل حتى يخافك غيرهم ﴿لعلهم﴾ أي: الذين خلفهم ﴿يذكرون﴾ أي: يتعظون بهم.
﴿وإمّا تخافن﴾ أي: تعلمن يا محمد ﴿من قوم﴾ عاهدتهم ﴿خيانة﴾ في العهد بإمارات تلوح لك
стр. 575
كما ظهر من قريظة والنضير ﴿فانبذ﴾ أي: اطرح عهدهم ﴿إليهم﴾ ، وقوله تعالى: ﴿على سواء﴾ حال أي: مستوياً أنت وهم في العلم بنقض العهد، بأن تعلمهم به؛ لئلا يتهموك بالغدر إذا نصبت الحرب معهم ﴿إنّ الله لا يحبّ الخائنين﴾ أي: في نقض العهد أو غيره.
روي أنّ معاوية كان بينه وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد غزاهم فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدراً، فإذا هو عمرو بن عنبسة، فأرسل إليه معاوية يسأله فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا ينبذ عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء» فرجع معاوية، قال الرازي: حاصل الكلام في هذه الآية أنه تعالى أمره بقتل من ينقض العهد على أقبح الوجوه، وأمره أن يتباعد على أقصى الوجوه، من كل ما يوهم نكث العهد ونقضه، قال أهل العلم: إذا ظهرت آثار نقض العهد ممن عاهدهم الإمام من المشركين بأمر ظاهر مستفيض، إمّا أن يظهر ظهوراً محتملاً أو ظهوراً مقطوعاً به، فإن كان الأوّل وجب الإعلام عليه على ما هو مذكور في هذه الآية، وذلك أن قريظة عاهدوا رسول الله ﷺ ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على النبيّ ﷺ فحصل للنبيّ ﷺ خوف الغدر به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء، ويعلمهم بالحرب، وأمّا إذا ظهر نقض العهد ظهوراً مقطوعاً به فههنا لا حاجة إلى نبذ العهد بل يفعل كما فعل رسول الله ﷺ بأهل مكة لما نقضوا العهد بقتل خزاعة، وهم في ذمّة النبيّ ﷺ فلم يرعهم إلا وجيش النبيّ ﷺ بمر الظهران، وذلك على أربعة فراسخ من مكة.
ولما بيّن تعالى ما يفعله ﷺ في حق من يجده في الحرب ويتمكن منه، وذكر أيضاً ما يجب أن يفعله فيمن ظهر منه نقض العهد، بين أيضاً حال من فاته في يوم بدر وغيره لكي لا تبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذية النبيّ ﷺ مبلغاً عظيماً بقوله تعالى:
﴿ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا﴾ أي: خلصوا من القتل والأسر يوم بدر ﴿إنهم لا يعجزون﴾ الله أي: لا يفوتونه بهذا السبق في الانتقام منهم، إمّا في الدنيا، وإمّا في الآخرة بعذاب النار، وفيه تسلية للنبيّ ﷺ فيمن، فاته من المشركين ولم ينتقم منه، فأعلمه الله تعالى أنهم لا يعجزونه، وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص يحسبن بالياء على الغيبة على أن الفعل للذين كفروا، والباقون بالتاء على الخطاب للنبيّ ﷺ ولما أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يشرد من صدر منه نقض العهد إلى من خاف منه النقص واتفق لأصحاب النبيّ ﷺ أنهم قصدوا الكفار بلا آلة ولا عدة أمرهم في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء الكفار بقوله تعالى:
﴿وأعدوا لهم﴾ أي: لقتالهم ﴿ما استطعتم من قوّة﴾ الإعداد اتخاذ الشيء لوقت الحاجة إليه، وفي المراد بالقوّة أقوال.
الأوّل: الرمي وقد جاءت مفسرة به عن النبيّ ﷺ فيما رواه عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: «وأعدوا لهم ما استطعتم ألا إن القوّة الرمي ثلاثاً» أخرجه مسلم، وعن أبي أسيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر حين
стр. 576
صففنا لقريش وصفوا لنا: «إذا كبسوكم فعليكم بالنبل» ، وفي رواية: «ليس من اللهو محمود إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسه، وملاعبة أهله، ورميه بقوسه أي: نبله، فإنهنّ من الحق ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه، فإنها نعمة تركها أو كفرها» أخرجه الترمذي.
والثاني: إنها الحصون.
والثالث: إنها جميع الأسلحة والآلات التي تكون لكم قوّة في الحرب على قتال عدوّكم وقوله تعالى: ﴿ومن رباط الخيل﴾ مصدر بمعنى حبسها في سبيل الله سواء كانت ذكوراً أو إناثاً، وقال عكرمة: المراد الإناث.
وروي عن خالد بن الوليد أنه قال: لا يركب في القتال إلا الإناث لقلة صهيلها، وعن أبي محيريز أنه قال: كانت الصحابة يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف، وإناث الخيل عند البيات والغارات، وقيل: ربط الفحول أولى؛ لأنها أقوى على الكرّ والفرّ، ويدلّ للأوّل ما روي عن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله، وتصديقاً بوعده، فإنّ شبعه وريه وبوله وروثه في ميزانه يوم القيامة» يعني حسناته، وعن عروة البارقيّ إنّ رسول الله ﷺ قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم» ، وسئل رسول الله ﷺ عن الحمر فقال: «ما أنزل عليّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ﴿فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره﴾ ﴿ترهبون﴾ أي: تخوفون ﴿به﴾ أي: بتلك القوّة أو بذلك الرباط ﴿عدوّ الله وعدوّكم﴾ أي: الكفار من أهل مكة وغيرهم، وذلك إنّ الكفار إذا علموا أنّ المسلمين متأهبون للجهاد مستعدون له مستكملون لجميع الأسلحة وآلات الحرب وإعداد الخيل مربوطة للجهاد خافوهم، فلا يقصدون دخول دار الإسلام بل يصير ذلك سبباً لدخول الكفار في الإسلام أو بذل الجزية للمسلمين ﴿و﴾ ترهبون ﴿آخرين من دونهم﴾ أي: غيرهم وهم المنافقون لقوله تعالى: ﴿لا تعلمونهم﴾ ؛ لأنهم معكم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ﴿الله يعلمهم﴾ أي: إنهم منافقون.
فإن قيل: المنافقون لا يخافون القتال فكيف يوجب ما ذكر الإرهاب؟ أجيب: بأنّ المنافقين إذا شاهدوا قوّة المسلمين، وكثرة آلاتهم وأسلحتهم كان ذلك مما يخوفهم ويقطع طمعهم من أن يصيروا غالبين، فيحملهم ذلك على أن يتركوا الكفر من قلوبهم، وبواطنهم ويصيروا مخلصين في الإيمان، وقيل: هم اليهود، وقيل: الفرس ﴿وما تنفقوا من شيء﴾ وإن قل ﴿في سبيل الله﴾ أي: طاعته جهاداً كان أو غيره ﴿يُوفّ إليكم﴾ قال ابن عباس: أجره، أي: لا يضيع في الآخرة أجره ويعجل الله عوضه في الدنيا ﴿وأنتم لا تظلمون﴾ أي: لا تنقصون من الثواب، ولما سئل ابن عباس عن هذا التفسير تلا قوله تعالى: ﴿آتت أكلها ولم تظلم منه شيأ﴾ (الكهف، ٣٣)
ولما بيّن تعالى ما يرهب به العدوّ من القوّة، والاستظهار بيّن جواز الصلح بقوله تعالى:
﴿وإن جنحوا﴾ أي: مالوا ﴿للسلم﴾ أي: الصلح ﴿فاجنح﴾ أي: فمل ﴿لها﴾ وعاهدهم، وتأنيث الضمير في لها لحمل السلم مع أنه مذكر على ضدّه وهو الحرب قال الشاعر:
*السلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أنفاسها جُرَعُ*
فأنث ضمير السلم، في تأخذ حملاً على ضدّه وهو الحرب، وعن ابن عباس هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون با﴾ (التوبة، ٢٩)
وعن مجاهد بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (التوبة، ٥)
стр. 577
وقال غيرهما: الصحيح إنّ الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام، وأهله من حرب أو سلم وليس بحتم أن يقاتلوا أبداً أو يجابوا إلى الهدنة أبداً وهذا ظاهر.
وقرأ شعبة بكسر السين، والباقون بالفتح ﴿وتوكل على الله﴾ أي: فوض أمرك إليه فيما عقدته معهم؛ ليكون عوناً لك في جميع أحوالك ﴿إنه هو السميع﴾ ؛ لأقوالهم فهو يسمع كل ما أبرموه في ذلك، وفي غيره كما يسمعه علانية ﴿العليم﴾ بنياتهم فهو يعلم كل ما أخفوه كما إنه يعلم كل ما أعلنوه.
﴿وإن يريدوا﴾ أي: الكفار ﴿أن يخدعوك﴾ أي: بإظهار الصلح ليستعدوا لك ﴿فإن حسبك﴾ أي: كافيك ﴿الله هو الذي أيدك بنصره﴾ في سائر أيامك، فإن أمر النبيّ ﷺ من أوّل حياته إلى وقت وفاته كان أمراً إلهياً وتدبيراً علوياً، وما كان لكسب الخلق فيه مدخل ﴿و﴾ أيدك ﴿بالمؤمنين﴾ أي: الأنصار.
فإن قيل: فإذا كان الله تعالى مؤيده بنصره، فأيّ حاجة مع نصره تعالى إلى المؤمنين؟ أجيب: بأن التأييد ليس إلا من الله تعالى دائماً لكنه على قسمين: أحدهما: ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة، والثاني ما يحصل بذلك فالأوّل هو المراد من قوله تعالى: ﴿أيدك بنصره﴾ ، والثاني: هو المراد من قوله تعالى: ﴿وبالمؤمنين﴾ والله تعالى هو مسبب الأسباب، وهو الذي أقامهم بنصره ثم بيّن تعالى كيف أيده بالمؤمنين بقوله تعالى:
﴿وألف﴾ أي: جمع ﴿بين قلوبهم﴾ وذلك إنّ النبيّ ﷺ بعث إلى قوم أنفتهم شديدة، وحميتهم عظيمة حتى لو أنّ رجلاً من قبيلة لطم لطمةً واحدة، قاتلت عنه قبيلته حتى يدركوا ثأره، ثم إنهم انقلبوا عن تلك الحالة حتى قاتل الرجل أباه وأخاه وابنه، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصاراً دعاة، فإزالة تلك العداوة الشديدة وتبديلها بالمحبة القوية، مما لا يقدر عليها إلا الله تعالى، وصارت تلك معجزة ظاهرة على صدق نبوّة محمد ﷺ ولهذا قال تعالى: ﴿لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم﴾ أي: تناهت عداوتهم إلى حد لو أنفقت في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم تقدر على الإلفة والصلاح بينهم ﴿ولكن الله ألف بينهم﴾ بقدرته البالغة، فإنه تعالى المالك للقلوب يقلبها كيف يشاء ﴿إنه﴾ أي: الله تعالى ﴿عزيز﴾ أي: غالب على أمره لا يعصى عليه ما يريد ﴿حكيم﴾ لا يخرج شيء عن حكمته، وقيل: الآية نزلت في الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم فأنساهم الله تعالى ذلك، وألف بين قلوبهم بالإسلام حتى تصادقوا وصاروا أنصاراً، وما ذاك إلا بلطيف صنعه وبليغ قدرته.
﴿يأيها النبيّ حسبك﴾ أي: كافيك ﴿ا﴾ .
فإن قيل: هذا مكرّر، أجيب: بأنه تعالى لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء وعده بالنصر والظفر في هذه الآية مطلقاً على جميع التقديرات، فلا يلزم حصول التكرار؛ لأنّ المعنى في الآية الأولى: إن أرادوا خداعك كفاك الله تعالى أمرهم، والمعنى في هذه الآية عام في كل ما يحتاج إليه في الدين وقوله تعالى: ﴿ومن اتبعك من المؤمنين﴾ إمّا في محل نصب على المفعول معه كقول الشاعر:
*فحسبك والضحاك سيف مهند*
يروي الضحاك بالنصب على أنه مفعول معه، والمعنى: كفاك وكفى أتباعك المؤمنين الله ناصراً، أو رفع عطفاً على اسم الله تعالى أي: كفاك الله وكفى المؤمنين، وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، وعن سعيد بن
стр. 578
جبير أسلم مع النبيّ ﷺ ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فتمم الله تعالى به الأربعين فنزلت هذه الآية.
﴿يأيها النبيّ حرّض المؤمنين﴾ أي: حثهم ﴿على القتال﴾ للكفار والتحريض في اللغة، كالتحضيض، وهو الحث على الشيء ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ منهم ﴿وإن يكن منكم مائة﴾ صابرة ﴿يغلبوا ألفاً من الذين كفروا﴾ وهذا خبر بمعنى الأمر أي: ليقاتل العشرون منكم المائتين والمائة الألف قتال عشرة أمثالكم.
تنبيه: تقييد ذلك بالصبر يدلّ على أنه تعالى ما أوجب هذا الحكم إلا بشرط كونه صابراً قادراً على ذلك، وإنما يحصل هذا الشرط عند حصول أشياء منها: أن يكون شديد الأعضاء قوياً جلداً، ومنها: أن يكون قويّ القلب شديد البأس شجاعاً غير جبان، ومنها: أن يكون غير متحرف لقتال أو متحيز إلى فئة، فإنّ الله تعالى استثنى هاتين الحالتين في الآيات المتقدّمة فعند حصول هذه الشروط كان يجب على الواحد أن يثبت للعشرة.
فإن قيل: حاصل هذه العبارة المطولة إنّ الواحد يثبت للعشرة فما الفائدة في العدول إلى هذه العبارة المطولة؟ أجيب: بأنّ هذا إنما ورد على وفق الواقعة فكان رسول الله ﷺ يبعث السرايا والغالب أن تلك السرايا ما كان ينقص عددها عن العشرين، وما كانت تزيد على المائة فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذين العددين.
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بالتاء على التأنيث والباقون بالياء على التذكير ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب أنهم ﴿قوم لا يفقهون﴾ أي: جهلة بالله تعالى واليوم الآخر، فلا يقاتلوا لطلب ثواب وخوف عقاب إنما يقاتلون حمية، فإذا صدقتموهم في القتال لا يثبتون معكم، وكان هذا يوم بدر فرض الله تعالى على الرجل الواحد من المسلمين قتال عشرة من الكافرين فثقلت على المؤمنين، قال عطاء عن ابن عباس: لما نزل التكليف بهذه الآية صاح المهاجرون وقالوا: يا رب نحن جياع وعدوّنا شباع، ونحن في غربة وعدوّنا في أهليهم ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا، وعدوّنا ليس كذلك فنسخها الله تعالى بقوله تعالى:
﴿الآن خفف الله عنكم﴾ أيها المؤمنون ﴿وعلم أن فيكم ضعفاً﴾ أي: في قتال الواحد للعشرة ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ منهم ﴿وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين﴾ منهم ﴿بإذن الله﴾ أي: بإرادته تعالى، فردّوا من العشرة إلى اثنين، فإذا كان المسلمون على قدر النصف من عدوّهم لا يجوز أن يفروا، وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين، فلما كثروا خفف الله تعالى عنهم، وقال ابن عباس ﵄: أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر، فإن فر من اثنين فقد فر ﴿وا مع الصابرين﴾ بالنصر والمعونة فكيف لا يغلبون، قال سفيان بن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل ذلك ونزل لما أخذوا الفداء من أسرى بدر.
﴿ما كان﴾ أي: ما صح وما استقام ﴿لنبيّ أن تكون له أسرى﴾ قرأ أبو عمرو بالتاء على التأنيث، والباقون بالياء على التذكير ﴿حتى يثخن في الأرض﴾ أي: يكثر قتل الكفار، ويبالغ فيه حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الإسلام ويستولي أهله؛ لأنّ الملك والدولة إنما تقوى وتشتدّ بالقتل، قال الشاعر:
*لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم*
стр. 579
روي أنه ﷺ أتي يوم بدر بسبعين أسيراً فيهم العباس عمّ النبيّ ﷺ وعقيل بن أبي طالب فاستشار فيهم، فقال أبو بكر ﵁: قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: كذبوك وأخرجوك فقدمهم، واضرب أعناقهم، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر، وإنّ الله أغناك عن الفداء، مكّن علياً من عقيل، وحمزة من العباس، ومكني من فلان ـ لنسيب له ـ فلنضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرم عليهم ناراً، فقال له العباس: قطعت رحمك، فسكت رسول الله ﷺ ولم يجبهم ثم دخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله ﷺ فقال: «إنّ الله لين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدّد قلوب رجال حتى تكون أشدّ من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: ﴿من تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ (إبراهيم، ٣٦)
ومثل عيسى في قوله: ﴿وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ (المائدة، ١١٨)
ومثلك يا عمر مثل نوح قال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً﴾ (نوح، ٢٦)
ومثل موسى حيث قال: ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ (يونس، ٨٨)
ومال رسول الله ﷺ إلى قول أبي بكر.
روي أنه ﷺ قال لعمر: «يا أبا حفص، وكان ذلك أوّل ما كناه، أتأمرني أن أقتل العباس؟» فجعل عمر يقول: ويل لعمر ثلكته أمه، ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة ولا يغلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق، فقال ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله ﷺ واشتدّ خوفي فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي الحجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال رسول الله ﷺ «إلا سهيل بن بيضاء» ، ثم قال رسول الله ﷺ للقوم: «إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدّتهم» فقالوا: بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد وكان فداء الأسارى عشرين أوقية، والأوقية أربعون درهماً، فيكون مجموع ذلك ألفاً وستمائة درهم، وقال قتادة: كان الفداء يومئذٍ لكل أسير أربعة آلاف.
قال عمر رضي الله تعالى عنه: فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر رضي الله تعالى عنه يبكيان قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت فقال رسول الله ﷺ «أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة» لشجرة قريبة منه ﴿تريدون﴾ أيها المؤمنون ﴿عرض الدنيا﴾ بأخذ فداء من المشركين، وإنما سمي منافع الدنيا عرضاً، لأنها لا ثبات لها ولا دوام، فكأنها تعرض ثم تزول بخلاف منافع الآخرة ﴿وا يريد﴾ لكم ﴿الآخرة﴾ أي: ثوابها بقهركم المشركين ونصركم الدين ﴿وا عزيز﴾ لا يقهر ولا يغلب ﴿حكيم﴾ أي: لا يصدر منه فعل إلا وهو في غاية الإتقان، قال ابن عباس: كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذٍ قليل، فلما كثروا واشتدّ سلطانهم، أنزل الله تعالى في الأسرى ﴿فإمّا مناً بعد وإما فداء﴾ (محمد، ٤)
فجعل الله تعالى نبيه والمؤمنين في أمر الأسرى بالخيار إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا فادوهم، وإن شاءوا
стр. 580
أعتقوهم أي: فهذه الآية نسخت تلك، قال ابن عباس ﵄: كانت الغنائم حراماً على الأنبياء والأمم، وكانوا إذا أصابوا مغنماً جعلوه للقربان وكانت تنزل نار من السماء فتأكله فلما كان يوم بدر أسرع المؤمنون وأخذوا الفداء فأنزل الله تعالى.
﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ أي: لولا قضاء الله سبق في اللوح المحفوظ، بأنه يحمل لكم الغنائم ﴿لمسكم﴾ أي: لنالكم ﴿فيما أخذتم﴾ أي: من الفداء ﴿عذاب عظيم﴾ وقال الحسن ومجاهد: لولا كتاب من الله سبق إنه لا يعذب أحداً ممن شهد بدراً مع النبيّ ﷺ قال ابن إسحق: لم يكن من المؤمنين أحد إلا أحب الغنائم، إلا عمر بن الخطاب، فإنه أشار على رسول الله ﷺ بقتل الأسرى، وسعد بن معاذ قال: يا رسول الله كان الإثخان في القتل أحبّ إليّ من استبقاء الرجال فقال رسول الله ﷺ «لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه غير عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ» .
روي: لما نزلت هذه الآية كف رسول الله ﷺ أيديهم أن يأخذوا من الفداء فنزلت:
﴿فكلوا مما غنمتم﴾ أي: من الفداء، فإنه من جملة الغنائم ﴿حلالاً طيباً﴾ فأحل الله الغنائم بهذه الآية لهذه الأمة وقال ﷺ «أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي» .
وروي أنه ﷺ قال: «لم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ثم أحل لنا الغنائم ذلك بأنّ الله رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا» .
فإن قيل: ما معنى الفاء في قوله تعالى: ﴿فكلوا﴾ ؟ أجيب: بأنها سببية والمسبب محذوف تقديره أبحت لكم الغنائم فكلوا، وبنحوه تشبث من زعم أن الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة، وحلالاً حال من المغنوم أو صفة للمصدر أي: أكلاً حلالاً، وفائدته إزاحة ما وقع في نفوسهم منه بسبب تلك المعاتبة، ولذلك وصفه بقوله: ﴿طيباً﴾ . ﴿واتقوا الله﴾ في مخالفته ﴿إنّ الله غفور﴾ غفر ذنوبكم ﴿رحيم﴾ أباح لكم ما أخذتم، وقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾ إشارة إلى المستقبل، وقوله تعالى: ﴿إنّ الله غفور رحيم﴾ إشارة إلى الحالة الماضية ولما أخذ رسول الله ﷺ الفداء من الأسارى وثق عليهم أخذ أموالهم منهم ذكر الله تعالى هذه الآية استمالاً لهم، فقال عز من قائل:
﴿يأيها النبيّ قل لمن في أيديكم من الأسرى﴾ قرأ أبو عمرو بضم الهمزة وفتح السين بعدها ألف، والباقون بفتح الهمزة وسكون السين ولا ألف بعدها، وأمال الألف بعد الراء أبو عمرو وحمزة والكسائي محضة، وورش بين بين ﴿إن يعلم الله في قلوبكم خيراً﴾ أي: خلوص إيمان وصحة نية ﴿يؤتكم خيراً مما أخذ منكم﴾ من الفداء، قال ابن عباس: نزلت في العباس وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحرث كان العباس أسيراً يوم بدر، ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس فكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر، فلم تبلغه النوبة حتى أسر، فقال العباس: كنت مسلماً إلا أنهم ألزموني فقال ﷺ «إن يكن ما تذكره حقاً فالله يجزيك وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا» قال العباس: وكلمت رسول الله ﷺ أن يترك ذلك الذهب لي فقال: «أما شيء خرجت به تستعين به علينا فلا» قال: فكلفني فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية، وفداء نوفل بن الحارث فقال العباس: تركتني يا محمد أتكفف قريشاً، فقال رسول الله ﷺ «فأين ما دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة، وقلت لها ما أدري ما يصيبني، فإن
стр. 581
حدث بي ما حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل وقثم فقال العباس: وما يدريك يا ابن أخي؟ قال: «أخبرني به ربي» فقال العباس: أنا أشهد أنك صادق وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله والله لم يطلع عليه أحد إلا الله ولقد دفعته إليها في سواد الليل ولقد كنت مرتاباً في أمرك فأما إذ أخبرتني بذلك فلا ريب، قال العباس: فأبدلني الله خيراً من ذلك لي الآن عشرون عبداً وإن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي» .
وروي أن رسول الله ﷺ قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفاً فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه، وأمره العباس أن يأخذ منه فأخذ منه ما قدر على حمله وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجو المغفرة من ربكم يعني الدعوة بقوله تعالى: ﴿ويغفر لكم وا غفور رحيم﴾ واختلف المفسرون في أنّ الآية نزلت في العباس خاصة أو في جملة الأسارى قال بعضهم: إنها نزلت في الكل قال الرازي: وهذا أولى؛ لأنّ ظاهر الآية يقتضي العموم من ستة أوجه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿قل لمن في أيديكم﴾ .
وثانيها: قوله تعالى: ﴿من الأسرى﴾ .
وثالثها: قوله تعالى: ﴿إن يعلم الله في قلوبكم خيراً﴾ .
ورابعها: قوله تعالى: ﴿يؤتكم خيراً﴾ .
وخامسها: قوله تعالى: ﴿مما أخذ منكم﴾ .
وسادسها: قوله تعالى: ﴿ويغفر لكم﴾ فدلت هذه الألفاظ الستة على العموم فما الموجب للتخصيص أقصى ما في الباب أن يقال: سبب نزول هذه الآية هو العباس إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿وإن يريدوا﴾ أي: الأسارى ﴿خيانتك﴾ أي: بما أظهروا من القول ﴿فقد خانوا الله﴾ بالكفر ونقض ميثاقه المأخوذ بالعهد ﴿من قبل﴾ أي: قبل بدر ﴿فأمكن منهم﴾ ببدر قتلاً وأسراً فليتوقعوا مثل ذلك إن عادوا ﴿وا عليم﴾ بما في بواطنهم وضمائرهم من إيمان وتصديق وخيانة ﴿حكيم﴾ أي: بالغ الحكمة فهو يتقن كل ما يريده فهو يوهن كيدهم ويتقن ما يقابلهم به فيلحقهم لا محالة وكذا فعل تعالى في ابن عزة الجمحي، فإنه سأل النبيّ ﷺ في المنّ عليه بغير شيء لفقره وعياله وعاهده على أنه لا يظاهر عليه أحداً، ثم خان فظفر به في غزوة حمراء الأسد عقب يوم أحد أسيراً، فاعتذر له وسأله العفو عنه فقال: «لا، لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرّتين وأمر به فضربت عنقه.
﴿إنّ الذين آمنوا﴾ أي: بالله ورسوله ﴿وهاجروا﴾ أي: وأوقعوا الهجرة من بلاد الشرك وهم المهاجرون الأوّلون هجروا أوطانهم وعشائرهم وأحبابهم حباً لله تعالى ولرسوله ﷺ ﴿وجاهدوا﴾ أي: وأوقعوا الجهاد وهو بذل الجهد في توهين الكفر ﴿بأموالهم﴾ وكانوا في غاية العزة في أوّل الأمر ﴿وأنفسهم﴾ بإقدامهم على القتال مع شدّة الأعداء وكثرتهم وقدم المال؛ لأنه سبب قيام النفس أي: بإنفاقهم لها في الجهاد وتضييع بعضها بالهجرة من الديار، والنخيل وغيرها، وأخر قوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾ لذلك، وفي سببية أي: جاهدوا بسببه حتى لا يصدّ عنه صاد، ويسهل المرور فيه من غير قاطع ﴿والذين آووا﴾ أي: من هاجر إليهم من النبيّ ﷺ وأصحابه، فأسكنوهم في ديارهم وقسموا لهم من أموالهم وعرضوا عليهم أن ينزلوا لهم عن بعض نسائهم ليتزوّجوهنّ ﴿ونصروا﴾ أي: الله ورسوله والمؤمنين وهم الأنصار ﵃، حازوا هذين الوصفين الشريفين فكانوا في الذروة من هذين الجنسين ولكن المهاجرين الأوّلون أعلى منهم
стр. 582
لسبقهم في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل ولحملهم الأذى من الكفار زماناً طويلاً وصبرهم على فرقة الأهل والأوطان. @
وأشار تعالى إلى القسمين بأداة البعد لعلوّ مقامهم فقال: ﴿أولئك﴾ أي: العالو الرتبة ﴿بعضهم أولى ببعض﴾ أي: دون أقاربهم من الكفار قال ابن عباس في الميراث فكانوا يتوارثون بالهجرة فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون دون ذوي الأرحام وكان من آمن ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر حتى كان فتح مكة انقطعت الهجرة وتوارثوا بالأرحام حيث كانوا وصار ذلك منسوخاً بقول تعالى ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا﴾ أي: آمنوا وأقاموا بمكة ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ أي: فلا إرث بينكم وبينهم ولا نصيب لهم في الغنيمة ﴿حتى يهاجروا﴾ أي: إلى المدينة ﴿وإن استنصروكم في الدين﴾ أي: ولم يهاجروا ﴿فعليكم النصر﴾ أي: فيجب عليكم أن تنصروهم على المشركين ﴿إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ أي: عهد فلا تنصروهم عليهم وتنقضوا عهدهم ﴿وا بما تعملون بصير﴾ في ذلك ترغيب في العمل بما حث عليه من الإيمان والهجرة وغير ذلك مما تقدّم وترهيب من العمل بأضدادها، وفي البصير إشارة إلى العلم بما يكون من ذلك خالصاً أو مشوباً، ففيه مزيد حث على الإخلاص.
﴿والذين كفرا بعضهم أولياء بعض﴾ أي: في النصر؛ لأن كفار قريش كانوا معادين اليهود فلما بعث رسول الله ﷺ تعاونوا عليه جميعاً وفي الميراث، فيرث بعضهم بعضاً ولا إرث بينكم وبينهم ﴿ألا تفعلوه﴾ أي: ما أمرتم به من التواصل بينكم وتولى بعضكم لبعض حتى في الميراث وقطع العلائق بينكم وبين الكفار ﴿تكن﴾ أي: تحصل ﴿فتنة﴾ أي: عظيمة ﴿في الأرض﴾ بضعف الإيمان وقوّة الكفر ﴿وفساد كبير﴾ في الدين، ولما تقدّمت أنواع المؤمنين المهاجر والناصر والقاعد وذكر أحكام موالاتهم أخذ يبين تفاوتهم في الفضل بقوله تعالى:
﴿والذين آمنوا﴾ أي: بالله ورسوله وما أتى به ﴿وهاجروا﴾ في الله تعالى من يعادي نبيه ﷺ سابقين ﴿وجاهدوا في سبيل الله﴾ بما تقدّم من المال والنفس وغيرهما، فبذلوا الجهد في إذلال الكفار ولم يذكر آلة الجهاد؛ لأنها مع تقدّم ذكرها لازمة ﴿والذين أووا﴾ أي: من هاجر إليهم ﴿ونصروا﴾ أي: حزب الله ﴿أولئك هم المؤمنون﴾ أي: الكاملون في الإيمان ﴿حقاً﴾ أي: لأنهم حققوا إيمانهم بتحقيق مقتضاه من الهجرة والجهاد وبذل المال ونصرة الحق ثم وعدهم الموعد الكريم بقوله تعالى: ﴿لهم مغفرة﴾ أي: لزلاتهم وهفواتهم؛ لأن مبنى الآدمي على العجز اللازم عند التقصير وإن اجتهد ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه.
ولما ذكر تطهيرهم بالمغفرة ذكر تزكيتهم بالرحمة بقوله تعالى: ﴿ورزق﴾ أي: من الغنائم وغيرها في الدنيا والآخرة ﴿كريم﴾ أي: لا تبعة ولا منة فيه ثم الحق بهم في الأمرين من يستلحق بهم ويتسم بسمتهم بقوله تعالى:
﴿والذين آمنوا من بعد﴾ أي: بعد السابقين إلى الإيمان والهجرة ﴿وهاجروا﴾ أي: لاحقين للسابقين، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم من هاجر بعد الحديبية قال: وهي الهجرة الثانية ﴿وجاهدوا معكم﴾ أي: من تجاهدونه من حزب الشيطان ﴿فأولئك منكم﴾ أي: من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار فلهم ما لكم وعليهم ما عليكم من المواريث والمغانم وغيرها لأنّ الوصف الجامع هو المدار للأحكام وإن تأخرت رتبتهم عنكم بما
стр. 583
أفهمته أداة البعد ﴿وأولوا الأرحام﴾ أي: ذووا القرابات ﴿بعضهم أولى ببعض﴾ قال ابن عباس: كانوا يتوارثون بالهجرة والإخاء حتى نزلت هذه الآية فبين الله تعالى بها أن سبب القرابة أقوى وأولى من سبب الهجرة والإخاء ونسخ بها ذلك التوارث وقوله تعالى: ﴿في كتاب الله﴾ أي: في حكمه في اللوح المحفوظ أو القرآن وتمسك أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى بهذه على توريث ذوي الأرحام وأجاب عنه الشافعي رضي الله تعالى عنه بأنه لما قال في كتاب الله كان معناه في حكم الله الذي بينه في سورة النساء، فصارت هذه السورة مقيدة بالأحكام التي ذكرها في سورة النساء في قسمة المواريث وإعطاء أهل الفروض فروضهم وما بقي فللعصبات فوجب أن يكون المراد من هذا هو ذاك فقط فلا يتعدّى إلى توريث ذوي الأرحام ثم قال تعالى في ختم السورة ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ أي: إن هذه الأرحام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة وصواب وصلاح وليس فيها شيء من العبث والباطل لأنّ العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب ونظيره أنّ الملائكة لما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء قال الله تعالى مجيباً لهم: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ أي: كما علمتم بكوني عالماً بكل المعلومات فاعلموا أنّ حكمي يكون منزهاً عن الغلط فكذا هنا وقول البيضاوي في بعض النسخ تبعاً للزمخشريّ، وعن النبيّ ﷺ «من قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له يوم القيامة وشاهد أنه بريء من النفاق وأعطي
عشر حسنات بعدد كل منافق ومنافقة وكان العرش وحملته يستغفرون له أيام حياته في الدنيا» حديث موضوع.
سورة التوبة
مدنية
إلا الآيتين من قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ وهي آخر ما نزلت وآيها مائة وثلاثون وقيل: تسع وعشرون، وعدد كلماتها ألفان وأربعمائة وسبع وتسعون كلمة وحروفها عشرة آلاف وثمانمائة وسبعة وثمانون حرفاً، ولها عدّة أسماء: التوبة، براءة، المقشقشة، البحوثة، المبعثرة، المنقرة، المثيرة، الحافرة، المخزية، الفاضحة، المنكلة، المشردة، المدمدمة، سورة العذاب وإنما سميت بذلك لما فيها من التوبة للمؤمنين والقشقشة من النفاق وهي التبرؤ منه والبحث عن حال المنافقين وإثارتها والحفر عنها وما يخزيهم ويفضحهم وينكلهم ويشردهم ويدمدم عليهم ولم تكتب فيها البسملة لأنه ﷺ لم يأمر بذلك كما يؤخذ من حديث رواه الحاكم وأخرج في معناه عن علي أن البسملة أمان وهي نزلت لرفع الأمن بالسيف، وعن حذيفة إنكم تسمونها سورة التوبة وهي سورة العذاب.
وروى البخاريّ عن البراء أنها آخر سورة نزلت، وقيل: كان ﷺ إذا نزل عليه سورة أو آية بين موضعها فتوفي ولم يبيّن موضعها وكانت قصتها تشابه قصة الأنفال وتسامتها؛ لأنّ في الأنفال ذكر العهود وفي براءة نبذها فضمت إليها، قال القاضي: يبعد أن يقال إنه ﵊ لم يبيّن كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال لأنّ القرآن مرتب من قبل الله تعالى ومن قبل رسوله ﷺ على الوجه الذي نقل ولو جوّزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله تعالى على سبيل الوحي لجوزنا مثله في سائر السور، وفي آيات السورة الواحدة وذلك يخرجه عن كونه
стр. 584
حجة بل الصحيح أنه ﵊ أمر بوضع هذه السورة بعد سورة الأنفال وحياً، وأنه ﵊ حذف بسم الله الرحمن الرحيم من هذه السورة وحياً، والقول بأنّ قصتها تشابه قصتها وتناسبها فضمت إليها إنما يتم إذا قلنا: إنهم إنما وضعوا هذه السورة من قبل أنفسهم لهذه العلة. وقيل: إن الصحابة ﵃ اختلفوا في أن سورة الأنفال وسورة براءة سورة واحدة أم سورتان، فقال بعضهم: هما سورة واحدة؛ لأنّ كلتيهما نزل في القتال، ومجموعهما هو السورة السابعة من الطوال وهي سبع، وما بعدها المؤن؛ لأنهما معاً مائتان وست آيات، فهما بمنزلة سورة واحدة. ومنهم من قال: سورتان، فلما ظهر الاختلاف من الصحابة في هذا تركوا بينهما فرجة تنبيهاً على قول من يقول: هما سورة واحدة. وقال بعض أصحاب الإمام الشافعي ﵁: لعل الله لما علم من بعض الناس أنهم ينازعون في كون بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن أمر أن لا تكتب ههنا ليدل ذلك على كونها آية من كل سورة، فإنها لما لم تكن آية من هذه السورة وجب كونها آية من كل سورة، وقيل غير ذلك. والصحيح من هذه الأقوال ما ذهب إليه القاضي من أنّ القرآن مرتب من قبل الله ومن قبل رسوله ﷺ على الوجه الذي نقل، وأنه صلى
الله عليه وسلم حذف بسم الله الرحمن الرحيم من هذه السورة وحياً، وإنما ذكرت هذه الأقوال تشحيذاً للأذهان. وقوله تعالى:
﴿براءة﴾ خبر مبتدأ محذوف أي: هذه براءة. وقوله تعالى: ﴿من الله ورسوله﴾ من: ابتدائية متصلة بمحذوف تقديره: واصلة من الله ورسوله، ويجوز أن يكون: براءة مبتدأ لتخصيصها بصفتها، والخبر ﴿إلى الذين عاهدتم﴾ أي: أوقعتم العهد بينكم وبينهم ﴿من المشركين﴾ أي: وإن كانت معاهدتكم لهم إنما كانت بإذن من الله ورسوله، فكما فعلتم المعاهدة بإذنهما فافعلوا النقض تبعاً لهما، ودل سياق الكلام وما حواه من بديع النظام أن العهد إنما هو لأجل المؤمنين، وإنما الله تعالى ورسوله ﷺ فغنيان عن ذلك، أمّا الله فبالغنى المطلق، وأما الرسول ﷺ فبالذي اختاره للرسالة؛ لأنه ما فعل ذلك إلا وهو قادر على نصره بسبب وبغير سبب.
روي أن النبيّ ﷺ لما خرج إلى تبوك كان المنافقون يرجفون الأراجيف، وجعل المشركون ينقضون عهوداً كانت بينهم وبين رسول الله ﷺ فأمر الله تعالى بنقض عهودهم وذلك قوله تعالى: ﴿وإمّا تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ (الأنفال، ٥٨)
الآية ونقض العهد بما يذكر في قوله تعالى ﴿فسيحوا﴾ أي: سيحوا آمنين أيها المشركون ﴿في الأرض أربعة أشهر﴾ لا يتعرّض لكم فيها ولا أمان لكم بعدها، وكان ابتداء هذه الأشهر يوم الحج الأكبر وانقضاؤها إلى عشر من ربيع الآخر، وقال الأزهري: هي شوّال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم؛ لأنها نزلت في شوّال. وقيل: في ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأوّل وعشرين من شهر ربيع الآخر، وكانت حرماً لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم أو على التغليب؛ لأنّ ذا الحجة والمحرم منها. قال البغوي: والأوّل هو الأصوب وعليه الأكثرون اه. وقيل: العشر من ذي القعدة إلى عشر من شهر ربيع الأوّل؛ لأنّ الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم ثم صار في السنة الثانية من ذي الحجة
стр. 585
وكان نزولها في سنة تسع من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان، وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ على موسم الحج سنة تسع ثم أتبعه علياً ﵁ راكب العضباء ناقة رسول الله ﷺ ليقرأها على أهل الموسم، فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: لا يؤدّي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي من أبي بكر سمع أبو بكر الرغاء فوقف، وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله ﷺ وأصل العضباء: المشقوقة الأذن، ولم تكن ناقته ﷺ كذلك ولكن كان ذلك علماً عليها، والرغاء بالمدّ: صوت ذوات الخف قاله الجوهري، فلما لحقه قال أمير أو مأمور.
وروي أن أبا بكر ﵁ لما كان ببعض الطريق هبط جبريل، وقال: يا محمد لا يبلغنّ رسالتك إلا رجل منك فأرسل علياً ﵁ فرجع أبو بكر ﵁ وقال: يا رسول الله أشيء نزل، قال: نعم فسر وأنت على الموسم وعلي ينادي بالآي، فلما كان قبل التروية بيوم خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: أيها الناس إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية، وعن مجاهد ثلاث عشرة، ثم قال: أمرت بأربع آي بأن أخبروا نادى بها أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف به عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده، فقالوا عند ذلك: أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف ثم حج رسول الله ﷺ سنة عشر حجة الوداع.
فإن قيل: قد بعث رسول الله ﷺ جماعة لأن يؤدّوا عنه كثيراً ولم يكونوا من عترته، أجيب: بأنّ هذا ليس على العموم بل مخصوص بالعهود؛ لأنّ العرب عاداتها أن لا يتولى العهد ونقضه على القبيلة إلا رجل من الأقارب، فلو تولاه أبو بكر رضي الله تعالى عنه لجاز أن يقولوا: هذا خلاف ما يعرف فينا من نقض العهود، فربما لم يقبلوا فلم يخف عليهم بتوليته علياً ذلك، ويدل على ذلك أن في بعض الروايات لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي، وقيل: لما خص أبا بكر بتولية الموسم خص علياً بهذا التبليغ تطييباً للقلوب ورعاية للجوانب، وقيل: قرر أبا بكر على الموسم وبعث علياً خليفة لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى تنبيه على إمامة أبي بكر.
فإن قيل: ما وجه إطباق أكثر العلماء على جواز مقاتلة المشركين في الأشهر الحرم وقد صانها الله تعالى عن ذلك؟ أجيب: بأنهم قالوا: قد نسخ وجوب الصيانة وأبيح قتال المشركين فيها.
﴿واعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ أي: لا تفوتونه وإن أمهلكم ﴿وأنّ الله مخزي الكافرين﴾ أي: مذلهم في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالعذاب.
﴿وأذان﴾ أي: إعلام واقع ﴿من الله ورسوله إلى الناس﴾ إذ الأذان في اللغة الإعلام، ومنه الأذان للصلاة، فإنه إعلام بوقتها وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين.
فإن قيل: لم علقت البراءة بالذين عاهدوا من المشركين وعلق الأذان بالناس أجيب: بأنّ البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم، وأما الأذان فعام لجميع الناس من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث.
﴿يوم الحج الأكبر﴾ أي: يوم عيد النحر لأنّ فيه معظم أفعاله من طواف ونحر وحلق ورمي يقع
стр. 586
فيه، ولأن الإعلام كان فيه. وروي أنه ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في حجة الوداع فقال: أي يوم هذا؟ فقالوا: يوم النحر فقال: هذا يوم الحج الأكبر.
وروي أن علياً ﵁ خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبانة فجاءه رجل فأخذ بلجام دابته وسأله عن يوم الحج الأكبر فقال: يومك هذا فخل سبيلها، وقيل: يوم عرفة لقوله ﷺ «الحج عرفة» ، وقيل: أيام منى كلها؛ لأنّ اليوم قد يطلق ويراد به الحين والزمان كقوله يوم صفين ويوم الجمل؛ لأنّ الحرب دامت في هذه الأيام ويطلق عليها يوم واحد. وقيل: هو الذي حج فيه رسول الله ﷺ لأنه اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود وعيد النصارى وعيد المشركين ولم يجتمع مثل ذلك قبله ولا بعده ووصف الحج بالأكبر؛ لأنّ العمرة تسمى الحج الأصغر، وإنما قيل لها الأصغر لنقصان أعمالها عن الحج. وقيل: وصف بذلك لموافقته حج النبيّ ﷺ حجة الوداع، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة وودّع الناس فيه وخطبهم وعلمهم مناسكهم. وقيل: وصف بذلك لاجتماع أعياد الملل في ذلك اليوم. وقيل: لأنه ظهر فيه عز المسلمين وذل المشركين. وقوله تعالى: ﴿إنّ الله بريء من المشركين﴾ أي: من عهودهم فيه حذف تقديره وأذان من الله ورسوله بأنّ الله بريء من المشركين، وإنما حذف الجار لدلالة الكلام عليه. وقوله تعالى: ﴿ورسوله﴾ مرفوع على أنه مبتدأ حذف خبره أي: ورسوله.
كذلك وحكي أنّ أعرابياً سمع رجلاً يقرأ: ورسوله بالجرّ، فقال: إن كان الله بريء من رسوله فأنا منه بريء فلببه الرجل إلى عمر ﵁، فحكى الأعرابيّ الواقعة فحينئذٍ أمر عمر بتعليم العربية.
وحكي أيضاً أنّ أعرابياً قدم في زمن عمر، فقال: من يقرئني مما أنزل الله تعالى على محمد ﷺ فأقرأه رجل براءة، فقال: ﴿إنّ الله بريء من المشركين ورسول﴾ هـ بالجرّ، فقال الأعرابيّ: أوقد برىء الله من رسوله إن يكن الله بريء من رسوله فأنا بريء منه، فبلغ عمر رضي الله تعالى عنه مقالة الأعرابيّ فدعاه فسأله فأخبره الأعرابيّ بذلك، فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابيّ فقال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: ﴿إنّ الله بريء من المشركين ورسوله﴾ بالرفع، فقال: وأنا والله أبرأ مما برىء الله ورسوله منه، فأمر عمر أن لا يقرأ القرآن إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود الدؤلي فوضع النحو. ﴿فإن تبتم﴾ أي: عن الكفر والغدر ﴿فهو﴾ أي: ذلك الأمر العظيم وهو المتاب ﴿خير لكم﴾ أي: من الإقامة على الشرك، وهذا ترغيب من الله في التوبة والإقلاع عن الشرك الموجب لدخول النار. ﴿وإن توليتم﴾ أي: أعرضتم عن الإيمان والتوبة من الشرك ﴿فاعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ وذلك وعيد عظيم وإعلام بأنّ الله تعالى قادر على إنزال أشدّ العذاب بهم كما قال تعالى: ﴿وبشر الذين كفروا بعذاب أليم﴾ أي: مؤلم وهو القتل والأسر في الدنيا والنار في الآخرة ولفظ البشارة هنا ورد على سبيل الإخبار أو على سبيل الاستهزاء كما يقال محبتهم الضرب وإكرامهم الشتم، وقوله تعالى:
﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين﴾ استثناء من المشركين وهم بنو ضمرة حيّ من كنانة أمر الله تعالى رسوله ﷺ بإتمام عهدهم إلى مدّتهم، وكان قد بقي من مدّتهم تسعة أشهر، وكان السبب فيه أنهم لم ينقضوا كما قال تعالى: ﴿ثم لم ينقصوكم شيئاً﴾ أي: من عهودكم التي عاهدتموهم عليها ﴿ولم يظاهروا﴾ أي: ولم يعاونوا ﴿عليكم أحداً﴾ من عدوّكم ﴿فأتموا
стр. 587
إليهم عهدهم إلى مدّتهم﴾ أي: إلى انقضائها، ولا تجروهم مجرى الناكثين. وقوله تعالى: ﴿إنّ الله يحب المتقين﴾ تعليل وتنبيه على أن إتمام عهدهم من باب التقوى.
﴿فإذا انسلخ﴾ أي: انقضى وخرج ﴿الأشهر الحرم﴾ التي حرم الله تعالى عليهم فيها قتالهم، وضربت أجلاً لسياحتهم والتعريف مثله في ﴿فأرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول﴾ (المزمل، ١٦)
والمراد بكونها حرماً أنّ الله تعالى حرم القتل والقتال فيها. وقيل: هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرّم، قال البيضاويّ: وهذا يخل بالنظم أي: نظم الآية إذ نظمها يقتضي توالي الأشهر المذكورة. ﴿فاقتلوا المشركين﴾ أي: الناكثين الذين ضربتم لهم هذا الأجل إحساناً وكرماً ﴿حيث وجدتموهم﴾ أي: في حل أو حرم أو في شهر حرام أو غيره. ﴿وخذوهم﴾ أي: بالأسر ﴿واحصروهم﴾ أي: بالحبس عن إتيان المسجد الحرام والتصرّف في بلاد الإسلام في القلاع والحصون حتى يضطروا إلى الإسلام أو القتل ﴿واقعدوا لهم﴾ أي: لأجلهم خاصة، فإن ذلك من أفضل العبادات ﴿كل مرصد﴾ أي: طريق يسلكونه لئلا ينبسطوا في البلاد. وانتصاب كل على الظرفية كقوله: ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ (الأعراف، ١٦)
وقيل: بنزع الخافض، قال الحسن بن الفضل: نسخت هذه الآية كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذى الأعداء. ﴿فإن تابوا﴾ أي: عن الكفر بالإيمان ﴿وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ تصديقاً لتوبتهم وإيمانهم، فوصلوا ما بينهم وبين الخالق وما بينهم وبين الخلائق. ﴿فخلوا سبيلهم﴾ أي: فدعوهم ولا تتعرّضوا لهم بشيء من ذلك، وفي هذه الآية دليل على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله؛ لأنه إن كان جاحداً لوجوبهما فهو مرتدّ وإلا قتل بترك الصلاة وأخذت منه الزكاة قهراً وقوتل على ذلك كما نقل عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: لما توفي النبيّ ﷺ واستخلف أبو بكر كفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر رضي الله تعالى عنهما: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله» فقال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدّونها إلى رسول الله ﷺ وفي رواية: عقالاً كانوا يؤدّونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أنّ الله شرح صدر أبي بكر إلى القتال، فعرفت أنه الحق. ﴿إنّ الله غفور﴾ أي: بليغ المحو للذنوب التي تاب صاحبها عنها ﴿رحيم﴾ به.
﴿وإن أحد من المشركين﴾ أي: الذين أمرت بقتالهم ﴿استجارك﴾ أي: طلب أن تعامله في الإكرام معاملة الجار بعد انقضاء مدّة السياحة ﴿فأجره﴾ أي: فأمنه ودافع عنه من يقصده بسوء. ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ أي: القرآن بسماع التلاوة الدالة عليه فيعلم بذلك ما يدعى إليه من المحاسن ويتحقق أنه ليس من كلام الخلق ﴿ثم﴾ إن أراد الانصراف ولم يسلم ﴿أبلغه مأمنه﴾ أي: الموضع الذي يأمن فيه وهو دار قومه لينظر في أمره، ثم بعد ذلك يجوز لك قتلهم وقتالهم من غير غدر ولا خيانة. قال الحسن: هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة.
تنبيه: أحد: مرفوع بفعل مضمر يفسره الظاهر وتقديره: وإن استجارك أحد، ولا يجوز أن
стр. 588
يرتفع بالابتداء؛ لأن إن من عوامل الفعل، فلا تدخل على غيره. ﴿ذلك﴾ أي: الأمر بالإجارة للغرض المذكور ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب أنهم ﴿قوم لا يعلمون﴾ أي: لا علم لهم لأنهم لا عهد لهم بنبوّة ولا رسالة ولا كتاب، فإذا علموا أوشك أن ينفعهم العلم، وقوله :
﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله﴾ استفهام معناه الجحد أي: لا يكون لهم عهد عند الله ولا عند رسوله وهم يغدرون وينقضون العهد ﴿إلا الذين عاهدتم﴾ أي: من المشركين ﴿عند المسجد الحرام﴾ يوم الحديبية وهم المستثنون قبل ﴿فما استقاموا لكم﴾ أي: أقاموا على العهد ولم ينقضوه ﴿فاستقيموا لهم﴾ أي: على الوفاء وهو كقوله تعالى: ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدّتهم﴾ (التوبة، ٤)
غير أنه مطلق وهذا مقيد، وما تحتمل الشرطية والمصدرية. ﴿إنّ الله يحب المتقين﴾ أي: من اتقى يوفي بعده لمن عاهده، وقد استقام ﷺ على عهدهم حتى نقضوه بإعانة بني بكر على خزاعة. وقوله تعالى:
﴿كيف﴾ تكرار للاستبعاد بثبات المشركين على العهد وحذف الفعل لكونه معلوماً أي: كيف يكون لهم عهد ثابت ﴿وإن﴾ أي: والحال أنهم مضمرون لكم الغدر والخيانة، فهم إن ﴿يظهروا عليكم﴾ أي: يعلو أمرهم على أمركم بأن يظفروا بكم بعد العهد والميثاق ﴿لا يرقبوا﴾ أي: لا يراعوا ﴿فيكم﴾ أي: في أذاكم بكل جليل وحقير ﴿إلا﴾ أي: قرابة محققة قال حسان:
*لعمرك إن إلّك من قريش ... كإلِّ السقب من رأل النعام*
السقب: ولد الناقة، والرأل: ولد النعامة، والخطاب في لعمرك لأبي سفيان، أي: لا قرابة بينك وبين قريش كما لا قرابة بين ولد الناقة وولد النعامة. وقيل: إلا إلهاً، وقيل: جبريل ﴿ولا ذمة﴾ أي: عهداً بل يؤذوكم ما استطاعوا وقوله تعالى: ﴿يرضونكم بأفواههم﴾ أي: بكلامهم كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرّر لاستبعاد الثبات منهم على العهد ﴿وتأبى قلوبهم﴾ أي: عن الوفاء به لمخالفة ما فيها من الأضغان ﴿وأكثرهم فاسقون﴾ أي: راسخو الأقدام في الفسق.
فإن قيل: الموصوفون بهذه الصفة كفار، والكفر أقبح وأخبث من الفسق، فكيف يحسن وصفهم بالفسق في معرض المبالغة في الذم. وأيضاً الكفار كلهم فاسقون فلا يبقى لقوله: وأكثرهم فائدة؟ أجيب: بأنّ الكافر قد يكون عدلاً في دينه، فلا ينقض العهد، وقد يكون فاسقاً خبيث النفس في دينه فينقضه، فالمراد بالفسق هنا نقض العهد، وكان في المشركين من وفى بعهده، فلهذا قال: وأكثرهم أي: إنّ هؤلاء الكفار الذين من عادتهم نقض العهد أكثرهم فاسقون في دينهم وعند أقوامهم وذلك يوجب المبالغة في الذم. وقال ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض أولئك الكفار قد أسلم وتاب فلهذا السبب قال: ﴿وأكثرهم فاسقون﴾ حتى يخرج عن هذا الحكم أولئك الذين دخلوا في الإسلام.
﴿اشتروا﴾ أي: استبدلوا ﴿بآيات الله﴾ أي: القرآن ﴿ثمناً قليلاً﴾ أي: عرضاً يسيراً من الدنيا، وهو اتباع الأهواء والشهوات مع مصاحبة الكفر، وذلك أنّ أبا سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء النبيّ ﷺ فنقض العهد الذي بينهم بسبب تلك الأكلة ﴿فصدوا﴾ أي: فتسبب لهم ذلك وأداهم إلى أن صدوا ﴿عن سبيله﴾ أي: منعوا الناس من الدخول في دينه ﴿إنهم ساء﴾ أي: بئس ﴿ما كانوا يعملون﴾ أي: عملهم
стр. 589
هذا، وما دل عليه قوله تعالى:
﴿لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة﴾ فهو تفسير لا تكرير، وقيل: الأوّل عام في المنافقين، وهذا خاص بالذين اشتروا وهم اليهود والأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم. ﴿وأولئك﴾ أي: هؤلاء البعداء من كل خير ﴿هم المعتدون﴾ الذين تعدوا ما حد الله لهم في دينه وما يوجبه العقد والعهد.
ولما بيّن تعالى حال من لا يرقب في الله إلاً ولا ذمة وينقض العهد وينطوي على النفاق ويتعدّى ما حدّ الله تعالى له بين ما يصيرون به من أهل دينه بقوله تعالى:
﴿فإن تابوا﴾ أي: رجعوا عن الشرك إلى الإيمان وعن نقض العهد إلى الوفاء به ﴿وأقاموا الصلاة﴾ أي: المفروضة عليهم بجميع حدودها وأركانها ﴿وآتوا الزكاة﴾ المفروضة عليهم طيبة بها نفوسهم ﴿فإخوانكم﴾ أي: فهم إخوانكم ﴿في الدين﴾ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. وقوله تعالى: ﴿ونفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ اعتراض للحث على تأمل ما فصل من أحكام المعاهدين وخصال التائبين.
﴿وإن نكثوا﴾ أي: نقضوا ﴿أيمانهم﴾ أي: عهودهم. ﴿من بعد عهدهم﴾ الذي عاهدوكم عليه أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحداً من أعدائكم ﴿وطعنوا في دينكم﴾ أي: وعابوا دينكم الذي أنتم عليه وقدحوا فيه. ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ أي: الكفار بأسرهم، وإنما خص الأئمة منهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين يحرضون الأتباع منهم على هذه الأعمال الباطلة، وقال ابن عباس: نزلت في أبي سفيان بن حرب والحارث بن هشام وأبي جهل وسائر رؤساء قريش، وهم الذين نقضوا عهودهم وهموا بإخراج الرسول، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية المكسورة وحققها الباقون، وقول البيضاوي: والتصريح بالياء لحن تبع فيه الكشاف التابع للفراء، وهو مردود، فالجمهور من النحاة والقراء على جواز قلب الهمزة الثانية حرف لين، فبعضهم على جعلها بين بين، وبعضهم على قلبها ياء خالصة، وقوله تعالى: ﴿إنهم لا أيمان لهم﴾ قرأ ابن عامر بكسر الهمزة أي: لا تصديق لهم ولا دين وليس في ذلك دلالة على أنّ توبة المرتدّ لا تقبل، والباقون بالفتح جمع يمين أي: لا أيمان لهم على الحقيقة، وأيمانهم ليست بأيمان، وإلا لما طعنوا في دينكم ولم ينكثوا، وفيه دليل على أنّ الذمي إذا طعن في الإسلام فقد نكث عهده أي: إن شرط ذلك عليه كما هو مذهبنا وتمسك أبو حنيفة رحمه الله تعالى بهذا على أنّ يمين الكافر لا تكون يميناً وعند الشافعيّرخمه الله تعالى يمينهم منعقدة، ومعنى هذه الآية عنده أنهم لما لم يؤمنوا بها صارت أيمانهم
كأنها ليست بأيمان والدليل على أنّ يمينهم منعقدة أنّ الله تعالى وصفها بالنكث في قوله تعالى: ﴿وإن نكثوا أيمانهم﴾ ولو لم تكن منعقدة لما صح وصفها بالنكث وقوله تعالى: ﴿لعلهم ينتهون﴾ متعلق بقاتلوا أي: ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعدما وجد منهم ما وجد من العظائم أن ينتهوا عما هم عليه من الكفر والطعن في دينكم والمظاهرة عليكم، وهذا في غاية كرم الله تعالى وفضله على الإنسان وليس الغرض إيصال الأذية لهم كما هو طريقة الموحدين.
ولما قال تعالى: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ أتبعه بذكر ثلاثة أسباب تبعثكم على مقاتلتهم، كل واحد منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد، فكيف بها حال الاجتماع: أحدها ما ذكره تعالى بقوله:
﴿ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم﴾ أي: نقضوا عهودهم وهم الذين نقضوا
стр. 590
عقد الصلح بالحديبية وأعانوا بني بكرة على خزاعة وهذا يدلّ على أنّ قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفار ليكون ذلك زجراً لغيرهم وثانيها قوله تعالى: ﴿وهموا بإخراج الرسول﴾ من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة على ما ذكر في قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ . وقيل: هم اليهود نكثوا عهد الرسول وهموا بإخراجه من المدينة وهذا من أوكد ما يجب القتال لأجله. وثالثها قوله تعالى: ﴿وهم بدؤوكم﴾ أي: بالقتال ﴿أوّل مرّة﴾ أي: هم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة؛ لأن رسول الله ﷺ جاءهم بالكتاب المنير وتحدّاهم به، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال فهم البادؤون بالقتال والبادىء أظلم، فما يمنعكم من أن تقاتلوهم بمثله وأن تصدموهم بالشر كما صدموكم، وبخهم الله تعالى بترك مقاتلتهم وحضهم عليها ثم وصفهم بما يوجب الحض عليها، وتقرر أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب حقيق بأن لا تترك مصادمته، وأن يوبخ من فرّط فيها. ﴿أتخشونهم﴾ أي: أتخافونهم أيها المؤمنون فتتركون قتالهم ﴿فا أحق أن تخشوه﴾ فقاتلوا أعداءه ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي: مصدقين بوعد الله تعالى ووعيده؛ لأنّ قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا ربه ولا يبالي بمن سواه كقوله تعالى: ﴿ولا يخشون أحداً إلا الله﴾ (الأحزاب، ٣٩)
ولما وبخهم الله تعالى على ترك القتال جدّد له الأمر به بقوله تعالى:
﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم﴾ أي: بالقتل والأسر واغتنام الأموال.
فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ (الأنفال، ٣٣)
فكيف قال تعالى هنا: ﴿يعذبهم الله بأيديكم﴾ ؟ أجيب: بأن المراد بالعذاب في الآية الأولى عذاب الاستئصال، وبهذه الآية القتل والأسر. والفرق: أنّ عذاب الاستئصال قد يتعدّى إلى غير المذنب، وإنه في حقه لمزيد الثواب وعذاب القتل مقصور على المذنب وهذا كالتصريح بأنّ هذا الفعل وما عطف عليه فعله تعالى وإن كان جارياً على أيدي العباد كسباً لا يرد على ذلك أنه لا يقال يعذب الله المؤمنين بأيدي الكافرين؛ لأنّ ذلك إنما امتنع لشناعة العبارة كما لا يقال: يا خالق القاذورات والأبوال والعذرات وإن كان هو الخالق لها. ﴿ويخزهم﴾ أي: بالذل والفضيحة في الدنيا والعذاب في الآخرة ﴿وينصركم عليهم﴾ أي: يمكنكم من قتلهم وإذلالهم ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ أي: طائفة من المؤمنين وهم خزاعة. وقال ابن عباس ﵄: هم بطون من اليمن وسبأ قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديداً فبعثوا إلى رسول الله ﷺ يشكون إليه فقال: أبشروا فإن الفرج قريب.
﴿ويذهب غيظ قلوبهم﴾ أي: كربها ووجدها، وقد وفى الله تعالى بما وعد، والآية من المعجزات. وقوله تعالى: ﴿ويتوب الله على من يشاء﴾ استئناف أي: إنّ الله تعالى يهدي من يشاء إلى الإسلام كما فعل بأبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، فهؤلاء كانوا من أئمة الكفر ورؤساء المشركين ثم مَنَّ الله تعالى عليهم بالإسلام يوم فتح مكة فأسلموا وحسن إسلامهم. ﴿وا عليم﴾ أي: يعلم ما سيكون كما يعلم ما قد كان فهو عليم بكل شيء، فيعلم من يصلح للتوبة ومن لا يصلح لها، أو يعلم ما في قلوبكم من الإقدام والإحجام ﴿حكيم﴾ أي: أحكم جميع أموره.
﴿أم حسبتم﴾ أي: أظننتم ﴿أن تتركوا﴾ فلا تؤمروا بالجهاد ولا تمتحنوا ليظهر الصادق من
стр. 591
الكاذب، والخطاب للمؤمنين حين كره بعضهم القتال، وقيل للمنافقين. وأم: بمعنى همزة الإنكار. ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ أي: علماً ظاهراً تقوم به الحجة عليكم في مجاري عاداتكم على مقتضى عقولكم بأن يقع الجهاد في الواقع بالفعل، وعبر تعالى بلما دون لم لدلالتها مع استغراق الزمان على أن تبين ما بعدها متوقع كائن، وقوله تعالى: ﴿ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة﴾ عطف على جاهدوا داخل في حيز الصلة كأنه قيل: ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذي وليجة من دون الله. والوليجة: فعيلة من ولج كالدخيلة من دخل، وهي البطانة من المشركين يتخذونهم يفشون إليهم أسرارهم، وقال قتادة: هي الخيانة. وقال عطاء: هي الأولياء. ﴿وا خبير بما تعملون﴾ من مولاة المشركين وغيرها، فيجازيكم عليه.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ولما أسر العباس يوم بدر عيره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ عليّ ﵁ عليه القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟ فقال له عليّ: وهل لكم محاسن؟ قال: نعم نحن أفضل منكم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني يعني الأسير فأنزل الله تعالى رداً على العباس.
﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله﴾ أي: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مسجد الله بدخوله والقعود فيه وخدمته، فإذا دخل بغير إذن مسلم عزر وإن دخل بإذنه لم يعزر، لكن لا بد من حاجة فيشترط للجواز الإذن والحاجة، ويدل على جواز دخول الكافر المسجد بالإذن أنّ النبيّ ﷺ شد ثمامة بن أثال إلى سارية من سواري المسجد وهو كافر، وذهب جماعة إلى أنّ المراد منه العمارة المعروفة من بناء المسجد وترميمه عند خرابه فيمنع منه الكافر، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون السين ولا ألف بعدها على التوحيد، وفي هذا دلالة على أن المراد المسجد الحرام. والباقون بفتح السين، وألف بعدها على الجمع. وفيه دلالة على أن المراد جميع المساجد، وقيل: المراد على القراءتين المسجد الحرام، وإنما جمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فعامره كعامر الجميع. وقوله تعالى: ﴿شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾ حال من الواو في يعمروا، أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة متعبدات الله مع الكفر بالله وبعبادته ومعنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر ظهور كفرهم، قال الحسن: لم يقولوا نحن كفار، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم، وعن ابن عباس ﵄: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام، وذلك أنّ كفار قريش كانوا نصبوا أصنامهم حول البيت، وكانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف بثياب قد عملنا فيها المعاصي وكلما طافوا أسبوعاً سجدوا للأصنام فلم يزدادوا من الله إلا بعداً. وقيل: هو قولهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، وقال السدي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يسأل: من أنت؟ فيقول: نصراني، واليهوديّ يقول: يهودي، والمشرك يقول: مشرك. ﴿أولئك حبطت﴾ أي: بطلت ﴿أعمالهم﴾ أي: الأعمال التي عملوها من أعمال البر وافتخروا بها مثل العمارة والحجابة والسقاية، وفك العناة مع الكفر لا تأثير لها ﴿وفي النار هم خالدون﴾ لجعلهم الكفر
مكان الإيمان.
стр. 592
واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنّ مرتكب الكبيرة من أهل الإيمان لا يبقى مخلداً في النار من وجهين: الأوّل قوله تعالى: ﴿وفي النار هم خالدون﴾ يفيد الحصر أي: هم فيها خالدون لا غيرهم، ولما كان هذا وارداً في حق الكفار ثبت أن الخلود لا يحصل إلا للكافر. الثاني: أنه تعالى جعل الخلود في النار جزاء للكفار عن كفرهم، فلو كان هذا الحكم جزاء لغير الكافر لما صح تهديد الكافر به. وفي الكشاف: أن الكبيرة تهدم الأعمال وهو جار على مذهبه الفاسد، ولما بيّن تعالى أن الكافر ليس له أن يعمر مساجد الله بين المستحق لعمارتها بقوله تعالى:
﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن با واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش﴾ أحداً ﴿إلا الله﴾ أي: إنما تتم عمارتها لهؤلاء الجامعين بين الكمالات العملية والعلمية.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يذكر الإيمان برسوله ﷺ مع أنّ الإيمان به شرط في صحة الإيمان؟ أجيب: بأنه تعالى لما ذكر الصلاة والصلاة لا تتم إلا بالتشهد وهو مشتمل على ذكره كان ذلك كافياً، ومما علم من أن الإيمان بالله تعالى قرينه وتمامه الإيمان به فكان الإيمان بالرسول ﷺ مذكوراً بطريق أبلغ وهو طريق الكناية لما مرّ من مقارنتهما وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر. وقيل: إن المشركين كانوا يقولون: إنّ محمداً إنما ادّعى رسالة الله طلباً للرّياسة والملك، فلذلك ترك ذكر النبوّة فكأنه يقول مطلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلا الإيمان بالمبدأ والمعاد، فذكر المقصود الأصلي وحذف ذكر النبوّة تنبيهاً للكفار على أنه لا مطلوب له من الرياسة.
فإن قيل: كيف قال تعالى: ﴿ولم يخش إلا الله﴾ والمؤمن يخاف الظَلَمة والمفسدين؟ أجيب: بأن المراد من هذه الخشية الخوف والتقوى في أبواب الدين، وأن لا يختار على رضا الله تعالى عنه رضا غيره لتوقع مخوف. وإذا اعترضه أمران: أحدهما: حق الله تعالى، والآخر: حق نفسه؛ أن يخاف الله تعالى، فيؤثر حق الله تعالى على حق نفسه. وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها فأريد نفي تلك الخشية عنهم. ومن عمارة المساجد: ترميمها وفرشها وتنويرها بالسرج التي لا سرف فيها، وإدامة العبادة فيها والذكر. ومن الذكر درس العلم فيها، بل هو أجله وأعظمه، وصيانتها مما لم تبن المساجد لأجله كحديث الدنيا.
روي أنه ﷺ قال: «يأتي في آخر الزمان ناس من أمّتي يأتون المساجد، فيقعدون حلقاً ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة» . وفي الحديث: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» . وفي «الكشاف» : أنه ﷺ قال: «قال الله تعالى: إنّ بيوتي في أرضي المساجد، وإنّ زواري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره» . قال شيخ شيخنا ابن حجر: لم أجده هكذا، وفي الطبراني عن سلمان ﵁ عن النبيّ ﷺ «من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله وحق على المزور أن يكرم زائره» .
وروي عنه ﷺ «من ألف المسجد ألفه الله تعالى» وقال ﷺ «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان» . وعن أنس ﵁: من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوءه.
وروي أنه ﷺ قال: «من غدا إلى المسجد وراح أعد الله تعالى له نزلاً
стр. 593
من الجنة كلما غدا وراح» . وفي قوله تعالى: ﴿فعسى أولئك﴾ أي: الموصوفون بهذه الصفات ﴿أن يكونوا من المهتدين﴾ تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسم أطماعهم والانتفاع بأعمالهم التي قد استعظموها وافتخروا بها وأملوا عاقبتها، فإنه تعالى بيّن أن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع وضموا إليه الخشية من الله تعالى، فهؤلاء صار حصول الاهتداء لهم دائراً بين لعل وعسى، فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون ويجزمون بفوزهم بخير من عند الله ومنع للمؤمنين من أن يغترّوا بأحوالهم ويتكلوا عليها، وذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى:
﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن با واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله﴾ أقوالاً، فعن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فنزلت. وعن ابن عباس ﵄ قال العباس حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام وبالهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج، فنزلت. وقيل: إن المشركين قالوا لليهود: نحن علينا سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه، فقالت لهم اليهود: أنتم أفضل، فنزلت. وقيل: إنّ علياً قال للعباس ﵄: يا عم، ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله ﷺ فقال: ألست في أفضل من الهجرة أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام، فلما نزلت قال العباس: ما أراني إلا تارك سقايتنا فقال رسول الله ﷺ «أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراً» وكان العباس عم النبيّ ﷺ بيده سقاية الحاج وكان يليها في الجاهلية فلما جاء الإسلام وأسلم العباس أقره ﷺ على ذلك.
وروي أنه ﷺ جاء السقاية فاستسقى، فقال العباس ﵁ لابنه الفضل: يا فضل، اذهب إلى أمّك فأت رسول الله ﷺ بشراب من عندها، فقال له ﷺ «اسقني» قال: يا رسول الله يجعلون أيديهم فيه، قال: «اسقني» فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: «اعملوا فإنكم على عمل صالح» . وعن أبيّ بن عبد الله المزني ﵁ قال: كنت جالساً مع ابن عباس عند الكعبة، فأتاه أعرابي، فقال: مالي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ أمن حاجة بكم أم من بخل؟ فقال ابن عباس ﵄: الحمد لله ما بنا من حاجة ولا بخل، إنما قدم رسول الله ﷺ على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ فشربه وسقى فضله أسامة وقال: أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوه، فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله ﷺ والنبيذ: تمر ينقع في الماء غدوة وهو حلال، فإن غلا وخمر حرم.
تنبيه: السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة والوقاية، فلا بد من مضاف محذوف تقديره أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله ﴿لا يستوون عند الله﴾ أي: لا يستوي حال هؤلاء الذين آمنوا بالله
стр. 594
وجاهدوا في سبيل الله بحال من سقى الحاج وعمر المسجد الحرام وهو مقيم على كفره؛ لأنّ الله تعالى لا يقبل عملاً إلا مع إيمان به وبيّن عدم تساويهم بقوله تعالى: ﴿وا لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي: الكفرة ظلمة بالشرك ومعاداة النبيّ ﷺ منهمكون في الضلال، فكيف يساوون الذين عاهدهم الله تعالى ووفقهم للحق والصواب؟ وقيل: المراد بالظالمين الذين يسوّون بينهم وبين المؤمنين.
﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله﴾ أي: أعلى مرتبة وأكثر كرامة ممن لم يستجمع هذه الصفات والمراد من كون العبد عند الله بالاستغراق في عبوديته وطاعته، وليس المراد منه قطع العندية بحسب الجهة والمكان؛ لأنّ الأرواح البشرية إذا تطهرت من دنس الأوصاف البدنية أشرقت بأنوار الجلال وتجلى فيها أضواء عالم الكمال، وسرت من العبودية إلى العندية. وقيل: أعظم درجة عند الله ممن افتخر بالسقاية وعمارة المسجد الحرام.
فإن قيل: على هذا كيف قال في وصفهم أعظم درجة مع أنه ليس للكافر درجة؟ أجيب: بأنّ هذا ورد على حسب ما كانوا يقدّرون؛ لأنفسهم من الدرجة والفضيلة عند الله. ونظيره قوله تعالى: ﴿الله خير أم ما يشركون﴾ (النحل، ٥٩)
وقوله تعالى: ﴿أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم﴾ (الصافات، ٦٢)
﴿وأولئك﴾ من هذه صفتهم ﴿هم الفائزون﴾ أي: بسعادة الدنيا والآخرة.
﴿يبشرهم﴾ أي: يخبرهم ﴿ربهم﴾ والبشارة الخبر السار الذي يفرح الإنسان عند سماعه وتستبشر بشرة وجهه عند سماع ذلك الخبر السار، ثم ذكر الذي يبشرهم به بقوله تعالى: ﴿برحمة منه ورضوان﴾ ، فهذا أعظم البشارات؛ لأنّ الرحمة والرضوان من الله تعالى على العبد نهاية مقصودة ﴿وجنات﴾ أي: بساتين كثيرة الأشجار والثمار ﴿لهم فيها﴾ أي: الجنات ﴿نعيم﴾ أي: جزاء خالص عن كدر مّا ﴿مقيم﴾ أي: غير منقطع. وقوله تعالى:
﴿خالدين فيها﴾ حال مقدرة وحقق الخلود بقوله تعالى: ﴿أبداً﴾ ، ولما ذكر تعالى هذه الأحوال، قال: ﴿إنّ الله عنده أجر عظيم﴾ وناهيك بما يصفه الله بالعظم وخص هؤلاء المؤمنين بهذا الثواب المعبر عن دوامه بهذه العبارات الثلاث المقرونة بالعظم والاسم الأعظم، فكان أعظم الثواب؛ لأنّ إيمانهم أعظم الإيمان.
وذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى:
﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء﴾ أقوالاً فقال مجاهد: هذه الآية متصلة بما قبلها نزلت في العباس وطلحة وامتناعهما من الهجرة، وقال ابن عباس رضي الله تعنهما: لما أمر النبيّ ﷺ بالهجرة إلى المدينة، فمنهم من تعلق به أهله وولده يقولون: ننشدك الله أن لا تضيعنا، فيرق لهم فيقيم عندهم ويدع الهجرة فنزلت، فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه أو أبوه أو أخوه أو بعض أقربائه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه حتى رخص لهم بعد ذلك. قال مقاتل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة أي: لا تتخذوهم أولياء يمنعوكم عن الإيمان ويصدوكم عن الطاعة لقوله تعالى: ﴿إن استحبوا﴾ أي: اختاروا ﴿الكفر على الإيمان﴾ أي: أقاموا عليه، تركوا الإيمان بالله ورسوله ﴿ومن يتولهم منكم﴾ أي: ومن يختر المقام معهم على الهجرة والجهاد ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ أي: فقد ظلم نفسه بمخالفة أمر الله تعالى واختيار الكفار على
стр. 595
المؤمنين.
ولما نزلت هذه الآية قال الذين أسلموا ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجارتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا، فنزل قوله تعالى:
﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء الذين قالوا هذه المقالة ﴿إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم﴾ أي: أقرباؤكم مأخوذ من العشرة، وقيل: من العَشَرة، فإن العشرة جماعة ترجع إلى عقد كعقد العشرة ﴿وأموال اقترفتموها﴾ أي: اكتسبتموها ﴿وتجارة تخشون كسادها﴾ أي: عدم نفاقها بفراقكم لها ﴿ومساكن ترضونها﴾ أي: تستوطنونها راضين بسكناها ﴿أحب إليكم من الله ورسوله﴾ أي: الهجرة إلى الله ورسوله ﴿وجهاد في سبيله﴾ فقعدتم لأجل ذلك عن الهجرة والجهاد، أي: إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله، ومن المجاهدة في سبيل الله ﴿فتربصوا﴾ أي: انتظروا متربصين وهو تهديد بليغ ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ . قال مجاهد بقضائه أي: عقوبة عاجلة أو آجلة، وقال مقاتل بفتح مكة ﴿وا لا يهدي القوم﴾ أي: لا يخلق الهداية في قلوب ﴿الفاسقين﴾ أي: الخارجين عن طاعته، وفي هذا دليل على أنه إذا وقع تعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب على المسلم ترجيح مصالح الدين على مصالح الدنيا.
﴿لقد نصركم الله﴾ النصرة المعونة على الأعداء بإظهار المسلمين عليهم ﴿في مواطن﴾ أي: أماكن للحرب ﴿كثيرة﴾ كبدر وقريظة والنضير، والمراد بذلك غزواته ﷺ وسراياه وبعوثه، وكانت غزواته ﷺ على ما ذكر في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم تسع عشرة غزوة زاد بريدة في حديثه قاتل في ثمان منها، وأمّا جميع غزواته وسراياه وبعوثه فقيل: سبعون، وقيل: ثمانون ﴿ويوم﴾ أي: واذكر يوم ﴿حنين﴾ وهو واد بين مكة والطائف أي: يوم قتالكم فيه هوازن وقوله تعالى: ﴿إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ بدل من يوم حنين، وكانت قصة حنين على ما نقله الرواة أنّ رسول الله ﷺ لما فتح مكة وقد بقي من شهر رمضان أيام، وخرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف، واختلفوا في عدد عسكر رسول الله ﷺ فقال عطاء عن ابن عباس ﵄: كانوا ستة عشر ألفاً. وقال الكلبيّ: كانوا عشرة آلاف، وقال قتادة: كانوا اثني عشر ألفاً، عشرة آلاف الذين حضروا فتح مكة، وألفان انضموا إليهم من الطلقاء، وهم الأسراء الذين أخذوا يوم فتح مكة وأطلقوا، وبالجملة كانوا عدداً كثيراً، وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة إعجاباً بكثرتهم، فساء رسول الله ﷺ كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل. وقيل: قائلها أبو بكر ﵁، وقيل: رسول الله ﷺ وهذا القول بعيد جداً؛ لأنه ﷺ كان في أحواله كلها متوكلاً على الله تعالى منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها ثم اقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم المشركون وتخلوا عن الذراري ثم تنادوا: يا حماة السوادة اذكروا الفضائل فتراجعوا وانكشف المسلمون حتى بلغ منهزمهم مكة وبقي رسول الله ﷺ في مركزه ليس معه إلا عمه العباس آخذاً بلجام بغلته، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث وناهيك بهذا شهادة لرسول الله صلى الله
عليه وسلم على تناهي شجاعته قال البراء بن عازب: كانت
стр. 596
هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم واستقبلونا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله ﷺ ولم يبق معه إلا العباس وأبو سفيان، قال البراء: والذي لا إله إلا هو ما ولي رسول الله ﷺ دبره قط قد رأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب والعباس أخذ بلجام الدابة وهو يقول: أنا النبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطلب فطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يولي ثم قال للعباس: «وكان صيتاً صح يا عباس» فنادى: «يا عباد الله يا أصحاب الشجرة» وهم أصحاب بيعة الرضوان المذكورون في قوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (الفتح، ١٨)
يا أصحاب سورة البقرة قال الطيبي وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ (البقرة، ٢٨٥)
وقيل: الذين أنزلت عليهم سورة البقرة فرجعوا جماعة واحدة يقولون: لبيك لبيك ونزلت الملائكة فالتقوا مع المشركين فقال ﵊: «هذا حين حمي الوطيس» أي: اشتدّ الحرب ثم أخذ رسول الله ﷺ كفاً من تراب فرماهم ثم قال: «انهزموا ورب الكعبة» فانهزموا.
وروي أنه ﷺ نزل عن البغلة، ثم أخذ قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل بها وجوههم، ثم قال: «شاهت الوجوه» . قالت سلمة بن الأكوع: فما خلق الله تعالى منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرين فهزمهم الله تعالى. ﴿فلم تغن﴾ أي: الكثرة. ﴿عنكم شيأ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت﴾ أي: برحبها أي: بسعتها لا تجدون فيها مقراً تطمئن إليه نفوسكم من شدّة الرعب، ولا تثبتون فيها كمن لا يسعه مكانه. ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ أي: الكفار ظهوركم مدبرين أي: منهزمين، والإدبار الذهاب إلى خلف خلاف الإقبال.
﴿ثم أنزل الله سكينته﴾ أي: رحمته التي سكنوا إليها وأمنوا. ﴿على رسوله وعلى المؤمنين﴾ أي: على الذين انهزموا، فردّوا إلى النبيّ ﷺ لما ناداهم العباس بإذنه ﷺ وقيل: هم الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ حين وقع الحرب. ﴿وأنزل جنوداً﴾ أي: ملائكة ﴿لم تروها﴾ بأعينكم قال سعيد بن جبير: مد الله نبيه ﷺ بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، وقيل: ثمانية آلاف، وقيل: ستة عشرة ألفاً.
وروي أنّ رجلاً من بني النضير قال: للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البلق، والرجال الذين عليهم ثياب بيض ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة، وما قتلنا إلا بأيديهم، فأخبروا بذلك النبيّ ﷺ فقال: «تلك الملائكة» ﴿وعذب الذين كفروا﴾ بالقتل والأسر وسبي العيال وسلب المال. ﴿وذلك جزاء الكافرين﴾ أي: ما فعل بهم جزاء كفرهم في الدنيا.
روي أنه ﷺ لما قسم ما أفاء الله عليه يوم حنين في الناس، وفي المؤلفة قلوبهم، لم يعط الأنصار شيئاً، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم رسول الله ﷺ فقال: «يا معاشر الأنصار: ألم أجدكم ضلالاً، فهداكم الله بي، وكنتم متفرّقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي» كلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أنّ قال: «ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله، لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا. أما ترضون أمن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبيّ إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، لو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، الأنصار
стр. 597
شعار، والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» وعن رافع بن خديج أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطي عباس بن مرداس دون ذلك فقال العباس بن مرداس:
*أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع*
*فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع*
*وما كنت دون امرىء منهما ... ومن يخفض اليوم لا يرفع*
قال: فأتم رسول الله ﷺ له مائة.
﴿ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء﴾ منهم بالتوفيق للإسلام ﴿وا غفور رحيم﴾ فيتجاوز عنهم، ويتفضل عليهم.
روي أنّ ناساً منهم جاؤوا فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرّ الناس وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا قيل: سبي يومئذٍ ستة آلاف نفس وأخذ من الإبل ما لا يحصى فقال: إنّ عندي ما ترون إنّ خير القول أصدقه اختاروا إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً، والحسب ما يعدّه الإنسان من مفاخر آبائه، كنوا بذلك عن اختيار الذراري والنساء على استرجاع الأموال لأنّ تركهم في ذلّ الأسر يفضي إلى الطعن في أحسابهم فقام رسول الله ﷺ فقال: «إنّ هؤلاء جاؤوا مسلمين وإنّا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً فمن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يردّه فشأنه أي: فليلزم شأنه وأمره ومن لا تطب نفسه ليعطنا وليكن قرضاً علينا أي: بمنزلة القرض حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه فقالوا: رضينا وسلمنا فقال: إني لا أدري لعلّ فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا.
﴿يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾ أي: ذوو نجس لأنّ معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس أو إنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يتجنبون النجاسات فهي ملابسة لهم أو جعلوا كأنهم النجاسات بعينها مبالغة في وصفهم بها، وعن ابن عباس ﵄ أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وعن الحسن رحمه الله تعالى: من صافح مشركاً توضأ وأهل المذاهب على خلاف هذين القولين والنجس مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع.
﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ أي: لنجاستهم وإنما نهى عن الاقتراب للمبالغة والمنع من دخول الحرم. قال العلماء: وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار على ثلاثة أقسام:
أحدها: الحرم فلا يجوز للكافر أن يدخل المسجد بحال ذمياً كان أو مستأمناً لظاهر هذه الآية وإذا جاء رسول من دار الكفر إلى الإمام والإمام في الحرم لا يؤذن له في دخول الحرم بل يخرج إليه الإمام أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم وجوّز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم.
القسم الثاني: من بلاد الإسلام الحجاز فيجوز للكافر دخوله بالإذن ولا يقيم فيه أكثر من ثلاثة أيام. لما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لأخرجنّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى
стр. 598
لا أدع إلا مسلماً» فأجلاهم عمر في خلافته وأجل لمن قدم منهم تاجراً ثلاثاً وجزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول وأمّا في العرض فمن جدّة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشأم.
والقسم الثالث: سائر بلاد الإسلام يجوز للكافر أن يقيم فيها بذمّة أو أمان لكن لا يدخل المساجد إلا بإذن مسلم لحاجة.
وقوله تعالى: ﴿بعد عامهم هذا﴾ إشارة إلى العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله تعالى عنه ونادى عليّ ﵁ ببراءة وهو سنة تسع من الهجرة وقبل سنة حجة الوداع ولما أمر رسول الله ﷺ علياً أن يقرأ على مشركي مكة أوّل براءة وينبذ إليهم عهدهم وأنّ الله بريء من المشركين ورسوله قال أناس يا أهل مكة ستعلمون ما تلقون من الشدّة لانقطاع السبيل وفقد الحمولات وذلك أنّ أهل مكة كانت معايشهم من التجارات وكان المشركون يأتون مكة بالطعام ويتجرون فلما امتنعوا من دخول الحرم خافوا الفقر وضيق العيش فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى ﴿وإن خفتم عيلة﴾ أي: فقراً وحاجة بانقطاع تجارتهم عنكم ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ أي: من عطائه وتفضله من وجه آخر وقد أنجز الله تعالى وعده بأن أرسل المطر عليهم مدراراً فكثر خيرهم وأسلم أهل جدّة وصنعاء وتبالة وجرش وجلبوا الميرة الكثيرة إلى مكة فكفاهم الله تعالى ما كانوا يخافون، وتبالة بفتح التاء وجرش بضمّ الجيم وفتح الراء وشين معجمة قريتان من قرى اليمن وقيد ذلك بقوله تعالى: ﴿إن شاء﴾ لتنقطع الآمال إليه تعالى ولينبه على أنه متفضل في ذلك وأنّ الغنى الموعود يكون لبعض دون بعض وفي عام. دون عام ﴿إنّ الله﴾ أي: الذي له الإحاطة الكاملة ﴿عليم﴾ أي: بوجوه المصالح ﴿حكيم﴾ أي: فيما يعطي ويمنع، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ألقى الشيطان في قلوبهم الخوف وقال من أين تأكلون فأمرهم الله تعالى بقتال أهل الكتاب كما قال تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون با ولا باليوم الآخر﴾ (التوبة، ٢٩)
فإن قيل: اليهود والنصارى يزعمون أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر فكيف أخبر الله تعالى عنهم بذلك؟ أجيب: بأنّ من اعتقد أن العزير ابن الله وأنّ المسيح ابن الله فليس بمؤمن بل هو مشرك وبأنّ من كذب رسولاً من الرسل فليس بمؤمن واليهود والنصارى يكذبون أكثر الأنبياء ﴿ولا يحرمون ما حرّم الله ورسوله﴾ من الشرك وأكل أموال الناس بالباطل وتبديل التوراة والإنجيل وغير ذلك ﴿ولا يدينون دين الحق﴾ أي: الثابت الذي هو ناسخ لسائر الأديان وهو الإسلام كما قال تعالى: ﴿إنّ الدين عند الله الإسلام﴾ (آل عمران، ١٩)
﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ أي: اليهود والنصارى بيان للذين لا يؤمنون ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ وهي الخراج المضروب على رقابهم في نظير سكناهم في بلاد الإسلام آمنين مأخوذ من المجازاة لكفنا عنهم.
وقيل من الجزاء بمعنى القضاء قال الله تعالى: ﴿واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً﴾ (البقرة، ٤٨)
أي: لا تقضي وقوله تعالى: ﴿عن يد﴾ حال من الضمير أي: منقادين مقهورين يقال لكل من أعطي شيئاً كرهاً من غير طيب نفس أعطي عن يد، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يعطونها بأيديهم ولا يرسلون بها على يد غيرهم وهل يجوز أن يوكلوا مسلماً في دفعها أو لا ينبغي على تفسير الصغار المذكور في قوله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾
стр. 599
أي: أذلاء منقادون لحكم الإسلام ويكفي في الصغار أن يجري عليهم الحكم بما لا يعتقدون حله أن يجوز التوكيل على هذا تفسيره ـ أن يجلس الآخذ ويقوم الكافر ويطأطىء رأسه ويحني ظهره ويضع الجزية في الميزان ويقبض الآخذ لحيته ويضرب لهزمتيه وهما مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن من الجانبين: مردود بأن هذه الهيئة باطلة ودعوى سنيتها أو وجوبها أشدّ بطلاناً ولم ينقل أنّ النبيّ ﷺ ولا أحداً من الخلفاء الراشدين فعل شيئاً من ذلك وعلى تفسيرها بما ذكر يمتنع التوكيل إذا قيل بوجوبه لا باستحبابه.
تنبيه: مفهوم الآية يقتضي تخصيص الجزية بأهل الكتاب ولكن ألحق بهم المجوس لأنه ﷺ أخذها من مجوس هجر، وقال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» وكذا من زعم التمسك بصحف إبراهيم وزبور داود صلى الله عليهما وسلم ومن أحد أبويه كتابيّ والآخر وثنيّ وأولاد من تهوّد أو تنصر قبل النسخ أو شككنا في وقت التهوّد والتنصر أكان قبل النسخ أم بعده؟ فلا تعقد لأولاد من تهوّد أو تنصر بعد النسخ في ذلك الدين ولا لعبدة الأوثان والشمس والملائكة والسامرة والصابئون إن خالفوا اليهود والنصارى في أصول دينهم فليسوا منهم وإلا فمنهم، وعن مالك تؤخذ الجزية من كل كافر إلا المرتد، وعن أبي حنيفة إلا مشركي العرب، وأقلّ الجزية دينار لكل سنة عن كل واحد لقوله ﷺ لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: «خذ من كلّ حالم» ـ أي: محتلم ـ ديناراً صححه ابن حبان والحاكم وتؤخذ من زمن وشيخ هرم وأعمى وراهب وأجير وفقير عجز عن كسب فإذا تمت سنة وهو معسر ففي ذمّته حتى يوسر، وقال أبو حنيفة على الغنيّ ثمانية وأربعون درهماً وعلى المتوسط نصفها وعلى الفقير الكسوب ربعها ولا شيء على فقير غير كسوب ولا بدّ أن يكون المأخوذ منه حرّاً ذكراً غير صبيّ ومجنون وتلحق إفاقة مجنون كثرت فإن قلّ زمن الجنون كساعة من شهر فلا أثر لها ولو بلغ ابن ذمي ولم يعط جزية ألحق بمأمنه وإن أعطاها عقد له.
وقيل: عليه كجزية أبيه ولا يحتاج إلى عقد له اكتفاء بعقد أبيه ومن مات ممن عقدت له الجزية أو أسلم أو جنّ أو حجر عليه بفلس أو سفه بعد سنة فجزيته كدين آدميّ أو في أثنائها تقسط وتسقط بالإسلام والموت عند أبي حنيفة.
﴿وقالت اليهود عزير ابن الله﴾ اختلفوا في قائل هذه المقالة على أقوال: أحدها قال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء وهو الذي قال: إنّ الله فقير ونحن أغنياء وثانيها قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعكرمة: أتى رسول الله ﷺ جماعة من اليهود سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا: كيف نتبع دينك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أنّ عزيراً ابن الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعلى هذين القولين القائل إنما هو بعض اليهود إلا أنّ الله تعالى نسب ذلك إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على اسم الواحد يقال: فلان ركب الخيول ولعله لم يركب إلا واحداً منها، وفلان يجالس السلاطين ولعله لم يجالس إلا واحداً. وثالثها: أنّ هذا المذهب لعله كان ثابتاً فيهم ثم انقطع فحكى الله تعالى ذلك عنهم ولا عبرة بإنكار اليهود لذلك فإنّ الآية تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مع تهالكهم على
стр. 600
التكذيب واختلف في السبب الذي قالوا ذلك لأجله فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنّ اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فأنساهم الله تعالى التوراة ونسخها من صدورهم فتضرّع عزير إلى الله تعالى وابتهل إليه أن يردّ إليه الذي نسخ من صدورهم فبينما هو يصلي مبتهلاً إلى الله تعالى نزل نور من السماء فدخل جوفه فعادت إليه التوراة فأذن في قومه وقال: يا قوم قد آتاني الله تعالى التوراة وردّها إليّ فعلقوا به يعلمهم ثم مكثوا ما شاء الله تعالى ثم إنّ التابوت أنزل بعد ذهابه عنهم فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان يعلمهم عزير فوجدوه مثله فقالوا: ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله وقيل: لما رفع الله تعالى عنهم التوراة خرج عزير وهو غلام يسيح في الأرض فأتاه جبريل ﵇ فقال له: إلى أين تذهب؟ قال: أطلب العلم، فحفظه التوراة وأملاها عليهم عن
ظهر قلبه لا يخرم منها حرفاً، فقالوا: ما جمع الله التوراة في قلبه وهو غلام إلا أنه ابنه، وقال الكلبيّ: إنّ بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل وقتل من قرأ التوراة وكان عزير إذ ذاك صغيراً فاستصغره فلم يقتله فلما رجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة فبعث الله تعالى عزيراً ليجدّد لهم التوراة ويكون لهم آية بعد ما أماته الله تعالى مائة سنة وأرسل إليه ملكاً بإناء فيه ماء فسقاه فمثلت التوراة في صدره فلما أتاهم وقال لهم: أنا عزير كذبوه وقالوا: إن كنت كما تزعم فاتل علينا التوراة فكتبها لهم من صدره ثم إنّ رجلاً منهم قال: إنّ أبي حدّثني أنّ التوراة جعلت في خابية ودفنت في كرم فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعارضوا بها ما كتبه عزير فلم يجدوه غادر حرفاً فقالوا: إنّ الله تعالى لم يقذف التوراة في قلب عزير إلا أنه ابنه فعند ذلك قالت اليهود: عزير ابن الله.u
وقرأ عاصم والكسائيّ عزير بالتنوين والباقون بغير تنوين، قال الزجاج: الوجه إثبات التنوين فقوله: عزير مبتدأ، وقوله: ابن خبره، وإذا كان كذلك فلا بدّ من التنوين في حال السعة لأنّ عزيراً ينصرف سواء كان عربياً أم عجمياً وسبب كونه منصرفاً أمران: أحدهما: أنه اسم خفيف فينصرف وإن كان أعجمياً كهود ولوط والثاني: أنه على صيغة التصغير وأنّ الأسماء الأعجمية لا تصغر. وأمّا الذين تركوا التنوين فلهم فيه أوجه: أحدها أنه أعجميّ معرفة فوجب أن لا ينصرف. وثانيها: قال الفرّاء: نون التنوين ساكنة من عزير والباء من ابن الله ساكنة فحصل ههنا التقاء الساكنين فحذف التنوين للتخفيف، وردّ هذا الوجه بأنه مخالف لما تقرّر من أن الوجه عند ملاقاة التنوين للساكن التحريك لا الحذف. وثالثها: أنّ الابن وصف والخبر محذوف والتقدير عزير بن الله معبودنا، وردّ هذا أيضاً بأنه يؤدّي إلى تسليم النسب وإنكار الخبر المقدّر لأنّ من أخبر عن ذات موصوفة بصفة بأمر من الأمور وأنكره منكر توجه الإنكار إلى الخبر فكان المقصود بالإنكار قولهم: عزير ابن الله معبودنا وحصل تسليم كونه ابن الله ومعلوم أن ذلك كفر.
﴿وقالت النصارى المسيح﴾ أي: عيسى ﴿ابن الله﴾ واختلف في السبب الذي قالوا ذلك لأجله فقيل: إنما قالوه استحالة لأن يكون ولد بلا أب، وقيل: إنّ النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع عيسى ﵊ يصلون إلى القبلة ويصومون رمضان حتى وقع بينهم وبين اليهود حرب وكان في اليهود رجل شجاع
следующие страницы →