← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

تعالى: ﴿إنه بما يعملون خبير﴾ وهو من أعظم المؤكدات فإنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده، ففيه وعد للمحسنين ووعيد للمكذبين الكافرين. ولما بين تعالى أمر الوعد والوعيد قال لنبيه ﷺ ﴿فاستقم﴾ ، أي: على دين ربك والعمل والدعاء إليه ﴿كما أمرت﴾ والأمر في ذلك للتأكيد فإنّه ﷺ كان على الاستقامة لم يزل عليها، فهو كقولك للقائم: قم حتى آتيك، أي: دم على ما أنت عليه من القيام حتى آتيك، وتوطيئة لقوله تعالى: ﴿ومن تاب معك﴾ ، أي: وليستقم أيضاً على دين الله والعمل بطاعته من آمن معك. قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ عنه روغان الثعلب، وأشار ﷺ إلى شدّة الاستقامة بقوله: «شيبتني هود وأخواتها» ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما نزلت على النبيّ ﷺ آية أشدّ ولا أشق من هذه الآية، وعن بعضهم: رأيت رسول الله ﷺ في النوم فقلت له: يروى عنك أنك قلت: «شيبتني هود» فقال: نعم. فقلت: بأيّ آية قال: «قوله تعالى ﴿فاستقم كما أمرت﴾ . وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحد غيرك؟ قال: «قل آمنت بالله ورسوله ثم استقم» . قال الإمام الرازي: إن هذه الآية أصل عظيم في الشريعة، وذلك لأنّ القرآن لما ورد بالأمر بأعمال الوضوء مرتبة في اللفظ وجب اعتبار الترتيب فيها لقوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ ولما ورد الأمر في الزكاة بأداء الإبل من الإبل والبقر من البقر وجب اعتبارها، وكذا القول في كل ما ورد أمر الله تعالى به انتهى. ولما كانت الاستقامة هي التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط نهى عن الإفراط بقوله تعالى: ﴿ولا تطغوا﴾ ، أي: لا تتجاوزوا الحد فيما أمرتم به أو نهيتم عنه بالزيادة إفراطاً، فإن الله تعالى إنما أمركم ونهاكم لتهذيب أنفسكم لا لحاجته إلى ذلك، ولن تطيقوا أن تقدروا الله حق قدره والدين متين لم يشادّه أحد إلا غلبه، كما ورد عن أبي هريرة ﵁ أنّ النبيّ ﷺ قال: «إنّ الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا ويسروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» ، فقوله ﷺ : إنّ الدين يسر ضدّ العسر أراد به التسهيل في الدين وترك التشديد فإنّ هذا الدين مع يسره وسهولته قوي فلن يغالب ولن يقاوى. وقوله وسدّدوا، أي: اقصدوا السداد في الأمور وهو الصواب وقاربوا، أي: اطلبوا المقاربة وهي القصد الذي لا غلوّ فيه ولا تقصير، والغدوة الرواح بكرة، والرواح الرجوع عشاء. والمراد منه: اعملوا بالنهار واعملوا بالليل أيضاً. وقوله: واستعينوا بشيء من الدلجة إشارة إلى تقليله، ولما نهى تعالى عن الإفراط وهو الزيادة تصريحاً أفهم النهي عن التفريط وهو النقص عن المأمور تلويحاً من باب أولى، ثم علل ذلك مؤكداً تنزيلاً لمن يفرط أو يفرّط منزلة المنكر فقال: ﴿إنه بما تعملون بصير﴾ ، أي: عالم بأعمالكم كلها لا يخفى عليه شيء منها فيجازيكم عليها. ﴿ولا تركنوا﴾ ، أي: تميلوا ﴿إلى الذين ظلموا﴾ أدنى ميل ﴿فتمسكم النار﴾ ، أي: تصيبكم بحرها والنهي متناول للانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومراقبتهم والرضا بأعمالهم والتشبيه بهم والتزيي بزيهم ومد العين إلى زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم، وتأمل قوله تعالى: ﴿ولا تركنوا﴾ فإنّ الركون هو الميل

стр. 737

اليسير. وحكي أنّ الموفق صلى خلف الإمام فقرأ بهذه الآية فغشي عليه فلما أفاق قيل له في ذلك فقال: هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم ولما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو الله لك ويرحمك، أصبحت شيخاً كبيراً وقد أثقلتك نعم الله تعالى بما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء قال الله : ﴿لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ (آل عمران، ١٨٧) واعلم أنّ أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم وسهلت سبيل الغيّ بدونك ممن لم يؤد حقاً ولم يترك باطلاً، حين أدناك اتخذوك قطباً تدور عليك رحى باطلهم وجسراً يعبرون عليك إلى ملاذهم وسلّماً يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما أعمروا لك في جنب ما خربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً﴾ (مريم، ٥٩) فإنك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل، فداوِ دينك فقد دخله سقم، وهيئ زادك فقد حضر السفر البعيد، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء والسلام. وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القرّاء الزائرون للملوك. وعن الأوزاعي ما من شيء أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور عاملاً، أي: من الظلمة. وعن محمد بن سلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء. قال ﷺ : «من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله في أرضه» . ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء فقال: لا فقيل له: يموت، فقال: دعه يموت. وقوله تعالى: ﴿وما لكم من دون الله من أولياء﴾ ، أي: أعواناً وأنصاراً يمنعوكم من عذابه حال من قوله: ﴿فتمسكم النار﴾ ، أي: فتمسكم النار وأنتم على هذه الحالة ﴿ثم لا تنصرون﴾ ، أي: لا تجدون من ينصركم ويخلصكم من عذاب الله في القيامة. ففي هذه الآية وعيد لمن ركن إلى الظلمة بأن تمسه النار فكيف يكون حال الظالم في نفسه. ولما أمر تعالى بالاستقامة أردفه بالأمر بالصلاة بقوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة﴾ وذلك يدلّ على أنّ أعظم العبادات بعد الإيمان بالله تعالى هو الصلاة وقوله تعالى: ﴿طرفي النهار﴾ الغداة والعشي، أي: الصبح والظهر والعصر. وقوله تعالى: ﴿وزلفاً﴾ جمع زلفةً، أي: طائفة ﴿من الليل﴾ ، أي: المغرب والعشاء ﴿إنّ الحسنات﴾ كالصلوات الخمس ﴿يذهبن﴾ ، أي: يكفرن ﴿السيئات﴾ ، أي: الذنوب الصغائر، لما رواه مسلم أنه ﷺ قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهنّ ما اجتنبت الكبائر» ، وزاد في رواية أخرى: «ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر» ، وعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «أرأيتم لو أنّ نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرّات ما تقولون هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يارسول الله، لا يبقى من درنه شيء.u فقال: ذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا» . وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرّات» . وعن الحسن أنّ الحسنات قول العبد: سبحان والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

стр. 738

وسبب نزول هذه الآية ما رواه الترمذي عن أبي اليسر بن عمر وقال: أتتني امرأة وزوجها بعثه النبيّ ﷺ في بعث فقالت: بعني بدرهم تمراً. قال: فأعجبتني فقلت: إنّ في البيت تمراً هو أطيب من هذا فالحقيني، فَدَخَلَتْ معي البيت فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحداً، فأتيت عمراً فذكرت له ذلك فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحداً، فأتيت النبيّ ﷺ فذكرت ذلك له فقال: «أخنت رجلاً غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا» حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظنّ أنه من أهل النار وأطرق رسول الله ﷺ طويلاً حتى أوحي إليه: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذلك ذكرى للذاكرين﴾ ، أي: عظة للمتقين. قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها عليّ رسول الله ﷺ فقال أصحاب رسول الله ﷺ ألهذا خاصة أم للناس عامّة؟ قال: «بل للناس عامّة» . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وعن عبد الله بن مسعود أنّ رجلاً أصاب من امرأة قبلة فأتى النبيّ ﷺ فذكر ذلك له فنزلت فقال رجل: يا رسول الله، ألهذا خاصة؟ فقال: «بل للناس كافة» . وعن معاذ بن جبل قال: أتى النبيّ ﷺ رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً لقي امرأة ليس بينهما معرفة وليس يأتي الرجل إلى امرأة شيئاً إلا قد أتى هو إليها إلا أنه لم يجامعها؟ قال: فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره النبيّ ﷺ أن يتوضأ ويصلي، فقال معاذ بن جبل فقلت: يا رسول الله، أهي له خاصة أم للمؤمنين عامّة؟ قال: «بل للمؤمنين عامّة» . قال العلماء: الصغائر من الذنوب تكفرها الأعمال الصالحة مثل الصلاة والصدقة والذكر والاستغفار ونحو ذلك من أعمال البر، وأمّا الكبائر من الذنوب فلا يكفرها إلا التوبة النصوح ولها ثلاث شرائط: الأوّل: الإقلاع عن الذنب بالكلية، الثاني: الندم على فعله، الثالث: العزم التام على أن لا يعود إليه في المستقبل، فإذا حصلت هذه الشرائط صحت التوبة وكانت مقبولة إن شاء الله تعالى والإشارة في قوله تعالى ﴿ذلك ذكرى﴾ إلى ما تقدّم ذكره من قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ إلى ههنا. وقيل: هو إشارة إلى القرآن. وقوله تعالى: ﴿واصبر﴾ خطاب للنبيّ ﷺ أي: واصبر يا محمد على أذى قومك أو على الصلاة وهو قوله تعالى: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليهافإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ ، أي: أجر أعمالهم. وعدل عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود ودليلاً على أنّ الصلاة والصبر إحسان وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص. ولما بيّن تعالى أنّ الأمم المتقدّمين حل بهم عذاب الاستئصال بين أنّ السبب فيه أمران، السبب الأوّل: أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد في الأرض فقال تعالى: ﴿فلولا﴾ ، أي: فهلا ﴿كان من القرون﴾ ، أي: من الأمم الماضية ﴿من قبلكم أولو بقية﴾ ، أي: أصحاب رأي وخير وفضل ﴿ينهون عن الفساد في الأرض﴾ وسمي الفضل والجود بقية؛ لأنّ الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصار مثلاً في الجودة والفضل، ويقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم وبه فسر بيت الحماسة: *إن تذنبوا ثم يأتيني بقيتكم ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا. ويجوز أن تكون البقية بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى، أي: فهلا كان منهم ذوو بقاء على أنفسهم

стр. 739

وصيانة لها من سخط الله تعالى وعقابه. فائدة: حكي عن الخليل أنه قال: كل ما في القرآن من كلمة لولا فمعناه هلا إلا التي في الصافات. قال صاحب «الكشاف» : وما صحت هذه الحكاية ففي غير الصافات ﴿لولا أن تداركه نعمة من ربه﴾ (القلم، ٤٩) ، ﴿ولولا رجال مؤمنون﴾ (الفتح، ٢٥) ، ﴿ولولا أن ثبتناك﴾ (الإسراء، ٧٤) انتهى. وقوله تعالى: ﴿إلا قليلاً ممن أنجينا منهم﴾ استثناء منقطع، معناه: ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون للنهي. السبب الثاني لنزول عذاب الاستئصال قوله تعالى: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، أي: ما نعموا فيه من الشهوات واهتموا بتحصيل أسبابها وأعرضوا عما وراء ذلك ﴿وكانوا مجرمين﴾ ، أي: كافرين. تنبيه: قوله تعالى: (واتبع الذين ظلموا) إن كان معناه واتبعوا الشهوات كان معطوفاً على مضمر؛ لأنّ المعنى إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد، وأتبع الذين ظلموا شهواتهم فهو عطف على نهوا، وإن كان معناه واتبعوا جزاء الاتراف فالواو للحال فكأنه قيل: أنجينا القليل وقد أتبع الذين ظلموا جزاءهم. وقوله تعالى: ﴿وكانوا مجرمين﴾ عطف على أترفوا، أي: اتبعوا الاتراف، وكونهم مجرمين؛ لأنّ تابع الشهوات مغمور بالآثام أو على اتبعوا، أي: اتبعوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك. ثم بيّن تعالى أنه ما أهلك أهل القرى بظلم بقوله تعالى: ﴿وما كان ربك ليهلك القرى بظلم﴾ ، أي: بشرك ﴿وأهلها مصلحون﴾ فيما بينهم، والمعنى: أنه لا يهلك أهل القرى بمجردّ كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم، والحال أنّ عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين الشرك بل إنما ينزل ذلك العذاب إذا أساؤوا في المعاملات وسعوا في الإيذاء والظلم، ولهذا قيل: إنّ حقوق الله تعالى مبناها على المسامحة والمساهلة، وحقوق العباد مبناها على الضيق والشح. ويقال في الأثر: الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم، وإنما نزل على قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عذاب الاستئصال لما حكى الله تعالى عنهم من إيذاء الناس وظلم الخلق ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمّة واحدة﴾ ، أي: أهل ملة واحدة وهي الإسلام كقوله تعالى ﴿إنّ هذه أمتكم أمة واحدة﴾ وفي هذه الآية دليل على أنّ الأمر غير الإرادة وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراده يجب وقوعه. والمعتزلة يحملون هذه الآية على مشيئة الإلجاء والإجبار، ولهذا قال الزمخشري: يعني لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل ملة واحدة ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، أي: على أديان شتى ما بين يهودي ونصراني ومجوسي ومشرك ومسلم، فكل أهل دين من هذه الأديان اختلفوا في دينهم أيضاً اختلافاً كثيراً لا ينضبط. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «تفترق اليهود على إحدى وسبعين فرقة» وفي رواية «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإنّ هذه الأمّة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة فثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة» . والمراد بهذه الفرق: أهل البدع والأهواء كالقدرية والمعتزلة والرافضة. والمراد بالواحدة: هي ملة السنة والجماعة الذين اتبعوا الرسول ﷺ في أقواله وأفعاله. فإن قيل: ما الدليل على أنّ الاختلاف في الأديان فلم لا يجوز أن يحمل على الاختلاف في الألوان والألسنة والأرزاق والأعمال؟ أجيب: بأنّ الدليل عليه ما قبل هذه

стр. 740

الآية وهو قوله تعالى: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمّة واحدة﴾ (هود، ١١٨) فيجب حمل الاختلاف على ما يخرجهم من أن يكونوا أمّة واحدة وما بعد هذه الآية وهو قوله تعالى: ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، أي: أراد لهم الخير فلا يختلفون فيه، فيجب حمل الاختلاف على معنى يصح أن يستثنى منه ذلك، وفي هذه الآية دلالة على أنّ الهداية والإيمان لا تحصل إلا بتخليق الله تعالى؛ لأنّ تلك الرحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب وإزاحة العذر، فإنّ كل ذلك حاصل في حق الكفار فلم يبق إلا أن يقال: تلك الرحمة هو أنه خلق فيهم تلك الهداية والمعرفة ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، أي: خلق أهل الاختلاف للاختلاف، وخلق أهل الرحمة للرحمة. روي عن ابن عباس أنه قال: خلق الله أهل الرحمة لئلا يختلفوا، وخلق أهل العذاب لأن يختلفوا، وخلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً، والحاصل: أنّ الله تعالى خلق أهل الباطل وجعلهم مختلفين، وخلق أهل الحق وجعلهم متفقين، فحكم على بعضهم بالاختلاف وهم أهل الباطل ومصيرهم إلى النار، وحكم على بعضهم بالاتفاق وهم أهل الحق ومصيرهم إلى الجنة، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك﴾ وهي ﴿لأملأنّ جهنم من الجنة﴾ ، أي: الجنّ ﴿والناس أجمعين﴾ وهذا صريح بأنّ الله تعالى خلق أقواماً للجنة والرحمة فهداهم ووفقهم لأعمال أهل الجنة، وخلق أقواماً للضلالة والنار فخذلهم ومنعهم من الهداية، ولما ذكر تعالى القصص الكثيرة في هذه السورة ذكر نوعين من الفائدة أوّلهما تثبيت الفؤاد بقوله تعالى: ﴿ وكلاً﴾ ، أي: وكل نبأ ﴿نقص عليك﴾ وقوله تعالى: ﴿من أنباء الرسل﴾ ، أي: نخبرك به بيان لكل. وقوله تعالى: ﴿ما نثبت به فؤادك﴾ بدل من كلاً، ومعنى تثبيت فؤاده: زيادة يقينه وطمأنينة قلبه وثبات نفسه على أداء الرسالة وعلى الصبر واحتمال الأذى، وذلك لأنّ الإنسان إذا ابتلي بمحنة وبلية فإذا رأى له فيه مشاركاً خف ذلك على قلبه كما يقال: المصيبة إذا عمت خفت، وإذا سمع الرسول ﷺ هذه القصص وعلم أنّ حال جميع الأنبياء مع أتباعهم هكذا سهل عليه تحمل الأذى من قومه وأمكنه الصبر عليه. الفائدة الثانية: قوله تعالى: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، أي: في السورة وعليه الأكثر، أو في هذه الأنباء المقتصة فيها. وقال الحسن: في هذه الدنيا. قال الرازي: وهذا بعيد غير لائق بهذا الموضع؛ لأنه لم يجر للدنيا ذكر حتى يعود الضمير لها. فإن قيل: قد جاءه الحق في غير هذه السورة بل القرآن كله حق وصدق؟ أجيب: بأنه إنما خصها بالذكر تشريفاً لها ﴿وموعظة وذكرى للمؤمنين﴾ وخصهم بالذكر لانتفاعهم بذلك بخلاف الكفار، فذكر تعالى أموراً ثلاثة: الحق والموعظة والذكرى، أمّا الحق فهو إشارة إلى البراهين الدالة على التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد، وأمّا الموعظة فهي إشارة إلى السفر عن الدنيا وتقبيح أحوالها، وأمّا الذكرى فهي إشارة إلى الإرشاد إلى الأعمال النافذة الصالحة في الدار الآخرة، ولما بلغ تعالى الغاية والإنذار والإعذار والترغيب والترهيب أتبع ذلك بأن قال لرسوله ﷺ ﴿وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم﴾ ، أي: حالتكم، وفيه وعيد وتهديد، وإن كانت صيغته صيغة الأمر فهو كقوله تعالى لإبليس: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك

стр. 741

ورجلك﴾ (الإسراء، ٦٤) وقرأ شعبة بعد النون بألف على الجمع والباقون بغير ألف على الإفراد ﴿إنا عاملون﴾ ، أي: على حالتنا التي أمرنا بها ربنا ﴿وانتظروا﴾ ، أي: ما يعدكم الشيطان به من الخذلان ﴿إنا منتظرون﴾ ، أي: ما يحل بكم من نقم الله تعالى وعذابه نحو ما نزل على أمثالكم، وقيل: إنا منتظرون ما وعدنا الرحمن من أنواع الغفران والإحسان، ثم إنه تعالى ذكر خاتمة شريفة عالية جامعة لكل المطالب الشريفة المقدّسة فقال: ﴿ولله غيب السموات والأرض﴾ ، أي: علم ما غاب فيهما فعلمه نافذ في جميع مخلوقاته خفيها وجليها ﴿وإليه﴾ أي لا إلى غيره ﴿يرجع الأمر كله﴾ ، أي: إليه يرجع أمر الخلق كلهم في الدنيا والآخرة، وقرأ نافع وحفص بضم الياء وفتح الجيم على البناء للمفعول، والباقون بفتح الياء وكسر الجيم. ولما كان أوّل درجات السير إلى الله تعالى عبوديته وآخرها التوكل عليه قال تعالى: ﴿فاعبده﴾ ولا تشتغل بعبادة غيره ﴿وتوكل عليه﴾ ، أي: ثق به في جميع أمورك فإنه كافيك ﴿وما ربك بغافل عما تعملون﴾ فيحفظ على العباد أعمالهم لا يخفى عليه شيء منها فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة. فائدة: قال كعب الأحبار خاتمة التوراة خاتمة سورة هود. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة هود أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بنوح ومن كذب به وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وكان يوم القيامة من السعداء» حديث موضوع. سورة يوسف ﵇ مكية كلها مائة وإحدى عشرة آية وعدد كلماتها ألف وتسعمائة وست وتسعون كلمة وعدد حروفها سبعة آلاف ومائة وستة وسبعون حرفاً. ﴿بسم الله﴾ الذي وسع كل شيء قدرة وعلماً ﴿الرحمن﴾ لجميع خلقه المبين لهم طريق الهدى ﴿الرحيم﴾ الذي خص حزبه بالإبعاد عن مواطن الردى وقوله تعالى: ﴿الر﴾ تقدّم الكلام على أوائل السور أوّل سورة البقرة، وقرأ ورش بالإمالة بين بين، وأبو عمرو وابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، والباقون بالفتح، واختلف في سبب نزول هذه السورة فعن سعيد بن جبير أنه قال: لما أنزل القرآن على رسول الله ﷺ فكان يتلوه على قومه فقالوا: يا رسول الله لوقصصت علينا، فنزلت هذه السورة، فتلاها عليهم فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا فنزل ﴿الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني﴾ فقالوا: لو ذكرتنا فنزل: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ (الحديد ١٦) ، وعن ابن عباس أنه قال: سألت اليهود النبيّ ﷺ فقالوا: حدّثنا عن أمر يعقوب وولده وشأن يوسف، فنزلت هذه السورة، وقوله تعالى: ﴿تلك﴾ إشارة إلى آيات هذه السورة، أي: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة المسماة بالر هي ﴿آيات الكتاب﴾ ، أي: القرآن ﴿المبين﴾ ، أي: المبين فيه الهدى والرشد والحلال والحرام المظهر للحق من الباطل الذي ثبت فيه قصص الأوّلين والآخرين، وشرحت فيه أحوال المتقدّمين. ﴿إنا أنزلناه﴾ ، أي: الكتاب ﴿قرآناً عربياً﴾ ، أي: بلغة العرب لكي يعلموا معانيه ويفهموا ما فيه. روي أنّ علماء اليهود قالوا

стр. 742

لكبراء المشركين اسألوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟ وعن كيفية قصة يوسف، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وذكر فيها أنه تعالى عبّر عن هذه القصة بألفاظ عربية ليتمكنوا من فهمها، والتقدير أنا أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف حال كونه قرآناً عربياً، وسمي بعض القرآن قرآناً؛ لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض ﴿لعلكم﴾ يا أهل مكة ﴿تعقلون﴾ ، أي: إرادة أن تفهموا أو تحيطوا بمعانيه، ولا يلتبس عليكم ﴿ولو جعلناه قرآنا أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته﴾ (يوسف، ٤٤) . واختلف العلماء هل في القرآن شيء بغير العربية؟ فقال أبو عبيدة: من زعم أنّ في القرآن لساناً غير العربية فقد أعظم على الله القول واحتج بهذه الآية ﴿إنا أنزلناه قرآناً عربياً﴾ وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة أنّ فيه من غير لسان العرب من سجيل ومشكاة وأليم وإستبرق، وجمع بعض المفسرين بين القولين بأنّ هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب ودارت على ألسنتهم صارت عربية فصيحة وإن كانت غير عربية في الأصل لكنهم لما تكلموا بها نسبت إليهم وصارت لهم لغة وهو جمع حسن. ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ ، أي: أحسن الاقتصاص؛ لأنه اقتص على أبدع الأساليب، والقصص اتباع الخبر بعضه بعضاً، وأصله في اللغة من قص الأثر إذا اتبعه، وإنما سميت الحكاية قصة؛ لأنّ الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئاً فشيئاً، والمعنى: أنا نبين لك يا محمد أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية أحسن البيان، أو قصة يوسف ﵇ خاصة، وسماها أحسن القصص لما فيها من العبر والحكم والنكت والفوائد التي تصلح للدين والدنيا وما فيها من سير الملوك والمماليك والغلمان ومكر النساء والصبر على إيذاء الأعداء وحسن التجاوز عنهم بعد اللقاء وغير ذلك. قال خالد بن معدان في سورة يوسف ومريم: يتفكه فيهما أهل الجنة في الجنة. وقال ابن عطاء: لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها ﴿بما﴾ ، أي: بسبب ما ﴿أوحينا﴾ ، أي: بإيحائنا ﴿إليك﴾ يا محمد ﴿هذا القرآن﴾ الذي قالوا فيه أنه مفترى، فنحن نتابع القصص القصة بعد القصة حتى لا يشك شاك ولا يمتري ممتر أنه من عند الله ﴿وإن كنت من قبله﴾ ، أي: إيحائنا إليك أو هذا القرآن ﴿لمن الغافلين﴾ ، أي: عن قصة يوسف وإخوته؛ لأنه ﷺ إنما علم ذلك بالوحي، وقيل لمن الغافلين عن الدين والشريعة، وإن هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية وقوله تعالى: ﴿إذ قال يوسف لأبيه﴾ بدل من ﴿أحسن القصص﴾ أو منصوب بإضمار اذكر، ويوسف اسم عبري، وقيل: عربي، وردّ بأنه لو كان عربياً لصرف، وسئل أبو الحسن الأقطع عن يوسف فقال: الأسف في اللغة الحزن، والأسيف العبد، واجتمعا في يوسف فسمي به، وعن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» وقوله ﴿يا أبت﴾ أصله يا أبي فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في الزيادة، ولذلك قلبها ابن كثير وابن عامر هاء في الوقف، ووقف الباقون بالتاء كالرسم، وفي الوصل بالتاء للجميع، وفتح التاء في الوصل ابن عامر، وكسرها الباقون ﴿إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمسم والقمر﴾ قال أهل التفسير: رأى يوسف ﵊ في منامه، وكان ابن اثنتي عشرة، سنة، وقيل: سبع عشرة، وقيل: سبع سنين

стр. 743

منه﴾ أي: ثواب عظيم هو رحمته لهم لا بشيء استوجبوه ﴿وفضل﴾ أي: إحسان زائد عليه ﴿ويهديهم﴾ أي: في الدنيا والآخرة ﴿إليه صراطاً مستقيماً﴾ أي: طريقاً مستقيماً وهو الإسلام والطاعة في الدنيا والجنة في الآخرة. ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالاوَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ﴾ ﴿يستفتونك﴾ أي: في الكلالة حذف لدلالة الجواب عليه. روي أن جابر بن عبد الله قال: «عادني رسول الله ﷺ وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب عليّ من وضوئه فعقلت وقلت: يا رسول الله لمن الميراث وإنما يرثني كلالة» فنزل: ﴿يستفتونك﴾ ﴿قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ وقد تقدّم معنى الكلالة وحكم الآية في أوّل السورة وفي هذه الآية بيان حكم ميراث الأخوة للأب والأم أو للأب، وقوله تعالى: ﴿إنّ امرؤ﴾ هو مرفوع بفعل يفسره ﴿هلك﴾ أي: مات ﴿ليس له ولد﴾ أي: ولا والد وهو الكلالة، قال الأصبهاني عن الشعبي: اختلف أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في الكلالة فقال أبو بكر: هو ما عدا الوالد، وقال عمر: ما عدا الوالد والولد ثم قال عمر: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر وقوله تعالى: ﴿وله أخت﴾ يحتمل الحال والعطف والمراد بالأخت الأخت من الأبوين أو الأب لأنه جعل أخوها عصبة والذي لأم لا يكون عصبة والولد يشمل الذكر والأنثى فإنّ الأخت وإن ورثت مع البنت قد لا ترث النصف وذلك عند تعدد البنت ﴿فلها نصف ما ترك وهو﴾ أي: هذا الأخ للميت ﴿يرثها﴾ أي: إن ماتت هي وبقي هو جميع مالها ﴿إن لم يكن لها ولد﴾ فإن كان لها ولد ذكر فلا شيء له أو أنثى فله ما فضل عن نصيبها ولو كانت الأخت أو الأخ من الأم ففرضه السدس كما مرّ أوّل السورة ﴿فإن كانتا﴾ أي: الأختان ﴿اثنتين﴾ أي: فصاعداً لأنها نزلت في جابر وقد مات عن أخوات ﴿فلهما الثلثان مما ترك﴾ أي: الأخ ﴿وإن كانوا﴾ أي: الورثة ﴿إخوة رجالاً ونساءً فللذكر﴾ منهم ﴿مثل حظ الأنثيين يبيّن الله لكم﴾ أي: ولم يكلكم في بيانه إلى بيان غيره، وقال مرغباً مرهباً ﴿أن﴾ أي: كراهة أن ﴿تضلوا﴾ وقيل: لئلا تضلوا فحذف لا وهو قول الكوفيين، وقيل: يبيّن الله لكم ضلالكم أي: الذي من شأنكم أي: إذا خليتم وطباعكم لتحترزوا عنه وتتحروا خلافه ﴿والله بكل شيء عليم﴾ فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات ومنه الميراث.

стр. 744

الله فليحمد الله عليها وليحدث بها وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضرّه» . وعن أبي رزين العقيلي أنّ رسول الله ﷺ قال: «رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءاً من النبوّة، وهي على رجل طائر ما لم يحدّث بها فإذا حدّث بها سقطت» قال: وأحسبه قال: «ولا يحدّث بها إلا لبيباً أو حبيباً» وإنما أضيفت الرؤيا المحبوبة إلى الله إضافة تشريف بخلاف الرؤيا المكروهة وإن كانتا جميعاً من خلق الله تعالى وتدبيره وإرادته ولا فعل للشيطان فيهما، ولكنه يحضر المكروهة ويرتضيها، فيستحب إذا رأى الشخص في منامه ما يحب أن يحدّث به من يحب، وإذا رأى ما يكره فلا يحدّث به وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم من شرها، وليتفل ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الآخر فإنها لا تضرّه، فإنّ الله تعالى جعل هذه الأسباب سبباً لسلامته من المكروه كما جعل الصدقة سبباً لوقاية المال. قال الحكماء: إنّ الرؤيا الرديئة يظهر تعبيرها عن قريب والرؤيا الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حين، قالوا: والسبب فيه أن رحمة الله تعالى تقتضي أن لا يحصل الإعلام بوصول الشر إلا عند قرب وصوله حتى يكون الحزن والغم أقل، وأمّا الإعلام بالخير فإنه يحصل متقدّماً على ظهوره بزمن طويل حتى تكون البهجة الحاصلة بسبب توقع حضور ذلك الخير أكثر وأتم، ولهذا لم تظهر رؤيا يوسف ﵇ إلا بعد أربعين سنة، وهو قول أكثر المفسرين، وقال الحسن البصري: كان بينهما ثمانون سنة حتى اجتمع على أبويه وإخوته وخروا له ساجدين. ﴿وكذلك﴾ ، أي: وكما اجتباك ربك للاطلاع على هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز وكمال نفس ﴿يجتبيك﴾ ، أي: يختارك ويصطفيك ﴿ربك﴾ بالدرجات العالية واجتباء الله تخصيصه بفيض إلهي يحصل منه أنواع الكرامات بلا سعي من العبد، وذلك مخصوص بالأنبياء وبعض من يقاربهم من الصدّيقين والشهداء والصالحين وقوله: ﴿ويعلمك﴾ كلام مستأنف خارج عن التشبيه والتقدير وهو يعلمك ﴿من﴾ ، أي: بعض ﴿تأويل الأحاديث﴾ من تأويل الرؤيا وغيرها من كتب الله تعالى والأخبار المروية عن الأنبياء المتقدّمين، وكان يوسف ﵇ في تعبير الرؤيا وغيرها غاية، والتأويل ما تؤل إليه عاقبة الأمر ﴿ويتم نعمته عليك﴾ بالنبوّة. قال ابن عباس: لأنّ منصب النبوّة، أي: ومع الرسالة أعلى من جميع المناصب، وكل الخلق دون درجة الأنبياء، فهذا من تمام النعمة عليهم؛ لأنّ جميع مناصب الخلق دون منصب الرسالة والنبوّة فالكمال المطلق والتمام المطلق في حق البشر ليس إلا النبوّة والرسالة، وقيل: يجتبيك بالنبوّة ويتم نعمته عليك بسعادات الدنيا وسعادات الآخرة، أمّا سعادات الدنيا فالإكثار من الأولاد والخدم والأتباع والتوسع في المال والجاه والإجلال في قلوب الخلق وحسن الثناء والحمد، وأمّا سعادات الآخرة فالعلوم الكثيرة والأخلاق الفاضلة والاستغراق في معرفة الله تعالى ﴿وعلى آل يعقوب﴾ ، أي: أولاده وهذا يقتضي حصول تمام النعمة لآل يعقوب، وتمام النعمة هو النبوّة والرسالة كما مرّ فلزم حصولها لآل يعقوب وأيضاً أن يوسف ﵇ قال: إني رأيت أحد عشر كوكباً وكان تأويله أحد عشر نفساً لهم فضل وكمال ويستضىء بعلمهم ودينهم أهل الأرض؛ لأنه لا شيء أضوأ

стр. 745

من الكواكب وبها يهتدي، وذلك يقتضي أن تكون جملة أولاد يعقوب أنبياء ورسلاً. فإن قيل: كيف يجوز أن يكونوا أنبياء وقد أقدموا على ما أقدموا عليه في حق يوسف ﵇؟ أجيب: بأنّ ذلك وقع منهم قبل النبوّة، والعصمة من المعاصي إنما تعتبر بعد النبوّة لا قبلها على خلاف فيه. ﴿كما أتمها على أبويك﴾ بالنبوّة والرسالة، وقيل: إتمام النعمة على إبراهيم ﵇ خلاصه من النار واتخاذه خليلاً، وعلى إسحاق خلاصه من الذبح وفداؤه بذبح عظيم على قول أن إسحاق هو الذبيح. ﴿من قبل﴾ ، أي: من قبل هذا الزمان وقوله: ﴿إبراهيم وإسحاق﴾ عطف بيان لأبويك ثم إن يعقوب ﵇ لما وعده بهذه الدرجات الثلاثة ختم الكلام بقوله: ﴿إن ربك عليم﴾ ، أي: بليغ العلم ﴿حكيم﴾ ، أي: بليغ الحكمة وهي وضع الأشياء في أتقن مواضعها. ﴿لقد كان في﴾ خبر ﴿يوسف وإخوته﴾ وهم أحد عشر؛ يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وزبلون قال البقاعي: بزاي وباء موحدة ويشجر وأمّهم ليا بنت ليان وهي ابنة خال يعقوب وولد له من سريتين إحداهما زلفى، والأخرى يلقم كذا قاله البغويّ. وقال الرازي: والأخرى بلهمة أربعة أولاد وأسماؤهم دان ونفتالى؛ قال البقاعي: بنون مفتوحة وفاء ساكنة ومثناة فوقية ولام بعدها ياء، وجاد وأشر، ثم توفيت ليا فتزوّج بأختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين، وقيل: جمع بينهما ولم يكن الجمع محرماً حينئذٍ ﴿آيات﴾ ، أي: علامات ودلائل على قدرة الله تعالى وحكمته في كل شيء ﴿للسائلين﴾ عن قصصهم. قال الرازيّ: ولمن لم يسأل عنها وهو كقوله تعالى: ﴿في أربعة أيام سواء للسائلين﴾ (فصلت، ١٠) وقيل: آيات على نبوّة محمد ﷺ وذلك أنّ اليهود سألوه عن قصة يوسف، وقيل: سألوه عن سبب انتقال ولد يعقوب من أرض كنعان إلى أرض مصر فذكر لهم قصة يوسف فوجدوها موافقة لما في التوراة، فعجبوا منه فكان دلالة على نبوّته ﷺ لأنه لم يقرأ الكتب المتقدّمة ولم يجالس العلماء وأصحاب الأخبار، ولم يأخذ عنهم شيئاً، فدل ذلك على أنّ ما يأتي به وحي سماوي أوحاه الله تعالى إليه وعرفه به، وهذه السورة تشتمل على أنواع من العبر والمواعظ والحكم منها رؤيا يوسف ﵇ وما حقق الله تعالى فيها من حسد إخوته وما آل إليه أمره من الملك، ومنها ما اشتمل على حزن يعقوب وصبره على فقد ولده وما آل إليه أمره من بلوغ المراد، وغير ذلك من الآيات التي إذا فكر فيها الإنسان اعتبر، وقرأ ابن كثير ﴿آية﴾ على التوحيد، والباقون على الجمع. ﴿إذ﴾ ، أي: واذكر إذ ﴿قالوا﴾ ، أي: بعض إخوة يوسف لبعض بعد أن بلغتهم الرؤيا وقالوا: ما يرضى أن تسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه ﴿ليوسف وأخوه﴾ ، أي: بنيامين ﴿أحب إلى أبينا منا﴾ اللام لام الابتداء وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة أردوا أنّ زيادة محبته لهما أمر ثابت لا شبهة فيه، وخبر المبتدأ أحب ووحد؛ لأن أفعل يستوي فيه الواحد وما فوقه مذكراً كان أو مؤنثاً إذا لم يعرّف أو لم يضف، وقيل: اللام لام قسم تقديره والله ليوسف، وإنما قالوا: وأخوه وهم جميعاً إخوته؛ لأنّ أمّهما كانت واحدة، والواو في قولهم: ﴿ونحن عصبة﴾ واو الحال، أي: يفضلهما في المحبة علينا وهما اثنان صغيران لا كفاية فيهما ولا منفعة، ونحن جماعة أقوياء نقوم بمرافقه فنحن أحق بزيادة المحبة منهما لفضلنا بالكثرة

стр. 746

والمنفعة عليهما، والعصبة والعصابة العشرة فما فوقها. وقيل: إلى الأربعين سموا بذلك؛ لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور ويستكفى بهم النوائب ﴿إنّ أبانا لفي ضلال﴾ ، أي: خطأ ﴿مبين﴾ ، أي: بيّن في إيثاره حب يوسف وأخيه علينا والقرب المقتضي للحب في كلنا واحد؛ لأنّا في البنوّة سواء ولنا مزية تقتضي تفضيلنا وهي إنا عصبة لنا من النفع له والذّب عنه والكفاية ما ليس لهما. تنبيه: هاهنا سؤالات: الأوّل: إنّ من المعلوم أنّ تفضيل بعض الأولاد على بعض يورث الحقد والحسد فلم أقدم يعقوب ﵇ على ذلك؟ أجيب: بأنه إنما فضلهما في المحبة والمحبة ليست في وسع البشر فكان معذوراً فيها ولا يلحقه في ذلك لوم. الثاني: كيف اعترضوا على أبيهم وهم يعلمون أنه نبيّ وهم مؤمنون به؟ وأجيب: بأنهم وإن كانوا مؤمنين بنبوّته لكن جوّزوا أن يكون فعله باجتهاد، ثم أنّ اجتهادهم أدّى إلى تخطئة أبيهم في ذلك الاجتهاد لكونهم أكبر سناً وأكثر نفعاً وغاب عنهم أنّ تخصيصهما بالبرّ كان لوجوه: أحدها: أنّ أمّهما ماتت، ثانيها: أنه كان في يوسف من آثار الرشد والنجابة ما لم يجده في سائر أولاده، ثالثها: أنه وإن كان صغيراً إلا أنه كان يخدم أباه بأنواع من الخدمة أعلى وأشرف مما كان يصدر عن سائر أولاده، والحاصل أنّ هذه المسألة كانت اجتهادية وكانت مخلوطة بميل النفس وموجبات الفطرة فلا يلزم من وقوع الاختلاف فيها طعن أحد الخصمين في دين الآخر. الثالث: أنهم نسبوا أباهم إلى الضلال عن رعاية مصالح الدنيا والبعد عن طريق الرشد لا الضلال في الدين. الرابع: أنّ قولهم: ﴿ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا﴾ محض حسد، والحسد من أمّهات الكبائر لا سيما وقد أقدموا بسبب ذلك الحسد على أمورٍ مذمومة منها قولهم: ﴿اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً﴾ ، أي: بحيث يحصل اليأس من اجتماعه بأبيه، ومنها القاؤه في ذل العبودية، ومنها أنهم أبقوا أباهم في الحزن الدائم والأسف العظيم، ومنها إقدامهم على الكذب وكل ذلك يقدح في العصمة والنبوّة؟ أجيب: بما تقدّم أنّ ذلك كان قبل النبوّة، وقرأ نافع وابن كثير وهشام والكسائي بضم التنوين من مبين في الوصل، والباقون بالكسر، فإن وقف القارئ على مبين وامتحن في الابتداء يبتدئ بالضم للجميع، وقولهم: ﴿يخل لكم وجه أبيكم﴾ جواب الأمر، أي: يصف لكم وجه أبيكم فيقبل بكليته عليكم ولا يلتفت عنكم إلى غيركم ولا ينازعكم في محبته أحد، وقولهم: ﴿وتكونوا﴾ مجزوم بالعطف على يخل لكم أو منصوب بإضمار أن ﴿من بعده﴾ ، أي: قتل يوسف أو طرحه ﴿قوماً صالحين﴾ بأن تتوبوا إلى الله تعالى بعد فعلكم فإنه يعفو عنكم، وقال مقاتل: يصلح أمركم فيما بينكم وبين أبيكم. ﴿قال قائل منهم﴾ هو يهوذا وكان أحسنهم رأياً فيه، وهو الذي قال: ﴿فلن أبرح الأرض﴾ (يوسف، ٨٠) وقيل: روبيل وكان أكبرهم سناً ﴿لا تقتلوا يوسف وألقوه﴾ ، أي: اطرحوه ﴿في غيابت الجب﴾ ، أي: في أسفله وظلمته، والغيابة كل موضع ستر شيئاً وغيبه عن النظر قال القائل: *فإن أنا يوماً غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها، والجب البئر الكبيرة التي ليست مطوية سميت جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء غير القطع من طيّ أو ما أشبهه، وإنما ذكر الغيابة مع الجب دلالة على

стр. 747

أن المشير أشار بطرحه في موضع مظلم من الجب لا يلحقه نظر الناظرين. قال بعض أهل العلم: إنهم عزموا على قتله وعصمه الله تعالى رحمة بهم ولو فعلوا لهلكوا أجمعين، واختلف في موضع ذلك الجب، فقال قتادة: هو ببيت المقدس وقال وهب: هو بأرض الأردن. وقال مقاتل: هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. وقرأ نافع بألف بين الباء والتاء على الجمع والباقون بغير ألف على التوحيد ﴿يلتقطه﴾ ، أي: يأخذه ﴿بعض السيارة﴾ جمع سيار، أي: المبالغ في السير، وذلك الجب كان معروفاً يرد عليه كثير من المسافرين، فإذا أخذوه ذهبوا به إلى ناحية أخرى فنستريح منه ﴿إن كنتم فاعلين﴾ ، أي: ما أردتم من التفريق فاكتفوا بذلك ولما أجمعوا على التفريق بين يوسف وأبيه بضرب من الحيل. ﴿قالوا﴾ إعمالاً للحيلة في الوصول إليه مستفهمين على وجه التعجب؛ لأنه كان أحس منهم السوء فكان يحذرهم عليه ﴿يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف و﴾ الحال ﴿إنا له لناصحون﴾ ، أي: قائمون بمصلحته وحفظه. تنبيه: اتفق القراء على إخفاء النون الساكنة عند النون المتحرّكة واتفقوا أيضاً على إدغامها مع الإشمام. ﴿أرسله معنا غداً﴾ ، أي: إلى الصحراء ﴿نرتع﴾ ، أي: نتسع في أكل الفواكه ونحوها وأصل الرتع أكل البهائم في الخصب في زمن الربيع ويستعار للإنسان إذا أريد به الأكل الكثير ﴿ونلعب﴾ روي أنه قيل لأبي عمرو: كيف يقولون نلعب وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يومئذ أنبياء، وأيضاً جاز أن يكون المراد باللعب الإقدام على المباحات لأجل انشراح الصدر كما روي أنه ﷺ قال لجابر: «فهلا بكراً تلاعبها، وتلاعبك» وأيضاً كان لعبهم الاستباق والانتضال والغرض منه المحاربة والمقاتلة مع الكفار، والدليل عليه قولهم ﴿إنا ذهبنا نستبق﴾ وإنما سموه لعباباً لأنه في صورته. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنون فيهما، والباقون بالياء، وسكن العين أبو عمرز وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وكسرها الباقون في الوصل، ولقنبل وجه آخر وهو أنه يثبت الياء في نرتع بعد العين وقفاً ووصلاً ﴿وإنا له لحافظون﴾ ، أي: بليغون في الحفظ له حتى نردّه إليك سالماً. قال أبو حيان: وانتصب ﴿غداً﴾ على الظرف وهو ظرف مستقبل يطلق على اليوم الذي يلي يومك وعلى الزمن المستقبل من غير تقييد، وأصل غداً غدو فحذفت الواو انتهى. ثم إنّ يعقوب ﵇ اعتذر لهم بعذرين الأوّل: ما حكاه الله تعالى عنه بقوله: ﴿قال إني ليحزنني أن تذهبوا به﴾ ، أي: ذهابكم به، والحزن هنا ألم القلب بفراق المحبوب؛ لأنه كان لا يقدر أن يصبر عنه ساعة، وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي، والباقون بفتح الياء وضم الزاي، والثاني: قوله: ﴿وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون﴾ بالرتع واللعب أو لقلة اهتمامكم به، وكان يعقوب ﵇ رأى في النوم أنّ الذئب شدّ على يوسف فكان يحذره فمن أجل هذا ذكر ذلك، وكأنه لقنهم العلة، وفي أمثال العرب البلاء موكل بالمنطق، والمراد به الجنس، وكانت أرضهم كثيرة الذئاب. ﴿قالوا﴾ مجيبين عن الثاني بما يلين الأب لإرساله مؤكدين لتطييب خاطره دالين على القسم بلامه ﴿لئن أكله الذئب ونحن﴾ ، أي: والحال أنَّا ﴿عصبة﴾ ، أي: جماعة عشرة رجال بمثلهم تعصب الأمور وتكفى الخطوب، وأجابوا عن القسم بما أغنى عن جواب الشرط

стр. 748

بقولهم ﴿إنّا إذاً﴾ ، أي: إذا كان هذا ﴿لخاسرون﴾ ، أي: كاملون في الخسارة؛ لأنا إذا ضيّعنا أخانا فنحن لما سواه من أموالنا أشد تضييعاً، وأعرضوا عن جواب الأول؛ لأن حقدهم وغيظهم كان بسبب العذر الأوّل وهو شدّة حبه له، فلما سمعوا ذلك المعنى تغافلوا عنه وأقله أن يقولوا: ما وجه الشح بفراقه يوماً والسماح بفراقنا كل يوم. وقرأ الذيب ورش والسوسي والكسائي بإبدال الهمزة ياء وقفاً ووصلاً، وحمزة وقفاً لا وصلاً، والباقون بالهمزة وقفاً ووصلاً. وقوله تعالى: ﴿س١٢ش١٥/ش٢٠ فَلَمَّا ذَهَبُوا? بِهِ? وَأَجْمَعُو?ا? أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَتِ الْجُبِّ? وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَاذَا وَهُمْ يَشْعُرُونَ * وَجَآءُو? أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ * قَالُوا? يَا?أَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ? وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَآءُو عَلَى قَمِيصِهِ? بِدَمٍ كَذِبٍ? قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا? فَصَبْرٌ جَمِيلٌ? وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ * وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا? وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ?? قَالَ يَابُشْرَى هَاذَا غُلَامٌ? وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً? وَاللَّهُ عَلِيمُ? بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا? فِيهِ مِنَ الزاهِدِينَ﴾ ﴿فلما ذهبوا به﴾ فيه إضمار واختصار تقديره فأرسله معهم فلما ذهبوا به ﴿وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب﴾ ، أي: وعزموا على إلقائه فيها ولا بدّ من تقدير جواب، وهو فجعلوه فيها وحذف الجواب في القرآن كثير بشرط أن يكون المذكور دليلاً عليه وهنا كذلك، قال وهب وغيره من أهل السير والأخبار: إن إخوة يوسف قالوا له: ما تشتاق أن تخرج معنا إلى مواشينا فتصيد وتستبق؟ قال: بلى. قالوا: فاسأل أباك أن يرسلك معنا قال يوسف: أفعل، فدخلوا جميعاً على أبيهم وقالوا: يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج معنا إلى مواشينا، فقال يعقوب: ما تقول يا بنيّ؟ قال: نعم يا أبت إني أرى من إخوتي اللين واللطف فأحب أن تأذن لي، وكان يعقوب ﵊ يكره مفارقته ويحب مرضاته، فأذن له فأرسله معهم، فلما خرجوا من عند أبيهم جعلوا يحملونه على رقابهم وأبوهم ينظر إليهم، فلما بعدوا عنه وصاروا إلى الصحراء ألقوه على الأرض وأظهروا له ما في أنفسهم من العداوة وأغلظوا له القول وجعلوا يضربونه فجعلوا كلما جاء إلى واحد منهم واستغاث به يضربه فلم ير منهم رحيماً فضربوه حتى كادوا يقتلونه وهو يصيح يا أبتاه ويا يعقوب لو رأيت يوسف وما نزل به من إخوته لأحزنك ذلك وأبكاك يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك وجعل يبكي بكاء شديداً، فأخذه روبيل فجلد به الأرض، ثم جلس على صدره وأراد قتله فقال له: مهلاً يا أخي لا تقتلني فقال له: يا ابن راحيل أنت صاحب الأحلام الكاذبة قل لرؤياك تخلصك من أيدينا، ولوى عنقه، فاستغاث يوسف بيهوذا، وقال له: اتق الله فيّ وحل بيني وبين من يريد قتلي فأدركته رحمة ورقة، فقال يهوذا: يا إخوتاه ما على هذا عاهدتموني، فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فيه، فجاؤوا به على بئر على غير الطريق واسع الأسفل ضيق الرأس، فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إِخوتاه ردّوا عليّ قميصي أستتر به في الجب فقالوا: ادع الشمس والقمر والكواكب تخلصك وتؤنسك فقال: إني لم أر شيئاً فألقوه فيها، وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة كانت في البئر فقام عليها فنادوه فظنّ أنها رحمة أدركته فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة ليقتلوه، فمنعهم يهوذا من ذلك وكان يهوذا يأتيه بالطعام وبقي فيها ثلاث ليال. ﴿وأوحينا إليه﴾ في الجب في صغره وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها كما أوحى إلى يحيى وعيسى ﵉ في صغرهما، وفي القصص أنّ إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار جرّد عن ثيابه فأتاه جبريل ﵇ بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه ودفعه إبراهيم ﵇ إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب، فجعله يعقوب في تميمة علقها بيوسف فأخرجها جبريل وألبسه إياها ﴿لتنبئنهم﴾ ، أي: لتخبرنهم بعد هذا اليوم

стр. 749

﴿بأمرهم﴾ ، أي: بصنعهم ﴿هذا وهم لا يشعرون﴾ ، أي: أنك يوسف لعلوّ شأنك وبعده عن أوهامهم وطول العهد المغير للهيئات كما قال تعالى: ﴿فعرفهم وهم له منكرون﴾ (يوسف، ٥٨) والمقصود من ذلك تقوية قلبه وأنه سيخلص مما هو فيه من المحنة، ويصير مستولياً عليهم، ويصيرون تحت أمره ونهيه وقهره. روي أنهم لما دخلوا عليه لطلب الحنطة عرفهم وهم له منكرون ودعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطنّ فقال: إنه ليخبرني هذا الجام إنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف فطرحتموه وقلتم لأبيكم: أكله الذئب، وقيل: لا يشعرون بإيحائنا إليك وأنت في البئر بأنك ستخبرهم بصنيعهم هذا، والفائدة في إخفاء ذلك الوحي عنهم أنهم لو عرفوه فربما ازداد حسدهم وكانوا يقصدون قتله، وقيل: إنّ المراد من هذا الوحي الإلهام كما في قوله تعالى ﴿وأوحينا إلى أمّ موسى﴾ (القصص، ٧) وقوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ (النحل، ٦٨) ﴿و﴾ لما كان من المعلوم أنه ليس بعد هذا الفعل الذي فعلوه إلا الاعتذار ﴿جاؤوا أباهم﴾ دون يوسف ﴿عشاءً﴾ في ظلمة الليل لئلا يتفرس أبوهم في وجوههم إذا رآها في ضياء النهار ضدّ ما جاؤوا به من الاعتذار وقد قيل: لا تطلب الحاجة في الليل فإنّ الحياء في العينين ولا تعتذر بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار ﴿يبكون﴾ والبكاء جريان الدمع من العين، والآية تدل على أنه لا يدل على الصدق لاحتمال التصنع، روي أنّ امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي فقال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة كذبة لا ينبغي للإنسان أن يقضي إلا بالحق فعند ذلك فزع يعقوب ﵇ فقال: هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا. قال: فما فعل يوسف؟. ﴿قالوا يا أبانا إنّا ذهبنا نستبق﴾ قال الزجاج: يسابق بعضنا بعضاً في الرمي، ومنه قوله ﵊: «لا سبق إلا في خف أو نضل أو حافر» يعني بالنضل الرمي، وقيل: العدو لنتبين أينا أسرع عدواً ﴿وتركنا يوسف﴾ أخانا ﴿عند متاعنا﴾ ، أي: ما كان معنا مما نحتاج إليه في ذلك الوقت من ثياب وزاد ونحو ذلك ﴿فأكله﴾ ، أي: فتسبب عن انفراده أن أكله ﴿الذئب وما﴾ ، أي: والحال أنك ما ﴿أنت بمؤمن﴾ ، أي: بمصدّق لما علموا أنه لا يصدّقهم بغير أمارة ﴿لنا ولو كنا صادقين﴾ في هذه القصة لمحبة يوسف عندك فكيف وأنت تسيء الظنّ بنا؟ وقيل: لا تصدّقنا؛ لأنه لا دليل لنا على صدقنا وإن كنا صادقين عند الله تعالى.v ﴿و﴾ لما علموا أنه لا يصدّقهم بغير أمارة ﴿جاؤوا على قميصه﴾ ، أي: يوسف ﵇ ﴿بدم كذب﴾ قال الفراء:، أي: مكذوب فيه إلا أنه وصفه بالمصدر على تقدير ذي كذب أو مكذوب أطلق على المصدر مبالغة؛ لأنه غير مطابق للواقع؛ لأنهم ادّعوا أنه دم يوسف ﵇ والواقع أنه دم سخلة ذبحوها ولطخوا القميص بذلك الدم. قال القاضي: ولعلّ غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في غيابة الجب أن يفعلوا هذا توكيداً لصدقهم إذ يبعد أن يفعلوا ذلك طمعاً في نفس القميص ولا بدّ في المعصية من أن يقترن بها الخذلان، فلو خرقوه مع لطخه بالدم لكان الاتهام أقوى فلما شاهد يعقوب ﵇ القميص صحيحاً علم كذبهم، روي أنّ يعقوب ﵇ أخذ القميص منهم، وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق قيمصه. تنبيه:

стр. 750

على قميصه محله النصب على الظرفية كأنه قيل: وجاؤوا فوق قميصه بدم كما تقول: جاء على جماله بأحماله، ولا يصح أن يكون حالاً متقدّمة؛ لأنّ حال المجرور لا يتقدّم عليه. قال الشعبي: قصة يوسف كلها في قميصه، وذلك أنهم لما ألقوه في الجب نزعوا قميصه ولطخوه بالدم وعرضوه على أبيه ولما شهد الشاهد قال: ﴿إن كان قميصه قد من قبل﴾ (يوسف، ٢٦) ولما أتي بقميصه إلى يعقوب وألقي على وجهه ارتدّ بصيراً. ثم ذكر تعالى أنّ إخوة يوسف لما ذكروا ذلك الكلام واحتجوا على صدقهم بالقميص الملطخ بالدم ﴿قال﴾ يعقوب ﵇ ﴿بل سوّلت﴾ ، أي: زينت ﴿لكم أنفسكم أمراً﴾ ففعلتموه به، واختلف في السبب الذي عرف به كونهم كاذبين على وجوه: الأوّل: أنه كان يعرف الحسد الشديد في قلوبهم. الثاني: كان عالماً بأنه حيّ؛ لأنه ﵇ قال ليوسف: ﴿وكذلك يجتبيك ربك﴾ (يوسف، ٦) وذلك دليل على كذبهم في ذلك القول، الثالث: أنه لما رأى قميصه صحيحاً قال: كذبتم لو أكله الذئب لخرق ثوبه، وقيل: إنه لما قال ذلك قال بعضهم: بل قتله، اللصوص فقال: كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله فلما اختلفت أقوالهم عرف بسبب ذلك كذبهم وقوله: ﴿فصبرٌ جميلٌ﴾ مرفوع بالابتداء لكونه موصوفاً، وخبره محذوف والتقدير: فصبر جميل أولى من الجزع، ومنهم من أضمر المبتدأ قال الخليل: الذي أفعله صبر جميل وقال قطرب: معناه فصبري صبر جميل. وقال الفراء: فهو صبر جميل. وعن الحسن أنّ النبيّ ﷺ سئل عن الصبر الجميل؟ فقال: «صبر لا شكوى فيه فمن بث لم يصبر كما قال يعقوب ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ » . وقال مجاهد: فصبر جميل من غير جزع. وقال الثوري: إنّ من الصبر أن لا تحدّث بوجعك ولا بمصيبتك ولا تزكي نفسك. وروي أنّ يعقوب ﵇ كان قد سقط حاجباه وكان يرفعهما بخرقة فقيل له: ما هذا؟ فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان فأوحى الله تعالى إليه يا يعقوب أتشكوني؟ فقال: يارب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي. وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة الإفك أنها قالت: والله لئن حلفت لا تصدّقوني ولئن اعتذرت لا تعذروني فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وولده والله المستعان على ما تصفون فأنزل الله تعالى في عذرها ما أنزل. وقوله ﴿فصبر جميل﴾ يدل على أنّ الصبر على قسمين قد يكون جميلاً، وقد يكون غير جميل، فالصبر الجميل أن ينكشف له أنّ هذا البلاء، من الحق فاستغراقه في شهود نور المبلي يمنعه من الاشتغال بالشكاية من البلاء ولذلك قيل: المحبة التامّة لا تزداد بالوفاء ولا تنقص بالجفاء؛ لأنها لو ازدادت بالوفاء لكان المحبوب هو النصيب والخط وموصل النصيب لا يكون محبوباً بالذات بل بالعرض، فهذا هو الصبر الجميل وأمّا الصبر لا للرضا بقضاء الله تعالى بل كان لسائر الأغراض فذلك الصبر لا يكون جميلاً. فإن قيل: الصبر على قضاء الله تعالى واجب، وأمّا الصبر على ظلم الظالمين فغير واجب، بل الواجب إزالته لا سيما في الضرر العائد إلى الغير، فلم صبر يعقوب على ذلك ولم يبالغ في البحث مع شدّة رغبته في حضور يوسف ونهاية حبه له وكان من بيت عظيم شريف وكان الناس يعرفونه ويعتقدون فيه؟. أجيب: بأنه يحتمل أن يكون منع من الطلب بوحي تشديداً للمحنة عليه زيادةً في أجره، أو أنه لو بالغ في البحث لربما أقدموا على إيذائه ولم يمكنوه من الطلب والفحص

стр. 751

فرأى أنّ الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى وقال: ﴿والله المستعان﴾ ، أي: المطلوب منه العون ﴿على ما تصفون﴾ ، أي: تذكرون من أمر يوسف، والمعنى أنّ إقدامه على الصبر لا يكون إلا بمعونة الله تعالى؛ لأنّ الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع، وهي قوية والدواعي الروحانية تدعوه إلى الصبر، فكأنّ المحاربة وقعت بين الصنفين فما لم تحصل إعانة الله تعالى لم تحصل الغلبة، فقوله: ﴿فصبر جميل﴾ يجري مجرى قوله: ﴿إياك نعبد﴾ (الفاتحة، ٤) وقوله: ﴿والله المستعان على ما تصفون﴾ يجري مجرى قوله: ﴿وإياك نستعين﴾ (الفاتحة، ٥) . ولما أراد الله تعالى خلاص يوسف من الجب بين سببه بقوله تعالى: ﴿وجاءت سيارة﴾ وهم القوم المسافرون سموا بذلك؛ لأنهم يسيرون في الأرض وكانوا رفقة من مدين يريدون مصر، فأخطؤوا الطريق فانطلقوا يهيمون على غير طريق، فهبطوا على أرض فيها جب يوسف وكان الجبّ في قفرة بعيدة عن العمران، أي: لم يكن إلا للرعاة. روي أنّ ماءه كان ملحاً فعذب حين ألقي يوسف فيه، فلما نزلوا أرسلوا رجلاً يقال له: مالك بن ذعر لطلب الماء فذلك قوله تعالى: ﴿فأرسلوا واردهم﴾ ، أي: الذي يريد الماء ليستقي منه، والوارد هو الذي يتقدّم الرفقة إلى الماء فيهيئ الأرشية والدلاء ﴿فأدلى﴾ ، أي: أرسل ﴿دلوه﴾ في البئر يقال: أدليت الدلو إذا أرسلتها في البئر ودلوتها إذا أخرجتها، والدلو معروف والجمع الدلاء فلما أرسلها تعلق بالحبل يوسف ﵇ فلما خرج فإذا هو بغلام أحسن ما يكون قال ﷺ «أعطي يوسف شطر الحسن» . ويقال: إنه ورث ذلك الجمال من جدّته سارة، وكانت جدّته قد أعطيت سدس الحسن قال ابن إسحاق: ذهب يوسف وأمّه بثلثي الحسن. وحكى الثعلبي عن كعب الأحبار قال: كان يوسف حسن الوجه جعد الشعر ضخم العينين مستوي الخلق أبيض اللون غليظ الساعدين والعضدين والساقين خميص البطن صغير السرّة، وكان إذا تبسم رأيت النور في ضواحكه، وإذا تكلم رأيت شعاع من ثناياه لا يستطيع أحد وصفه، وكان حسنه كضوء النهار عند الليل، وكان يشبه آدم ﵇ يوم خلقه الله وصوّره قبل أن يصيب الخطيئة، فلما رآه مالك بن ذعر ﴿قال يا بشرى هذا غلام﴾ نادى البشرى بشارة لنفسه، كأنّه قال تعالى فهذا أوانك. وعن الأعمش أنه قال: دعا امرأة اسمها بشرى فقال: يا بشرى. وعن السدي أنّ المدلي نادى صاحبه وكان اسمه بشرى فقال: يا بشرى. كما قرأه حمزة وعاصم والكسائي، فإنهم قرؤوا بحذف الياء بعد الألف، والباقون بإثبات الياء. وقيل: ذهب به فلما دنا من أصحابه صاح بذلك. وروي أنّ جدران البئر كانت تبكي على يوسف حين أخرج منها واختلف في ضمير ﴿وأسرّوه بضاعة﴾ إلى من يعود؟ وفيه قولان: الأوّل: أنه عائد إلى الوارد وأصحابه أخفوا من الرفقة أنهم وجدوه بالجب، وذلك أنهم قالوا: إن قلنا للسيارة: التقطناه شاركونا، وإن قلنا اشتريناه سألونا الشركة فالأصوب أن نقول: إنّ أهلاً لنا جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر. والثاني: ونقل عن ابن عباس أنه قال: وأسرّوه يعني إخوة يوسف أسرّوا شأنه، وذلك أنّ يهوذا كان يأتيه بالطعام كل يوم فلم يجده في البئر فأخبر إخوته فطلبوه، فإذا هم بمالك بن ذعر وأصحابه نزول فأتوهم فإذا هم بيوسف فقالوا: هذا عبد لنا أبق منا وتابعهم يوسف على ذلك؛

стр. 752

لأنهم توعدوه بالقتل بلسان العبرانية. قال الرازي: والأوّل أولى؛ لأنّ قوله ﴿وأسرّوه بضاعة﴾ يدل على أنّ المراد أنهم أسرّوه حال ما حكموا بأنه بضاعة، وذلك إنما يليق بالوارد لا بإخوة يوسف. تنبيه: البضاعة القطعة من المال تجعل للتجارة من بضعت الشيء إذا قطعته. قال الزجاج: وبضاعة منصوب على الحال كأنه قال: وأسرّوه حال ما جعلوه بضاعة ولما جعل تعالى هذا البلاء سبباً لوصوله إلى مصر، ثم صارت وقائعه إلى أن صار ملكاً بمصر، وحصل ذلك الذي رآه في النوم، فكان العمل الذي عمله الأعداء في دفعه عن ذلك المطلوب صيّره الله تعالى سبباً لحصول ذلك المطلوب، فلهذا المعنى قال تعالى: ﴿والله عليم﴾ ، أي: بالغ العلم ﴿بما يعملون﴾ ، أي: لم يخف عليه ما فعلوه بيوسف وأبيهم. ﴿وشروه﴾ ، أي: باعوه إذ قد يطلق لفظ الشراء على البيع يقال: شريت الشيء بمعنى بعته وإنما حمل هذا الشراء على البيع؛ لأنّ الضمير في (شروه) وفي ﴿كانوا فيه من الزاهدين﴾ يرجع إلى شيء واحد، وذلك أنّ إخوته زهدوا فيه فباعوه، وقيل: إنّ الضمير يعود إلى مالك بن ذعر وأصحابه، وعلى هذا يكون لفظ الشراء على بابه. وقال محمد بن إسحاق: ربك أعلم أَإِخوته باعوه أم السيارة، واختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿بثمن بخس﴾ فقال الضحاك:، أي: حرام، لأنّ ثمن الحرّ حرام وسمي الحرام بخساً؛ لأنه مبخوس البركة. وقال ابن مسعود: أي: زيوف، وقال عكرمة: أي: بثمن قليل، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿دراهم معدودة﴾ لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان أقل من أربعين درهما إنما كانوا يأخذون ما دونها عداً، فإذا بلغتها وهي أوقية وزنوها، واختلفوا في عدد تلك الدراهم فقال ابن عباس: كانت عشرين درهماً فاقتسموها درهمين درهمين، وعلى هذا لم يأخذ أخوه بنيامين شقيقه منها شيئاً، وقال مجاهد: كانت اثنتين وعشرين درهماً. وقال عكرمة: أربعين درهماً. ﴿وكانوا﴾ ، أي: إخوته ﴿فيه﴾ ، أي: يوسف ﴿من الزاهدين﴾ لأنهم لم يعلموا منزلته عند الله تعالى، ومعنى الزهد قلة الرغبة يقال: زهد فلان في كذا إذا لم يرغب فيه، وأصله القلة، يقال: رجل زهيد إذا كان قليل الطمع، وقيل: كانوا في الثمن من الزاهدين؛ لأنهم لم يكن قصدهم تحصيل الثمن، وإنما كان قصدهم تبعيد يوسف عن أبيه. وقيل: الضمير في كانوا للسيارة؛ لأنهم التقطوه، والملتقط للشيء متهاون به خائف من انتزاعه مستعجل في بيعه لا جرم باعوه بأوكس الأثمان. روي في الأخبار أنّ مالك بن ذعر انطلق هو وأصحابه بيوسف وتبعهم إخوته يقولون: استوثقوا منه؛ لأنه آبق فذهبوا به حتى أتوا مصر وعرضه مالك على البيع فاشتراه قطفير أو اطفير وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العمالقة، وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف فملك بعده قابوس بن مصعب فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى، واشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة، وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة وآتاه الله تعالى العلم والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى عاش أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى: ﴿ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات﴾ (غافر، ٣٤) وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف، وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين.

стр. 753

وقال وهب بن منبه: قدمت السيارة بيوسف مصر فدخلوا به السوق يعرضونه للبيع فترافع الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه ذهباً وزنه فضة ووزنه مسكاً وحريراً، وكان وزنه أربعمائة رطل وكان عمره حينئذ سبع عشرة سنة، وقيل: ثلاث عشرة سنة، فابتاعه قطفير من مالك بهذا الثمن فذلك قوله تعالى: ﴿وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته﴾ واسمها زليخا وقيل: راعيل ﴿أكرمي مثواه﴾ قال الرازي: اعلم أن شيئاً من هذه الروايات لم يدل عليه القرآن ولم يثبت أيضاً في خبر صحيح وتفسير كتاب الله تعالى لا يتوقف على شيء من هذه الروايات فاللائق بالعاقل أن يحترز من ذكرها انتهى. ولكن البغوي ذكرها وتبعه على ذلك جماعة من المفسرين واللام في امرأته متعلقة بقال لا باشتراه، والمثوى موضع الإقامة، أي: اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً، أي: حسناً مرضياً بدليل قول يوسف: ﴿إنه ربي أحسن مثواي﴾ والمراد تفقديه بالإحسان وتعهديه بحسن الملكية حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا ساكنة في كنفنا. قال المحققون: أمر العزيز امرأته بإكرام مثواه دون إكرام نفسه يدل على أنه كان ينظر إليه على سبيل الإجلال والتعظيم وهو كما يقال: سلام الله على المجلس العالي. ولما أمر بإكرام مثواه علّل ذلك بأن قال: ﴿عسى أن ينفعنا﴾ ، أي: يقوم بإصلاح مهماتنا، أو نبيعه بالربح إن أردنا بيعه ﴿أو نتخذه ولدا﴾ ، أي: نتبناه وكان حصوراً ليس له ولد. قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة العزيز في يوسف حيث قال لامرأته: ﴿أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا﴾ ، وابنة شعيب حين قالت لأبيها في موسى: ﴿استأجره﴾ ، وأبو بكر في عمر حيث استخلفه. ﴿وكذلك﴾ ، أي: وكما نجيناه من القتل والجب وعطفنا عليه قلب العزيز ﴿مكنا ليوسف في الأرض﴾ ، أي: أرض مصر. قال البقاعي: التي هي كالأرض كلها لكثرة منافعها بالملك فيها لتمكنه من الحكم بالعدل والنبوّة، وقوله تعالى: ﴿ولنعلمه من تأويل الأحاديث﴾ ، أي: تعبير الرؤيا عطف على مقدر متعلق بمكنا، أي: لنمكنه أو الواو زائدة ﴿والله غالب على أمره﴾ ، أي: الأمر الذي يريده؛ لأنه تعالى فعال لما يريد، ولا دافع لقضائه ولا مانع عن حكمه في أرضه وسمائه أو على أمر يوسف أراد إخوته قتله، فغلب أمره عليهم، وأرادوا أن يلتقطه بعض السيارة ليندرس اسمه، فغلب أمره وظهر اسمه واشتهر، ثم باعوه ليكون مملوكاً فغلب الله أمره حتى صار ملكاً وسجدوا بين يديه، ثم أرادوا أن يضرّوا أباهم ويطيبوا قلبه حتى يخلو لهم وجهه فغلب أمره تعالى فأظهره على مكرهم، واحتالت عليه امرأة العزيز لتخدعه عن نفسه فغلب أمره تعالى فعصمه حتى لم يهمّ بسوء بل هرب منه غاية الهرب، ثم بذلت جهدها في إذلاله وإلقاء التهمة عليه فأبى الله تعالى إلا إعزازه وبراءته، ثم أراد يوسف ﵇ ذكر الساقي له فغلب أمره تعالى فأنساه ذكره حتى مضى الأجل الذي ضربه الله تعالى له وكم من أمر كان في هذه القصة وفي غيرها يرشد إلى أنه لا أمر لغيره ﴿ولكنّ أكثر الناس﴾ وهم الكفار ﴿لا يعلمون﴾ أنّ الأمر كله بيد الله تعالى، أو أنّ أكثر الناس لا يعلمون ما هو صانع بيوسف وما يريد منه فمن تأمّل في الدنيا وعجائب أحوالها عرف وتيقن أنّ الأمر كله لله، وأنّ قضاء الله تعالى غالب. ولما بين تعالى أنّ إخوته أساؤوا إليه وصبر على تلك الشدائد والمحن ومكنه

стр. 754

في الأرض اتبعه الأمر بتمام النعمة عليه بقوله تعالى: ﴿ولما بلغ أشدّه﴾ ، أي: منتهى شبابه وقوّته وشدّته تقول العرب: بلغ فلان أشدّه إذا انتهى منتهاه في شبابه وقوّته، وهذا اللفظ مستعمل في الواحد والجمع يقال: بلغ فلان أشدّه وبلغوا أشدّهم وهو ثلاث وثلاثون سنة. وقال السدي: بلغ ثلاثين سنة، وقال الضحاك: عشرين سنة. وقال الكلبي: الأشد ما بين ثمانية عشر إلى ثلاثين، وقيل: أقصاه اثنان وستون سنة. قال الأطباء: إنّ الإنسان يحدث في أوّل الأمر ويتزايد كل يوم شيئاً فشيئاً إلى أن ينتهي إلى غاية الكمال، ثم يأخذ في التراجع إلى أن ينتهي إلى العدم والمحاق كالقمر. ﴿آتيناه حكما﴾ ، أي: حكمة وهو العلم المؤيد بالعمل أو حكماً بين الناس ﴿وعلماً﴾ ، أي: علم تأويل الأحاديث، وقيل: المراد بالحكم النبوّة والرسالة. وتقدّم أنّ قوله تعالى: ﴿وأوحينا﴾ أنه وحي حقيقة. قال الرازي: فلا يبعد أن يقال: إنّ ذلك الوحي إليه في ذلك الوقت لا لأجل بعثته إلى الخلق بل لأجل تقوية قلبه وإزالة الحزن عن صدره؛ ولأجل أن يستأنس بحضور جبريل ﵇ ﴿وكذلك﴾ ، أي: ومثل ذلك الجزاء الذي جزيناه به ﴿نجزي المحسنين﴾ قال ابن عباس: يعني المؤمنين، وعنه أيضاً يعني المهتدين، وقال الضحاك: يعني الصابرين على النوائب كما صبر يوسف ﵇. وعن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله. ولما أخبر تعالى أنّ سبب النعمة عليه إحسانه اتبعه دليله فقال تعالى: ﴿وراودته التي هو في بيتها﴾ ، أي: امرأة العزيز راودت يوسف ﴿عن نفسه﴾ لأنها لما رأته في غاية الحسن والجمال طمعت فيه، ويقال: إنّ زوجها كان عاجزاً، والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب كان المعنى خادعته عن نفسه، أي: فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهو عبارة عن التمحل لمواقعته إياها ﴿وغلقت الأبواب﴾ ، أي: أطبقتها وكانت سبعة، والتشديد للتكثير أو للمبالغة في الإيثاق، لأنّ مثل هذا الفعل لا يكون إلا في ستر وخفية لا سيما إذا كان حراماً ومع قيام الخوف الشديد ﴿وقالت﴾ له ﴿هيت﴾ أي تهيأت وتصنعت ﴿لك﴾ خاصة فأقبل إليّ وامتثل أمري. قال الواحدي: هيت لك اسم للفعل نحو رويد وصه ومه، ومعناه: هلم في قول جميع أهل اللغة، وقرأ نافع وابن عامر بكسر الهاء، والباقون بالفتح قرأ وهشام بعد الهاء بهمزة ساكنة، والباقون بياء ساكنة، وقرأ ابن كثير بضم التاء وفتحها، والباقون بالفتح ﴿قال﴾ لها يوسف ﵇ ﴿معاذ الله﴾ ، أي: أعوذ بالله وأعتصم به وألجأ إليه مما تدعينني إليه ﴿إنه﴾ ، أي: الذي اشتراني ﴿ربي﴾ ، أي: سيدي ﴿أحسن مثواي﴾ ، أي: أكرم منزلي فلا أخونه في أهله وقيل: إنه أي: الله ربي أحسن مثواي، أي: آواني ومن بلاء الجب أنجاني ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ ، أي: إن فعلت هذه الفعلة فأنا ظالم ولا يفلح الظالمون. ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ ، أي: قصدت مخالطته وقصد مخالطتها، والهمَّ بالشيء قصده والعزم عليه، ومنه الهمام وهو الذي إذا هم بشيء أمضاه والمراد بهمته ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري، وذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من الله تعالى من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهمّ، ولهذا قال بعض أهل الحقائق: الهمّ قسمان: همّ ثابت وهو إذا كان معه عزم وعقد ورضا مثل هم امرأة العزيز،

стр. 755

فالعبد مأخوذ به، وهمّ عارض وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم مثل هم يوسف ﵇، والعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل، كما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه ﷺ قال: «يقول الله : إذا تحدّث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها حسنة ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشرة أمثالها، وإذا تحدّث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها» . قال في «الكشاف» : ويجوز أن يريد بقوله: ﴿وهم بها﴾ شارف أن يهم بها كما يقول الرجل: قتلته لو لم أخف الله، يريد مشارفة القتل ومشافهته كأنّه شرع فيه ﴿لولا أن رأى﴾ ، أي: بعين قلبه ﴿برهان ربه﴾ ، أي: الذي آتاه إياه من الحكم والعلم، أي: لهمّ بها لكنه كان البرهان حاضراً لديه حضور من يراه بالعين فلم يهمّ أصلاً مع كونه في غاية الاستعداد لذلك لما آتاه الله تعالى من القوّة مع كونه في سن الشباب، فلولا المراقبة لهمّ بها لتوفر الداعي غير أنّ نور الشهود محاها أصلاً، وهذا التقدير هو اللائق بمثل مقامه ﵇ مع أنه الذي تدلّ عليه أساليب هذه الآيات من جعله من المخلصين والمحسنين المصروف عنهم السوء وأنّ السجن أحب إليه من ذلك مع قيام القاطع على كذب ما تضمنه قولها: ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً﴾ الآية من مطلق الإرادة ومع ما يتحتم من تقدير ما ذكر بعد لولا في خصوص هذا التركيب من أساليب كلام العرب، فإنه يجب أن يكون المقدّر بعد كل شرط من معنى ما دل عليه ما قبله، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها﴾ (القصص، ١٠) ، أي: لأبدت به، وأما ما ورد عن السلف مما يعارض ذلك من تفسيرهم بها بأن حل الهيمان وجلس بها مجلس المجامع وبأنه حلّ تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على قفاها، ومن تفسير البرهان بأنه سمع صوتاً: إياك وإياها فلم يكترث له، فسمعه ثانياً فلم يعمل به، فسمعه ثالثاً أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضاً على أنملته، وقيل: ضرب بيده على صدره فخرجت شهوته من أنامله، وقيل: كل ولد يعقوب ولد له اثنا عشر ولداً إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولداً من أجل ما نقص من شهوته حين همّ، وقيل: صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنا قعد لا ريش له، وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها: ﴿وإنّ عليكم لحافظين كراماً كاتبين﴾ (الأنفطار، ١٠، ١١) فلم ينصرف ثم رأى فيها: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً﴾ (الإسراء، ٣٢) فلم ينته ثم رأى فيها ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾ (البقرة، ٢٨١) فلم ينجع فيه فقال الله تعالى لجبريل ﵇: أدرك عبدي قبل أن يدرك الخطيئة، فانحط جبريل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟ وقيل: رأى تمثال العزيز.d وقيل: قامت المرأة إلى صنم كان هناك فسترته وقالت: أستحي أن يرانا، فقال يوسف: استحيت مما لا يسمع ولا يبصر ولا أستحي من السميع العليم بذات الصدور، فلم يصح منه شيء عن أحد منهم مع أنّ هذه الأقوال التي وردت عنهم إذا جمعت تناقضت وتكاذبت. قال الزمخشريّ: وهذا ونحوه ممن يورده أهل الجبر والحشو الذين دينهم بهت لله وأنبيائه فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدّي إلى أن يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدي بنبيّ من أنبياء الله تعالى فيما ذكروه وأهل العدل والتوحيد.

стр. 756

ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل وأطال في ردّ ذلك، وكذا فعل الرازي. وقيل: وهمّ بها، أي: بزجرها ووعظها. وقيل: همّ بها، أي: غمه امتناعه منها. وقيل: همّ بها، أي: نظر إليها وقيل: همّ بضربها ودفعها. وقيل: هذا كله قبل نبوّته، وقد ذكر بعضهم ما زال النساء يملن إلى يوسف ﵇ ميل شهوة حتى نبأه الله تعالى فألقى عليه هيبة النبوّة فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه ﴿كذلك﴾ ، أي: مثل ذلك التثبيت نثبته في كل أمر ﴿لنصرف عنه السوء﴾ ، أي: الهمّ بالزنا وغيره ﴿والفحشاء﴾ أي: الزنا وغيره، وقيل: السوء مقدمات الفاحشة من القبلة والنظر بالشهوة، والفحشاء هي الزنا، فكأنه قيل: لم فعل به هذا؟ فقيل: ﴿إنه من عبادنا﴾ ، أي: الذين عظمناهم ﴿المخلصين﴾ ، أي: في عبادتنا الذين هم خير صرف لا يخالطهم غش، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر اللام بعد الخاء، والباقون بالفتح. قال الرازي: فوروده باسم الفاعل دل على كونه آتيا بالطاعات والقربات مع صفة الإخلاص، ووروده باسم المفعول يدلّ على أنّ الله تعالى استخلصه واصطفاه لحضرته، وعلى كلا اللفظين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهاً عما أضافوه إليه وهذا مع قول إبليس: ﴿لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾ (الحجر: ٣٩، ٤٠) شهادة من إبليس أنّ يوسف ﵇ بريء من الهمّ فمن نسبه إلى الهمّ إن كانوا من أتباع دين الله فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته، وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته، قال: ولعلهم يقولون كنا في أوّل الأمر تلامذة إبليس إلا أنا زدنا وفجرنا عليه في السفاهة كما قال الجزوري: *وكنت فتى من جند إبليس فارتقى ... بي الأمر حتى صار إبليس من جندي *فلو مات قبلي كنت أحسن بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها بعدي ثم ذكر مبالغة في الامتناع بالجدّ في الهرب دليلاً على إخلاصه وأنه لم يهمّ أصلاً فقال: ﴿واستبقا الباب﴾ ، أي: أوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منهما هذا للهرب منها، وهذه لمنعه، فكل منهما بذل أقصى جهده في السبق، فلحقته عند الباب الأقصى مع أنه قد كان سبقها بقوّة الرجولية وقوّة الداعية إلى الفرار إلى الله تعالى، ولكن عاقه إتقانها للمكر بكون الأبواب كانت مغلقة فكان يشتغل بفتحها فتعلقت بأدنى ما وصلت إليه من قميصه وهو ما كان من ورائه خوف فواته فاشتد تعلقها به مع إعراضه هو عنها وهربه منها ففتحه فأراد الخروج فمنعته ﴿و﴾ لم تزل تنازعه حتى ﴿قدّت﴾ ، أي: شقت ﴿قميصه﴾ وكان القدّ ﴿من دبر﴾ ، أي: الناحية من الخلف منه، وانقطعت منه قطعة فبقيت في يدها ﴿وألفيا﴾ ، أي: وجدا ﴿سيدها﴾ ، أي: زوجها قطفير وهو العزيز تقول المرأة لبعلها: سيدي ولم يقل: سيدهما؛ لأنّ ملك يوسف لم يصح فلم يكن سيداً له على الحقيقة ﴿لدى﴾ ، أي: عند ﴿الباب﴾ جالساً مع ابن عمّ المرأة. فإن قيل: كيف وحد الباب وقد جمعه في قوله: ﴿وغلقت الأبواب﴾ ؟ أجيب:. بأنه أراد الباب البراني الذي هو المخرج من الدار والمخلص من العار، فقد روى كعب الأحبار: أنّ يوسف لما هرب جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب فلما رأت المرأة ابن عمها هابته وخافت التهمة فسابقت يوسف بالقول و ﴿قالت﴾ لزوجها ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً﴾ ، أي: فاحشة زنا أو غيره، ثم خافت عليه أن يقتل وذلك لشدّة

стр. 757

حبها له فقالت: ﴿إلا أن يسجن﴾ ، أي: يحبس في السجن ويمنع التصرّف ﴿أو عذاب أليم﴾ ، أي: مؤلم بأن يضرب بالسياط ونحوها، وإنما بدأت بالسجن قبل العذاب؛ لأنّ المحب لا يشتهي إيلام المحبوب، وإنما أرادت أن يسجن عندها يوماً أو يومين ولم ترد السجن الطويل فإنه لا يعبر عنه بهذه العبارة، بل يقال: يجب أن يجعل من المسجونين، ألا ترى أن فرعون هكذا قال في حق موسى ﵇ في قوله: ﴿لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ (الشعراء، ٢٩) . فلما سمع يوسف ﵇ مقالتها ﴿قال﴾ مبرئاً نفسه ﴿هي﴾ بضمير الغيبة لاستحيائه بمواجهتها بإشارة أو ضمير خطاب ﴿راودتني عن نفسي﴾ ، أي: طلبت مني الفاحشة فأبيت وفررت منها، وذلك أنّ يوسف ﵇ ما كان يريد أن يذكر ذلك القول ولا يهتك سترها ولكن لما قالت هي ما قالت ولطخت عرضه احتاج إلى إزالة هذه التهمة عن نفسه، وصدقه لعمري فيما قال لا يحتاج إلى بيان أكثر من الحال الذي كان فيه وهو أنهما عند الباب ولو كان الطلب منه لما كان إلا في محلها الذي تجلس فيه وهو صدر البيت وأشرف موضع فيه، وأيضاً هو عبد لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحال، وأيضاً أنّ المرأة زينت نفسها على أكمل الوجوه، وأما يوسف فما كان عليه أثر من آثار تزيين النفس فكان إلحاق هذه الفتنة بالمرأة أولى. ثم إنه تعالى أظهر ليوسف ﵇ دليلاً آخر يقوي تلك الدلائل المذكورة، ويدل على أنه بريء من الريب وأنّ المرأة هي المذنبة وهو قوله تعالى: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، أي: وحكم حاكم من أهل المرأة، واختلفوا في هذا الشاهد، فقال سعيد بن جبير والضحاك: كان صبياً في المهد أنطقه الله تعالى كرامة ليوسف ﵇. وروي أنه ﷺ قال: «تكلم في المهد أربعة وهم صغار شاهد يوسف وابن ماشطة بنت فرعون وعيسى بن مريم وصاحب جريج الراهب» رواه الإمام أحمد، وفي الصحيحين أنه ﷺ قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة؛ عيسى بن مريم وصاحب جريج وصبيّ كان يرضع أمّه فمرّ راكب حسن الهيئة فقالت أمّه: اللهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللهم لا تجعلني مثله» وبهذا الاعتبار صاروا خمسة وزاد الثعلبي سادساً وهو يحيى بن زكريا ﵉ وزاد غيره على ذلك، ولعل الحصر فيما ذكر في الحديث كان قبل العلم بالزيادة فلا تناقض وأوصلهم السيوطي إلى أحد عشر ونظمهم فقال: *تكلم في المهد النبي محمد ... ويحيى وعيسى والخليل ومريم *ومبري جريج ثم شاهد يوسف ... وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم *وطفل عليه مرّ بالأمّة التي ... يقال لها تزني ولا تتكلم *وماشطة في عهد فرعون طفلها ... وفي زمن الهادي المبارك يختم وقالت طائفة عظيمة من المفسرين: إنها كان لها ابن عم وكان رجلاً حكيماً واتفق في ذلك الوقت أنه كان مع الملك يريد أن يدخل عليها فقال: قد سمعنا الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنّا لا ندري أيكما قدّام صاحبه ولكن ﴿إن كان قميصه قدّ من قبل﴾ ، أي: من قدام ﴿فصدقت وهو من الكاذبين﴾ ﴿وإن كان قميصه قد من دبر﴾ ، أي: من خلف ﴿فكذبت وهو من الصادقين﴾ لأنه لولا إدباره

стр. 758

منها وإقبالها عليه لما وقع ذلك، فعرف سيدها صحة ذلك بلا شبهة كما قال تعالى: ﴿فلما رأى﴾ ، أي: سيدها ﴿قميصه﴾ ، أي: يوسف ﵇ ﴿قدّمن دبر قال﴾ لها زوجها قطفير وقد قطع بصدقه وكذبها مؤكداً لأجل إنكارها ﴿إنه﴾ ، أي: هذا القذف له ﴿من كيدكن﴾ معشر النساء، والكيد طلب الإنسان بما يكره ﴿إن كيدكن عظيم﴾ والعظيم ما ينقص مقدار غيره عنه حساً أو معنى. فإن قيل: كيف وصف كيد النساء بالعظم مع قوله تعالى: ﴿وخلق الإنسان ضعيفاً﴾ (النساء، ٢٨) وهلا كان مكر الرجال أقوى من مكر النساء؟ أجيب: بأنّ الإنسان ضعيف بالنسبة لخلق ما هو أعظم منه كخلق السموات والأرض وبأن كيدهنّ أدق من كيد الرجال وألطف وأخفى؛ لأنّ الشيطان عليهنّ لنقصهنّ أقدر ومكرهنّ في هذا الباب أعظم من كيد جميع البشر؛ لأنّ لهنّ من المكر والحيل والكيد في إتمام مرادهن ما لا يقدر عليه الرجال في هذا الباب؛ ولأنّ كيدهنّ في هذا الباب يورث العار ما لا يورثه كيد الرجال، ولما ظهر للقوم براءة يوسف من ذلك الفعل المنكر حكى تعالى أنه قال: ﴿يوسف﴾ ، أي: يا يوسف ﴿أعرض﴾ ، أي: انصرف بكليتك مجاوزاً ﴿عن هذا﴾ الحديث فلا تذكره لأحد حتى لا يشيع وينشر بين الناس، ثم التفت إلى المرأة وقال لها: ﴿واستغفري لذنبك﴾ ، أي: توبي إلى الله تعالى مما رميتي يوسف به من الخطيئة وهو بريء منها ﴿إنك كنت من الخاطئين﴾ ، أي: الآثمين. قال أبو بكر الأصم: إنّ ذلك الزوج كان قليل الغيرة فاكتفى منها بالاستغفار، وقيل: إنّ القائل المذكور هو الشاهد. فإن قيل: كيف قال من الخاطئين بلفظ التذكير؟ أجيب: بأنه قال ذلك تغليباً للذكور على الإناث أو أن المراد أنك من نسل الخاطئين، فمن ذلك النسل سرى ذلك العرق الخبيث فيك، ثم شاع الخبر واشتهر. ﴿وقال نسوة﴾ ، أي: وقال جماعة من النساء وكنّ خمساً: امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب، والنسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي، ولذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث وقوله: ﴿في المدينة﴾ ، أي: مدينة مصر ظرف، أي: أشعن الحكاية في مصر أو صفة نسوة، وقيل: مدينة عين شمس. ﴿امرأت العزيز﴾ وإنما أضفنها إلى زوجها إرادة لإشاعة الخبر، لأنّ النفس إلى سماع أخبار أولي الأخطار أميل ويردن قطفير والعزيز الملك بلسان العرب ورسم امرأة بالتاء المجرورة ووقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء والباقون بالتاء، وأما الوصل فهو بالتاء للجميع ﴿تراود فتاها﴾ ، أي: عبدها الكنعاني، يقال: فتاي وفتاتي، أي: عبدي وجاريتي ﴿عن نفسه﴾ ، أي: تطلب منه الفاحشة وهو يمتنع منها ﴿قد شغفها حباً﴾ ، أي: شق شغاف قلبها وهو حجابه حتى وصل إلى فؤادها، وحباً نصب على التمييز، وقيل: جلدة رقيقة يقال لها: لسان القلب قال النابغة: *وقد حال همّ دون ذلك والج ... مكان انشغاف تبتغيه الأصابع وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند الشين، والباقون بالإدغام ﴿إنا لنراها﴾ ، أي: نعلم أمرها علماً هو كالرؤية ﴿في ضلال﴾ ، أي: خطأ ﴿مبين﴾ ، أي: بين ظاهر حيث تركت ما يجب على أمثالها من العفاف والستر بسبب حبها إياه. ﴿فلما سمعت﴾ زليخا ﴿بمكرهنّ﴾ ، أي: قولهن

стр. 759

وإنما سمي ذلك مكراً لوجوه: الأوّل أنّ النسوة إنما ذكرن ذلك الكلام استدعاءً لرؤية يوسف ﵇، والنظر إلى وجهه؛ لأنهنّ عرفن أنهنّ إذا قلن ذلك عرضت يوسف عليهنّ ليتمهد عذرها عندهنّ. الثاني: أنّ زليخا أسرّت إليهنّ حبها ليوسف ﵇ وطلبت منهنّ كتمان هذا السرّ فلما أظهرن السرّ كان ذلك مكراً. الثالث: أنهنّ وقعنّ في غيبتها والغيبة إنما تذكر على سبيل الخفية فأشبهت المكر ﴿أرسلت إليهنّ﴾ تدعوهنّ لتقيم عذرها عندهنّ. قال وهب: اتخذت مأدبة ودعت أربعين امرأة من أشراف مدينتها فيهنّ الخمس ﴿وأعتدت﴾ ، أي: أعددت ﴿لهنَّ متكأً﴾ ، أي: طعاماً يقطع بالسكين، وهو الأترج وإنما سمي الطعام متكأً؛ لأنه يتكأ عنده. قال جميل: *فظللنا بنعمة واتكأنا ... وشربنا الحلال من قلله والمتكأ ما يتكأ عليه عند الطعام والشراب والحديث؛ لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين، ولذلك جاء النهي عنه في الحديث أن يأكل الرجل متكئاً. وقال ﷺ «لا آكل متكئاً» وقيل: إنها زينت البيت بألوان الفواكه والأطعمة ووضعت الوسائد ودعت النسوة اللاتي عيرنها بحب يوسف ﵇ ﴿وآتت﴾ ، أي: أعطت ﴿كل واحدة منهنَّ سكيناً﴾ ، أي: لتأكل بها، وكانت عادتهنّ أن يأكلن اللحم والفواكه بالسكين ﴿وقالت﴾ زليخا ليوسف ﵇ ﴿اخرج عليهنّ﴾ ، أي: النسوة، وكان يخاف من مخالفتها فخرج عليهنّ يوسف وكانت قد زينته واختبأته في مكان. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بكسر التاء في الوصل، والباقون بالضم، وأمّا الابتداء فجميع القراء يبتدؤون الهمزة بالضم ﴿فلما رأينه﴾ ، أي: النسوة ﴿أكبرنه﴾ ، أي: أعظمنه ودهشن عند رؤيته، واتفق الأكثرون على أنهنّ إنما أكبرنه بمحبتهنّ الجمال الفائق، والحسن الكامل وكان يوسف قد أعطي شطر الحسن، وقال عكرمة: كان فضل يوسف في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وروي أنه ﷺ قال: «رأيت يوسف ليلة أسري بي إلى السماء كالقمر ليلة البدر» ذكره البغويّ بغير سند، وقال ابن إسحاق: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يتلألأ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس من الماء عليها ويقال: إنه ورث حسن آدم ﵇ يوم خلقه الله تعالى قبل أن يخرج من الجنة، وقيل: ورث الجمال من جدّته سارة، وقيل: أكبرنه يعني حضن، والهاء للسكت يقال: أكبرت المرأة إذا حاضت، وحقيقته دخلت في الكبر؛ لأنها بالحيض تخرج من حدّ الصغر إلى حدّ الكبر، وكأنّ أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله: *خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق وقيل: أمنين قال الكميت: *ولما رأته الخيل من رأس شاهق ... صهلن وأمنين المنيّ المدفقا وقال الرازي: إنما أكبرنه؛ لأنهنّ رأين عليه نور النبوّة وسيما الرسالة، وآثار الخضوع والإخبات وشاهدن فيه شهادة الهيبة، وهيبة ملكية وهي عدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح وعدم الاعتداد بهنّ، وكان الجمال العظيم مقروناً بتلك الهيبة، فوقع الرعب والمهابة منه في قلوبهنّ

стр. 760

﴿وقطعنّ أيديهنّ﴾ ، أي: جرحنها بالسكاكين التي معهنّ، وهنّ يحسبن أنهنّ يقطعنّ الأترج، ولم يجدن الألم من فرط الدهشة بيوسف، وقال وهب: مات جماعة منهنّ ﴿وقلن حاش لله﴾ ، أي: تنزيهاً، له الرسم بغير ألف بعد الشين. وقرأ أبو عمرو في الوصل دون الوقف بألف بعد الشين والباقون بغير ألف وقفاً ووصلاً ﴿ما هذا﴾ ، أي: يوسف ﵇ ﴿بشراً﴾ وإعمال ما عمل ليس هي اللغة القدمى الحجازية ويدل عليها هذه الآية وقوله تعالى ﴿ما هنّ أمّهاتهم﴾ (المجادلة، ٢) ﴿إن﴾ ، أي: ما ﴿هذا إلا ملك كريم﴾ ، أي: على الله لما حواه من الحسن الذي لا يكون عادة في النسمة البشرية، فإنّ الجمع بين الجمال الرائق والكمال الفائق والعصمة البالغة من خواص الملائكة. ﴿قالت﴾ ، أي: زليخا للنسوة لما رأين يوسف ودهشن عند رؤيته ﴿فذلكن﴾ ، أي: فهذا هو ﴿الذي لمتنني فيه﴾ ، أي: في محبته قبل أن تتصوّرنّه حق تصوره ولو تصورتنه بما عاينتن لعذرتنني، ثم أنها صرحت بما فعلت فقالت: ﴿ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ ، أي: فامتنع من ذلك الفعل الذي طلبت، وإنما صرحت بذلك؛ لأنها علمت أنها لا ملامة عليها منهنّ، وأنهنّ قد أصابهنّ ما أصابها عند رؤيته، ثم قالت: ﴿ولئن لم يفعل ما آمره﴾ ، أي: وإن لم يطاوعني فيما دعوته إليه ﴿ليسجنن﴾ ، أي: ليعاقبن بالحبس ﴿وليكونا من الصاغرين﴾ ، أي: الذليلين المهانين، فقال النسوة ليوسف: أطع مولاتك فيما دعتك إليه، فاختار يوسف ﵇ السجن على ما دعت إليه فلذلك. ﴿قال رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه﴾ وإن كان هذا مما تشتهيه النفس، وذلك مما تكرهه نظراً إلى العاقبة، فإنّ الأوّل فيه الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، والثاني فيه المدح في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة. فإن قيل: إنّ الدعاء كان منها فلم أضافه إليهنّ جميعاً؟ أجيب: بأنهنّ خوّفنه من مخالفتها وزين له مطاوعتها، وقيل: إنهنّ دعونه إلى أنفسهنّ. قال بعض العلماء لو لم يقل السجن، أحب إليّ لم يبتل بالسجن والأولى بالعبد أن يسأل الله تعالى العافية، ولذلك ردّ رسول الله ﷺ على من كان يسأل الله الصبر بقوله له: «سألت الله البلاء فاسأله العافية» رواه الترمذي ﴿وإلا﴾ ، أي: وإن لم ﴿تصرف عني كيدهنّ﴾ ، أي: فيما أردن مني بالتثبيت على العصمة ﴿أصب﴾ ، أي: أمل ﴿إليهنّ﴾ يقال: صبا فلان إلى كذا إذا مال إليه واشتاقه ﴿وأكن﴾ ، أي: أصر ﴿من الجاهلين﴾ ، أي: من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه، فإن الحكيم لا يفعل القبيح وفي ذلك دليل على أن من ارتكب ذنباً إنما يرتكبه عن جهالة، والقصد بذلك الدعاء ولذلك قال تعالى: ﴿فاستجاب له ربه﴾ ، أي: فأجاب الله تعالى دعاءه الذي تضمنه هذا الثناء؛ لأنّ الكريم يغنيه التلويح عن التصريح كما قيل: *إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاك من تعرّضه الثناء ﴿فصرف عنه كيدهن﴾ ، أي: فثبته بالعصمة حتى وطن نفسه على مشقة السجن وآثرها على اللذة المتضمنة للعصيان ﴿إنه هو السميع﴾ ، أي: لدعاء الملتجئين إليه ﴿العليم﴾ ، أي: للضمائر والنيات فيجيب ما صح فيه القصد وطاب منه العزم. ﴿ثم بدا﴾ ، أي: ظهر ﴿لهم﴾ ، أي: العزيز وأصحابه ﴿من بعد ما رأوا الآيات﴾ ، أي: الدالة على براءة يوسف ﵇ كشهادة الصبيّ وقدّ القميص وقطع النساء أيديهنّ واستعصامه عنهنّ ﴿ليسجننه حتى﴾ ، أي: إلى ﴿حين﴾ ينقطع فيه كلام الناس، وذلك أنّ

стр. 761

المرأة قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يقول لهم: إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري فإمّا أن تأذن لي فأخرج وأعتذر وإمّا أن تحبسه كما حبستني، فعند ذلك وقع في قلب العزيز أنّ الأصلح حبسه حتى يسقط عن ألسنة الناس ذكر هذا الحديث وحتى تقل الفضيحة فسجنه. تنبيه: في فاعل بدا أربعة أوجه: أحسنها أنه ضمير يعود على السجن بفتح السين، أي: ظهر لهم حبسه. والثاني: أنّ الفاعل ضمير المصدر المفهوم من الفعل وهو بدا، أي: بدا لهم بداء. والثالث: أنه مضمر يدل عليه السياق، أي: بدا لهم رأي. والرابع: أنه محذوف وليسجننه قائم مقامه، أي: بدا لهم السجن، فحذف وأقيمت الجملة مقامه، وليست الجملة فاعلاً؛ لأن الجمل لا تكون كذلك، وقيل: الحبس هنا خمس سنين، وقيل: سبع سنين. وقال مقاتل بن سليمان: حبس يوسف اثنتي عشرة سنة، وقال الرازي: والصحيح أنّ هذه المقادير غير معلومة، وإنما القدر المعلوم أنه بقي مسجوناً مدّة طويلة لقوله تعالى: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ (يوسف، ٤٥) وعن عكرمة قال: قال رجل ذو رأي للعزيز: متى تركت هذا العبد يعتذر إلى الناس، ويقص عليهم أمره فاتركه في بيتها لا يخرج إلى الناس فإن خرج للناس عذروه وفضحوا أهلك فأمر به فسجن. ﴿ودخل معه السجن فتيان﴾ وهما غلامان كانا للوليد بن نزوان العمليقي ملك مصر الأكبر أحدهما خبازه صاحب طعامه، والآخر ساقيه صاحب شرابه غضب الملك عليهما فحبسهما وكان السبب فيه أنّ جماعة من أشراف مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله وقتله، فضمنوا لهذين الغلامين مالاً على أن يسما الملك في طعامه وشرابه فأجابا إلى ذلك ثم أنّ الساقي ندم ورجع عن ذلك، وقبل الخباز الرشوة وسم الطعام فلما حضر الطعام بين يدي الملك قال الساقي: لا تأكل أيها الملك فإنّ الطعام مسموم فقال الخباز: لا تشرب فإنّ الشراب مسموم. فقال الملك للساقي اشرب فشرب فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك فأبى فأطعم من ذلك الطعام: دابة فهلكت، فأمر بحبسهما، وكان يوسف ﵇ حين دخل السجن قال لأهله: إني أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيين لصاحبه: هلم فلنجرّب هذا العبد العبراني فنتراءى له رؤيا قال ابن مسعود: وما رأيا شيئاً وإنما تحالما ليجربا يوسف وقال قوم: بل كانا رأيا حقيقة فرآهما يوسف وهما مهمومان فسألهما عن شأنهما فذكر أنهما صاحبا الملك حبسهما وقد رأيا رؤيا غمتهما، فقال يوسف: قصا عليّ ما رأيتما ﴿قال أحدهما﴾ وهو صاحب شراب الملك ﴿إني أراني أعصر خمراً﴾ . فإني قيل: كيف يعقل عصر الخمر؟ أجيب: عن ذلك بثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون المعنى أعصر عنب خمر، أي: العنب الذي يكون عصيره خمراً فحذف المضاف. الثاني: إن العرب تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه تقول: فلان يطبخ دبساً وهو يطبخ عصيراً. الثالث: قال أبو صالح: أزد وعمان يسمون العنب بالخمر فوقعت هذه اللفظة إلى أهل مكة فنطقوا بها. قال الضحاك: نزل القرآن بألسنة جميع العرب وذلك أنه قال: إني رأيت في المنام كأني في بستان وإذا فيه شجرة فيها ثلاثة أغصان عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه، وسقيت الملك فشربه ﴿وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه﴾ وذلك أنه قال: رأيت في المنام كأنّ فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان

стр. 762

الطعام وسباع الطير تنهش منه ﴿نبئنا﴾ ، أي: أخبرنا ﴿بتأويله﴾ ، أي: بتفسيره ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ ، أي: في علم التفسير؛ لأنه متى عبر لم يخطئ كما قال: وعلمتني من تأويل الأحاديث، وقيل: في أمر الدين؛ لأنه كان شديد المواظبة على الطاعات من الصوم والصلاة، فإنه كان يصوم النهار ويقوم الليل كله، ومن كان كذلك فإنه يوثق بما يقوله في تعبير الرؤيا وفي سائر الأمور، وقيل: في حق الشركاء والأصحاب؛ لأنه كان يعود مرضاهم ويؤنس حزينهم، وإذا ضاق على أحدهم وسع عليه وإذا احتاج أحدهم جمع له شيئاً، قيل: إنه لما دخل السجن وجد قوماً اشتدّ بلاؤهم وانقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يسكنهم ويقول: اصبروا وأبشروا تؤجروا فيقولون: بارك الله فيك يا فتى ما أحسن وجهك وخلقك وحديثك لقد بورك لنا في جوارك فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف بن صفيّ الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم، فقال له عامل السجن: والله يا فتى لو استطعت لخليت سبيلك، ولكن سأحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت. وروي أنّ الفتيين لما رأيا يوسف قالا: لقد أحببناك حين رأيناك، فقال لهما يوسف: أنشدكما الله أن لا تحباني فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل عليّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ بلاء ثم أحبني أبي فألقيت في الجب، وأحبتني امرأة العزيز فحبست، فلما قصا عليه الرؤيا كره يوسف أن يعبر لهما ما سألاه لما علم في ذلك من المكروه على أحدهما. ﴿قال﴾ معرضاً عن سؤالهما أخذاً في غيره من إظهار المعجزة في الدعاء إلى التوحيد ﴿لا يأتيكما طعام ترزقانه﴾ ، أي: في منامكما ﴿إلا نبأتكما بتأويله﴾ ، أي: في اليقظة ﴿قبل أن يأتيكما﴾ تأويله، وقيل: أراد به في اليقظة، يقول: لا يأتيكما طعام ترزقانه من منازلكما تطعمانه إلا نبأتكما بتأويله بقدره ولونه والوقت الذي يصل إليكما قبل أن يصل وأي طعام أكلتم، ومتى أكلتم وهذه كمعجزة عيسى ﵇ حيث قال: ﴿وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم﴾ (آل عمران، ٤٩) فقالا: هذا فعل العرافين والكهنة. فمن أين لك هذا العلم؟ فقال: ما أنا بكاهن ﴿ذلكما﴾ ، أي: هذا التأويل والإخبار بالمغيبات ﴿مما علمني ربي﴾ وفي ذلك حث على إيمانهم ثم قواه بقوله ﴿إني تركت ملة﴾ ، أي: دين ﴿قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون﴾ وكرر لفظة هم للتأكيد لشدّة إنكارهم للمعاد. ولما ادعى يوسف ﵇ النبوّة وأظهر المعجزة أظهر أنه من أهل بيت النبوّة بقوله: ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾ ليسمعوا قوله ويطيعوا أمره فيما يدعوهم إليه من التوحيد، فإنّ الإنسان متى ادّعى حرفة أبيه وجدّه لم يستبعد ذلك منه، وأيضاً فكمال درجة إبراهيم وإسحاق ويعقوب أمر مشهور في الدنيا، فإذا أظهر أنهم آباؤه عظموه ونظروا إليه بعين الإجلال فكان انقيادهم له أتم وتأثير قلوبهم بكلامه أكمل. فإن قيل: إنه كان نبياً فكيف قال: اتبعت ملة آبائي، والنبيّ لا بدّ وأن يكون مختصاً بشريعة نفسه؟ أجيب: بأنّ مراده التوحيد الذي لا يتغير، أو لعله كان رسولاً من عند الله تعالى إلا أنه كان نبي على شريعة إبراهيم ﵇، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون ياء آبائي، والباقون بالفتح ﴿ما كان﴾ ، أي: ما صح ﴿لنا﴾ معشر الأنبياء ﴿أن نشرك بالله من شيء﴾ لأنّ الله تعالى طهره وطهر آباءه عن الكفر ونظيره قوله تعالى: ﴿ما كان لله أن يتخذ من ولد﴾ (مريم، ٣٥) وإنما قال: من شيء

стр. 763

لأنّ؛ أصناف الشرك كثيرة، فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد النار، ومنهم من يعبد الكواكب، ومنهم من يعبد الملائكة، فقوله: من شيء ردّ على هؤلاء الطوائف وإرشاد إلى الدين الحق، وهو أنه لا موجد ولا خالق ولا رازق إلا الله ﴿ذلك﴾ ، أي: التوحيد ﴿من فضل الله علينا﴾ بالوحي ﴿وعلى الناس﴾ ، أي: سائرهم ببعثنا لارشادهم وتثبيتهم عليه ﴿ولكنّ أكثر الناس﴾ ، أي: المبعوث إليهم ﴿لا يشكرون﴾ هذه النعمة التي أنعم الله تعالى بها عليهم؛ لأنهم تركوا عبادته وعبدوا غيره ثم دعاهم إلى الإيمان فقال: ﴿يا صاحبي السجن﴾ ، أي: يا صاحبيّ في السجن فأضافهما إلى السجن كما تقول: يا سارق الليلة، فكما أنّ الليلة مسروق فيها غير مسروقة، فكذلك السجن مصحوب فيه غير مصحوب وإنما المصحوب غيره وهو يوسف ﵇، أو يا ساكني السجن كما قيل لسكان الجنة: أصحاب الجنة، ولسكان النار: أصحاب النار ﴿أأرباب﴾ ، أي: آلهة ﴿متفرقون﴾ ، أي: متباينون من ذهب وفضة وصفر وحديد وخشب وحجارة وصغير وكبير ومتوسط وغير ذلك ﴿خير﴾ ، أي: أعظم في صفة المدح وأولى بالطاعة ﴿أم الله الواحد القهار﴾ ، أي: المتوحد بالألوهية الذي لا يغالب ولا يشارك في الربوبية غيره خير، والاستفهام للتقرير، وفي الهمزتين في ﴿أأرباب﴾ من القراءات ما في ﴿أأنذرتهم﴾ وقد مرّ. فإن قيل: هل يجوز التفاضل بين الأصنام وبين الله تعالى حتى يقال: إنها خير أم الله؟ أجيب: بأنّ ذلك خرج على سبيل الفرض، والمعنى: لو سلمنا أنه حصل منها ما يوجب الخير فهي خير أم الله الواحد القهار. ثم بين عجز الأصنام فقال: ﴿ما تعبدون﴾ وإنما خاطبهم بلفظ الجمع وقد ابتدأ بالتثنية في المخاطبة؛ لأنه أراد جميع من في السجن من المشركين. والعبادة خضوع القلب في أعلى مراتب الخضوع، وبيّن حقارة معبوداتهم وسفالتها بقوله: ﴿من دونه﴾ ، أي: الله الذي قام البرهان على إلهيته وعلى اختصاصه بذلك ﴿إلا أسماء﴾ وبيّن ما يريد وأوضحه بقوله ﴿سميتموها﴾ ، أي: ذوات أوجدتم لها أسماء ﴿أنتم﴾ سميتموها آلهة وأرباباً، وهي حجارة جماد خالية عن المعنى لا حقيقة لها ﴿وآباؤكم﴾ من قبلكم سموها كذلك ﴿ما أنزل الله بها﴾ ، أي: بعبادتها ﴿من سلطان﴾ ، أي: حجة وبرهان ﴿إن الحكم﴾ ، أي: ما الحكم ﴿إلا لله﴾ ، أي: المختص بصفات الكمال والحكم فصل الأمر بما تدعو إليه الحكمة ﴿أمر﴾ وهو النافذ الأمر المطاع الحكم ﴿أن لا تعبدوا إلا إياه﴾ ؛ لأنه المستحق للعبادة لا هذه الأسماء التي سميتموها آلهة. ولما أقام الدليل على هذا الوجه الذي كان جديراً بالإشارة إلى فضله أشار إليه بأداة البعد تنبيهاً على علوّ مقامه وعظيم شأنه فقال: ﴿ذلك﴾ ، أي: الشأن الأعظم وهو توحيده وإفراده عن خلقه ﴿الدين القيم﴾ ، أي: المستقيم الذي لا عوج فيه ﴿ولكنَّ أكثر الناس﴾ وهم الكفار ﴿لا يعلمون﴾ ما يسيرون إليه من العذاب فيشركون. ولما قرر يوسف ﵇ أمر التوحيد والنبوّة إلى الجواب عن السؤال الذي ذكراه فقال: ﴿يا صاحبي السجن﴾ ، أي: الذي يحصل فيه الانكسار للنفس والرقة في القلب، فتخلص فيه المودّة، ولما كان في الجواب ما يسوء الخباز أبهم ليجوّز كل منهما أنه الفائز، فإن ألجأه إلى التعيين كان ذلك عذراً له في الخروج عن الأليق فقال: ﴿أمّا أحدكما﴾ وهو صاحب شراب الملك ﴿فيسقي ربه﴾ ، أي: سيده ﴿خمراً﴾ على

стр. 764

عادته، والعناقيد الثلاثة هي ثلاثة أيام يبقى في السجن، ثم يدعو به الملك فيردّه إلى رتبته التي كان عليها هذا تأويل رؤياه ﴿وأمّا الآخر﴾ وهو صاحب طعام الملك ﴿فيصلب﴾ والسلال الثلاثة ثلاثة أيام، ويدعو به الملك فيصلبه ﴿فتأكل الطير من رأسه﴾ هذا تأويل رؤياه، قال ابن مسعود: فلما سمعا قول يوسف ﵇ قالا: ما رأينا شيئاً إنما كنا نلعب، فقال لهما يوسف ﵇ ﴿قضي﴾ ، أي: تم ﴿الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ ، أي: تطلبان الإفتاء فيه عملاً بالفتوة، فسألتما عن تأويله وهو تعبير رؤياكما كذبتما أو صدقتما لم أقله عن جهل ولا غلط. ﴿وقال﴾ يوسف ﵇ ﴿للذي ظنّ﴾ ، أي: علم وتحقق، فالظنّ بمعنى العلم؛ لأنه قاله عن وحي لقوله ﴿قضي الأمر﴾ ويجوز أن يكون ضمير ظنّ للساقي، فهو حينئذ على بابه ﴿أنه ناجٍ منهما﴾ وهو الساقي ﴿اذكرني عند ربك﴾ ، أي: سيدك ملك مصر بما رأيت مني من معالي الأخلاق وطهارة الشيم الدالة على بعدي مما رميت به، والمراد بالرب هنا غير المراد به في قوله: ﴿أأرباب متفرقون﴾ فنجا الساقي وصلب صاحبه وفق ما قاله لهما يوسف ﵇، واختلف في ضمير ﴿فأنساه الشيطان ذكر ربه﴾ على قولين: أحدهما: أنه يعود إلى الساقي، وهو قول جماعة من المفسرين، أي: فأنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند الملك قالوا: لأنّ صرف وسوسة الشيطان إلى ذلك الرجل الساقي حتى أنساه ذكر يوسف أولى من صرفها إلى يوسف. والقول الثاني وعليه أكثر المفسرين: أنه يرجع إلى يوسف ﵇. وقال الرازي: إنه الحق، أي: أنّ الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه تعالى حتى استعان بمخلوق مثله، وتلك غفلة عرضت له ﵇، فإنّ الاستعانة بالمخلوق في رفع الظلم جائزة في الشريعة إلا أنّ حسنات الأبرار سيئات المقرّبين، فهذا وإن كان جائزاً لعامّة الخلق إلا أنّ الأولى بالصدّيقين أن يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية وأن لا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب، فلهذا صار يوسف ﵇ مؤاخذاً بهذا القول ولم يؤاخذه تعالى في تلك القصة البتة بل ذكره بأعظم وجوه المدح والثناء فعلم بذلك أنه ﵇ كان مبرأً مما نسبه الجهال والحشوية إليه. فإن قيل: كيف تمكن الشيطان من يوسف حتى أنساه ذكر ربه؟ أجيب: بأنّ ذلك إنما كان شغل خاطر، وأمّا النسيان الذي هو عبارة عن ترك الذكر وإزالته عن القلب بالكلية فلا يقدر عليه، واختلف في قدر البضع في قوله تعالى: ﴿فلبث في السجن بضع سنين﴾ فقال مجاهد: ما بين الثلاث إلى التسع. وقال ابن عباس: ما دون العشرة. وقال البغوي: وأكثر المفسرين أنّ البضع في هذه الآية سبع سنين، وكان قد لبث قبله خمس سنين، فجملته اثنتا عشرة سنة، وقال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين وترك يوسف في السجن سبع سنين. وقال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي: اذكرني عند ربك، قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً لأطيلنّ حبسك، فبكى يوسف وقال: يا رب أنسى قلبي كثرة البلوى، فقلت كلمة، قال الحسن: قال النبيّ ﷺ «رحم الله يوسف لولا كلمته التي قالها ما لبث في السجن ما لبث» ثم بكى الحسن وقال: نحن إذا نزل بنا بلاء فزعنا إلى الناس، ذكره الثعلبي مرسلاً وبغير سند. وقال الحسن أيضاً: دخل جبريل على يوسف ﵉ في السجن، فلما رآه يوسف عرفه فقال له: يا أخا المنذرين ما لي أراك بين

стр. 765

الخاطئين. فقال له جبريل: يا طاهر يا ابن الطاهرين يقرأ عليك السلام رب العالمين ويقول لك: أما استحييت مني واستشفعت للآدميين فوعزتي لالبثنك في السجن بضع سنين. قال يوسف: وهو في ذلك عني راض؟ قال: نعم. قال: إذاً لا أبالي. وقال كعب: قال جبريل ليوسف: إنّ الله تعالى يقول لك: من خلقك؟ قال: الله. قال: فمن علمك تأويل الرؤيا؟ قال: الله. قال: فمن حببك إلى أبيك؟ قال: الله. قال: فمن أنجاك من كرب البئر؟ قال: الله تعالى. قال فمن صرف عنك السوء والفحشاء؟ قال: الله. قال: فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟. قال محمد بن عمر الرازيّ في تفسيره: والذي جربته من أوّل عمري إلى آخره أنّ الإنسان كلما عوّل في أمر من الأمور على غير الله تعالى صار ذلك سبباً للبلاء والمحنة والشدّة والرزية، وإذا عول على الله تعالى ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن الوجوه، فهذه التجربة قد استمرّت لي من أوّل عمري إلى هذا الوقت الذي بلغت إلى السابع والخمسين، فعند ذلك استقرّ قلبي على أنه لا مصلحة للإنسان في التعويل على شيء سوى فضل الله تعالى وإحسانه. ولما دنا فرج يوسف ﵇ رأى ملك مصر الأكبر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هائلة، كما قال تعالى: ﴿وقال الملك إني أرى﴾ ، أي: رأيت عبر بالمضارع حكاية للحال لشدّة ما هاله من ذلك ﴿سبع بقرات سمان﴾ ، أي: خرجن من نهر يابس، والسمن زيادة البدن من الشحم واللحم وسمان جمع سمينة، ويجمع سمين أيضاً عليه يقال: رجال سمان ونساء سمان كما يقال: رجال كرام ونساء كرام ﴿يأكلهنّ﴾ ، أي: يبتلعهنّ ﴿سبع﴾ ، أي: من البقر ﴿عجاف﴾ جمع عجفاء، أي: مهازيل خرجن من ذلك النهر. تنبيه: جمع عجفاء على عجاف، والقياس عجف نحو حمراء وحمر حملاً له على سمان؛ لأنه نقيضه، ومن دأبهم حمل النظير على النظير والنقيض على النقيض ﴿و﴾ إني أرى ﴿سبع سنبلات خضر﴾ ، أي: قد انعقد حبها ﴿و﴾ إني أرى سبع سنبلات ﴿أخر يابسات﴾ ، أي: قد أدركت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها وإنما استغنى عن بيان حالها بما نص من حال البقرات، والسنبلة نبات كالقصبة فيها جملة حبوب منتظمة، فكأنه قيل: فكان ماذا؟ فقيل: قال الملك بعد أن جمع السحرة والكهنة والمعبرين ﴿يا أيها الملأ﴾ ، أي: الأشراف النبلاء الذين تملأ العيون مناظرهم والقلوب مآثرهم ﴿أفتوني في رؤياي﴾ ، أي: أخبروني بتأويلها ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ ، أي: إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا فاعبروها. تنبيه: اللام في للرؤيا مزيدة فلا تعلق لها بشيء، وزيدت لتقدّم المعمول تقويةً للعامل كما زيدت إذا كان العامل فرعاً كقوله تعالى: ﴿فعال لما يريد﴾ (البروج، ١٦) ولا تزاد فيما عدا ذينك إلا ضرورة، وقيل: ضمن تعبرون معنى ما يتعدّى باللام تقديره: إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا، وقيل: متعلقة بمحذوف على أنها للبيان كقوله تعالى: ﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ (يوسف، ٢٠) تقديره: أعني فيه، وكذلك هذا تقديره: أعني للرؤيا، وعلى هذا يكون مفعول تعبرون محذوفاً تقديره تعبرونها، وفي الآية ما يوجبه حال العلماء من حاجة الملوك إليهم فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: ﴿قالوا﴾ هذه الرؤيا ﴿أضغاث﴾ ، أي: أخلاط ﴿أحلام﴾ مختلطة مختلفة مشتبهة جمع ضغث بكسر الضاد وإسكان الغين المعجمة، وهي قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس، والأحلام جمع حلم بضم الحاء وإسكان اللام وضمها، وهو الرؤيا فقيدوها بالأضغاث، وهو ما يكون من الرؤيا باطلاً

стр. 766

لكونه من حديث النفس ووسوسة الشيطان لكونها تشبه أخلاط النبات التي لا تناسب بينها؛ لأنّ الرؤيا تارة تكون من الملك وهي الصحيحة، وتارة تكون من تحزين الشيطان وتخليطاته، وتارة من حديث النفس، ثم قالوا: ﴿وما نحن﴾ ، أي: بأجمعنا ﴿بتأويل الأحلام﴾ ، أي: المنامات الباطلة ﴿بعالمين﴾ ، أي: ليس لها تأويل عندنا، وإنما التأويل للمنامات الصادقة كأنه مقدّمة ثانية للعذر ولما سأل الملك عن هذه الرؤيا واعترف الحاضرون بالعجز عن الجواب تذكر ذلك الشرابي واقعة يوسف ﵇؛ لأنه كان يعتقد فيه كونه متبحراً في هذا العلم كما قال تعالى: ﴿وقال الذي نجا﴾ ، أي: خلص ﴿منهما﴾ ، أي: من صاحبي السجن وهو الشرابي إنّ في الحبس رجلاً فاضلاً صالحاً كثير العلم كثير الطاعة قصصت أنا والخباز عليه منامين فذكر تأويلهما فصدق في كل ما ذكر وما أخطأ في حرف، فكانت هذه الرؤيا سبباً لخلاص يوسف ﵇، ولم يتذكر الشرابي إلا بعد طول المدّة كما قال تعالى: ﴿وادّكر﴾ بالدال المهملة، أي: طلب الذكر بالذال المعجمة وزنه افتعل ﴿بعد أمّة﴾ ، أي: وتذكر يوسف بعد جماعة من الزمان مجتمعة، أي: مدّة طويلة، والجملة اعتراض ومقول القول ﴿أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون﴾ ، أي: إلى يوسف ﵇ فإنه أعلم الناس فأرسلوه إليه، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ولم يكن السجن بالمدينة فأتاه، فقال الساقي المرسل إليه منادياً له نداء القرب تحبباً إليه: ﴿يوسف﴾ وزاد في التحبب بقوله ﴿أيها الصدّيق﴾ ، أي: البليغ في الصدق والتصديق؛ لأنه جرّب أحواله وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه، وهذا يدل على أنّ من أراد أن يتعلم من رجل شيئاً فإنه يجب عليه أن يعظمه وأن يخاطبه بالألفاظ المشعرة بالإجلال، ثم إنه أعاد السؤال يعني اللفظ الذي ذكره الملك فقال: ﴿أفتنا﴾ ، أي: اذكر لنا الحكم ﴿في سبع بقرات سمان﴾ ، أي: رآهنّ الملك ﴿يأكلهنّ سبع﴾ من البقر ﴿عجاف و﴾ في ﴿سبع سنبلات﴾ جمع سنبلة وهي مجمع الحب من الزرع ﴿خضر و﴾ في سبع ﴿أخر﴾ من السنابل ﴿يابسات﴾ ، أي: في رؤيا ذلك، ونعم ما فعل من ذكر السؤال بعين اللفظ، فإنّ نفس الرؤيا قد تختلف بحسب اختلاف الألفاظ كما هو مذكور في ذلك العلم ثم قال: ﴿لعلي أرجع إلى الناس﴾ ، أي: إلى الملك وجماعته بفتواك قبل مانع يمنعني ﴿لعلهم يرجعون﴾ ، أي: بتأويل هذه الرؤيا، وقيل: بمنزلتك في العلم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بفتح الياء، والباقون بالسكون. ﴿قال﴾ يوسف ﵇ معبراً لتلك الرؤيا: أمّا البقرات السمان والسنبلات الخضر فسبع سنين مخصبات، وأمّا البقرات العجاف والسنبلات اليابسات فسبع سنين مجدبة فذلك قوله ﴿تزرعون سبع سنين﴾ وهو خبر بمعنى الأمر كقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن﴾ (البقرة، ٢٢٨) ﴿والوالدات يرضعن﴾ (البقرة، ٢٣٣) وإنما خرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في الإيجاب فيجعل كأنه وجد فهو يخبر عنه، والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: ﴿فذروه في سنبله﴾ وقوله: ﴿دأباً﴾ نصب على الحال، أي: دائبين، أي: سبع سنين متتابعة على عادتكم في الزراعة، والدأب العادة، وقيل: ازرعوا بجد واجتهاد، وهذا تأويل السبع السمان والسنبلات الخضر. وقرأ حفص بفتح الهمزة، وسكنها الباقون، وأبدلها السوسي ألفا وقفاً ووصلاً، وحمزة وقفاً فقط. ﴿فما حصدتم فذروه﴾ ، أي: اتركوه ﴿في سنبله﴾ لئلا يفسد ولا يقع فيه السوس، وذلك أبقى له على

стр. 767

طول الزمان ﴿إلا قليلاً مما تأكلون﴾ ، أي: ادرسوا قليلاً من الحنطة للأكل بقدر الحاجة، أمرهم بحفظ الأكثر لوقت الحاجة أيضاً، وهو وقت السنين المجدبة كما قال: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك﴾ ، أي: السبع المخصبات ﴿سبع شداد﴾ ، أي: مجدبات صعاب وهي تأويل السبع العجاف والسنبلات اليابسات ﴿يأكلن ما قدّمتم لهنّ﴾ ، أي: يأكل أهلهنّ ما ادّخرتم لأجلهنّ، فأسند إليهنّ على المجاز تطبيقاً بين المعبر وهو يأكلهنّ سبع عجاف والمعبر به وهو يأكلن ما قدّمتم لهنّ ﴿إلا قليلاً مما تحصنون﴾ ، أي: تحرزون وتدّخرون للبذر، والإحصان الإحراز وهو إبقاء الشيء في الحصن بحيث يحفظ ولا يضيع. ﴿ثم يأتي من بعد ذلك﴾ ، أي: السبع المجدبات ﴿عام فيه يغاث الناس﴾ ، أي: يمطرون من الغيث وهو المطر، وقيل: ينقذون من قول العرب استغثت فأغاثني ﴿وفيه يعصرون﴾ من العنب خمراً، ومن الزيتون زيتاً، ومن السمسم دهناً، وأراد بذلك كثرة النعم والخير. وقال أبو عبيدة: ينجون من الكرب والشدّة والجدب. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب؛ لأنّ الكلام كله مع الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة ردّاً إلى الناس. ولما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير الذي ذكره يوسف ﵇ استحسنه. ﴿وقال الملك﴾ ، أي: الذي العزيز في خدمته ﴿ائتوني به﴾ لأسمع ذلك منه وأكرمه وهذا يدلّ على فضيلة العلم فإنه جعل علمه سبباً لخلاصه من المحنة الدنيوية، فكيف لا يكون العلم سبباً للخلاص من المحن الأخروية؟ فأتاه الرسول ليأتي به إلى الملك ﴿فلما جاءه﴾ ، أي: يوسف ﵇ عن قرب من الزمان ﴿الرسول﴾ بذلك وهو الساقي وقال له: أجب الملك ﴿قال﴾ له يوسف ﵇ ﴿ارجع إلى ربك﴾ ، أي: سيدك الملك، ولم يخرج معه حتى يظهر برهانه للملك ولا يراه بعين النقص ولذلك قال: ﴿فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهنّ﴾ وإنما قال يوسف ﵇: فاسأله ما بال النسوة، ولم يقل: فاسأله أن يفتش عن حالهنّ؛ لأنّ قوله: فاسأله يحتمل أن يكون بمعنى المسألة، أي: اسأله عن شأنهنّ وأن يكون بمعنى الطلب، وهو أن يفتش عن شأنهنّ فحسن تقييده بلفظ ما التي يسأل بها عن حقيقة الشيء ليهيجه أن يتحرك للتفتيش عن حالهنّ؛ لأنّ الإنسان حريص على تحقيق الشيء ويستنكف أن ينسب إلى الجهل به بخلاف ما لو قال: سله أن يفتش، أي: اطلب منه فإنه لا يبالي بهذا الطلب ولا يلتفت إليه لا سيما الملوك.k وإنما لم يتعرّض لسيدته مع ما صنعته به كرماً ومراعاة للأدب، وقدّم سؤال النسوة وفحص حالهنّ لتظهر براءة ساحته؛ لأنه لو خرج في الحال لربما كان يبقى في قلب الملك من تلك التهمة أثر، فلما التمس من الملك أن يفحص عن حال تلك الواقعة دل ذلك على براءته من تلك التهمة، فبعد خروجه لا يقدر أحد أن يلطخه بتلك الرذيلة وأن يتوصل بها إلى الطعن فيه، وفي ذلك دليل على أنه ينبغي للشخص أن يجتهد في نفي التهم ويتقي مواقعها وروي أنه ﷺ قال: «لقد عجبت من يوسف وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى اشترطت أن يخرجوني، ولقد عجبت منه حيث أتاه الرسول فقال: ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر، إن كان لحليماً ذا أناة» . وأصل الحديث في الصحيحين مختصراً، وإنما قال ﷺ ذلك على سبيل التواضع لا أنه

стр. 768

صلى الله عليه وسلم كان في الأمر منه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف، والتواضع لا يصغر كبيراً ولا يضع رفيعاً ولا يبطل لذي حق حقه، لكنه يوجب لصاحبه فضلاً ويلبسه جلالة وقدراً، وقوله: «والله يغفر له» مثل هذه المقدمة مشعرة بتعظيم المخاطب من توقيره وتوقير حرمته كما تقول لمن تعظمه: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، ورضي الله تعالى عنك ما جوابك عن كلامي، وقوله: «إن كان لحليماً» إن هي المخففة من الثقيلة، والأناة الوقار، وقيل: هو اسم من التأني في الأمور. وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين ولا همزة بعدها، والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها ﴿إنّ ربي﴾ ، أي: الله ﴿بكيدهنّ عليم﴾ حين قلن أطع مولاتك، وفيه تعظيم كيدهنّ والاستشهاد بعلم الله تعالى عليه وأنه بريء مما عيب به، والوعيد لهنّ على كيدهنّ، وقيل: المراد بربي الملك، وجعله رباً لنفسه لكونه مربياً له، وفيه إشارة إلى كون ذلك الملك عالماً بكيدهنّ ومكرهنّ، ولما قال يوسف ﵇ ذلك وأبى أن يخرج من السجن قبل تبين الأمر رجع الرسول إلى الملك فأخبره بما قال ﵇ فكأنه قيل: فما فعل الملك؟ فقيل: ﴿قال﴾ للنسوة بعد أن جمعهنّ وامرأة العزيز معهنّ ﴿ما خطبكنّ﴾ ، أي: ما شأنكنّ العظيم وقوله: ﴿إذ راودتنّ﴾ ، أي: خادعتنّ ﴿يوسف عن نفسه﴾ دليل على أنّ براءته كانت متحققة عند كل من علم القصة، وإنما خاطب الملك جميع النسوة بهذا الخطاب، والمراد بذلك امرأة العزيز وحدها ليكون أستر لها، وقيل: إنّ امرأة العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة أمرنه بطاعتها فلذلك خاطبهنّ فكأنه قيل فما قلن؟ قيل: ﴿قلن حاش لله﴾ ، أي: عياذاً بالملك الأعظم وتنزيهاً له من هذا الأمر ﴿ما علمنا عليه﴾ ، أي: يوسف ﵇ وأغرقن في النفي فقلن ﴿من سوء﴾ ، أي: من خيانة في شيء من الأشياء، ولما أنّ يوسف ﵇ راعى جانب امرأة العزيز حيث قال: ﴿ما بال النسوة اللاتي قطعنّ أيديهنّ﴾ (يوسف، ٥٠) فذكرهنّ ولم يذكر تلك المرأة البتة وعرفت المرأة أنه إنما ترك ذكرها رعاية لحقها وتعظيماً لجانبها وإخفاء للأمر عنها أرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن، فلا جرم أزالت الغطاء والوطاء فلذلك ﴿قالت امرأت العزيز﴾ مصرحة بحقيقة الحال ﴿الآن حصحص الحق﴾ ، أي: ظهر وتبين ﴿أنا راودته﴾ ، أي: خادعته ﴿عن نفسه﴾ وأكدت ما أفصحت به مدحاً ونفياً لكل سوء بقولها مؤكداً لأجل ما تقدّم ﴿وإنه لمن الصادقين﴾ ، أي: الغريقين في هذا الوصف في نسبة المراودة إليّ، وتبرئة نفسه، فقد شهد النسوة كلهنّ ببراءته، وإنه لم يقع منه ما ينسب به إلى شيء من السوء البتة، فمن نسب بعد ذلك هما أو غيره فهو تابع لمجرّد الهوى في نبيّ من المخلصين. قال الرازي: رأيت في بعض الكتب أنّ امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادّعت عليه المهر، فأمر القاضي بأن تكشف عن وجهها حتى يتمكن الشهود من إقامة الشهادة. فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك فإني مقرّ بصداقها في دعواها. فقالت المرأة: لما أكرمتني إلى هذا الحدّ فاشهدوا أني أبرأت ذمّتك من كل حق لي عليك. ولما رجع الرسول إلى يوسف ﵇ وأخبره بشهادتهنّ ببراءته قال: ﴿ذلك﴾ ، أي: الخلق العظيم في تثبتي في السجن إلى أن تبين الحق ﴿ليعلم﴾ العزيز بإقرارها وهي في الأمن وأنا في محل الضيق والخوف علماً مؤكداً ﴿أني لم أخنه﴾ ، أي: في أهله ولا في غيرها ﴿بالغيب﴾ ، أي:

стр. 769

والحال أنّ كلاً منا غائب عن صاحبه هذا قول الأكثرين أنه قول يوسف ﵇، قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام آخر إذا دلت القرينة عليه ومثاله قوله تعالى: ﴿إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة﴾ (النمل، ٣٤) هذا كلام بلقيس، ثم قال الله تعالى: ﴿وكذلك يفعلون﴾ (النمل، ٣٤) وقوله تعالى: ﴿ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه﴾ (آل عمران، ٩) كلام الداعي ثم قال الله تعالى: ﴿إنّ الله لا يخلف الميعاد﴾ ثم ختم الكلام بقوله: ﴿وأنّ الله لا يهدي﴾ ، أي: يسدّد وينجح بوجه من الوجوه ﴿كيد الخائنين﴾ ، أي: ولو كنت خائناً لما خلصني الله من هذه الورطة العظيمة، وحيث خلصني منها ظهر أني بريء عما نسبوني إليه. وقيل: إنه كلام امرأة العزيز، والمعنى: أني وإن كنت أحلت عليه الذنب في حضوره لكني ما أحلت الذنب عليه في غيبته، أي: لم تقل فيه وهو في السجن خلاف الحق، ثم إنها بالغت في تأكيد هذا القول وقالت: ﴿وأنّ الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ يعني إني لما أقدمت على الكيد والمكر لا جرم افتضحت، وإنه لما كان بريئاً من الذنب لا جرم طهره الله تعالى منه. واعلم أنّ هذه الآية على القول الأوّل دالة على طهارة يوسف ﵇ من وجوه كثيرة؛ الأوّل: قولها: ﴿أنا رادوته عن نفسه﴾ . والثاني: قولها: ﴿وإنه لمن الصادقين﴾ وهو إشارة إلى أنه صادق في قوله: ﴿هي راودتني عن نفسي﴾ . والثالث: قول يوسف ﵇: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ والحشوية يذكرون أنه لما قال يوسف هذا الكلام قال له جبريل ﵇: ولا حين هممت. قال الرازي: وهذا من رواياتهم الخبيثة وما صحت هذه الرواية في كتاب معتمد، أي: وإنما أسندها بعضهم لابن عباس بل هم يلحقونها بهذا الموضع سعياً منهم في تحريف ظاهر القرآن. ورابعها: أنّ إقدامه على قوله ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ مع أنه خانه بأعظم وجوه الخيانة إقدام على وقاحة عظيمة وعلى كذب عظيم من غير أن يتعلق به مصلحة بوجه ما، والإقدام على مثل هذه الوقاحة من غير فائدة أصلاً لا يليق بأحد من العقلاء، فكيف يليق إسناده إلى نبي مرسل من سلالة الأنبياء الأصفياء؟ فثبت أنّ هذه الآية تدل دلالة قاطعة على براءته مما يقول الجهال والحشوية، واختلفوا في تفسير قوله: ﴿وما أبرئ نفسي﴾ لأنّ ذلك يختلف باختلاف ما قبله؛ لأنّ قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ إن كان من كلام يوسف ﵇، وقد مرّ أنه قول الأكثرين فهو أيضاً كلامه، وإن كان من كلام المرأة، فهذا أيضاً كلامها، فعلى الأوّل قد تمسك به الحشوية، وقالوا: إنه ﵇ لما قال: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ قال له جبريل: ولا حين حللت تكة سراويلك فعند ذلك قال يوسف ﵇ ﴿وما أبرئ نفسي﴾ . ﴿إنّ النفس لأمّارة بالسوء﴾ ، أي: بالزنا ﴿إلا ما رحم﴾ ، أي: عصم منه ﴿ربي إنّ ربي غفور﴾ ، أي: للهم الذي هممته ﴿رحيم﴾ ، أي: لو فعلته لتاب عليّ، وهذا ضعيف كما قاله الرازي لما تقدّم أنّ الآية المتقدّمة برهان قاطع على براءته من الذنب، وإنما قال ذلك ﵇؛ لأنه لما قال: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ كان ذلك جارياً مجرى مدح النفس وتزكيتها وقد قال تعالى: ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾ (النجم، ٣٢) فاستدرك ذلك على نفسه بقوله: ﴿وما أبرئ نفسي﴾ والمعنى وما أزكي نفسي ﴿إنّ النفس لأمارة بالسوء﴾ ميالة إلى القبائح راغبة في المعصية. وعلى الثاني أنها لما قالت: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾

стр. 770

قالت: ﴿وما أبرئ نفسي﴾ من الخيانة مطلقاً، فإني قد خنته حي أحلت الذنب عليه وقلت: ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن﴾ وأودعته في الحبس، كأنها أرادت الاعتذار مما كان، واختلف في قوله: ﴿وقال الملك﴾ فمنهم من قال: هو العزيز، ومنهم من قال: هو الريان الذي هو الملك الأكبر. قال الرازي: وهذا هو الأظهر لوجهين: الأوّل: أنّ قول يوسف ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ يدل عليه. الثاني: قوله ﴿أستخلصه لنفسي﴾ يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصاً وقد كان يوسف ﵇ قبل ذلك خالصاً للعزيز فدل هذا على أنّ هذا الملك هو الملك الأكبر انتهى. وإنما صرّح به ولم يستغن بضميره كراهية الالتباس لما تخلل بينه وبين جواب امرأة العزيز من كلام يوسف ﵇، ولو كان الكل من كلامها لاستغني بالضمير، ولم يحتج إلى إبرازه ﴿ائتوني به استخلصه لنفسي﴾ ، أي: أجعله خالصاً لي دون شريك. قال ابن عباس: فأتاه الرسول فقال له: ألق عنه ثياب السجن وألبسه ثياباً جدداً، وقم إلى الملك فدعا له أهل السجن وهو يومئذٍ ابن ثلاثين سنة، واغتسل وتنظف ولبس ثياباً جدداً بعد أن دعا لأهل السجن فقال: اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعمّ عنهم الأخبار، وكتب على باب السجن هذه منازل البلوى، وقبور الأحياء، وبيوت الأحزان، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء. ثم أتى الملك فلما رآه غلاماً حدثاً فقال: أيعلم هذا رؤياي ولا يعلمها السحرة والكهنة؟ ثم أقعده قدّامه وقال له: لا تخف وألبسه طوقاً من ذهب وثياباً من حرير، وأعطاه دابة مسرجة مزينة كدابة الملك، وروي أنّ جبريل ﵇ دخل على يوسف وهو في الحبس وقال: قل: اللهم اجعل لي من عندك فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث لا أحتسب، فقبل الله تعالى دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه من السجن، وروي أنّ يوسف لما دخل عليه قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره، ثم سلم عليه بالعربية فقال: ما هذا اللسان؟ قال: هذا لسان عمي إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية فقال: ما هذا اللسان؟ قال: هذا لسان آبائي، قال وهب: كان الملك يتكلم بسبعين لغة ولم يعرف هذين اللسانين، وكان الملك كلما كلمه بلسان أجابه يوسف ﵇ وزاد بالعربية والعبرانية ﴿فلما كلمه﴾ ، أي: كلم الملك يوسف ﵇ وشاهد منه ما شاهد من جلال النبوّة وجميل الوزارة وخلال السيادة ومخايل السعادة أقبل عليه وقال: إني أحبّ أن أسمع منك تأويل رؤياي شفاهاً، فأجابه بذلك الجواب شفاهاً وشهد قلبه بصحته فعند ذلك. ﴿قال﴾ له ﴿إنك اليوم لدينا مكين أمين﴾ ، أي: ذو مكانة وأمانة على أمرنا فما ترى أيها الصديق؟ ﴿قال﴾ أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعاً كثيراً وتبني الخزائن، وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت السنين المجدبة بعنا الغلال فيحصل بهذا الطريق مال عظيم، فقال الملك: ومن لي بهذا الشغل؟ فقال يوسف: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ جمع خزانة وأراد خزائن الطعام والأموال، والأرض أرض مصر، أي: خزائن أرضك مصر، وقال الربيع بن أنس:، أي: خرج مصر ودخله. وروى ابن عباس عن رسول الله ﷺ في هذه الآية قال: «رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من

стр. 771

ساعته لكنه لما قال ذلك أخره الله تعالى سنة فأقام في بيته سنة مع الملك» . قال الرازي: وهذا من العجائب؛ لأنه لما تثاقل عند الخروج من السجن سهل الله تعالى عليه ذلك على أحسن الوجوه. ولما سارع في ذكر هذا الالتماس أخر الله تعالى ذلك المطلوب عنه، وهذا يدل على أنّ ترك التصرف أتم، والتفويض بالكلية إلى الله تعالى أولى، ثم قال: ﴿إني حفيظ عليم﴾ ، أي: ذو حفظ وعلم بأمرها، وقيل: كاتب وحاسب. فإن قيل: لم طلب يوسف ﵇ الإمارة والنبيّ ﷺ قال لعبد الرحمن بن سمرة: «لا تسأل الإمارة» . ولم طلب الإمارة من سلطان كافر، ولم لم يصبر مدّة، ولم أظهر الرغبة في طلبها في الحال، ولم طلب أمر الخزائن في أوّل الأمر مع أن هذا يورث نوع تهمة، ولم مدح نفسه وقد قال تعالى: ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾ (النجم، ٣٢) ولم ترك الاستثناء في هذا وقد قال تعالى: ﴿ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله﴾ (الكهف: ٢٣، ٢٤) فهذه سبعة أسئلة؟. أجيب عنها: بأنّ الأصل في جواب هذه الأسئلة أنّ التصرف في أمور الخلق كان واجباً عليه فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان وإنما كان ذلك واجباً عليه لوجوه: الأوّل: أنه كان رسولاً حقاً من الله تعالى إلى الخلق والرسول يجب عليه مراعاة الأمة بقدر الإمكان. والثاني: أنه علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضيق الشديد، فلعله تعالى أمره أن يدبر في ذلك ويأتي بطريق لأجله يقل ضرر ذلك القحط في حق الخلق. والثالث: أن السعي أيضاً في إيصال النفع إلى المستحقين ورفع الضرر عنهم أمر مستحسن في العقول، فكان مكلفاً ﵇ برعاية المصالح من هذه الوجوه، وما كان يمكنه رعايتها إلا بهذا الطريق، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإنما مدح نفسه؛ لأنّ الملك وإن علم كماله في علوم الدين لكن ما كان عالماً بأنه يفي بهذا الأمر، وأيضاً مدح النفس إنما يكون مذموماً إذا قصد به الشخص التطاول والتفاخر والتوصل إلى غير ما يحل، وأمّا هذا الوجه فليس بمذموم وقوله تعالى ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾ (النجم، ٣٢) المراد به تزكية حال من لا يعلم كونها مزكاة والدليل قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿هو أعلم بمن اتقى﴾ (النجم، ٣٢) أمّا إذا كان الإنسان عالماً بأنه صدق وحق فهذا غير ممنوع منه، وإنما ترك الاستثناء؛ لأنه لو ذكره بما اعتقد الملك فيه إنه إنما ذكره لعلمه أنه لا قدرة له على ضبط هذه المصلحة كما ينبغي، فلهذا المعنى ترك الاستثناء، ولما سأل يوسف ﵇ ما تقدم قال معلماً بأنه قد أجيب بتنجيز الله تعالى له: ﴿وكذلك﴾ ، أي: كإنعامنا عليه بالخلاص من السجن ﴿مكنا ليوسف في الأرض﴾ ، أي: أرض مصر ﴿يتبوّأ﴾ ، أي: ينزل ﴿منها حيث يشاء﴾ بعد الضيق والحبس قال ابن عباس وغيره: ولما انقضت السنة من يوم سأل الأمارة دعاه الملك فتوجه وجعل خاتم الملك في إصبعه وقلده سيفه وجعل له سريراً من ذهب مكللاً بالدرّ والياقوت طوله ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرة أذرع عليه ستون فراشاً، فقال يوسف ﵇: أما السرير فأشدّ به ملكك، وأمّا الخاتم فأدبر به أمرك، وأمّا التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي، وأمره أن يخرج فخرج لونه كالثلج ووجهه كالقمر يرى الناظر وجهه في صفاء لونه، فانطلق حتى جلس على ذلك السرير ودانت له الملوك ودخل الملك بيته وفوّض إليه أمر مصر، وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه. قال ابن إسحاق: قال ابن زيد: وكان لملك مصر خزائن

стр. 772

كثيرة فسلم سلطانه كله إليه وجعل أمره وقضاءه نافذاً في مملكته، ثم مات قطفير بعد ذلك فزوّجه الملك امرأته، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ قالت: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي، فوجدها يوسف ﵇ عذراء فأصابها فولدت له ذكرين افراثيم وميشا، فأقام العدل بمصر وأحبه الرجال والنساء، وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدراهم والدنانير في السنة الأولى، ثم بالحلي والجواهر في السنة الثانية، ثم بالدواب في السنة الثالثة، ثم بالعبيد والإماء في السنة الرابعة، ثم بالضياع والعقار في السنة الخامسة، ثم بأولادهم في السنة السادسة، ثم برقابهم في السنة السابعة حتى لم يبق بمصر حرّ ولا حرّة إلا صار عبداً له، فقال الناس: ما رأينا كاليوم ملكاً أجل ولا أعظم من هذا صار كل الخلق عبيداً له، فلما سمع ذلك قال: إني أشهد الله أني اعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم، وكان لا يبيع أحداً ممن يطلب الطعام أكثر من حمل بعير؛ لئلا يضيق الطعام على الباقين هذا ملخص ما قاله البغوي والزمخشري وغيرهما. قال الرازي: والله أعلم بحقيقة الحال وروي أنّ يوسف ﵇ كان لا يشبع من طعام في تلك الأيام، فقيل له: تجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: إن شبعت نسيت الجائع، وأمر يوسف طباخ الملك أن يجعل غداءه نصف النهار أراد بذلك أن يذيق الملك طعم الجوع فلا ينسى الجائعين قال البغوي: فمن ثم جعل الملوك غداءهم نصف النهار قال الله تعالى: ﴿نصيب﴾ ، أي: نخص ﴿برحمتنا من نشاء﴾ في الدنيا والآخرة ﴿ولا نضيع أجر المحسنين﴾ بل نؤتيهم أجورهم عاجلاً؛ وآجلاً لأنّ إضاعة الأجر إما أن تكون للعجز أو للجهل أو للبخل، والكل ممتنع في حق الله تعالى فالإضاعة ممتنعة. ﴿ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ الشرك والفواحش، قال الرازي: وهذا تنصيص من الله تعالى على أنّ يوسف ﵇ كان في الزمان السابق من المتقين وليس هاهنا زمان سابق يحتاج إلى بيان أنه كان فيه من المتقين إلا ذلك الوقت الذي قال الله تعالى فيه: ﴿ولقد همت به وهمّ بها﴾ فكان هذا من الله تعالى شهادة بأنه ﵇ كان في ذلك الوقت من المتقين وأيضاً قوله: ﴿ولا نضيع أجر المحسنين﴾ شهادة من الله تعالى على أنه كان من المخلصين فثبت أن الله تعالى شهد بأنّ يوسف كان من المتقين ومن المحسنين ومن المخلصين، والجاهل الحشوي يقول: إنه كان من المذنبين ولا شك أن من لم يقبل قول الله تعالى مع هذه التأكيدات كان من الأخسرين. ولما اشتدّ القحط وعظم البلاء عم ذلك جميع البلاد حتى وصل إلى بلاد الشام وأرض كنعان، وقصد الناس مصر من كل مكان للميرة، فجعل يوسف ﵇ لا يعطي أحداً أكثر من حمل بعير وإن كان عظيماً تقسيطاً بين الناس. وتزاحم الناس عليه، ونزل بآل يعقوب ما نزل بالناس من الشدّة، فبعث بنيه إلى مصر للميرة وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه وأبيه فذلك قوله تعالى: ﴿وجاء إخوة يوسف﴾ وكانوا عشرة وكان منزلهم بالعربات من أرض فلسطين ثغور الشأم وكانوا أهل إبل وشياه، فدعاهم أبوهم يعقوب ﵇، وقال: بلغني أن

стр. 773

بمصر ملكاً صالحاً يبيع الطعام فتجهزوا إليه واقصدوه لتشتروا منه ما تحتاجون من الطعام. وههنا همزتان مختلفتان من كلمتين، فقرأ نافع وابن كثير، وأبو عمرو بتسهيل الثانية، والباقون بالتحقيق. ولما أمرهم أبوهم بذلك خرجوا حتى قدموا مصر ﴿فدخلوا عليه فعرفهم﴾ قال ابن عباس: بأوّل نظرة إليهم عرفهم. وقال الحسن: لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه. ﴿وهم له منكرون﴾ ، أي: لم يعرفوه وذلك لوجوه: الأوّل: أنه ﵇ أمر حجابه بأن يوقفوهم من البعد وما كان يتكلم معهم إلا بواسطة، الثاني: أنهم حين ألقوه في الجب كان صغيراً، ثم أنهم رأوه بعد وفور اللحية وكبر الجثة، قال ابن عباس: وكان بين أن قذفوه في البئر وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة، فلذلك أنكروه، وقال عطاء: إنما لم يعرفوه؛ لأنه كان على سرير الملك، وكان بزيّ ملوك مصر عليه ثياب حرير، وفي عنقه طوق ذهب، ثم أنّ يوسف ﵇ أمر بإنزالهم وإكرامهم وكانت عادته أن لا يزيد أحداً على حمل بعير، وكانوا عشرة فأعطاهم عشرة أحمال كما قال تعالى: ﴿ولما جهزهم بجهازهم﴾ ، أي: وفاهم كيلهم والجهاز ما يعدّ من الأمتعة للنقلة كعدد السفر وما يحمل من بلدة إلى أخرى وما تزف به المرأة إلى زوجها، فقالوا: إن لنا شيخاً كبيراً وأخاً آخر بقي معه وذكروا أنّ أباهم لأجل سنه وشدّة حزنه لم يحضر، وأن أخاهم في خدمة أبيه ولا بدّ لهما أيضاً من حملين آخرين من الطعام، فلما ذكروا ذلك قال يوسف ﵇: فهذا يدل على أنّ حب أبيكم له أزيد من حبه لكم، وهذا شيء عجيب؛ لأنكم أنتم مع جمالكم وعقلكم وأدبكم إذا كانت محبة أبيكم لذلك الأخ أكثر من محبته لكم دل ذلك على أنه أعجوبة في العقل والأدب فجيئوني به حتى أراه كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم﴾ ، أي: الذي خلفتموه عنده. وقيل: إنه لما نظر إليهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: اخبروني من أنتم وما أمركم؟ فإني أنكرت شأنكم قالوا: قوم من أرض الشأم أصابنا ما أصاب الناس، فجئنا نمتار فقال: لعلكم جئتم لتنظروا إلى عورة بلادنا؟ قالوا: لا والله لسنا بجواسيس إنما نحن إخوة بنو أب واحد، وهو شيخ صديق، يقال له يعقوب نبيّ من أنبياء الله تعالى، قال: وكم كنتم؟ قالوا: كنا اثنى عشر فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك فيها، وكان من أحبنا إلى أبينا قال: فكم أنتم ههنا؟ قالوا: عشرة. قال: وأين الابن الآخر؟ قالوا: عند أبينا؛ لأنه أخو الذي هلك وأبوه مبتلى به. قال: فمن يعلم أن الذي تقولون حق؟ قالوا: أيها الملك إنا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد. فقال يوسف ﵇: فائتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين، فأنا أرضى بذلك. فقالوا: إنّ أبانا يحزن على فراقه وسنراوده عنه. قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأياً في يوسف فخلفوه عنده، ثم إنه قال لهم: ﴿ألا ترون أني أوفي الكيل﴾ ، أي: أتمه ولا أبخس منه شيئاً، وقرأ نافع بفتح الياء من أني، والباقون بالسكون، وأما الياء من ﴿أوفي﴾ فجميع القراء يثبتونها في الوقف لثباتها في الرسم، وحذفوها في الوصل لالتقاء الساكنين ﴿وأنا خير المنزلين﴾ ، أي: المضيفين فإنه كان قد أحسن ضيافتهم مدّة إقامتهم عنده. قال الرازي: وهذا يضعف قول من يقول من المفسرين أنه اتهمهم ونسبهم إلى أنهم عيون وجواسيس، ولو شافههم بهذا الكلام

стр. 774

فلا يليق به أن يقول لهم: ﴿ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين﴾ وأيضاً يبعد من يوسف ﵇ مع كونه صديقاً أن يقول لهم: أنتم عيون وجواسيس مع أنه يعرف براءتهم عن هذه التهمة؛ لأنّ البهتان لا يليق بحال الصديق ثم قال ﵇: ﴿فإن لم تأتوني به﴾ ، أي: بأخيكم ﴿فلا كيل﴾ ، أي: فلا ميرة ﴿لكم عندي﴾ ولم يمنعهم من غيره ﴿ولا تقربون﴾ نهي أو عطف على محل فلا كيل لكم، أي: تحرموا ولا تقربوا مني ولا تدخلوا دياري، فجمع لهم ﵇ بين الترغيب والترهيب فالترغيب في قوله الأوّل، والترهيب في قوله الثاني؛ لأنهم كانوا في نهاية الحاجة إلى الطعام وما كان يمكنهم تحصيله إلا من عنده، ومع ذلك لم يخطر ببالهم أنه يوسف، فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: ﴿قالوا سنراود﴾ ، أي: بوعد لا خلف فيه حين نصل ﴿عنه أباه﴾ ، أي: سنكمله فيه وننازعه الكلام ونحتال فيه ونتلطف في ذلك ولاندع جهداً ﴿وإنا لفاعلون﴾ ما أمرتنا به والتزمناه. ﴿و﴾ لما أرغبهم وأرهبهم في شأن أخيه ﴿قال لفتيته﴾ ، أي: غلمانه الكيالين جمع فتى، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بألف بعد الياء المثناة تحت وبعد الألف نون مكسورة، والباقون بالياء المثناة تحت ثم بتاء مثناة فوق مكسورة. ﴿اجعلوا بضاعتهم﴾ ، أي: التي أتوا بها ثمن الميرة وكانت دراهم، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها كانت النعال والأدم ﴿في رحالهم﴾ جمع رحل أوعيتهم التي يحملون فيها الطعام ﴿لعلهم يعرفونها﴾ ، أي: بضاعتهم ﴿إذا انقلبوا﴾ ، أي: رجعوا ﴿إلى أهلهم﴾ وفتحوا أوعيتهم ﴿لعلهم يرجعون﴾ إلينا. واختلف في السبب الذي من أجله رد يوسف ﵇ بضاعتهم في رحالهم على أوجه: الأوّل: أنه أراد أن يكون ذلك المال معونة لهم على شدّة الزمان، وكان يخاف اللصوص من قطع الطريق، فوضع تلك الدراهم في رحالهم حتى تبقى مخفية إلى أن يصلوا إلى أبيهم. الثاني: أراد أن يعرّف أباه انه أكرمهم وطلبهم لمزيد الإكرام فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه. الثالث: مقصوده أن يعرفوا أنه لا يطلب ذلك الأخ لأجل الإيذاء والظلم ولا يطلب زيادة الثمن. والرابع: أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم فيه عيب ولا منة. الخامس: قال الفراء: إنهم متى شاهدوا بضاعتهم في رحالهم وقع في قلوبهم أنهم وضعوا تلك البضاعة في رحالهم على سبيل السهو وهم أنبياء وأولاد أنبياء فيرجعون ليعرفوا السبب فيه، ويردوا الملك إلى مالكه. السادس: أراد به التوسعة على أبيه؛ لأنّ الزمان كان زمان القحط. السابع: رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه ومن إخوته على شدّة حاجتهم إلى الطعام لؤم. الثامن: خاف أن لا يكون عند أبيه من المال ما يرجعون به مرّة أخرى. التاسع: أنهم متى فتحوا المتاع فوجدوا بضاعتهم فيه علموا أنّ ذلك كرم من يوسف ﵇ وسخاء، فيبعثهم ذلك إلى العود إليه والحرص على معاملته ﵇. ﴿فلما رجعوا﴾ ، أي: أخوة يوسف ﵇ ﴿إلى أبيهم قالوا يا أبانا﴾ إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة عظيمة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا إكرامه، فقال يعقوب ﵇: إذا رجعتم إلى ملك مصر فأقرؤوه مني السلام وقولوا له: إنّ أبانا يدعو لك بما أوليتنا، ثم قال لهم: أين شمعون؟ قالوا: ارتهنه ملك مصر، وأخبروه بالقصة وقولهم: ﴿منع منا الكيل﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم لما طلبوا الطعام

стр. 775

لأخيهم الغائب عند أبيهم منعوا منه. والثاني: أنهم منعوا الكيل في المستقبل، وهو قول يوسف ﵇: ﴿فلا كيل لكم عندي ولا تقربون﴾ ويدل لهما قولهم: ﴿فأرسل معنا أخانا﴾ بنيامين ﴿نكتل﴾ فإنّ حمزة والكسائي قرآه بالياء، أي: يكتل لنفسه، وهذا يدل للقول الأوّل، والباقون بالنون، أي: نكتل نحن وإياه، وهذا يدل للقول الثاني ﴿وإنا له لحافظون﴾ عن أن يناله مكروه حتى نردّه إليك، فلما قالوا ليعقوب ﵇ هذه المقالة. ﴿قال﴾ لهم ﴿هل آمنكم﴾ ، أي: أقبل منكم الآن وفي مستقبل الزمان تأمينكم لي فيه بما يسوءني تأميناً مستقبلاً ﴿عليه﴾ ، أي: بنيامين ﴿إلا كما أمنتكم﴾ ، أي: في الماضي ﴿على أخيه﴾ يوسف ﵇ ﴿من قبل﴾ فإنكم أكدتم غاية التأكيد فلم تحفظوه لي ولم تردّوه إليّ، والأمن اطمئنان القلب إلى سلامة النفس، فأنا في هذا لا آمن عليه إلا الله تعالى ﴿فالله﴾ المحيط علماً وقدرة ﴿خيرٌ حافظاً﴾ منكم ومن كل أحد، ففيه التفويض إلى الله تعالى والاعتماد عليه في جميع الأمور. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بفتح الحاء وألف بعدها وكسر الفاء، والباقون بكسر الحاء وسكون الفاء، وهو منصوب على التمييز في القراءتين، وتحتمل الأولى النصب على الحال اللازمة ﴿وهو أرحم الراحمين﴾ ، أي: أرحم بي من أن يفجعني به بعد مصيبتي بأخيه فلا يجمع عليّ مصيبتين. ﴿ولما﴾ أرادوا تفريغ ما قدموا به من الميرة ﴿فتحوا متاعهم﴾ ، أي: أوعيتهم التي حملوها من مصر ﴿وجدوا بضاعتهم﴾ ، أي: ما كان معهم من كنعان لشراء القوت ﴿ردّت إليهم﴾ والوجدان ظهور الشيء للنفس بحاسة أو ما يغني عنها، فكأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: ﴿قالوا﴾ ، أي: لأبيهم ﵇ ﴿يا أبانا ما﴾ استفهامية، أي: أي شيء ﴿نبغي﴾ ، أي: نريد، جميع القراء أثبتوا الياء وقفاً ووصلاً لثباتها في الرسم، فكأنه قال لهم: ما الخبر؟ فقالوا بياناً لذلك؟ وتأكيداً للسؤال في استصحاب أخيهم: ﴿هذه بضاعتنا ردّت إلينا﴾ هل من مزيد على ذلك أكرمنا وأحسن مثوانا وباع منا وردّ علينا متاعنا. ولما كان التقدير ونرجع بها إليه بأخينا، فيظهر له نصحنا وصدقنا ﴿ونمير أهلنا﴾ ، أي: نجلب إليهم الميرة برجوعنا إليه، والميرة الأطعمة التي تحمل من بلد إلى بلد ﴿ونحفظ أخانا﴾ فلا يصيبه شيء مما تخشى عليه تأكيداً للوعد بحفظه ﴿ونزداد كيل بعير﴾ لأخينا ﴿ذلك كيل يسير﴾ ، أي: سهل على الملك لسخائه وحرصه على البذل، وقيل: قصير المدّة ليس سبيل مثله أن تطول مدّته بحسب الحبس والتأخير، وقيل قليل فابعث أخانا حتى نبدل تلك القلة بالكثرة، فكأنه قيل: ما قال لهم؟ فقيل: ﴿قال﴾ يعقوب ﵇: ﴿لن أرسله﴾ ، أي: بنيامين كائناً ﴿معكم﴾ ، أي: في وقت من الأوقات ﴿حتى تؤتوني موثقاً﴾ ، أي: عهد مؤكداً ﴿من الله﴾ قرأ ابن كثير بإثبات الياء بعد النون وقفاً ووصلاً، وأبو عمرو بإثبات الياء وقفاً لا وصلاً، وحذفها الباقون وقفاً ووصلاً، وقوله ﴿لتأتنني﴾ ، أي: كلكم ﴿به﴾ أي: تحلفوا بالله لتأتنني به من الإتيان، وهو المجيء في كل حال جواب القسم، أو المعنى حتى تحلفوا بالله لتأتنني به ﴿إلا﴾ ، أي: في حال ﴿أن يحاط﴾ ، أي: تحصل الإحاطة بمصيبة من المصائب لاطاقة لكم بها ﴿بكم﴾ فتهلكوا من عند آخركم كل ذلك زيادة في التوثيق بما حصل له من المصيبة بيوسف ﵇، وإن كان الاعتماد في حفظه إنما هو على الله تعالى، وهذا من باب
следующие страницы →