← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === حيث كونه ألفاظا، ولم نلتفت له من حيث إفادته للخصوصيات فلا يوصف بالمطابقة ولا بعدمها. إن قلت: يلزم حينئذ ارتفاع النقيضين أعنى: ارتفاع المطابقة وعدمها وهو محال، قلت: المراد أنه لا يوصف بالمطابقة ولا بعدمها عما من شأنه ذلك، وليس المراد بعدم المطابقة مطلقا، ثم اعلم أن ما ذكرناه من أن المعنى الأول هو ثبوت المحكوم للمحكوم عليه، وأن المعنى الثانى الذى يكون الكلام باعتباره بليغا، ويصاغ لأجله هو: مقتضى الحال أعنى: الخصوصيات والمزايا، هو ما أفاده ابن قاسم (١)، وابن يعقوب، والشيخ يس، وكذلك هو فى تجريد شيخنا الحفنى (٢)، وقرره أستاذنا العدوى، والذى ذكره عبد الحكيم، وبعض حواشى المطول: أن المعنى الأول: هو ما يفهم من اللفظ بحسب التركيب، وهو أصل المعنى مع الخصوصيات من: تعريف وتنكير وتقديم وتأخير وحذف وإضمار، والمعنى الثاني: الأغراض التى يقصدها المتكلم ويصوغ الكلام لأجل إفادتها، وهى أحوال المخاطب التى يورد المتكلم الخصوصيات لأجلها من إشارة لمعهود وتعظيم وتحقير وضجر ومحبوبية وإنكار وشك وغير ذلك، هذا بالنسبة لعلم المعاني، وأما بالنسبة لعلم البيان فالمعانى الأول هى: المدلولات المطابقية مع رعاية مقتضى الحال، والمعانى الثواني: هى المعانى المجازية، أو الكنائية، وذكروا أن دلالة اللفظ على المعنى الأول قد تكون وضعية، وقد تكون عقلية، ودلالته على المعنى الثانى عقلية قطعا، وذلك لأن اللفظ دال على المقتضيات والخصوصيات، وهى آثار للأغراض والآثار تدل على المؤثر دلالة عقلية وبالعرف والعادة، فالدال على المعنى الثاني: هو اللفظ، لكن بتوسط

стр. 247

نصب على الظرفية؛ لأنه من صفة الأحيان ... === دلالة المعنى الأول، وهذا هو المأخوذ من كلام الشيخ فى دلائل الإعجاز، كما بسطه فى المطول، ويمكن أن يقرر كلام شارحنا بذلك، فيقال قوله بل باعتبار إفادته المعنى أى: الثانوى، وقوله أى الغرض المصوغ له الكلام أى: وهى أحوال المخاطب من إشارة لمعهود وتعظيم وإنكار وشك، وقوله بعد إنما يكون باعتبار المعانى والأغراض مراده بالمعاني: الخصوصيات، ومراده بالأغراض: الأحوال. وقوله إنما يكون إلخ أى: لأنه يتسبب عن الأحوال الخصوصيات المتوقف عليها المطابقة، وقوله بعد ذلك المفردة والمجردة أى: عن إفادة المعنى الثاني، وهى الأغراض السابقة الحاصلة عند التركيب (قوله: نصب) أى: هو منصوب، أو ذو نصب، أو يقرأ فعلا مبنيا للمفعول (قوله: على الظرفية) أى: لأجل الظرفية أى لأجل كونه ظرفا والمراد زمانيا (قوله: لأنه) أى: هنا من صفة الأحيان أى: الأزمان، وكما أن اسم الزمن ينصب على الظرفية، فكذا صفته، ثم لا يخفى عليك أنه ليس المراد أن موصوفه الأحيان مقدرا أى: أحيانا كثيرا؛ لأن التأنيث حينئذ واجب، بل المراد أنه كان فى الأصل صفة للأحيان، ثم أقيم مقامها بعد حذفها وصار بمعناها ونصب نصبها، فمعنى وكثيرا: وأحيانا كثيرة، وكان الظاهر أن يقول: من صفة الحين، وعلى هذا فيكون الحين الموصوف مقدرا، وتذكير الوصف حينئذ ظاهر، والمعنى وزمنا كثيرا أى: ويسمى ذلك الوصف فصاحة فى زمن كثير، فهو مثل قوله تعالى: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ* (١) أى تشكرون فى زمن قليل، ثم إن قوله لأنه من صفة إلخ: إن أراد الاستدلال على مجرد صحة النصب على الظرفية فمسلم، وإن أراد الاستدلال على وجوبه فممنوع؛ لأنه يمكن أن يكون كثيرا نصبا على المفعولية المطلقة أى: وتسميته كثيرا، إن قلت: إن التسمية وضع الاسم على المسمى وهو شىء واحد لا تعدد فيه ولا تكثر، وحينئذ فلا يصح وصفها بالكثرة، أجيب بأنه على هذا الوجه يراد بالتسمية الإطلاق والاستعمال وهو يتعدد، فصح الوصف بالكثرة، إن قلت على هذا كان مقتضى

стр. 248

و (ما) لتأكيد معنى الكثرة، والعامل فيه قوله: (يسمى ذلك) الوصف المذكور (فصاحة أيضا) كما يسمى بلاغة فحيث يقال: إن إعجاز القرآن من جهة كونه فى أعلى طبقات الفصاحة يراد بها هذا المعنى (ولها) أى: لبلاغة الكلام (طرفان: أعلى وهو حد الإعجاز) ... === الظاهر أن يقول: كثيرة، فالجواب: أن صفة المصدر لا يجب تأنيثها لتأنيثه؛ لأنه مؤول بأن والفعل، أو ما والفعل، والفعل لا يؤنث، أو أن التسمية لما كانت بمعنى الإطلاق ذكر الصفة نظرا لذلك، ولعل الشارح إنما ترك التنبيه على ذلك الوجه لما ورد عليه مما علمت أو أن الانتصاب على الوصفية فى مثله معروف لا يحتاج إلى تعرض، فلهذا أشار إلى وجه آخر من الإعراب (قوله: لتأكيد معنى الكثرة) أى: فهى زائدة للتأكيد (قوله: والعامل فيه) أى: فى الظرف (قوله: ذلك الوصف المذكور) أى: وهو المطابقة لمقتضى الحال. (قوله: هذا المعنى) أى: المطابقة لمقتضى الحال، ولا يرد على هذا أن بعض الآيات أعلى طبقات من بعض؛ لأن أعلى طبقات البلاغة أيضا متفاوت (قوله: ولها طرفان) هذا إشارة إلى أن البلاغة تتفاوت باعتبار مراعاة تمام الخصائص المناسبة فى كل مقام وعدم مراعاة تمامها، وأن لها بهذا الاعتبار مراتب ثلاثة فقوله ولها طرفان أى: مرتبتان. إحداهما فى غاية الكمال، والأخرى فى غاية النقصان. ويلزم من ذلك أن يكون هناك مرتبة متوسطة بينهما، والحاصل أن البلاغة أمر كلى لها ثلاث مراتب: مرتبة عليا، ولها فردان وسفلى وهى: فرد واحد ووسطى، ولها أفراد، وتعبير المصنف بالطرفين لتشبيهها بشىء ممتد له طرفان: استعارة بالكناية، وقوله طرفان تخييل، فعلم أنه ليس المراد حقيقة الطرفين، وإلا لزم أن لا يكون الإنسان بليغا إلا بالإتيان بالطرفين مع أن ذلك لا يمكن لما يلزم عليه من التناقض (قوله: وهو حد الإعجاز) أى: مرتبته وإضافته للبيان، ولا بد فى الكلام من تقدير مضاف أى: وهو ذو الإعجاز؛ لأن

стр. 249

وهو أن يرتقى الكلام فى بلاغته إلى أن يخرج عن طوق البشر ويعجزهم عن معارضته (وما يقرب منه) ... === الأعلى فرد من البلاغة التى هى المطابقة لا الإعجاز (قوله: وهو) أى: الإعجاز عند علماء البلاغة: ارتقاء الكلام فى بلاغته إلخ، وإنما قلنا عند علماء البلاغة؛ لأن الإعجاز عند غيرهم: ارتفاع الكلام بالبلاغة أو غيرها إلى أن يخرج عن طوق البشر (قوله: أن يرتقى الكلام) أى: يرتفع شأنه، وقوله فى بلاغته أى: بسبب بلاغته إلى أن يخرج عن طوق البشر أى: طاقتهم وقدرتهم لا بإخباره عن المغيبات، ولا بأسلوبه الغريب، ولا بصرف العقول عن معارضته، ويصح أن تكون (في) باقية على حالها، ويكون شبه ما يراعى فى البلاغة من الخصوصيات بمدارج يرتقى فيها الكلام، فإذا بلغ الحد الأعلى فى تلك المدارج كان إعجازا على طريق المكنية والارتقاء تخييل، والمعنى وهو أن يرتقى الكلام فى الخصوصيات التى تراعى فى بلاغته إلى أن يخرج عن طاقة البشر وقدرتهم. وذكر البشر؛ لأنهم المشتهرون بالبلاغة والمتصدون للمعارضة، وإلا فالعجز ما يكون خارجا عن طوق جميع المخلوقات من الجن والإنس والملائكة (قوله: ويعجزهم عن معارضته) أى: يصيرهم عاجزين عن معارضته، فالهمزة فى الإعجاز للتصيير، وهو عطف لازم على ملزوم، فإن قيل ما ذكرتموه- من أن الكلام يرتقى ببلاغته إلى أن يخرج عن طوق البشر ويعجزهم- ممنوع، إذ ليست البلاغة سوى المطابقة لمقتضى الحال مع الفصاحة، والعلم الذى له مزيد اختصاص بالبلاغة- أعنى المعانى والبيان- متكفل بالإتيان بهذين الأمرين على وجه التمام؛ لأن علم المعانى كافل للمطابقة، وعلم البيان كافل للخلوص من التعقيد المعنوى، وحينئذ فمن أتقن هذين العلمين وأحاط بهما، لم لا يجوز أن يراعى هذين الأمرين حق الرعاية، فيأتى بكلام هو فى الطرف الأعلى من البلاغة، ولو بقدر أقصر سورة من القرآن، فكيف يمكن ارتقاء الكلام إلى أن يخرج عن طوق البشر بسبب بلاغته، وأجيب بأن تكفل علم البلاغة بهذين الأمرين ممنوع، إذ لا يعرف بهذا العلم إلا أن هذا الحال يقتضى ذلك الاعتبار مثلا، وأما الاطلاع على كمية الأحوال أى: معرفة عددها وكيفيتها فى الشدة والضعف ورعاية الاعتبارات بحسب

стр. 250

عطف على قوله: هو، والضمير فى منه عائد إلى أعلى؛ يعنى: أن الأعلى مع ما يقرب منه؛ كلاهما حد الإعجاز؛ وهذا هو الموافق لما فى المفتاح ... === المقامات التى يتوقف عليها الإتيان بكلام هو فى الطرف الأعلى فأمر آخر لا يتعلق بعلم البلاغة ولا يستفاد منه. سلمنا أن علم البلاغة متكفل بالاطلاع المذكور، فلا نسلم أن من أتقن علم البلاغة يحيط به؛ لأن الإحاطة بهذا العلم لغير علام الغيوب ممنوعة، سلمنا الإحاطة به، فلا نسلم أن من أتقن علم البلاغة وأحاط به يجوز أن يراعى هذين الأمرين حق الرعاية، إذ كثير من مهرة هذا الفن تراه لا يقدر على تأليف كلام بليغ، فضلا عما هو فى الطرف الأعلى كالقرآن (قوله: عطف على قوله هو) أى: من عطف المفردات (قوله: مع ما يقرب منه) جعل الواو بمعنى: مع، وهو حل معنى لا حل إعراب، وإلا نافى كونها عاطفة، وفى إيراد كلمة مع موقع الواو إشارة إلى اعتبار العطف مقدما على الإخبار ليصير المحكوم عليه بحد الإعجاز كليهما لا كل واحد منهما؛ لأن المقصود تعيين مرتبة الإعجاز فى نفسه لا بيان ما يصدق عليه. (قوله: كلاهما حد الإعجاز) أتى بقوله كلاهما جوابا عما يقال: إن حد مفرد، فلا يصح الإخبار به عن الأعلى وما يقرب منه، وحاصل الجواب أن قوله حد الإعجاز: خبر عن محذوف تقديره كلاهما، والجملة خبر عن الأعلى وما يقرب منه (قوله: وهذا) أى: الإعراب هو الموافق لما فى المفتاح من أن البلاغة تتزايد إلى أن تبلغ إلى حد الإعجاز، وهو الطرف الأعلى وما يقرب منه أى: من الطرف الأعلى، فإنه وما يقرب منه كلاهما حد الإعجاز، لا هو وحده. كذا فى شرحه، وموافق أيضا لما فى نهاية الإعجاز للرازى من أن الطرف الأعلى وما يقرب منه هو المعجز، ولا يخفى أن بعض الآيات أعلى طبقة من البعض، وإن كان الجميع مشتركا فى امتناع معارضته، ولا شك أن هذا تصريح بما ذكره الشارح من الإعراب الذى ألهمه بين النوم واليقظة، كما فى المطول، واعترض على هذا الإعراب من جهة اللفظ ومن جهة المعنى، أما الاعتراض من جهة اللفظ: فبأنه يلزم عليه توسط المعمول بين أجزاء عامله إذ الصحيح أن المبتدأ عامل

стр. 251

وزعم بعضهم أنه عطف على الإعجاز، والضمير فى منه عائد إليه؛ يعنى: أن الطرف الأعلى هو حد الإعجاز، وما يقرب من حد الإعجاز؛ وفيه نظر؛ لأن القريب من حد الإعجاز ... === فى خبره، والمبتدأ هنا: هو مجموع هو وما يقرب منه، والخبر: هو حد الإعجاز وقد تقدم وهو، وتأخر ما يقرب منه: وهو جزء أيضا، وتوسط المعمول: وهو حد الإعجاز، ويلزم على هذا عند تحمل الخبر للضمير عود ضمير واحد على متقدم ومتأخر فى آن واحد، وذلك محل نظر، فالأقرب أن يجعل قوله وما يقرب منه مبتدأ، والخبر محذوف أى: كذلك، أى: هو الإعجاز، والجملة عطف على الجملة قبلها، وحذف الخبر بعد قيام القرينة عليه شائع ذائع، وأجاب عن هذا الدنوشرى (١): بأنه لا مانع من تقديم المعمول على بعض عامله إذ هو أهون من تقديمه على عامله بأسره، وسهل ذلك كون العامل كلمتين أو كلمات متفاصلة، وأما عود ضمير واحد على متقدم ومتأخر فهو أسهل من عوده على متأخر، لا سيما وهذا الجزء المتأخر فى نية التقديم، وأما الاعتراض من جهة المعنى: فحاصله أنه على هذا الإعراب يفوت المقصود من تعريف الأعلى، فإن سوق الكلام يدل على أن مراده بقوله: وهو حد الإعجاز: بيان للطرف الأعلى، كما أن قوله فى الطرف الأسفل وهو ما إذا غير إلخ: وبيان الطرف الأسفل، وعلى كلام الشارح يفوت هذا المقصود؛ لأنه إنما يفيد أن حد الإعجاز هو الطرف الأعلى وما يقرب منه، وأجيب بأن المراد بالطرف الأعلى الجزئى الأعلى حقيقة، وهذا لا يحتاج لبيان؛ لأنه انتهاء الحقيقة، والمقصود تعيين حد الإعجاز ومرتبته فى نفسه بخلاف الطرف الأسفل، فإنه يحتاج للبيان، والحاصل أن المراد على إعراب الشارح بالأعلى: الأعلى الحقيقى، وبحد الإعجاز: مرتبته، والإضافة بيانية، وأما على زعم بعضهم الآتى، فالمراد بالأعلى النوع الذى يحصل به الإعجاز، وإن كان تنظير الشارح فيه مبنيا على أن المراد به فى كلام هذا البعض الأعلى الحقيقى أى: الفرد الذى لا فرد فوقه، وبحد الإعجاز: نهايته، والإضافية لامة (قوله: وزعم بعضهم)

стр. 252

لا يكون من الطرف الأعلى؛ وقد أوضحنا ذلك فى الشرح. === هو عكس الأول؛ لأن الأول يفيد أن حد الإعجاز نوع له فردان: الأعلى وما يقرب منه، وهذا يفيد أن الطرف الأعلى نوع تحته فردان: حد الإعجاز وما يقرب منه، وهذا الزعم لبعض شراح الإيضاح، حيث قال: إن قوله وما يقرب منه: عطف على حد الإعجاز، والمراد بحد الإعجاز: البلاغة فى أقصر سورة، وبما يقرب منه: البلاغة فى مقدار آية أو آيتين، فكأنه قال: ولها طرفان: أعلى، وهو البلاغة القرآنية، أو المراد بحد الإعجاز: كلام يعجز البشر عن الإتيان بمثله: كالقرآن، والقريب من حد الإعجاز أن لا يعجز الكلام البشر ولكن يعجزهم مقدار أقصر سورة عن الإتيان بمثله (قوله: لا يكون من الطرف الأعلى) أى: الذى تنتهى إليه البلاغة؛ وذلك لأن ما يقرب من حد الإعجاز من المراتب العلية فقط، ولا وجه لجعل تلك المراتب العلية من الطرف الأعلى الذى تنتهى إليه البلاغة؛ لأنه فرد جزئى على أنه حيث كان الطرف الأعلى أمرا واحدا شخصيا لا انقسام له فى جهة. كما هو الأصل فى الطرف، وذلك كالنقطة التى هى طرف الخط، فإنها لا انقسام لها فى جهة لو كان ما يقرب من حد الإعجاز من ذلك الأعلى لزم عليه انقسام ما لا يقبل القسمة، والإخبار عن الواحد بمتعدد وكلاهما باطل، فإن قلت: يعتبر الطرف الأعلى واحدا نوعيا من أنواع البلاغة متعدد الأفراد، ومن جملة أفراد ذلك النوع: حد الإعجاز وما يقرب منه، وحينئذ فيصح أن يكون القريب من حد الإعجاز من الطرف الأعلى، قلنا هذا لا يصح لأمور. الأمر الأول: أنه لا بد من وجه تتحقق به نوعيته الشاملة لأفراده، وبه صار جميع الأفراد أعلى، والنوعية بالإعجاز تخرج ما يقرب من حد الإعجاز، فلا يصح الإخبار حينئذ، والنوعية بغيره لم تتبين. الأمر الثاني: أن التعبير عن النوع إنما يصح بجميع الأفراد لا ببعضها، وهذان الفردان أعنى: حد الإعجاز وما يقرب منه بعض أفراد النوع، إذ الطرف الأعلى: هو مرتبة الإعجاز، وحده: نهايته، والقريب من نهايته إنما يتناول ما هو أقرب من غيره لتلك النهاية، فلا يتناول مبدأ الإعجاز أى: أول مرتبته ووسط تلك المرتبة مع شمول ذلك

стр. 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === النوع الذى هو الأعلى لها؛ لأن المراد منه طبيعة الإعجاز، وهى تتناول جميع مراتبه، فيكون قد عبر عن النوع ببعض أفراده مثلا، إذا فرضنا أن الإعجاز مرتبة تحتها أفراد سبعة، فالمبتدأ: هو الأول، والنهاية: هو الآخر، والوسط: الخمسة الباقية، والقريب من النهاية: الذى هو بعض أفراد الوسط لا يتناول جميعها، وإنما يتناول بعضها: كالخامس والسادس، فقوله أعلى: هذا إشارة للنوع الذى هو طبيعة الإعجاز، وقوله حد الإعجاز: إشارة للفرد الأعلى، وقوله وما يقرب منه: إشارة للفرد الخامس والسادس فقط، فيكون قد عبر عن النوع ببعض أفراده لا بجميعها وهذا لا يصح، ورد هذا العلامة اليعقوبى (١) بقوله: لك أن تقول إن نوع الأعلى يشمل نوعين: حد الإعجاز، وما يقرب منه، وحينئذ فيكون تعبيرا عن النوع بجميع أفراده، فالإخبار صحيح كما يقال الإنسان زنجى وغيره، وما قاله ذلك العلامة مبنى على أن المراد بالحد فى كلام المصنف المرتبة، وأن الإضافة بيانية أى: مرتبة هى الإعجاز كما مر، فعلى هذا ما يقرب منه ليس معجزا، فيجعل الإعجاز بسائر مراتبه مع ما يقرب منه نفس ذلك النوع، وأما ما قلناه من لزوم التعبير عن الجنس ببعض أفراده، فمبنى على أن الإضافة حقيقة، وأن المراد بحد الإعجاز نهايته. أى: المرتبة العليا من مراتبه، لا المرتبة المتسعة الشاملة لعدة مراتب. الأمر الثالث: أن التعبير بالأفراد عن النوع لا يصح هنا، ولو سلمنا أن هنا تعبيرا عن الجنس بجميع أفراده، لأن الطرفية من الأحكام الخاصة بالطبيعة التى هى الماهية؛ لأن الطرفية إنما تثبت لطبيعة الإعجاز من حيث هى؛ لأن الوحدة لازمة للطرف، وهى إنما تثبت لطبيعته من حيث هى، إذ عند ملاحظة الأفراد يثبت التعدد لا الطرفية، نظير ذلك النوعية الخاصة بماهية الإنسان، فكما أنه لا يصح أن يقال: النوع

стр. 254

[أسفل] (وأسفل وهو ما إذا غير) الكلام (عنه إلى ما دونه) أى: إلى مرتبة هى أدنى منه وأنزل (التحق) الكلام- ... === زيد وعمرو وغيرهما من الأفراد، لا يصح أن يقال: هنا الطرف الأعلى حد الإعجاز وما يقرب منه، وهذا بخلاف الجسمية الثابتة للإنسان، فإنها ليست من أحكام الطبيعة، بل من أحكام أفراده، فيصح حمل الأفراد عليها، فيقال: الجسم زيد وعمرو وغيرهما، وذلك لأن الأحكام الثابتة للطبيعة قسمان، الأول: ما يثبت لها فى ضمن الأفراد، ويسمى ذلك أحكام الأفراد: كالجسمية الثابتة للإنسان، فهذا القسم يصدق على الطبيعة والأفراد جميعا. والثاني: ما يثبت لها فى نفسها، لا فى ضمن الأفراد: كالنوعية للإنسانية، ويسمى أحكام الطبيعة، وهذا القسم إنما يصدق على الطبيعة والطرفية من القسم الثانى لاستلزامها الوحدة ومنافاتها الكثرة اللازمة للأفراد، فلا يصح ثبوت الطرفية لأفراد الطرف، فتحصل من هذا كله: أن جعل الطرف واحد بالنوع المترتب عليه صحة هذا الزعم لم يتم، فعطل ذلك الزعم (قوله: وأسفل) أى: وطرف أسفل أى: ومرتبة سفلى فى غاية النقصان (قوله: وهو ما) أى: وهو مرتبة إذا غير الكلام أى: انحط ونزل عنها، بأن لم تراع تلك المرتبة فى الكلام، فضمن غير معنى نزل أو انحط، فلذا عداه بعن (قوله: إلى مادونه) أى: إلى مرتبة أنزل من تلك المرتبة السفلى وهى الخبر من الخصوصيات (قوله: التحق) أى: ذلك الكلام المغير عن تلك المرتبة السفلى بأصوات إلخ، وأورد على هذا التعريف أنه غير مانع؛ لأنه شامل للطرف الأعلى والوسط، فإن كل واحد منهما يصدق عليه أنه مرتبة إذا غير الكلام عنها إلى مادونها التحق بأصوات الحيوانات؛ لأن ما كان دون الأسفل وأنزل منه يصدق عليه أنه دون بالنسبة للأعلى والأوسط، وأجيب بأن هذا الإيراد يدفعه ما فى (ما) من معنى العموم؛ لأن المعنى وهو ما إذا غير إلى أى مرتبة دونه التحق إلخ، فخرج الأعلى والأوسط فإنهما ليسا كذلك إذ من جملة دون الأعلى الأوسط والأسفل، ومن جملة ما دون الأوسط الأسفل وتغيره إلى واحد منها لا يلحقه بأصوات الحيوانات، ثم إن هذا الاعتراض إنما يرد بناء على أن المراد

стр. 255

وإن كان صحيح الإعراب (عند البلغاء- بأصوات الحيوانات) التى تصدر عن محالها بحسب ما يتفق من غير اعتبار اللطائف والخواص الزائدة على أصل المراد (وبينهما) أى: بين الطرفين (مراتب كثيرة) متفاوتة بعضها أعلى من بعض بحسب تفاوت المقامات، ... === بالدون ما كان أنزل ولو بواسطة، وأما لو أردنا به ما كان تحته ملاصقا له فلا يرد. تأمل، وعرف الحيوانات إشارة إلى أن المراد بها غير الإنسان. (قوله: وإن كان صحيح الإعراب) لو قال وإن كان فصيحا لكان أحسن ليعلم منه ما ذكره بالطريق الأولى؛ لأنه إذا التحق بأصوات الحيوانات مع الفصاحة فأحرى أن يلتحق بها عند عدم الفصاحة مع صحة الإعراب بخلاف ما ذكره، فإنه ربما يوهم أنه إذا كان فصيحا لا يلتحق بأصوات الحيوانات؛ لأن الفصاحة أرقى إن قلت: إنه إنما ذكر ذلك ليلائم قوله فيما سبق له فى قول المصنف: وارتفاع شأن الكلام إلخ، حيث قال: وأراد بالكلام: الكلام الفصيح، فإنه يقتضى أن فيه حسنا فلا يلتحق بأصوات الحيوانات. قلت المراد هنا بالتحاق الكلام بتلك الأصوات من جهة عدم مراعاة اللطائف والخصوصيات، وهذا صادق مع ثبوت الحسن بالفصاحة. فتأمل. (قوله: التى تصدر عن محالها) أى: أصحابها، وهى الحيوانات (قوله: بحسب ما يتفق) ما مصدرية، وقوله بحسب متعلق بتصدر أى: التى تصدر من أصحابها بحسب اتفاق الأصوات وحصولها بلا علة مقتضية لها، أو موصولة أى: بحسب ما يتفق معها من الأمور التى لا تقتضيها، وقوله من غير اعتبار اللطائف بيان للصدور بحسب الاتفاق فهو على حذف أى: التفسيرية، وعطف الخواص على ما قبله مرادف، وليس من ذلك أى: من الكلام الملحق بأصوات الحيوانات ترك مراعاة اللطائف فى مخاطبة البليد الذى لا يفهمها، بل ذلك الترك مما يجب على البليغ مراعاته؛ لأن ترك اللطائف حينئذ من اللطائف. (قوله: متفاوتة) أى: فى البلاغة (قوله: بعضها أعلى من بعض) بيان للتفاوت، وقوله بحسب: متعلق بمتفاوتة، ثم إن تفاوت المقامات يتناول التفاوت بحسب الكم أى:

стр. 256

ورعاية الاعتبارات، ... === العدد، كما إذا كان لشخص أحوال عشرة، ولآخر أحوال تسعة، ولآخر أحوال ثمانية. وهكذا، وكل حال يقتضى خصوصية فالإتيان للأول بعشر خصوصيات طرف أعلى، والإتيان للأخير بخصوصية طرف أسفل، وما بينهما مراتب متوسطة متفاوتة بحسب تفاوت الأحوال فى الكم، وكذا يتناول التفاوت بحسب الكيف والمقدار، كما إذا كان لشخص إنكار شديد القوة، ولآخر إنكار قوى غير شديد القوة، ولآخر إنكار ضعيف، فالمقامات متفاوتة بحسب الكيف فقط، فالإتيان للأول بثلاث مؤكدات طرف أعلى، وللأخير بمؤكد طرف أسفل، وللثانى بمؤكدين مرتبة وسطى فقد صدق أن مراتب البلاغة متفاوتة بحسب تفاوت المقامات فى الكيف. (قوله: ورعاية الاعتبارات) أى: قصد الخصوصيات المعتبرات، فرعاية خصوصيتين أعلى من رعاية خصوصية، ورعاية ثلاث أعلى من رعاية اثنتين لمقام واحد، وفيه إشكال؛ لأنه إذا اعتبرت خصوصية واحدة مثلا، فإن كان رعاية الأكثر يقتضيه الحال، فالبلاغة لا توجد بدونه، وإن كان لا يقتضيه الحال، فالبلاغة لا تتوقف عليه ولا تحصل باعتباره، فمراعاته لا تقتضى زيادة البلاغة؛ لأنها مطابقة الكلام لجميع مقتضى الحال، وهذا ليس مقتضى حال، فكيف تتفاوت البلاغة بحسب رعاية الاعتبارات؟ وأجاب السيد عيسى الصفوى (١): بأن هذا الإيراد مبنى على أن البلاغة مطابقة الكلام لجميع ما يقتضيه الحال وهو ممنوع، بل هى مطابقة الكلام لمقتضى الحال فى الجملة، فإذا اقتضى الحال شيئين، فروعى أحدهما دون الآخر كان الكلام بليغا من هذا الوجه، وإن لم يكن بليغا مطلقا، وحينئذ فإذا اقتضى الحال شيئين تحققت البلاغة بمراعاة أحدهما فقط، لكن مراعاتهما أزيد بلاغة وأعلى. قاله يس، لكن قد تقدم لنا عن عبد الحكيم: أن الحق أن البلاغة مطابقة الكلام لجميع ما يقتضيه الحال، لكن بقدر الطاقة،

стр. 257

والبعد عن أسباب الإخلال بالفصاحة (ويتبعها) أى: بلاغة الكلام (وجوه أخر) سوى المطابقة والفصاحة (تورث الكلام حسنا) وفى قوله: يتبعها إشارة إلى أن تحسين هذه الوجوه للكلام عرضى ... === وحينئذ فإذا كان المقام يقتضى عشر خصوصيات، وأتى بواحدة لكونه لم يطلع إلا عليها أى: لم يعلم أن المناسب للحال إلا تلك الخصوصية كان هذا مرتبة، أو اطلع على خصوصيتين كان ذلك مرتبة ثانية، وهكذا وكل مرتبة أعلى من الأخرى برعاية الاعتبارات، أو كان حال المخاطب يقتضى ثلاث خصوصيات مثلا، وهذا خاطبه بخصوصية لكونه لم يطلع إلا عليها، وآخر خاطبه بخصوصيتين لكونه اطلع عليهما، وآخر خاطبه بثلاث خصوصيات لكونه اطلع عليها، والحاصل أن التفاوت بحسب رعاية الاعتبارات: إما باعتبار تفاوت الكلامين فى الاشتمال على المقتضيات فى القلة والكثرة، وإما باعتبار تفاوت اقتدار المتكلم فى الرعاية. فتأمل ذلك. (وقوله ورعاية الاعتبارات) ليس هذا لازما لما قبله؛ لأنه لا يلزم من تفاوت المقامات رعاية الاعتبارات؛ فإن المقام قد يقتضى ثلاث مؤكدات ويؤتى له بمؤكد نعم، هو عطف مسبب على سبب، وأتى بذلك إشارة إلى أن تفاوت درجات البلاغة ليس بتفاوت المقامات، بل بتفاوت رعاية الاعتبارات (قوله: والبعد إلخ) عطف على تفاوت، كما لو كان كلام مطابق لمقتضى الحال. وانتفى عنه الثقل بالكلية وهناك كلام آخر مطابق، لكن فيه شىء يسير من الثقل لا يخرجه عن الفصاحة، فالأول أعلى بلاغة من الثانى (قوله: ويتبعها) أى: فى التحسين، وقوله وجوه أخر أى: وهى المحسنات البديعية، وقوله: تورث الكلام حسنا أى: حسنا عرضيا زائدا على الحسن الذاتى الحاصل بالفصاحة والمطابقة. (قوله: سوى المطابقة والفصاحة) هو غير متعرف بالإضافة ولذا وقع صفة للوجوه وفى هذا التفسير إشارة إلى أن آخرية تلك الوجوه ومغايرتها بالنظر للمطابقة والفصاحة، فإن قلت قول المصنف: أخر المفسر بما ذكره الشارح مستغنى عنه ولا فائدة

стр. 258

خارج عن حد البلاغة، وإلى أن هذه الوجوه إنما تعد محسنة بعد رعاية المطابقة، والفصاحة، وجعلها تابعة لبلاغة الكلام دون المتكلم؛ لأنها ليست مما يجعل المتكلم متصفا بصفة. بلاغة المتكلم (و) البلاغة (فى المتكلم ملكة يقتدر بها ... === فيه؛ لأن المطابقة مع الفصاحة هى البلاغة، ويلزم من كون هذه الوجوه تابعة للبلاغة أن تكون سواها؛ لأن التابع غير المتبوع على أنه يوهم أن المطابقة والفصاحة يتبعان البلاغة مع أنها هما؛ أجيب بأن المطابقة مع الفصاحة ليستا عين البلاغة، بل هما أعم منها من حيث التحقق؛ لأنهما يوجدان بدون البلاغة فيما إذا لم تراع الخصوصية، فالبلاغة عبارة عن المطابقة والفصاحة واعتبار الخصوصيات، وحينئذ فلا يعلم من كون تلك الوجوه تابعة للبلاغة كونها غير هذين الأمرين؛ لأنهما تابعان لها أيضا باعتبار أنهما من جملتها، فاحتاج إلى إفادة أنها غيرهما فيكون فى قوله آخر فائدة، وهى أن تلك الوجوه ليست لازمة للبلاغة لكونها سوى الأمرين اللذين تحصل بهما البلاغة، بل اعتبار تلك الوجوه فى الكلام، إنما يكون بعد البلاغة. (قوله: خارج عن حد البلاغة) هذا تفسير لقوله عرضى، والمراد بحدها أصلها، وحينئذ فالإضافة بيانية (قوله: والفصاحة) أى: وبعد الفصاحة فهو عطف على رعاية، فحسن الكلام بهذه الأوجه لا يعتبر حتى يحصل متبوعه الذى هو البلاغة، ولا تحصل البلاغة إلا إذا حصلت الفصاحة وروعيت المطابقة لمقتضى الحال. (قوله: وجعلها) أى: تلك الوجوه، وقوله: لأنها أى: تلك الوجوه (قوله: متصفا بصفة) أى: فهى مناسبة لبلاغة الكلام؛ لأنها لا تجعل المتكلم متصفا بصفة، وإنما تجعل الكلام متصفا بصفة بخلاف بلاغة المتكلم، فإنها تجعل المتكلم متصفا بصفة، فيقال له بليغ، فلما كانت تلك الوجوه مناسبة لبلاغة الكلام جعلت تابعة لها، فإن قلت: كما يجعل المتكلم موصوفا بالبلاغة بحيث يقال له متكلم بليغ باعتبار ما قام به من ملكة الاقتدار على ذلك؛ لأنهم صرحوا بأن من قام به وصف يجب أن يشتق له منه اسم،

стр. 259

على تأليف كلام بليغ فعلم) ... === وحينئذ فلا يتم قول الشارح؛ لأنها ليست مما يجعل المتكلم موصوفا بصفة أجيب بأن المراد أنها ليست مما يجعل المتكلم متصفا بصفة معهودة فى العرف إذ لا يقال عرفا لمن يتكلم بما فيه تجنيس مجنس، ولا لمن يتكلم بما فيه تطبيق، أو ترصيع مطبق أو مرصع كما يقال عرفا: بليغ وفصيح للمتكلم بالكلام البليغ أو الفصيح، وهذا لا ينافى أنه يوصف بكونه مجنسا، أو مرصعا لغة، فتحصل أن المانع من جعلها تابعة لبلاغة المتكلم كونها؛ لأنها لا تجعل المتكلم متصفا بصفة معهودة فى العرف كبلاغة الكلام، وهناك مانع آخر وهو أن هذه الوجوه محسنة للكلام لا للمتكلم، فلذا جعلت تابعة لبلاغة الكلام دون المتكلم. (قوله: على تأليف كلام بليغ) اعترض بأن كلام نكرة فى سياق الإثبات، فلا تعم عموما شموليا بل عموما بدليا، فيصدق التعريف بما إذا قدر على تأليف كلام بليغ فى نوع واحد من المعاني: كالمدح دون آخر كالذم والشكر والشكاية والتضرع والنهى، أو على اثنين مثلا دون البقية مع أنه لا يقال له بليغ، وحينئذ فالتعريف غير مانع، وأجاب العلامة عبد الحكيم بأن النكرة هنا وإن كانت فى سياق الإثبات إلا أنها موصوفة وهى تفيد العموم نحو أكرم رجلا عالما، أى: رجل عالم، وحينئذ فالمعنى هنا يقتدر بها على تأليف أى كلام بليغ يقصده، فيخرج عن التعريف ملكة الاقتدار على تأليف كلام خاص، وما ذكره من أن النكرة الموصوفة تفيد العموم صرح به الحنفية فى أصولهم، أو يجاب بأن إضافة المصدر تفيد العموم، أو أن المتبادر من الملكة هو الكامل منها، وهو ما ذكرناه. والتعريف يحمل على المتبادر، فإن قلت: إن العموم مضر؛ لأنه يلزم على اعتباره فى التعريف أن لا توجد البلاغة فى أحد من البشر بل ولا فى غيرهم؛ وذلك لأن من جملة الكلام البليغ: القرآن، فلا يكون الشخص بليغا إلا إذا كان فيه ملكة يقتدر بها على التعبير بمثله إذا قصد ذلك مع أن الإتيان بمثل القرآن ليس فى قدرة أحد.

стр. 260

مما تقدم (أن كل بليغ) كلاما كان أو متكلما- بناء على استعمال المشترك فى معنييه، أو على تأويل كل ما يطلق عليه لفظ البليغ- (فصيح) لأن الفصاحة مأخوذة فى تعريف البلاغة مطلقا (ولا عكس) بالمعنى اللغوى؛ أى: ليس كل فصيح بليغا؛ ... === قلت: المراد بالعموم هنا: العموم العرفى لا الحقيقى، وحينئذ فلا يرد ذلك (قوله: مما تقدم) أى: من تعريف البلاغة والفصاحة. (قوله: بناء على استعمال المشترك إلخ) أى: بناء على جواز استعمال المشترك فى معنييه، فإن البليغ موضوع للكلام والمتكلم بوضعين مختلفين، فلفظ بليغ من قبيل المشترك اللفظى الذى تعدد فيه الوضع، فقوله استعمال المشترك أى: اللفظى (قوله: أو على تأويل كل إلخ) الإضافة بيانية أى: أو على تأويل هو كل إلخ، أو على تأويل البليغ بما يطلق عليه لفظ البليغ، فالبليغ على هذا أمر كلى تحته فردان، فهو من قبيل الكلى المتواطىء وهو المشترك المعنوى، وهذان الاحتمالان يجريان فى قوله ليس كل فصيح (قوله: مطلقا) أى: كانت بلاغة كلام أو متكلم، لكن أخذها فى بلاغة الكلام بطريق الصراحة، وأما أخذها فى بلاغة المتكلم فبواسطة، وذلك لأنه أخذ فى بلاغة المتكلم قوله على تأليف كلام بليغ، وقد أخذ الفصاحة فى تعريف الكلام البليغ (قوله: ولا عكس بالمعنى اللغوى) أى: وهو عكس الموجبة الكلية موجبة كلية أى: لا عكس بالمعنى اللغوى صحيح، وليس المراد: ولا عكس ممكن؛ لأنه ممكن أن يقال: كل فصيح بليغ وإن كان غير صحيح، أو المراد: ولا عكس بالمعنى اللغوى ثابت فى الواقع، واحترز بقوله بالمعنى اللغوى من العكس بالمعنى الاصطلاحى وهو عكس الموجبة الكلية موجبة جزئية فإنه صحيح بأن يقال بعض الفصيح بليغ. (قوله: أى ليس كل فصيح بليغا) يحتمل أن يكون علة لقوله ولا عكس بالمعنى اللغوى، أى: لأنه ليس كل فصيح بليغا، ويحتمل أن يكون تفسيرا، ففسر النفى وهو لا بليس، وفسر المنفى وهو العكس اللغوى بما بعد ليس، وقوله أى ليس كل فصيح بليغا بالفعل، بل تارة يكون بليغا وتارة لا، ولذا صح التعليل بقوله لجواز إلخ، وليس المراد أنه

стр. 261

لجواز أن يكون كلام فصيح غير مطابق لمقتضى الحال، وكذا يجوز أن يكون لأحد ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح من غير مطابقة لمقتضى الحال (و) علم أيضا ... === ليس كل فصيح بليغا بالإمكان، أو الضرورة وإلا فسد التعليل (قوله: لجواز إلخ) هذا بيان لانفراد فصاحة الكلام عن البلاغة وذلك كما إذا قيل لمنكر قيام زيد: زيد قائم من غير توكيد، وقوله كذا يجوز إلخ: بيان لانفراد فصاحة المتكلم عن البلاغة، وذلك بأن يكون الإنسان ملكة يقتدر بها على كلام فصيح مثل: زيد قائم الملقى للمنكر من غير أن يقتدر بها على مراعاة الخواص المناسبة للحال. (قوله: وعلم أيضا) أى: من تعريف الفصاحة والبلاغة، أن مرجع البلاغة إلخ، وحاصل ما فى المقام أن الفصاحة والبلاغة يتوقفان على أمور: الاحتراز عن تنافر الحروف، وعن الغرابة، وعن مخالفة القياس، وعن تنافر الكلمات، وعن ضعف التأليف، وعن التعقيد اللفظى، وعن التعقيد المعنوى، وتزيد البلاغة بتوقفها على الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد، فمتى فقد الاحتراز عن واحد من الأمور السبعة الأولى- انتفت الفصاحة فتنتفى البلاغة لتوقفها عليها، ومتى فقد الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد، كما لو كان الكلام غير مطابق لمقتضى الحال كان الكلام غير بليغ، ولو كان فصيحا، والاحتراز عن الغرابة يكون بعلم اللغة، والاحتراز عن مخالفة القياس يكون بعلم الصرف، والاحتراز عن ضعف التأليف، وعن التعقيد اللفظى يكون بعلم النحو، والاحتراز عن تنافر الحروف، وعن تنافر الكلمات يكون بالذوق السليم، والاحتراز عن التعقيد المعنوى يكون بعلم البيان، والاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد يكون بعلم المعاني، وأما الوجوه التى تورث الكلام حسنا زائدا فتعرف بعلم البديع. إذا علمت ذلك تعلم أن مراجع البلاغة أى: الأمور التى يتوقف عليها حصول البلاغة شيئان: الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد. والاحتراز عن الأسباب المخلة بالفصاحة، وهذا الثانى يندرج تحته الاحتراز عن الأمور السبعة المذكورة، وقصد المصنف بهذا الكلام التمهيد لبيان وجه الحاجة إلى هذين

стр. 262

(أن البلاغة) فى الكلام (مرجعها) أى: ما يجب أن يحصل ... === العلمين؛ لأنه إذا علم ما يحتاج إليه فى حصول البلاغة، وعلم أن بعضه يدرك بعلوم أخر، وبعضه بالحسن، وبعضه بهذين العلمين، علم أن الحاجة ماسة إليهما. (قوله: أن البلاغة فى الكلام) كذا قيد فى الإيضاح، وتبعه الشارح، فإن قلت كما أن بلاغة الكلام ترجع إلى هذين الأمرين وتتوقف عليهما كذلك بلاغة المتكلم، فالأحسن ترك التقييد ليعم البلاغة فى الكلام وفى المتكلم، قلت: إنما قيد بالكلام للإشارة إلى أن رجوع بلاغة المتكلم للأمرين إنما هو بالتبع لرجوع بلاغة الكلام لهما، فتوقف بلاغة المتكلم عليهما باعتبار توقف بلاغة الكلام عليهما؛ لأن بلاغة المتكلم متوقفة على بلاغة الكلام لأخذها فى مفهومها، فإذا كانت بلاغة الكلام موقوفة عليهما كانت بلاغة المتكلم كذلك؛ لأن المتوقف على المتوقف على شىء متوقف على ذلك الشىء، فلو أطلق الشارح فى البلاغة وترك القيد بحيث يكون كلام المصنف متناولا للبلاغتين أو صرح بهما لم يعلم ذلك، لجواز أن يكون توقف بلاغة المتكلم عليهما لا لأجل توقف بلاغة الكلام عليهما، بل لأجل أمر آخر. (قوله: أى ما يجب أن يحصل) أى: شىء يعنى احترازا وتمييزا يجب أن يحصل، أو الشىء الذى يجب أن يحصل: وهو بتشديد الصاد، وحينئذ فالمراد بالمرجع: الأمر الذى يتوقف حصولها على حصوله، وهذا التفسير يدل على أن المرجع اسم مكان أى ومكان رجوعها الاحتراز والتمييز، ويكون جعلهما مكانا للبلاغة مجازا، باعتبار أن توقفها عليهما كتوقف الحاصل فى المكان عليه، أو أنه مصدر ميمى بمعنى اسم المفعول أى: والأمر المرجوع إليه فى البلاغة الاحتراز والتمييز، ففيه على هذا الاحتمال حذف وإيصال، فالأصل المرجوع إليه هى أى: البلاغة أى: التى رجعت إليه البلاغة، فحذف الجار، فاتصل الضمير المجرور، واستتر واتصل بالمصدر ضمير البلاغة مضافا إليه المصدر، فعندنا ضميران، أحدهما: المستتر عند الحذف والإيصال هو الراجع؛ لأن الموصولة والثانية عند التقدير، وثانيهما: البارز وهو راجع للبلاغة، فإن قلت: جعل المرجع اسم مكان مفعول، أو اسم ينافيه إتيان المصنف بلفظ إلى، فإنه يقتضى أن المرجع مصدر ميمى

стр. 263

حتى يمكن حصولها، كما يقال مرجع الجود إلى الغنى (إلى الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد) ... === بمعنى الرجوع، إذ لو حمل المرجع على ما مر لكان المعنى مكان رجوع البلاغة منته إلى الاحتراز والتمييز، أو الأمر الذى رجع إليه البلاغة منته إلى الاحتراز والتمييز، وهذا فاسد للزوم انتهاء الشىء إلى نفسه؛ لأن المرجع هو نفس الاحتراز والتمييز، أجيب بأنه لا مانع من جعله اسم مكان أو اسم مفعول، ومعنى انتهائه إلى الاحتراز، والتمييز تحققه فيهما من تحقق العام فى الخاص، أفاده عبد الحكيم وذكر العلامة الحفيد أن هذا التفسير الذى ذكره الشارح بيان لمجموع الكلام بحسب المآل لا لمجرد المرجع، وذلك لان مآل رجوع البلاغة إلى الاحتراز والتمييز أنه لا بد من حصولهما فى تحقق البلاغة، وهذا لا ينافى أن (مرجع) فى كلام المصنف مصدر ميمى بمعنى الرجوع بدليل تعبيره بإلى (قوله: حتى يمكن حصولها) المراد هنا بالإمكان: الإمكان الوقوعى وهو الحصول بالفعل، لا الإمكان الذاتي، وهو الجواز العقلى، فكأنه قال لأجل أن تحصل بالفعل، وحينئذ فلا يرد أن الإمكان للمكن لا يتوقف على شىء؛ لأن ذلك إنما هو فى الإمكان الذاتى (قوله: مرجع الجود إلى الغنى) أى: ما يجب أن يحصل حتى يحصل الجود هو الغنى، بمعنى أنه لا يحصل الجود إلا إذا كان الغنى حاصلا بالفعل، وأورد على هذا قول الشاعر (١): ليس العطاء مع الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل فقد سمى الإعطاء مع قلة المال جودا، وقلة المال ليست غنى، وحاصل الجواب أن مراد الشارح بالغنى: وجود الشىء الذى يجود منه مطلقا، وإن كان قليلا (قوله: إلى الاحتراز) أى: التباعد عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد فإذا قلت لمنكر قيام زيد: زيد قائم، فقد أخطأت فى تأدية المعنى المراد عند البلغاء، فلا يكون الكلام بليغا ولا تكون التأدية للمعنى صحيحة عندهم، إلا إذا كان الكلام مطابقا لمقتضى الحال، فإذا كان مطابقا كان مؤديا للمعنى المراد عند البلغاء ولم يكن فيه خطأ، والمعنى المراد هو الزائد

стр. 264

وإلا لربما أدى المعنى المراد بلفظ فصيح غير مطابق لمقتضى الحال فلا يكون بليغا ... === على أصل المراد: كالخصوصيات الزائدة على ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه، ولو قال المصنف: ما يحترز به عن الخطأ فى تطبيق اللفظ على مقتضى الحال لكان أوضح (قوله: وإلا لربما) فيه أن (إن) شرطية، ولا نافية، والنفى إما للاحتراز، وإما لكون الاحتراز مرجعا للبلاغة، والمعنى على الأول، وإن لا يحترز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد، فلا يكون الكلام بليغا؛ لأنه (ربما) أدى المعنى المراد بلفظ فصيح غير مطابق لمقتضى الحال، وهذا لا يكون بليغا، ويعترض على هذا بأنه متى نفى الاحتراز عن الخطأ تعين أن يكون أداء المعنى المراد بلفظ غير مطابق لمقتضى الحال، لا أنه يصح أن يؤدى المعنى المراد بلفظ غير مطابق، ويصح أداؤه بلفظ مطابق، كما يقتضيه قوله ربما، وحينئذ فالأولى إسقاطها والمعنى على الثانى وإن لا يكن مرجعها للاحتراز، بل إلى شىء آخر فلا يصح؛ لأنه ربما إلخ، واعترض على هذا بعدم صحة التفريع، أعنى قوله: فلا يكون بليغا؛ لأن الاحتراز إذا لم يكن مرجعا للبلاغة لم تكن متوقفة عليه، بل على غيره، فإذا أدى المعنى بلفظ فصيح غير مطابق كان بليغا، فالمناسب فى التفريع أن يقول: فيكون بليغا، يعنى: واللازم وهو كونه بليغا باطل، فبطل الملزوم وهو عدم كون الاحتراز مرجعا، فالحاصل أن كلام الشارح لازم له الفساد إما فى صدره أو فى عجزه، وأجيب باختيار الأول أعنى: رجوع النفى للاحتراز وتجعل ربما للتحقيق على ما قاله ابن الحاجب فى قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (١) أى: أنهم يودون ذلك تحقيقا وهنا كذلك وليست للتقليل ولا للتكثير، وحينئذ فالمعنى هنا وإن لا يجعل الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد كان المعنى المراد مؤدى بلفظ غير مطابق تحقيقا فلا يكون بليغا، أو نختار الثانى وهو كون الاحتراز مرجعا للبلاغة، ونجعل ربما: للنفى مجازا للمناسبة بين النفى والقلة، ويكون ذلك النفى منصبا على التفريع، أعنى. قوله: فلا يكون بليغا ونفى النفى إثبات، فكأنه قال فيكون بليغا وتقدير الكلام على هذا، وإن لا يكن الاحتراز مرجعا لم يؤد المعنى المراد بلفظ فصيح غير مطابق، فلا يكون بليغا، ومحصله وإن لا يكن

стр. 265

(وإلى تمييز) الكلام (الفصيح من غيره) وإلا لربما أورد الكلام المطابق لمقتضى الحال بلفظ غير فصيح فلا يكون بليغا لوجوب وجود الفصاحة فى البلاغة، ويدخل فى تمييز الكلام الفصيح من غيره تمييز الكلمات الفصيحة من غيرها ... === الاحتراز مرجعا أدى المعنى المراد بلفظ فصيح غير مطابق وكان بليغا أى: مع أنه ليس بليغا، وعبارة عبد الحكيم قوله: وإلا لربما أدى إلخ أى: وإن لا يكن مرجع البلاغة للاحتراز المذكور لجاز حصول البلاغة بدون الاحتراز أى: مع الخطأ فى التأدية وحينئذ فلا يكون مطابقا لمقتضى الحال، فلا يكون بليغا، هذا خلف- فتدبر. (قوله: وإلى تمييز الفصيح إلخ) كان الأحسن فى المقابلة أن يقول: وإلى الاحتراز عن أسباب الخلل فى الفصاحة؛ لأنه أنسب بالمقابل لفظا ومعنى، أما الأول: فلأن المقابل لفظ الاحتراز، وأما الثاني: فلأن التمييز يشمل التمييز فى الذهن فقط بأن يعلم الفصيح من غيره من غير تكلم بالفصيح، وليس بمراد؛ لأنه لا يلزم من العلم والتمييز بين الفصيح وغيره الإتيان بالفصيح، والبلاغة إنما تتوقف على الإتيان بالفصيح بالفعل، بخلاف الاحتراز عن الأسباب المخلة بالفصاحة، فإنه خاص بالثاني، ويمكن الجواب عن عدم المناسبة المعنوية: بأن المراد التمييز بحسب الوجود الخارجى بأن يؤتى بالكلام فصيحا، لا بحسب العلم، أو يقال قوله: وإلى تمييز الفصيح، أى: فيؤتى به، وقوله من غيره أى: فلا يؤتى به، فأطلق المصنف التمييز وأراد به ما يترتب عليه بحسب العادة فآل الأمر إلى قولنا: إن مرجعها الكلام الفصيح المتميز، أى: المعروف (قوله: وإلا لربما إلخ) أورد عليه ما تقدم إيرادا وجوابا أى: وإن لا يوجد تمييز فلا يكون بليغا؛ لأنه ربما أورد إلخ، أو وإلا يكن مرجعها للتمييز، فلا يصح؛ لأنه ربما إلخ، ويرد على الأول هنا ما ورد على الأول سابقا، وكذا يرد على الثانى هنا ما ورد على الثانى سابقا وعبارة بعضهم أى: وإن لم يحصل التمييز بأن لم يتميز الفصيح من غيره وأتى الكلام اتفاقيا أمكن أن يؤتى به غير فصيح فتنفى البلاغة، بل الغالب ذلك وعبر هنا بالإيراد: لأن الورود من صفات الألفاظ، وفيما تقدم بأدى؛ لأن التأدية من صفات المعانى (قوله: بلفظ غير فصيح) أى: كما لو قيل: أنفك مسرج، وشعرك مستشزر، فهذا مطابق إلا أنه غير فصيح (قوله: ويدخل إلخ)

стр. 266

لتوقفه عليها (والثانى) أى: تمييز الفصيح من غيره (منه) أى: بعضه ... === إنما احتاج لذلك الاعتذار لكونه قيد التمييز بالكلام حيث جعل الفصيح صفة له ولو لم يقيد بذلك وجعل الفصيح صفة اللفظ لم يحتج إلى هذا الاعتذار، وكان الأولى إسقاط ذلك القيد لعدم الإحواج لذلك الاعتذار، لكن العذر للشارح، حيث تبع المصنف فى الإيضاح الذى هو كالشرح لهذا المتن، فإنه قيد فيه بذلك القيد إشارة إلى أن البلاغة متوقفة على فصاحة الكلام أولا، وبالذات وعلى فصاحة الكلمات ثانيا وبالعرض. وأيضا قد سبق أن فصاحة المفرد والكلام حقيقتان مختلفتان، فلو قدر الموصوف ما يتناول الكلام والمفرد كاللفظ الفصيح لكان كالجمع بين معنى المشترك بلا ضرورة، وهذا أعنى قول: الشارح: ويدخل إلخ، جواب عما يقال إن كلامه يقتضى أن البلاغة إنما تتوقف على تمييز الكلام الفصيح دون تمييز الكلمات، مع أنها تتوقف على تمييزها أيضا (قوله: لتوقفه عليها) أى: لأن فصاحتها جزء من فصاحته (قوله: أى تمييز الفصيح من غيره) هو بحسب التفصيل خمس تمييزات بعدد المخلات بالفصاحة، وهى تمييز الغريب من غيره، وتمييز المخالف للقياس من غيره، وتمييز المتنافر من غيره، وتمييز ما فيه تعقيد من غيره، وتمييز ضعف التأليف من غيره (قوله: منه) ظاهره أنه خبر مقدم لقوله ما يبين وفيه أن كون ما يبين فى العلوم المذكورة من ذلك التمييز أمر معلوم، بخلاف كون بعض التمييز يبين فى العلوم المذكورة فأمر مجهول، والأنسب هو الإخبار بالمجهول لا بالمعلوم، فالأقعد من حيث المعنى أن تجعل (من) مبتدأ لكونها اسما بمعنى بعض، وإنما بنيت لكونها على صورة الحرف وما يبين خبر، والمعنى والثاني: بعضه التمييز الذى يبين متعلقه فى علم اللغة أو الصرف، وإلى هذا يشير الشارح بوجه ما، حيث قال: أى بعضه، وما قلناه من أن (من) اسم؛ لأنها بمعنى بعض، أحسن مما ذكره هنا بعض الحواشى من أنه ليس لفظ من مبتدأ، بل حالة محل المبتدأ وقائمة مقامه وهو بعض، إذ هذا خلاف المعروف عندهم، إذ المعروف أن لفظ (من) إذا كان بمعنى (بعض) كان اسما لاستقلال معناه بالمفهومية، إذ هو غير التبعيض الجزئى، وممن صرح باسميتها

стр. 267

(ما يبين) أى: يوضح (فى علم متن اللغة) كالغرابة؛ وإنما قال: فى علم متن اللغة؛ أى: معرفة أوضاع المفردات؛ لأن اللغة ... === القطب (١) والطيبى فى قوله تعالى: فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ (٢) (قوله: ما يبين) أى: تمييزات يبين متعلقها فى علم إلخ، فصح الحمل فى قوله منه ما يبين بتقدير ذلك المضاف، ولك أن تقدره بعد من أى، والثانى من متعلقه ما يبين إلخ، ولك أن تقدر تمييز قبل ما أى: والثانى منه تمييز ما يبين. (قوله: متن اللغة) يطلق المتن على أمور منها: الأصل كما هنا، والإضافة بيانية، ويطلق على الظهر كما فى قوله: وقفت على الدّيار فكلّ متنى ... فلا والله ما نطقت بحرف وعلى الشديد القوى (قوله: كالغرابة) ظاهره أنه مثال لما يبين وهو تمييز فينحل المعنى، وتمييز الفصيح من غيره بعضه وهو الغرابة يبين فى علم متن اللغة، مع أن الغرابة ليست بعض التمييز، والجواب أن فى كلام المصنف حذفا، والأصل كتمييز ذى الغرابة من غيره أى: كتمييز غير السالم من الغرابة من غيره وكذا يقال فى قوله: كمخالفة القياس وما بعده، أو يقال: إنه تمثيل للمتعلق المقدر سابقا، والكاف فى قوله: كالغرابة استقصائية، إذ ليس شىء من متعلقات تمييز الفصيح يبين فى اللغة غيرها، أو يقال إنها الإدخال الأفراد الذهنية، وكذا يقال فى ضعف التأليف ومخالفة القياس (قوله: وإنما قال فى علم متن اللغة) أى: ولم يسقط لفظ متن ويقول فى علم اللغة (قوله: أى معرفة) هذا تفسير لقوله علم، وهذا أحد إطلاقاته، الثانى المسائل، والثالث الملكات، ولو حمل الشارح العلم هنا على المسائل، وقال أى مسائل أوضاع المفردات لكان أنسب بقول المصنف يبين فى علم إلخ، وقوله: أوضاع المفردات هذا بيان لمتن اللغة، وهو من إضافة

стр. 268

أعم من ذلك؛ يعنى به ... === الصفة للموصوف أى: معرفة المفردات الموضوعة لمعانيها، وإنما سمى ذلك العلم الباحث عن معانى المفردات الموضوعة بعلم المتن؛ لأن المتن ظهر الشىء ووسطه وقوته، وهذا العلم تعلق بذات اللفظ ومعناه، والعلوم المتعلقة باللغة غير هذا العلم: كالنحو مثلا تعلقت بالألفاظ من حيث المعنى الذى وضع له اللفظ وما تعلق بالمعنى أقوى؛ لأن الناس إلى إدراك المعنى أحوج. (قوله: أعم من ذلك) أى: أعم من متن اللغة؛ لأن علم اللغة قد يطلق على غير معرفة أوضاع المفردات من معرفة أحوال اللفظ العارضة له من صحة وإعلال وإعراب وبناء وغير ذلك؛ وذلك لأنه يشمل اثنى عشر علما نظمها بعضهم بقوله: لغات المعانى نحو صرف اشتقاقهم ... بيان قواف قل عروض وقرضهم وإنشاء تاريخ وخطّ وأسقطوا ... بديعا ووضعا فزت بالعلم بعدهم وعد الناظم التاريخ من علم اللغة تبع فيه الزمخشرى، والحق أنه ليس منه؛ لأن التاريخ ليس خاصا بلغة العرب، فالأولى إبداله بعلم التجويد وهذه الاثنا عشر علما كما تسمى بعلم اللغة تسمى بعلم العربية أى: وإذا كان علم اللغة أعم من متن اللغة فلو عبر به لاقتضى أن ذا الغرابة يوضح ويبين فى الاثنى عشر علما. (قوله: لأن اللغة أعم) أى: لأن علم اللغة أعم فهو على حذف مضاف، فاندفع ما يقال إن اللغة هى الألفاظ الموضوعة لمعانيها، وهى لا تشمل ما ذكر من العلوم فأين العموم؟ والحاصل أن الذى يشمل هذه الاثنى عشر علما علم اللغة لا اللغة، فلا بد من هذا التقدير. (قوله: يعنى به) أى: بعلم متن اللغة، أى: أن مراد المصنف بكون الغرابة تبين فى علم متن اللغة، أن بذلك العلم يعرف اللفظ السالم من الغرابة من غيره، وهذا لا يخص علم اللغة، بل يجرى فيه والصرف والنحو، ولعل الشارح ترك التنبيه على ذلك فيهما لعلمه بالمقايسة، وأتى الشارح بهذه العناية جوابا عما يقال: إن ظاهر كلام المصنف يقتضى أن علم متن اللغة يبين فيه أن هذا اللفظ مثل: (تكأكأتم) غريب يحتاج

стр. 269

يعرف تمييز السالم من الغرابة عن غيره؛ بمعنى أن من تتبع الكتب المتداولة وأحاط بمعانى المفردات المأنوسة علم أن ما عداها مما يفتقر إلى تنقير أو تخريج فهو غير سالم من الغرابة، وبهذا يتبين فساد ما قيل: إنه ليس فى علم متن اللغة ... === فى بيان معناه إلى البحث فى الكتب المبسوطة فى اللغة، ومثل: (مسرج) (١) غريب يحتاج إلى تخريج على وجه بعيد، وإن هذا اللفظ مثل (اجتمعتم) ليس بغريب مع أنه لم يذكر ذلك فى علم اللغة أصلا، وحاصل ما أجاب به الشارح أن مراد المصنف بكون الغرابة تبين فى متن اللغة أن بهذا العلم يعرف السالم من الغرابة من غير السالم، بمعنى: أن من تتبع إلى آخر ما قال وأنت خبير بأن المناسب لهذا التقرير أن يقول المصنف: منه ما يستفاد من علم متن اللغة إلخ، كما لا يخفى. (قوله: يعرف تمييز إلخ) إن أريد التمييز ذهنا، وهو معرفة السالم من غيره احتيج لتقدير مضاف أى: يعرف متعلق تمييز، وإلا كان المعنى به يعرف معرفة السالم ولا يخفى تهافته، وإن أريد التمييز خارجا وهو التكلم بالسالم وترك التكلم بغير السالم فالأمر ظاهر (قوله: علم أن ما عداها إلخ) أى: لأن الأشياء تبين بأضدادها (قوله: إلى تنقير) أى: زيادة بحث وتفتيش لعدم وجوده فى الكتب المتداولة: كالقاموس والأساس والمصباح والمختار. (قوله: أو تخريج) أى: على وجه بعيد، فالأول مثل: تكأكأتم (٢) وافرنقعوا (٣)، والثانى مثل: مسرج (قوله: وبهذا) أى: بما ذكر من قوله بمعنى: أن من تتبع إلخ (قوله: ما قيل) أى: اعتراضا من بعض الشراح وهو الزوزنى على المصنف، ومنشأ ذلك الاعتراض النظر لظاهر كلام المصنف؛ لأن قوله منه ما يبين فى علم متن اللغة: كالغرابة يقتضى أنه يذكر فى كتب علم اللغة أن بعض الكلمات الغريبة مثل: تكأكأتم يحتاج فى معرفة معناها إلى البحث فى الكتب المبسوطة فى اللغة؛ لأنها من ما صدقات الغرابة التى حكم

стр. 270

أن بعض الألفاظ يحتاج فى معرفته إلى أن يبحث عنه فى الكتب المبسوطة فى اللغة (أو) فى علم (التصريف) كمخالفة القياس؛ إذ به يعرف أن الأجلل مخالف للقياس دون الأجل (أو) فى علم (النحو) كضعف التأليف والتعقيد اللفظى ... === المصنف عليها بأنها تبين فى علم اللغة، مع أنه لم يقع ذلك فى كتاب من كتب اللغة أصلا. (قوله: أن بعض الألفاظ) أى: لا يقال فى بعض معين من الألفاظ إنه يحتاج إلخ أى: فكيف يقول إن تمييز السالم من غيره يبين فى علم متن اللغة؟ (قوله: إلى أن يبحث عنه) أى: او يخرج على وجه بعيد (قوله: أو فى علم التصريف) ظاهره أن هذه صلات متعددة لموصول واحد مع اختلاف الموصول هنا، إذ الذى يبين فى متن اللغة مغاير لما يبين فى التصريف، والجواب أن (أو) للتقسيم، والمراد بما يبين متعلقه نوع كلى، والمعنى أن هذا النوع ينقسم إلى أقسام: قسم يبين متعلقه فى علم متن اللغة، وقسم يبين متعلقه فى التصريف إلخ، واعترض بأن المخل بالفصاحة هو مخالفة ما ثبت عن الواضع، وهذا لا يعلم من الصرف، وأجيب بأنهم يذكرون الألفاظ الشواذ الثابتة فى اللغة ويقولون إنها شاذة، فيعلم منه أن ما عدا هذه الألفاظ خلاف ما ثبت عن الواضع (قوله: إذ به يعرف إلخ) أى: لأن من قواعدهم أن المثلين إذا اجتمعا فى كلمة وكان الثانى منهما متحركا ولم يكن زائدا لغرض وجب الإدغام (قوله: كضعف التأليف) أى: مثل الإضمار قبل الذكر لفظا ومعنى وحكما. (قوله: والتعقيد اللفظى) يرد عليه أن التعقيد اللفظى قد يكون سببه اجتماع أمور كل منها شائع الاستعمال جار على القوانين كما سبق، وإذا لم يجب أن يكون لمخالفة القانون النحوى، فكيف يبين فيعلم النحو؟ وأجيب بأن تسبب التعقيد اللفظى عن اجتماع تلك الأمور إنما هو لمخالفة الأصل فيها من تقديم وتأخير مثلا، ومخالفة الأصل وإن جازت توجب عسر الدلالة والتعقيد، والنحو يبين فيه ما هو الأصل وما هو خلاف الأصل ويبين فيه أن الأصل تقديم الفاعل على المفعول، وأن تقديم المفعول على الفاعل خلاف الأصل، وأن الأصل تقديم المستثنى منه على المستثنى، وأن عكس

стр. 271

(أو يدرك بالحس) كالتنافر إذ به يعرف أن مستشزرا متنافر دون مرتفع، وكذا تنافر الكلمات (وهو) أى: ما يبين فى العلوم المذكورة أو يدرك بالحس، فالضمير عائد إلى ما، ومن زعم أنه عائد إلى ما يدرك بالحس فقد سها سهوا ظاهرا (ما عدا التعقيد المعنوى) ... === ذلك خلاف الأصل، وحينئذ: فالنحو يعرف به التعقيد اللفظى الحاصل بكثرة مخالفة الأصل. (قوله: أو يدرك بالحس) عطف على قوله يبين أى ومنه تمييز يدرك متعلقه وهو التنافر بالحس، كما يدل عليه قوله: إذ به يعرف إلخ، والمراد بالحس الحس الباطنى وهو القوة المدركة للطائف الكلام ووجوه تحسينه المعبر عنها فيما مر بالذوق لأجل أن يوافق ما مر من أن إدراك التنافر إنما هو بالذوق الصحيح، فما عده الذوق ثقيلا متعسر النطق فهو متنافر سواء كان من قرب المخارج أو بعدها، أو غير ذلك على ما صرح به ابن الأثير، وليس المراد بالحس حس السمع، وإلا خالف ما مر، وإن كان وصول ذلك للحس الباطنى بواسطة السمع. (قوله: كالتنافر) أى: سواء كان تنافر حروف أو كلمات (قوله: أن مستشزرا) (١) هذا فى تنافر الحروف (قوله: وكذا تنافر الكلمات) كقوله: (وليس قرب قبر حرب قبر) (٢) (قوله: أى ما يبين) أى: التمييز الذى يبين متعلقه (قوله: أو يدرك بالحس) عبر هنا بأو مشاكلة للمصنف، وإلا فالظاهر الواو؛ لأن الضمير راجع لما المبينة بالجميع أعنى يبين ويدرك (قوله: فقد سها إلخ) أى: لأن قضيته أن كل ما عدا التعقيد

стр. 272

إذ لا يعرف بتلك العلوم والحس تمييز السالم من التعقيد المعنوى من غيره؛ فعلم أن مرجع البلاغة بعضه مبين فى العلوم المذكورة وبعضه مدرك بالحس. وبقى الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد والاحتراز عن التعقيد المعنوى؛ فمست الحاجة إلى علمين مفيدين لذلك؛ فوضعوا علم المعانى للأول، وعلم البيان للثانى؛ وإليه أشار بقوله: (وما يحترز به عن الأول- أى: عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد- ... === المعنوى يدرك بالحس وليس كذلك، بل المدرك بالحس بعض ما عداه لا جميعه، ويحتمل أن وجه السهو أنه يوهم أن التعقيد المعنوى يدرك العلوم المذكورة؛ لأنه قال ما عدا التعقيد المعنوى يدرك بالحس أى: أو ما هو فلا يدرك بالحس وهو محتمل لإدراكه، بالعلوم السابقة أى: وحينئذ فلا يكون محتاجا لعلم البيان، لبيان التعقيد المعنوى مع أننا بصدد بيان الحاجة إليه لأجل بيانه. (قوله: إذ لا يعرف إلخ) بيانه (قوله: إذ لا يعرف إلخ) هذا تعليل لاستثناء التعقيد المعنوى (قوله: تمييز السالم) أى: متعلق تمييز السالم (قوله: فعلم أن مرجع البلاغة) أى: بعض مرجعها وهو تمييز الفصيح من غيره، وقوله: بعضه مبين أو بعضه مبين متعلقه وهو الغرابة ومخالفة القياس وضعف التأليف والتعقيد اللفظى، وقوله: وبعضه مدرك بالحس، أى: مدرك متعلقه، وهو التنافر سواء كان فى الحروف أو فى الكلمات (قوله: وبقى) أى: من المرجع الاحتراز إلخ، أى: فإنهما غير مبينين فى علم ولا مدركين بالحس فمست إلخ. (قوله: وبقى الاحتراز عن الخطأ) أى: الذى هو المرجع الأول بتمامه، وقوله: والاحتراز عن التعقيد المعنوى، أى: الذى هو بعض المرجع الثانى (قوله: فمست الحاجة) أى: دعت وحملت (قوله: مفيدين لذلك) أى: لمعرفة ذلك المذكور من الاحترازين (قوله: وإليه) أى: إلى كونهم وضعوا علمين مفيدين لما ذكر من الاحترازين، أشار بقوله: والمراد بالإشارة الذكر، وإلا فهو مصرح لا مشير (قوله: وما يحترز به عن الأول) فيه أن الأول هو الاحتراز عن الخطأ، وعلم المعانى لا يحترز به عن الاحتراز المذكور،

стр. 273

علم المعانى، وما يحترز به عن التعقيد المعنوى علم البيان) وسموا هذين العلمين علم البلاغة لمكان مزيد اختصاص لهما بالبلاغة، ... === بل عن الخطأ، والجواب: أن فى كلام المصنف حذف مضاف أى: عن متعلق الأول، فقول الشارح أى عن الخطأ: تفسير لذلك المقدر. (قوله: علم المعاني) إن أريد به القواعد، فالأمر ظاهر، وإن أريد به الملكة أو الإدراك احتيج إلى تقدير مضاف أى: فوضعوا متعلق علم المعاني، وكذا يقال فيما بعده (قوله: لمكان) مصدر من الكينونة وهى التحقق، والوجود والمزيد مصدر بمعنى الزيادة، والمراد بالاختصاص: التعلق، أى: لوجود زيادة تعلق لهما بالبلاغة، وإنما فسرنا هنا الاختصاص بالتعلق؛ لأن الاختصاص شىء واحد لا يزيد ولا ينقص بخلاف التعلق، وأورد على هذا التعليل أن مرجع البلاغة كما مر شيئان: الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد، وتمييز الفصيح من غيره، والشىء الأول: إنما يكون بعلم المعانى ولا يشاركه فيه غيره من العلوم، فلا يظهر بالنسبة إليه التعبير بمزيد، والشىء الثاني: كما يتوقف على علم البيان يتوقف على اللغة والصرف والنحو، فلا زيادة له عن غيره، وأجيب عن الأول: بأن المراد بقوله: مزيد اختصاص لهما أى: لمجموعهما لا لكل منهما، وعن الثاني: بأن علم البيان المقصود منه بالذات التمييز المذكور بخلاف النحو مثلا، فإنه ليس المقصود منه بالذات ذلك التمييز، بل ذلك حاصل منه تبعا، والمقصود بالذات منه معرفة حال اللفظ إعرابا وبناء، وحاصل ما ذكره الشارح أن البلاغة مرجعها لأمرين: الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد، والاحتراز عن الأسباب المخلة بالفصاحة، والأول: موقوف على علم المعاني، والثاني: موقوف على اللغة والصرف والنحو والبيان، وحينئذ فالبلاغة متعلق بها علوم خمسة، وهذا بيان لكون التعلق مشتركا إلا أن تعلق مجموع علم المعانى والبيان بها أزيد من تعلق غيرهما؛ وذلك لأن علم المعانى يعرف ما به يطابق الكلام مقتضى الحال، والبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وأما فى البيان: فإنه وإن كان مفاده وثمرته معرفة ما يزول به التعقيد المعنوى، وهو مما يتوقف عليه البلاغة كتوقفها على مفاد النحو والصرف واللغة، فإنه يزول بالأول: ضعف التأليف،

стр. 274

وإن كانت البلاغة تتوقف على غيرهما من العلوم، ثم احتاجوا لمعرفة توابع البلاغة إلى علم آخر فوضعوا لذلك علم البديع؛ وإليه أشار بقوله (وما يعرف به وجوه التحسين علم البديع) ولما كان هذا المختصر فى علم البلاغة وتوابعها انحصر مقصوده فى ثلاثة فنون (وكثير) من الناس من (يسمى الجميع علم البيان وبعضهم يسمى الأول علم المعانى و) يسمى (الأخيرين) يعنى: البيان والبديع (علم البيان، والثلاثة: علم البديع) ... === وبالثاني: مخالفة القياس، وبالثالث: الغرابة، لكن المقصود بالذات من البيان تمييز السالم من التعقيد المعنوى من المشتمل عليه الذى تتوقف عليه البلاغة، بخلاف النحو والصرف، فإن المقصود بالذات من الأول: البحث عن اللفظ من حيث الإعراب والبناء، وأما تمييز السالم من ضعف التأليف والتعقيد اللفظى من المشتمل عليهما فهذا ليس مقصودا بالذات من النحو، بل هو أمر عارض له، وكذلك المقصود بالذات من الصرف البحث عن اللفظ من حيث الصحة والإعلال، وأما تمييز الموافق للقياس من المخالف له فهو أمر عارض له، فلما كان المقصود بالذات من البيان تتوقف عليه البلاغة دون المقصود بالذات من غيره، كان البيان أشد تعلقا بها من غيره (قوله: وإن كانت البلاغة تتوقف على غيرهما من العلوم) أى: من حيث رجوعها إلى تمييز الفصيح من غيره، وإنما كان لهما مزيد اختصاص بالبلاغة مع توقفها من هذه الحيثية على عدة علوم؛ لأن هذين العلمين لا يبحثان إلا على ما يتعلق بالبلاغة (قوله: لمعرفة البلاغة) اللام للتعليل مقدمة على المعلول لا صلة الاحتياج، وقوله إلى علم آخر: صلة لاحتاجوا أى: ثم احتاجوا لعلم آخر لأجل معرفة إلخ (قوله: فوضعوا لذلك) أى: لما ذكر من المعرفة (قوله: وجوه التحسين) أى: الطرق والأمور التى يحصل بها تحصيل الكلام. (قوله: مقصوده) أى: مقصود مؤلفه، وأن فيه استعارة بالكناية وتخييلا (قوله: والثلاثة علم البديع) من تتمة الطريقة الثالثة، والحاصل أن الطريقة الأولى: تسمى الفن الأول بعلم المعاني، والثانى بالبيان، والثالث بالبديع، والطريقة الثانية: تسمى الثلاثة بعلم البيان، والطريقة الثالثة: تسمى الأول بالمعاني، والأخيرين: بالبيان، وتسمى الثلاثة:

стр. 275

ولا تخفى وجوه المناسبة. === بالبديع، وهذا هو ظاهر المصنف، وكتب بعضهم قوله: والثلاثة أى: وبعضهم يسمى، الثلاثة علم البديع (قوله: ولا تخفى وجوه المناسبة) أما وجه مناسبة تسمية الأول بعلم المعاني؛ فلأنه يعرف به المعانى التى يصاغ لها الكلام وهى المدلولات العقلية المسماة بخواص التراكيب، وأما وجه تسمية الثانى بعلم البيان؛ فلأنه يعرف به بيان إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة فى وضوح الدلالات وخفائها، وأما وجه تسمية الثالث بالبديع، إما لبداعة ما اشتمل عليه من الوجوه أى: حسنها، وإما لأنه لما لم يكن له مدخل فى تأدية المعنى المراد الموضوع له أساس الكلام صار أمرا مبتدعا أى: زائدا، وأما وجه تسمية الجميع بعلم البيان؛ فلأن البيان: هو المنطق الفصيح المعرب عما فى الضمير، ولا شك أن العلوم الثلاثة لها تعلق بالكلام الفصيح المذكور تصحيحا وتحسينا، وأما على الطريقة الثالثة: فوجه تسمية الأول بالمعانى يعلم مما تقدم، ووجه تسمية الأخيرين بالبيان فلتعلقهما بالبيان أى: المنطق الفصيح، أو غلب اسم الثانى على الثالث، وأما وجه تسمية الجميع بالبديع فلبداعة مباحثها أى: حسنها؛ لأن البديع: هو الشىء المستحسن لظرافته وغرابته وعدم وجود مثاله من جنسه ومباحث هذه العلوم كذلك، أو لأنه يعرف بها أمور مبتدعة بالنسبة إلى تأدية أصل المراد الذى يعرفه الخاص والعام، وتلك الأمور كالخصوصيات والمجاز والكناية والجناس والترصيع وغير ذلك.

стр. 276

الفن الأول علم المعانى

стр. 277

الفن الأول علم المعاني === (قوله: الفن الأول علم المعاني) أورد عليه أن هذا إخبار بمعلوم فلا فائدة فيه، وذلك لأنه قال أولا وما يحترز به عن الأول أى: الخطأ فى تأدية المعنى المراد علم المعاني، وما يحترز به عن التعقيد المعنوى فهو علم البيان، وما يعرف به وجوه التحسين فهو علم البديع، فقد علم من هذا أن الفن الأول علم المعاني، فقوله بعد ذلك الفن الأول علم المعاني: إخبار بمعلوم فلا فائدة فيه، وأجاب بعضهم بأنه طال العهد بالنسبة للعلمين الأخيرين أوقع الحمل هناك وأجرى ما هنا عليه لتكون التراجم الثلاثة على نسق واحد، والأحسن ما قاله بعضهم: أنه ليس المراد بالأول هنا الأول فى قوله: سابقا وما يحترز به عن الأول إلخ، بل المراد بقوله: الفن الأول أى: الواقع فى المرتبة الأولى من الكتاب، وكذا يقال فى الثانى والثالث، ولما كان مظنة أن يقع اشتباه فى أن الفن الأول والثانى والثالث، أى شىء هو حمل علم المعانى على الفن الأول وعلم البيان على الفن الثانى وعلم البديع على الفن الثالث؛ إزالة لذلك الاشتباه، فظهر لك أن الحمل مفيد، واندفع ما سبق وإلى بعض الأوهام من عدم صحة الحمل، وأنه ينبغى أن يعكس بحيث يحمل الفن الأول على علم المعاني؛ لأن علم المعانى قد علم من قوله قريبا؛ وما يحترز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد علم المعاني، والمعلوم بجعل محكوما عليه، ولا يقال: إن المتعارف عدم كون المبتدأ عرف من المسند إليه، فما ذكرته من جعل علم المعانى خبرا خلاف المتعارف؛ لأن الفن الأول من قبيل المحلى بأل، وعلم المعانى معرفة بالعلمية، والعلم أعرف منه؛ لأنا نقول: المسند إليه هنا مساو للمسند فى التعريف؛ لأن مدخول أل العهدية فى حكم علم الشخص، ولا يصح أن يجعل الفن الأول خبرا مقدما، وعلم المعانى مبتدأ مؤخرا؛ لأن الخبر هنا واجب التأخير لاستواء الجزأين فى التعريف من غير قرينة، كما أشار إليه فى الخلاصة بقوله:

стр. 278

[عله تقديمه علي البيان] قدمه على البيان لكونه منه بمنزلة المفرد من المركب؛ ... === فامنعه حين يستوى الجزءان ... عرفا ونكرا عادمى بيان ثم إن الفن عبارة عن الألفاظ أى: القضايا الكلية؛ لأنه جزء من المختصر الذى هو اسم للألفاظ المخصوصة على ما سبق فى قوله: رتب المختصر على مقدمة وثلاثة فنون، والعلم يحتمل أن يراد به الملكة، ويحتمل أن يراد به القواعد كما سيأتى ذلك قريبا للشارح، فعلى أن المراد بالعلم: القواعد والأصول التى هى قضايا كلية، فالحمل صحيح؛ لأنه من حمل الألفاظ على الألفاظ، وعلى أن المراد بالعلم الملكة فالحمل غير صحيح؛ لأن الخبر غير المبتدأ، وقد يجاب بأن الحمل من باب الإسناد المجازى لما بين الألفاظ أى: القضايا الكلية التى هى الفن، والملكة من العلاقة الشديدة لحصولها بمزاولتها، ولا يرد أن الإسناد المجازى عند المصنف خاص بإسناد الفعل أو ما فى معناه لغير ما هو له، فخرج إسناد الخبر الجامد لغير ما هو له، فلا يكون مجازا عقليا؛ لأن الصحيح خلافه كما يأتى، وما ذكره العلامة الحفيد وتبعه الغنيمى من أن العلم عبارة عن المعانى والحمل غير صحيح، وأجابا بأن الإسناد مجازى أو يجاب كما ذكره غيرهما بتقدير مضاف، إما فى الأول أى مدلول الفن الأول: علم المعاني، أو فى الأخير أى: الفن الأول. دال علم المعاني، فهذا ينبو عنه حمل الشارح العلم على الملكة، أو على الأصول والقواعد، وقوله بعد ذلك ينحصر فى ثمانية أبواب: من انحصار الكل فى أجزائه، إذ من المعلوم أن الأبواب الثمانية ألفاظ، فإذا كانت الأجزاء ألفاظا وقضايا- كان الكل، وهو علم المعانى كذلك. فتأمل ذلك. (قوله: قدمه على البيان) لم يقل على علم البيان مع أنه أنسب بكلام المتن، حيث قال سابقا: وما يحترز به عن التعقيد المعنوى علم البيان، إشارة إلى أن العلم المعانى والبيان، وإضافة العلم فى مثل ذلك لما بعده من إضافة العام إلى الخاص، فقد عدل عن مراعاة النكتة اللفظية وهى المجانسة اللفظية لمراعاة تلك النكتة المعنوية (قوله: لكونه منه إلخ) حاصله أن ثمرة علم المعاني، وهى رعاية المطابقة لمقتضى الحال يتوقف عليها ثمرة علم البيان، وهى إيراد المعنى الواحد بطرق متعددة مختلفة الدلالات فى الوضوح

стр. 279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والخفاء، من حيث إنه لا يعتد بذلك الإيراد إلا إذا حصلت الرعاية لمقتضى الحال، كما يشعر به تعريف البيان بأنه علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الوضوح والخفاء بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، فلما كانت ثمرة البيان متوقفة على ثمرة المعاني، وعلم البيان متوقف على ثمرته وهو الإيراد المذكور، صار علم البيان متوقفا على شيئين ثمرته وثمرة علم المعانى التى توقف عليها ثمرته؛ لأن المتوقف على المتوقف على شىء متوقف على ذلك الشىء، وحيث كان علم البيان متوقفا على شيئين، وعلم المعانى متوقفا على واحد منهما صار علم المعانى بمنزلة الجزء من علم البيان، والجزء مقدم على الكل طبعا، فقدم علم المعانى لذلك وضعا، والحاصل أن ثمرة علم المعانى التى هى رعاية المطابقة شديدة الارتباط به؛ لأنها المقصودة منه حتى كأنها هو، وهى تشبه الجزء من علم البيان لتوقفه عليها من حيث اعتبار ثمرته والاعتداد بها، ويتوقف على غيرها أيضا: كإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الوضوح والخفاء، وما يتوقف عليه الشىء يشبه جزأه بجامع التوقف عليه فى الجملة، فتلك الرعاية وذلك الإيراد يشبهان أجزاء علم البيان لتوقفه عليهما، فكان علم المعانى بمنزلة الجزء لكون ثمرته المقصود منه كالجزء، وإنما قلنا إنها تشبه الجزء؛ لأنها ليست جزءا حقيقة للبيان، لأنه ليس عبارة عنها مع شىء آخر، وإنما قلنا من حيث اعتبار ثمرته والاعتداد بها؛ لأن تحققه وحصوله لا يتوقف على رعاية المطابقة؛ لأنه يمكن تحقق ملكة يقتدر بها على إيراد المعنى الواحد بالطرق المذكورة من غير رعاية للمطابقة، ولا شك أن هذه الملكة تسمى علم البيان. إذا علمت هذا، فقول الشارح لكونه منه بمنزلة المفرد من المركب: كلمة من فى الموضعين ابتدائية، إلا أن الابتداء باعتبار الاتصال، لا أنها ابتدائية محضة؛ لأن مجرورها ليس مبدأ ومنشأ لنفس ما قبلها، بل متصل به، والمعنى لكون المعانى حال كونه ناشئا من البيان أى: متصلا به بمنزلة المفرد حال كونه ناشئا من المركب أى: متصلا به، وملخصه: أن اتصال المعانى بالبيان ونسبته إليه: كاتصال المفرد بالمركب، ونسبته إليه من جهة التوقف على كل، وإن كان توقف المركب على المفرد من جهة كونه جزءا

стр. 280

لأن رعاية المطابقة لمقتضى الحال- وهو مرجع علم المعانى- معتبرة فى علم البيان مع زيادة شىء آخر؛ وهو إيراد المعنى الواحد ... === له بخلاف توقف البيان على المعاني، ويصح أن تكون كلمة من متعلقة بمحذوف أى: لكون قرب المعانى من البيان بمنزلة قرب المفرد من المركب، كما ذكر فى قوله فى قوله ﵊: " أنت منى بمنزلة هارون من موسى" (١) (قوله: لأن رعاية إلخ) علة لكون اتصال المعانى بالبيان، بمنزلة اتصال المفرد بالمركب، وقوله لأن رعاية المطابقة لمقتضى الحال أى: التى هى ثمرة المعاني؛ لأن المعانى كما قال المصنف: علم يعرف به أحوال اللفظ العربى إلخ، وثمرة ذلك العلم رعاية المطابقة لمقتضى الحال. (قوله: وهو مرجع إلخ) الضمير للرعاية وذكر الضمير باعتبار الخبر، والمراد بالمرجع هنا الفائدة والثمرة لا ما يتوقف حصول الشىء عليه، كما مر فى قول المصنف. فعلم أن مرجع البلاغة إلخ، وذلك لما علمت أن تحقق علم المعانى وحصوله لا يتوقف على تحقق الرعاية المذكورة، إذ يمكن أن يوجد فى شخص ملكة يعرف بها أحوال اللفظ العربي، من حيث إن بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، ولا يحصل من ذلك الشخص رعاية المطابقة المذكورة ولا قصدها، فقد وجد علم المعانى بدون تلك الرعاية (قوله: معتبرة فى علم البيان) أى: من حيث إنها شرط فى الاعتداد بثمرته، وهى إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الوضوح والخفاء، وليس المراد اعتبارها فى البيان على سبيل الجزئية له؛ لأن البيان ليس مركبا من اعتبار المطابقة وإيراد المعنى الواحد بطرق، فظهر لك من هذا أن المراد بالاعتبار فى كلام الشارح ما يشمل اعتبار الخارج واعتبار الفائدة، فإن رعاية المطابقة أمر خارج عن الواحد بطرق مختلفة: فهو فائدة لعلم البيان ومقصود منه، فاعتباره فيه من تلك الحيثية. (قوله: المعنى الواحد) أى: كثبوت الجود لزيد، فإنك تعبر عنه تارة بقولك: زيد سخى، وتارة بقولك: زيد جبان الكلب (٢)، وتارة بقولك: زيد كثير الرماد، وتارة

стр. 281

[تعريف علم المعاني] فى طرق مختلفة (وهو علم) أى: ملكة يقتدر بها على إدراكات جزئية، ... === بقولك: زيد هزيل الفصيل، وتارة بقولك: رأيت بحرا فى الحمام يعطى، والحال أن المرئى فى الحمام زيد (قوله: فى طرق) أى: بطرق. (قوله: ملكة) أى: كيفية راسخة، وإنما قيدنا بالرسوخ؛ لأن الكيفية النفسانية كما مر لا تسمى ملكة إلا بعد الرسوخ، إذ فى ابتداء حصولها تسمى حالا (قوله: يقتدر بها على إدراكات) أى: على استحضار إدراكات واستحصالها، والحاصل أن الملكة لا يقال لها علم، كما اختار صاحب المواقف وغيره من المحققين، إلا إذا كان يستحضرها بها ما كان مخزونا عنده فى الحافظة ومعلوما له من الجزئيات ويحصل بها ما ليس عنده منها، مثلا واضع هذا الفن وضع عدة أصول مستنبطة من تراكيب البلغاء، يحصل من إدراكها وممارستها قوة للنفس يتمكن الإنسان بتلك القوة من استحضار جزئيات تلك الأصول التى عنده متى أراد، ويتمكن أيضا من استحصال ما كان مجهولا له من جزئياتها، وذكر العلامة عبد الحكيم: أن المعتبر فى العالم بمعنى الملكة هو ملكة الاستحضار الحاصلة بعد تكرار المشاهدة، وأما التمكن من استحصال ما بقى فليس بمعتبر فيها، وإلى هذا يشير كلام الشارح فى المطول (قوله: على إدراكات جزئية) إن قلت الإدراك لا يوصف بالكلية ولا بالجزئية، والذى يتصف بهما إنما هو المدرك كالإنسان وزيد، وحينئذ فالمناسب أن يقال: يقتدر بها على إدراك الجزئيات، وأجيب بأن فى الكلام حذف مضاف أى: يقتدر بها على إدراك مدركات جزئية كذا قيل، وقد يقال إنه لا حاجة لذلك؛ لأن إدراك الجزئى جزئى حقيقى؛ لأن جزئية المدرك بالفتح تستلزم جزئية الإدراك، ثم إن المراد بالإدراكات الجزئية الإدراكات المتعلقة بالفروع المستخرجة بتلك الملكة من المسائل أى: القواعد الكلية مثلا قولنا: كل كلام يلقى إلى المنكر يجب توكيده، أصل كلى يستحضر بالملكة، وفرعه المستفاد منه بالملكة، هذا الكلام الملقى لهذا المنكر يجب توكيده، وكذلك كل كلام يلقى إلى المحبوب يجب فيه

стр. 282

ويجوز أن يريد به نفس الأصول ... === الإطناب، وكل كلام يلقى إلى المريض يجب فيه الإيجاز، وفرعهما الكلام الملقى لهذا المحبوب يجب فيه الإطناب، الكلام الملقى لهذا المريض يجب فيه الإيجاز وهكذا فالجزئيات المستخرجة من القواعد بالملكة هى القضايا التى موضوعاتها جزئية، وهى مغايرة لأحوال اللفظ العربي: كالتأكيد الواقع فى هذا الكلام، والإيجاز الواقع فى هذا الكلام، والإطناب الواقع فى هذا الكلام، وهكذا فقول المصنف: يعرف به أحوال اللفظ العربي، يقتضى أن المعروف بالملكة جزئيات الأحوال، وكلام الشارح يقتضى أن المعروف بها جزئيات القواعد، وقد علمت التغاير بينهما، وقد يجاب بأن هذه الملكة يعرف بها جزئيات الأحوال بواسطة معرفة فروع القواعد بها؛ لأن معرفتها وسيلة إلى التصديق بأحوال اللفظ فيلزم من التصديق بأن هذا الكلام الملقى إلى هذا المنكر يجب توكيده ليطابق مقتضى حاله التصديق، بان هذا التأكيد مناسب لإنكار هذا الشخص الذى هو حاله، ومعرفة الجزئيات تتناول تصورها، والتصديق بحالها، فالتصديق بأن هذا التأكيد مناسب لإنكار هذا المخاطب معرفة له، فصح القول بأن الملكة يعرف بها أحوال اللفظ بهذا الاعتبار. (قوله: ويجوز إلخ) قد تحصل من كلامه أن العلم مشترك ولا يضر وقوعه هنا فى التعريف لصحة إرادة كل من معانيه، ومحل المنع إذا لم تصح إرادة ذلك، ثم إن تصدير الشارح بالمعنى الأول وتصدير هذا بيجوز، يقتضى أن هذا مرجوح والراجح الأول، مع أن الأمر ليس كذلك، إذ الراجح إنما هو هذا الثاني؛ لأن الكثير فى استعمالهم إطلاق العلم على الأصول وإطلاقهم له على الملكة قليل، وأيضا المناسب لقوله الآتى: وينحصر فى ثمانية أبواب المعنى الثاني؛ لأن المنحصر فى الأبواب إنما هو الأصول لا الملكة، ولا يقال هذا يوجب إرادة المعنى الثاني؛ لأنا نقول يمكن أن يراد المعنى الأول ويرتكب فى قوله وينحصر إلخ: الاستخدام، أو يجعل فى الكلام حذف مضاف، أى: وينحصر متعلقه، وهى المدركات فى ثمانية أبواب كذا فى الغنيمى والحفيد، والذى ذكره العلامة عبد الحكيم: أن إطلاق العلم بمعنى الملكة أكثر فى العرف من إطلاقه بمعنى الأصول، كما صرح به فى التلويح، فحمل اللفظ عليه أولى، ولهذا قال

стр. 283

والقواعد المعلومة، ولاستعمالهم المعرفة فى الجزئيات قال: (يعرف به أحوال اللفظ العربى) أى: هو علم ... === الشارح: ويجوز؛ ولأن حمل العلم على الأصول يحوج إلى تقدير مضاف فى قوله: يعرف به، أى: بعلمه؛ لأن العلم يعنى الأصول لا يصير سببا فى المعرفة إلا بعد حصول الملكة، فالحمل عليه بعيد بالنسبة إلى الملكة، ولم يذكر الشارح جواز حمل العلم على الإدراك مع أنه يطلق عليه أيضا لفساد المعنى؛ لأن الإدراك لا يدرك به. (قوله: والقواعد) عطف تفسير (قوله: المعلومة) وصف القواعد بكونها معلومة إشارة إلى أن وجه إطلاق العلم عليها تعلقه بها، وأنه من باب إطلاق اسم المتعلق بالكسر على المتعلق بالفتح، على حد: " هذا خلق الله"، أى: مخلوقه؛ وذلك لأن العلم فى الأصل مصدر بمعنى: الإدراك، وهو غير القواعد فهى معلومة، وأشار الشارح بما ذكره لوجه العلاقة (قوله: واستعمالهم المعرفة فى الجزئيات) أى: والعلم فى الكليات، وهذا جواب عما يقال: لماذا عبر بالمعرفة فى قوله يعرف به إلخ، ولم يعبر بالعلم وهو علة مقدمة على المعلول، وهو قوله: قال يعرف، أى: ولم يقل: يعلم لاستعمالهم إلخ، فى الجزئيات، أى: وأحوال اللفظ العربى كتأكيد هذا الكلام، وتقديم المسند فيه وتأخيره جزئيات فيناسبها المعرفة لا العلم. (قوله فى الجزئيات): أى فى إدراكها تصورا لها، أو تصديقا بحالها، أى: واستعمالهم العلم فى إدراك الكليات تصورا لها، أو تصديقا بحالها. (قوله: يعرف به أحوال اللفظ العربي) اعترض بأن فى التعريف دورا؛ وذلك لأن أحوال اللفظ العربى أخذت فى تعريف علم المعاني، فصار متوقفا عليها وهى لا تعرف إلا منه فهى متوقفة عليه، ويجاب بأن الجهة منفكة؛ لأن العلم متوقف عليها من حيث تصور ماهيته وهى متوقفة عليه من حيث حصولها فى الخارج، فلا تحصل معرفتها بدونه؛ وذلك لأن المراد بمعرفة الأحوال التصديق بأن هذه الأحوال بها يطابق اللفظ مقتضى الحال: كالتصديق بأن هذا التأكيد مثلا فى قولك: إن زيدا قائم به يطابق هذا الكلام مقتضى الحال، ولا شك أن التصديق المذكور لا يحصل بدون علم المعاني؛ لأنه

стр. 284

يستنبط منه إدراكات جزئية هى معرفة كل فرد فرد من جزئيات الأحوال المذكورة بمعنى: أن أى فرد يوجد منها أمكننا أن نعرفه ... === هو الذى يبحث عن أحوال اللفظ التى بها يطابق مقتضى الحال، وقوله: أحوال اللفظ أعم من أن تكون أحوال مفرد: كالمسند إليه، أو أحوال جملة: كالفصل والوصل والإيجاز والإطناب والمساواة، فإنها قد تكون أحوالا للجملة، واحترز بإضافة الأحوال للفظ عن علم الحكمة؛ فإنه لا يعرف به أحوال اللفظ، بل أحوال الموجودات، وعن المنطق، فإنه يعرف به حال المعنى، وعن الفقه، فإنه يعرف به أحوال فعل المكلف وهكذا (قوله: يستنبط منه) أى: يستخرج منه، والتعبير بيستنبط منه مشكل على تفسير العلم بالملكة لا على تفسيره بالقواعد، وذلك لأن الملكة يستنبط بها لا منها، اللهم إلا أن تجعل لفظة من للسببية، أى: يستخرج بسببه وعلى تفسير العلم بالقواعد تجعل من للتعدية (قوله: كل فرد فرد) قيل الأولى حذف فرد الثانى لاستفادة الاستغراق من قوله: كل فرد، ورد بأن هذا الاستعمال شائع فى كلام العرب، فيكررون الشىء مرتين إشارة لاستيعاب جميع أفراده، فالمجموع بمنزلة شىء واحد يقصد بهما إفادة التعميم، أو أنه على حذف الفاء العاطفة أى: كل فرد ففرد، أى: كل فرد يعقبه آخر، وهكذا إلى غير النهاية، كما يشهد بذلك الذوق السليم، أفاده السيرامى. وفى كلام الحفيد: أن فردا الثانى بمعنى منفرد صفة للأول، أى: كل فرد منفرد عن الآخر، أى: معرفة كل فرد على سبيل التفصيل، والانفراد لا على سبيل الاقتران، وأما ما فى الفنرى: من أن الثانى توكيد لفظى للأول، ففيه أن التوكيد اللفظى لا بد أن يكون الثانى عين الأول، والثانى هنا غير الأول؛ لأن المراد فرد آخر (قوله: بمعنى أن أى فرد يوجد منها) أى: حاولنا إيجاده منها أمكننا إلخ، وليس المراد أن أى فرد وجد بالفعل، إذ لا يلائمه التعبير بالإمكان، كذا قرر بعض الأشياخ، ويصح أن يكون المراد بمعنى أن كل فرد يرد علينا من هذه الأحوال يمكن معرفته بذلك العلم (قوله: بمعنى أن أى فرد إلخ) أتى بهذا إشارة إلى أن الاستغراق عرفى، وأن المراد إمكان المعرفة لا المعرفة بالفعل كما هو ظاهر العبارة، والحاصل أن المراد من كون علم المعانى يعرف به أحوال

стр. 285

بذلك العلم، وقوله: (التى بها يطابق) اللفظ (مقتضى الحال) احتراز عن الأحوال التى ليست بهذه الصفة؛ مثل: الإعلال، والإدغام، والرفع، والنصب، ... === اللفظ العربى أن أى فرد من الأحوال حاولنا إيجاده أمكننا معرفته بذلك العلم، وليس المراد أن الأحوال بتمامها توجد فى تركيب واحد بالفعل وتعرف بذلك العلم؛ لأن أحوال اللفظ لا نهاية لها ويستحيل وجود مالا نهاية له ومعرفته، ولا أنها غير موجودة بالفعل فى تركيب، ولكن يعرف جميعها بهذا العلم لاستحالة معرفة جميع مالا نهاية له، وبهذا المراد اندفع ما يقال اعتراضا على المصنف قوله: يعرف به أحوال اللفظ العربي، جمع مضاف وحكمه حكم الجمع المعرف فى احتمالاته الأربعة، فأما أن يراد به الجنس مجازا وهو ظاهر البطلان؛ لأنه يلزم أن يكون من له ملكة يعرف بها حالا واحدا عالما بالمعاني، وإما أن يراد به الاستغراق، فيلزم أن لا يكون أحد عالما بالمعاني؛ لأن أحوال اللفظ لا نهاية لها، ومالا يتناهى يستحيل وجوده فيستحيل معرفته، وإما أن يريد البعض المطلق فيلزم ما لزم على تقدير إرادة الجنس، وإما أن يريد بعضا معينا فى نفسه بنصف أو ثلث أو غير ذلك من الكسور غير معين فى الذكر، فيلزم التعريف بالمجهول، وإما أن يريد البعض المعين فى الذكر: كالتعريف والتنكير والتأكيد والتجريد وكأحوال الإسناد أو المسند إليه أو غيرهما، فلا دلالة للفظ عليه، وحاصل الجواب: أنا نختار الاستغراق، لكن المراد العرفى به لا الحقيقى، ونريد بالمعرفة: المعرفة بحسب الإمكان، لا بالفعل كما مر (قوله: بذلك العلم) أى: بتلك الملكة أو بالأصول والقواعد (قوله: يطابق اللفظ) فيه إشارة إلى أن الصلة جرت على غير من هى له، وكان الواجب الإبراز (١) إلا أن يقال: إنه جرى على المذهب الكوفى، وكان الأولى للشارح أن يقول: أى اللفظ، ليكون تفسيرا للضمير المستتر، وإلا فظاهره أن المصنف حذف الفاعل مع أنه لا يجوز حذفه إلا فى مواضع معلومة ليس هذا منها (قوله: مثل الإعلال والإدغام) إن قلت هذا يقتضى أنهما يتوقف عليهما أصل المعنى مع أنه ليس كذلك، ألا ترى: أن أصل المعنى يستفاد
следующие страницы →