يعنى: أن الشيئين اللذين أوقع بينهما نسبة فى الخبر لا بد وأن يكون بينهما نسبة فى الواقع؛ أى: مع قطع النظر ...
===
وإن طابق حكمه اعتقاده، وكذلك إذا قاله السنى وإن خالف اعتقاده، ثم إنه على هذا التعريف لا يخرج خبر الشاك عن الصادق والكاذب؛ لأن مدلوله أعنى النسبة بمعنى الوقوع أو اللاوقوع إن طابقت الواقع فهو صادق وإلا فكاذب، فهو لا يخرج عنهما على هذا التفسير بخلافه على التفسير الثانى
(قوله: يعنى إلخ) هذا زيادة توضيح للكلام السابق، وقرر شيخنا العدوى أنه أتى بالعناية؛ لأن المتبادر من المصنف أن المطابقة معتبرة بين ذات الخبر ونفس الأمر مع أنها إنما تعتبر أولا وبالذات بين حكم الخبر وما فى نفس الأمر، لكن أنت خبير بأن هذه العناية لا يحتاج إليها بعد تقدير الشارح حكم وتفسيره الواقع بالخارج بمعنى النسبة الخارجية، والمراد بالشيئين المحكوم عليه والمحكوم به: كزيد والقيام
(قوله: وأن يكون) الواو زائدة أى: لا بد من أن يكون، ومعنى لا بد:
لا فرار، وبد: اسم لا، والجار المحذوف باطراد مع مجروره متعلق باسم لا وخبرها محذوف
(قوله: فى الواقع) أى: فى نفس الأمر، ولما كان هذا يخرج ما لا ثبوت له فى الواقع، قال: أى مع قطع النظر عما فى الذهن، فينبغى أن يكون هذا تفسيرا لقوله فى الواقع، تفسير مراد لا تقييدا له، ولما كان هذا أى قوله: مع قطع النظر عما فى الذهن، قد يخرج نسب القضايا الذهنية المحضة التى لا ثبوت لها إلا فى الذهن لا فى الخارج، كقولنا: اجتماع الضدين ثابت، فإن هذه لا يتأتى قطع النظر فيها عن الذهن؛ لأنه لا تحقق لها إلا فى الذهن لا فى الخارج، قال وعما يدل عليه الكلام إشارة إلى أن المراد بقطع النظر عما فى الذهن قطع النظر عما يدل عليه الكلام لا مطلقا، وحينئذ فتدخل الذهنيات المحضة فكأن الشارح قال أى: مع قطع النظر عما فى الذهن من حيث يدل عليه الكلام، ولا شك أنه إذا قطع النظر عما فى الذهن من تلك الحيثية كان صادقا بما إذا كانت النسبة فى الذهن أو فى الخارج كما فى القضايا الخارجية، وقرر شيخنا العدوى أن قوله: أى مع قطع النظر. يجوز أن يكون فى معنى المبالغة أى: أن النسبة الخارجية لا بد منها حتى ولو قطع النظر عما فى الذهن أى: هذا إذا لم يقطع النظر عما
стр. 317
عما فى الذهن، وعما يدل عليه الكلام، فمطابقة تلك النسبة المفهومة من الكلام للنسبة التى فى الخارج بأن تكونا ثبوتيتين أو سلبيتين- صدق، ...
===
فى الذهن، بل نظر إليه كما فى القضايا الذهنية التى لا ثبوت لها خارجا، بل ولو قطع النظر عما فى الذهن كما فى القضايا الخارجية نحو: زيد قائم، وعلى كل حال ليس قوله: أى مع قطع النظر إلخ، قيد الوجود الخارجية، وعلى هذا التقرير فقوله: بعد ذلك:
وعما يدل عليه الكلام عطف تفسير أى: أن المراد بما فى الذهن هو ما يدل عليه الكلام
(قوله: عما فى الذهن) أى: النسبة الذهنية، وقوله وعما يدل عليه الكلام أى: النسبة الكلامية وهما متحدان ذاتا مختلفان اعتبارا؛ لأنه إن اعتبر تقررها فى الذهن قبل النطق بها فهى ذهنية، وإن اعتبر فهمها من الكلام بعد النطق به فكلامية
(قوله: فمطابقة إلخ) فيه إشارة إلى أن المراد بالحكم فى قوله: مطابقة حكمه النسبة الكلامية وبالواقع فى قول المتن للواقع النسبة الخارجية، وقد علم من هذا أن المنظور له فى الصدق والكذب- على هذا القول- النسبة الكلامية والخارجية فقط، بخلاف قول: النظام الآتي. فإنه ينظر للكلامية والذهنية وبخلاف الجاحظ، فإنه ينظر فيهما للنسب الثلاث كما يأتى بيانه.
(قوله: بأن تكون) أى: مصورة بأن تكون ثبوتيتين كما في: زيد قائم، وقد حصل القيام له فى الواقع، وقوله: أو سلبيتين كما فى قولك: زيد ليس بقائم، وكان لم يحصل له قيام فى الواقع، ثم إن هذا الكلام أعنى قوله: بأن تكونا إلخ، يشير إلى تفسير المطابقة وعدمها، فالمطابقة هى الموافقة فى الكيف وعدمها المخالفة فى الكيف وأنه ليس المراد بها الموافقة من سائر الوجوه، وهذا بناء على أن المراد بالنسبة المفهومة من الكلام الإيقاع والانتزاع والتى فى الخارج الوقوع وعدم الوقوع كما هو مذهب العلامة السيد، وأما إذا قلنا: المراد بنسبة الكلام المفهومة منه الوقوع وعدمه، كما أن الخارجية كذلك كما هو مختار الشارح فالمطابقة هى الموافقة بينهما من حيث ذاتهما من سائر الوجوه ويكتفى فى التغاير بين المطابق بالكسر والمطابق بالفتح اختلافهما بالاعتبار، فارتباط أحد الشيئين بالآخر من حيث فهمه من الكلام ودلالة الكلام عليه غير نفسه من حيث حصوله فى الخارج بقطع النظر عن فهمه من الكلام، فلا يقال إن فى مطابقة إحدى النسبتين للأخرى مطابقة الشىء لنفسه.
стр. 318
وعدمها بأن تكون إحداهما ثبوتية والأخرى سلبية- كذب.
(وقيل) صدق الخبر ...
===
(قوله: بأن تكون إحداهما ثبوتية إلخ) أى: كما إذا قيل: زيد قائم ولم يحصل له قيام فى الواقع، أو قلت: زيد ليس بقائم وقد حصل له القيام، فللكذب صورتان كما أن للصدق صورتين.
بقى شىء آخر وهو أن تعريف الصدق بما ذكر معترض بلزوم الدور؛ وذلك لأنه قد أخذ الخبر فى تعريف الصدق فيكون صدق الخبر موقوفا على تصور الخبر، وقد عرفوا الخبر بأنه: ما احتمل الصدق والكذب لذاته، فقد أخذ فى تعريف الخبر فيكون تصور الخبر موقوفا على تصورهما وهذا دور، وأجيب بأن الصدق والكذب المأخوذين فى تعريف الخبر هما صفتا المتكلم وهما الإعلام بالشىء على ما هو عليه أو على خلافه، والصدق والكذب المأخوذ فى تعريفهما الخبر صفتا الخبر على أنه ليس بلازم بناء التعاريف بعضها على بعض، فالذى يعرف الصدق بما ذكر لا يعرف الخبر بما احتمل الصدق والكذب، بل بما لا يتوقف مدلوله على النطق به أو بما حصل مدلوله فى الخارج بدونه وكان حكاية عنه، وأورد على التعريف أيضا المبالغات: كجئت اليوم ألف مرة، فإنه يصدق عليه حد الكذب دون حد الصدق وليس بكذب، فحد الصدق غير جامع وحد الكذب غير مانع، وأجيب بأن المبالغ إن قصد ظاهر الكلام فهو كذب، وإن قصد معنى مجازيا: كالكثرة فى المثال؛ فهو صدق لمطابقة النسبة الكلامية بحسب المعنى المراد للواقع، فالمراد مطابقة النسبة الكلامية بحسب المعنى المراد لا الوضعى.
(قوله: وقيل) قائله النظام وهو من المعتزلة، وقد أشار المصنف إلى كمال سخافة هذا المذهب بحذف قائله وتحقيره بمجهوليته مع العلم بأنه النظام، وإلى رجحان مذهب الجاحظ عليه بذكر قائله، ووجه كمال سخافته ما يلزم عليه من تصديق اليهودى، إذا قال الإسلام باطل وتكذيبه إذا قال: الإسلام حق وإجماع المسلمين ينادى على ذلك بالبطلان والفساد، وبطلان اللازم يقتضى بطلان الملزوم، وإنما قدم المصنف هذا المذهب على مذهب الجاحظ لكمال اتصاله بالمذهب الأول حيث اتفقا على انحصار الخبر فى الصادق والكاذب.
стр. 319
(مطابقته لاعتقاد المخبر ولو) كان ذلك الاعتقاد (خطأ) غير مطابق للواقع (و) كذب الخبر (عدمها) أى: عدم مطابقته لاعتقاد المخبر ولو كان خطأ فقول القائل:
السماء تحتنا معتقدا ذلك- صدق، وقوله: السماء فوقنا غير معتقد ذلك- كذب، ...
===
(قوله: مطابقته) أى: مطابقة حكمه، وقوله لاعتقاد المخبر: لعل المراد لما فى اعتقاد المخبر أو لاعتقاده باعتبار ما فيه، أو لمعتقد المخبر، وحاصله أن الصدق عنده مطابقة النسبة الكلامية للنسبة المعتقدة للمخبر وهى التى فى ذهنه
(قوله: ولو كان ذلك الاعتقاد خطأ) الواو للعطف على محذوف أى: سواء كان ذلك الاعتقاد غير خطأ، بل ولو كان خطأ أو أن (لو) للمبالغة أى: هذا إذا كان الاعتقاد صوابا، بل ولو كان خطأ فما قبل المبالغة أولى بالحكم؛ وذلك لكون كل من النسبة الكلامية والاعتقاد صوابا كما فى قولك: السماء فوقنا حال كونك معتقدا ذلك وما بعد المبالغة كقولك: السماء تحتنا معتقدا ذلك، فإن النسبة الكلامية وافقت الاعتقاد والاعتقاد خطأ
(قوله: غير مطابق) تفسيرا لقوله خطأ، فكان المناسب التعبير بأى التفسيرية
(قوله: أى عدم مطابقته) أى: عدم مطابقة نسبته المفهومة منه
(قوله: ولو كان خطأ) أى: هذا إذا كان الاعتقاد غير خطأ، بل ولو كان خطأ وأخذ الشارح ذلك من رجوع الضمير فى قول المصنف عدمها للمطابقة المفيدة بالمبالغة فهو غير زائد على المصنف
(قوله: معتقدا ذلك) أى: ما ذكر من التحتية
(قوله: غير معتقد ذلك) أى: ما ذكر من الفوقية والأولى أن يقول: معتقدا خلاف ذلك؛ لأن ما قاله صادق بصورتين ما إذا اعتقد عدم ذلك، وما إذا لم يوجد منه اعتقاد أصلا وهو الشاك، فيكون خبر الشاك داخلا فى الكذب فلا يتأتى له الإشكال الآتى له بعد ذلك، ولو قال مثل ما قلنا لكان قاصرا على الصورة الأولى وتكون الصورة الثانية واسطة فيتأتى حينئذ الإشكال، وقد يقال إنما عبر بقوله غير معتقد ذلك؛ لأنه المطابق للتعريف بعدم مطابقة الاعتقاد الصادق بالصورتين كذا قال عبد الحكيم وقال الغنيمى.
قوله: غير معتقد ذلك: محمول على اعتقاد خلافه؛ لأن موضوع المسألة أن المتكلم عنده اعتقاد إما لنسبة الخبر أو خلافها، وأما إذا انتفى الاعتقاد كما فى الشاك
стр. 320
والمراد بالاعتقاد الحكم الذهنى الجازم أو الراجح فيعم العلم والظن؛ وهذا يشكل بخبر الشاك لعدم الاعتقاد فيه فيلزم الواسطة ولا يتحقق الانحصار اللهم إلا أن يقال إنه كاذب؛ لأنه إذا انتفى الاعتقاد صدق عدم مطابقته الاعتقاد، ...
===
فلا خبر أصلا أو هو كذب على ما سيأتى
(قوله: والمراد إلخ) لما كان الاعتقاد يطلق عند الأصليين بمعنى الإدراك الجازم لا لدليل فيخرج اليقين أعنى العلم وهو الإدراك الجازم لدليل، والظن وهو الإدراك غير الجازم. بين أن المراد به هنا ما يشمل الإدراكين لا ما يقابلهما
(قوله: الحكم الذهنى إلخ) أى: النسبة المعتقدة اعتقادا جازما أو راجحا، وقوله: فيعم العلم والظن. نشر على ترتيب اللف
(قوله: وهذا) أى: تفسير الصدق والكذب الذى حكاه المصنف عن النظام بقوله وقيل إلخ.
(قوله: لعدم الاعتقاد فيه) هذا بيان لوجه الإشكال وحاصله أن الشاك فى قيام زيد وعدم قيامه إذا قال: قام زيد. لا يصدق على خبره هذا أنه صادق لعدم تعريف الصدق عليه ولا كاذب لعدم صدق تعريف الكذب عليه؛ وذلك لأنه لا اعتقاد له حتى يطابقه حكم الخبر أو لا يطابقه، فيلزم على هذا التفسير ثبوت الواسطة بين الصدق والكذب، مع أن النظام المفسر بهذا التفسير لا يقول بالواسطة بينهما، بل يقول بحصر الخبر فى الصادق والكاذب
(قوله: اللهم إلا أن يقال إلخ) قد جرت العادة باستعمال هذا اللفظ فيما فى ثبوته ضعف، وكأنه يستعان فى إثباته بالله تعالى ووجه الضعف هاهنا أنه خلاف المتبادر، وأنه موهم لجريان الكذب فى الإنشاءات وهو مخالف للإجماع كذا فى الفنرى، وقال عبد الحكيم: وجه الضعف أن المتبادر من تعميم الاعتقاد بقولك ولو خطأ وجود الاعتقاد
(قوله: أنه) أى: خبر الشاك كاذب
(قوله: لأنه إذا انتفى الاعتقاد) أى: فى خبر الشاك.
(قوله: صدق عدم مطابقته الاعتقاد) أى: لأن السالبة تصدق مع نفى الموضوع، فعدم قيام زيد يصدق مع عدم زيد، فقول المصنف: والكذب عدم مطابقته الاعتقاد فى معنى قولك: ليس الاعتقاد مطابقا لحكم الخبر وهو سالبة صادق بأن يكون اعتقاد ولا يكون حكم الكلام مطابقا له وبأن لا يكون اعتقاد أصلا، فحينئذ تعريف
стр. 321
والكلام فى أن المشكوك خبر أو ليس بخبر مذكور فى الشرح فليطالع ثمة. (بدليل) قوله تعالى: ...
===
الكذب شامل لخبر الشاك.
(قوله: والكلام إلخ) أشار بهذا إلى أن هذا الإشكال مبنى على أن كلام الشاك يقال له خبرا باعتبار أن له نسبة مفهومة كسائر الأخبار مطابقة لما فى الواقع أو غير مطابقة له ولا يشترط أن تكون نسبة كائنة فى ذهن المتكلم؛ ولأنه دال على حكم وهو إدراك وقوع النسبة أو لا وقوعها، وإن لم يكن ذلك الحكم قائما بالمتكلم فى الواقع، وغاية ما فيه تخلف المدلول عن الدليل وتخلفه جائز فى الدلالة الوضعية كما فى الخبر الكاذب بخلاف الدلالة العقلية؛ فلا يجوز فيها تخلف المدلول عن الدليل كما فى التغير الدال على حدوث العالم، وهذا القول هو التحقيق؛ لأنه إذا كان كلام المتعمد للكذب يقال له خبر بالاعتبار المذكور فأولى الشاك، وقيل إنه لا يقال له خبر باعتبار أنه لا نسبة له فى الاعتقاد، وحينئذ فهو خارج من المقسم وهو الخبر فلا يرد الإشكال أصلا.
(قوله: ثمة) يوقف عليه بالهاء
(قوله: بدليل إلخ) متعلق بمحذوف أى وتمسك فى إثبات ما ذهب إليه من تفسير الصدق والكذب بدليل قوله تعالى أى: بدليل هو قوله تعالى فالإضافة للبيان؛ لأن القول المذكور نفس الدليل، واعترض بأن هذا تفسير وتعريف، وقد تقرر فى موضعه أن الحدود لا يتوجه عليها منع ولا تقام عليها البراهين؛ لأن مرجع المنع لطلب الدليل وإقامة الدليل ممتنعة إذ التعاريف من قبيل التصورات، والمعرف مصور بمنزلة النقاش ينقش لك فى ذهنك صورة مفهوم وليس بين الحد والمحدود حكم يمنع أو يستدل عليه، وبالجملة فامتناع إقامة الدليل على الحدود مما لا شبهة فيه على ما هو مقرر، فكيف يتمسك هنا على إثبات هذا التعريف بدليل؟
وأجيب بأن محل امتناع إقامة الدليل على التعريف إذا لم يكن مآله للتصديق، بأن حاولوا به إفادة تصور وذلك فيما إذا كان التعريف غير لفظى، فإن كان التعريف مآله إلى التصديق بأن كان المقصود منه إفادة أن هذا المعنى مدلول لذلك اللفظ لغة أو اصطلاحا، وذلك فيما إذا كان التعريف لفظيا كما هنا فلا منع فى إقامة الدليل عليه
стр. 322
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ (إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) (١) فإنه تعالى جعلهم كاذبين فى قولهم:
[إنك لرسول الله] لعدم مطابقته لاعتقادهم وإن كان مطابقا للواقع ...
===
[ظرا] (٢) لما يؤول إليه من التصديق الحاصل من حمل التعريف على المعرف إذ كأنه قيل الصدق موضوع لمطابقة الخبر للاعتقاد. كذا ذكر أرباب الحواشى، وقال عبد الحكيم:
إن الدليل الذى تمسك به النظام على الحكم الذى يتضمنه التعريف وهو أنه صحيح
(قوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) الظاهر أن هذا ليس من كلامهم، بل من كلام المولى قدم احتراسا، إذ لو قيل: قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ لتوهم أن قولهم هذا كذب غير مطابق للواقع، فوسط بينهما قوله: والله يعلم إنك لرسوله ليحبط ذلك الإيهام قوله: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ أى: يعلم ذلك وعبر عن العلم بالشهادة مشاكلة.
(قوله: فإنه تعالى إلخ) هذا توجيه لكون الآية دليلا، وحاصله أن المولى وصف المنافقين بأنهم كاذبون فى قولهم: إنك لرسول الله، مع أن نسبة ذلك الكلام هو ثبوت الرسالة مطابقة للواقع، لكنها لم تطابق ما فى اعتقادهم من كونه غير رسول الله، فدل على أن كذب الخبر عدم مطابقته للاعتقاد، وإذا كان الخبر قد جعل كذبا لعدم مطابقته للاعتقاد مع مطابقته للواقع، فأحرى إذا لم يطابق الواقع والاعتقاد معا؛ لأنه بالكذب أجدر وإذا تحقق أن الكذب مجرد عدم مطابقة الاعتقاد كان الصدق المقابل له؛ لعدم الواسطة عند هذا الخصم هو تلك المطابقة، فلا يرد أن يقال بعد تسليم أن الكذب ما ذكر لا يلزم منه أن الصدق مطابقة الاعتقاد، بل ولا أن الكذب مجرد عدم مطابقة
стр. 323
(ورد) هذا الاستدلال (بأن المعنى: لكاذبون فى الشهادة) وفى ادعائهم المواطأة، فالتكذيب راجع إلى الشهادة باعتبار تضمنها خبرا كاذبا غير مطابق للواقع؛ وهو أن هذه الشهادة ...
===
الاعتقاد لاحتمال أن الكذب هو عدم تلك المطابقة مع موافقة الواقع؛ لأنه هو الموجود فى الدليل
(قوله: ورد هذا الاستدلال) حاصله جوابان: أحدهما: بالمنع وله سندان، والثاني: بالتسليم.
وتقرير الأول: لا نسلم أن الكذب فى المشهود به لم لا يجوز أن يكون التكذيب راجعا للشهادة باعتبار ما تضمنته من الكلام الخبرى وهو أن شهادتنا هذه صادرة من صميم القلب أو راجعا لتسمية خبرهم شهادة؛ لأن الشهادة إنما تكون على وفق الاعتقاد وكلامهم هذا ليس على وفق اعتقادهم فلا يسمى شهادة، ومن المعلوم أن الدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال.
وتقرير الثاني: سلمنا أن التكذيب راجع للمشهود به كما قلت، لكن التكذيب راجع له باعتبار الواقع فى زعمهم لا باعتبار الواقع فى نفسه، وإذا كان راجعا باعتبار الواقع فى زعمهم صدق أن الكذب عدم مطابقة حكم الخبر للواقع وهو المطلوب؛ لأن المراد بقولنا الكذب عدم مطابقة حكم الخبر للواقع أعم من أن يكون ذلك الواقع باعتبار الزعم أو باعتباره فى نفسه.
(قوله: وفى ادعائهم المواطأة) عطف على" فى الشهادة من عطف اللازم على الملزوم، وذلك لأن الشهادة هى الإخبار بالشىء عند مواطأة القلب للسان أى: موافقته له، فالشهادة مستلزمة للمواطأة، فإذا كذبوا فى الشهادة كانوا كاذبين فى دعوى المواطأة، وإنما ذكر الشارح ذلك اللازم لبيان أن ذلك اللازم هو مرجع التكذيب.
(قوله: راجع إلى الشهادة) أى: المذكورة فى قوله نشهد، وإنما لم نجعله راجعا للخبر الذى تضمنه قولهم: إنك لرسول الله، فإنه يتضمن بواسطة التأكيد أنه من صميم القلب؛ لأنه معمول نشهد فهو فى حكم المفرد فلم يحسن عده خبرا قاله سم
(قوله: باعتبار تضمنها إلخ) لما ورد عليه أن الشهادة إنشاء فلا توصف بالكذب؛ لأن الصدق
стр. 324
من صميم القلب وخلوص الاعتقاد بشهادة: إن، واللام، والجملة الاسمية (أو) المعنى: لكاذبون (فى تسميتها) ...
===
والكذب من أوصاف الخبر أجاب بقوله باعتبار تضمنها إلخ أى: إنه راجع إليها لا باعتبار نفسها، بل باعتبار ما تضمنته وهو ألسنتنا وافقت قلوبنا أو شهادتنا هذه صادرة من صميم القلب، فكأنه قيل لهم: دعواكم أن هذه الشهادة من صميم القلب كذب؛ لأنها لم تكن من صميم القلب، أو دعواكم أن ألسنتكم وافقت قلوبكم كذب؛ لأنه لا موافقة.
(قوله: من صميم القلب) صميم الشىء خالصه، وإضافة صميم القلب من إضافة الصفة للموصوف أى: هذه الشهادة صادرة من قلبنا الخالص، وقوله: وخلوص الاعتقاد كذلك من إضافة الصفة للموصوف وهو تفسير مراد لما قبله
(قوله: بشهادة إن واللام إلخ) أى: وإنما كانت شهادتهم هذه من صميم القلب بشهادة إن واللام، والجملة الإسمية المفيدات للتأكيد، ومعلوم أن تأكيد الشىء يدل على اعتقاده، إن قلت: إن هذه التأكيدات إنما هى فى المشهود به، وهو أنه رسول الله لا فى لفظ الشهادة الذى هو قوله نشهد حتى يقال تأكيد الشهادة يفيد أنها من صميم القلب، وأجيب بأن الشهادة والمشهود به كالشىء الواحد، فالتأكيد فى أحدهما توكيد فى الآخر، إذ الشهادة لا تراد لذاتها، بل إنما تراد للمشهود به، فمعنى التأكيد فى الآية المشهود به أمر متيقن، وهذا يستلزم كون الشهادة عن اعتقاد وتحقق، أو يقال: إن هذه التأكيدات بالنظر للازم الفائدة وهو علمهم بأنه رسول الله لما سيأتى أن الخبر يجوز توكيده بالنظر للازم الفائدة إذا كان المخاطب عالما بالحكم ومنكرا على المخبر علمه به، وإذا كان الخبر مؤكدا بالنظر لما ذكر رجع قولهم: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (١) إلى قولنا علمنا بأنك رسول الله ثابت تحقيقا، فتكون الشهادة بذلك من صميم القلب فتأمل
(قوله: أو فى تسميتها إلخ) حاصله أنا لا نسلم أن التكذيب راجع للمشهود به لم لا يجوز أن يكون راجعا
стр. 325
أى: فى تسمية هذا الإخبار شهادة؛ لأن الشهادة ما يكون على وفق الاعتقاد، فقوله: تسميتها مصدر مضاف إلى المفعول الثانى، ...
===
لتسمية ذلك الخبر الخالى عن موافقة الاعتقاد شهادة، وفيه أن التسمية وضع الاسم وهو لا يوصف بصدق ولا كذب؛ لأن تسمية شىء بشىء ليست من باب الإخبار، وحينئذ فيكون مثل هذا غلطا فى إطلاق اللفظ لا كذبا، وأجيب بأن تسميتهم ذلك الخبر شهادة تتضمن دعوى قائلة: خبرنا هذا يسمى شهادة التكذيب راجع إلى التسمية باعتبار ما تضمنته تلك التسمية من دعواهم أن خبرهم هذا يسمى شهادة، فكأنهم قالوا خبرنا هذا يسمى شهادة، فقيل لهم كذبتم ليس خبركم هذا يسمى شهادة؛ لأن الشهادة إنما تكون على وفق الاعتقاد، فظهر لك مما قررناه الفرق بين الوجه الأول والثاني؛ وذلك لأن التكذيب فى الوجه الأول راجع للشهادة باعتبار ما تضمنته من الكلام الخبرى وهو أن شهادتنا هذه من صميم القلب، فكأنه قيل لهم: دعواكم أن هذه الشهادة من صميم القلب كذب، فإنها لم تكن من صميم القلب، والتكذيب فى الوجه الثانى راجع لتسمية خبرهم شهادة باعتبار ما تضمنته تلك التسمية من دعواهم إن أخبارهم هذا مما يطلق عليه شهادة، فكأنه قيل لهم: كذبتم فى تلك الدعوى ليس خبركم هذا مما يطلق عليه شهادة؛ لأن شرط ما يطلق عليه الشهادة أن يكون موافقا للاعتقاد وهذا ليس كذلك.
(قوله: أى فى تسمية هذا الأخبار) أى: الخالى عن موافقة الاعتقاد شهادة قال سم: فإن قلت كونه إخبارا ينافى كونه شهادة؛ لأن الشهادة إنشاء على التحقيق عندهم. قلت لا منافاة لأن الإخبار أيضا إنشاء، فالمنافى للشهادة إنما هو الخبر لا الإخبار.
(قوله: لأن الشهادة إنما تكون على وفق الاعتقاد) اعترض بأن اشتراط الموافقة للاعتقاد فى مطلق الشهادة ممنوع بدليل قولهم شهادة الزور، وأجيب بأن إطلاق الشهادة على الزور مجاز، إذ حقيقة الشهادة أن تكون عن علم بالمشهود به واعتراف به، ولك أن تقول: هذا الاعتراض غير وارد؛ لأن الكلام على سبيل المنع، وحاصله لا نسلم أن التكذيب راجع لقولهم: إنك لرسول الله لم يجوز أن يكون راجعا إلى تسمية
стр. 326
والأول محذوف (أو) المعنى: إنهم لكاذبون (فى المشهود به) أعنى: قولهم: [إنك لرسول الله] لكن لا فى الواقع، بل (فى زعمهم) الفاسد، واعتقادهم الباطل؛ لأنهم يعتقدون أنه غير مطابق للواقع فيكون كاذبا باعتقادهم وإن كان صادقا فى نفس الأمر، ...
===
هذا الإخبار شهادة وتكون الشهادة معتبرا فيها موافقة الاعتقاد، والمانع يكفيه الاحتمال والمنع لا يمنع
(قوله: والأول محذوف) أى: مع الفاعل أيضا، والأصل أو فى تسميتهم هذا الإخبار شهادة.
(قوله: أو المعنى إنهم لكاذبون فى المشهود به إلخ) حاصله أنا نسلم أن التكذيب راجع للمشهود به، لكن لا نسلم أن كذب هذا الخبر لعدم مطابقة الاعتقاد كما ذكرتم لم لا يجوز أن يكون كذبه لعدم مطابقته للواقع بحسب اعتقادهم، وإن كان مطابقا للواقع فى نفس الأمر وتوضيح ذلك أن قولهم: إنك لرسول الله نسبته الكلامية ثبوت الرسالة له- ﵇ وهم يزعمون أن الواقع أنه ليس برسول فهذا الخبر لم يطابق الواقع بحسب زعمهم وإن طابق الواقع فى نفسه، فالنّظام يقول: إن هذا الخبر وهو قولهم: إنك لرسول الله كذب؛ لأنه لم يطابق الاعتقاد، فيقال له هذا الخبر وإن لم يطابق الاعتقاد لم يطابق الواقع فى زعمهم واعتقادهم، فلا نسلم أن كذبه لعدم مطابقة الاعتقاد كما ذكرت لا يجوز أن يكون لعدم مطابقته الواقع فى زعمهم واعتقادهم، وحينئذ فمعنى: والله يشهد إن المنافقين لكاذبون أى: يعلم أن خبرهم غير مطابق للواقع بحسب ما عندهم، فليس الكذب إلا باعتبار عدم المطابقة للواقع
(قوله: لكن لا فى الواقع) أى: لكن كذبهم ليس لمخالفته يعنى فى نفس الأمر
(قوله: بل فى زعمهم) أى:
اعتقادهم
(قوله: واعتقادهم الباطل) عطف تفسير
(قوله: لأنهم يعتقدون أنه) أى: بل كذبه لمخالفته للواقع بحسب زعمهم أى: ذلك الخبر وهو إنك لرسول الله غير مطابق للواقع؛ لأن الواقع بالنظر لاعتقادهم أنه غير رسول الله؛ لأنهم أى المنافقين من مشركى العرب، والذى يعرف نبوته أهل الكتاب كما يدل عليه القرآن.
(قوله: فيكون كاذبا باعتقادهم) أى: فيكون ذلك الخبر كاذبا بالنظر لاعتقادهم أنه فى الواقع غير رسول الله لعدم المطابقة لذلك الواقع
(قوله: وإن كان صادقا إلخ)
стр. 327
فكأنه قيل: إنهم يزعمون أنهم كاذبون فى هذا الخبر الصادق، وحينئذ لا يكون الكذب إلا بمعنى عدم المطابقة للواقع؛ فليتأمل لئلا يتوهم أن هذا اعتراف بكون الصدق والكذب راجعين إلى الاعتقاد.
(الجاحظ) ...
===
الواو للحال أى: والحال أن ذلك الخبر صادق لمطابقته للواقع فى نفس الأمر فى ذاته؛ لأن الواقع فى نفس الأمر فى ذاته أنه رسول
(قوله: فكأنه قيل إلخ) أى: فكأن الله قال:
إنهم يزعمون أى يعتقدون أنهم كاذبون فى هذا الخبر لكونه لم يطابق فى اعتقادهم، مع أنه خبر صادق لكونه مطابقا للواقع فى نفس الأمر
(قوله: وحينئذ) أى: وحين إذ كان المشهود به كاذبا لعدم مطابقته للواقع فى زعمهم
(قوله: لا يكون الكذب) أى:
المذكور فى هذه الآية
(قوله: إلا بمعنى عدم المطابقة للواقع) أى: بحسب زعمهم واعتقادهم
(قوله: لئلا يتوهم أن هذا) أى: قول المصنف فى زعمهم اعتراف إلخ، وهذا علة للتأمل أى: تأمل كلام المصنف واعرف حقيقة هذا الرد الثالث خوفا من أن تتوهم أن هذا الثالث تأييد لصاحب ذلك القول المردود عليه، فتعترض على المصنف بأن القصد الرد عليه لا لتأييده، ومنشأ ذلك التوهم قول المصنف أو المعنى: لكاذبون فى المشهود به فى زعمهم، فإنه يوهم أن الكذب لعدم المطابقة لزعمهم واعتقادهم، وحاصل الجواب أن المراد أن الكذب لعدم المطابقة للواقع، لكن بحسب زعمهم واعتقادهم فذلك الخبر غير مطابق لاعتقادهم وغير مطابق للواقع بحسب اعتقادهم، فكذبه إنما هو لمخالفته للواقع فى اعتقادهم لا لمخالفته لاعتقادهم كما يقوله النظام.
وفرق بين مخالفة الاعتقاد ومخالفة الواقع بحسب الاعتقاد، وحينئذ فكلام المصنف رد عليه لا تأييد له
(قوله: راجعين إلى الاعتقاد) أى: فيكون كلام المصنف هذا مؤيدا لكلام النظام مع أنه بصدد الرد عليه
(قوله: الجاحظ) هذا لقبه واسمه عمرو بن بحر الأصفهانى وكنيته أبو عثمان، وإنما لقب بالجاحظ؛ لأن عينيه كانتا جاحظتين أى: بارزتين، وهو أحد شيوخ المعتزلة وتلميذ النظام، وله التصانيف فى كل فن، وكان قبيح الشكل جدا، فلذا لما أحضره المتوكل ليعلم أولاده استبشع منظره فأمر له بعشرة آلاف درهم وصرفه، وقال بعضهم فيه:
стр. 328
أنكر انحصار الخبر فى الصدق والكذب، ...
===
لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا ... ما كان إلّا دون مسخ الجاحظ
رجل ينوب عن الجحيم بوجهه ... وهو القذى فى عين كلّ ملاحظ
من جملة شعره (١):
أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيّام الشّباب
لقد كذبتك نفسك أىّ ثوب ... خليع كالجديد من الثياب
وكان موته بوقوع مجلدات العلم عليه، وهو ضعيف بالبصرة سنة خمس ومائتين، وقد جاوز السبعين
(قوله: أنكر إلخ) أشار بهذا إلى أن الجاحظ مبتدأ خبره محذوف، وأما جعله فاعلا لفعل محذوف فلا يصح؛ لأن هذا الموضع ليس من المواضع التى يحذف فيها الفعل وهى أربعة:
أن يقع الفعل فى جواب نفى أو استفهام كقولك: زيد جوابا لمن قال: من جاء، وبعد إذا وإن الشرطيتين نحو: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (٢) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ (٣)، وبعد فعل يستلزمه نحو:
ليبك يزيد ضارع لخصومة (٤)
أى: يبكيه ضارع، لكن الحذف فى الثالث واجب وفيما عداه جائز، واعلم أنه كما يحذف الفعل فى مواضع أربعة، كذلك يحذف الفاعل فى مواضع أربعة، وقد نظم الجميع بعض الأفاضل:
стр. 329
وأثبت الواسطة، وزعم أن صدق الخبر (مطابقته) للواقع (مع الاعتقاد) بأنه مطابق (و) كذب الخبر (عدمها) ...
===
عند النيابة مصدر وتعجب ... ومفرغ ينقاس حذف الفاعل
والفعل بعد إذا وإن مستلزم ... وجواب نفى أو جواب السائل.
فإن قلت: من المقرر أن حذف المفرد أسهل من حذف الجملة فهلا جعل قولة:
" الجاحظ" فاعلا لمحذوف قلت: هذا إنما يظهر إذا كان الموضع مما يطرد فيه حذف رافع الفاعل كأن يكون من الأماكن الأربعة المذكورة، وأما فى غيرها فلا يجوز حذف رافع الفاعل فى سعة الكلام عند البصريين.
(قوله: وأثبت الواسطة) عطف مسبب على سبب أو لازم على ملزوم
(قوله: وزعم أن صدق الخبر إلخ) ظاهره أن قول المصنف مطابقته خبر؛ ل (لأن) المحذوفة مع اسمها وفيه أنهم لم ينصوا على جواز ذلك، اللهم إلا أن يقال: هذا حل معنى لا حل إعراب فلا ينافى ما يأتى من أنه خبر لمحذوف، وهو المحدث عنه أول التنبيه
(قوله: مطابقته) خبر لمبتدأ محذوف، وهو المحدث عنه أول التنبيه أى: صدق الخبر مطابقته وهو من إضافة المصدر لفاعله وفى الكلام حذف مضاف أى: مطابقة حكمه أى: نسبته المفهومة منه ومفعوله محذوف أى: مطابقة حكم الخبر الواقع أى: النسبة الخارجية الحاصلة بين الطرفين فى نفس الأمر، وأدخل الشارح اللام على المفعول لتقوية العامل.
(قوله: مطابقته للواقع مع الاعتقاد بأنه مطابق) كما إذا قلت: الله واحد مع اعتقادك أنه مطابق للواقع، وقوله: وكذبه عدم مطابقته للواقع أى: عدم مطابقة نسبته المفهومية منه للنسبة الخارجية الحاصلة بين الطرفين فى نفس الأمر مع اعتقاد عدم المطابقة كأن تقول: السماء تحتنا مع اعتقادك أنه غير مطابق، فالاعتقاد المعتبر فى الصدق اعتقاد متعلق بالمطابقة، والاعتقاد المعتبر فى الكذب اعتقاد متعلق بعدم المطابقة
(قوله: مع الاعتقاد بأنه مطابق) الظرف مستقر وقع حالا من ضمير مطابقته أى: صدق الخبر مطابقته للواقع حال كون الخبر مصاحبا لاعتقاد المطابقة وليس حالا من المطابقة، لئلا يلزم وقوع الحال من خبر المبتدأ والجمهور يمنعونه، وفى كلام الشارح إشارة إلى أن
стр. 330
أى: عدم مطابقته للواقع (معه) أى: مع اعتقاد أنه غير مطابق (وغيرهما) أى: غير هذين القسمين؛ وهى أربعة؛ أعنى: المطابقة مع اعتقاد عدم المطابقة أو بدون الاعتقاد أصلا وعدم المطابقة مع اعتقاد المطابقة أو بدون الاعتقاد أصلا (ليس بصدق ولا كذب) فكل من الصدق والكذب بتفسيره أخص منه بالتفسيرين السابقين لأنه اعتبر فى الصدق مطابقة الواقع والاعتقاد جميعا، وفى الكذب عدم مطابقتهما جميعا بناء على أن اعتقاد المطابقة يستلزم ...
===
متعلق الاعتقاد محذوف بقرينة المقام؛ لأن اللام فيه للعهد، والمراد منه اعتقاد أنه مطابق كذا فى عبد الحكيم، وقال غيره قوله مع الاعتقاد: حال من المطابقة وهو قيد.
وقوله: بأنه مطابق قيد آخر: فخرج بالأول المطابقة مع عدم الاعتقاد أصلا كخبر الشاك، وبالثاني: المطابقة مع اعتقاد عدمها، وهاتان الصورتان من صور الواسطة، فالصدق صورة واحدة وهى المطابقة مع اعتقادها، وقوله: معه حال من العدم أى: مع اعتقاد أنه غير مطابق فقولنا: مع اعتقاد؛ يخرج عدم المطابقة مع عدم الاعتقاد أصلا، وقولنا أنه غير مطابق: يخرج عدمها مع اعتقادها، فإن هاتين الصورتين من صور الواسطة أيضا، فالكذب صورة واحدة وهى عدم المطابقة مع اعتقاد عدمها
(قوله: أى مع اعتقاد أنه غير مطابق) فيه أن المرجع إنما هو اعتقاد أنه مطابق كما مر، لا اعتقاد أنه غير مطابق، فقد اختلف الراجع والمرجع، ويمكن أن يجعل من باب الاستخدام بأن يجعل الضمير فى معه راجعا للاعتقاد بدون قيد إضافته إلى المطابقة، بل بقيد إضافته إلى عدم المطابقة، وأجاب عبد الحكيم بجواب آخر: وحاصله أن الضمير فى معه راجع لمطلق الاعتقاد المذكور، وكون متعلقه فى جانب الصدق مطابقة الواقع، وفى جانب الكذب عدم مطابقته بمعونة المقام أ. هـ.
(قوله: وهى) أى: الغير، وإنما أنث الضمير مراعاة للخبر (قوله أعنى المطابقة مع اعتقاد إلخ) هذا وما بعده محترز قوله مع الاعتقاد بأنه مطابق، وقوله وعدم المطابقة مع اعتقاد إلخ: هذا وما بعده محترز قوله معه فى جانب الكذب
(قوله: بتفسيره) أى: الجاحظ وقوله أخص منه أى: من نفسه وقوله: لأنه أى: الجاحظ
(قوله: بالتفسيرين السابقين) أى: تفسير الجمهور، وتفسير النظام
(قوله: والاعتقاد) أى: ومطابقة الاعتقاد
(قوله: بناء)
стр. 331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أى: واعتباره هذين الأمرين بناء إلخ، وهذا جواب عما يقال: إن الجاحظ إنما اعتبر فى الصدق المطابقة للواقع واعتقاد المطابقة كما قال المصنف لا مطابقة الاعتقاد كما قال الشارح، وكذلك الكذب إنما اعتبر فيه على ما قال المصنف عدم المطابقة للواقع واعتقاد عدم المطابقة لا عدم المطابقة للاعتقاد كما قال الشارح، فكان الأولى للشارح أن يبدل مطابقة الاعتقاد فى جانب الصدق باعتقاد فى جانب الصدق باعتقاد المطابقة ويبدل عدم مطابقة الاعتقاد فى جانب الكذب باعتقاد عدم المطابقة ليكون كلامه موافقا لما قاله المصنف، وحاصل الجواب الذى ذكره الشارح أن اعتقاد المطابقة الذى ذكره المصنف فى جانب الصدق يستلزم مطابقة الاعتقاد الذى حكمنا عليه هنا بأن الجاحظ يعتبره؛ وذلك لأن الخبر إذا طابق الواقع واعتقد المخبر مطابقته له؛ فقد توافق الواقع والاعتقاد، فمطابق أحدهما مطابق للآخر، وكذلك اعتقاد عدم المطابقة للواقع الذى ذكره المصنف فى جانب الكذب يستلزم عدم مطابقة الاعتقاد للواقع الذى حكمنا عليه هنا بأن الجاحظ يعتبره، وذلك لأن الخبر إذا كان غير مطابق للواقع واعتقد المخبر عدم مطابقته له فقد توافق الواقع والاعتقاد، فالخبر إذا كان غير مطابق لأحدهما كان غير مطابق للآخر، وحينئذ فلا مخالفة بين ما نسبه المصنف للجاحظ وما نسبناه إليه لتلازمهما، فإن قلت: لا حاجة فى إثبات الأخصية إلى إثبات أنه اعتبر فى الصدق مطابقة الواقع الاعتقاد جميعا، وفى الكذب عدم مطابقتهما جميعا بإثبات أن اعتقاد المطابقة يستلزم الاعتقاد ضرورة توافق الواقع والاعتقاد حينئذ؛ لأنه يكفى فى إثبات الأخصية أنه اعتبر مع مطابقته للواقع اعتقاد المطابقة، ولا يخفى أن المطابقة للواقع مع اعتقاد المطابقة أخص من مجرد المطابقة للواقع أو للاعتقاد، وأن عدم المطابقة للواقع مع اعتقاد عدم المطابقة أخص من مجرد عدم المطابقة للواقع أو للاعتقاد، فما الحامل للشارح على ما فعله؟ قلت: الحامل للشارح على ما فعله أنه هو المنقول عن الجاحظ، لكن تفسير المصنف يستلزمه، فلا يعترض عليه بالمخالفة لما نقل عنه.
стр. 332
مطابقة الاعتقاد ضرورة توافق الواقع والاعتقاد حينئذ، وكذا اعتقاد عدم المطابقة يستلزم عدم مطابقة الاعتقاد، ...
===
(قوله: مطابقة الاعتقاد) أى: مطابقة الخبر للاعتقاد توضيحه أنك إذا قلت:
العالم حادث، كان الخبر مطابقا للواقع، فإذا اعتقدت مطابقته له كان الواقع والاعتقاد متوافقين، وحينئذ فيكون ذلك الخبر المطابق للواقع مطابقا للاعتقاد أيضا، وإذا قلت:
العالم قديم، فالخبر غير مطابق للواقع، فإذا اعتقدت عدم مطابقته للواقع كان الواقع والاعتقاد متوافقين، وحينئذ فيكون ذلك الخبر الغير المطابق للواقع غير مطابق للاعتقاد أيضا.
(قوله: ضرورة توافق إلخ) مفعول لأجله علة لقوله يستلزم أى: لضرورة توافق إلخ أى: لتوافق الواقع والاعتقاد حينئذ ضرورة، وقوله: حينئذ أى: حين إذا اعتقد مطابقته أى: الخبر للواقع، والحال أن الخبر مطابق للواقع، واعلم أن اعتقاد المطابقة يستلزم مطابقة الاعتقاد سواء كان بين الواقع والاعتقاد موافقة أو مخالفة؛ لأن العاقل لا يعتقد مطابقة الحكم للواقع إلا بعد أن يعتقد ذلك الحكم الذى يعتقد أنه مطابق للواقع سواء طابق الواقع أم لا، فالأول: كأن يخبر شخص بأن السماء فوقنا معتقدا ذلك، فبين الواقع والاعتقاد هنا موافقة، واعتقاده مطابقة الخبر للواقع يستلزم مطابقة الخبر للاعتقاد وهذا ظاهر.
والثاني: كأن يخبر شخص فلسفى بأن العالم قديم وهو يعتقد ذلك، فاعتقاد مطابقة ذلك الخبر للواقع يستلزم مطابقة الخبر لاعتقاده وإن كان ليس بين الواقع واعتقاده توافق؛ لأن الواقع أن العالم حادث واعتقاده أنه قديم، وظاهر قول الشارح ضرورة توافق إلخ: يقتضى أن استلزام اعتقاد مطابقة الخبر للواقع لمطابقة الخبر للاعتقاد متوقف على موافقة الواقع والاعتقاد، وقد علمت أن الأمر ليس كذلك، ومثل ما قيل فى جانب الصدق يقال فى جانب الكذب، فيقال اعتقاد عدم المطابقة يستلزم عدم مطابقة الاعتقاد سواء كان بين الواقع والاعتقاد موافقة أو مخالفة؛ لأن العاقل إذا اعتقد أن الحكم غير مطابق للواقع اعتقد خلافه سواء كان الخبر مطابقا للواقع أو لا، فالأول:
стр. 333
وقد اقتصر فى التفسيرين السابقين على أحدهما (بدليل أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ...
===
كأن يخبر شخص بأن السماء تحتنا غير معتقد ذلك فبين الواقع والاعتقاد هنا موافقة، واعتقاده عدم المطابقة يستلزم عدم مطابقة الخبر للاعتقاد وهو ظاهر.
والثاني: كأن يخبر الفلسفى بأن العالم حادث غير معتقد ذلك فبين الواقع والاعتقاد هنا مخالفة، واعتقاده عدم المطابقة يستلزم عدم مطابقة الخبر للاعتقاد أيضا، فظهر لك من هذا أن اعتقاد المطابقة يستلزم مطابقة الخبر للاعتقاد، وكذا اعتقاد عدم المطابقة يستلزم عدم المطابقة للاعتقاد أيضا، فظهر لك من هذا أن اعتقاد المطابقة يستلزم مطابقة الخبر للاعتقاد، وكذا اعتقاد عدم المطابقة يستلزم عدم المطابقة للاعتقاد سواء كان بين الواقع والاعتقاد مطابقة أو لا، وحينئذ فلا وجه لقول الشارح ضرورة توافق والاعتقاد المقتضى توقف الاستلزام على التوافق.
وأجيب بأن التعليل الذى ذكره الشارح إنما هو بالنظر لما نحن بصدده وهو صورة الصدق عند الجاحظ، والخبر فيها مطابق للواقع إذ لا بد فى الصدق من المطابقة للواقع عنده، ولا شك أنه إذا اعتقد المطابقة فى تلك الحالة كان الاعتقاد مطابقا للواقع، وهذا لا ينافى أن استلزام اعتقاد المطابقة الاعتقاد حاصل مطلقا أى: كان بين الواقع والاعتقاد موافقة أو مخالفة بقطع النظر عما نحن بصدده
(قوله: وقد اختصر إلخ) عطف على قول اعتبر إلخ، وأن الجملة حال من ضمير اعتبر
(قوله: على أحدهما) فالجمهور اقتصروا فى تفسيرهم على اعتبار المطابقة للواقع، والنظام اقتصر فى تفسيره على اعتبار المطابقة للاعتقاد، وحينئذ فقد ظهرت الأخصية؛ لأن الأخص ما كان أزيد قيدا
(قوله: بدليل أفترى) الإضافة بيانية وهو متعلق بحال محذوفه أى: الجاحظ أنكر انحصار إلخ، مستدلا بدليل هو قوله: أفترى، وأصله: أأفترى، مثل: أأشترى بهمزتين، الأولى استفهامية والثانية للوصل، فحذفت الثانية استغناء عنها بهمزة الاستفهام، ومعنى أفترى:
أكذب، فقوله كذبا مفعول مطلق، وعامله من معناه وهو أفترى، أو من لفظه محذوفا أى: وكذب كذبا.
стр. 334
أَمْ بِهِ جِنَّةٌ (١)) لأن الكفار حصروا إخبار النبى ﷺ بالحشر والنشر على ما يدل عليه قوله تعالى: إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
===
(قوله: أم به جنة) أم متصلة بدليل سبق همزة الاستفهام عليها، ولا يقال إن شرط المتصلة أن تقع بين جملتين متساويتين فى الفعلية أو الاسمية وهنا ليس كذلك؛ لأنا نقول أم به جنة فى تأويل أم لم يفتر، أو أم أخبر حال كونه به جنة، ويجوز أن يكون جنة مرفوعا بفعل محذوف، أى: حصل، فما بعد أم جملة فعلية بالفعل على هذا، أو مؤول بها على الأول على أنه صرح ابن مالك (٢) ومن تبعه بجواز وقوع المتصلة بين غير المتساويتين فى الاسمية أو الفعلية
(قوله: لأن الكفار إلخ) علة لكون ما ذكر دليلا على المدعى وهو عدم انحصار الخبر فى الصادق والكاذب وثبوت الواسطة بينهما، والمراد هنا بالكفار كفار قريش، وقوله بالحشر متعلق بإخبار، فالمحصور فى الافتراء والإخبار حالة الجنة إنما هو إخباره بالحشر والنشر؛ لأنهم لما استبعدوا النشر الذى هو الإحياء بعد الموت والحشر الذى هو سوق الخلق للحساب ثم لمفرهم حصروا إخبار النبى بهما فى الافتراء والإخبار حال الجنون لا جميع إخباره ولا إخباره بغير ذلك كالرسالة، كما يدل لذلك الآية فقوله على ما يدل: متعلق بإخباره بالحشر والنشر، فإن قلت إثبات الواسطة بالدليل المذكور على تقدير عدم الحصر أظهر لكثرة أفراد الإخبار، واحتمال أن ما عدا هذين الفردين من الواسطة، فكثرة الأفراد أنفع للمستدل القائل بالواسطة، فالأولى للشارح أن يقول: زعموا أن إخباره بالحشر إلخ، بدل قوله: وأجيب بأن تعبير الشارح بحصر والموافقة الآية المستدل بها لا لتوقف الاستدلال على الحصر، ووجه الحصر
стр. 335
فى الافتراء والإخبار حال الجنة على سبيل منع الخلو، ...
===
فى الآية التعداد فى مقام البيان، فإنه يفيد الحصر
(قوله: فى الافتراء) متعلق بحصروا، كما أن قوله على سبيل ذلك متعلق به.
(قوله: على سبيل منع الخلو) فيه أن المقصود إثبات الواسطة ومانعة الخلو تجوز الجمع، فلو كان الخبر حال الجنة كذبا لم تثبت الواسطة مع أن إثباتها هو المراد، فكان الأولى أن يقول على سبيل منع الخلو. والجمع إلا أن يقال: إن فى الكلام اكتفاء، وحينئذ فقولهم: أفترى على الله كذبا أم به جنة منفصلة حقيقة مانعة جمع وخلو، كقولك: العدد إما زوج أو فرد، أو يقال: إنه أراد منع الخلو بالمعنى الأعم المتنازل للانفصال الحقيقى لا بالمعنى الأخص، وتوضيح ذلك أن منع الخلو بالمعنى الأخص الحكم بالتنافى فى الكذب فقط أى: فى حال كذب الطرفين وارتفاعهما فقط كقولنا: زيد فى البحر، وإما أن لا يغرق وهذا المعنى هو المشهور، ومنع الخلو بالمعنى الأعم هو الحكم بالتنافى فى الكذب مطلقا، سواء حكم بالتنافى فى حال صدق الطرفين واجتماعها أيضا أو حكم بعدمه أو لم يحكم بشىء، وهو بهذا المعنى يشمل الانفصال الحقيقى بخلافه بالمعنى الأخص فلا يشمله، فإذا أريد منع الخلو بالمعنى الأعم صح وجود الواسطة؛ لأن من صور منع الخلو عدم جواز الاجتماع، فلا يجتمع الكذب والخبر حال الجنة وهم من أهل اللسان فتعين أن يكون الخبر حال الجنة غير الكذب؛ لأنه قسيمه، وغير الصدق لأنهم يعتقدون عدم صدقه فتوجد الواسطة وحيث وجدت فلا يصح أن يكون الصدق عبارة عن مطابقة الواقع أو الاعتقاد، والكذب عدم مطابقة الواقع أو الاعتقاد وإلا لانتفت الواسطة، فتعين أن يكون الصدق عبارة عن المطابقة لهما معا، والكذب عدم المطابقة لهما معا وهو المطلوب. فإن قلت: لم عبر بقوله على سبيل منع الخلو ولم يقل على سبيل الانفصال الحقيقى مع أن القضية من قبيله فى نفس الأمر؟ قلت: إنما عبر بمنع الخلو؛ لأنه لا غرض لهم فى منع الاجتماع بين الأمرين، وإنما مطمح نظرهم منع الخلو فتأمل.
стр. 336
ولا شك أن (المراد الثانى) أى: الإخبار حال الجنة لا قوله: أَمْ بِهِ جِنَّةٌ على ما سبق إلى بعض الأوهام (غير الكذب لأنه قسيمه) أى: لأن الثانى قسيم الكذب إذ المعنى: أكذب أم أخبر حال الجنة، وقسيم الشىء يجب أن يكون غيره (وغير الصدق لأنهم لم يعتقدوه) أى: لأن الكفار لم يعتقدوا صدقه ...
===
(قوله: ولا شك أن المراد) أى: مراد الكفار
(قوله: أى الإخبار إلخ) أى:
المذكور فى قوله أَمْ بِهِ جِنَّةٌ (١) لأن المعنى أم أخبر حالة كونه به جنة
(قوله: لا قوله أم به جنة) أى: الواقع فى الآية، وذلك لأنه استفهام لا يوصف بالصدق ولا بالكذب؛ لأنه تصور ونفى الشىء فرع عن صحة ثبوته
(قوله: لأنه قسيمه) أى: مقابله، وكان الأولى أن يعبر بذلك؛ لأن التقسيم من باب التصورات وكلامنا هنا فى التصديقات؛ لأن قولهم (أفترى على الله كذبا أم به جنة) قضية لا مفرد وكلام المصنف إشارة لقياس من الشكل الأول، وتقريره الإخبار حال الجنة قسيم الكذب، وكل ما كان قسيما لشىء فهو غيره ينتج الإخبار حال الجنة غير الكذب
(قوله: إذ المعنى إلخ) فيه إشارة إلى أن أم فى الآية متصلة
(قوله: يجب أن يكون غيره) أى: فى التحقق، فيجب أن يكون خبره حال الجنون غير الكذب، فتصح المقابلة على سبيل الانفصال الحقيقى
(قوله: وغير الصدق) عطف على قوله غير الكذب أى: ولا شك أن مرادهم بالثانى هو الإخبار حال الجنة غير الصدق؛ لأنهم لم يعتقدوا صدق ﷺ لكونه عدوّا لهم، وحينئذ فلا يصح أن يريدوا بالثانى صدقه، واعترض على المصنف بأن قولهم: لأنهم لم يعتقدوه لا يصح أن يكون دليلا للمدعى وهو أن المراد بالثانى غير الصدق، وبيان ذلك أن عدم اعتقادهم الصدق صادق باعتقادهم عدم صدقه وبتجويزهم لصدقه وبخلو ذهنهم عن ذلك، وحينئذ فيصح أن يراد بالثانى الصدق بناء على تجويزهم صدقه، وحينئذ فلا يصح الدليل فكان الأولى أن يقول: لأنهم يعتقدون عدم صدقه، وذلك لأن اعتقاد عدم الصدق لا يصدق على تجويزه، بل إنما يصدق بنفيه، وحينئذ فلا تصح إرادته؛
стр. 337
فلا يريدون فى هذا المقام الصدق الذى هو بمراحل عن اعتقادهم، ولو قال: لأنهم اعتقدوا عدم صدقه لكان أظهر، ...
===
لأن العاقل إنما يريد ما يعتقده أو يجوزه، فالدليل الصحيح اعتقادهم عدم صدقه، وأجيب بأن المراد بعدم اعتقادهم صدقه أنهم يبعدون عن تصديقه غاية البعد بحيث لا يجوزونه أصلا، ولا يخطر ببالهم كما أشار له الشارح بقوله الذى هو بمراحل عن اعتقادهم، ولا معنى لكونه بعيدا عن اعتقادهم غاية البعد إلا اعتقاد عدمه، فقد رجع ذلك إلى قولنا لاعتقادهم عدم صدقه ولا مكان الجواب عن المصنف بما ذكر قال الشارح أظهر.
(قوله: فلا يريدون إلخ) من عطف المعلول على العلة، وقوله فى هذا المقام أى مقام الإنكار عليه
(قوله: الذى هو بمراحل إلخ) فى معنى التعليل لقوله فلا يريدون إلخ، لأن الموصول وصلته فى حكم المشتق المؤذن تعليق الحكم بالعلية، وفى هذا التعليل إشارة إلى أن المراد بقوله لأنهم لم يعتقدوه نفى اعتقادهم الصدق على الوجه الأبلغ فيقدم عدم تجويزهم لصدقه وعدم خطور صدقه ببالهم.
(قوله: لكان أظهر) أى: فى الدلالة على المدعى، وهو أن المراد بالثانى غير الصدق، وهذا يفيد أن هذا أظهر مما ذكره المصنف، وما ذكره المصنف ظاهر أيضا.
أما الأول: فبيانه أن اعتقاد عدم الصدق مستلزم لذلك المدعى من غير واسطة؛ لأن اعتقاد عدم الصدق إنما يصدق بنفى الصدق ولا يصدق بتجويزه، وحينئذ فلا يوجب أن يراد بالثانى غير الصدق لصحة إرادة الصدق بناء على تجويزه كما مر.
وأما الثاني: فلما علمت أن مراد المصنف بقوله: لعدم اعتقادهم صدقة: أن الصدق بعيد عن اعتقادهم غاية البعد بحيث لا يجوزونه، وحينئذ فلا يصح أن يراد بالثانى من شقى الترديد الصدق، فكلام المصنف وإن أفاد المدعى بهذه المعونة إلا أن الذى قاله الشارح أظهر فى إفادة المدعى؛ لأن أخذ هذا المعنى الذى قلناه من عبارة المصنف فيه نوع خفاء قال العلامة عبد الحكيم: لك أن تقول إن قول المصنف: لأنهم لم يعتقدوه قضية معدولة أى: إنهم موصوفون بعدم اعتقاد صدقه لاعتقادهم عدمه، وحينئذ
стр. 338
فمرادهم بكونه أخبر حال الجنة غير الصدق وغير الكذب، وهم عقلاء من أهل اللسان عارفون باللغة فيجب أن يكون من الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب حتى يكون هذا منه بزعمهم، وعلى هذا لا يتوجه ما قيل أنه لا يلزم من عدم اعتقاد الصدق عدم الصدق؛ ...
===
فيؤول إلى الأظهر الذى قاله الشارح، وإن كان المتبادر منه السالبة
(قوله: فمرادهم إلخ) هذا حاصل لكلام المصنف السابق
(قوله: وهم عقلاء إلخ) جواب عما يقال إنما ألزمت الواسطة من قول هؤلاء وهم كفار فلا اعتبار بهم، فأجاب بأن المعول فى مثل هذا على اللسان واللغة، لا على الإخبار، وهؤلاء من أهل اللسان واللغة فيعول عليهم فى مثله؛ لأنهم لا يخطئون فيه
(قوله: اللسان) أى: اللغة، فقوله عارفون باللغة: تفسير لما قبله.
(قوله: فيجب إلخ) هذا تفريع على قوله فمرادهم إلخ
(قوله: حتى يكون إلخ) حتى تعليلية، وقوله هذا أى الإخبار حال الجنة، وقوله منه أى: مما ليس بصادق ولا كاذب، وقوله: بزعمهم أى: وإن كانت جميع أخباره- ﷺ صادقة فى نفس الأمر ولا جنة، وقد يقال: هذا الدليل وإن نفى الحصر وأثبتت الواسطة إلا أنه إنما أثبت قسما واحدا من أقسام الواسطة الأربعة، وحينئذ فلا يكون منتجا لتمام المدعى، وقد يجاب بأن مراد الجاحظ إبطال مذهب غيره وإثبات مذهبه فى الجملة.
(قوله: وعلى هذا) أى: ولأجل هذا الذى قررناه بعد قول المصنف وغير الصدق إلخ، وهو قوله: فلا يريدون فى هذا المقام الصدق إلخ، قوله بعد ذلك فمرادهم بكونه أخبر حال الجنة غير الصدق وغير الكذب، فإن هذا يقتضى أن قول المصنف؛ لأنهم لم يعتقدوه علة لكون المراد بالثانى غير الصدق، وأن قول المصنف وغير الصدق عطف على قوله غير الكذب فينحل المعنى، ولا شك أن مراد الكفار بالثانى غير الكذب، ومرادهم به أيضا غير الصدق، وإنما كان مرادهم بالثانى غير الصدق؛ لأنهم لم يعتقدوه
(قوله: لا يتوجه ما قيل) أى: ما قاله الخلخالى اعتراضا على المصنف، وحاصله أنه فهم أن قول المصنف وغير الصدق: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير وهو أى: الثانى غير الصدق فى الواقع، وإنما كان الثانى غير الصدق؛ لأنهم لم يعتقدوا صدقه، فجعل عدم
стр. 339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
اعتقاد الصدق علة لكون الثانى غير الصدق، واعترض بأنه لا يلزم من عدم اعتقاد الصدق الذى قاله المصنف عدم الصدق فى الواقع لجواز أن يثبت الصدق مع عدم اعتقاد الصدق، ألا ترى أن الكفار لا يعتقدون صدق النبى وهو صادق فى نفس الأمر، وحينئذ فلا يتم هذا التعليل، وحاصل الرد عليه أن هذا الاعتراض لا يتوجه على المصنف إلا لو كان جعل قوله لأنهم لم يعتقدوه: علة لعدم الصدق أى: لكون الثانى غير الصدق، والمصنف إنما جعله علة لعدم إرادتهم بالثانى الصدق، والحاصل أن الاعتراض مبنى على أن المعلل عدم الصدق، ونحن نجعل المعلل عدم إرادة الصدق، ولا شك أنه يلزم من عدم اعتقاد الصدق عدم إرادة الصدق؛ فتم التعليل. أفاد ذلك شيخنا العلامة العدوى، فثبت أن من الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب.
وأجيب عنه بأن الافتراء هو الكذب عن عمد فهو نوع من الكذب، فلا يمتنع أن يكون الإخبار حال الجنون كذبا أيضا لجواز أن يكون نوعا آخر من الكذب وهو الكذب لا عن عمد، فيكون التقسيم للخبر الكاذب لا للخبر مطلقا، والمعنى أفترى أو لم يفتر، وعبر عن الثانى بقوله: أم به جنة؛ لأن المجنون لا افتراء له.
تنبيه آخر: وهو مما يجب أن يكون على ذكر الطالب لهذا العلم قال السكاكى (١): ليس من الواجب فى صناعة وإن كان المرجع فى أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها فى استفادة الذوق منها، فكيف إذا كانت الصناعة مستندة إلى تحكمات وضعية واعتبارات إلفية؟ فلا على الدخيل فى صناعة علم المعانى أن يقلد صاحبه فى بعض فتاواه إن فاته الذوق هناك إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق، وكثيرا ما يشير الشيخ عبد القاهر فى دلائل الإعجاز (٢) إلى هذا كما ذكر فى موضع ما تلخيصه هذا.
стр. 340
لأنه لم يجعله دليلا على عدم الصدق بل على عدم إرادة الصدق؛ فليتأمل (ورد) هذا الاستدلال (بأن المعنى) أى: معنى أَمْ بِهِ جِنَّةٌ (أم لم يفتر ...
===
اعلم أنه لا يصادف القول فى هذا الباب موقعا من السامع ولا يجد لديه قبولا حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة ومن تحدثه نفسه بأن (لما) تومئ إليه من الحسن أصلا، فيختلف الحال عليه عند تأمل الكلام فيجد أريحية تارة ويعرى منها أخرى، وإذا عجبته تعجب وإذا نبهته لموضع المزية انتبه، فأما من كانت الحالات عنده على سواء وكان لا يتفقد من أمر النظم إلا الصحة المطلقة، وإلا إعرابا ظاهرا، فليكن عندك بمنزلة من عدم الطبع الذى يدرك به وزن الشعر، ويميز به مزاحفه من سالمه، فى أنك لا تتصدى لتعريفه لعلمك أنه قد عدم الأداة التى بها يعرف.
واعلم أن هؤلاء وإن كانوا هم الآفة العظمى فى هذا الباب، فإن من الآفة أيضا من زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلة فى شىء مما تعرفه المزية فيه، ولا يعلم إلا أن له موقعا من النفس وحظا من القبول، فهذا بتوانيه فى حكم القائل الأول.
واعلم أنه ليس إذا لم يمكن معرفة الكل وجب ترك النظر فى الكل؛ ولأن تعرف العلة فى بعض الصور فتجعله شاهدا فى غيره أحرى من أن تسد باب المعرفة على نفسك وتعودها الكسل والهوينا.
قال الجاحظ: وكلام كثير جرى على ألسنة الناس وله مضرة.
(قوله: لأنه) أى: المصنف لم يجعله أى: لم يجعل قوله: لأنهم لم يعتقدوه دليلا على عدم الصدق أى: كما فهم المعترض
(قوله: فليتأمل) أمر بالتأمل للإشارة إلى أنه يمكن أن يقال: إن عدم الاعتقاد أى: الجزم لا يستلزم عدم الإرادة؛ لأن الشاك المتردد ليس عنده اعتقاد وجزم وعنده إرادة للأمر المشكوك فيه للتردد بينه وبين غيره، وحينئذ فلا يصح جعل عدم اعتقاد الصدق دليلا لعدم الإرادة، والجواب أن المراد بقوله؛ لأنهم لم يعتقدوه: نفى اعتقادهم صدقة من حيث ذاته وإمكانه، والشاك معتقد لإمكان الشىء وإن كان غير معتقد له من حيث ذاته.
(قوله: ورد) حاصله على ما يشير إليه الشارح، منع أن المراد بالثانى غير الكذب، ومنع أنه قسيم للكذب، وبيانه أنا نختار أن المراد بالثانى الكذب، وقوله أنه
стр. 341
فعبر عنه) أى: عن عدم الافتراء (بالجنة لأن المجنون لا افتراء له) لأنه الكذب عن عمد، ولا عمد للمجنون، فالثانى ليس قسيما للكذب بل لما هو أخص منه؛ أعنى:
الافتراء فيكون حصرا للخبر الكاذب بزعمهم فى نوعيه؛ أعنى: الكذب عن عمد والكذب لا عن عمد.
[الباب الاول] (أحوال الإسناد الخبرى):
===
قسيمه: إن أراد أنه قسيم مطلق الكذب كما هو المتبادر فممنوع، بل هو قسيم الكذب العمد خاصة، وإن أراد أنه قسيمه الكذب عن عمد فمسلم، ولكن لا يلزم منه أن يكون المراد من الثانى غير الكذب إذ لا يلزم من كون الشىء قسيما للأخص أن يكون قسيما للأعم.
(قوله: فعبر عنه إلخ) أى: على طريق المجاز المرسل من إطلاق اسم الملزوم على اللازم؛ لأن من لوازم الإخبار حال الجنة عدم الافتراء، وحاصل هذا الرد أنا لا نسلم أن الإخبار حال الجنة واسطة، بل المراد منه عدم الافتراء، وهو من أفراد الكذب، فقصدهم حصر خبر النبى الكاذب بزعمهم فى نوعية الافتراء وعدمه، وليس قصدهم حصر خبره من حيث هو فى الكذب وغيره
(قوله: فعبر عنه إلخ) أى: فحاصل المعنى على هذا الجواب، أقصد الكذب على الله أم لم يقصد لكونه حصل منه ذلك حال الجنون المنافى للقصد، فمرادهم- لعنة الله عليهم- أن أخباره ليست عن الله على كل حال، بل إما أنه اختلق ذلك بالقصد، أو وقع منه ذلك بلا قصد
(قوله: فالثاني) أى:
وهو الإخبار حال الجنة
(قوله: ليس قسيما للكذب) أى: لمطلق الكذب
(قوله: بل لما هو إلخ) أى: بل هو قسيم لما هو أخص من الكذب وهو الافتراء؛ وذلك لأن الافتراء هو الكذب عن عمد وهو أخص من مطلق كذب
(قوله: فيكون حصرا إلخ) وحينئذ فالثانى كذب أيضا فلا واسطة.
أحوال الإسناد الخبرى:
خبر لمبتدأ محذوف أى: الباب الأول أحوال الإسناد الخبرى، وفيه أن أحوال الإسناد عبارة عن الأمور العارضة له من التأكيد وعدمه، وكونه حقيقة عقلية أو مجازا
стр. 342
وهو ضم كلمة أو ما يجرى مجراها إلى أخرى ...
===
عقليا، وهذه غير الباب الأول؛ لأنه ألفاظ، وحينئذ فالحمل غير صحيح لعدم المطابقة بين المبتدأ والخبر، والجواب أن فى الكلام حذف مضاف أى: مباحث أو عبارات أحوال الإسناد، وأورد على المصنف أن الأمور العارضة للإسناد المسماة بأحواله من الحقيقة العقلية، والمجاز العقلى والتأكيد وعدمه يمكن إجراؤها فى الإنشاء كما إن قلت لشخص:
ابن لى قصرا، فإن كان ذلك الشخص أهلا للبناء بنفسه فالإسناد حقيقة عقلية، وإلا فمجاز عقلى كما سيأتى من أن المجاز العقلى لا يختص بالخبر، وإذا كان المخاطب قريب الامتثال قيل له: اضرب من غير تأكيد، وإن كان شديد البعد عن الامتثال قيل له: اضربنّ بالتأكيد بالنون المشددة، وإذا كان غير شديد البعد قيل له: اضربن بالنون الخفيفة، وحينئذ فلا وجه لتقييد الإسناد بالخبرى، وأجيب بأن وجه التقييد أن الخبر أصل للإنشاء إما باشتقاق:
كالأمر، فإنه مشتق من الماضى عند الكوفيين وكذلك المضارع، أو بنقل كصيغ العقود ونعم وبئس أو بزيادة كالاستقبال والتمنى والترجى، وكما فى لتضرب ولا تضرب؛ ولأن المزايا والخواص المعتبرة عند البلغاء حصولها فيه أكثر من الإنشاء، وبالجملة فالخبر هو المقصود الأعظم فى نظر البلغاء، فلذا قيد به وهذا لا ينافى أن الأحوال العارضة للإسناد الذى فيه تعرض للإسناد الذى فى الإنشاء، ثم إن الإسناد من أوصاف الشخص؛ لأنه مصدر فيؤول بالإسناد الذى هو وصف للطرفين أعنى: انضمام أحدهما للآخر
(قوله: وهو ضم كلمة) أى: انضمام كلمة، فأطلق المصدر وأراد الأثر الناشئ عنه وهو الانضمام؛ لأنه الذى يتصف به اللفظ. كذا فى خسرو، والمراد بالكلمة: المسند.
(قوله: أو ما يجرى مجراها) أى: كالجملة الحالة محل مفرد نحو: زيد قائم أبوه، والمركبات الإضافية والتقييدية
(قوله: إلى أخرى) لم يقل أو ما يجرى مجراها فظاهره أن المسند إليه دائما لا يكون إلا كلمة منفردة، وينقص هذا بمثل: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة) (١) وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا (٢) إلا أن يقال
стр. 343
بحيث يفيد الحكم بأن مفهوم إحداهما ثابت ...
===
حذفه من الثانى لدلالة الأول، ومثل هذا شائع، أو يقال: إنما لم يزد ذلك لقلة وقوعه فى المسند إليه.
كذا قيل، وقد يقال لا حاجة لذلك كله؛ لأن الكلمة فى قوله: ضم كلمة شاملة للمسند والمسند إليه، فالمسند قسمان كلمة وما جرى مجراها، والمسند إليه كذلك، فالأقسام أربعة، فمثال المسند والمسند إليه إذا كانا كلمتين: زيد قائم، ومثال المسند إليه الجارى مجرى الكلمة قولهم: (تسمع بالمعيدى خير من أن تراه) (١) ومثال المسند الجارى مجراه: زيد قام أبوه، ومثال ما إذا كان كل منهما جاريا مجرى الكلمة:
لا إله إلا الله ينجو قائلها من النار، ولا يأتى ورود الاعتراض على الشارح إلا لو قال ضم كلمة مسندة أو ما جرى مجراها إلى أخرى.
(قوله: بحيث إلخ) الباء للملابسة متعلقة بمحذوف وفاعل يفيد ضمير يعود على الضم أى: ضما ملتبسا بحالة، وهى أن يفيدك ذلك الضم الحكم بأن إلخ، أى: يدل على أن المتكلم حكم بأن إلخ، وعلى هذا فالمراد بالحكم الحكم بالمعنى اللغوى وهو القضاء وهذا القيد مخرج لضم اسم الفاعل لفاعله، ويصح أن يراد به الوقوع أو اللاوقوع، وعلى هذا فقوله بأن إلخ: متعلق بالحكم على أنه تفسير له، فالباء: للتصوير، والمعنى ضما ملتبسا بحالة، وهى أن يفيد ذلك الضم الحكم المصور بثبوت مفهوم إحداهما لمفهوم الأخرى وذلك فى القضية الموجبة، وقوله أو منفى عنه أى: أو منتف عنه وذلك فى القضية السالبة، فإن المحكوم به فيها الانتفاء ولا يصح أن يراد بالحكيم الإيقاع والانتزاع؛ لأن ذلك الضم لا يدل على أن المتكلم أدرك أن ثبوت مفهوم إحداهما لمفهوم الأخرى مطابق أو غير مطابق، ولو قال الشارح وهو ضم كلمة أو ما يجرى مجراها إلى أخرى بحيث يفيد ثبوت مفهوم إحداهما للأخرى: كان أوضح
(قوله: مفهوم إحداهما)
стр. 344
لمفهوم الأخرى أو منفى عنه، ...
===
أعنى: المحكوم به، والمراد المفهوم المطابقى أو التضمنى للقطع بأن الثابت في: ضرب زيد، أو زيد ضارب إنما هو الحدث الذى هو جزء المفهوم، والثابت فى قولك: الإنسان حيوان ناطق المفهوم المطابقى.
(قوله: لمفهوم الأخرى) أعنى: المسند إليه، واعترض بأن الأولى أن يقول لما صدق لأخرى؛ لأن الموضوع يراد منه الماصدق، والمحمول يراد منه المفهوم أعنى الوصف الكلى، وأجيب بأن ما عبر به أولى؛ لأنه لو عبر بالماصدق لخرجت القضايا الطبيعية، فإن المراد من الموضوع فيها المفهوم الكلى أعنى: الحقيقة، فمراد الشارح بالمفهوم ما فهم من اللفظ كان حقيقة أو أفراد، وليس المراد بالمفهوم ما قابل الذات والماصدق حتى يرد الاعتراض، ثم إن ما ذكره الشارح من أن الإسناد عبارة عن: الضم المذكور طريقة لبعضهم، قال السكاكى: الإسناد هو الحكم أعنى: النسبة، ولذا عرفه بقوله: الحكم بثبوت مفهوم لمفهوم أو انتفائه عنه، وكل من الطريقتين صحيح؛ وذلك لأن الأمور المعتبرة فى الإسناد من التأكيد والتجريد عنه والحقيقة العقلية والمجاز العقلى كما يوصف بها الحكم يوصف بها ضم إحدى الكلمتين للأخرى على وجه يفيد الحكم بلا ترجيح، إلا أنهما يختلفان من جهة أنه إذا أطلق الإسناد على الحكم كان المسند والمسند إليه من صفات المعاني، ويوصف بهما الألفاظ الدالة على تلك المعانى تبعا، وإذا أطلق الإسناد على الضم المذكور كان الأمر بالعكس، كذا ذكره القرمى.
نعم تعريف الإسناد بما قاله الشارح أولى مما عرف به السكاكى من جهة المسند والمسند إليه فى عرفهم من أوصاف الألفاظ؛ لأن الأحوال المبحوث عنها إنما تعرض للألفاظ كالذكر والحذف وكونه معرفة ضميرا أو اسم إشارة أو علما أو نكرة، وكذلك كون المسند اسما أو فعلا أو جملة اسمية أو فعلية أو ظرفية، وقولهم الفصل:
لتخصيص المسند إليه بالمسند من باب إجراء المدلول على الدال، فالمراد بالمسند إليه والمسند هو اللفظ، وقول السكاكى فى التعريف الحكم بثبوت مفهوم لمفهوم يقتضى أن المسند والمسند إليه من أوصاف المعانى، ولا يقال: إن الخواص والمزايا إنما تعتبر أولا فى
стр. 345
وإنما قدم بحث الخبر لعظم شأنه وكثرة مباحثه، ثم قدم أحوال الإسناد على أحوال المسند إليه والمسند مع تأخر النسبة عن الطرفين؛ لأن البحث فى علم المعانى إنما هو عن أحوال اللفظ ...
===
المعاني، فاللائق باصطلاح أهل المعانى أن يعتبر المسند إليه والمسند من أوصاف المعاني؛ لأنا نقول هذا لا يتم لاستلزامه أن لا يكون علم المعانى باحثا عن أحوال اللفظ فتأمل
(قوله: وإنما قدم بحث الخبر) أى: المذكور فى هذا الباب والأبواب الأربعة بعده على بحث الإنشاء مع أن تلك الأبحاث لا تختص بالخبر
(قوله: لعظم شأنه) أى: شرعا؛ لأن الاعتقاديات كلها أخبار ولغة فإن أكثر المحاورات أخبار
(قوله: وكثرة مباحثه) عطف مسبب على سبب، وإنما كثرت مباحثه بسبب أن المزايا والخواص المعتبرة عند البلغاء أكثر وقوعها فيه
(قوله: ثم قدم أحوال الإسناد) أى: ثم قدم من مباحث الخبر أحوال الإسناد و [ثمّ] للترتيب الإخبارى
(قوله: مع تأخر النسبة) أى: التى هى مرادة بالإسناد على ما مر من الطريقتين، وفيه أن المحل للضمير فكان المناسب أن يقول: مع تأخره أى: الإسناد، إلا أن يقال أظهر فى محل الإضمار إشارة إلى أن مراد المصنف بالإسناد النسبة كذا قرر بعضهم؛ لكن أنت خبير بأن هذا الكلام إنما يتم على طريقة السكاكى، من أن المراد بالإسناد الحكم لا على طريقة الشارح من أن الإسناد ضم كلمة لأخرى، إذ الضم غير النسبة، فالأولى للشارح أن يقول: مع تأخر الإسناد؛ لأن الكلام فيه لا فى النسبة اللهم إلا أن يقال: إنه أراد بالنسبة الإسناد من إطلاق اسم اللازم على الملزوم، أو يقدر مضاف فى قوله سابقا ضم كلمة إلخ أى: أثر ضم إلخ أو لازم ضم والأثر هو النسبة وكذلك اللازم، ويراد بالحكم فى قوله بحيث يفيد الحكم إلخ: الحكم اللغوى وهو القضاء، وحينئذ فيكون كلام الشارح موافقا للسكاكى فى أن الإسناد هو النسبة الكلامية: قرر ذلك شيخنا العدوى.
(قوله لأن البحث فى علم المعانى إنما هو إلخ) (إنما) هنا لمجرد التوكيد، أو يقال:
إن الحصر إضافى أى: إن البحث فى علم المعانى إنما هو عن الطرفين من حيث وصفهما بالمسند إليه والمسند لا من حيث ذاتهما، وحينئذ فلا ينافى أنه يبحث فى علم المعانى عن
стр. 346
الموصوف بكونه مسندا إليه أو مسندا وهذا الوصف إنما يتحقق بعد تحقق الإسناد والمتقدم على النسبة إنما هو ذات الطرفين، ولا بحث لنا عنها (لا شك أن قصد المخبر)؛ أى: من يكون بصدد الإخبار والإعلام، ...
===
متعلقات الفعل وعن القصر وعن الفصل والوصل
(قوله: الموصوف إلخ) أى: فالبحث عنه من حيث وصفه بالإسناد
(قوله: وهذا الوصف) أى: كونه مسندا إليه أو مسندا
(قوله: وهذا الوصف إنما يتحقق) أى: يتعقل فى الذهن
(قوله: بعد تحقق الإسناد) أى: لأنه ما لم يسند أحد الطرفين للآخر لم يصر أحدهما مسندا إليه والآخر مسندا، والحاصل أن المعترض يلاحظ ذات الطرفين، ويقول: إن الإسناد متأخر عنهما فى الوجود طبعا، فالمناسب تأخير الكلام على أحواله وضعا، وحاصل الرد عليه: أنه ليس المنظور له ذات الطرفين حتى يرد ما قلت، بل المنظور له وصفهما بالإسناد، ولا يعقل الوصف إلا بعد وجود الإسناد فهو متقدم طبعا، وحينئذ فينبغى أن يقدم الكلام على أحواله وضعا ليوافق الطبع
(قوله: لا شك إلخ) من هنا لقوله فينبغى إلخ: تمهيد لبيان أحوال الإسناد.
(قوله: إن قصد إلخ) أى: مقصود وفى الكلام حذف حرف الجر أى: فى أن المقصود
(قوله: أى من يكون بصدد الإخبار) أى: من يكون قاصد الإخبار والإعلام لا الآتى بالجملة الخبرية مطلقا، بدليل قوله: وإلا فالجملة إلخ، وهذا إشارة للجواب عن اعتراض خطيب اليمن على المصنف حين ألف هذا الكتاب ورآه الخطيب المذكور، فقال معترضا عليه قوله: لا شك إلخ، فى حصر قصد المخبر فيما ذكر نظر إذ يرد عليه قول أم مريم رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى (١) فإنه ليس قصدها إعلام الله بالفائدة ولا بلازمها، إذ المولى عالم بأنها وضعت أنثى وعالم بأنها تعلم أنها وضعت أنثى، وحاصل الجواب أن قول المصنف: إن قصد المخبر بكسر الباء من الإخبار وهو له معنيان لغوى واصطلاحى، فالأول: الإعلام، والثاني: التلفظ بالجملة الخبرية مرادا بها إفادة معناها، وإن لم يحصل بها العلم، ولذا يعتق كل العبيد فيما إذ قال كل من أخبرنى بقدوم زيد
стр. 347
وإلا فالجملة الخبرية كثيرا ما تورد لأغراض أخر غير إفادة الحكم أو لازمه مثل:
التحسر، والتحزن فى قوله تعالى- حكاية عن امرأة عمران: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى (١) ...
===
فهو حر، فأخبروه على التعاقب والمخبر هنا بالمعنى اللغوى أى: المعلم، فقول الشارح والإعلام عطف تفسير لا بالمعنى العرفى أى: الآتى بالجملة الخبرية إلا أنه ليس المراد بالمخبر المعلم بالفعل، وإلا لما صح الترديد الآتى بقوله: فإن كان المخاطب خالى الذهن استغنى عن المؤكدات؛ لأنه حيثما أعلمه بالفعل كيف يكون خالى الذهن فتعين أن يكون المراد بالمخبر من كان بصدد الأخبار والإعلام
(قوله: وإلا فالجملة إلخ) أى: وإلا نقل المراد بالمخبر من ذكر، بل المراد به الآتى بالجملة الخبرية مرادا بها معناها، فلا يصح حصر مقصوده فى الأمرين اللذين ذكرهما المصنف؛ لأن الجملة الخبرية إلخ
(قوله: مثل التحسر) مما دخل تحت مثل إظهار الضعف كما فى قوله تعالى حكاية عن نبيه زكريا:
رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي (٢) وإظهار الفرح كما فى قولك: قرأت الدرس، وحضرنى الأفاضل، وتذكير ما بين المراتب من التفاوت العظيم كما فى قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣) إلخ، فإن اللفظ مستعمل فى معناه، لكن لا للإعلام بالحكم أو لازمه؛ لأن النبى وأصحابه عالمون بالحكم وهو عدم الاستواء، ويعلمونه بأن المولى عالم بعلمهم ذلك، بل لتذكير ما بين الرتبتين من التفاوت العظيم؛ لأجل أن يتباعد القاعد ويرفع نفسه عن انحطاط مرتبته.
(قوله: فى قوله تعالى حكاية إلخ) أى: فإن اللفظ مستعمل فى معناه، لكن لا للإعلام بالحكم أو لازمه؛ لأن المخاطب وهو المولى عالم بكل منهما، بل لإظهار التحسر على خيبة رجائها والتحزن إلى ربها؛ لأنها كانت ترجو وتقدر إنها تلد ذكرا، فأخبرت أنها ولدت أنثى، ولا شك أن إظهار خلاف ما يرجوه الإنسان يلزمه التحسر، فظهر لك من هذا أن استفادة التحسر من الآية بطريق الإشارة والتلويح على ما هو مفاد
стр. 348
وما أشبه ذلك (بخبره) متعلق بقصد ...
===
عبد الحكيم، وأما قول بعضهم استعمال الكلام فى إظهار التحسر والتحزن والضعف مجاز مركب، وتحقيقه أن الهيئة التركيبية فى مثله موضوعة للإخبار، فإذا استعمل ذلك المركب فى غير ما وضع له، فإن كانت العلاقة المشابهة: فاستعارة وإلا فمجاز مرسل، والآية من قبيل الثاني؛ لأن الإنسان إذا أخبر عن نفسه بوقوع ضد ما يرجوه يلزمه إظهار التحسر فهو من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم أ. هـ كلامه.
ففيه نظر إذ يلزم عليه أن الآية إنشاء معنى، وحينئذ لا تصلح شاهدا للشارح، إذ هو بصدد التمثيل لما إذا كان خبر المخبر لم يفد المخاطب الحكم ولا لازمه
(قوله: وما أشبه ذلك) أى: من أفراد أمثلة التحسر كقوله: (١)
هواى مع الرّكب اليمانين مصعد ... جنيب وجثمانى بمكّة موثق
وكما فى قوله خطابا لامرأة اسمها أميمة تلومه على عدم الانتقام والأخذ بثأر أخيه:
قومى هم قتلوا أميم أخى ... فإذا رميت يصيبنى سهمى (٢)
فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمى
أى: قومى يا أميمة هم الذين فجعونى بقتل أخى، فلو حاولت الانتقام منهم عاد ذلك على بالمضرة؛ لأن عز الرجل بعشيرته، فإن عفوت عنهم بالصفح والتجاوز عفوت عن أمر عظيم وخطب جزيل وأظهرت الإحسان الكامل لهم، وإن قهرتهم بالانتقام عاد الأمر إلى توهين حالى، فلذا تركت الانتقام، فأميمة المخاطبة عالمة بأن القاتلين لأخيه قومه وتعلم بأنه عالم بذلك، وحينئذ فالقصد إظهار التفجع والتحزن على
стр. 349
(إفادة المخاطب: ) خبر أن (إما الحكم، ) مفعول الإفادة (أو كونه) أى: كون المخبر (عالما به) أى: بالحكم، ...
===
موت أخيه، فقوله: وما أشبه ذلك ليس مستدركا مع قوله أولا مثل التحسر؛ لأن الإتيان بمثل لإدخال الأنواع: كالضعف والفرح، وقوله وما أشبه ذلك لإدخال أفراد أمثلة التحسر كما علمت
(قوله: إفادة المخاطب) لو قال إفادة إما الحكم وحذف المخاطب لكان أخصر وشاملا لما إذا وجه الكلام إلى شخص وأريد إفادة غيره
(قوله: إما الحكم) أى: سواء كان مدلولا حقيقيا للخبر أو مجازيا أو كنائيا
(قوله: مفعول الإفادة) أى: الثانى والأول، قوله: المخاطب والفاعل محذوف أى: إفادة المخاطب إما الحكم
(قوله: أو كونه إلخ) أورد على المصنف أن إفادة الحكم ملزوم وإفادة كون المخبر عالما به لازم ولا يصدق الانفصال بينهما لا حقيقيا ولا مانع جمع وهو ظاهر ولا مانع جمع وهو ظاهر ولا مانع خلو؛ لأنهم صرحوا بأن نقيض كل من الطرفين فى مانعة الخلو يجب أن يستلزم عين الآخر ونقيض اللازم لا يستلزم عين الملزوم، بل نقيضه نعم لو كانت أداة الانفصال داخلة على نفس القصد، كأن يقال الثابت فى الخبر إما قصد إفادة الحكم أو قصد إفادة لازمة لم يرد ذلك، إذ لا تلازم بين القصدين، ولا يجوز انتفاؤهما ممن يكون بصدد الإخبار، وأجيب بأن ما ذكر من وجوب الاستلزام المذكور فى مانعه الخلو إذا كانت القضية منفصلة لزومية، والقضية فيما نحن فيه اتفاقية فلا يشترط فيهما ما ذكر، فالحاصل أن القضية هنا اتفاقية مانعة خلو فيجوز الجمع
(قوله: أى كون المخبر عالما به) المراد بالعلم هنا التصديق بالنسبة جزما أو ظنا لا مجرد التصور، إن قلت: الكون المذكور حكم من الأحكام اللازمة للحكم الأصلى الذى هو الوقوع، أو اللاوقوع المفهومة من القضية بطريق المجاز؛ لأن دلالة اللفظ على لازم معناه مجاز، وهذه الأحكام اللازمة كثيرة ككون المتكلم حيا أو موجودا، فما وجه تخصيص هذا الحكم اللازم بالذكر دون غيره من الأحكام اللازمة؟
قلت: لما كان هذا الحكم اللازم مقصودا للمخبر؛ لأن المخبر يقصد إيقاعه فى بعض الأحيان، وذلك فيما إذا كان المخاطب عالما بأصل الحكم دون غيره من الأحكام اللازمة
стр. 350
والمراد بالحكم هنا وقوع النسبة أو لا وقوعها، ...
===
خص بالذكر؛ لأنه لا يوجد هذا المعنى فى غير ذلك اللازم وإن قصد ذلك الغير، كما إذا قال شخص توهمه المخاطب ميتا: السماء فوقنا؛ ليفيد حياته فهو نادر، ولا ينافى هذا أن المقصود هو الحكم الذى هو الوقوع أو اللاوقوع؛ لأنه المقصود الأصلى.
(قوله: والمراد بالحكم هنا) أى فى كلام المصنف.
اعلم أنه قد تقرر أن الحكم يطلق على النسبة الكلامية أى: المفهومة من الكلام، وهى ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه، أو انتفاؤه عنه فى الواقع وهو المتعارف بين أرباب العربية، وهذا المعنى هو المعنى بوقوع النسبة أو لا وقوعها أى: النسبة الواقعة أى: المتحققة فى الخارج أو غير المتحققة فيه، ويطلق على المحكوم به ويطلق على إذعان النسبة أى: إدراك أنها واقعة أو ليست بواقعة وهو المعبر عنه فيما بين أرباب المعقول بالإيقاع والانتزاع، ويطلق على خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير على ما هو عرف الأصوليين وعلى ما ثبت بالخطاب: كالوجوب ونحوه على ما هو عرف الفقهاء، ولا خفاء أن المقصود بالإعلام هو إفادة وقوع النسبة أى: تحققها أو لا وقوعها فى الخارج، فإذا قال لك شخص: قام زيد كان قصده إفادتك أن ثبوت القيام لزيد حصل وتحقق فى الخارج، وليس قصده إفادتك أنه أدرك أن ثبوت القيام مطابق للواقع، وحيث كان المقصود بالإعلام إنما هو إفادة وقوع النسبة فيكون هو المراد بالحكم هنا؛ فقول الشارح وقوع النسبة أى: النسبة الواقعة أى: المتحققة فى الواقع والخارج، وهذا فى القضية الموجبة، وقوله أولا وقوعها أى: والنسبة الغير الواقعة أى:
الغير المتحققة فى الواقع وهذا فى القضية السالبة.
قال الشارح- فى المطول-: ولا يصح أن يراد بالحكم هنا الإيقاع والانتزاع لظهور أنه ليس قصد المخبر إفادة أنه أوقع النسبة أى: أدرك أنها مطابقة للواقع أو لا، ولا أنه عالم بأنه أوقعها، وأيضا الإدراك من أوصاف الشخص، فلو أريد لما كان لإنكار الحكم معنى، إذ لا يصح أن يقول المخاطب للمتكلم: أنت لم توقع النسبة، فإن قلت: جعل المقصود الأصلى من الخبر إفادة المخاطب وقوع النسبة أو لا وقوعها لا الإيقاع
стр. 351
وكونه مقصودا للمخبر بخبره لا يستلزم تحققه فى الواقع؛ ...
===
والانتزاع، هذا إنما يظهر على القول بأن مدلول الخبر النسبة لا الإذعان بها، وهذا خلاف ما عليه الأكثر، إذ الذى عليه الأكثر كالإمام الرازى وابن السبكى (١) والعلامة السيد وغيرهم: أن مدلول الخبر إذعان النسبة أعنى: الإيقاع والانتزاع، قلت: أجاب العلامة عبد الحكيم: بأن الإيقاع والانتزاع وإن كان مدلولا للخبر على قول الأكثر إلا أنه ليس مقصودا بالإفادة، بل وسيلة لما قصد إفادته بالخبر وهو وقوع النسبة أو لا وقوعها؛ وذلك لأن المخاطب يستفيد الإيقاع والانتزاع من الخبر، ثم ينتقل منه إلى متعلقه الذى هو المقصود بالإعلام وهو وقوع النسبة أو لا وقوعها، ويدل لذلك ما هو الحق عندهم من أن الألفاظ لا دلالة لها فى نفسها على ما فى الخارج، بل دلالتها على الصور الذهنية أولا، وبالذات وبواسطتها على ما فى الخارج لما بينهما من الارتباط، فظهر لك أن كون الخبر مدلوله الإيقاع والانتزاع لا ينافى أن المقصود بالإعلام إفادة وقوع النسبة أو لا وقوعها فتأمل ذلك.
(قوله: وكونه) أى: الحكم بمعنى وقوع النسبة أو لا وقوعها مقصود للمخبر بخبره إلخ) وهذا توطئة لقوله: وهذا مراد إلخ
(قوله: لا يستلزم) أى: ذلك الكون تحققه أو ثبوته فى الواقع وضمير تحققه للحكم بمعنى النسبة، وحاصله أن قصد المخبر بخبره إفادة وقوع النسبة أى: كون النسبة واقعة لا يستلزم تحقيقها فى الواقع؛ لأن دلالة الألفاظ على معانيها وضعية يجوز تخلفها وليست عقلية تقتضى استلزام الدليل للمدلول استلزاما عقليا: كدلالة الأثر على المؤثر، فإذا قلت: زيد قائم دل على ثبوت القيام لزيد فى الواقع، ودلالته على ذلك لا تستلزم أن يكون ثبوت القيام متحققا فى الواقع لجواز أن يكون الخبر كذبا
(قوله: وهذا) أى: كونه لا يستلزم تحققه فى الواقع.
стр. 352
وهذا مراد من قال: إن الخبر لا يدل على ثبوت المعنى أو انتفائه، وإلا فلا يخفى أن مدلول قولنا: زيد قائم ومفهومه- أن القيام ثابت لزيد، وعدم ثبوته له احتمال عقلى لا مدلول ولا مفهوم للفظ؛ فليفهم.
(ويسمى الأول) أى: الحكم الذى يقصد بالخبر إفادته (فائدة الخبر، والثانى) أى: كون المخبر عالما به (لازمها) أى: لازم فائدة الخبر؛ لأنه كل ما أفاد الحكم أفاد أنه عالم به ...
===
(قوله: مراد من قال إن الخبر لا يدل على ثبوت المعنى) أى: الحكم أو انتفائه أى:
فليس مراد ذلك القائل نفى دلالة الخبر على ثبوت الحكم كالقيام أو انتفائه كما هو ظاهره، بل مراده أنه لا يستلزم تحققه وثبوته فى الواقع لجواز أن يكون كذبا، والحاصل أن الخبر يدل على ثبوت المعنى أى: الحكم أو انتفائه فى الواقع قطعا فكيف يقول هذا القائل:
إن الخبر لا يدل على ثبوت المعنى أو انتفائه فى الواقع؟ فأجاب الشارح بأن مراده بنفى الدلالة على الثبوت أو الانتفاء أنه لا يستلزم تحققه فى الواقع أو انتفاؤه فيه وهذا لا ينافى أنه يقول بدلالة الخبر على ثبوت المعنى الذى هو الحكم أو انتفائه فى الواقع.
(قوله: وإلا فلا يخفى إلخ) أى: وإلا نقل هذا مراده، بل بهذا الكلام أن الخبر لا يدل على أصل ثبوت المعنى ولا على انتفائه فلا يصح كلامه؛ لأنه لا يخفى إلخ
(قوله: إن مدلول قولنا إلخ) أى: مدلوله الوضعى
(قوله: ومفهومه) عطف على مدلول مرادف له، وقوله أن القيام ثابت لزيد، الأنسب ثبوت القيام لزيد فى الواقع
(قوله: وعدم ثبوته له) أى: فى الواقع، وقوله احتمال عقلى نشأ من كون دلالة الخبر: وضعية يجوز فيها تخلف المدلول عن الدال
(قوله: ويسمى الأول فائدة الخبر) أشار بلفظ التسمية إلى أنه اصطلاح لأهل الفن، ولا مشاحة فى الاصطلاح، فلا يرد عليه أن فائدة الشىء ما يترتب عليه، والمترتب على الخبر علم المخاطب بالحكم لا نفس الحكم
(قوله: أى الحكم) أى: لا إفادة الحكم، وقوله الذى يقصد بالخبر أى: الذى يقصد المتكلم إفادته للمخاطب بالخبر، فلا ينافى أنه قد لا يقصد إفادته كما فى صورة قصد إفادة اللازم
(قوله: لأنه) أى: الحال والشأن، وهذا دليل على كون الثانى لازما للفائدة
(قوله: كل ما أفاد)
стр. 353
وليس كل ما أفاد أنه عالم بالحكم أفاد نفس الحكم؛ لجواز أن يكون الحكم معلوما قبل الإخبار؛ ...
===
أى: كل خبر أفاد المخاطب الحكم أفاد أنه أى: المخبر عالم به أى: بذلك الحكم، وأشار الشارح بهذا إلى أن اللزوم ليس باعتبار ذات العلم وذات الحكم؛ لأنه لا تلازم بينهما، إذ قد يتحقق الحكم ولا يعتقده المتكلم، بل باعتبار الإفادة بمعنى أن إفادة الأول لازمة لإفادة الثاني، لا من حيث ذاتهما، إذ لا تلازم بينهما، وأورد على هذه الكلية أنها منقوضة بخبر الله تعالى، فإنه يفيد الحكم ولا يفيد أنه عالم به؛ لأن كونه عالما معلوم لنا قبل الخبر فلم نستفده من الخبر، وجوابه أن المعلوم لنا قبل الخبر، وجوابه أن المعلوم لنا قبل الخبر هو العلم الذى يسمى مثله عندنا تصورا وليس هو المقصود، بل المقصود إفادته بالخبر العلم الذى يسمى نظيره عندنا تصديقا ولا يستفاد إلا من الخبر؛ لأنه تعالى لا يعلم جميع الأشياء على الوجه الذى نسميه تصديقا بدليل الكواذب فإنه يعلمها، وليست على هذا الوجه قطعا فعلمه بالشىء على وجه نسميه تصديقا لا نعلمه إلا من خبره.
بقى شىء آخر وهو أنه قد يمنع اللزوم مطلقا؛ لأن المخاطب قد يغفل عن كون المتكلم عالما أو يخبر بالحكم وهو شاك أو جاهل، فلم تكن إفادة أنه عالم لازمة لإفادة نفس الحكم، والجواب أن المراد اللزوم فى الجملة أى: أن ذلك اللزوم بالنظر للغالب والجارى على العرف؛ لأنه عند سماع الخبر الشأن حصوله فهو فى حكم المعلوم بالضرورة
(قوله: وليس كل ما أفاد إلخ) أى: ليس كل خبر أفاد أن المتكلم عالم بالحكم، وفى هذا إشارة إلى أن اللزوم ليس من الجانبين، وحينئذ فهو لازم أعم: كلزوم الضوء للشمس، فيلزم من وجود الملزوم وجوده ولا يلزم من وجوده وجود الملزوم، وهذا بخلاف اللازم المساوى: كقبول العلم وصنعة الكتابة
(قوله: لجواز أن يكون الحكم معلوما قبل الإخبار) أى: فالخبر حينئذ إنما أفاد لازم الفائدة ولم يفد الفائدة. إن قلت: إن الفائدة تحضر فى ذهن المخاطب حال إفادة اللازم، فإفادة اللازم تستلزم إفادة الفائدة أيضا- أجيب بأن حضورها حال إفادة اللازم المجهول ليس بعلم جديد، بل هو
стр. 354
كما فى قولنا لمن حفظ التوراة: قد حفظت التوراة. وتسمية مثل هذا الحكم فائدة الخبر بناء على أنه من شأنه أن يقصد بالخبر ويستفاد منه. والمراد بكونه عالما بالحكم ...
===
تذكار فلا يعتبر
(قوله: كما فى قولنا لمن حفظ التوراة) أى: والحال أنه يعلم أن ما حفظه هو التوراة فلا بد من هذا لصحة التمثيل بهذا المثال، وإلا فيمكن أن يحفظها من لا يعلم أنها التوراة، ولعل الشارح لم يقيد بقوله: لمن علم أن ما حفظه هو التوراة إشعارا بأن حفظها لا ينفك عادة عن العلم بها، من حيث إنه توراة، وإن جاز فى المحقرات الانفكاك.
(قوله: وتسمية إلخ) حيث قيل لازم فائدة الخبر وقوله مثل هذا الحكم أى:
تسمية هذا الحكم وما ماثله، والمراد بهذا الحكم الحكم بحفظ المخاطب التوراة والمراد بما ماثله كل حكم يكون معلوما قبل الإخبار، وأشار بهذا للجواب عما يقال: إن حفظ التوراة معلوم للمخاطب لم يستفد من الخبر ولم يقصد به، فكيف يسمى فائدة؟ وحاصل الجواب أنه ليس المراد بالفائدة ما يستفاد من الخبر بالفعل، بل شأنه أن يستفاد منه.
(قوله: والمراد بكونه) أى: المخبر المذكور فى قوله: كل ما أفاد الحكم أفاد أنه عالم به، ولو قال: والمراد بعلمه لكان أنسب بقوله حصول صورة إلخ، وهذا جواب عن المنع الوارد على الملازمة فى قوله: كل ما أفاد الحكم أفاد أنه عالم به، وتقرير المنع لا نسلم الملازمة أى: لا نسلم أنه كل ما أفاد الحكم أفاد أنه عالم به لجواز أن يكون المخبر أخبر بشىء عالما بخلافه، أو شاكا فيه مترددا، أو ظانا له، أو متوهما، وحاصل الجواب: أن هذا المنع لا يرد إلا إذا قلنا المراد بالعلم الاعتقاد الجازم المطابق وليس كذلك، بل المراد بالعلم حصول صورة هذا الحكم فى ذهن المخبر، وهذا ضرورى فى كل عاقل تصدى للإخبار سواء كان معتقدا له اعتقادا جازما أو غير جازم أو غير معتقد أصلا أو معتقدا لخلافه، فكل مخبر بخبر تحصل صورة الحكم فى ذهنه وإن كانت تلك الصورة قد لا تطابق الواقع وهذه الصورة تسمى علما وإطلاق العلم عليها اصطلاح الحكماء ومشتهر بين الناس
(قوله: والمراد بكونه عالما) أى: فى قولنا كل ما أفاد الحكم أفاد أنه عالم بالحكم.
стр. 355
حصول صورة الحكم فى ذهنه، وهاهنا أبحاث شريفة سمحنا بها فى الشرح.
(وقد ينزل) المخاطب (العالم بهما) أى: بفائدة الخبر ولازمها (منزلة الجاهل) فيلقى إليه الخبر ...
===
(قوله: حصول صورة الحكم) أى: صورة الحكم الحاصلة فى ذهنه، وحينئذ فالمعنى: كل خبر أفاد الحكم أفاد أن صورة ذلك الحكم حاصلة فى ذهن المخبر، فعلم أن المراد بالعلم هنا: العلم بالمعنى المصطلح عليه عند المناطقة، وهو الصورة الحاصلة فى الذهن، سواء كانت موافقة للواقع أو لا، كانت معتقدة للمتكلم اعتقادا جازما أو غير جازم، أو غير معتقدة لا الاعتقاد الجازم المطابق للواقع كما هو المعنى المصطلح عليه عند الأصوليين والمتكلمين، وعلى الأول: فالعلم عين المعلوم وغيره على الثاني، وإنما قال الشارح حصول صورة الحكم، ولم يقل الصورة الحاصلة؛ ليفيد أن العلم هو الصورة من حيث حصولها فى الذهن
(قوله: سمحنا بها فى الشرح) أى: جدنا بها فيه، والمراد ذكرناها فيه، ولا يخفى ما فى الكلام من الاستعارة التبعية
(قوله: وقد ينزل إلخ) أى:
وقد ينزل المتكلم المخاطب العالم بهما منزلة الجاهل لعدم جرى المخاطب على مقتضى علمه، واعترض على المصنف بأن هذا تخريج للكلام على خلاف مقتضى الظاهر، والكلام هنا فى إخراج الكلام على مقتضى الظاهر، وحينئذ فالأولى عدم ذكر ذلك هنا وذكره فيما يأتى فى الكلام على التخريج على خلاف مقتضى الظاهر المشار له بقوله: وكثيرا ما يخرج الكلام على خلافه، وأجيب بأنه إنما ذكره هنا جوابا عن سؤال وارد على الكلام السابق، وحاصله أنه لو كان قصد المخبر منحصرا فى الأمرين لما صح إلقاء الخبر للعالم بهما، فأجاب بما ذكر، وحاصله إنه إنما صح إلقاء الخبر للعالم بهما لتنزيله منزلة الجاهل فأولا قرر الأصل ودفع ما يرد عليه، ثم تكلم بعد ذلك على الفرع أعنى التخريج على خلاف مقتضى الظاهر.
(قوله: العلم بهما) اعلم أن التنزيل المذكور يكون فيما إذا علم المخاطب الفائدة ولازمها معا أو إحداهما، وكلام المصنف ظاهر فى الأول، ويمكن تأويله بحيث يكون محتملا للوجوه الثلاثة: علم الفائدة، وعلم اللازم، وعلم الفائدة واللازم.