نظير لتنزيل وجود الشىء منزلة عدمه بناء على وجود ما يزيله فإنه نزل ريب المرتابين منزلة عدمه تعويلا على وجود ما يزيله حتى صح نفى الريب على سبيل الاستغراق، كما نزل الإنكار منزلة عدمه لذلك حتى صح ترك التأكيد (وهكذا) أى: مثل اعتبارات الإثبات (اعتبارات النفى) من التجريد عن المؤكدات فى الابتدائى وتقويته بمؤكد استحسانا فى الطلبى، ووجوب التأكيد بحسب الإنكار فى الإنكارى؛ تقول لخالى الذهن: ما زيد قائما، أو: ليس زيد قائما، وللطالب: ما زيد بقائم وللمنكر: ...
===
(قوله: نظير) أى: لأمثال لجعل المنكر كغيره، وقوله لتنزيل وجود الشىء منزلة عدمه، اعترض بأن نظير الشىء يجب أن يكون خارجا عن سائر أفراده مع أن تنزيل ريب المرتابين بمنزلة العدم من أفراد تنزيل وجود الشىء منزلة عدمه، فالأولى أن يقول: إنه نظير لتنزيل الإنكار منزلة عدمه وأجيب بأن هذا الإيراد إنما جاء من توهم أن اللام صلة لنظير، ونحن نقول: إن اللام لام الأجل وصلة النظير محذوفة، والتقدير نظير لتنزيل إنكار منزلة عدمه، لأجل تنزيل وجود الشىء منزلة عدمه فى كل منهما، فالمقصود من التعليل بيان وجه الشبه بين النظيرين، ويصح جعل اللام بمعنى (في) أى نظير المبحث المتقدم فى تنزيل إلخ
(قوله: على وجود ما يزيله) أى: من الدليل الذى لو تأمل فيه لزال ذلك الشىء الموجود
(قوله: على سبيل الاستغراق) أى: المفهوم من وقوع النكرة فى سياق النفى وهو (لا) لأن النكرة فى سياق النفى تعم عموما شموليا
(قوله: كما نزل الإنكار) أى: المشار له بالمبحث المتقدم، وقوله لذلك أى: للتعويل على وجود ما يزيل إنكارهم لو تأملوه
(قوله: وهكذا اعتبارات النفى) عطف على محذوف دل عليه السياق أى: هذا الذى ذكر أمثلة اعتبارات الإسناد فى الإثبات وهكذا إلخ، أى: وهكذا أمثلة اعتبارات الإسناد فى النفى، وإفراد اسم الإشارة مع أنه عائد على الاعتبارات باعتبار ما ذكر
(قوله: أى مثل اعتبارات إلخ) أى: مثل أمثلة الاعتبارات الواقعة فى الإسناد فى الإثبات أى فى الكلام المثبت من ترك التأكيد مع الخالى، والتأكيد استحسانا مع المتردد ووجوبا بقدر الإنكار مع المنكر
(قوله: اعتبارات النفى) أى: أمثلة الاعتبارات الواقعة فى الإسناد فى الكلام المنفى.
стр. 387
والله ما زيد بقائم؛ وعلى هذا القياس.
[الحقيقة والمجاز العقليان]:
(ثم الإسناد) مطلقا سواء كان ...
===
(قوله: ما زيد بقائم) أى: فالباء الزائدة فى خبر ليس من المؤكدات للحكم.
واعلم أنه لا يحصل تأكيد النفى إلا إذا سبق المؤكد ما يدل على أصل النفى من الحروف، أو الأفعال الموضوعة للنفى. بخلاف تأكيد الإثبات؛ لأن الجملة دالة عليه إما بالوضع أو بالتجرد، وعلى هذا فيكفى فى أصل التأكيد دخول حرف واحد- فتأمل.
(قوله: وعلى هذا القياس) بالرفع مبتدأ وخبر، وبالجر بدل من اسم الإشارة والجار متعلق بمحذوف، أى: واجر على هذا القياس، وبالنصب مفعول لمحذوف أى:
واجر على هذا أعنى القياس، وأشار بذلك إلى أنه قد ينزل غير المنكر منزلة المنكر فيؤكد معه النفى، فيقال لمن ظهرت عليه أمارات إنكار عدم خلو البلد من أعدائه بنى فلان لمجيئه على هيئة الآمن، والله ما خلا البلد من بنى فلان، وينزل المنكر كغيره إذا كان معه ما إن تأمله ارتدع، فيلقى إليه الكلام خلوا من التأكيد كقولك لمنكر كون دين المجوسية ليس بحق ما دين المجوسية حقا، والحاصل أن الصور الاثنتى عشرة، الجارية فى تخريج الكلام على مقتضى الظاهر، وعلى خلافه فى الإثبات تجرى فى النفى.
(قوله: ثم الإسناد) ثم للاستئناف النحوى، أو أنها للترتيب الذكرى فهى لعطف الجمل
(قوله: مطلقا سواء كان إلخ) أى: ولأجل هذا التعميم أتى المصنف بالاسم الظاهر دون الضمير، وإن كان المحل لئلا يتوهم عوده على الإسناد المقيد بالخبرى وارتكاب الاستخدام فى الكلام خلاف الأصل، ولا يرد أن المعرفة إذا أعيدت بلفظ المعرفة كانت عين الأولى فما لزم على الإتيان بالضمير لازم للإتيان بالاسم الظاهر؛ لأنا نقول ليس هذا كليا، بل مقيد بما إذا خلا عن قرينة المغايرة كما نص عليه فى التلويح، ومما يدل على أن المراد الإسناد مطلقا الأمثلة الآتية نحو يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً (١)، وليس المراد خصوص الخبرى كما قد يتوهم من كون البحث فى الخبرى
стр. 388
إنشائيا أو إخباريا (منه حقيقة عقلية) لم يقل: إما حقيقة وإما مجاز؛ لأن بعض الإسناد عنده ليس بحقيقة ولا مجاز؛ كقولنا: الحيوان جسم، والإنسان حيوان.
وجعل الحقيقة والمجاز صفتى الإسناد ...
===
(قوله: إنشائيا أو إخباريا) هذا يقتضى اختصاص الحقيقة العقلية والمجاز العقلى بالإسناد التام؛ لأن الإنشاء والإخبار وصفان له مع أن الحقيقة والمجاز لا يختصان بالإسناد التام، بل يكونان فى الإسناد الناقص كما فى إسناد المصدر للمفعول تقول: أعجبنى ضرب زيد، وجرى النهر، وأعجبنى إنبات الله البقل، وأعجبنى إنبات الربيع البقل، وأجاب الحفيد بأن المراد بالإنشائى والإخبارى ما فى الجملة الإنشائية والإخبارية، سواء كان تاما أو ناقصا، فيتناول ما ذكر.
(قوله: لم يقل إما حقيقة إلخ) كلامه يشعر بأنه لو قال كذلك لأفاد الحصر فى القسمين، فلذا قال: منه. ومنه لإفادة عدم الحصر- وفيه نظر؛ إذ لو عبر بقوله إما حقيقة وإما مجاز لاحتمل أن تكون القضية مانعة جمع فتجوز الخلو، وحينئذ فتثبت الواسطة فما عدل عنه مسار لما عبر به، وأجيب بأن هذا المقام مقام تقسيم والمتبادر فى مثله الانفصال المانع من الخلو، سواء كان منع الجمع أو بدونه؛ لأنه هو الذى يضبط الأقسام ويمنع الخلو عنها على أنه يكفى فى العدول توهم منع الخلو، إذ لا يجب أن تكون إما نصا فيه (قوله؛ لأن بعض الإسناد عند ليس بحقيقة ولا مجاز) أعنى نسبة الخبر للمبتدأ، لا سيما إذا كان الخبر جامدا كما فى مثال الشارح، ويدل له ما سيأتى فى كلام المصنف من أن إسناد الفعل أو ما فى معناه إلى الفاعل أو نائبه حقيقة دون غيرهما، فإسناد قائم إلى زيد فى قولك: زيد قائم ليس حقيقة ولا مجاز، وأما إسناده إلى ضميره فهو حقيقة وقوله عنده أى: وإما عند السكاكى فالإسناد منحصر فى الحقيقة والمجاز، ولذا قال الحقيقة: هى إسناد الشىء إلى ما هو له عند المتكلم فى الظاهر، والمجاز: إسناد الشىء إلى غير ما هو له عند المتكلم فى الظاهر بتأول، والشىء أعم من أن يكون فعلا أو معناه أو خبرا جامدا أو مشتقا
(قوله: صفتى الإسناد) مراده الوصف المعنوى؛ لأن الخبر وصف فى المعنى للمبتدأ.
стр. 389
دون الكلام؛ لأن اتصاف الكلام بهما إنما هو باعتبار الإسناد، وأوردهما فى علم المعانى لأنهما من أحوال اللفظ فيدخلان فى علم المعانى (وهى) أى: الحقيقة العقلية (إسناد الفعل أو معناه) ...
===
(قوله: دون الكلام) أى: كما فى المفتاح حيث قال: ثم الكلام منه حقيقة عقلية ومنه مجاز عقلى
(قوله: لأن اتصاف الكلام بهما إنما هو باعتبار الإسناد) حاصله أن المتصف بالحقيقة والمجاز فى الواقع هو ما تسلط عليه التصرف العقلى وهو الإسناد، واتصاف الكلام بهما باعتبار ما اشتمل عليه من الإسناد، فاتصاف الكلام بالحقيقة العقلية والمجاز العقلى بالتبع للأمر العقلى وهو الإسناد، واتصاف الإسناد بهما بطريق الأصالة فجعله معروضا لهما كما فعل المصنف أولى لكون ذلك بالأصالة من جعل الكلام معروضا لهما؛ لأن ذلك بطريق التبع
(قوله: وأوردهما فى علم المعاني) أى: ولم يوردهما فى علم البيان
(قوله: من أحوال اللفظ) أى: بواسطة أنهما من أحوال الإسناد كما مر أن قلت لا يلزم من كونهما من أحوال اللفظ ذكرهما فى علم المعاني، إذ ليس كل ما كان من أحوال اللفظ يذكر فى علم المعاني؛ لأنه لا يبحث عن جميع أحوال اللفظ، بل عن بعضها أعنى الأحوال التى بها يطابق اللفظ لمقتضى الحال، وأما الأحوال التى ليست كذلك كالإدغام والابدال فلا يبحث عنها فيه، أجيب بأن إضافة أحوال اللفظ للعهد أى: من أحوال اللفظ المعهودة فى هذا الفن أعنى الأحوال التى بها يطابق اللفظ مقتضى الحال كذا أجاب بعضهم، ورد بأنهما لو كانا من الأحوال المعهودة لذكر المصنف الحال التى تقتضى الحقيقة والمجاز كما ذكر فى غيره من المباحث الآتية، فالحق أن المصنف إنما ذكر الحقيقة والمجاز هنا على طريق الاستطراد.
(قوله: إسناد الفعل) أى: لفظ الفعل الاصطلاحى والمراد من الإسناد النسبة الحاصلة من ضمه لما هو له كانت النسبة إنشائية أو خبرية
(قوله: أو معناه) أى: أو إسناد دال بمعناه والمراد معناه التضمنى وهو الحدث لا المطابقي؛ لأن ما ذكر من المصدر وما معه إنما يدل على جزء معنى الفعل لا على تمام معناه وإلا كانت أفعالا، ثم إن التعريف شامل لما فيه سلب؛ لأنه يقدر فيه أن الإثبات كان قبل النفى فيصدق على قولنا: ما زيد قائم أن فيه إسناد القيام فى التقدير لمن هو له وهو زيد.
стр. 390
كالمصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، والظرف (إلى ما) أى: إلى شىء (هو) أى: الفعل أو معناه (له) أى: لذلك الشىء كالفاعل فيما بنى له؛ نحو: ضرب زيد عمرا، والمفعول فيما بنى له؛ نحو: ضرب عمرو؛ فإن الضربية لزيد والمضروبية لعمرو (عند المتكلم) ...
===
(قوله: كالمصدر إلخ) إن أدخلنا أمثلة المبالغة فى اسم الفاعل والجار والمجرور فى الظرف وهو الأظهر- كانت الكاف لإدخال اسم الفعل والمنسوب فى نحو: أتميمى أبوك، على ما فى الأول وإلا كانت لإدخال الأربعة، والظرف إنما يكون فيه معنى الفعل إذا كان مستقرا لاستقرار معنى العامل فيه لا إن كان لغوا
(قوله: أى إلى شىء) أى إلى لفظ (قوله هو له) أى: لمعنى ذلك اللفظ أى: إن مدلول الفعل ومدلول اللفظ الدال على معنى الفعل ثابت لمدلول ذلك اللفظ
(قوله: أى الفعل أو معناه) ظاهره حيث لم يؤول إفراد الضمير بما ذكر مع كون الضمير عائدا على متعدد، إنه مع العطف بأو لا يحتاج لذلك، سواء كانت للإبهام أو للتنويع كما هنا؛ وذلك لأن" أو" لأحد الشيئين أو الأشياء والأحد مفرد، لكن صرح فى المغنى بأن الابدى نص على أن حكم أو التى للتنويع حكم الواو فى وجوب المطابقة، قال: وهو الحق، وحينئذ فكان الأولى للشارح أن يقول هو أى ما ذكر من الفعل أو معناه
(قوله: كالفاعل إلخ) تمثيل للشىء والكاف استقصائية؛ لأن الشىء المسند إليه الذى ثبت له الفعل أو معناه منحصر فى الفاعل والمفعول به عند المصنف، ولا يصح أن تكون مدخلة للمبتدأ كما فى: إنّما هى إقبال وإدبار؛ لما تقرر أن الإسناد إليه من الواسطة عند المصنف.
(قوله: فيما بنى له) أى: فى فعل بنى له أى: كالفاعل المصاحب للفعل الذى بنى أى: صيغ وأسند له ففى بمعنى مع، وكذا يقال فيما بعد
(قوله: فإن الضاربية) أى:
وإنما كان الإسناد للفاعل فى المثال الأول وللمفعول فى المثال الثانى حقيقة؛ لأن الضاربية؛ إلخ، وقوله لزيد أى: ثابتة لزيد فهو خبر إن أى: بخلاف نهاره صائم، فإن الصوم ليس ثابتا للنهار، وإنما هو ثابت للشخص، فلذا كان الإسناد فيه مجازا لكونه
стр. 391
متعلق بقوله: له؛ وبهذا دخل فيه ما يطابق الاعتقاد دون الواقع (فى الظاهر) هو أيضا متعلق بقوله: له؛ وبهذا يدخل فيه ما لا يطابق الاعتقاد. والمعنى: إسناد الفعل أو معناه إلى ما يكون هو له عند المتكلم فيما يفهم من ظاهر حاله؛ وذلك بأن لا ينصب قرينة على أنه غير ما هو له فى اعتقاده. ومعنى كونه له: أن معناه قائم به
===
لغير من هو له
(قوله: متعلق لقوله له) أى: متعلق بعامله المستتر الذى هو استقر، فلا يرد أن الظرف لا يتعلق بمثله، كذا قيل، وقد يقال: لا مانع من تعلقه به حيث كان مستقر لاستقرار معنى العامل فيه عند حذف لفظه- تأمل.
(قوله: فى الظاهر) أى فى ظاهر حال المتكلم، كما أشار له الشارح.
(قوله: وبهذا يدخل فيه ما لا يطابق الاعتقاد) أى سواء طابق الواقع أم لا بأن كان غير مطابق لواحد منهما، وتوضيح المقام أن قوله ما هو له يتبادر منه إلى ما هو له بحسب الواقع، فيتناول ما يطابق الواقع أو الاعتقاد معا وما يطابق الواقع فقط ولا يتناول ما يطابق الاعتقاد دون الواقع، وما لم يطابق شيئا منهما، فإذا أريد قوله عند المتكلم دخل ما يطابق الاعتقاد فقط، وكان المطابق لهما باقيا على حاله داخلا فى الحد ويخرج به ما يطابق الواقع فقط بعد أن كان داخلا، فإذا زيد فى الظاهر دخل به فى الحد ما يطابق الواقع ولم يطابق الاعتقاد، ودخل أيضا ما لم يطابق الواقع والاعتقاد وما لم يطابق شيئا منهما وصار التعريف متناولا للأقسام الأربعة ما يطابق الواقع والاعتقاد لم يطابق شيئا منهما وما طابق الواقع دون الاعتقاد وما طابق الاعتقاد دون الواقع
(قوله: أو معناه) أى: أو ما يدل على معناه
(قوله: ذلك) أى: الفهم من ظاهر حاله حاصل بسبب أن لا ينصب قرينة أى: بسبب أن لا يلاحظ قرينة على أنه غير ما هو له، فإن لاحظها كان مجازا، فأراد بنصبها ملاحظة دلالتها على المراد ليتناول مثل قرائن الأحوال، فاندفع ما يقال الأولى أن يقول بأن لا يلاحظ قرينة؛ لأن القرينة فى المجاز العقلى ليست خاصة بالمقالية، بل تكون حالية وتعبيره بالنصب يشعر بتخصيصها بالمقالية وتفسير النصب بالملاحظة أحسن من قول بعضهم بأن لا يكون هناك قرينة؛ لأنه يفيد أن المجاز يتحقق بوجود القرينة من غير ملاحظة لدلالتها على المراد- وليس كذلك، إذ هو فى هذه الحالة
стр. 392
ووصف له، وحقه أن يسند إليه سواء كان مخلوقا لله أو لغيره، وسواء كان صادرا عنه باختياره كضرب، أو لا كمرض، ومات. فأقسام الحقيقة العقلية على ما يشمله التعريف أربعة: الأول: ما يطابق الواقع والاعتقاد جميعا ...
===
يكون الإسناد حقيقة، فمدار الحقيقة والمجاز على نصب المتكلم للقرينة وملاحظة إياها وعدم ذلك إلا أنه لما كانت الملاحظة أمرا خفيا أدير الأمر بوجودها، فلذا يعبر تارة بنصب القرينة وتارة بوجودها- كما سيأتى فى قوله لوجود القرينة.
(قوله: ووصف له) تفسير لما قبله، فالمراد بقيامه به مطلق اتصافه به وانتسابه إليه وليس المراد القيام الحقيقى حتى يكون قاصرا على المعنى الموجود ولا يشمل الاعتبارى
(قوله: وحقه أن يسند إليه) عطف مسبب على سبب، والمراد بإسناده إليه:
نسبته إليه، وسواء صلح حمله عليه أم لا، وأتى به دفعا لما يتوهم من أن المراد من كونه قائما به ووصفا له أنه لا بد أن يحمل عليه حمل مواطأة أى: حمل هو هو، فلا يشمل ما إذا كان المسند مصدرا؛ لأنه لا يحمل كذلك
(قوله: سواء كان مخلوقا إلخ) أى: سواء كان معنى ذلك الفعل مخلوقا لله نحو: جن زيد.
(قوله: أو لغيره) أى: لغير الله أى: على طريق الكسب، فأراد بالخلق ما يشمل الكسب وذلك نحو: ضرب زيد عمرا، أو يقال قوله: سواء كان مخلوقا لله يعنى: على قول أهل السنة، وقوله: أو لغيره يعنى: على قول المعتزلة (١)، فاندفع ما يقال: إن هذه العبارة أصلها للمعتزلة وقعت من الشارح سهوا
(قوله: وسواء كان) أى: ذلك الفعل بمعنى مدلوله صادرا عنه أى: عن غير الله
(قوله: أو لا) أى: ولا يكون صادرا عنه باختياره
(قوله: كمرض ومات) ظاهره أن المرض والموت صادران عن غير الله بغير اختياره مع أنهما ليسا صادرين عن غير الله أصلا، فالأولى أن يمثل بنحو: تحرك المرتعش وأجيب بأن قوله أو لا معناه: أو ليس صادرا عن غير الله باختياره وهذا صادق بصورتين: الأولى أن يكون صادرا عنه بغير اختياره كحركة المرتعش، والثانية: أن يكون
стр. 393
(كقول المؤمن: أنبت الله البقل والثانى: ما يطابق الاعتقاد ...
===
غير صادر عنه أصلا: كالمرض والموت؛ لأنها سالبة تصدق بنفى الموضوع، والمثال الذى ذكره الشارح للصورة الثانية أو أن المراد بالصدور عنه الظهور منه لا الوقوع، وحينئذ فيتحقق الصدور بهذا المعنى فى المرض والموت
(قوله: أنبت الله البقل) أى: فإن إنبات البقل فى الواقع لله وهو كذلك فى اعتقاد المؤمن، لكن محل كون الإسناد فى المثال المذكور حقيقة إذا كان المخاطب يعتقد إيمان المتكلم، وأنه ينسب الآثار كلها لله، وعلم المتكلم بذلك الاعتقاد، سواء كان المخاطب مؤمنا أو كافرا؛ لأن المفهوم من حال المتكلم فى هذه الحالة كون الإسناد لما هو له، وأما لو كان المخاطب مؤمنا أو كافرا أو كان يعتقد أن المتكلم ممن يضيف الإنبات للربيع، وعلم المتكلم بذلك الاعتقاد كان الإسناد مجازيا؛ لأن اعتقاد المخاطب يجعل قرينة صارفة عن كون الإسناد لما هو له، وانظر لو كان المخاطب مترددا فى اعتقاد المتكلم- هل هو ممن يضيف الإنبات لله أو لغيره؟ وعلم المتكلم بتردده- هل يكون الإسناد حقيقة أو مجازا؟ والظاهر أن يقال: إنه حقيقة، إذ ليس هناك قرينة صارفة عن كون الإسناد لغير من هو له، وظاهر حاله أن الإسناد لمن هو له فتأمل. اهـ. سم.
(قوله: وقول الجاهل) المراد به الكافر الذى يعتقد نسبة التأثير إلى الربيع، كما يؤخذ من مقابلته بالمؤمن، فالمراد الجاهل بالمؤثر القادر وهو الكافر
(قوله: أنبت الربيع البقل) أى: فإن إنبات البقل فى الواقع لله تعالى وفى اعتقاد الجاهل للربيع، لكن محل كون هذا الإسناد حقيقيا إذا كان المخاطب يعلم حاله، وأنه ينسب الآثار لغير الله والمتكلم عالم بذلك الاعتقاد سواء كان المخاطب مؤمنا أو كافرا مثله، أما لو كان المخاطب يعتقد خلاف حال المتكلم بأن اعتقد أنه مؤمن، وأنه ممن يضيف الإنبات لله وعلم المتكلم بذلك الاعتقاد كان الإسناد مجازيا؛ لأن اعتقاد المخاطب يجعل قرينة صارفة عن كون الإسناد لما هو له، فإن تردد المخاطب فى اعتقاد المتكلم ففيه ما تقدم، وقوله: أنبت الربيع: يحتمل أن يراد منه المطر، وأن يراد منه زمن الربيع وهو المتبادر
стр. 394
فقط، نحو (قول الجاهل: أنبت الربيع البقل) والثالث: ما يطابق الواقع فقط؛ كقول المعتزلى لمن لا يعرف حاله وهو يخفيها منه: خلق الله الأفعال كلها؛ وهذا المثال متروك فى المتن (و) الرابع: ما لا يطابق الواقع ولا الاعتقاد؛ نحو (قولك:
جاء زيد ...
===
(قوله: فقط) أى: لا الاعتقاد، لكن يكون مطابقا له فى الظاهر كما يشهد له آخر كلامه. ا. هـ. عبد الحكيم.
(قوله: لمن لا يعرف حاله) أى: لمخاطب لا يعرف ذلك المخاطب حال ذلك المعتزلى وهو أى: المعتزلى يخفيها منه أى ممن إلخ، أما لو عرف المخاطب حال المتكلم وكان المتكلم يعلم أن المخاطب عارف بحاله كان الإسناد حينئذ مجازا عقليا من الإسناد إلى السبب وهو الله فى زعمه؛ لأن تلك المعرفة قرينة صارفة عن كون الإسناد لما هو له
(قوله: وهو يخفيها) أى: تلك الحالة منه، وأما لو قال خلق الله الأفعال كأنها لمن يظهر له حاله كان الإسناد مجازا؛ لأن الإظهار قرينة صارفة عن كون الإسناد لما هو له، بل للسبب وهو الله تعالى فى زعمه، وأورد عليه أن القيد الثانى يكفى فى كون الكلام المذكور حقيقة؛ لأن المعتزلى إذا أخفى حاله من المخاطب، وقال خلق الله الأفعال لم ينصب قرينة على عدم إرادته الظاهر، فيكون حقيقة سواء عرف المخاطب حال المتكلم فى نفس الأمر أم لا، وحينئذ فالأولى الاقتصار على القيد الثاني، إذ لا حاجة للأول إلا أن يقال مراد الشارح بقوله لمن لا يعرف حاله أى: فى اعتقاده، وليس المراد لمن لا يعرف حاله فى نفس الأمر- قاله الفنرى. وقال العلامة عبد الحكيم: إن بين عدم العرفان والإخفاء عموما من وجه، إذا عدم عرفان المخاطب يجامع إظهار المتكلم وإخفاء المتكلم يجامع عرفان المخاطب، فأحد القيدين لا يغنى عن الآخر كما توهم.
بقى شىء آخر وهو ما إذا قال المعتزلى ذلك لمن يعرف حاله ولمن لا يعرفها، فيلزم أن يكون الكلام الواحد حقيقة ومجازا فى حالة واحدة ولا مانع منه بالنظر لشخصين
(قوله: خلق الله الأفعال كلها) أى: الاختيارية والاضطرارية فقد طابق هذا الإسناد الواقع؛ لأن خلق الأفعال كلها لله تعالى، ولم يطابق اعتقاد المعتزلى لاعتقاده أن
стр. 395
وأنت) أى: والحال أنك خاصة (تعلم أنه لم يجئ) دون المخاطب؛ إذ لو علمه المخاطب أيضا لما تعين كونه حقيقة لجواز أن يكون المتكلم قد جعل علم السامع بأنه لم يجئ قرينة على أنه لم يرد ظاهره ...
===
خالق الأفعال الاختيارية هو العبد
(قوله: متروك) أى: غير مذكور فى المتن أى: فى مقام التمثيل لقلة وجوده ولا يتوهم من عدم ذكره له أن الحقيقة العقلية منحصرة فى الأقسام الثلاثة لكون المقام مقام البيان، فإن المصنف صرح فى الإيضاح بأن الحقيقة العقلية أربعة أضرب وأورد الأمثلة الأربعة المذكورة هنا، وإنما قلنا أى: فى مقام التمثيل لصدق التعريف المذكور فى المتن بهذا المثال، قال العلامة عبد الحكيم: وعندى أن هذا المثال مندرج فى المثال الثالث بأن يكون المراد من قوله: وأنت تعلم أنه لم يجئ أنت تعتقد أنه لم يجئ، سواء كان ذلك الاعتقاد مطابقا للواقع أو لا، فيكون مثالا للقسمين ما لا يطابق شيئا منها وما يطابق الواقع دون الاعتقاد، والشارح تبع الإيضاح حيث صرح فيه بأن الرابع الأقوال الكاذبة التى يعلم حالها المتكلم دون المخاطب، وأنت تعلم أن اللائق بالمتن الاختصار والإدراج.
(قوله: وأنت تعلم أنه لم يجئ) أى: فذلك الإسناد من الحقيقة ولو لم يطابق واحدا منهما؛ لأنه لما هو له فيما يظهر من حال المتكلم، ولا ينافى ذلك كونه كذبا؛ لأن الكذب لا ينافى الحقيقة
(قوله: خاصة) أخذه من تقديم المسند إليه على المسند العقلى؛ لأنه يفيد الاختصاص نحو: أنا سعيت فى حاجتك
(قوله: إذ لو علمه المخاطب) أى: وكان المتكلم يعلم أن المخاطب يعلم بذلك، وإلا لم يجز أن يكون مجاز العدم تأتى جعل المتكلم علم السامع قرينة، والضمير فى علمه راجع لعدم المجىء، وقوله أيضا أى:
كما علمه المتكلم
(قوله: لجواز أن يكون إلخ) أى: فيكون مجازا عقليا إن كان الإسناد إلى زيد فى هذا المثال؛ الملابسة كأن: كان زيد هذا سببا فى مجىء الجائى حقيقة أى:
ويجوز أن المتكلم لم يجعل علم السامع قرينة على أنه لم يرد ظاهره، فيكون فى الحقيقة العقلية الكاذبة كما فى صورة عدم علم المخاطب بأن زيدا لم يجئ؛ لأن وجود القرينة بدون ملاحظتها لا يكفى فى المجاز، ويجوز أن يكون المتكلم جعله قرينة، وليس ثم ملابسة:
стр. 396
فلا يكون الإسناد إلى ما هو له عند المتكلم فى الظاهر (ومنه) أى: ومن الإسناد (مجاز عقلى) ويسمى: مجازا حكميا، ...
===
فهو مما لا يعتد به، ولا يعد من الحقيقة لهذا الجعل ولا من المجاز لعدم العلاقة، ثم إن ظاهر قول المصنف: وأنت تعلم أنه لم يجئ يقتضى أنه إذا فقد علم المخاطب بعدم المجىء تعين أن يكون الإسناد فى المثال حقيقة- وليس كذلك، بل هو محتمل كما لو كان عالما، وذلك؛ لأن المخاطب إذا لم يكن عالما بأنه لم يجئ يجوز أن يكون عالما بأن المتكلم اعتقد أنه لم يجئ، وحينئذ فإن لاحظ المتكلم اعتقاد المخاطب قرينة على أنه لم يرد ظاهره كان مجازا، وإن لم يلاحظ ذلك كان حقيقة فظهر لك أن القرينة لا تتوقف على موافقة المخاطب للمتكلم على اعتقاد عدم المجىء، كما يفهم من كلام المصنف والشارح، بل تتحقق القرينة بكون المتكلم عالما بعدم المجىء، والمخاطب عالم باعتقاد المتكلم ذلك، وظهر ذلك الاعتقاد عند المتكلم ولو كان المخاطب عالما بالمجىء، إلا أن يقال: هذه الصورة نادرة فلا تقدح فى تعين الحقيقة.
(قوله: فلا يكون الإسناد إلخ) أى: وحينئذ فيكون مجازا إن كان الإسناد لملابسة
(قوله: مجاز) أصله مجوز من: جاز المكان إذا تعداه؛ لأن الإسناد تعدى مكانه الأصلى نقلت حركة الواو للساكن قبلها، فقلبت ألفا لتحركها بحسب الأصل، وانفتاح ما قبلها بحسب الآن.
[المجاز العقلي]:
(قوله: عقلى) نسبة للعقل؛ لأن التجوز والتصرف فيه فى أمر معقول يدرك بالعقل وهو الإسناد بخلاف المجاز اللغوى، فإن التصرف فيه فى أمر نقلى: وهو أن هذا اللفظ لم يوضع لهذا المعنى، ولا يقال مقتضى هذا التوجيه أنه كان يسمى مجازا معقوليا لا عقليا؛ لأن النسبة تأتى لأدنى ملابسة
(قوله: مجازا حكميا) أى: منسوبا للحكم بمعنى الإدراك لتعلقه به فهو من نسبة المتعلق بالفتح للمتعلق بالكسر، أو أنه نسبة للحكم بمعنى النسبة والإسناد لتعلقه بها، فإن قلت: إن المجاز هو عين الإسناد والنسبة، وحينئذ فيلزم تعلق الشىء بنفسه ونسبة الشىء لنفسه، قلت: المراد بالحكم المنسوب، والمتعلق
стр. 397
ومجازا فى الإثبات، وإسنادا مجازيا (وهو إسناده) أى: إسناد الفعل أو معناه ...
===
بكسر اللام خصوص النسبة الإسنادية، والمراد بالحكم المنسوب إليه والمتعلق به مطلق نسبة، سواء كانت إسنادية أو إضافية أو إيقاعية، وحينئذ فهو من نسبة الخاص للعام أو من تعلق الخاص بالعام، وبهذا الجواب اندفع ما يقال: إن المجاز العقلى كما يكون فى الحكم، وهو النسبة التامة يكون فى النسبة الإضافية كمكر الليل والإيقاعية: كنومت الليل أى: أوقعت النوم عليه، وحينئذ فلا وجه لتلك التسمية المقتضية أنه إنما يكون متعلقا بالحكم أعنى: النسبة التامة، وحاصل الدفع أنه ليس المراد بالحكم الذى تعلق به المجاز خصوص النسبة التامة، بل مطلق نسبة، وحينئذ فالمجاز إذا كان فى الإضافية أو الإيقاعية يصدق عليه أنه متعلق بالحكم بمعنى مطلق نسبة من تعلق الخاص بالعام، وعلى تقدير أن المراد بالحكم الذى تعلق به المجاز النسبة التامة، فالتسمية المذكورة باعتبار أن كل مجاز عقلى يرجع للحكم بمعنى النسبة التامة، والإسناد إما ظاهر أو مقدر، أو باعتبار أن المجاز وإن كان فى الإضافية والإيقاعية، لكن الحكم أشرف منهما، فاعتبر الأشرف فى التسمية، وهذا لا ينافى أنه قد يكون فى غير الحكم: كالإضافية والإيقاعية
(قوله: ومجازا فى الإثبات) إن قلت: التقييد بالإثبات يقتضى عدم جريانه فى النفى وليس كذلك، ألا ترى إلى قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ (١) أجيب بأن التقييد بالإثبات لأشرفيته؛ أو لأنه الأصل؛ لأن المجاز فى النفى فرع المجاز فى الإثبات بمعنى أن النفى لا يكون مجازا إذا كان الإثبات كذلك، أو أن النفى يرجع للإثبات بالملازمة فقوله تعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ (١) جعل من قبيل المجاز، لكون إسناد الربح فى التجارة إسناد إلى غير ما هو له، أو أن ما ربحت تجارتهم بمعنى خسرت، أو أن المراد بالإثبات:
الانتساب والاتصاف، فيشمل الإيجاب والنفى، إذ فى كل منهما انتساب واتصاف.
(قوله: وإسنادا مجازيّا) أى: إسنادا منسوبا إلى المجاز واعترض بأن فيه نسبة الشىء إلى نفسه؛ لأن المجاز هو الإسناد، وأجيب بأنه من نسبة الخاص للعام؛ لأن المجاز يشمل اللغوى أيضا أى: أنه يسمى إسنادا منسوبا لمطلق مجاز من حيث إنه فرد من أفراده،
стр. 398
(إلى ملابس له) أى: للفعل أو معناه (غير ما هو له) أى: غير الملابس الذى ذلك الفعل أو معناه مبنى له؛ يعنى: غير الفاعل فى المبنى للفاعل، وغير المفعول فى المبنى للمفعول به ...
===
أو أن المراد بالمجاز المنسوب إليه المصدر أعنى: التجوز والمجاوزة، وحينئذ فالمعنى: يسمى إسنادا منسوبا للمجاوزة؛ لأن ذلك الإسناد جاوز به المتكلم أصله وحقيقته وأوصله إلى غيره، فإن قلت: إن هذا المجاز على ما يأتى لا يختص بالإسناد أعنى: النسبة التامة، بل يجرى فى الإضافية والإيقاعية، واقتصارهم على الإسناد يوهم الاختصاص- أجيب بأن اقتصارهم فى التسمية على الإسناد لأشرفيته، أو أن المراد بالإسناد مطلق النسبة من إطلاق الخاص وإرادة العام
(قوله: إلى ملابس له) أى: إلى شىء بينه وبينه ملابسة وارتباط وتعلق، ثم إنه يصح فتح الباء وكسرها فى قول المصنف: ملابس؛ لأن الملابسة مفاعلة من الطرفين، فكل واحد من الفعل وما أسند إليه ملابس بالكسر وملابس بالفتح، إلا أن المناسب لقوله يلابس الفاعل أن يقرأ بفتح الباء هنا، وكذا فى قوله الآتى: وله ملابسات شتى
(قوله: غير ما هو له) بالجر على الصفة أو بالنصب على الحال، ولا يقال على الأول فيه وصف النكرة بالمعرفة؛ لأن غير لا تتعرف بالإضافة
(قوله: مبنى له) أى: مسند له حقيقة
(قوله: يعنى غير الفاعل إلخ) حاصل ذلك أنه إذا أسند الفعل، أو ما دل على معناه للفاعل النحوى؛ فإن كان مدلول ذلك الفاعل النحوى الذى أسند إليه الفعل أو معناه هو الفاعل الحقيقى: كان الإسناد حقيقة، وإلا كان مجازا، كما إذا كان الفاعل النحوى مصدرا أو ظرفا أو سببا أو مفعولا نحو:
عِيشَةٍ راضِيَةٍ (١)، وكذلك إذا أسند الفعل أو ما دل على معناه لنائب الفاعل، فإن كان ذلك النائب النحوى مدلوله هو المفعول الحقيقى كان ذلك الإسناد حقيقة، وإلا كان مجازا كما لو كان نائب الفاعل مصدرا أو ظرفا أو فاعلا نحو قولك: أفعم السيل، فإن السيل هو الفاعل الحقيقى للإفعام؛ لأنه هو الذى يملأ الأرض، فقوله غير الفاعل أى: الحقيقى، وقوله فى المبنى للفاعل أى: النحوى، وقوله: وغير المفعول به أى: فى الواقع،
стр. 399
سواء كان ذلك الغير غيرا فى الواقع، أو عند المتكلم فى الظاهر؛ ...
===
وقوله فى المبنى للمفعول به أى: النحوى، وذلك لما تقرر من أن ما هو له فى المبنى للمعلوم هو الفاعل؛ لكون النسبة بطريق القيام مأخوذة فى مفهومه، وإن ما هو له فى المبنى للمجهول هو المفعول به؛ لكون النسبة بطريق الوقوع عليه مأخوذة فى مفهومه، ثم اعلم أن ظاهر المصنف فاسد؛ وذلك لأن الضمير المجرور فى قوله: وهو إسناد إلى ملابس له، وكذا قوله: غير ما هو له راجع للفعل أو معناه أى: لأحد الأمرين كما هو قضية، أو فالمعنى حينئذ إسناد أحد الأمرين إلى ملابس لأحدهما، وذلك الملابس غير الملابس الذى أحد الأمرين له، وهذا صادق على الإسناد في: ضرب زيد بالبناء للفاعل، إذ يصدق عليه أنه أسند أحد الأمرين- وهو الفعل- إلى ملابس لأحد الأمرين وهو زيد غير الملابس الذى له أحد الأمرين، وهو معنى الفعل فى قولنا: أمضروب عمرو، فيلزم أن يكون مجازا ولا قائل بذلك، وأشار الشارح إلى الجواب بقوله: يعنى إلخ، وحاصله أن كلام المصنف فيه إجمال، وتفصيله أن يقال: المراد إسناد أحد الأمرين إلى ملابس لذلك الأحد غير الملابس الذى له ذلك الأحد، فخرج: ضرب زيد، فإن ضرب أسند لملابس له وهو زيد، وذلك الملابس هو الذى له ذلك الفعل، ولما كان فى كلام المصنف خفاء وإبهام قال الشارح: يعنى إلخ.
(قوله: سواء كان إلخ) أشار بذلك إلى أن الأقسام الأربعة التى مرت فى الحقيقة تأتى هنا فى المجاز؛ لشمول التعريف لها أعنى ما طابق الواقع والاعتقاد معا، وما طابق الواقع فقط، وما طابق الاعتقاد فقط، وما لم يطابق واحدا منهما، والأمثلة السابقة للحقيقة العقلية تصلح بعينها أمثلة لأقسام المجاز العقلى باعتبار حال المخاطب، فمثال ما طابق الواقع والاعتقاد معا قول المؤمن: أنبت الله البقل؛ لمخاطب يعتقد أن المتكلم يضيف الإنبات للربيع، وعلم المتكلم بذلك الاعتقاد فيكون مجازا؛ لأن علمه باعتقاد المخاطب قرينة صارفة للإسناد عن ظاهره، ومثال الثانى أعنى ما طابق الواقع فقط قول المعتزلى: خلق الله الأفعال كلها، لمن يعرف حاله، وهو يعتقد أن المخاطب عالم بحاله، فيكون ذلك قرينة صارفة للإسناد عن ظاهره، ومثال الثالث أعنى: ما طابق الاعتقاد
стр. 400
وبهذا سقط ما قيل: أنه إن أراد غير ما هو له عند المتكلم فى الظاهر فلا حاجة إلى قوله: بتأول؛ وهو ظاهر، وإن أراد غير ما هو له فى الواقع خرج عنه؛ مثل قول الجاهل: أنبت الله البقل- مجازا؛ باعتبار الإسناد إلى السبب (بتأول) متعلق بإسناده؛ ومعنى التأول: تطلب ما يؤول إليه من الحقيقة، ...
===
فقط قول الجاهل: أنبت الربيع البقل؛ لمن يعتقد أن ذلك القائل يضيف الإنبات لله، وعلم ذلك القائل باعتقاده، ومثال الرابع أعنى: ما لم يطابق واحدا منهما قولك: جاء زيد، وأنت تعلم أنه لم يجىء، وأظهرت للمخاطب الكذب، ونصبت قرينة على إرادة الكذب.
(قوله: وبهذا) أى التعميم فى قوله: غير ما هو له المستفاد من قوله: سواء إلخ
(قوله: سقط ما قيل) أى: اعتراضا على المصنف، ووجه السقوط أنه حيثما عممنا فى ذلك الغير بأن أريد به ما يعم الغير فى الواقع، والغير عند المتكلم فى الظاهر صار قوله:
بتأول أى: قرينة محتاجا إليه بالنسبة إلى بعض الأفراد وهو الغير فى الواقع، ودخل فيه مثل قول الجاهل المذكور مما كان المسند إليه فيه غيرا عند المتكلم فى الظاهر.
(قوله: فلا حاجة إلى قوله بتأول) أى: لأنه لا يسند لغيرما هو له فى الظاهر إلا إذا كان هناك قرينة تدل على أن ذلك المسند إليه غير، فقوله إلى غير ما هو له:
يتضمن اعتبار القرينة
(قوله: وهو) أى: عدم الاحتياج ظاهر، لكن قد يقال: يمكن اختيار الشق الأول، ولا نسلم عدم الاحتياج، إذ دلالة الالتزام مهجورة فى التعاريف
(قوله: خرج عنه مثل قول الجاهل إلخ) أى: لأنه لعين ما هو له، وحيث خرج عنه ذلك فيكون التعريف غير جامع
(قوله: مجازا) حال من قول
(قوله: باعتبار الإسناد إلى السبب) أى: لأن الله سبب فى الإنبات عند الجاهل، والمنبت حقيقة عندهم هو الربيع
(قوله: بتأول) الباء للمصاحبة أى: إسناده إسنادا مصاحبا لتأول، ويصح أن تكون الباء للملابسة أو السببية أى: إسنادا ملابسا للتأول، أو إسناده لملابس بسبب التأول، والتأول تفعل من آل إلى كذا رجع إليه، معناه تطلب المآل الذى هو حقيقة الكلام التى يئول المجاز إليها، أو الموضع الناشئ من العقل، والمراد بتطلبهما الالتفات إليهما لينصب قرينة على إرادة خلاف الظاهر.
стр. 401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واعلم أن المجاز العقلى عند الشيخ عبد القاهر تارة يكون له حقيقة أى: فاعل يكون الإسناد له حقيقة نحو: أنبت الربيع البقل، فإن حقيقة: أنبت الله البقل، وتارة لا يكون له حقيقة أى: فاعل حقيقى نحو: أقدمنى بلدك حق لى على فلان، فالإقدام ليس له فاعل حقيقى بكون الإسناد له حقيقة، إذ هو أمر اعتبارى بخلاف قدم اللازم، فإن له فاعلا حقيقا؛ لأن القدوم أمر موجود فلا بد له من موجد، تقول: قدمت بلدك لأجل حق لى على فلان، فقول الشارح من الحقيقة إشارة للقسم الأول وهو بيان لما يئول، وفاعل يؤول ضمير يعود إلى الإسناد أى: طلب الحقيقة وملاحظتها التى يئول أى:
يرجع المجاز إليها، ومعنى رجوع المجاز إليها أنه يتفرع عنها بأن ينتقل من الحقيقة إليه بواسطة العلاقة، فهو من رجوع الفرع لأصله، مثلا المؤمن الذى يضيف الإنبات لله تقف نفسه عن إسناد الإنبات للربيع، وتلتفت إلى حقيقة الكلام وتطلبها، فإذا علمت حقيقة ذلك وأن الأصل: أنبت الله البقل بالربيع، وأن الربيع سبب عادى، فإنها تسند الإنبات إليه، وتنصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر، وكذلك إذا سمع المؤمن أنبت الربيع البقل، فإنه تقف نفسه ولا ترضى بذلك، فإذا علمت الحقيقة بعد طلبها رضيت بذلك، فقوله تطلب أى: طلب المتكلم أو المخاطب الحقيقة التى يرجع إليها المجاز، وإنما عبر بالتطلب دون الطلب للإشعار بأن الطلب لا يلزم أن يكون واقعا، بل مجرد الالتفات لدلالته على التكلف.
وقوله أو الموضع: إشارة للقسم الثانى وهو عطف على ما، وقوله من العقل:
من فيه للابتداء حال من الموضع، والمعنى أو طلب الموضع الذى يرجع المجاز إليه حال كون ذلك الموضع ناشئا من جهة العقل محضا، وإن لم يكن لذلك الموضع تحقق فى نفس الأمر بأن يكون ذلك الموضع قريبا من لفظ الفعل الذى لا فاعل له حقيقى، ويلاحظ العقل أنه أصل له، كأن يلاحظ العقل أن الإقدام راجع للقدوم وأنه أصل له، وإن لم يكن ذلك ثابتا فى الواقع فمصدوق الموضع فى المثال المذكور قدمت، وتوضيح ذلك أن المجاز الذى لا حقيقة له كما في: أقدمنى بلدك حق لى على فلان، إذا سمعت
стр. 402
أو الموضع الذى يؤول إليه من العقل؛ وحاصله: أن ينصب قرينة ...
===
النفس ذلك لا ترضى بالإسناد لكون الحق ليس فاعلا للإقدام؛ لأنه أمر متوهم لا فاعل له، فتطلب النفس الحقيقة، فيلاحظ العقل أن القدوم أصل للإقدام، وأن الأصل: قدمت لحق لى على فلان، وإن لم يكن ذلك ثابتا فى الواقع، فالإقدام له محل من جهة العقل وهو القدوم، هذا ويصح أن يكون قوله من العقل: لابتداء الطلب، والمعنى حينئذ تطلب الموضع الذى يرجع المجاز إليه حال كون ذلك الطلب مبتدأ من العقل، فالطلب فعل ممتد ومسافة لها ابتداء هو العقل.
(قوله: أو الموضع) أى: أو تطلب الموضع الذى إلخ، والمراد بالموضع المعنى المناسب لما إسناده مجازى، الذى يئول الإسناد المجازى إليه من جهة العقل أى: يرجع إليه، ويكون هو المقصود منه: كالقدوم المناسب لأقدم فى قولك: أقدمنى بلدك حق لى على زيد، وهكذا كل إسناد مجازى لا حقيقة له لعدم تحقق الفاعل أى: لعدم تحقق استعماله وقصده، على ما سيأتى قريبا.
(قوله: وحاصله إلخ) عطف على قوله ومعنى إلخ أى: أن معنى التأويل الحقيقى ما ذكر، وحاصل معناه نصب قرينة، وفيه أن نصب القرينة ليس حاصلا لذلك المعنى الذى ذكره، إذ طلب الحقيقة أو الموضع وملاحظته ليس هو نصب القرينة، والجواب أن المراد حاصله باعتبار لازمه أى: أن نصب القرينة لازم لما ذكره، فالمصنف أطلق اسم الملزوم وهو التأول أعنى: طلب الحقيقة أو الموضع، وأراد اللازم وهو نصب القرينة على طريق الكناية، إن قلت لا نسلم أن نصب القرينة لازمة لملاحظة الحقيقة أو الموضع لجواز أن يلاحظ الحقيقة أو الموضع ولا ينصب قرينة. قلت: المراد ملاحظة الحقيقة أو الموضع ملاحظة يعتد بها وهى إنما تكون مع القرينة، وبيان ذلك أن التطلب من جهة العقل ومعلوم أن تطلب العقل لشىء إنما يكون كاملا إذا كان بالدليل والأمارة وذلك هو نصب القرينة على أن المراد غير الظاهر، فإن قلت: حيث حمل التأول على نصب القرينة لم يكن لقول المصنف الآتى: ولا بد للمجاز من قرينة فائدة لعلمه من هنا، ويكون قوله من هنا، ويكون قوله فيما مر لغير ما هو له مستغنى عنه، إذ لا قرينة لما هو
стр. 403
صارفة عن أن يكون الإسناد إلى ما هو له (وله) أى: للفعل؛ ...
===
له، وأجيب بأن فائدة قوله الآتى ولا بد إلخ: التوطئة إلى تقسيم القرينة إلى لفظية ومعنوية، ولم يكتف بقوله بتأول عن قوله لغير ما هو له؛ لأن دلالته على المعنى المذكور التزامية وهى مهجورة فى التعاريف، فإن قلت: إن من لوازم المجاز العلاقة كما أن القرينة من لوازمه، وحينئذ فكان الأولى للشارح إدراجها فى التأول بأن يقول: وحاصله أن يعتبر علاقة وينصب قرينة صارفة إلخ، بل الاقتصار على العلاقة أولى؛ لأن المصنف تعرض للقرينة فيما بعد بقوله: ولا بد له من قرينة، قلت: إنما لم يدرج الشارح العلاقة فى التأول لتقدم الإشارة إليها فى قول المصنف لملابس، وذكره القرينة فيما بعد إنما هو لأجل التوطئة لتقسيمها إلى لفظية وغير لفظية.
(قوله: صارفة إلخ) ليس المراد بكون القرينة صارفة عن الحقيقة أن الإسناد لما هو له موجود، والقرينة صرفت ذلك، بل المراد أن ظاهر الكلام مع قطع النظر عنها يفيد أن الإسناد فى اللفظ ثابت لما هو له وبالنظر إليها يفيد أنه غير ما هو له
(قوله: أى للفعل) أى: أو معناه، ففيه اكتفاء، وإنما اقتصر على الفعل مع أن الأمثلة الآتية بعضها للفعل نحو: بنى الأمير المدينة، وبعضها لما فى معناه نحو: عِيشَةٍ راضِيَةٍ (١)؛ لأنه الأصل، ويبعد أن يكون المصنف أراد بالفعل اللغوى وهو الحدث لمخالفته لما مر من قوله: إسناد الفعل أو معناه؛ لأنه صريح فى أن المراد بالفعل: الفعل الاصطلاحى، وإلا لزم استدراك قوله: أو معناه.
فإن قلت: إن المصنف عد من جملة الملابسات: المصدر والمفعول به ومن جملة معنى: الفعل المصدر والصفة المشبهة واسم التفضيل والظرف؛ فيلزم ملابسة المصدر للمصدر وهو باطل؛ لأنه ملابسة الشىء لنفسه، ويلزم عليه ملابسة الصفة المشبهة واسم التفضيل والظرف للمفعول به وهو باطل؛ لأنها لا تنصبه قلت: ذلك اللزوم ممنوع لجواز أن يكون الكلام على التوزيع، فقوله والمصدر أى: فى غير المصدر، وقوله والمفعول به أى: فى غير الصفة المشبهة واسم التفضيل والظرف، فالحاصل أنه لا يلزم من
стр. 404
وهذا إشارة إلى تفصيل وتحقيق للتعريفين (ملابسات شتى) أى: مختلفة؛ جمع شتيت؛ كمريض ومرضى (يلابس الفاعل، والمفعول به، والمصدر، والزمان، ...
===
القول بملابسة الفعل ومعناه للأمور المذكورة ملابسة كل منهما لكل واحد منها، بل التفضيل فيه موكول إلى السامع العالم بالقواعد. على أنه لا يلزم من ملابسة المصدر للمصدر ملابسة الشىء لنفسه لجواز أن يكونا متغايرين وإن كانا مصدرين كما في:
أعجبنى قتل الضرب، فإن القتل ملابس للضرب لكونه سببا فيه، إذ لا بد من الملابسة بين العامل ومعموله.
(قوله: وهذا) أى: قول المصنف وله ملابسات
(قوله: إشارة) أى: ذو إشارة أو مشير
(قوله: إلى تفصيل) أى: تعيين
(قوله: وتحقيق) المراد به الذكر على الوجه الحق فهو مغاير لما قبله، والتحقيق من قوله بعد: فإسناده للفاعل إلخ
(قوله: للتعريفين) أى:
تعريف الحقيقة العقلية، وتعريف المجاز العقلى لذكره فى الأول الملابس الذى له: وفى الثانى الملابس الذى ليس هو له
(قوله: أى مختلفة) هذا تفسير باللازم، إذ الشت معناه التفرق كما يشهد له قول الشاعر:
وقل لجديد الثّوب لا بد من بلى ... وقل لاجتماع الشّمل لا بدّ من شتّ
أى: لا بد من تفرق والاختلاف لازم للتفرق
(قوله: جمع شتيت) أى:
فطابقت الصفة الموصوف
(قوله: يلابس الفاعل) هذا مستأنف استئنافا بيانيا أتى به لتفصيل الملابس، وقوله يلابس الفاعل أى: الحقيقى لصدوره منه أو قيامه به، والمراد أنه يلابسه مطلقا: سواء كان بلا واسطة أو بواسطة الحرف نحو: كفى بالله
(قوله: والمفعول به) أى: لوقوعه عليه، والمراد أنه يلابسه مطلقا: سواء كان بلا واسطة أو بواسطة حرف نحو: مررت بزيد، وضربت فى الدار، وفى يوم الجمعة، ولأجل التأديب، ولا يقال لهذه مفعول فيه ولا مفعول له؛ لأنهما إنما يطلقان على المنصوب بتقدير فى واللام على القول المشهور خلافا لابن الحاجب، وبما ذكر من التعميم ظهر وجه ترك المصنف للجار والمجرور
(قوله: والمصدر) لكونه جزء مفهومه فيلابسه بدلالته عليه تضمنا، وكذا يقال فى الزمان أو أن ملابسته للزمان لكونه لازما لوجوده.
стр. 405
والمكان، والسبب) ولم يتعرض للمفعول معه، والحال، ونحوهما؛ لأن الفعل لا يسند إليها (فإسناده إلى الفاعل، أو المفعول به إذا كان مبنيا له) (١) أى: للفاعل، أو المفعول به؛ يعنى: أن إسناده إلى الفاعل إذا كان مبنيا للفاعل، وإلى المفعول به إذا كان مبنيا للمفعول به- ...
===
(قوله: والمكان) أى: بسبب دلالته عليه التزاما باعتبار أنه لا بد من محل يقع فيه
(قوله: والسبب) أى: لحصوله به، وسواء كان السبب مفعولا أو لا كما في: بنى الأمير المدينة
(قوله: ولم يتعرض للمفعول معه) نحو: جاء الأمير والجيش
(قوله: والحال) نحو: جاء زيد راكبا
(قوله: ونحوهما) أى: كالتمييز نحو: طاب زيد نفسا، والمستثنى نحو: قام القوم إلا زيدا
(قوله: لا يسند إليها) أى: بخلاف ما ذكره، فإن الفعل يسند إليه. فإن قلت: هذه الأمور يسند إليها أيضا فيصح أن يقال في: جاء الأمير والجيش، جاء الجيش، وفى الحال: جاء الراكب إلخ، قلت: المراد إن هذه الأمور لا يصح إسناد الفعل إليها مع بقائها على معانيها المقصودة منها: كالمصاحبة فى المفعول معه، والتقييد فى الحال، والبيان فى التمييز، فإن هذه المعانى لا تفهم فيما إذا رفع الاسم وأسند إليه الفعل
(قوله: فإسناده إلى الفاعل) أى: الحقيقى لا الاصطلاحى، فالمراد بالفاعل: الفاعل الحقيقى وهو ما حق الإسناد أن يكون إليه، وهو ما يقوم به الفعل حقيقة عند المتكلم فى الظاهر، وقوله إذا كان مبنيا له أى: للفاعل النحوى، وحينئذ ففى الكلام استخدام، وكذا يقال فى المفعول به، وإنما قلنا المراد بالفاعل: الفاعل الحقيقة؛ لأجل إخراج قول المؤمن: أنبت الربيع البقل من الحقيقى؛ لأنه وإن أسند الفعل المبنى للفاعل له، ولكن ذلك الفاعل الذى أسند له الفاعل النحوى لا الحقيقى، وكذا يخرج قول الجاهل المعلوم جهله: أنبت الله البقل عن الحقيقة؛ لأن الفعل المبنى للفاعل لم يسند للفاعل الحقيقى عنده فى الظاهر، فهو وما قبله داخل فى المجاز لكونه إسنادا إلى غير الفاعل الحقيقى، لأجل الملابسة
(قوله: أى للفاعل أو المفعول به) أى: فالضمير راجع لهما وأفرد الضمير؛ لأن العطف بأو
(قوله: يعنى أن إسناد إلخ) لما كان ظاهر كلام المصنف فاسدا؛ لأنه يفيد
стр. 406
(حقيقة كما مر) من الأمثلة (و) إسناده (إلى غيرهما) ...
===
أن الفعل إذا كان مبنيا للفاعل وأسند للفاعل أو المفعول به يكون حقيقة، وإذا كان مبنيا للمفعول وأسند للفاعل أو المفعول به يكون كذلك حقيقة، مع أنه ليس كذلك؛ لأنه إذا كان مبنيا للفاعل وأسند للمفعول يكون مجازا كما في: عِيشَةٍ راضِيَةٍ (١)، وكذا إذا كان مبنيا للمفعول وأسند للفاعل يكون مجازا كما في: سيل مفعم، أشار الشارح بالعناية إلى أن فى كلام المصنف توزيعا وأن الأصل: إسناده إلى الفاعل إذا كان مبنيا له، وإسناده إلى المفعول به إذا كان مبنيا له حقيقة.
(قوله: كما مر من الأمثلة) أى: للحقيقة لا للإسناد إلى الفاعل أو المفعول، حتى يرد عليه أنه لم يذكر سابقا مثالا لإسناد المبنى للمفعول إلى المفعول
(قوله: وإلى غيرهما إلخ) قد ذكر المصنف أمثلة المجاز لإسناد الفعل المبنى للفاعل، ولم يذكر من أمثلة المجاز لإسناد الفعل المبنى للمفعول إلا واحدا أعنى: سيل مفعم، فإنه أسند فيه معنى الفعل المبنى للمفعول إلى الفاعل، فنقول إسناده إلى المصدر لا يكون إلا مجازا نحو: ضرب ضرب شديد وإسناده إلى المكان والزمان إن كان بتوسط فى ملفوظة، أو مقدرة فهو حقيقة نحو: ضرب فى الدار وفى يوم الجمعة، وإن كان على الاتساع بإجرائهما مجرى المفعول به فى اعتبار وقوع الفعل عليهما كان مجازا نحو: ضرب يوم الجمعة، وضرب الدار والمفعول له لا يسند إليه الفعل المجهول ما لم يجر باللام نحو: ضرب للتأديب، وإلا كان مثل: جلس فى الدار وإسناده إلى السبب الغير المفعول له مجاز، ولأجل إخراج إسناد المجهول إلى المكان والزمان بتوسط فى قيد قوله وإلى غيرهما بقوله للملابسة؛ لأن الإسناد لهما ليس لأجل الملابسة بالمعنى المذكور هنا، ولم يتعرض الشارح لدخول ذلك فى الحقيقة لظهوره على أنه قد يقال: إن فى صورة الإسناد بتوسط فى ملفوظة أو مقدرة الإسناد إلى مصدر الفعل حقيقة، فإن معنى قولنا: ضرب فى يوم الجمعة، أو فى الدار أوقع الضرب فيه.
стр. 407
أى: غير الفاعل، أو المفعول به؛ يعنى: غير الفاعل فى المبنى للفاعل، وغير المفعول به فى المبنى للمفعول به (للملابسة) ...
===
(قوله: أى غير الفاعل) أى: من المفعول والأربعة بعده، وقوله وغير المفعول به أى: من الفاعل والأربعة الأخيرة فصور المجاز عشرة مثل: المصنف لستة منها
(قوله: يعنى غير الفاعل فى المبنى للفاعل إلخ) اعلم أن ظاهر كلام المصنف أن الفعل المبنى للفاعل إذا أسند لغير الفاعل والمفعول به يكون مجازا، وأما إذا أسند إليهما يكون حقيقة، وكذلك الفعل المبنى للمفعول إذا أسند لغير الفاعل والمفعول به يكون مجازا، وإذا أسند إليهما يكون حقيقة- وليس كذلك، بل المبنى للفاعل إذا أسند للمفعول به يكون مجازا نحو: عِيشَةٍ راضِيَةٍ (١)، كما أن المبنى للمفعول إذا أسند للفاعل يكون كذلك نحو: سيل مفعم، فلما كان ظاهر كلام المصنف فاسدا أتى الشارح بالعناية تبيينا للمراد، وإشارة إلى أن فى كلام المصنف توزيعا
(قوله: للملابسة) أى: لملاحظتها كما أشار له الشارح بقوله لأجل إلخ، واعلم أن هذا المجاز لا بد له من علاقة كالمجاز اللغوى كذلك، وظاهر كلام المصنف أن العلاقة المعتبرة هنا هى الملابسة فقط، وأنه لا بد منها فى كل مجاز عقلى من حيث إنه جعلها علة دون غيرها بدليل الاقتصار عليها فى مقام البيان.
قال الشيخ يس: لكن يبقى هنا شىء، وهو أنه هل يكفى فى جميع أفراد هذا المجاز كون العلاقة الملابسة أو لا بد أن تبين جهتها- بأن يقال العلاقة ملابسة الفعل لذلك الفاعل المجازى من جهة وقوعه عليه، أو فيه أو به كما قالوا فى المجاز اللغوى إنه لا يكفى أن يجعل اللزوم أو التعلق علاقة، بل فرد منه؛ لأن ذلك قدر مشترك بين جميع أفراده، فلا بد أن يبين أنه من أى وجه، وسيأتى فى كلام بعض الفضلاء إشارة إلى هذا الثاني.
(قوله: يعنى لأجل إلخ) لما كان ظاهر المصنف هنا أن العلاقة هى الملابسة- بمعنى التعلق والارتباط بين الفعل والمسند إليه المجازى، وكذا على ما هو المتبادر من التعريف، ومن قوله: وله ملابسات شتى، وكان هذا غير مراد، وإنما المراد أن العلاقة هى المشابهة
стр. 408
يعنى: لأجل أن ذلك الغير يشابه ما هو له فى ملابسة الفعل (مجاز كقولهم:
عِيشَةٍ راضِيَةٍ (١)) ...
===
بين المسند إليه الحقيقى والمسند إليه المجازى فى الملابسة أى: فى تعلق الفعل بكل منهما وإن كانت جهة التعلق مختلفة- أتى الشارح بالعناية إشارة إلى أنه ليس المراد بالملابسة فى كلام المصنف التعلق بين الفعل والمسند إليه المجازى كما مر، بل المراد بها هنا المشابهة والمحاكاة والمناظرة بين المسند إليه المجازى والحقيقى فى التعلق، فقول الشارح يعنى لأجل أن ذلك الغير أى: المسند إليه المجازى كالنهر فى قولك: جرى النهر يشابه ما هو له أى:
يشابه المسند إليه الحقيقى كالماء فى قولك: جرى الماء، وقوله فى ملابسة الفعل أى: وهو الجرى، فالجرى يلابس الماء من جهة قيامه به، ويلابس النهر من جهة كونه واقعا فيه.
ولا يقال حيث كانت علاقة هذا المجاز المشابهة كان من الاستعارة؛ لأنا نقول الاستعارة: لفظ استعمل فى غير ما وضع له لعلاقة المشابهة، والإسناد ليس بلفظ، وما وقع فى تسميته استعارة فليس المراد منه الاستعارة الاصطلاحية، بل ذلك على سبيل النقل والاشتراك اللفظى، والحاصل أن العلاقة فى هذا المجاز المشابهة بين المسند إليه المجازى والمسند إليه الحقيقى فى تعلق الفعل بكل لأجل صحة إسناده لذلك المجازى، والعلاقة فى الاستعارة المشابهة بين المعنى المجازى والمعنى الحقيقى لأجل صحة نقل اللفظ من المعنى الحقيقى للمعنى المجازى.
قال الفنرى: إن قلت لأى شىء حول الشارح العبارة وفسر الملابسة بمشابهة ذلك الغير لما هو له، ولم يفسرها بارتباط الفعل بالمسند إليه الذى ليس هو له، مع أن ذلك كاف فى إسناد الفعل إليه. قلت: الباعث له على اختيار ذلك أن ملاحظة المشابهة المذكورة أدخل وأتم فى صرف الإسناد الذى هو حق ما هو له إلى غيره وإن كفى فيه مجرد الملابسة المذكورة
(قوله: كقولهم) أى: كالإسناد فى قولهم، وقوله: عِيشَةٍ راضِيَةٍ فى حاشية شيخنا الحفنى: أصله رضى المؤمن عيشته، ثم أقيم عيشة مقام المؤمن
стр. 409
فيما بنى للفاعل وأسند إلى المفعول به؛ إذ العيشة مرضية (وسيل مفعم) فى عكسه؛ أى: فيما بنى للمفعول وأسند إلى الفاعل؛ لأن السيل هو الذى يفعم؛ أى: يملأ؛ ...
===
للمشابهة بينهما فى تعلق الفعل وهو الرضا بكل، فصار رضيت عيشة وهو فعل مبنى للفاعل، فاشتق اسم الفاعل منه، وأسند إلى ضمير المفعول وهو عيشة بعد تقديمه، وجعله مبتدأ ثم حذف المضاف إليه اكتفاء بالمبتدأ فى مثل قوله: عيشة زيد راضية، وقرر شيخنا العدوى: أن أصل هذا التركيب عيشة رضيها صاحبها، فالرضا كان بحسب الأصل مسندا للفاعل الحقيقى وهو الصاحب، ثم حذف الفاعل وأسند الرضا إلى ضمير العيشة، وقيل عيشة رضيت لما بين الصاحب والعيشة من المشابهة فى تعلق الرضا بكل وإن اختلفت جهة التعلق؛ لأن تعلقه بالصاحب من حيث الحصول منه، وبالعيشة من حيث وقوعه عليها، فصار ضمير العيشة فاعلا نحويّا لا حقيقيّا، ثم اشتق من رضيت راضية ففيه معنى الفعل، وأسند إلى المفعول.
قال الفنرى: مذهب الخليل أنه لا مجاز فى هذا التركيب، بل الراضية بمعنى ذات رضا حتى تكون بمعنى مرضية فهو نظير: لابن وتامر وهو مشكل بدخول التاء؛ لأن هذا البناء يستوى فيه المذكر والمؤنث، ويمكن الجواب يجوز جعلها للمبالغة لا للتأنيث كعلامة
(قوله: فيما بنى للفاعل وأسند إلى المفعول به) أشار بذلك إلى أن الشاهد فى إسناد راضية للضمير المستتر أعنى ضمير العيشة؛ لا أن الشاهد فى إسناد راضية إلى العيشة؛ لأن الإسناد إلى المبتدأ واسطة عند المصنف بين الحقيقة والمجاز، وكذا يقال فيما بعد من الأمثلة، وقوله فيما بنى للفاعل: حال من قولهم المذكور على حذف، والتقدير كائنا فيما بنى مسنده للفاعل، على أن الظرفية من ظرفية الخاص فى العام، وقوله وأسند إلى المفعول به أى: الحقيقى وإلا فالمسند إليه هنا فاعل نحوى
(قوله: وسيل مفعم) أصله كما قال السيرامى: أفعم السيل الوادى بمعنى: ملأه، ثم أفعم للمفعول واشتق منه اسم المفعول وأسند لضمير الفاعل الحقيقى وهو السيل بعد تقديمه وجعله مبتدأ، فقول الشارح: وأسند إلى الفاعل أى: الحقيقى، وإلا فالمسند إليه هنا: نائب فاعل.
стр. 410
من: أفعمت الإناء: ملأته (وشعر شاعر) فى المصدر، والأولى التمثيل بنحو: جد جده؛ لأن الشعر هنا بمعنى المفعول (ونهاره صائم) ...
===
(قوله: من أفعمت الإناء) راجع لقوله مفعم قال الحفيد: الأولى أن يقول من أفعم الماء الإناء بدليل قول الشارح: لأن السيل هو الذى يفعم، والسيل والماء بمعنى، وأجيب بأن الحامل له على ذلك أن ذلك التعبير هو الشائع فى عباراتهم، وقال عبد الحكيم: لم يقل من أفعم الماء الإناء؛ لأن الماء ليس بمفعم للإناء، بل آلة للإفعام بخلاف السيل، فإنه مفعم للوادى.
(قوله: وشعر شاعر) أى: فقد أسند ما هو بمعنى الفعل أعنى: شاعر إلى ضمير المصدر، وحقه أن يسند للفاعل أعنى: الشخص؛ لأنه الفاعل الحقيقى بحيث يقال شعر شاعر صاحبه، لكن لما كان الشعر شبيها بالفاعل من جهة تعلق الفعل بكل منهما صح الإسناد إليه مجازا
(قوله: فى المصدر) أى: فيما بنى للفاعل وأسند للمصدر وكذا يقال فيما يأتى.
(قوله: جد جده) أى: جد اجتهاده، وأصله جد زيد جدّا أى: اجتهادا؛ لأن حق الجد أن يسند للفاعل الحقيقى وهو الشخص لا للجد نفسه، لكن أسند إليه لمشابهته له فى تعلق الفعل بكل منهما؛ لأن ذلك الفعل صادر من الشخص، والمصدر جزء معنى ذلك الفعل
(قوله: لأن الشعر هنا) أى: الذى هو مصدوق الضمير فى شاعر بمعنى المفعول أى: الكلام المؤلف أى: وحينئذ فهو من باب عِيشَةٍ راضِيَةٍ أى: من قبيل المبنى للفاعل المسند للمفعول، وليس من قبيل ما بنى للفاعل وأسند للمصدر الذى كلامنا فيه بخلاف: جد جده، فإنه من ذلك القبيل إن قلت: حيث كان كذلك، فالتمثيل بجد جده هو الصواب لا الأولى فقط، قلت: إن الشعر يحتمل أن يكون باقيا على مصدريته بمعنى تأليف الكلام فيكون من ذلك القبيل، فالحاصل إن جد جده من قبيل المبنى للفاعل المسند للمصدر قطعا، وأما شعر شاعر: فيحتمل أن يكون من ذلك القبيل، ويحتمل أن يكون من باب عيشة راضية، وما لا احتمال فيه أولى مما فيه احتمال، ومن هذا تعلم أن قول الشارح؛ لأن الشعر هنا بمعنى المفعول أى: بحسب المتبادر للفهم، وإن جاز أن يكون بمعنى التأليف.
стр. 411
فى الزمان (ونهر جار) فى المكان؛ لأن الشخص صائم فى النهار، والماء جار فى النهر (وبنى الأمير المدينة) فى السبب. وينبغى أن يعلم أن الإسناد العقلى يجرى فى النسبة الغير الإسنادية أيضا: من الإضافية، والإيقاعية؛ ...
===
(قوله: فى الزمان) أى فيما بنى للفاعل وأسند للزمان لمشابهته للفاعل الحقيقى فى ملابسة الفعل لكل منهما
(قوله: فى المكان) أى: فيما بنى للفاعل وأسند للمكان
(قوله: جار فى النهر) أى: فى الحفرة التى يكون الماء فيها
(قوله: فى السبب) أى: فيما بنى للفاعل وأسند للسبب الآمر، ونحو: ضرب التأديب فيما أسند للسبب الغائى؛ لأن السبب نوعان، واعلم أن القرينة فى جميع ما ذكر من الأمثلة الاستحالة العقلية، إلا فى الإسناد إلى السبب الآمر، فإنها الاستحالة العادية، والعلاقة فى الجميع الملابسة بمعنى:
مشابهة الفاعل المجازى للفاعل الحقيقى فى تعلق الفعل بكل منهما، وإن اختلفت جهة التعلق؛ لأن تعلقه بالفاعل الحقيقى تعلق صدور منه، وتعلقه بالفاعل المجازى من جهة وقوعه عليه أو فيه، أو من جهة كونه جزءا له إلى آخر ما مر، ومن هذا يؤخذ أنه لا بد فى المجاز العقلى من تبيين جهة الملابسة بين الفاعل الحقيقى والمجازى كما ذكره بعضهم.
(قوله: وينبغى أن يعلم إلخ) القصد من هذا الكلام: الاعتراض على المصنف بأن تعريفه للمجاز غير جامع، وتقرير الاعتراض أن تقول: إن المصنف جعل الجنس فى تعريف المجاز: الإسناد، والنسب الإضافية والإيقاعية ليست من الإسناد؛ لأنه عبارة عن النسبة التامة، وحينئذ فلا يشملها التعريف مع أن المجاز العقلى يجرى فيهما أيضا، وحينئذ فالتعريف غير جامع، وأشار بقوله اللهم إلخ للجواب عنه
(قوله: إن المجاز العقلى) أى: وكذلك الحقيقة العقلية تجرى فى الإضافة كقولك: أعجبنى جرى الماء فى النهر، وفى الإيقاعية نحو: نومت ابنى فى الليل، فلا تختص الحقيقة ولا المجاز بالنسبة الإسنادية كما توهمه كلام المصنف، وحينئذ فكل من تعريف الحقيقة والمجاز غير جامع، وجواب الشارح الآتى بالنظر لتعريف المجاز، ويعلم منه الجواب عن تعريف الحقيقة بطريق القياس
(قوله: أيضا) أى: كما يجرى فى الإسنادية، وقوله من الإضافية: بيان للغير، والمراد بالإضافية النسبة الواقعة بين المضاف والمضاف إليه، والإيقاعية: هى نسبة
стр. 412
نحو: أعجبنى إنبات الربيع البقل، وجرى الأنهار. قال الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما (١)، ومَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ (٢)، ونحو: نومت الليل، وأجريت النهر. قال الله تعالى: وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (٣) ...
===
الفعل للمفعول، فإن الفعل المتعدى واقع على المفعول أى: متعلق به. ثم إن ظاهر الشارح يقتضى أن الإيقاعية غير تامة، مع أن نسبة الفعل للمفعول إنما تعتبر بعد التمام فكان الأولى الاقتصار على الإضافية، إلا أنه يقال: إنه التفت إلى نسبة الفعل للمفعول فى حد ذاته بقطع النظر عن نسبته للفاعل، ولا شك أنها غير تامة.
(قوله: نحو أعجبنى إلخ) مثال للإضافية، وقوله ونحو نومت إلخ: مثال للإيقاعية، ولذا فصل بنحو
(قوله: وجرى الأنهار) جعل هذا وما بعده من المثالين من المجاز فى النسبة الإضافية، إذا جعلت الإضافة بمعنى اللام، وأما لو جعلت بمعنى (في) فلا يكون مجازا، بل حقيقة، والحاصل أنه لا بد من النظر لقصد المتكلم ونفس الأمر، فإن كان ما قصده مناسبا بحسب نفس الأمر فحقيقة، وإلا فمجاز، ومجرد مناسبة نوع من الإضافة لا يقتضى أن تكون حقيقة ما لم يقصده
(قوله: شِقاقَ بَيْنِهِما) الشقاق هو النزاع والخلاف، وأصل الكلام وإن خفتم شقاق الزوجين فى الحالة الواقعة بينهما، ومكر الناس فى الليل والنهار، فأضيف المصدر فى الأول للمكان؛ لأن البين اسم مكان، وفى الثانى للزمان فهو من إضافة المصدر لفاعله المكانى فى الأول، والزمانى فى الثانى
(قوله: نومت الليل) أى: أوقعت التنويم على الليل، والأصل: نومت الشخص فى الليل
(قوله: وأجريت النهر) أى: أوقعت الإجراء عليه، والأصل أجريت الماء فى النهر (قوله وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ) أى: فقد أوقع الإطاعة على الأمر وحقها الإيقاع على ذى الأمر؛ لأنه هو المفعول به حقيقة، فالأصل: ولا تطيعوا المسرفين فى أمرهم، فقد حذف فى هذه الأمثلة ما حق الفعل أن يوقع عليه، وأوقع على غيره- تأمل.
стр. 413
والتعريف المذكور إنما هو للإسنادى اللهم إلا أن يراد بالإسناد مطلق النسبة؛ وهاهنا مباحث شريفة وشحنا بها الشرح (وقولنا) فى التعريف: (بتأول- يخرج) نحو: (ما مر من قول الجاهل): أنبت الربيع البقل- رائيا أن الإنبات من الربيع؛ فإن هذا الإسناد وإن كان إلى غير ما هو له فى الواقع لكن لا تأول فيه؛ لأنه مراده، وكذا: شفى الطبيب المريض، ونحو ذلك ...
===
(قوله: والتعريف المذكور إنما هو للإسنادى) هذا مصب الاعتراض أى: وحينئذ فالتعريف غير جامع
(قوله: اللهم إلا أن يراد إلخ) أى: فيكون مجازا مرسلا من باب إطلاق المقيد على المطلق: كإطلاق المرسن على الأنف، فإن الإسناد هو النسبة التامة، واستعمل فى مطلق النسبة، سواء كانت النسبة تامة كالإسنادية أو غير تامة كالإضافية والإيقاعية، وعبر بقوله: اللهم إشارة إلى استبعاد هذا الجواب، إذ المعنى أترجّى من الله أن يكون هذا جوابا، ووجه بعده ما يرد عليه. أن إطلاق المقيد على المطلق: مجاز، وهو لا يدخل التعاريف- اللهم إلا أن يدعى أن هذا المجاز مشهور فيما بينهم، وأجاب فى المطول عن أصل الاعتراض بإن المراد بالإسناد أعم من أن يكون صريحا، بأن يدل عليه الكلام بصريحه، أو مستلزما بأن يكون الكلام مستلزما له، فالمجازات المذكورة وإن لم تكن إسنادات صريحة، لكنها مستلزمة لها فقوله شِقاقَ بَيْنِهِما مستلزم لقولنا البين مشاقق، ومَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ (١) يستلزم الليل والنهار ماكران، وقوله لا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (٢) يستلزم الأمر مطاع
(قوله: وشحنا إلخ) من التوشيح وهو إلباس الوشاح: أريد لازمه وهو التزين أى: زيناه بها
(قوله: وقولنا إلخ) اعترض بأن هذا بيان لفائدة قيود الحد، وحينئذ فكان الواجب عدم فصله عن الحد وتقديمه على قوله: وله ملابسات إلخ، ففى صنعه سوء ترتيب، وأجيب بأن قوله وله ملابسات إلخ: تبيين للحد وتحقيق لمعناه، فينبغى أن لا يتخلل بينه وبين الحد كلام آخر. فلو لم يؤخر ذكر فائدة قيود الحد لحصل سوء الترتيب
(قوله: الجاهل) أى: بالمؤثر القادر
(قوله: رائيا) أى: معتقدا وهذا بيان لكونه جاهلا، لا أنه قدر زائد عليه
(قوله: لكن لا تأول فيه) أى: لأنه لم ينصب قرينة صارفة عن كون الإسناد لما هو له، وحينئذ فهو حقيقة لا مجاز
(قوله: لأنه) أى: الإسناد للربيع
(قوله: ومعتقده) عطف علة على معلول
(قوله: وكذا شفى إلخ) بيان لنحو ما مر أى: وكذا قول الجاهل شفى إلخ
(قوله: ونحو ذلك)
стр. 414
فقوله: بتأول- يخرج ذلك، كما يخرج الأقوال؛ وهذا تعريض بالسكاكى حيث جعل التأول لإخراج الأقوال الكاذبة فقط، وللتنبيه على هذا تعرض المصنف فى المتن لبيان فائدة هذا القيد مع أنه ليس ذلك من دأبه فى هذا الكتاب، واقتصر على بيان إخراجه لنحو قول الجاهل مع أنه يخرج الأقوال الكاذبة أيضا (ولهذا) أى:
ولأن مثل قول الجاهل خارج عن المجاز لاشتراط التأول فيه- (لم يحمل نحو قوله (١):
أشاب الصغير وأفنى الكبي ... ر كرّ الغداة ومرّ العشى
===
أى: مما طابق الاعتقاد دون الواقع، كما فى إسناد الفعل للأسباب العادية إذا كان يعتقد تأثيرها نحو: أحرقت النار الحطب، وخرق المسمار الثوب، وقطع السكين الحبل، فالإسناد فى الجميع إذا صدر من الجاهل حقيقة عقلية لانتفاء التأول فيها كما بينه الشارح
(قوله: يخرج ذلك) أى: يخرج قول الجاهل: أنبت الربيع البقل، ونحو ذلك القول.
(قوله: كما يخرج الأقوال الكاذبة) أى: كقولك: جاء زيد، وأنت تعلم أنه لم يجىء، فإن إسناد الفعل فيه وإن كان لغير ما هو له، لكن لا تأول فيه أى: إنه لم ينصب قرينة صارفة عن أن يكون الإسناد إلى ما هو له، ثم إن ظاهر الشارح أن قول الجاهل المذكور ليس من الأقوال الكاذبة مع أنه منها، وأجيب بأن المراد بالأقوال الكاذبة التى يعتقد المتكلم كذبها قاصدا ترويجها بقدر الإمكان، وقول الجاهل ليس منها بهذا الاعتبار؛ لأنه يعتقد صدقها
(قوله: وهذا) أى: قول المصنف، وقولنا إلخ
(قوله: للتنبيه على هذا) أى:
التعريض وهو علة لقوله تعرض إلخ: مقدمة على المعلول
(قوله: واقتصر إلخ) عطف على قوله تعرض فعلتهما واحدة
(قوله: أى ولأن مثل إلخ) أى: ولأجل أن قول الجاهل وما ماثله خارج عن المجاز أى: وداخل فى الحقيقة لم يحمل إلخ، وقوله لاشتراط التأول فيه أى:
فى المجاز، ولا تأول فى قول الجاهل ولا فيما ماثله
(قوله: نحو قوله) أى: الصلتان العبدى
стр. 415
(على المجاز) أى: على أن إسناد: أشاب، وأفنى إلى كر الغداة ومر العشى- مجاز (ما) دام (لم يعلم ...
===
الحماسى كما فى المطول نسبة لعبد القيس، ونسب الجاحظ فى كتاب الحيوان هذه الأبيات للصلتان الضبى، قال هو غير الصلتان العبدى، والصلتان الفهمى، والصلتان فى الأصل الماضى فى أمره وشأنه، ومنه سيف صلتانى والصلتان العبدى: اسمه قثم بن حبيبة بن عبد القيس، والبيت المذكور من المتقارب محذوف العروض والضرب، فالعشى بتخفيف الياء ساكنة لتوافق ضرب باقى الأبيات وهو مدور نصفه الياء، من الكبير، وبعده:
إذا ليلة أهرمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتى
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضى
تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقى
ومعنى البيت أن كرور الأيام، ومرور الليالى تجعل الصغير كبيرا، والطفل شابا، والشيخ فانيا.
(قوله: على المجاز) أى: بل يحمل على الحقيقة التى هى الأصل فى الكلام، وإن كانت كاذبة
(قوله: أى على أن إسناد إلخ) فيه إشارة إلى أن الكلام محمول على الحذف أى: لم يحمل إسناد نحو قوله: أو أن قوله على المجاز أى: على الإسناد المجازى، أو على التجوز من إجراء وصف الجزء على الكل
(قوله: ما دام إلخ) زيادة لفظة دام غير ضرورية؛ لأن المصدرية الظرفية يصح وصلها بالمضارع المنفى، ويمكن أن يقال: إنما زادها؛ لأن فهم كونها مصدرية ظرفية مع دام أقرب منه مع غيرها- قاله سم. لكن قد يقال: إن حذف الأفعال الناقصة لا يجوز سوى كان سيما حذف الصلة، فالأولى ما ذكره عبد الحكيم: من أن الشارح ليس مراده أن لفظة دام مقدرة، بل مراده بيان حاصل المعنى بجعل ما مصدرية نائبة عن ظرف الزمان المضاف للمصدر المؤول صلتها به أى: لم يحمل على المجاز مدة انتفاء العلم والظن، حتى إنه إذا تحقق أحدهما حمل على المجاز
(قوله: ما لم يعلم أو يظن إلخ) أى: إنه ينتفى الحمل على المجاز مدة انتفاء العلم والظن باعتقاد قائله خلاف الظاهر، بأن علم أن قائله يعتقد الظاهر، أو ظن ذلك أو شك
стр. 416
أو) لم (يظن أن قائله) أى: قائل هذا القول ...
===
فيه، ففى الأحوال الثلاثة يحمل على الحقيقة؛ لأنها الأصل، وقول الشارح: لاحتمال إلخ، تعليل قاصر على صورة الشك، ولعله ترك تعليلى صورة العلم والظن لظهورهما، وخرج بقوله ما لم يعلم أو يظن ما إذا علم أنه لا يعتقد الظاهر أو ظن؛ ذلك لأنه فى هاتين الحالتين يحمل على المجاز ويكون حاله المعلوم أو المظنون قرينة صارفة للإسناد عن ظاهره.
والحاصل أن صور الحقيقة ثلاث علم أو ظن اعتقاد المتكلم للظاهر، والثالثة الشك فى ذلك، وصور المجاز اثنتان ما إذا علم عدم اعتقاده للظاهر، أو ظن ذلك فمنطوق القيد فى كلام المصنف صور الحقيقة الثلاث ومفهومه صورتا المجاز.
(قوله: أو يظن) إذا قوبل العلم بالظن يراد بالظن ما عدا العلم فيشمل الجزم الغير الراسخ بأن قائله يعتقد ظاهره، فاندفع ما يقال إنه لا يكفى فى عدم الحمل على الحقيقة انتفاء العلم والظن بأن قائله لم يعتقد ظاهره، بل لا بد من انتفاء التصديق مطلقا ولو عن تقليد، إذ يكفى فى الحمل على الحقيقة الجزم الغير الراسخ مطابقا أم لا، فلو قال المصنف ما لم يعتقده أو يظن لكان أحسن، هذا ولم يعد المصنف حرف النفى فى يظن إشارة إلى أن التركيب من قبيل عطف المنفى على المنفى لا من قبيل العطف على النفى، إذ المعنى على عموم النفى للعلم والظن، وهذا العموم إنما يتحقق بذلك؛ لأن أو التى لأحد الشيئين واقعة فى حيز النفى فيستفاد العموم الذى هو المقصود؛ لأن انتفاء الأحد الدائر لا يتحقق إلا بانتفاء الأمرين جميعا، ولو أعاد المصنف حرف النفى لربما توهم أن مجموع الجازم والمجزوم عطف على مثله، وأن المعنى على أحد النفيين وأن انتفاء أحدهما يكفى فى الحمل على المجاز مع أنه لا بد فيه من كلا الانتفاءين، ومتى وجد أحدهما بدون الآخر تعين الحمل على الحقيقة، وأعاد الشارح حرف النفى تبيينا لمراد المصنف، وهو أن يظن معطوف على نفس المجزوم لا مرفوع عطفا على مجموع الجازم والمجزوم ولا منصوب بأن مضمرة على حد حديث: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (١)، أو يقول أحدهما للآخر: اختر.
стр. 417
(لم يعتقد ظاهره) أى: ظاهر الإسناد لانتفاء التأول حينئذ لاحتمال أن يكون هو معتقدا للظاهر فيكون من قبيل قول الجاهل: أنبت الربيع البقل (كما استدل) ...
===
قال العلامة الفنرى: ويصح أن تكون أو فى قوله: أو يظن بمعنى إلا، كما في:
لأقتلن الكافر أو يسلم، أو بمعنى إلى كما في: لألزمنّك أو تقضينى حقى، والمعنى حينئذ أن الحمل على المجاز منتف ما دام انتفاء العلم، إلا أن يتحقق الظن أو إلى أن يتحقق الظن بأن قائله لم يرد ظاهره، فإن الحمل على المجاز يوجد حينئذ
(قوله: لم يعتقد ظاهره) الأولى لم يرد ظاهره؛ لأن عدم الاعتقاد فى نفس الأمر لا يكفى فى الحمل على المجاز، بل لا بد من عدم الإرادة بنصب القرينة.
والحاصل أنه لا بد فى الحمل على المجاز من العلم أو الظن بعدم إرادة الظاهر بنصب القرينة.
(قوله: أى ظاهر الإسناد) هو مع قوله أى: قائل هذا القول يقتضى تشتيت الضمائر فكان الأولى أن يرجع ضمير ظاهره للقول كما رجع إليه ضمير قائله.
قال شيخنا العدوى: ويمكن أن يقال: إن الحامل للشارح على ترجيع الضمير الثانى للإسناد كون الحقيقة والمجاز صفتين للإسناد لا للقول كما مر، أو التنصيص على اعتقاد ظاهر الإسناد، إذ لو رجع الضمير الثانى أيضا للقول لم يكن فيه تعرض نصا للإسناد لجواز إرادة ظاهر هذا القول دون إسناده، فيفوت المقصود- كما أفاده سم.
(قوله: لانتفاء التأول) أى: لانتفاء نصب القرينة الصارفة عن كون الإسناد لما هو المشروط فى تعريف المجاز وهذا علة لعلية قوله: ولهذا أى: وإنما كان علة لانتفاء التأول، وقوله حينئذ أى: حين إذ عدم العلم أو الظن باعتقاد قائله خلاف الظاهر
(قوله: لاحتمال أن يكون إلخ) علة لانتفاء التأول فهو علة للعلة، واعترض سم هذا التعليل بأن انتفاء التأول لا يترتب على هذا الاحتمال؛ لأن التأول نصب القرينة ومع نصبها يحتمل أن يكون ذلك القائل معتقدا للظاهر؛ لأن نصب القرينة ليس دليلا قطعيا على إرادة خلاف الظاهر حتى ينتفى الاحتمال، سلمنا أن نصب القرينة الصارفة عن كون الإسناد لما هو له دليل قطعى على إرادة خلاف الظاهر، فنقول: إن انتفاء التأول لا ينحصر فى هذا الاحتمال، بل يمكن مع احتمال عدم اعتقاد الظاهر؛ لأنه قد لا يعتقد
стр. 418
يعنى: ما لم يعلم، ...
===
الظاهر ولا ينصب قرينة، وأجيب عن الأول بان المراد احتمال ذلك احتمالا معتبرا ومع نصب القرينة لا اعتبار بالاحتمال، أو المراد احتمال ذلك من اللفظ لا فى حد ذاته، بل مع ملاحظة الأمور الخارجية وما نعلمه من أحوال المتكلم، ولا يكون ذلك إلا عند انتفاء القرينة، وأجيب عن الثانى بأن المعتبر إنما هو الاعتقاد بحسب ظاهر الحال لا نفس الأمر، فلا أثر لذلك الاحتمال
(قوله: يعنى ما لم يعلم ولم يستدل) فيه نظر؛ لأنه يقتضى أنه متى فقد العلم كان مجازا، ولو وجد الظن بأن قائله يعتقد ظاهره، مع أنه لا بد فى مجازيته من انتفائهما كما مر، فكان الأولى أن يزيد أو يظن كما مر، والجواب أن المراد بالعلم هنا مطلق الإدراك، فيتناول الظن أو فى الكلام اكتفاء.
بقى شىء آخر: وهو أن الصلتان قد ذكر بعد عدة أبيات كلاما يدل على أنه لم يرد ظاهر الإسناد، وأنه موحد من جملته:
ألم تر لقمان أوصى بنيه ... وأوصيت عمرا ونعم الوصى
ومراده بوصاية لقمان قوله: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ (١) إلخ ومن جملته:
فملّتنا أنّنا المسلمون ... على دين صدّيقنا والنّبى (٢)
فإن هذا كله صريح فى أنه موحد، بل دلالته على ذلك أظهر من دلالة قول أب ى النجم (٣): أفناه قيل الله إلخ؛ لأن المنجمين يقولون- كما فى الحفيد على المطول-: إن الله خلق الكواكب وهى مؤثرة فى العالم السفلى، وإذا كان فى كلامه ما يدل على أنه موحد، وأنه لم يرد ظاهر الإسناد، فكيف يقول المصنف ما لم يعلم إلخ، إلا أن يقال ليس فى كلام المصنف ما يقتضى أنه قاطع بعدم علمه بأن الصلتان غير موحد، وإنما غرضه أنه ما لم يعلم أو يظن أنه لم يرد ظاهره لا يحمل على المجاز، وهذا لا ينافى العلم بأنه لم يرد ظاهره
стр. 419
ولم يستدل بشىء على أنه لم يرد ظاهره مثل الاستدلال (على أن إسناد: ميز) إلى جذب الليالى (فى قول أبى النجم (١): ...
===
(قوله: ولم يستدل) من عطف اللازم على الملزوم؛ لأنه يلزم من نفى العلم والظن نفى الاستدلال، وأتى الشارح بذلك اللازم للإشارة إلا أن التشبيه باعتباره لأجل أن يلتئم التشبيه لاتفاق المشبه والمشبه به حينئذ، وظاهر المتن تشبيه العلم والظن المنفى كل منهما بالاستدلال، وهو غير مناسب لعدم الالتئام بينهما، وعبر الشارح بالعناية لعدم ذكر ذلك اللازم فى كلام المصنف.
والحاصل أن قوله كما استدل: تشبيه بانتفاء العلم والظن باعتبار ما يلزمهما من نفى الاستدلال، والمناسبة بين المشبه والمشبه به حاصله نظرا لذلك اللازم- كذا ذكر العلامة يس، ومحصل ما أفاده العلامة عبد الحكيم: أن الشارح أتى بتلك العناية إشارة إلى أن فى كلام المصنف حذف المشبه، والأصل ما لم يعلم أو يظن أن قائله لم يعتقد ظاهره، ولم يستدل بشىء على ذلك استدلالا كالاستدلال إلخ، فقوله كما استدل مفعول مطلق لفعل محذوف دل عليه لم يعلم. وعلى هذا فيكون التشبيه أظهر لكون المشبه والمشبه به متحدين لفظا ومعنى، لكن هذا الاحتمال فيه تكلف لا حاجة إليه على أنه يوجب أن يتوقف الحمل على المجاز على الاستدلال، مع أنه كثيرا ما يحمل على المجاز لظهور استحالة قيام المسند بالمسند إليه عقلا، إلا أن يقال إنه لا يلزم من توقف الحمل على الاستدلال فيما ذكر توقفه عليه مطلقا، أو يقال المراد بالاستدلال المعنى اللغوى لا الاصطلاحى المقابل للبديهة، فلا يرد حينئذ أن عدم إرادة الظاهر قد يكون بديهة: كاستحالة قيام المسند بالمسند إليه، والجواب الأول للعلامة يس، والثانى لعبد الحكيم.
هذا ويصح بقطع النظر عما قاله الشارح جعل قول المصنف: كما استدل إلخ مشبها به انتفاء العلم والظن بدون اعتبار لازمهما من عدم الاستدلال كما هو ظاهر
стр. 420
ميّز عنه) أى: عن الرأس ...
===
المتن؛ وذلك لأن كلا من الانتفاء المذكور والاستدلال مصحح للتجوز، وعلى هذا فالمعنى لم يحمل على المجاز ما لم يحصل المصحح للتجوز، كما حصل فى قول أبى النجم الاستدلال المصحح للتجوز، وعلى هذا فقوله: كما استدل متعلق بانتفاء العلم، ولك أن تجعله متعلقا بعدم الحمل والمعنى، ولكون التأول يخرج الإسناد إلى المجاز تحقق عدم حمل الإسناد فيما ذكر على المجاز لعدم ظهور التأول: كالاستدلال فى شعر أبى النجم، إذ لولا اشتراط التأول لم يستدل على مجازيته، وإذا علمت صحة التشبيه فى كلام المصنف بدون اعتبار الاستدلال الذى ذكره الشارح تعلم أن اعتباره كما قال الشارح ليس ضروريا، بل لتحسن التشبيه فقط؛ لأنه يصير المشبه والمشبه به الاستدلال.
(قوله: ميز عنه) أى: فصل فى الرأس قنزعا عن قنزع بسبب ذهاب ما بينهما، فعن الأولى بمعنى فى ويحتمل أن المعنى: أزال عن الرأس قنزعا بعد قنزع فعن الثانية بمعنى بعد كما فى قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١) فلا يلزم تعلق حرفى جر متحدى اللفظ والمعنى بعامل واحد
(قوله: أى عن الرأس) أى: المتقدم فى قوله (٢):
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... علىّ ذنبا كلّه لم أصنع
من أن رأت رأسى كرأس الأصلع
ميز إلخ، وقوله ذنبا بمعنى: ذنوبا، بدليل التأكيد بكل، فهو من إقامة المفرد مقام الجمع، أو المراد الجنس المتحقق فى متعدد، وحينئذ فالتنوين فيه للتكثير، والمعنى أن هذه المرأة أصبحت تدعى على ذنوبا لم أرتكب شيئا منها لرؤيتها رأسى خالية من الشعر كرأس الأصلع، فإن النساء يبغضن الشيب ويطلبن الشباب وجملة ميز عنه إلخ: مفسرة
стр. 421
(قنزعا عن قنزع) هو الشعر المجتمع فى نواحى الرأس (جذب الليالى) أى:
مضيها واختلافها (أبطئى أو أسرعى) حال من الليالى على تقدير القول؛ أى: مقولا فيها ويجوز أن يكون الأمر بمعنى الخبر (مجاز) خبر أن؛ أى: استدل على أن إسناد ميز إلى جذب الليالى مجاز (بقوله) متعلق باستدل؛ أى: قول أبى النجم (عقيبه) أى:
عقيب قوله: ميز عنه قنزعا عن قنزع (أفناه) أى: أبا النجم أو شعر رأسه ...
===
لرؤية رأسه كرأس الأصلع مبنية لوجه الشبه
(قوله: قنزعا) بضم القاف وسكون النون وبضم الزاى أو فتحها لغتان
(قوله: جذب الليالى) الجذب لغة: المد، ومضى الأكثر يقال: جذب الشهر إذا مضى أكثره، والمراد هنا الثاني، وأراد بالليالى مطلق الزمان الشامل للأيام، فلا يقال: إنه لا وجه للتقييد بالليالى، بل مطلق الزمان أى: مضى الزمان أى: مضى أكثر العمر، وإنما عبر عن أيام العمر بالليالى تنبيها على شدتها؛ لأنها محل توارد الهموم فهى لشدتها سوداء كالليالى، أو لأن من عادة العرب تأريخ الشهور بالليالى؛ لأن غرة الشهر من وقت رؤية الهلال
(قوله: أى مضيها) أى: مضى أكثرها
(قوله: واختلافها) أى: تعاقبها؛ لأن بعضها يخلف بعضا، ويأتى عقبه
(قوله: على تقدير القول) أى: لأن الجملة الطلبية إذا وقعت حالا لا بد فيها من تقدير القول؛ لأنها وصف فى المعنى، وحينئذ فالمعنى مقولا فى حقها من الناس حين اليسر والرفاهية أبطئى، وحين العسر والضيق أسرعى، أو من الشاعر؛ لأنه لا يبالى بها بعد التمييز المذكور كيف كانت، فأو على الأول للتنويع، وعلى الثانى للتخيير
(قوله: ويجوز أن يكون الأمر إلخ) أى: مع كونه حالا، والمعنى حال كونها تبطئ أو تسرع، وإنما عبر بصيغة الأمر للدلالة على أن الليالى فى سرعتها وبطئها مأمورات بأمره تعالى مسخرات بكلمة كن، وعلى هذا المعنى يتحقق دليل آخر على كونه موحدا- قاله عبد الحكيم هذا.
ويجوز أن يكون الأمر بمعنى الخبر، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا على وجه الالتفات، كأن الزمان قال له ما تقول فيما حدث لك؟ فأجابه بأنه راض بما يفعل أسرع أو أبطأ أى: لا يبالى بعد فنائه وهرمه بالليالى كيف كانت
(قوله: عقيبه) هو بالياء لغة قليلة، والأكثر عقبه بدون ياء
(قوله: أفناه) أى: جعله فانيا، والضمير يعود على أبى النجم المعبر
стр. 422
(قيل الله) أى: أمره وإرادته (للشمس اطلعى) ...
===
عنه بضمير المتكلم فى قوله أولا: علىّ ذنبا، فيكون فيه الالتفات من التكلم إلى الغيبة، وعلى هذا فلا بد فى الكلام من تقدير مضاف أى: أفنى شباب أبى النجم، أو المراد بإفنائه جعله مشرفا على الفناء أى: العدم، وحينئذ فلا يقال: إنه حال النطق بهذا الكلام لم يكن فانيا أى: معدوما، ويصح عود ضمير أفناه على شعر الرأس المفهوم من معنى الكلام السابق، وأشار الشارح لكل من الوجهين بقوله أى: أبا النجم أو شعر رأسه.
(قوله: قيل الله) أى: أفناه الله بقيله، ففيه مجاز عقلى
(قوله: أى أمره وإرادته) فسر القيل أولا بالأمر، لقوله: اطلعى فإنه مفعول بقيل إن كان القيل مصدرا، أو هو بدل منه أو عطف بيان له إن كان القيل اسما بمعنى المقول، فكذلك الأمر يحتمل أن يكون مصدرا إن كان القيل مصدرا، وأن يكون اسما بمعنى الصيغة إن كان المراد بالقيل المقول، ثم لما كان الأمر الذى هو طلب الفعل أو الصيغة ليس بمراد؛ لعدم الأمر بإيجاد الشىء حقيقة عند المحققين القائلين: إن قوله تعالى إنما أمرنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ (١) هنا تمثيل لحصول الشىء بسرعة، وليس هناك أمر أصلا عطف الإرادة عليه عطف تفسير، فعلم من هذا أن المراد بقيل الله: إرادته، وإنما لم يقل أى: إرادته من أول الأمر؛ لأن المتبادر من القيل: الأمر كما علمت، وأما عند القائلين بخطاب كن حقيقة بعد الإرادة فالأمر بمعناه الحقيقى؛ لأن اطلعى بمعنى: كونى طالعة، وعلى كل حال فالمراد بالأمر: الأمر التكوينى، لا الأمر بمعنى الحكم، إذ لا معنى له هنا، واعترض على الشارح بأن الإرادة من صفات الذات لا تؤثر، وإنما تخصص والذى يتوقف عليه الفعل القدرة، فالأولى تفسير الأمر بالقدرة أو بالتكوين، وقد يقال بصحة كلامه من جهة أن التخصيص مقدمة للتأثير وبعد قوله:
... اطلعى ... حتّى إذا واراك أفق فارجعى
стр. 423
فإنه يدل على أنه فعل الله، وأنه المبدئ، والمعيد، والمنشئ، والمفنى، فيكون الإسناد إلى جذب الليالى بتأويل ...
===
وحتى فيه تفريعية بمعنى: الفاء، والمفرع عليه محذوف أى: اطلعى وتحركى، فإذا واراك إلخ
(قوله: فإنه يدل) أى: فإن إسناد الإفناء إلى إرادته تعالى يدل على أن التمييز فعل الله، ووجه الدلالة أن هذا الإسناد شأن الموحد وإن كان هذا الإسناد أيضا مجازا كما علمت. فإن قلت أى سر فى صرف الإسناد الأول عن ظاهر وجعله مجازا وجعل الإسناد الثانى أعنى إسناد الإفناء لقيل الله قرينة، ولم يعكس بحيث يجعل إسناد ميز حقيقة وإسناد أفناه مجازا، مع أن الشخص الواحد إذا صدر منه كلامان وأحدهما يدل على خلاف ما يدل عليه الآخر، ولم يعلم حال القائل صح جعل كل منهما قرينة على صرف الآخر.
أجيب بأن صدق أحد الكلامين ومطابقته للواقع مرجح وقرينة قائمة على صرف الآخر، على أن جملة أفناه قيل الله: مبينة لقوله ميز عنه، وحينئذ فلا يجوز أن يكون إسناد أفناه مجازا، وإسناد ميز حقيقة.
(قوله: وأنه المبدىء إلخ) فيه أن الإسناد المذكور إنما يدل على أنه تعالى هو المفنى، ولا دلالة له على أنه المعيد والمبدىء، إلا أن يقال: الدلالة على ذلك من جهة أنه لا قائل بالفرق أو من جهة أن طلوع الشمس بالفعل يستلزم طلوع النهار وهو إبداء وإنشاء له، أو يقال: وجه الدلالة أنّ من قال بأمر الله وإرادته وأن طلوع الشمس وغروبها فى كل يوم بأمره: يكون مسلما، والمسلم قائل بأن الابداء والإعادة والإنشاء والإفناء من الله تعالى، وهذا كله إذا جعل ضمير قوله فإنه يدل على إسناد الإفناء لقيل الله، أما إن جعل الضمير راجعا للبيت فتكون الدلالة على أنه تعالى مبدئ ومعيد من قوله:
حتّى إذا واراك أفق فارجعى
فإنه يدل على الإعادة، ومن كان يفعل الإعادة يفعل ضدها وهو البداية، فالبداية مأخوذة من الإعادة لزوما، كما أن الإنشاء مأخوذ من الإعادة لزوما، وأما الدلالة على أنه مفن فمأخوذة من قوله أفناه إلخ كذا قرر بعض.
стр. 424
بناء على أنه زمان أو سبب.
[أقسام المجاز العقلي]:
(وأقسامه) أى: أقسام المجاز العقلى باعتبار حقيقية الطرفين ومجازيتهما (أربعة؛ لأن طرفيه) وهما المسند إليه والمسند (إما حقيقتان) ...
===
لكن يقال عليه المناسب للشارح حينئذ تقديم المفنى على ما قبله اللهم إلا أن يقال: إنه لاحظ أن الفناء بعد الإنشاء
(قوله: بناء على أنه زمان) فيه أنه إذا كان المسند إليه جذب الليالى لا يكون زمانا؛ لأن الجذب بمعنى المضى وهو ليس زمانا، والجواب:
أنه من إضافة الصفة إلى الموصوف، والتقدير الليالى الجاذبة، فالمسند إليه فى الحقيقة الليالى وهى زمان.
(قوله: أو سبب) أى: عادى أى: بناء على أن الإضافة حقيقة.
(قوله: أى أقسام المجاز العقلى إلخ) اعلم أنه لا اختصاص للمجاز العقلى بهذه الأقسام الأربعة، بل الحقيقة العقلية كذلك تنقسم لهذه الأقسام الأربعة، وأمثلتها هى تلك الأمثلة التى مثل بها المصنف للمجاز بعينها، لكن يختلف الحال بالنظر لمن صدرت منه: من كونه مؤمنا أو جاهلا، وإنما ترك المصنف بيان أقسام الحقيقة لعلمها بالمقايسة ولقلة الاهتمام بحالها، وما ذكره المصنف من تقسيم المجاز العقلى لهذه الأقسام: مبنى على مذهب الجمهور من عدم رد المجاز العقلى للاستعارة المكنية، وأما على مذهب السكاكى من رده لها فطرفاه حينئذ لا يكونان إلا مجازين إن كان التخييل مجازا أو مجازا وحقيقة إن كان التخييل حقيقة. فإن قلت: حيث كانت الأمثلة الآتية يصح أن تكون أمثلة للحقيقة أيضا نجعل الضمير فى قول المصنف وأقسامه راجعا لما ذكر من الحقيقة والمجاز لا للمجاز فقط كما صنع الشارح قلت: يمنع من ذلك أمران.
الأول: تصريحه فى الإيضاح الذى هو كالشرح لهذا المتن بقوله: وأقسام المجاز أربعة.
الأمر الثاني: قوله فيما يأتى وهو فى القرآن كثير، فإن الضمير راجع للمجاز، فينبغى أن يكون الضمير فى أقسامه راجعا للمجاز أيضا ليكون الكلام على وتيرة واحدة
(قوله: باعتبار حقيقة الطرفين) أى: كلا أو بعضا، وقوله ومجازيتهما أى: كلا، وليس المراد باعتبار حقيقتهما معا ومجازيتهما معا، وبهذا اندفع ما يقال هذا التقسيم
стр. 425
لغويتان ...
===
بالاعتبار المذكور لا يشمل ما أحد طرفيه حقيقة والآخر مجاز، بل ما طرفاه حقيقتان أو مجازان، وحينئذ فلا تكون الأقسام أربعة، أو يقال: المراد أنه يلاحظ فى التقسيم المذكور اعتبار حقيقة مجموع الطرفين واعتبار مجازية مجموعهما، سواء وجد تمام الجزأين من الاعتبار الأول بأن كان الطرفان حقيقتين وهو القسم الأول، أو كان تمام الجزأين من الاعتبار الثانى بأن كان الطرفان مجازين وهو القسم الثاني، أو كان بعض الجزأين من الاعتبار الأول وبعضهما من الاعتبار الثانى وهو القسم الثالث والرابع، وقصد الشارح بهذا أعنى قوله: باعتبار إلخ: دفع ما يرد على المصنف من أن الكناية عنده ليست حقيقة ولا مجازا، وإذا التفت إليها كانت الأقسام أكثر من ثمانية، وحينئذ فلا يصح حصره الأقسام فى أربعة، وحاصل ما أشار له الشارح من الجواب: أن حصره الأقسام فى الأربعة إنما هو بالنظر لهذا الاعتبار، فلا ينافى زيادة الأقسام بزيادة الاعتبار المذكور، وهذا الاعتراض لا يرد على السكاكى؛ لأن الكناية عنده من قبيل الحقيقة
(قوله: لغويتان) أى: كلمتان مستعملتان فيما وضعتا له لغة فى اصطلاح التخاطب، وقيد بقوله: لغويتان مع أن كلا من المسند والمسند إليه قد يكون حقيقة غير لغوية، بل شرعية أو أحدهما حقيقة لغوية والآخر شرعية نحو: صلى زيد الظهر، ونحو: أدخلته الصلاة الجنة؛ لأن الحقيقة الشرعية مجاز لغوى، فلو اعتبر مطلق الحقيقة لزم تداخل الأقسام، إذ يصدق على نحو: أدخلته الصلاة الجنة قسم كون الطرفين حقيقتين، إذ الصلاة بمعنى الأقوال والأفعال حقيقة شرعية، كما أن الإدخال حقيقة لغوية، ويصدق عليه أيضا قسم كونهما حقيقة ومجازا، فإن الصلاة بذلك المعنى مجاز لغوى.
بقى شىء آخر، وهو أنه يجوز أن يكون الطرفان حقيقتين عقليتين نحو: خلق الله فصل الربيع، ومجازين عقليين نحو: أجرى النهر إطاعة أمر فلان، ومختلفين نحو:
أجرى النهر إطاعة فلان، وأجرى الماء إطاعة أمره، ففى كل من الأمثلة الثلاثة الأخيرة مجاز فى النسبة الإيقاعية أو الإضافية أو فيهما، والتوجيه السابق للتقييد باللغويتين لا يتأتى هنا فتقييد الشارح باللغويتين لا يظهر بالنسبة لما ذكر، إلا أن يقال: إنما قيد بذلك