واتصاف الأمر المذكور وغيره بالصفة فى قصر الصفة؛ حتى يكون المخاطب بقولنا: ما زيد إلا قائم من يعتقد اتصافه بالقيام أو القعود من غير علم بالتعيين، وبقولنا: ما شاعر إلا زيد من يعتقد أن الشاعر زيد أو عمرو من غير أن يعلمه على التعيين (ويسمى) هذا القصر: (قصر تعيين) لتعيينه ما هو غير معين عند المخاطب، فالحاصل أن التخصيص بشىء دون شىء قصر إفراد، والتخصيص بشىء مكان شىء إن اعتقد المخاطب فيه العكس قصر قلب، وإن تساويا عنده قصر تعيين؛ وفيه نظر؛ لأنا لو سلمنا أن فى قصر التعيين تخصيص شىء بشىء مكان آخر فلا يخفى أن فيه تخصيص شىء بشىء دون آخر؛ فإن قولنا: ما زيد إلا قائم لمن يردده بين القيام والقعود تخصيص له بالقيام دون القعود؛ ...
===
أى: على سبيل البدلية فالواو بمعنى أو ويدل لذلك قوله بعد حتى يكون المخاطب إلخ
(قوله: واتصاف الأمر المذكور وغيره) الواو بمعنى أو
(قوله: حتى يكون إلخ) تفريع على قوله أو تساويا فحتى تفريعية بمعنى الفاء
(قوله: ما زيد إلا قائم) أى: فى قصر الموصوف وقوله وبقولنا ما شاعر إلا زيد أى: فى قصر الصفة
(قوله: لتعيينه) أى: القصر أو المتكلم، وقوله: ما أى حكما وقوله غير معين أى: مبهم عند المخاطب شاك فى ثبوته
(قوله: فالحاصل) أى:
حاصل ما سبق من قوله والأول من غير الحقيقى إلى هنا، وقوله: إن التخصيص أى:
تخصيص المتكلم شيئا بشىء ففاعل المصدر ومفعوله محذوفان، والمفعول المحذوف الذى هو الشىء إن كان واقعا على الصفة كان المراد بقوله بشىء الموصوف فيتحقق قصر الصفة على الموصوف أى: جعلها مقصورة على الموصوف، وإن كان واقعا على الموصوف، كان المراد بقوله بشىء الصفة، فيتحقق قصر الموصوف على الصفة أى: جعلك هذا الموصوف مقصورا على تلك الصفة، فالباء فى بشىء داخلة على المقصور عليه على كلا الأمرين.
(قوله: والتخصيص إلخ) يجوز أن يكون بالنصب عطفا على اسم أن فيكون من عطف معمولين على معمولى أن ويجوز الرفع ويكون من عطف الجمل، وقوله بشىء أى: صفة كان أو موصوفا
(قوله: وإن تساويا عنده قصر تعيين) هذا قسيم قوله إن اعتقد
(قوله: وفيه نظر) أى: فى هذا الحاصل نظر
(قوله: لأنا لو سلمنا) فيه إشارة إلى
стр. 982
ولهذا جعل السكاكى التخصيص بشىء دون شىء مشتركا بين قصر الإفراد والقصر الذى سماه المصنف: قصر تعيين، وجعل التخصيص بشىء مكان شىء ...
===
منع كون التعيين من تخصيص شىء بشىء مكان آخر، وحاصل ذلك النظر أنا لا نسلم أن فى قصر التعيين تخصيص شىء بشىء مكان شىء آخر؛ لأن المخاطب به لم يثبت الصفة الأخرى فى قصر الموصوف حتى يثبت المتكلم مكانها ما يعينه، بل هو متردد بينهما سلمنا أن فيه تخصيصا بشىء مكان شىء آخر ولو احتمالا، فلا يخفى أن فيه أيضا تخصيصا بشىء دون شىء آخر فيكون داخلا فى الأول، وحينئذ فجعل قصر التعيين من تخصيص شىء بشىء مكان شىء لا من تخصيص شىء بشىء دون آخر تحكم
(قوله: ولهذا) أى: ولأجل أن قصر التعيين فيه تخصيص بشىء دون آخر وإن كونه من تخصيص شىء بشىء دون آخر أظهر من كونه من تخصيص شىء مكان آخر جعل إلخ، وهذا اعتراض ثان غير التحكم أى: أنه يلزمه التحكم ومخالفة من تقدمه من المؤلفين بلا موجب.
(قوله: والقصر الذى سماه المصنف إلخ) تبرأ الشارح من هذه التسمية إشارة إلى أن السكاكى لا يقول بها، إذ القصر الإضافى عنده نوعان فقط: قصر قلب لمن يعتقد العكس، وقصر إفراد لمن يعتقد الشركة ومن لا يعتقد شيئا فأدرج ما يسميه المصنف تعيينا فى الإفراد ولا مشاحة فى الاصطلاح، إلا أن فى قصر التعيين إزالة الشركة الاحتمالية بخلاف القسم الثانى من الإفراد، فإن فيه إزالة الشركة الحقيقية، وقد يقال:
إن البحث الوارد على المصنف لازم للسكاكى ولا يختص به المصنف، إذ كما أنه لا وجه لتخصيص التعيين بالتعريف الذى فيه مكان كما عند المصنف لا وجه لتخصيصه بالتعريف الذى فيه دون كما عند السكاكى، فالصواب جعل التعريفين شاملين لقصر التعيين، وهذا كله بناء على أن مفاد مكان خلاف مفاد دون كما اعتبره المصنف، وإلا لم يختص البحث بقصر التعيين، بل يجرى البحث فى التعريفين باعتبار القصرين الأولين أيضا لصدق كل منهما حينئذ على الآخر- فتدبر.
стр. 983
قصر قلب فقط (وشرط قصر الموصوف على الصفة إفرادا: عدم تنافى الوصفين) ...
===
(قوله: قصر قلب فقط) أى: لا قصر قلب وتعيين كما جعله المصنف، وتحصل مما تقدم أن قصر التعيين لم يدرجه أحد فى قصر القلب لظهور أن لا عكس فيه أصلا وأما عند السكاكى، فالتعيين من أفراد الإفراد لا قسيم له؛ لأن الإفراد عنده عبارة عن قطع الشركة سواء كانت بطريق الاحتمال أو الاعتقاد، وعند المصنف الإفراد قطع الشركة الاعتقادية فلا يتناول التعيين؛ لأنه قطع الشركة الاحتمالية لاشتراك الصفتين أو الموصوفين فى أن كلا منهما يحتمل أن يكون ثابتا بدل الآخر فعليه يكون التعيين قسيما لكل من الإفراد والقلب
(قوله: وشرط قصر الموصوف على الصفة إلخ) قد يقال هذا الاشتراك ضائع لعلمه مما تقدم من أن المخاطب بقصر الإفراد من يعتقد الشركة، فإن هذا يفيد أن قصر الإفراد إنما يكون عند اعتقاد الاشتراك فى الوصفين فهو تصريح بما علم التزاما وخص هذا الشرط بقصر الموصوف على الصفة دون قصر الصفة على الموصوف؛ لأن الموصوفات لا تكون إلا متنافية- قاله السيرامى، وفى يس: ظاهر كلام المصنف أنه لا اشتراط فى قصر الصفة على الموصوف إفرادا- وفيه نظر، فإنه يشترط فى قصر الصفة على الموصوف عدم تنافى الاتصافين، إذ لو كان الوصف مما لا يصح قيامه بمحلين لم يتأت اعتقاد المخاطب ثبوته لموصوفين فلا يتأتى فيه قصر الإفراد نحو قولك: لا أب لزيد إلا عمرو، ونحو: ما أفضل البلد إلا زيد؛ لأنه لا يجتمع الموصوفان فى وصف الأبوة ولا فى وصف الأفضلية فلا يتأتى فيهما قصر الإفراد بخلاف نحو قولك: لا جواد إلا حاتم فى قصر الإفراد فيصح؛ لأن الجود يمكن أن يتصف به اثنان، وأجيب بأن المصنف ترك هذا الاشتراط فى قصر الصفة إما لندرته؛ لأن تنافى اتصاف الموصوفين بالصفة نادر والكثير عدم تنافيهما والكثير بمنزلة اللازم فلا معنى لاشتراطه وإما للتعويل على ظهوره بالمقايسة انتهى.
(قوله: إفرادا) حال من قصر وشرط مجىء الحال من المضاف إليه موجود أى:
حال كونه إفرادا أى: ذا إفراد أو مفعول مطلق أى: قصر إفراد أو مفعول لأجله أى:
لأجل الإفراد
(قوله: عدم تنافى الوصفين) عدم تنافيهما صادق بأن يكون بينهما عموم
стр. 984
ليصح اعتقاد المخاطب اجتماعهما فى الموصوف حتى تكون الصفة المنفية فى قولنا:
ما زيد إلا شاعر كونه كاتبا، أو منجما؛ لا كونه مفحما أى: غير شاعر؛ لأن الإفحام؛ وهو وجدان الرجل غير شاعر ينافى الشاعرية (و) شرط قصر الموصوف على الصفة (قلبا: ...
===
وخصوص من وجه أو مطلق نحو: ما زيد إلا ماش لا أبيض أو لا ضاحك- قاله يس، وفى عبد الحكيم مراد المصنف بعدم تنافى الوصفين ألّا يكون مفهوم أحدهما عين نفى الآخر وذلك كالمفحمية والشاعرية ولا ملزوما لنفى الآخر لزوما بينا يحصل فى الذهن بحصوله كالقعود والقيام، إذ لو كان كذلك لم يتصور اعتقاد المخاطب اجتماعهما؛ لأن امتناع اجتماع النفى والإثبات من أجلى البديهيات فلا يتحقق قصر الإفراد لابتنائه على اعتقاد الشركة، وبهذا تعلم أنه لا يرد ما قيل أن صحة اعتقاد المخاطب الاجتماع لا يتوقف على عدم التنافى لجواز أن يعتقد خلاف الواقع، إذ الاعتقاد المطابق للواقع ليس بلازم فى القصر ولا حاجة للجواب عنه بأن المراد عدم تنافى الوصفين فى اعتقاد المخاطب لا فى الواقع- انتهى.
(قوله: ليصح إلخ) علة التنافى
(قوله: حتى تكون إلخ) حتى تفريعية بمنزلة الفاء وما ذكره من عدم منافاة كونه كاتبا لكونه شاعرا مبنى على أن المراد الكتابة والشعر بالقوة فلا يصح؛ إذ لا يمكن اجتماعهما؛ لأن المراد بالكتابة إلقاء الكلام نثرا بقرينة مقابلتها بالشعر الذى هو إلقاء الكلام نظما- كذا ذكر بعضهم.
(قوله: وقلبا إلخ) فيه العطف على معمولى عاملين؛ لأن قلبا عطف على إفرادا والعامل فيه قصر، وتحقق عطف على عدم، والعامل فيه شرط وفيه خلاف، والراجح المنع إذا لم يكن أحد المعمولين جارا ومجرورا متقدما كما فى قولك: فى الدار زيد والحجرة عمرو، وأجاب الشارح بأنه من عطف الجمل حيث قال وشرط إلخ، إن قلت:
إنما جاء هذا من جعل قوله إفرادا وقلبا مفعولا لأجله، ونحن نجعلهما حالا فيكون العامل فيهما شرط، وحينئذ فيكون من قبيل العطف على معمولى عامل واحد وهو جائز، قلت: ما زال البحث واردا؛ لأن اختلاف جهة العمل ينزل منزلة اختلاف العامل
стр. 985
تحقق تنافيهما) أى: تنافى الوصفين حتى يكون المنفى فى قولنا: ما زيد إلا قائم كونه قاعدا، أو مضجعا، أو نحو ذلك مما ينافى القيام، ولقد أحسن صاحب المفتاح فى إهمال هذا الاشتراط؛ لأن قولنا: ما زيد إلا شاعر- لمن اعتقد أنه كاتب وليس بشاعر- قصر قلب على ما صرح به فى المفتاح، مع عدم تنافى الشعر والكتابة، ...
===
بناء على ما حققه العلّامة الرضى، وقوله وشرط قصر الموصوف على الصفة قلبا إلخ:
سكت عن شرط قصر الصفة على الموصوف قلبا نحو: إنما الكاتب زيد لا عمرو لمن اعتقد أن الكاتب عمرو لا زيد، ولا يخفى عليك أن وصف الكتابة يمكن اجتماع الموصوفين فيه، وحينئذ فلا يشترط فيه تحقق التنافى، بل تارة لا يتحقق كما مثلنا، وتارة يتحقق نحو: لا أب لزيد إلا عمرو فإنه قصر صفة على موصوف قصر قلب ولا يمكن اجتماع موصوفين فى وصف أبوة زيد
(قوله: تحقق تنافيهما) أى: تحقق تنافى الوصفين فى الواقع لأجل أن يكون إثبات المتكلم إحدى الصفتين مشعرا بانتفاء غيرها وهى الصفة التى تنافيه، فيكون القصر قلب بيقين بخلاف ما إذا لم تكن إحداهما متنافية للأخرى، فإن المخاطب يجوز اجتماعهما فى بادئ الرأى فيحتمل أن يكون قصر إفراد ويحتاج فى كونه قصر قلب إلى أمر خارجى يعرف به أن المخاطب يعتقد العكس
(قوله: حتى يكون المنفى إلخ) حتى تفريعية بمعنى الفاء
(قوله: أو نحو ذلك مما ينافى القيام) أى:
ككونه مستلقيا أى: وليس المنفى بما ذكر من القصر كونه كاتبا أو شاعرا لعدم منافاتهما للقيام
(قوله: ولقد أحسن إلخ) هذا تعريض بالمصنف من كونه أساء فى اشتراط هذا الشرط وهو تحقق التنافى فى قصر الموصوف على الصفة قصر قلب، فكان ينبغى له إهماله كما أهمله السكاكى.
(قوله: على ما صرح به فى المفتاح) أى: لأن الشرط فى قصر القلب على كلام صاحب المفتاح اعتقاد المخاطب عكس ما يذكره المتكلم سواء كان التنافى بينهما محققا فى الواقع أم لا، فقول الشارح: مع عدم تنافى الشعر والكتابة أى: فى الواقع لصحة اجتماعهما فى موصوف واحد، وإن كان المخاطب يعتقد تنافيهما، والمراد بعدم تنافيهما
стр. 986
ومثل هذا خارج عن أقسام القصر على ما ذكره المصنف، لا يقال: هذا اشتراط للحسن، أو المراد التنافى فى اعتقاد المخاطب؛ لأنا نقول: أما الأول: فلا دلالة للفظ عليه، مع أنا لا نسلم عدم حسن قولنا: ما زيد إلا شاعر لمن اعتقده كاتبا غير شاعر، ...
===
واحد وإن كان مفهومهما مختلفا
(قوله: ومثل هذا) أى: ومثل هذا القول وهو ما زيد إلا شاعر لمن اعتقد أنه كاتب
(قوله: خارج عن أقسام القصر) أى: مع أن القصر لا تخرج عنه هذه الأقسام الثلاثة قطعا
(قوله: خارج عن أقسام القصر) أى: القصر الإضافى، أما خروجه عن قصر الإفراد فلاعتقاد المخاطب اتصافه بصفة وفى قصر الإفراد لا بد أن يعتقد المخاطب اجتماعهما واتصافه بهما، وأما خروجه عن قصر التعيين فلكون المخاطب به مترددا لا اعتقاد عنده والمخاطب هنا معتقد ثبوت أحدهما وانتفاء الآخر، وأما خروجه عن قصر القلب فلعدم تحقق تنافى الوصفين هنا فى الواقع وهو شرط فيه لا بد منه على ما قال المصنف، وقوله على ما ذكره المصنف أى: من اشتراط هذا الشرط فى قصر القلب، وأما على صنيع السكاكى من إهماله فلا يكون هذا المثال خارجا عن الأقسام الثلاثة، بل من قبيل قصر القلب كما علمت
(قوله: هذا شرط للحسن) أى: لحسن قصر القلب لا لصحته، وحينئذ فلا يخرج ما زيد إلا شاعر لمن اعتقد أنه كاتب عن أقسام القصر الثلاثة، بل هو من قبيل قصر القلب وإن كان غير حسن
(قوله: أو المراد التنافى فى اعتقاد المخاطب) أى: سواء تنافيا فى الواقع أو لا كما فى المثال المذكور، ثم إنه ليس المراد بتنافيهما فى اعتقاد المخاطب اعتقاد تنافيهما فى نفس الأمر بأن يعتقد أنه لا يمكن اجتماعهما فى نفس الأمر، بل المراد اعتقاده ثبوت أحداهما وانتفاء الأخرى فصح رد الشارح الآتى
(قوله: أما الأول) أى: وهو كونه شرطا فى حسن قصر القلب، وحاصل هذا الرد أنا لا نسلم أن هذا مراد المصنف لعدم إشعار لفظ الكتاب به، إذ الأصل فى الشروط أن تكون للصحة لا للحسن، بل كلامه فى الإيضاح الذى هو كالشرح لهذا الكتاب ينافى كونه شرطا للحسن؛ لأنه قال ليكون إثبات الصفة مشعرا بانتفاء غيرها، فإن قضيته أن الشرط للتحقق لا للحسن سلمنا أن لفظ الكتاب
стр. 987
وأما الثانى: فلأن التنافى بحسب اعتقاد المخاطب معلوم مما ذكره فى تفسيره أن قصر القلب هو الذى يعتقد فيه المخاطب العكس فيكون هذا الاشتراط ضائعا، وأيضا لم يصح قول المصنف: إن السكاكى لم يشترط فى قصر القلب تنافى الوصفين، وعلل المصنف اشتراط تنافى الوصفين بقوله: ليكون إثبات الصفة مشعرا بانتفاء غيرها؛ ...
===
مشعر بأنه شرط فى الحسن فلا نسلم عدم حسن إلخ، فبطل حينئذ كونه شرطا فى الحسن فقول الشارح فلا دلالة للفظ أى: للفظ الكتاب أعنى المتن عليه
(قوله: وأما الثانى) أى: كون المصنف أراد تنافى الوصفين فى اعتقاد المخاطب لا بحسب نفس الأمر
(قوله: مما ذكره فى تفسيره) أى: مما ذكره فى التفريع على تفسيره أى: تعريفه؛ وذلك لأنه عرفه بأنه تخصيص أمر بصفة مكان صفة أخرى، ثم فرع على ذلك قوله، والمخاطب بالثانى من يعتقد العكس
(قوله: فيكون هذا الاشتراط ضائعا) يرد مثل هذا على قوله وشرط قصر الموصوف إفرادا عدم تنافى الوصفين؛ لأن عدم تنافى الوصفين وإمكان اجتماعهما معلوم من قوله فى التفريع على تعريفه والمخاطب بالأول من يعتقد الشركة فكان اللائق ترك الاشتراط فيهما لهذا المعنى، ولهذا لم يتعرض فى المفتاح لهذين الشرطين المذكورين فى قصر الإفراد وقصد القلب.
(قوله: وأيضا لم يصح) أى: على إرادة هذا الاحتمال الثانى
(قوله: لم يصح قول المصنف) أى: فى الإيضاح الذى هو كالشرح لهذا الكتاب وحاصل كلام الشارح أنه لو كان مراد المصنف التنافى بحسب اعتقاد المخاطب لم يصح قول المصنف فى الإيضاح معترضا على السكاكى أنه لم يشترط فى قصر القلب تنافى الوصفين كما شرطناه؛ وذلك لأن السكاكى قد شرط فيه كون المخاطب معتقدا للعكس وهذا هو المراد بالتنافى فى اعتقاد المخاطب، فدل هذا على أن مراد المصنف تنافى الوصفين فى الواقع لا بحسب اعتقاد المخاطب، إذ يبعد أن يعترض المصنف على السكاكى بما هو قائل ومعترف به، وإنما يعترض عليه بما تحقق إهماله له وهو التنافى فى نفس الأمر
(قوله: وعلل المصنف) أى: فى الإيضاح وأشار الشارح بهذا إلى بطلان دليل المصنف بعد ما أبطل مدعاه من اشتراط الشرط المذكور
(قوله: ليكون إلخ) أى: إنما اشترط فى قصر القلب
стр. 988
وفيه نظر بين فى الشرح.
(وقصر التعيين أعم) من أن يكون الوصفان فيه متنافيين، أو لا، ...
===
تنافى الوصفين لأجل أن يكون إثبات الصفة مشعرا بانتفاء الأخرى انتهى، فإذا قيل ما زيد إلا قائم كان إثبات القيام مشعرا بانتفاء القعود ولم يحصل ذلك الإشعار إلا إذا كان الوصفان متنافيين فى نفس الأمر
(قوله: وفيه نظر بين فى الشرح) أى: وحينئذ فالحق مع السكاكى فى إهمال ذلك الشرط، وحاصل النظر أنه إن أراد ليكون إثبات المتكلم الصفة مشعرا بانتفاء غيرها وهو ما اعتقده المخاطب ففيه أن أداة القصر مشعرة بذلك من غير حاجة للتنافى، وإن أراد أن إثبات المخاطب الصفة مشعر بانتفاء غيرها وهى التى أثبتها المتكلم كالقيام حتى يكون هذا عكسا لحكم المخاطب فيكون قصر قلب ففيه أن إثبات المخاطب لا إشعار له بانتفاء شىء أصلا، إذ غاية ما يفهم منه الإثبات فقط وانتفاء الغير إن فهمه منه المتكلم فبقرينة أو بعبارة، كأن يقول: ما زيد إلا قاعد فيقول المتكلم ردا عليه ما زيد إلا شاعر ولا يتوقف على التنافى، والحاصل أن شرط قصر القلب اعتقاد المخاطب عكس ما يذكره المتكلم سواء تحقق التنافى بينهما أم لا، وما ذكره المصنف من اشتراط تنافى الوصفين لا يتم
(قوله: وقصر التعيين) أى: وهو إثبات المتكلم أحد الأمرين المتردد فيهما أو أحد الأمور المتردد فيها، وقوله أعم أى: من كل واحد منهما على انفراده، وليس المراد أنه أعم من مجموعهما بأن يتحقق بدون هذا المجموع؛ لأنه لا يمكن؛ لأن الوصفين فيه إما متباينان أو لا ولا واسطة بينهما، فإن كانا متباينين تحقق القلب والتعيين دون الإفراد، وإن كانا غير متباينين تحقق الإفراد والتعيين دون القلب والعموم باعتبار المحل وليس العموم باعتبار نفس حقيقة قصر التعيين؛ لأنها مباينة لكل من حقيقة القصرين، إذ لا يصدق قصر الإفراد إلا عند اعتقاد المشاركة ولا يصدق قصر القلب إلا عند اعتقاد العكس ولا يصدق قصر التعيين إلا عند عدم الاعتقادين، وإنما كان قصر التعيين أعم محلا من كل قصرى الإفراد والقلب؛ لأن الأول على ما مر عليه المصنف محله ما لا تنافى فيه، والثانى محله ما فيه التنافى وقصر التعيين محله ما فيه التنافى وغيره فيكون أعم من الأول لشموله ما فيه التنافى وأعم من الثانى وهو قصر القلب لشموله
стр. 989
فكل مثال يصلح لقصر الإفراد أو القلب يصلح لقصر التعيين من غير عكس.
[طرق القصر]:
(وللقصر طرق) والمذكور ههنا أربعة، وغيرها قد سبق ذكره، فالأربعة المذكورة ههنا ...
===
ما ليس فيه التنافى، والحاصل أن عمومه بالنسبة للأول لوجوده فى محل الثانى وعمومه بالنسبة للثانى لوجوده فى محل الأول، وليس عمومه بالنسبة لهما معا بأن يتحقق بدون هذا المجموع وإلا لزم وجود محل يصدق فيه وحده وهو ما ليس فيه التنافى ولا غيره، وهذا فاسد كما لا يخفى
(قوله: فكل مثال إلخ) إشارة إلى أن العموم بحسب التحقق باعتبار الصلاحية لا بحسب الصدق أو التحقق بالفعل
(قوله: من غير عكس) أى: لأنه ربما صلح للتعيين ما لا يصلح للإفراد وهو القلب وربما صلح له ما لا يصلح للقلب وهو الإفراد.
[طرق القصر]:
(قوله: وللقصر) أى: سواء كان حقيقيا أو غيره (وقوله: طرق) أى: أسباب تفيده
(قوله: والمذكور) أى: والطرق المذكور ففيه تذكير الطرق نظرا للفظ أل أو يقال: أراد بالمذكور الشىء وهو مذكر وقوله ههنا أى: فى باب القصر
(قوله: وغيرها) أى: كضمير الفصل وتعريف المسند أو المسند إليه بأل الجنسية وتقديم ما حقه التأخير من المعمولات، وأما التصريح بلفظ الاختصاص وما فى حكمه فلا يعد من طرق القصر اصطلاحا، وكذا التأكيد غير الشمولى نحو: جاء زيد نفسه أى: لا غيره وإنما اقتصر المصنف على ذكر هذه الأربعة فى هذا الباب إما لأن القصر الاصطلاحى هو ما كان بهذه الأربعة وما كان بغيرها كضمير الفصل وتعريف المسند أو المسند إليه ونحو: لفظ الخصوص فليس اصطلاحى وإن كان قصرا بالمعنى اللغوى، أو أن القصر بضمير الفصل وتعريف المسند أو المسند إليه داخل فى القصر الاصطلاحى بأن يكون عبارة عن التخصيص بأحد الطرق السبعة، ولم يذكر هذه الثلاثة فى هذا الباب لاختصاصها بالمسند والمسند إليه، وقد تقدم ذكرهما وعلى كلا الاحتمالين التخصيص الحاصل بصريح لفظ الخصوص والتأكيد ليس داخلا فى القصر الاصطلاحى- هذا حاصل ما ذكره العلامة عبد الحكيم.
стр. 990
(منها العطف كقولك فى قصره) أى: قصر الموصوف على الصفة (إفرادا: زيد شاعر لا كاتب، أو ما زيد كاتبا بل شاعر؛ مثل بمثالين: أولهما: الوصف المثبت فيه معطوف عليه، والمنفى معطوف. والثانى: بالعكس ...
===
[طريقة العطف]:
(قوله: منها العطف) أى: بلا وبل ولكن وإنما قدم العطف على بقية الطرق؛ لأنه أقواها للتصريح فيه بالطرفين المثبت والمنفى بخلاف غيره فإن النفى هنا ضمنى ثم النفى والاستثناء أصرح من إنما وأخر التقديم عن الكل؛ لأن دلالته على القصر ذوقية لا وضعية، واعلم أن العطف يكون للقصر الحقيقى والإضافى؛ وذلك لأنه أن كان المعطوف خاصا نحو: زيد شاعر لا عمرو، فالقصر إضافى، وإن كان عاما نحو: زيد شاعر لا غير زيد، فالقصر حقيقى.
(قوله: زيد شاعر لا كاتب) أى: لمن اعتقده كاتبا وشاعرا
(قوله: والثانى بالعكس) وهو أن الوصف المنفى فيه معطوف عليه والمثبت معطوف، لكن كون ثانى الاسمين معطوفا على المنفى محل نظر؛ لأنه إن عطف بالنصب على لفظ المنصوب المنفى لزم عمل ما فى المثبت وهى إنما تعمل فى المنفى، وإن عطف بالرفع على محل المنصوب فالعطف على محل المنصوب هنا ممنوع لزوال رعاية المحلية بوجود الناسخ، وأما رفعه بتقدير المبتدأ، فيخرج به عن كونه معطوفا؛ لأن بل إذا دخلت على جملة كانت ابتدائية وإضرابية لا عاطفة؛ لأنها إنما تعطف بالمفردات، وكلامنا فى إفادة الحصر بالعطف، ويمكن أن يجاب بأن العطف على المحل لا يمنع على مذهب البصريين الذين لا يشترطون وجود المحرز أى: الطالب لذلك المحل، والمثال جار عليه، على أن المحل وإن كان لا يبقى مع العامل المغير لكنه اعتبر هنا للضرورة، ولكون ما ضعيفة العمل وإنما ذكر بل بعد النفى دون الإثبات؛ لأنها بعد النفى تفيد الإثبات للتابع فتفيد القصر وبعد الإثبات لا ترفعه عن المتبوع، بل تجعله فى حكم المسكوت عنه فلا تفيد القصر فنحو ما زيد كاتبا، بل شاعر معناه نفى الكتابة عن زيد وإثبات الشعر له ونحو: زيد كاتب بل شاعر معناه ثبوت الشعر له مع السكوت عن نفى الكتابة وإثباتها لزيد. اهـ سيرامى.
стр. 991
(وقلبا: زيد قائم لا قاعد، أو ما زيد قائما بل قاعد) فإن قلت: إذا تحقق تنافى الوصفين فى قصر القلب فإثبات أحدهما يكون مشعرا بانتفاء الغير؛ فما فائدة نفى الغير وإثبات المذكور بطريق الحصر قلت الفائدة فيه التنبيه على رد الخطأ فيه وأن المخاطب اعتقد العكس؛ فإن قولنا: زيد قائم؛ وإن دل على نفى القعود ...
===
واعلم أن إفادة بل للقصر مبنى على أن ما قبل بل فى النفى متقرر نفيه كما عليه الجمهور، وأما على أنه مسكوت عنه كما قاله بعضهم فلا تفيده فالمصنف مشى على ما قاله الجمهور.
(قوله: وقلبا إلخ) اقتصاره على القصرين ربما يوهم عدم جريان طريق العطف فى قصر التعيين لكن المفهوم من دلائل الإعجاز جريانه فيه، فالاقتصار لما سيصرح به الشارح فى قوله ولما كان إلخ
(قوله: زيد قائم لا قاعد) أى: لمن اعتقد أنه قاعد والشرط وهو تنافى الوصفين موجود
(قوله: أو ما زيد قائما بل قاعد) أى: لمن اعتقد أنه قائم ومثل بمثالين لما سبق
(قوله: فإن قلت إلخ) حاصله أن قصر القلب بطريق العطف لا فائدة له على مذهب المصنف مطلقا؛ وذلك لأنه شرط فيه تحقق تنافى الوصفين وإذا تحقق أى: ثبت تنافيهما كما فى المثالين علم من نفى أحدهما ثبوت الآخر وكذا من ثبوت أحدهما نفى الآخر، وحينئذ فلا فائدة عطف المثبت على المنفى أو عطف المنفى على المثبت، وكذا على مذهب غيره فى صورة تحقق التنافى فقد علمت أن هذا الإيراد بحسب مذهب المصنف، وكذا بحسب مذهب غيره إذا تحقق التنافى، وأما إذا لم يتحقق التنافى فالأمر ظاهر، وقول الشارح فإثبات أحدهما يكون مشعرا بانتفاء الغير أى: وكذا نفى أحدهما يكون مشعرا بثبوت الآخر، ولو زاد الشارح ذلك لكان أولى ليشمل المثال والجواب الذى ذكره شامل له أيضا؛ لأن حاصله أن الجمع بين النفى والإثبات للتنبيه على رد الخطأ بالنفى سواء تقدم أو تأخر
(قوله: قلت إلخ) حاصله أن فائدة التعرض لنفى الغير بعد إثبات المطلوب بطريق الحصر الإشعار بأن المخاطب اعتقد العكس؛ لأن القيد الزائد من البليغ حيث لا يحتاج إليه تطلب له فائدة وأقرب شىء يعتبر فائدة له بالذوق السليم الرد على المخاطب، فإن المتبادر من قولنا كان كذا لا كذا أن المعنى لا كذا
стр. 992
.
===
كما تزعم أيها المخاطب وكذا قولنا ما كان كذا، بل كذا معناه بالذوق السليم ما كان كذا كما تزعم أيها المخاطب بل كذا، فقول الشارح: الفائدة فيه، أى فى نفى الغير وقوله التنبيه أى: تنبيه المخاطب وغيره وقوله على رد الخطأ أى الواقع من المخاطب (وقوله: وأن المخاطب إلخ) عطف على رد عطف لازم على ملزوم أو عطف تفسير وهذا التنبيه ليس من جوهر اللفظ، بل من الذوق كما علمت من أنه إذا وقع فى الكلام شىء مستغنى عنه بحسب الظاهر، فإن الذهن يطلب له فائدة فإذا وجد ما يناسبه حمل عليه؛ لأن كلام البليغ يحمل على المناسب، وإنما قال التنبيه على رد الخطأ إلخ؛ لأن كلامه فى قصر القلب؛ ولأن الإيراد فيه أقوى فلا ينافى أنه قد تكون فائدة النفى التنبيه على تردد المخاطب إذا كان قصر تعيين وقد يقال يمكن أن الذهن يحمل ذلك الزائد على التنبيه على أن المخاطب متردد فإنه فائدة يصح الحمل عليها، وحينئذ فيكون ذلك القصر من قصر التعيين فلم يتم التنبيه الذى ذكره الشارح، ولذا أجاب بعضهم بجواب آخر وحاصله: أن فائدة نفى الغير بعد إثبات المذكور بطريق الحصر تأكيد الحكم المنكر المناسب للمقام، وبيانه أن الحكم المقرر هنا منكر لاعتقاد المخاطب عكسه والحكم المنكر يجب تأكيده، ففى إثبات ضد أو خلاف المعتقد نفى الحكم المعتقد فى العطف بالنفى أو الإثبات تقرير ما تقرر أولا، فقد توصل بالعطف المفيد للحصر صراحة إلى التأكيد المناسب للمقام، ولا يقال: قد قررت أن مقام قصر القلب مقام إنكار وبينت فيه أن العطف فيه يفيد التأكيد، ومعلوم أن قصر الإفراد إنما يرد فى مقام الإنكار أيضا ولا تأكيد فيه أصلا؛ لأن الحكم المثبت معلوم مسلم ولا معنى للتأكيد فيه، والمنفى وهو المنكر بالفتح لم يشتمل على أداة تأكيد فلم يستقم فيه أن العطف فيه للتأكيد ولا جرى على قاعدة الخطاب الإنكارى؛ لأنا نقول المنكر على المخاطب فى قصر الأفراد هو التشريك، والعطف فيه يفيد الوحدة باللزوم، ويفيد بالمطابقة نفى غير من انتسب له الحكم، والكلام على تقدير الوحدة، فإذا قيل: زيد جاء لا عمرو معناه: جاء زيد وحده لا عمرو وفيه تأكيد الوحدة المنافية للتشريك المدعى إلا أنه كثيرا ما يستغنى عن ذكر تلك الوحدة بالعطف لاستلزامه إياها ففى الكلام مع العطف تأكيد بهذا الاعتبار. اهـ يعقوبى.
стр. 993
لكنه خال عن الدلالة عن أن المخاطب اعتقد أنه قاعد (وفى قصرها) أى: قصر الصفة على الموصوف إفرادا وقلبا بحسب المقام (زيد شاعر لا عمرو، أو ما عمرو شاعرا بل زيد) ويجوز: ما شاعر عمرو بل زيد؛ بتقديم الخبر؛ لكنه يجب حينئذ رفع الاسمين لبطلان العمل، ولما لم يكن فى قصر الموصوف مثال الإفراد صالحا للقلب لاشتراط عدم التنافى فى الإفراد وتحقق التنافى فى القلب- على زعمه-
===
(قوله: لكنه خال عن الدلالة على أن المخاطب اعتقد أنه قاعد) أى: فإذا جىء بالعطف دل بالذوق السليم على أنه معتقد لذلك خطأ فإن المتبادر من قولنا كان كذا لا كذا أن المعنى لا كذا كما تزعم أيها المخاطب
(قوله: بحسب المقام) أى: حال المخاطب، فإن اعتقد المخاطب شركة زيد وعمرو فى الشاعرية أو فى انتفائها كان قصر إفراد، وإن اعتقد العكس كان قصر قلب، ولا تغفل عن كون تنافى الوصفين إنما يشترط عند المصنف فى قصر القلب إذا كان قصر موصوف على صفة لا قصر صفة على موصوف لئلا يشكل عليك كون زيد شاعر لا عمرو قصر قلب ومثل المصنف بمثالين لما سبق
(قوله: بتقديم الخبر) أى: على الاسم كما هو السياق
(قوله: لبطلان العمل) أى: عمل ما لأن شرط عملها ترتيب معموليها وقد فقد الترتيب بين الاسم والخبر؛ لأن شاعر خبر مقدم وعمرو مبتدأ مؤخر ويجوز أن يكون الوصف مبتدأ وما بعده فاعلا أغنى عن الخبر إن قلت: إن ما بعد بل مثبت فعلى تقدير لو جعل عمرو فاعلا بالصفة لم يصح عملها فى المعطوف لعدم اعتمادها على حرف النفى إذ التقدير ما شعر زيد بل شاعر عمرو، قلت: العامل فى المعطوف ليس صفة مقدرة بل الصفة المعتمدة على حرف النفى عاملة فى المعطوف عليه أصالة وفى المعطوف تبعا (وقوله: لبطلان العمل) أى:
مطلقا عند الجمهور أو إلا إذا كان الخبر ظرفا عند ابن عصفور وبعض النحاة لا يقول ببطلان العمل مع عدم الترتيب مطلقا كما فى الرضى، فقول الشارح فى المطول: وقد أجمع النحاة على وجوب رفع الاسمين لبطلان العمل أى: أجمع أكثرهم.
(قوله: وتحقق التنافى فى القلب) أى: وتحقق التنافى وعدم التنافى لا يمكن اجتماعهما فى محل واحد، (وقوله: على زعمه) أى: لا على مذهب السكاكى الذى
стр. 994
أورد للقلب مثالا يتنافى فيه الوصفان؛ بخلاف قصر الصفة فإن مثالا واحدا يصلح لهما، ولما كان كل ما يصلح مثالا لهما يصلح مثالا لقصر التعيين لم يتعرض لذكره؛ وهكذا فى سائر الطرق (ومنها النفى والاستثناء كقولك فى قصره) إفرادا ...
===
لا يشترط تحقق التنافى فيه، وحينئذ فالمثال الواحد عنده يصلح لهما
(قوله: أورد للقلب مثالا) أى: غير مثال الإفراد (وقوله: أورد) جواب لما (وقوله: مثالا) أى: واحدا فى الإثبات وآخر فى النفى وعدهما واحدا نظرا لمتعلقهما
(قوله: يصلح لهما) أى: لأن ما ذكر من اشتراط التنافى وعدمه إنما يتأتى فى قصر الموصوف على الصفة ولا يتأتى فى قصر الصفة على الموصوف لظهور التنافى بين كل موصوفين والفرق بين القصرين إنما هو بحسب اعتقاد المخاطب، فقولك: ما قائم إلا زيد صالح لهما. اهـ سيرامى
(قوله: كل ما يصلح مثالا لهما) أى: للإفراد والقلب فى قصرى الموصوف والصفة
(قوله: لم يتعرض لذكره) أى: لا فى قصر الموصوف ولا فى قصر الصفة
(قوله: وهكذا فى سائر الطرق) أى: باقى طرق القصر وهى إنما والاستثناء والتقديم.
[ومنها النفى والاستثناء]:
(قوله: ومنها النفى والاستثناء) أى: النفى بأى أداة من أدواته كليس وما وإن وغيرها من أدوات النفى والاستثناء بإلا وإحدى أخواتها، ولم يقل المصنف: ومنها الاستثناء؛ لأن الاستثناء من الإثبات، كقوله جاء القوم إلّا زيدا، لا يفيد القصر الغرض منه الإثبات والاستثناء قيد مصحح له، فكأنك قلت: جاء القوم المغايرون لزيد ولو كان الاستثناء المذكور من طرق القصر لكان من طرقه الصفة أيضا نحو: جاء الناس الصالحون بخلاف ما تقدم فيه النفى، ثم أتى فيه بالاستثناء سواء ذكر المستثنى منه أم لا نحو: ما جاءنى إلا زيد، فإن الغرض منه النفى، ثم الإثبات المحققان للقصر وليس الغرض منه تحصيل الحكم فقط وإلا لقيل: جاءنى زيد والمحكم فى ذلك الاستعمال والذوق السليم ولذلك يستعمل النفى، ثم الاستثناء عند الإنكار دون الإثبات، ثم الاستثناء.
اهـ يعقوبى.
стр. 995
(ما زيد إلا شاعر، و) قلبا: (ما زيد إلا قائم، وفى قصرها) إفرادا، وقلبا (ما شاعر إلا زيد) والكل يصلح مثالا للتعيين، والتفاوت إنما هو بحسب اعتقاد المخاطب (ومنها: إنما كقولك فى قصره) إفرادا (: إنما زيد كاتب، و) قلبا: (إنما زيد قائم،
===
(قوله: ما زيد إلا شاعر) أى: لمن يعتقد اتصافه بالشعر وغيره
(قوله: ما زيد إلا قائم) أى: لمن اعتقد أنه قاعد وانظر لم كرر المثال فى قصره دون قصرها وهلا اقتصر على مثال واحد لكل منهما، ولا يقال: إنه لم يكرر المثال فى قصرها لصلاحية المثال الذى ذكره لقصر القلب والإفراد؛ لأنه لم يشترط فى قصر الصفة عدم صحة اتصاف الموصوفين بها فى قصر القلب بخلاف قصر الموصوف، فإنه شرط فيه إذا كان إفرادا عدم تنافى الوصفين وقلبا تنافيهما، فمثل بمثال فيه عدم التنافى وبمثال فيه التنافى؛ لأنا نقول هذا الغرض يحصل بمثال واحد؛ لأن النفى هنا غير مصرح به، فإن قدر منافيا كان للقلب وإلا كان للإفراد فقولك مثلا ما زيد إلا شاعرا إن قدرت لا مفحم كان للقلب أو لا كاتب كان للإفراد، وكذلك قولك: ما زيد إلا قائم إن قدرت لا قاعد كان للقلب وإن قدرت لا شاعر كان للإفراد، وهذا بخلاف العطف، فإنه لا بد فيه من التصريح بالنفى ويستحيل أن يكون منافيا وغير مناف فلا بد فيه من المثالين، واعلم أن هذا كله باعتبار ما حمل عليه الشارح كلام المصنف وإلا فكلام المصنف فى حد ذاته ليس فيه تصريح بإفراد ولا قلب حتى تكون الأمثلة لهما فقط
(قوله: ما شاعر إلا زيد) أى: لمن اعتقد أن زيدا وعمرا شاعر أو عمرا فقط
(قوله: والكل) أى: من الأمثلة المذكورة لقصره أو لقصرها يصلح إلخ وهذا مكرر مع قوله سابقا وهكذا فى سائر الطرق
(قوله: والتفاوت) أى: التغاير بين ما تقدم والتعيين وإنما هو بحسب اعتقاد المخاطب وفيه أنه لا اعتقاد فى قصر التعيين، فكان الأولى أن يقول: بحسب حال المخاطب بأن فى الكلام حذف الواو مع ما عطفت أى: بحسب اعتقاد المخاطب وعدم اعتقاده فإن اعتقد المخاطب الاشتراك فهو إفراد، وإن اعتقد العكس فقلب، وإن لم يعتقد شيئا فتعيين.
(قوله: كقولك فى قصره إفرادا إنما زيد كاتب) أى: لمن اعتقد أنه كاتب وشاعر
(قوله: وقلبا إنما زيد قائم) أى: لمن اعتقد أنه قاعد ويرد على تعدد المثال ما مر
стр. 996
وفى قصرها) إفرادا وقلبا (: إنما قائم زيد) وفى دلائل الإعجاز أن إنما ولا العاطفة إنما يستعملان فى الكلام المعتد به لقصر القلب دون الإفراد، وأشار إلى سبب إفادة إنما القصر بقوله: ...
===
من أن المثال الواحد يصلح للإفراد والقلب؛ لأن القائمية قد تضاف لما ينافيها كالقاعدية فيكون القصر قلبا، وإلى مالا ينافيها كالشعرية فيكون إفرادا، فلا وجه لتعداد المثال
(قوله: وفى قصرها إفرادا وقلبا) أى: بحسب المقام واعتقاد المخاطب فإن كان معتقدا أن القائم زيد وعمرو فإفراد وإن اعتقد أنه عمرو فقلب، لا تغفل عما تقدم من أن الأمثلة المذكورة تصلح للتعيين
(قوله: وفى دلائل الإعجاز إلخ) هذا شروع فى الاعتراض على المصنف وحاصله أن المصنف جعل إنما لقصر القلب وقصر الإفراد، وكذلك جعل فيما تقدم لا لهما مع أن الذى فى دلائل الإعجاز أى: إنما ولا العاطفة إنما يستعملان فى الكلام البليغ فى قصر القلب دون الإفراد وهذا الاعتراض من الشارح على المصنف بالنسبة؛ لإنما بحسب ما شرح به كلامه، لكن يمكن أن لا يرد عليه الاعتراض بالنسبة لها لأن أمثلته لها يمكن أن تخص بقصر القلب
(قوله: إنما يستعملان إلخ) إن كان الشارح نقل عبارة الدلائل بالمعنى ولفظ: إنما من الشارح ورد عليه أنه استعمل إنما فى قصر الإفراد فى نفس العبارة التى اعترض بها على المصنف؛ لأن قوله أن إنما ولا إنما يستعملان إلخ رد على من قال إنهما يستعملان فيهما وهذا قصر إفراد فما فر منه وقع فيه إلا أن يقال: إن الشارح ليس ملتزما لحقية كلام صاحب الدلائل، فيجوز أن يكون مرجحا لما قاله المصنف فاستعملها فى قصر الإفراد على مذهبه، وإنما نقل كلام الدلائل ليبين المذهبين لا لإفساد كلام المصنف حتى يعترض عليه بأنه وقع فيما فر منه وإن كانت إنما وقعت فى عبارة الدلائل، والشارح نقلها بلفظها فالاعتراض المذكور وارد على صاحبها.
(قوله: المعتد به) أى: وهو البليغ
(قوله: دون الإفراد) أى: والمصنف قد استعمل لا فى الإفراد فى بحث العطف السابق، وإنما ليس فى كلامه تصريح باستعمالها لقصر الإفراد لكن الشارح شرحه على أنها تستعمل له
(قوله: وأشار إلى سبب إلخ)
стр. 997
(لتضمنه معنى: ما وإلا) وأشار بلفظ التضمن ...
===
فائدة هذه التوطئة دفع توهم أن قول المصنف لتضمنه راجع لقوله وفى قصرها فقط دون ما قبله أيضا، وإنما تعرض المصنف لبيان سبب إفادة إنما القصر لمخالفة بعضهم فى ذلك حيث قال السبب فى إفادتها القصر تركبها من إن التى هى لتوكيد الإثبات وما التى لتوكيد النفى، ولا يجوز أن يتوجه الإثبات والنفى لما بعده لظهور التناقض فأحدهما راجع لما بعده والآخر لما عداه وكون ما راجعا لما بعده خلاف الإجماع فتعين أن الإثبات للمذكور والنفى لما سواه، فجاء القصر، ورد هذا التوجيه بأنه مبنى على مقدمتين فاسدتين؛ لأن إن لتأكيد النسبة إيجابا أو سلبا نحو: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً (١) لا لتأكيد الإثبات فقط، وما كافة لا نافية، وبما علمت من الخلاف فى سبب إفادة إنما القصر اندفع ما يقال إن سبب إفادة التقديم الحصر ذلك التضمن الذى ذكره المصنف فهلا تعرض لبيان السبب كما تعرض لبيان السبب فى إنما، واعلم أن الموجب للحصر فى: إنما بالكسر موجود فى أنما بالفتح فمن قال سبب إفادة إنما الحصر تضمنها معنى ما وإلا قال بذلك فى أنما المفتوحة لوجود هذا السبب فيها، ومن قال: إن السبب اجتماع حرف توكيد قال به فى إنما أيضا لذلك، ومن هنا صح للزمخشرى دعواه أن أنما بالفتح تفيد الحصر كإنما، وقد اجتمعا فى قوله تعالى: قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ (٢) فالأولى لقصر الصفة على الموصوف والثانية بالعكس، وقول أبى حيان هذا شىء انفرد به الزمخشرى مردود بما ذكرنا، وقوله: إن دعوى الحصر هنا باطلة لاقتضائها أنه لم يوح إليه غير التوحيد مردود أيضا بأنه حصر إضافى أو أن خطاب النبى- ﷺ كان للمشركين، فالمعنى ما أوحى إلىّ فى أمر الربوبية إلا التوحيد لا الإشراك. اهـ فنرى.
(قوله: لتضمنه معنى ما وإلا) فى ذكر التضمن إشارة إلى أن ما فى إنما ليست هى النافية، وإلى أن إن ليست للإثبات على ما توهمه بعض الأصوليين لأن المناسب على
стр. 998
إلى أنه ليس بمعنى ما وإلا حتى كأنهما لفظان مترادفان؛ إذ فرق بين أن يكون فى الشىء معنى الشىء، وأن يكون الشىء الشىء على الإطلاق، ...
===
ذلك التقدير أن يقال: لكونه بمعنى ما وإلا وبيان ذلك أن إنما لو كانت مركبة من إن التى للإثبات وما النافية لم تزد على الإثبات والنفى الموجودين فى ما وإلا فلا يحسن ذكر التضمن بل المناسب على هذا التقدير أن يقال: لكونه بمعنى ما وإلا
(قوله: لتضمنه معنى ما وإلا) أى: لاشتماله على معنى ما وإلا اللتين هما فى إفادة الحصر أبين ومعناهما هو الإثبات والنفى، وقد يقال: إن النفى والإثبات الذى هو معناهما هو عين الحصر، فكأنه قال: إنما أفادت إنما الحصر لتضمنها الحصر الذى هو معنى ما وإلا وهذا التعليل للشىء بنفسه، وإن أريد بمعنى ما وإلا غير الحصر كان الدليل غير مفيد أن إنما تفيد الحصر، اللهم إلا أن يلاحظ أن معنى ما وإلا مجمل وإن كان فى الواقع هو الحصر- قرره شيخنا العدوى.
(قوله: إلى أنه) أى: إنما ليس ملتبسا بمعنى ما وإلا أى: أشار بلفظ التضمن إلى أن معنى: إنما ليس هو معنى ما وإلا بعينه حتى كأنها مرادفة لهما ووجه تلك الإشارة أن تضمن الشىء معنى الشىء لا يقتضى أن يكون كهو من كل وجه بخلاف كونه نفسه، ولهذا يقال: إن إنما ولو شاركت ما وإلا فى إفادة القصر تختلف معهما فى أن إنما تستعمل فيما من شأنه أن لا ينكر وما وإلا بالعكس كما يأتى، ولو كانت إنما معناها هو معنى ما وإلا كما فى المترادفين لم تختص عنهما بإفادة غير مفادهما هذا محصل كلامه
(قوله: حتى كأنهما) أى: إنما وما وإلا لفظان مترادفان هذا تفريع على المنفى وهو كون إنما ملتبسة بمعنى ما وإلا وإنما عبر بكأن، ولم يقل: حتى إنهما؟ لأن إنما إذا كانت بمعنى ما وإلا لا يكونان مترادفين، بل كالمترادفين؛ لأن من شرط المترادفين أن يتحدا معنى وإفرادا فى اللفظ وهنا ليس كذلك؛ لأن إنما مفرد وما وإلا مركب ولهذا لا يقال الإنسان مرادف للحيوان الناطق
(قوله: إذ فرق إلخ) علة للنفى، وقوله بين أن يكون فى الشىء معنى الشىء وذلك كما فى التضمن كتضمن إنما معنى ما وإلا، وقوله وأن يكون الشىء الشىء على الإطلاق أى: من كل وجه وذلك كما فى المترادفين، فالأول لا يقتضى
стр. 999
فليس كل كلام يصلح فيه: ما وإلا يصلح فيه: إنما؛ صرح بذلك الشيخ فى دلائل الاعجاز، ولما اختلفوا فى إفادة إنما القصر، وفى تضمنه معنى ما وإلا- بينه بثلاثة أوجه؛ فقال: (لقول المفسرين: ...
===
كونه كهو من كل وجه، والثانى يقتضى
(قوله: فليس كل كلام إلخ) تفريع على قوله:
إنه ليس بمعنى ما وإلا وذلك كالأمر الذى شأنه أن ينكر فإنه صالح لأن يستعمل فيه ما وإلا ولا يصلح لأنما لأنها إنما تستعمل فيما شأنه أن لا ينكر وكمن الزائدة، فإنه يصلح معها ما وإلا دون إنما نحو: ما من إله إلا الله، ولا يصح أن يقال: إنما من إله الله؛ لأن من لا تزاد فى الإثبات، وكذلك أحد وعريب يصلح معها ما وإلا دون إنما، فيقال: ما أحد إلا وهو يقول ذلك، ولا يقال: إنما أحد يقول ذلك؛ لأنهما لا يقعان فى حيز الإثبات فلو كان إنما بمعناهما كان كل كلام يصلح فيه ما وإلا يصلح فيه إنما
(قوله: ولما اختلفوا فى إفادة إنما القصر) أى: وفى عدم الإفادة فقال بعضهم: إنها لا تفيده، وقيل:
تفيده عرفا، وقيل: عرفا واستعمالا
(قوله: وفى تضمنه إلخ) عطف سبب على مسبب
(قوله: بينه) أى المذكور من إفادة إنما القصر ومن تضمنها معنى ما وإلا.
(قوله: لقول المفسرين إلخ) إن قلت: دلالة إنما على القصر بالوضع فكيف يقام عليه الدليل؟ قلت: المقصود بيان أن الواضع إنما جعلها دليلا على القصر بواسطة جعله متضمنا معنى ما وإلا، ولما كان فى تضمنه إياه خفاء حتى تردد فيه جماعة استشهد عليه بقول النحاة وأئمة التفسير وأيده بالمناسبة المحسنة للتضمين لا المتضمنة للتركيب. اهـ سيرامى.
وفى الغنيمى فى هذا الاستدلال نظر لما فيه من الدور؛ لأن المفسرين يستدلون بقول أهل المعانى، فإذا استدل أهل المعانى بقول المفسرين جاء الدور، فالمناسب الاستدلال باستعمال العرب، وأجيب بأن المراد بالمفسرين الذين يستدلون بكلام علماء المعانى المتأخرون منهم، والمراد بالمفسرين الذين استدل البيانيون بكلامهم المتقدمون من العرب العارفون بموضوعات الألفاظ نحو: ابن عباس وابن مسعود ومجاهد ممن فسر القرآن من أكابر الصحابة قبل تدوين علم المعانى، فالتمسك بقولهم من حيث إنهم علماء
стр. 1000
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ (١) بالنصب معناه: ما حرم عليكم إلا الميتة؛ و) هذا المعنى (هو المطابق لقراءة الرفع) أى: رفع الميتة؛ وتقرير هذا الكلام أن فى الآية ثلاث قراآت: حَرَّمَ مبنيا للفاعل؛ مع نصب الْمَيْتَةَ، ورفعها، وحَرَّمَ مبنيا للمفعول؛ مع رفع الْمَيْتَةَ كذا فى تفسير الكواشى؛ فعلى القراءة الأولى ما فى إِنَّما كافة إذ لو كانت ...
===
اللغة فهو من باب الاستدلال بالنقل عن اللغة، والحاصل أن المفسرين حيث قيدوا بكونهم من أئمة اللغة والبيان الموثوق بهم فلم يقولوا إلا ما تقرر عندهم لغة وبيانا فلا يرد أن يقال لا معنى للاستدلال على معنى لفظ لغوى؛ لأنه إنما يثبت بالنقل. اهـ.
(قوله: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ بالنصب) مبتدأ ومعناه خبره أى: هذا الكلام معناه إلخ
(قوله: وهذا المعنى) أى: المذكور لإنما فى هذه الآية
(قوله: هو المطابق إلخ) أى:
الموافق لها فى إفادة القصر وإن اختلف طريق القصر فى القراءتين، فالطريق فى القراءة الأولى: إنما، وفى القراءة الثانية: تعريف الطرفين
(قوله: أى رفع الميتة) أى: مع بناء حرم للفاعل
(قوله: مع نصب الميتة) أى: على أنه مفعول حرم وقوله ورفعها أى: خبر إن أى وهى قراءة شاذة، وقوله مع رفع الميتة أى: على أنه نائب فاعل وهى شاذة أيضا
(قوله: الكواشى) بضم الكاف وتخفيف الواو نسبة إلى كواشة حصن من أعمال الموصل، وهو الإمام موفق الدين أحمد بن يوسف بن الحسين الكواشى كان من الأكابر ينفق من الغيب وله كرامات عدة
(قوله: فعلى القراءة الأولى) أى: وهو حرم مبنيا للفاعل مع نصب الميتة
(قوله: لبقى إن بلا خبر) أى: وجعلها موصولة والعائد ضميرا مستترا يعود على الذى والخير محذوفا، والتقدير: وإن الذى حرم أى: هو الميتة الله تعالى عكس للمعنى المقصود من الآيات وهو بيان المحرم بالفتح؛ لأن الكلام حينئذ بيان للمحرم بالكسر مع ما فيه من التكلف وإيقاع ما على العالم وجعلها موصولة والعائد ضمير المفعول محذوفا والميتة بدلا منه أو مفعولا لمحذوف تقديره: أعنى، والخبر محذوفا والتقدير:
إن الذى حرمه الله الميتة، أو أعنى الميتة ثابت تحريمه تكلف لا ينبغى ارتكابه فى كلام الله
стр. 1001
موصولة لبقى (إن) بلا خبر، والموصول بلا عائد، وعلى الثانية موصولة لتكون الْمَيْتَةَ خبرا؛ إذ لا يصح ارتفاعها بحرم المبنى للفاعل على ما لا يخفى والمعنى: إن الذى حرمه الله تعالى عليكم هو الميتة؛ وهذا يفيد القصر (لما مر) فى تعريف المسند من أن نحو: المنطلق زيد، وزيد المنطلق يفيد قصر الانطلاق على زيد، فإذا كان إِنَّما متضمنا معنى: ما وإلا، وكان معنى القراءة الأولى: ما حرم الله عليكم إلا الميتة ...
===
تعالى مع وجود وجه صحيح واضح، على أن فى هذا عكس المعنى المقصود؛ لأن المقصود بيان حرمة الميتة لا بيان أن الميتة المحرمة حاصلة وثابتة.
(قوله: موصولة) أى والعائد محذوف؛ لأنه منصوب بحرم
(قوله: لتكون الميتة خبرا) أى: لأن لا فاعل بحرم والتقدير: إن الذى حرمه الله عليكم الميتة
(قوله: على ما لا يخفى) لأنه لا يستقيم ارتفاع الميتة على أنها فاعل حرم المبنى للمعلوم؛ لأن المحرم هو الله وهو مرجع الضمير المستتر فى حرم فإسناد حرم المبنى للفاعل إلى الميتة لا يعقل فتعين أن يكون خبرا، نعم يجوز على هذه القراءة جعل ما كافة ورفع الميتة على أنه خبر لمحذوف، والمعنى: إنما حرم الله تعالى عليكم شيئا هو الميتة، لكن هذا الوجه لا يرتكب لوجود ما هو أسهل منه وهو جعلها موصولة المؤدى لتعريف الجزءين
(قوله: والمعنى: إن الذى حرمه الله عليكم هو الميتة) هذا حل معنى وإلا فلا حاجة إلى قوله هو.
(قوله: وهذا يفيد القصر) أى: وهذا المعنى يفيد قصر التحريم على الميتة وما عطف عليها؛ لأن الذى حرم فى قوة المحرم فهو كالمنطلق فى المنطلق زيد وزيد المنطلق؛ لأن الموصول فى قوة المعرف باللام فيفيد القصر لما مر. اهـ سرامى.
(قوله: من أن نحو المنطلق زيد) أى: سواء جعلت اللام موصولة أو حرف تعريف، ونحو المنطلق زيد إلخ كل جملة معرفة الطرفين، وإنما ذكر زيد المنطلق، وإن لم يكن مقصودا بالاستشهاد، إذ المقصود به إنما هو الأول وهو المنطلق زيد؛ لأن الميتة معرف بلام الجنس فيفيد قصر الميتة على المحرم أيضا كما فى زيد المنطلق- كذا فى عبد الحكيم. وفى حاشية الشيخ يس تبعا للفنارى: أن زيد المنطلق ذكر على وجه الاستطراد
стр. 1002
كانت مطابقة للقراءة الثانية، وإلا لم تكن مطابقة لها لإفادتها القصر، فمراد السكاكى والمصنف بقراءة النصب والرفع هو القراءة الأولى والثانية؛ ولهذا لم يتعرضا للاختلاف فى لفظ حَرَّمَ بل فى لفظ الْمَيْتَةَ رفعا ونصبا، وأما على القراءة الثالثة؛ أعنى: رفع الْمَيْتَةَ وحَرَّمَ مبنيا للمفعول فيحتمل أن تكون (ما) كافة؛ أى: ما حرم عليكم إلا الميتة، وأن تكون موصولة، أى: إن الذى حرم عليكم هو الميتة؛ ...
===
وإلا فالمسألة من الأول، واعترض بأن تعريف المسند إليه الجنسى ليس بلازم أن يكون للحصر قلت: إنما يحتمل عدم إفادته لذلك إذا ظهرت له فائدة أخرى وهنا لم تظهر له فائدة أخرى فيحمل على القصر المتبادر
(قوله: كانت مطابقة) أى فى إفادة القصر وإن كان سبب القصر مختلفا فيهما؛ لأن القصر فى قراءة النصب من إنما وفى الرفع من التعريف الجنسى لما عرفت من أن الموصول مع صلته فى قوة المحلى بأل، وقوله كانت مطابقة أى: كما هو الواجب فى القراءات من التطابق لا التنافى. اهـ يس وتأمله.
(قوله: وإلا لم تكن مطابقة لها) أى: وإلا تكن إنما متضمنة معنى ما وإلا لم تكن القراءة الأولى مطابقة للقراءة الثانية
(قوله: لإفادتها) أى: القراءة الثانية القصر بخلاف الأولى فإنها لا تفيده على هذا التقدير
(قوله: هو القراءة الأولى والثانية) أى وليس مرادهما بقراءة الرفع القراءة الثالثة، وقد علمت أن المراد بالقراءة الأولى قراءة النصب، والقراءة الثانية هى قراءة الرفع مع بناء حرم للفاعل فيهما.
(قوله: ولهذا) أى: لكون مرادهما بقراءة الرفع والنصب ما ذكر
(قوله: لم يتعرضا للاختلاف فى لفظ حرم) أى: لعدمه حين كان مرادهما ما سبق؛ لأن حرم مبنى للفاعل على القراءتين المذكورتين، وقوله: بل فى لفظ أى: بل تعرضا للاختلاف فى لفظ الميتة لوجود الاختلاف فيه
(قوله: وحرم) عطف على رفع ومبنيا حال من حرم وفى نسخة حرم مبنى فتكون الواو للحال
(قوله: وأن تكون موصولة) أى: وعلى كل فالقصر حاصل بإنما على الأول أو التعريف الجنسى على الثانى، وقوله وأن تكون موصولة
стр. 1003
ويرجح هذا ببقاء إن عاملة- على ما هو أصلها-، وبعضهم توهم أن مراد السكاكى والمصنف بقراءة الرفع هذه القراءة الثالثة فطالبهما بالسبب فى اختيار كونها موصولة مع أن الزجاج اختار أنها كافة (ولقول النحاة: إنما لإثبات ما يذكر بعده ونفى ما سواه) ...
===
أى: فى محل نصب على أنها اسم إن والميتة خبرها
(قوله: ويرجح هذا) أى: الاحتمال الثانى وهو كون ما موصولة وقوله على ما هو أصلها أى: على ما هو الأصل فيها من العمل
(قوله: بقراءة الرفع) أى: التى تفوت بها قراءة النصب
(قوله: فطالبهما بالسبب فى اختيار كونها موصولة) إن قلت: من أين أتى له ذلك الاختيار؟ قلت: من قوله وهو المطابق لقراءة الرفع لما مر؛ لأنه لا يصح الإحالة على ما مر إلا إذا كانت موصولة؛ لأنها لو كانت كافة لم يستند فى إفادة القصر إلى ما مر فى تعريف المسند، بل لتضمنه معنى ما وإلا كما فى تعريف المسند، بل لتضمنه معنى ما وإلا كما فى قراءة النصب، وقد يقال:
السبب فى اختيار كونها موصولة موجودة وهو بقاء إن عاملة على ما هو أصلها من العمل
(قوله: مع أن الزجاج اختار أنها كافة) أى: نظرا لكونها مرسومة فى المصحف متصلة بأن، إذ رسم كتابة ما الموصولية الانفصال ورد عليه بأن رسم القرآن لا يجرى على القياس المقرر فى الكتابة، بل هو سنّة تتبع وكم من أشياء خارجة عن قياس الخط المصطلح عليه، كما أشار له القاضى فى تفسير أواخر آل عمران
(قوله: ولقول النحاة) أى: الذين أخذوا النحو من كلام العرب مشافهة فهم إنما يقولون ما تقرر عندهم من جهة اللغة، فالنقل عنهم نقل عن اللغة، وليس المراد النحاة الذين تلقوا القواعد من الكتب المدونة، والمراد النحاة غير المفسرين فلا تكرار مع ما تقدم، والمراد أيضا بالنحاة بعضهم لا كلهم لما تقدم من الخلاف فى إفادتها للقصر وعدمه فلا يعارض ما تقدم الشارح
(قوله: إنما الإثبات ما يذكر بعده ونفى ما سواه) أى: فدلالتها على ذلك دليل على تضمنها معنى ما التى هى للنفى وعلى معنى إلا التى هى للإثبات، والحاصل أنه لما كان مفاد إنما ومفاد ما، وإلا واحدا دال على أنها بمعناهما، فاندفع ما يقال: إن قول النحاة إنما يدل على وجود معنى القصر فى إنما لا على خصوص تضمنها معنى ما وإلا،
стр. 1004
أى: سوى ما يذكر بعده؛ أما فى قصر الموصوف نحو: إنما زيد قائم؛ فهو لإثبات قيامه ونفى ما سواه من القعود ونحوه، وأما فى قصر الصفة نحو: إنما يقوم زيد فهو لإثبات قيامه ونفى ما سواه من قيام عمرو وبكر وغيرهما (ولصحة انفصال الضمير معه) أى: مع إنما نحو: إنما يقوم أنا، فإن الانفصال إنما يجوز عند تعذر الاتصال، ...
===
فالدليل لا ينتج المدعى، ثم لا يخفى أن سائر طرق القصر فيها الإثبات والنفى، وإنما صرح النحاة بذلك فى إنما لخفائهما فيها بخلاف العطف وما وإلا، وأما التقديم فلا يفيد القصر عند النحاة.
(قوله: أى سوى ما يذكر بعده) أى: مما يقابله؛ لأن الكلام فى القصر الإضافى
(قوله: ونحوه) أى: كالاضطجاع
(قوله: ونفى ما سواه من قيام عمرو وبكر إلخ) أى:
فما سوى الحكم المذكور بعده فى كل من القصرين مخصوص لظهور أنه لا ينفى كل حكم سواه، ولا ينافى هذا أن قصر الصفة قد يكون حقيقيا؛ لأن كونه حقيقيا يكون باعتبار عموم المنفى عنه، وإن كان الحكم المنفى خاصا
(قوله: ولصحة انفصال الضمير) أى: الإتيان به منفصلا مع إنما، والحال أنه يمكن وصله، والقاعدة أن الضمير إذا أمكن وصله وجب، ولا يعدل عن وصله لفصله إلا لموجب، وموجبات الفصل: إما تقديمه على عامله، وإما وجود فاصل بينه وبين عامله من الفواصل التى علم أنها توجب فصل الضمير عن عامله، والتقديم هنا لم يحصل، والفواصل المعلومة فى النحو لا يصلح منها للتقدير فى موضع إنما إلا ما وإلا فتعين كونها للحصر كما وإلا، هذا حاصله، واعترض هذا الدليل بأن فيه دورا وذلك؛ لأن صحة الانفصال متوقفة على التضمن، كما قال الشارح: ولا يعرف التضمن إلا بصحة الانفصال للاستدلال بها عليه، وأجاب بعضهم بأن التوقف الأول وهو توقف صحة الانفصال على التضمن توقف حصول، والتوقف الثانى وهو توقف معرفة التضمن على صحة الانفصال توقف معرفة، وحينئذ فالجهة منفكة، هذا وكان المناسب أن يقول ولوجوب انفصال الضمير معه كما قال ابن مالك؛ لأن انفصال الضمير عنده مع إنما واجب، إلا أن يقال إن المصنف راعى قول أبى حيان-
стр. 1005
ولا تعذر ههنا إلا بأن يكون المعنى: ما يقوم إلا أنا؛ فيقع بين الضمير وعامله فصل لغرض، ثم استشهد على صحة هذا الانفصال ببيت من يستشهد بشعره ولهذا صرح باسمه فقال: (قال: الفرزدق: أنا الذائد) من الذود؛ وهو الطرد ...
===
القائل بعدم الوجوب مستدلا بأن الضمير قد جاء متصلا فى قوله تعالى: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ (١) فلم يقل: إنما أشكو أنا، وأجاب صاحب عروس الأفراح: بأن محمل كلام ابن مالك إذا كان الضمير محصورا فيه والمحصور فيه فى الآية الجار والمجرور لا الضمير، وفى ابن يعقوب: إنما قال لصحة ولم يقل لوجوب مجاراة لظاهر ما قيل من أن إنما لا يجب فصل الضمير معها، وإن كان التحقيق وجوب فصل الضمير معها متى قصد الحصر فيه، وإنما يتصل إذا لم يقصد الحصر فيه بل قصد الحصر فى الفعل نحو: إنما قلت أو فى غيره كالآية وفى شرح المفتاح للسيدان قلت إذا أريد حصر الفعل فى الفاعل بطريق إنما فهل يجب انفصاله أو لا؟ قلت: إن ذكر بعد الفعل شىء من متعلقاته وجب فصله وتأخيره دفعا للإلباس وإن لم يذكر احتمل الوجوب طردا للباب وعدم الوجوب بأن يجوز الانفصال نظرا للمعنى والاتصال نظرا للفظ، إذ لا فاصل لفظيا، فقول المصنف لصحة انفصال الضمير معه أراد بالصحة ما يعم الوجوب وغيره- كذا فى عبد الحكيم.
(قوله: ولا تعذر ههنا إلا بأن يكون إلخ) أى: ولا يتعذر الاتصال هنا إلا بسبب كون المعنى إلخ أى: وعند الاتصال بأن تقول: إنما أقوم يفوت هذا المعنى فالمانع من الاتصال معنوى لا لفظى وقوله بين الضمير هو أنا وعامله هو يقوم، وانظره مع أن يقوم للغائب وأنا للمتكلم إلا أن يقال: الفاعل فى الحقيقة محذوف أى ما يقوم أحد إلا أنا، وقوله فصل أى: بألا المقدرة، وقوله لغرض هو الحصر.
(قوله: ولهذا صرح إلخ) أى: لكون البيت المذكور (٢) بيت من يستشهد بشعره صرح باسمه تقوية للاستشهاد، إذ لا موجب للكتمان
(قوله: وهو الطرد) أى: بسيف
стр. 1006
(الحامى الذمار) أى: العهد؛ وفى الأساس: هو الحامى الذمار إذا حمى ما لو لم يحمه ليم وعنف من حماه وحريمه (وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلى) لما كان غرضه ...
===
أو غيره وعرف الجزأين لقصد حصر الجنس مبالغة أى: أنا الطارد لمن يعدو لا غيرى إلا من كان على وصفى
(قوله: الحامى) أى: الحافظ والذمار بالنصب على المفعولية وبالجر على الإضافة كالضارب الرجل، والمراد ذماره
(قوله: العهد) هذا معنى الذمار لغة يقال:
فلان حمى ذماره أى: وفى بعهده ومعناه عرفا هو ما ذكره الشارح عن الأساس وهو ما يلام الإنسان على عدم حمايته من حماه وحريمه مأخوذ من الذمر وهو الحث؛ لأن ما تجب حمايته كانوا يتذامرون أى: يحث بعضهم بعضا على الدفع عنه فى الحروب- قاله اليعقوبى، وقال بعضهم: إنما سمى ما ذكر ذمارا؛ لأنه يجب على أهله التذمير أى:
التشمير لدفع العار عنه.
(قوله: من حماه) بيان لما والحمى ما يحميه الإنسان من مال أو نفس أو غيره فعطف الحريم عليه عطف خاص على عام- قرره شيخنا العدوى، وقوله، ليم: بالبناء للمفعول من الملامة وقوله عنف بالتشديد أى: شدد عليه
(قوله: وإنما يدافع إلخ) الواو ليست بعاطفة؛ لأن الجملة تذييلية والواو فى مثلها اعتراضية وفيها معنى التعليل كأنه قيل أنا الذائد الحامى؛ لأنى شجاع وطاعن، قال السيرامى: والقصر فى إنما يدافع محتمل للأقسام الثلاثة بحسب اعتقاد المخاطب وهو مبنى على أن إنما تستعمل فى قصر الأفراد فى الكلام المعتد به
(قوله: عن أحسابهم) جمع حسب وهو ما يعده المرء من مفاخر نفسه وآبائه، والمراد به هنا الأعراض، وأما النسب فهو الانتساب للأب- قاله السيرامى.
(قوله: لما كان غرضه إلخ) حاصله أنه إذا أخر الضمير عن الأحساب بعد فصله كان الضمير محصورا فيه؛ لأن المحصور فيه يجب تأخيره فيكون المعنى حينئذ لا يدافع عن أحسابهم إلا أنا لا غيرى، وهذا لا ينافى مدافعته عن أحساب غيرهم أيضا، ولو أخر الأحساب لكانت محصورا فيها، وكان الواجب حينئذ وصل الضمير وتحويل الفعل إلى صيغة التكلم فيكون التقدير هكذا: وإنما أدافع عن أحسابهم لا عن أحساب غيرهم، ولما
стр. 1007
أن يخص المدافع لا المدافع عنه فصل الضمير وأخره؛ إذ لو قال: وإنما أدافع عن أحسابهم لصار المعنى أنه يدافع عن أحسابهم لا عن أحساب غيرهم؛ وهو ليس بمقصود، ولا يجوز أن يقال: إنه محمول على الضرورة؛ لأنه كان يصح أن يقال:
إنما أدافع عن أحسابهم أنا؛ على أن يكون أنا تأكيدا؛ ...
===
كان غرض الفرزدق الحصر الأول دون الثانى ارتكب التعبير الأول المفيد له، وعلمنا أن ذلك غرضه من خارج وهو قرينة المدح
(قوله: أن يخص المدافع) أى: بالمدافعة فهو من قصر الصفة على الموصوف والمدافع على صيغة اسم الفاعل
(قوله: لا المدافع عنه) أى:
هو الأحساب
(قوله: فصل الضمير) أى: فى الاختيار وقوله وأخره أى: عن الأحساب لوجوب تأخير المحصور فيه عن المحصور
(قوله: إذ لو قال) علة لمحذوف أى: ولو أخر الأحساب وأوصل الضمير بالفعل لفات ذلك الغرض، إذ لو قال إلخ
(قوله: لصار المعنى إلخ) أى: فيكون من قصر الموصوف على الصفة
(قوله: وهو ليس بمقصود) أى: لما فيه من القصور فى المدح مع أن المقام مقام المبالغة؛ لأنه فى معرض التفاخر وعد المآثر على أن المدافعة عن أحساب معينة تتأتى ممن هو مكروه لابطل.
(قوله: ولا يجوز أن يقال) أى: فى منع الاستشهاد بالبيت، وحاصله أن ما ذكرتموه من أن فصل الضمير وتأخيره دليل على الحصر؛ لأن ذلك الفصل إنما هو لتقدير فاصل- وهو إلا- ممنوع، إذ لا نسلم أن ذلك الفصل لتقدير فاصل وما المانع من أن يكون الفصل للضرورة؛ لأنه لو قيل وإنما أدافع عن أحسابهم أو مثلى لا نكسر البيت فعدل إلى فعل الغيبة؛ لأنه هو الذى يمكن معه الفصل دون فعل المتكلم لوجوب استتار الضمير فيه وحينئذ فلا يكون فصل الضمير مع إنما فى البيت لتضمنه معنى ما وإلا فلم يتم الاستدلال
(قوله: لأنه كان إلخ) حاصل ذلك الجواب أن هنا مندوحة عن ارتكاب الفصل المحوج لجعل الفعل غيبة وهو أن يؤتى بفعل المتكلم، ثم يؤتى بالضمير لتأكيد المستكن لا أنه فاعل مفصول وذلك بأن يقال مثلا: وإنما أدافع عن أحسابهم أنا، والوزن واحد، فلو لم يكن الحصر الموجب لفصل ضمير الفاعل مقصودا لأتى بالتركيب هكذا فيتجه أن يدعى أنه لا فصل للفاعل فلا قصر، وهذا الجواب إنما يتم بناء على قول ابن
стр. 1008
وليست ما موصولة اسم إن وأنا خبرها؛ إذ لا ضرورة فى العدول عن لفظ من إلى لفظ ما.
===
مالك: إن الضرورة هى ما لا مندوحة ولا مخلص للشاعر عنه، وأما إن بنى على أنها ما وقع فى الشعر مطلقا كان للشاعر عنه مندوحة أم لا لم يتم، وهذا الثانى هو الذى اختاره الدمامينى فى شرح المغنى ورد ما قاله ابن مالك باقتضائه عدم تحقق الضرورة دائما أو غالبا؛ لأن الشعراء قادرون على تغيير التراكيب والإتيان بالأساليب المختلفة فلا يتحقق تركيب مفيد لا مندوحة له عنه.
بقى شىء آخر وهو أن ما جعل دافعا للضرورة يلزم عليه عطف مثلى على فاعل أدافع من أنه لا يصح أن يقال أدافع مثلى؛ لأن المضارع المبدوء بالهمزة لا يرفع الظاهر إلا أن يقال: يغتفر فى التابع مالا يغتفر فى المتبوع كما قيل فى قوله تعالى:
اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (١) أو أن مثلى فاعل فعل محذوف أى: أو يدافع مثلى وهو من عطف الجمل
(قوله: وليست ما موصولة) هذا جواب عن منع وارد على استشهاد المتن بالبيت وهو أن يقال: عندنا وجه يوجب فصل الضمير من غير تقدير كون إنما بمعنى ما وإلا، وحينئذ فلا يتم هذا الشاهد على المراد وهو أن تجعل ما موصولة وأنا خبرها وجملة يدافع عن أحسابهم صلتها والمعنى حينئذ أن الذى يدافع عن أحسابهم أنا كما تقول: إن الذى ضرب زيدا أنا فيفيد الكلام الحصر بتعريف الجزأين كما فى قراءة إنما حرم عليكم الميتة بالرفع ويكون فصل الضمير لكونه خبرا وليس مرفوعا بالفعل حتى يكون مفصولا عنه، وحاصل الجواب أن المقام مقام افتخار فلا يناسبه التعبير بما التى هى لغير العاقل مع إمكان التعبير بمن واستقامة الوزن فلا وجه للتعبير من البليغ بما فى موضع من، وأيضا لو كانت موصولة لكتبت مفصولة عن إن وأيضا الموافق لما قبله أعنى قوله أنا الذائد أن لا يكون أنا فى قوله وإنما يدافع إلخ خبرا فإن أنا فى الأول مسند إليه، لأنه مبتدأ مقدم
(قوله: إذ لا ضرورة إلخ) أى: وإذا كان لا ضرورة فى العدول علم أنه لم يقصد هذا المعنى وإنما قصد ما يدافع إلا أنا، فقد أفادت إنما القصر
стр. 1009
[التقديم]:
(ومنها: التقديم) أى: تقديم ما حقه التأخير؛ كتقديم الخبر على المبتدأ، والمعمولات على الفعل (كقولك فى قصره) أى: قصر الموصوف (: تميمى أنا) كان الأنسب ذكر مثالين؛ لأن التميمية والقيسية إن تنافيا لم يصلح هذا مثالا لقصر الإفراد، وإلا لم يصلح لقصر القلب؛ بل للإفراد (وفى قصرها: ...
===
لتضمنها معنى ما وإلا وهو المدعى. قال العلامة الفنرى: وقد يوجه ذلك العدول بأن المراد من ما الموصولة الوصف أى: إن قويا يدافع عن أحسابهم أنا، وحينئذ فهو من قصر الوصف؛ لأنه الأهم فى المقام- وتأمله.
(قوله: أى تقديم ما حقه التأخير) هذا يشمل تقديم بعض معمولات الفعل على بعض كتقديم المفعول على الفاعل دون الفعل، وفى إفادته القصر كلام والمرجح عدم الإفادة، واحترز بقوله ما حقه التأخير عما وجب تقديمه لصدارته كأين ومتى كما مر عند قول المصنف والتخصيص لازم للتقديم غالبا، وقوله ما حقه التأخير أى: سواء بقى بعد التقديم على حاله نحو: زيدا ضربت أم لا، كما فى أنا كفيت مهمك، وهذا ظاهر على مذهب السكاكى حيث يعتبر فى التخصيص كون أنا فى الأصل توكيدا لما مر من أن تقديم المسند إليه عنده قد يفيد القصر إذا قدر أنه كان فاعلا فى المعنى، ثم قدم نحو: أنا سعيت فى حاجتك، ثم إن تقييد التقديم بما حقه التأخير غير ظاهر على مذهب المصنف وعبد القاهر؛ لأن تقديم المسند إليه عندهما يفيد القصر وإن كان قارا حيث كان المسند فعليا نحو:
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ (١) إلا أن يبنى التقييد على الغالب
(قوله: كتقديم الخبر على المبتدأ) هذا يشمل: أقائم زيد بناء على أن قائم خبر مقدم، أما على أنه مبتدأ وزيد فاعل فلا يشمله، ومحل كون تقديم الخبر على المبتدأ يفيد الحصر ما لم يكن المبتدأ نكرة وقدم عليه الخبر، وإلا فلا يفيده كما صرح به الشارح
(قوله: والمعمولات على الفعل) كتقديمك المفعول والمجرور والحال عليه
(قوله: تميمى أنا) أى: فتقديم الخبر على المبتدأ مفيد لقصر المتكلم على التميمية لا يتعداها للقيسية مثلا
(قوله: كان الأنسب إلخ) حاصله أن الأنسب
стр. 1010
أنا كفيت مهمك) إفرادا، أو قلبا، أو تعيينا؛ ...
===
بصنيعه الإتيان بمثالين أحدهما لقصر القلب وهو ما يتنافى فيه الوصفان والآخر لقصر الإفراد وهو ما لا يتنافيان فيه، والتميمية والقيسية إن تنافيا كان القصر للقلب ولا يصلح للإفراد وإن لم يتنافيا كان القصر للإفراد، ولا يصلح للقلب، وقد يجاب بأن التميمية يصح أن يكون المنفى بإثباتها القيسية التى تنافيها وهى الحقيقة فيكون لقصر القلب باعتقاد المخاطب تلك القيسية، ويصح أن يكون المنفى القيسية المجامعة للتميمية وهى القيسية الحلفية أى: المنسوبة للحلف والنصرة فيكون لقصر الإفراد حيث كان المخاطب يعتقد الاتصاف بهما معا، وما تقدم من أنه إذا تعين المنفى كما فى العطف فلا بد من مثالين إنما ذلك حيث لم يكن للوصف جهتان ينافى بإحداهما دون الأخرى كما فى هذا المثال، والحاصل أن قول المصنف تميمى أنا قصر تعيين إذا كان المخاطب يرددك بين قيس وتميم، وقصر قلب إذا كان المخاطب ينفيك عن تميم ويلحقك بقيس أو قصر إفراد إذا كان المخاطب معتقدا أنك تميمى وقيسى من جهتين، وأشار الشارح لإمكان الجواب عن هذا البحث بتعبيره بالأنسب، وأما قول بعضهم فى الجواب إن التميمية قد تؤخذ بالقياس إلى ما ينافيها كالقيسية فهو لقصر القلب، وقد تؤخذ بالقياس إلى ما لا ينافيها كالعالمية فالقصر للإفراد ففيه شىء؛ وذلك لأن التميمية إنما تقابل فى العرف بالقيسية، ولا يحسن فى العرف مقابلتها بغيرها، ثم إن ترديد الشارح بقوله لأن التميمية والقيسية إلخ بقطع النظر عن الواقع وإلا فهما متنافيان قطعا- تأمل كذا ذكر بعضهم وذكر غيره أن قوله إن تنافيا أى: بجعل المعتبر فى النسب طرف الأب فقط كما هو المعروف، وقوله وإلا أى: وإن لم يتنافيا أى: بأن جعل المعتبر فى النسب طرفا الأم.
(قوله: أنا كفيت مهمك) أى: فتقديم أنا عن الفاعلية المعنوية أوجب حصر كفاية المهم فى المتكلم بحيث لا تتعداه إلى غيره، فإن اعتقد المخاطب كفاية المتكلم مع غيره كان، إفرادا، وإن اعتقد كفاية الغير فقط دون المتكلم كان قلبا، ولهذا لم يأت إلا بمثال واحد لقصر الصفة لما تقدم أن المثال الواحد يكفى فى قصرها، وأما قصر التعيين فيصح فى مثالى قصره وقصرها كما تقدم أيضا، لكن إنما يكون تقديم لفظ أنا فى هذا
стр. 1011
بحسب اعتقاد المخاطب (وهذه الطرق) الأربعة بعد اشتراكها فى إفادة القصر (تختلف من وجوه: فدلالة الرابع) أى: التقديم (: بالفحوى) أى: بمفهوم الكلام؛ بمعنى أنه إذا تأمل صاحب الذوق السليم فيه فهو القصر؛ وإن لم يعرف اصطلاح البلغاء فى ذلك (و) دلالة الثلاثة ...
===
المثال الذى ذكره المصنف من باب ما قدم فيه ما حقه التأخير على مذهب السكاكى القائل إن أصله كفيتك أنا فقدم أنا، وجعل مبتدأ؛ لأنه يرى أن تقديم الفاعل المعنوى وهو التأكيد للاختصاص كما تقدم فى أحوال المسند إليه، والمصنف لم يرتضه فليس فيه تقديم ما حقه التأخير عنده، وإن أفاد التخصيص من جهة تقديم المسند إليه على المسند الفعلى؛ لأنه يفيد الحصر دائما عنده كما مر، وإنما مثل به لكونه من باب التقديم لما حقه التأخير فى الجملة؛ لأنه فاعل فى المعنى عند السكاكى
(قوله: بحسب اعتقاد المخاطب) الأولى بحسب ما عند المخاطب؛ وذلك لأن المخاطب فى قصر التعيين لا اعتقاد له، بل هو شاك
(قوله: فدلالة إلخ) أى: فالوجه الأول أن دلالة إلخ.
(قوله: أى بمفهوم الكلام) هذا مخالف لاصطلاح أهل الأصول؛ لأن الفحوى عندهم مفهوم الموافقة، وما نحن فيه مفهوم مخالفة؛ لأن حكم غير المذكور مخالف لحكم المذكور وقوله بمعنى إلخ بيان لطريق فهم القصر من التقديم، وقر شيخنا العدوى: أن قوله بمفهوم الكلام أى: بما يفهم منه فى عرف البلغاء من الأسرار، وأشار الشارح بقوله بمعنى إلخ إلى أن فى كلام المصنف حذفا، والمعنى أن دلالة التقديم على القصر بالتأمل فى الفحوى أى: فيما يفهم منه ويدل عليه فى عرف البلغاء وهو سر التقديم، فإذا تأمل صاحب الذوق السليم فى الكلام الذى فيه التقديم لطلب سر ذلك التقديم الذى فيه لا يجد- بالنظر للقرائن الحالية- ما يناسب الحمل عليه سوى الحصر، فقول الشارح أى:
بمفهوم الكلام تفسير للفحوى بالمعنى الحقيقى، وقوله بمعنى إلخ إشارة إلى أن فى الكلام حذفا، وعلمت من هذا أن المراد بمفهوم الكلام ما يفهم منه عند البلغاء من الأسرار لا مفهوم الموافقة ولا المخالفة
(قوله: فيه) أى: فى الكلام الذى فيه التقديم وهو متعلق بقوله: تأمل، وقوله فهم القصر أى: من القرائن وقوله: وإن لم يعرف اصطلاح البلغاء
стр. 1012
(الباقية: بالوضع) لأن الواضع وضعها لمعان تفيد القصر (والأصل) أى: الوجه الثانى من وجوه الاختلاف أن الأصل (فى الأول) أى: طريق العطف (النص على المثبت والمنفى؛ كما مر؛ ...
===
فى ذلك أى فى التقديم من أنه يفيد الحصر، والحاصل أن صاحب الذوق السليم إذا تأمل فى الكلام الذى فيه التقديم فهم بسبب القرائن الحالية الحصر، وإن لم يعرف أن التقديم فى اصطلاح البلغاء يفيد الحصر
(قوله: والباقية) بالجر عطف على الرابع كما نبه عليه الشارح ففيه العطف على معمولى عاملين مختلفين
(قوله: ودلالة الثلاثة) أى: وهى العطف والنفى والاستثناء
(قوله: بالوضع) أى: بسبب الوضع بمعنى أن الواضع وضعها لمعان يجزم العقل عند ملاحظة تلك المعانى بالقصر، وليس المراد أنها موضوعة للقصر كما أشار لذلك الشارح بقوله؛ لأن الواضع إلخ وبما ذكره الشارح من أنها موضوعة لمعان تفيد القصر اندفع ما يقال: إنه إذا كان دلالتها على القصر بالوضع لم يكن البحث عنها من وظيفة هذا العلم؛ لأنه يبحث عن الخصوصيات والمزايا زائدة على المعانى الوضعية، أو يقال: إن هذه الثلاثة وإن دلت على القصر بالوضع له إلا أن أحواله من كونه إفرادا أو قلبا أو تعيينا إنما تستفاد منها بمعونة المقام وهى المقصودة من هذا الفن دون ما استفيد منها بمجرد الوضع، والجواب الأول الذى أشار إليه الشارح ذكره عبد الحكيم، والثانى نقله سم عن شيخة السيد عيسى الصفوى، وعلى هذا الجواب فيقال:
لا حاجة لقول الشارح لمعان؛ لأن الواضع وضعها للقصر لا لمعان تفيده- تأمل.
(قوله: وضعها لمعان) وهى إثبات المذكور ونفى ما سواه فى كل من الثلاثة وهذه المعانى تفيد القصر والاختصاص فحرف النفى وضع للنفى وحرف الاستثناء وضع للإخراج من حكم النفى ويلزم من اجتماعهما القصر.
(قوله: أى طريق العطف) الإضافة للبيان، والمراد بالأصل الكثير
(قوله: النص على المثبت) أى: على الذى أثبت له الحكم فى قصر الصفة، أو على الذى أثبت لغيره فى قصر الموصوف
(قوله: والمنفى) أى: والنص على المنفى أى: نفى عنه الحكم فى قصر الصفة أو نفى عن غيره فى قصر الموصوف فتقول فى قصرها بالطريق الأول جريا على
стр. 1013
فلا يترك) النص عليهما (إلا كراهة الإطناب كما إذا قيل: زيد يعلم النحو، والتصريف، والعروض، أو زيد يعلم النحو، وعمرو وبكر؛ فتقول فيهما) أى:
فى هذين المقامين (زيد يعلم النحو لا غير) ...
===
الكثير قام زيد لا عمرو فقد نصصت على الذى أثبت له القيام وهو زيد والذى نفى عنه وهو عمرو، وتقول فى قصره زيد قائم لا قاعد فقد نصصت على المثبت لزيد وهو القيام والمنفى عنه وهو القعود، وقوله كما مر أى: فى الأمثلة التى ذكرت عند ذكر تلك الطريق فى طرق الحصر، فإنه ذكر هناك أن المعطوف عليه فى تلك الأمثلة بلا هو المثبت والمعطوف هو المنفى، وفى بل بالعكس
(قوله: فلا يترك النص عليهما) أى التصريح بهما ولم يقل فلا يترك ذكر أحدهما إلخ إشارة إلى أن الذكر الإجمالى لا بد منه، فإن فى قولك لا غير ذكر المنفى إجمالا لا نصا لعدم دلالتها على المنفيات بخصوصها.
(قوله: إلا كراهة الإطناب) أى: إلا لأجل كراهة التطويل لغرض من الأغراض كضيق المقام أو لقصد الإبهام أو تأنى الإنكار لدى الحاجة إليه عند عدم التنصيص أو استهجان ذكر المتروك
(قوله: كما إذا قيل) أى: عند إرادة إثبات صفات لموصوف واحد
(قوله: أو زيد يعلم النحو) أى: أو قيل عند إرادة إثبات صفة واحدة لمتصفين زيد يعلم النحو وعمرو إلخ
(قوله: أى فى هذين المقامين) أى: مقام قصر الموصوف ومقام قصر الصفة أى: تقول فى رد الإثبات فى هذين المقامين
(قوله: لا غير) حكى فى القاموس عن السيرافى أن حذف ما تضاف له (غير) إنما يستعمل إذا كانت (غير) بعد (ليس)، وأما لو كانت بعد غيرها من ألفاظ الجحود لم يجز الحذف ولا يتجاوز بذلك مورد السماع، وتبعه فى ذلك ابن هشام وحكم فى المغنى بأن قولهم: " لا غير" لحن، والمختار أنه يجوز، فقد حكى ابن الحاجب" لا غير" وتبعه فى ذلك شارحو كلامه، وفى المفصل حكاية" لا غير" و" ليس غير"، وأنشد الإمام ابن مالك فى شرح التسهيل فى باب القسم مستشهدا على جوازه قوله:
جوابا به تنجو اعتمد فو ربّنا ... لعن عمل أسلفت لا غير تسأل (١)
стр. 1014
أما فى الأول فمعناه: لا غير النحوى؛ أى: لا التصريف، ولا العروض، وأما فى الثانى فمعناه: لا غير زيد؛ أى: لا عمرو، ولا بكر، وحذف المضاف إليه من غير، وبنى على الضم تشبيها بالغايات. وذكر بعض النحاة أن لا فى: لا غير ليست عاطفة؛ بل لنفى الجنس. (أو نحوه) ...
===
وهو ثقة لا يستشهد إلا بشاهد عربى. اهـ فنرى.
واعلم أن كلمة غير فى ليس غير فى محل نصب عند المبرد على أنه خبر ليس، واسمها ضمير مستتر تقديره ليس هو أى: معلومه غير النحو وفى موضع رفع عند الزجاج على أنه اسم ليس وخبرها محذوف، والتقدير ليس غير معلومة، وأما غير فى لا غير فمحلها بحسب المعطوف إذا علمت هذا فلا غير عطف على النحو فى الأول فى محل نصب، وعطف على زيد فى الثانى فى محل رفع.
(قوله: أما فى الأول) أى: أما لا غير فى الأول فمعناه إلخ أى: فيكون من قصر الموصوف على صفة واحدة مما أثبت المخاطب من الصفات.
(قوله: أى لا التصريف ولا العروض) هذا بيان لأصل التركيب فترك التنصيص على ما ذكر لغرض من الأغراض.
(قوله: وأما فى الثانى) أى: وأما لا غير فى الثانى فمعناه إلخ فيكون من قصر الصفة على واحد ممن أثبتها لهم المخاطب من الموصوفين، وقوله أى: لا عمرو إلخ بيان لأصل التركيب فترك النص على ما ذكر لغرض
(قوله: على الضم) أى: لقطعه عن الإضافة (قوله بالغايات) أى: قبل وبعد وسميت بذلك؛ لأن الغاية فى الحقيقة ما بعدها الذى هو المضاف إليه المحذوف، لكن لما حذف ونوى معناه وأدى بذلك الظرف سمى غاية
(قوله: وذكر بعض النحاة) هو نجم الأئمة الرضى وهذا إيراد على عد المصنف لها من طرق العطف
(قوله: ليست عاطفة) أى: لأن العاطفة ينص معها على المثبت والمنفى جميعا، وهنا ليس كذلك
(قوله: بل المنفى الجنس) أى: وعلى هذا القول فالقصر حاصل نظرا للمعنى؛ لأن معنى زيد شاعر لا غير ما زيد إلا شاعر فيعود إلى النفى والاستثناء كما ذكره الشارح فى شرح المفتاح، وحينئذ فما فى كلام بعض الناظرين من أن نحو لا غير
стр. 1015
أى: نحو: لا غير مثل لا ما سواه، ولا من عداه، وما أشبه ذلك.
(و) الأصل (فى) الثلاثة (الباقية: النص على المثبت فقط) ...
===
طريق آخر للقصر على هذا القول وهم كذا فى عبد الحكيم، وكذا ما فى يس عن الأطول من أن الكلام حينئذ ليس من طرق القصر لا يتم- تأمل.
ثم إن غير على هذا القول فى محل نصب على أنه اسم لا والخبر محذوف أى: لا غيره عالم فى قصر الصفة أو لا غيره معلوم له فى قصر الموصوف، والحاصل أن لا التى يبنى ما بعدها عند القطع عن الإضافة هل هى لا العاطفة أو التى لنفى الجنس خلاف، وكلاهما يفيد القصر فلو جعل الطريق الأول النفى بلا مطلقا أى: سواء كانت عاطفة أو تبرئة لكان أولى
(قوله: أى نحو لا غير) حيث رجع الشارح الضمير للا غير علم أن نحو منصوب لعطفه على المنصوب بناء على أن جزء المقول محل أو يقدر لنحوه عامل أى: أو تقول نحوه ويكون من عطف الجمل، ولو رجع الشارح الضمير لجملة زيد يعلم النحو لا غير لكان عطفا على جملة المقول بتمامها التى هى فى محل نصب ويكون نحو زيد يعلم النحو لا غير زيد يعلم النحو لا ما سواه، وإنما اقتصر الشارح على الاحتمال الأول لكون الغرض الأهم من قول المصنف، أو نحوه بيان أنه لا اختصاص للفظ لا غير هنا؛ لأنه قد يتوهم الاختصاص- قرره شيخنا العدوى.
(قوله: مثل لا ما سواه) راجع للأول أى: لا ما سوى النحو فلذا أتى بما الموضوعة لما لا يعقل وقوله ولا من عداه راجع للثانى أى: لا من عدا زيدا، ولذا أتى بمن الموضوعة للعاقل
(قوله: وما أشبه ذلك) نحو: ليس غير وليس إلا
(قوله: والأصل فى الثلاثة الباقية) وهى ما وإلا وإنما التقديم
(قوله: النص على المثبت فقط) أى: المثبت له الحكم فى قصر الصفة والمثبت لغيره فى قصر الموصوف، فتقول فى: ما وإلا فى قصر الصفة ما قائم إلا زيد فقد نصصت على الذى أثبت له القيام وهو زيد ولم تنص على الذى نفى عنه وهو عمرو مثلا، وتقول فى قصر الموصوف: ما زيد إلا قائم، فقد نصصت على الذى أثبت وهو القيام لغيره وهو زيد ولم تنص على الشىء الذى انتفى عن ذلك الغير وهو القعود مثلا وتقول فى إنما فى قصر الصفة: إنما قائم زيد وفى قصر
стр. 1016
دون المنفى؛ وهو ظاهر.
(والنفى) أى: الوجه الثالث من وجوه الاختلاف أن النفى بلا العاطفة (لا يجامع الثانى) أعنى: النفى والاستثناء؛ فلا يصح: ما زيد إلا قائم ...
===
الموصوف: إنما زيد قائم وتقول فى التقديم فى قصرها: أنا كفيت مهمك أى: لا عمرو وفى قصر الموصوف: زيدا ضربت أى: لا عمرا بمعنى إنى اتصفت بضرب زيد لا بضرب عمرو، فقد ظهر لك أن الطرق الثلاثة لا ينص فيها إلا على المثبت وإذا نص فى شىء منها على المنفى كان خروجا عن الأصل كقولك: ما أنا قلت هذا؛ لأن المعنى لم أقله؛ لأنه مقول لغيرى، والأول منصوص، والثانى مفهوم، وكقولك: ما زيدا ضربت، فإن المعنى لم أضربه وضربه غيرى- قال الفنرى: وكما يترك الأصل الأول لكراهة الإطناب يترك هنا أيضا فى مثل: ما زيدا ضربت، وما أنا قلت هذا؛ لأن القصد به قصر الفعل على غير المذكور لا قصر عدم الفعل على المذكور كما هو الحق فيكون النص بما ينفى لا بما يثبت- انتهى.
واعترض على المصنف بأن قوله والأصل فى الثلاثة النص على المثبت فقط دون المنفى يقتضى أن نحو: ما قام القوم إلا زيدا خارج عن الأصل؛ لأن الأصل النص على المثبت فقط، وقد نص فى هذا المثبت والمنفى فيكون خارجا عن الأصل مع أنه جار على الأصل باتفاق، ولم يقل أحد بخروجه عنه، وأجاب بعضهم بأن الكلام فى الاستثناء المفرغ؛ لأنه هو الذى من طرق القصر، وأما هذا فليس من طرق الحصر اصطلاحا ولا يخفى ضعف هذا الجواب؛ لأن معنى الحصر موجود فيه قطعا، فالأحسن فى الجواب أن يقال: إنا نمنع أنه نص فيه على المنفى لأن المراد بالنص التفصيل فالأحسن فى الجواب أن يقال: إنا نمنع أنه نص فيه على المنفى لأن المراد بالنص التفصيل والمنفى- وهو القوم فى المثال المذكور مجمل- لعدم النص فيه على الأفراد واحدا واحدا
(قوله: دون المنفى) أى:
أنه لا يصرح فيها بالنفى وإنما تدل عليه ضمنا كما تقول فى قصر الموصوف: ما أنا إلا تميمى وتميمى أنا، فإنك قد أثبت كونك تميميّا صريحا، ولم تنف كونك قيسيا صريحا، وإنما نفيته ضمنا ولا منافاة بين كون المنفى مذكورا ضمنا وكون النفى قد يكون منطوقا بلفظه
(قوله: أن النفى بلا) إنما قيد الشارح كلام المصنف بذلك للاحتراز عن
стр. 1017
لا قاعد، وقد يقع مثل ذلك فى كلام المصنفين (لأن شرط المنفى بلا) العاطفة (أن لا يكون) ذلك المنفى (منفيا قبلها بغيرها) ...
===
النفى بغيرها: كليس إذ لا دليل على امتناع ما زيد إلا قائم ليس هو بقاعد، وإنما قيد لا بالعاطفة أخذا من قول المصنف لأن شرط المنفى بلا إلخ
(قوله: لا قاعد) فلو قيل لا عمرو بدل لا قاعد فهل يصح ذلك، قال الشيخ يس: الظاهر عدم الصحة؛ لأنه وإن لم يكن المعطوف بها منفيا قبلها لكنه يوهم أن النزاع فى قيام زيد وعمرو لا فى قيام زيد وقعوده الذى هو فرض الكلام.
(قوله: فى كلام المصنفين) أى: لا فى كلام الله، بل ولا فى كلام البلغاء الذين يستشهد بكلامهم، ومراده بهذا التعريض بصاحب الكشاف حيث قال فى تفسير قوله تعالى: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (١) أى: لأن الأصلح لك لا يعلمه إلا الله لا أنت، وبالحريرى حيث قال:
لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه ... على ما تجلّى يومه لا ابن أمسه
ولا يقال: إن الزمخشرى ممن يستدل بتراكيبه عند الشارح، والسيد وغيرهما؛ لأنا نقول: إنما يستدلون بكلامه فيما لم يخالف فيه الجمهور، وهذا مذهب له مخالف فيه للجمهور فلا يستدل به.
(قوله: لأن شرط المنفى بلا) أى: شرط صحة نفيه بها
(قوله: أن لا يكون منفيا قبلها بغيرها) أى: بغير شخصها وهذا صادق بما إذا كان غير منفى أصلا، وبما إذا كان منفيا بغير أدوات النفى: كالفحوى أو علم المتكلم أو السامع فالمنطوق تحته صورتان والمفهوم صورة واحدة هى محل الامتناع وهى ما إذا كان المنفى بها منفيا قبلها بغيرها من أدوات النفى، كما وليس ولا- التى لنفى الجنس- ولا عاطفة أخرى مماثلة للا التى وقع النفى بها؛ لأنها غير شخصها وإن كانت من نوعها، ولهذا لا يصح قام القوم لا النساء لا هند؛ لأن هندا نفيت فى ضمن النساء بغير شخص لا التى نفتها، فإن قلت أن المنطوق صادق بصورة ثالثة، وهو ما إذا كان المنفى بها منفيا قبلها بشخصها قلت: كلامه
стр. 1018
من أدوات النفى؛ فإنها موضوعة لأن تنفى بها ما أوجبته للمتبوع لا لأن تعيد بها النفى فى شىء قد نفيته؛ وهذا الشرط مفقود فى النفى والاستثناء؛ لأنك إذا قلت:
ما زيد إلا قائم فقد نفيت عنه كل صفة ...
===
وإن صدق بذلك لكن هذا معلوم أنه لا يتأتى لاستحالة النفى بها قبل ورودها فتم ما قلناه من أن المنطوق صورتان
(قوله: من أدوات النفى) هذا تخصيص للمضاف وهو الغير لشموله لكل غير ينفى به
(قوله: فإنها موضوعة؛ لأن تنفى بها) أى: عن التابع ما أوجبته للمتبوع هذا ظاهر فى قصر الصفة على الموصوف مثل: جاء زيد لا عمرو فإنك نفيت بها عن عمرو ما أوجبته لزيد وهو المجىء، ومشكل فى قصر الموصوف على الصفة مثل: زيد قائم لا قاعد، فإن المنفى بها القعود ولم يثبت للمتبوع الذى هو قائم كما هو ظاهر، وأجيب بأن المراد بما أوجب للمتبوع المحكوم به أو الثبوت للمحكوم عليه ففى المثال المذكور المتبوع وهو قائم أوجب له الثبوت للمسند إليه وهو زيد وقد نفى بها هذا الثبوت عن التابع وهو قاعد؛ لأن معنى زيد قائم لا قاعد أن زيدا محكوم عليه بالقيام وليس محكوما عليه بالقعود، بل هو منفى عنه وقوله: لأن تنفى بها أى: أولا بقرينة قوله لا؛ لأن تعيد بها النفى فلا يرد ما قيل إن وضعها؛ لأن تنفى بها أوجبته للمتبوع لا يقتضى إلا كونها بعد الإيجاب للمتبوع، ولا يقتضى عدم تكرار النفى، وهذا صادق بقولنا: ما جاءنى إلا زيد لا عمرو فمقتضى كلامه جواز ذلك مع أنه ممنوع، وحاصل الجواب أن المراد بقوله: إنها موضوعة لأن تنفى بها أى: أولا ما أوجبته للمتبوع، وما أوجب للمتبوع وهو المجئ هنا ليس منفيا بلا أولا فى المثال، بل بما لأن المعنى ما جاءنى أحد إلا زيد لا عمرو وعمرو من جملة أفراد الأحد فيكون منفيا بما، غاية الأمر أنه تكرر النفى بقوله لا عمرو. تأمل. قرره شيخنا العلامة العدوى.
(قوله: لا لأن تعيد إلخ) أى: وإلا كان تكرارا وهو ممنوع، فإن قلت نجعل لا فى نحو: ما زيد إلا قائم لا قاعد لتأكيد نفى القعود الحاصل بما. قلت هو خلاف أصل وضع لا أو أن لا فى النفى أقوى من غير، فلا يؤكد به غيره كما لا يؤكد أكتع بأجمع
(قوله: وهذا الشرط) أعنى عدم كون المنفى بها منفيا قلبها بغيرها
(قوله: فقد نفيت عنه)
стр. 1019
وقع فيها التنازع؛ حتى كأنك قلت: ليس هو بقاعد، ولا نائم، ولا مضطجع، ونحو ذلك، فإذا قلت: لا قاعد فقد نفيت بلا العاطفة شيئا هو منفى قبلها بما النافية، وكذا الكلام فى: ما يقوم إلا زيد؛ وقوله: بغيرها يعنى من أدوات النفى؛ على ما صرح به فى المفتاح؛ وفائدته الاحتراز عما إذا كان منفيا بفحوى الكلام، ...
===
أى: بلفظ ما التى هى أداة نفى صراحة وإن كان المنفى مجملا.
(قوله: وقع فيها التنازع) أى: والصفة التى تنفيها بلا بعد هذا يجب أن تكون مما وقع فيها النزاع، وإلا خرجت عما يراعى فى خطاب العطف بها من إفادة الحصر أو تأكيده.
(قوله: حتى كأنك إلخ) أتى بالكأنية لكون ذلك القول ليس بمحقق وإلا نافى قوله والأصل فى الثلاثة إلخ
(قوله: ونحو ذلك) أى: كالمستلقى.
(قوله: فقد نفيت بلا العاطفة شيئا إلخ) أى: فلزم التكرار وحينئذ فلا يصح ورودها بعد النفى والاستثناء قيل المنع إذا عطف على المستثنى منه، وأما إذا عطف على المستثنى فهو جائز لعطفه على المثبت، فإذا قلت: ما قام القوم إلا زيد لا عمرو صح على أنه معطوف على زيد؛ لأن المعنى نفى القيام عن القوم وإثباته لزيد ثم نفى إثباته عن عمرو لعطفه بلا النافية على زيد الثابت له القيام، فيلزم نفى القيام عن عمرو تفصيلا كما نفى عنه فى ضمن القوم إجمالا وفيه نظر مع ما تقرر من أن منفيها لا بد أن يكون غير منفى بغيرها قبلها، سواء كان نفيها على جهة الإجمال، أو التفصيل، وليس الشرط أن لا يكون منفيا قبلها تفصيلا فقط حتى يتم هذا القيل
(قوله: وكذا الكلام إلخ) يعنى أنه لا فرق بين قصر الموصوف على الصفة وهو ما مر، وقصر الصفة على الموصوف وهو ما هنا فى هذا المثال فإنك قد نفيت فيه القيام عن عمرو وبكر وغيرهما من كل ما هو مغاير لزيد، فلا يصح أن تقول: ما يقوم إلا زيد لا عمرو
(قوله: يعنى إلخ) لما كان الغير شاملا لغير أدوات النفى كفحوى الكلام، وكان غير مراد أتى بالعناية
(قوله: وفائدته) أى: فائدة تقييد الغير بكونه من أدوات النفى
(قوله: عما إذا كان النفى مدلولا عليه بفحوى الكلام) أى: التقديم كما فى قولنا: زيدا ضربت فلا مانع أن يقال
стр. 1020
أو علم المتكلم، أو السامع، أو نحو ذلك كما سيجىء فى: إنما. لا يقال: هذا يقتضى جواز أن يكون منفيا قبلها بلا العاطفة الأخرى نحو: جاءنى الرجال لا النساء لا هند؛ لأنا نقول: الضمير لذلك المشخص؛ أى: بغير لا العاطفة التى نفى بها ذلك المنفى، ومعلوم أنه يمتنع نفيه قبلها بها لامتناع أن ينفى شىء بلا قبل الإتيان بها؛ وهذا كما يقال: دأب الرجل الكريم أن لا يؤذى غيره؛ ...
===
لا عمرا
(قوله: أو علم المتكلم) أى: والحال أن السامع يعلم خلافه كما إذا كنت تعلم بضرب زيد دون عمرو والسامع يعلم بعلمك ذلك إلا أنه يعلم خلاف ما تعتقده فتقول ضربت زيدا لا عمرا
(قوله: أو نحو ذلك) أى: من الأفعال المتضمنة للنفى وليس هو معناها صريحا كأبى وامتنع وكف، فإن معناها الصريح ثبوت الامتناع والإباء والكف
(قوله: كما سيجئ) راجع لقوله أو نحو ذلك
(قوله: لا يقال هذا) أى: ما ذكر فى بيان قوله بغيرها يقتضى إلخ؛ لأن المصنف لم يشترط إلا أن لا يكون المنفى منفيا قبلها بغيرها لا بها والمتبادر أن المراد بغير لا غير نوعها من أدوات النفى وحينئذ يكون المثال المذكور صحيحا لأن هند ليس منفيا قبلها بغير نوعها بل منفى بها
(قوله: لأنا نقول إلخ) حاصله أن المراد غير شخص لا ومنه لا أخرى قبلها، وحينئذ فلا يصح المثال؛ لأن هند منفى بغير شخص لا الداخلة عليها قبل التصريح بها
(قوله: الضمير) أى: فى قوله بغيرها.
(قوله: ومعلوم إلخ) جواب عما يقال إن ما ذكر من الجواب وهو أن شرط المنفى بلا أن لا يكون منفيا قبلها بغير شخصها الذى وقع النفى به يقتضى أن نفيه قبلها بشخصها الذى وقع النفى به جائز مع أنه لا يجوز فكان الواجب الاحتراز عنه، وحاصل الجواب أن هذا معلوم استحالته وإن كانت العبارة صادقة به وإذا كان محالا لا يتأتى وجوده فلا معنى للاحتراز عنه- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: لامتناع أن ينفى شىء) أى: كالنساء بلا أى الداخلة على هند فى المثال قبل الإتيان بها، بل إنما ينفى بلا أخرى مماثلة لها
(قوله: وهذا) أى: قول المصنف بغيرها حيث جعلنا الضمير راجعا للشخص لا للنوع كما يقال إلخ فهو تنظير فى أن الضمير فى كل عائد على الشخص فقوله أن لا يؤذى غيره أى: غير شخصه أعم من أن يكون غير