← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1473

استدراك الزيادات على كتاب الرحلة

نور الدين عتر

Полный текст (38 стр.). Показаны 1–38.

стр. 1

استدراك الزيادات على كتاب الرحلة مما لم يذكره الحافظ الخطيب رحلة الصحابة إلى النبي ﷺ : لم يخرج الإمام أبو بكر الخطيب شيئا من هذا النوع، وهو كثير جدا، لأن كثيرا من الصحابة كان يقصد النبي ﷺ يرحل إليه، ليتشرف بلقائه، ويحمل عنه وصية، أو خطبة، أو حديثا، وكثير منهم رحلوا لسؤال النبي ﷺ عن مسألة أشكلت عليهم. وإليك طرفا من ذلك: ٨٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شئ، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع،

стр. 2

فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟. قال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟. قال: الله. قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟. قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟. قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا؟ قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟. قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا؟. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع

стр. 3

إليه سبيلا؟. قال: صدق. قال: ثم ولى، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن. فقال النبي ﷺ : " لئن صدق ليدخلن الجنة ". متفق عليه (١) ٨٣ - وللبخاري عن أنس قال: بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: ابن عبد المطلب!، فقال له النبي ﷺ : قد أجبتك. فقال الرجل للنبي ﷺ : إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد (٢) علي في نفسك. فقال: سل عما بدا لك. فقال: أسألك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم.

стр. 4

قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﷺ : اللهم نعم. فقال الرجل: " آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر " (١). ٨٤ - قال ابن عباس ﵄: فما سمعنا بوافد قوم يقول أفضل من ضمام ". أخرجه أحمد والطبراني في حديث طويل (٢) ٨٥ - عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال:

стр. 5

جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : " خمس صلوات في اليوم والليلة ". فقال: " هل علي غيرها؟ " قال: " لا، إلا أن تطوع ". قال رسول الله ﷺ : " وصيام رمضان " قال: " هل علي غيره؟: قال: " لا، إلا أن تطوع ". قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة. قال: " هل علي غيرها؟ " قال: " لا، إلا أن تطوع ". قال: فأدبر الرجل وهو يقول: " والله لا أزيد على هذا ولا أنقص ". قال رسول الله ﷺ : " أفلح إن صدق ". متفق عليه (١) وهذا الرجل غير ضمام بن ثعلبة، لأن ضماما سعدي بكري ذو عقيصتين أي ضفيرتين كما في المسند والمعجم الكبير للطبراني، وهذا نجدي ثائر الرأس، فهما مختلفان موطنا وهيئة.

стр. 6

٨٦ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ قال: " من القوم أو من الوفد؟ " قالوا: ربيعة. قال: " مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى ". فقالوا: يا رسول الله إنا لا نستطيع أن فأتيك إلا في شهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة، فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: " أتدرون ما الإيمان بالله وحده "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس "، ونهاهم عن أربع: عن الحنتم، والدباء، والنقير، والمزفت، وربما قال المقير. وقال: " احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم ". متفق عليه (١)

стр. 7

وهذه المنهيات أوعية ينبذ فيها المسكر فنهاهم عما ينبذ فيها. الحنتم: الجرة الخضراء، والدباء: القرع اليابس يتخذ منه إناء للخمر، والنقير: جذع ينقر وسطه. والمقير ما طلي بالقار كالمزفت المطلي بالزفت. ٨٧ - عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ انهما قالا: إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ ، فقال: " يا رسول الله: أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله ". فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: " نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي ". فقال رسول الله ﷺ : " قل ". قال: " ان ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم؟ ". فقال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما

стр. 8

بكتاب الله: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها ". قال: " فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت ". متفق عليه (١) الأعرابي: هو ساكن البادية. وقد رحل مع صاحبه إلى النبي ﷺ ، لسؤاله عن هذه الواقعة ليس له حاجة غيرها. عسيفا على هذا: أي أجيرا عند هذا. الوليدة والغنم رد: أي الجارية المملوكة والغنم ترد إليك. ٨٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ جاءه أعرابي، فقال: " يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما أسود؟! " فقال: " هل لك من إبل؟ " قال: " نعم ". قال: " ما ألوانها؟ ". قال: " حمر ".

стр. 9

قال: " فيها من أورق؟ ". قال: " نعم ". قال: " فأنى ذلك؟ ". قال: " أراه عرق نزعه ". قال: " فلعل ابنك هذا نزعه عرق ". متفق عليه (١) الأورق: الأسمر نزعه عرق: جذبه الشبه إلى بعض أجداده بعامل الوراثة. ومن آثار الصحابة في الرحلة: ٨٩ - قول أبي الدرداء: " لو أعيتني آية من كتاب الله فلم أجد أحدا يفتحها علي إلا رجل ببرك الغماد لرحلت إليه " (٢). من رحلات التابعين ومن بعدهم: وفيها جاء هذا الحديث: ٩٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون

стр. 10

أحدا أعلم من عالم المدينة ". أخرجه الترمذي وسننه وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي (١) ٩١ - عن عامر بن شراحيل الشعبي الإمام التابعي أنه خرج إلى مكة في ثلاثة أحاديث ذكرت له، فقال: " لعلي ألقى رجلا لقي النبي ﷺ أو من أصحاب النبي ﷺ ". أخرجه الرامهرمزي (٢) ٩٢ - عن علي بن المديني قال: قيل للشعبي: " من أين لك هذا العلم كله؟ ". قال: " بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبر كصبر

стр. 11

الجماد، وبكور كبكور الغراب ". تذكرة الحفاظ (١) ٩٣ - عن أحمد بن حنبل ﵁ أنه قيل له: " أيرحل الرجل في طلب العلو؟ ". فقال: " بلى والله شديدا، لقد كان علقمة والأسود يبلغهما الحديث عن عمر ﵁، فلا يقنعهما حتى يخرجا إلى عمر فيسمعانه منه ". علوم الحديث (٢) هذان الإمامان الجليلان من أئمة التابعين يخرجان من العراق إلى المدينة مسيرة شهر لكي يسمعا من عمر حديثا بلغهما عنه. ٩٤ - عن الشعبي قال: " ما علمت أن أحدا من الناس

стр. 12

كان أطلب لعلم في أفق من الآفاق من مسروق ". أخرجه الرامهرمزي وابن عبد البر (١) ٩٥ - وعن سفيان عن رجل " أن مسروقا رحل في حرف، وأن أبا سعيد رحل في حرف ". أخرجه ابن عبد البر (٢) ٩٦ - مكحول الدمشقي الإمام قال: "كنت عبدا بمصر لامرأة من بني هذيل فأعتقتني فما خرجت من مصر وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الحجاز فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الحجاز فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت العراق فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها، كل ذلك أسأل عن النفل (٣) فلم أجد أحدا يخبرني فيه بشئ حتى أتيت شيخا يقال له زياد بن جارية التميمي فقلت له: هل سمعت في النفل شيئا؟

стр. 13

قال: نعم: سمعت حبيب بن مسلمة الفهري يقول: شهدت النبي ﷺ نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة ". أخرجه أبو داود وابن ماجة (١) ٩٧ - وعن ابن إسحاق قال: سمعت مكحولا يقول: " طفت الأرض في طلب العلم ". ذكره الذهبي في التذكرة (٢) ٩٨ - أربدة (٣) التميمي التابعي راوي التفسير عن ابن عباس، قال العجلي: " تابعي كوفي ثقة "، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: " صدوق ". روى عنه أبو إسحاق السبيعي الإمام الحافظ أنه قال:

стр. 14

" ما سمعت بأرض فيها علم إلا أتيتها ". أخرجه أحمد في العلل (١) ٩٩ - الإمام الحافظ العلم علي بن المديني شيخ الإمام البخاري: قال: حججت حجة وليس لي همة إلا أن أسمع … ". أخرجه الترمذي (٢) ١٠٠ - الإمام الحافظ عبد الرحمن بن الإمام الكبير أبي حاتم محمد بن إدريس قال: سمعت أبي ﵀ يقول: "قلت على باب أبي الوليد الطيالسي: من أغرب علي حديثا غريبا مسندا صحيحا لم أسمعه فله علي درهم يتصدق به ". وقد حضر على باب أبي الوليد خلق. من الخلق: أبو زرعة فمن دونه، وإنما كان مرادي أن يلقى علي ما لم أسمع

стр. 15

به، فيقولون: هو عند فلان. فأذهب فأسمع. وكان مرادي أن أسمع منهم ما ليس عندي، فما تهيأ لأحد منهم أن يغرب علي حديثا ". تقدمة الجرح والتعديل (١) ١٠١ - عن المؤمل بن إسماعيل إنه ذكر عنده الحديث الذي يروى عن أبي عن النبي ﷺ في فضل القرآن (٢)، فقال: لقد حدثني رجل ثقة سماه، قال: أتيت المدائن فلقيت الرجل الذي يروي هذا الحديث، فقلت له حدثني فإني أريد أن آتي البصرة. فقال: هذا الرجل الذي سمعنا منه هو بواسط في أصحاب القصب.

стр. 16

قال: فأتيت واسطا فلقيت الشيخ، فقلت: إني كنت بالمدائن فدلني عليك الشيخ وإني أريد أن آتي البصرة. قال: ان هذا الذي سمعت منه هو بالكلاء. فأتيت البصرة فلقيت الشيخ بالكلاء، فقلت له حدثني فإني أريد أن آتي عبادان. فقال: " إن الشيخ الذي سمعناه منه هو بعبادان ". فأتيت عبادان فلقيت الشيخ، فقلت له: " اتق الله ما حال هذا الحديث؟ أتيت المدائن - فقصصت عليه - ثم واسطا، ثم البصرة، فدللت عليك، وما ظننت إلا أن هؤلاء كلهم قد ماتوا، فأخبرني بقصة هذا الحديث ". فقال: " إنا اجتمعنا هنا فرأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، وزهدوا فيه، وأخذوا في هذه الأحاديث، فقعدنا فوضعنا لهم هذه الفضائل حتى يرغبوا فيه ". أخرجه الخطيب في الكفاية (١) وابن الجوزي (٢)

стр. 17

١٠٢ - الحافظ أبو جعفر أحمد بن حمدان النيسابوري الزاهد العابد المجاب الدعوة صاحب الكتاب الجليل " المستخرج على صحيح مسلم ". قال أبو عمرو بن الصلاح: " رحل في حديث واحد منه إلى أبي يعلى الموصلي، ورحل في أحاديث معدودة منه لم يكن سمعها حتى سمعها. وروينا أنه سمعه منه الشيخ القدوة أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الزاهد الحيري، فكان إذا بلغ منه موضعا فيه سنة لم يستعملها وقف عندها إلى أن يستعملها ". شرح مسلم لابن الصلاح (١) ١٠٣ - الفضل بن غانم الخزاعي قاضي الري للرشيد. وكان ممن لم يجب المعتزلة ومن وافقهم من الحكام إلى القول بخلق القرآن

стр. 18

روى إبراهيم بن محمد المخرمي حدثنا الفضل بن غانم حدثنا مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي ﵁ قال قال: قال رسول الله ﷺ : " من قال في اليوم مائة مرة لا إله إلا الله الملك الحق المبين كان له أمان من الفقر … الحديث " (١). قال: الفضل بن غانم: "لو رحل في هذا الحديث إلى خراسان لكان قليلا " (٢). اللسان ١٠٤ - المسيب بن واضح السلمي التلمنسي (٣). قال الحسين بن عبد الله القطان: سمعت المسيب بن واضح يقول: " خرجت من قرية تلمنس أريد إلى مصر ابن لهيعة فأخبرت بموته ". الميزان واللسان (٤)

стр. 19

طرائف من رحلات المحدثين نقدم إليك أخبارا لطيفة من طرائف رحلات المحدثين ﵃ وأجزل مثوبتهم، نختارها من بين ما وقعنا عليه (١) لمناسبة موضوع هذا الكتاب: ١٠٥ - الهيثم بن جميل البغدادي أبو سهل الحافظ نزيل أنطاكية. ثقة صاحب سنة يغلط على الثقات. قال سفيان بن محمد المصيصي: " شهدت الهيثم بن جميل وهو يموت وقد سجي نحو القبلة، فقامت جاريته تغمز رجليه (أي لترى صحوه) فقال: اغمزيهما فالله يعلم أنه ما مشتا إلى حرام قط ". رحل وتجول في طلب الحديث، وتحمل الكثير، قال ابن سعد: سمعت موسى بن داود يقول: "أفليس الهيثم بن جميل في طلب الحديث مرتين ".

стр. 20

توفى سنة ٢١٣. رحمه الله تعالى (١). ١٠٦ - يعقوب بن سفيان بن جوان الفسوي (٢) المحدث الحافظ. كان ممن جمع وصنف مع الورع والنسك والصلابة في التمسك بالسنة، قال الحاكم: " فأما سماعه ورحلته وأفراد حديثه فأكثر من أن يمكن ذكرها ". وقال أبو عبد الرحمن النهاوندي سمعت يعقوب بن سفيان يقول: " كتبت عن ألف شيخ وكسر كلهم ثقات ". وقال يعقوب أيضا: " قمت في الرحلة ثلاثين سنة ". وقال أبو زرعة الدمشقي: " قدم علينا رجلان من نبلاء الناس أحدهما وأرحلهما يعقوب بن سفيان، يعجز أهل العراق أن يروا مثله ". مات سنة سبع وسبعين ومائتين. قال عبدان بن محمد المروزي: " رأيت يعقوب بن سفيان في النوم فقلت: ما فعل الله تعالى بك؟ قال: " غفر لي وأمرني أن أحدث في السماء كما كنت أحدث في الأرض ". ومن عنايات الله بهذا الإمام في طلبه للحديث هذا الحديث الذي أخبر به عن نفسه نسوقه عبرة لطلاب العلم: قال محمد بن يزيد العطار سمعت يعقوب بن سفيان يقول: " كنت في رحلتي فقلت نفقتي، فكنت أدمن الكتابة ليلا، وأقرأ نهارا، فلما كان ذات ليلة كنت جالسا أنسخ في السراج، وكان شتاء، فنزل

стр. 21

الماء في عيني فلم أبصر شيئا، فبكيت على نفسي لانقطاعي عن بلدي وعلى ما فاتني من العلم، فغلبتني عيناي فنمت فرأيت النبي ﷺ في النوم، فناداني: " يا يعقوب لم أنت بكيت؟ " فقلت: يا رسول الله ذهب بصري فتحسرت على ما فاتني. فقال لي: " أدن مني "، فدنوت منه فأمر يده على عيني كأنه يقرأ عليهما، ثم استيقظت فأبصرت، فأخذت نسخي وقعدت أكتب " (١). ١٠٧ - يحيى بن معين بن عون المري الغطفاني مولاهم، أبو زكريا البغدادي: إمام الجرح والتعديل، وأحد من انتهى إليه علم الحديث في عصره، قال: كتبت بيدي ألف ألف حديث، قال الإمام أحمد: " كان ابن معين أعلمنا بالرجال "، وقال أبو سعيد الحداد: " الناس كلهم عيال على يحيى بن معين ". وذكر ابن عدي أن والد يحيى خلف له ثروة ضخمة ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فأنفق ذلك كله على الحديث (٢)، لما توسع في طلبه ورحلاته من أجله. ومن لطائف أخبار رحلاته، هذه الرحلة التي سافر فيها مع صديقه الإمام أحمد بن حنبل من العراق إلى اليمن للسماع من الإمام عبد الرزاق ابن همام الصنعاني حافظ اليمن، وفي العودة أراد أن يدخل الكوفة ليختبر الحافظ أبا نعيم الفضل بن دكين ويعرف حفظه وتيقظه ونباهته، وكان يرافقهما

стр. 22

في هذه الرحلة أحمد بن منصور الرمادي الثقة، وهذا نصه يروي قصة هذا الاختبار (١). قال أحمد بن منصور الرمادي: " خرجت مع أحمد ويحيى إلى عبد الرزاق أخدمهما، فلما عدنا إلى الكوفة قال يحيى لأحمد: أريد أختبر أبا نعيم. فقال له أحمد: لا تزيد الرجل إلا ثقة. فقال يحيى: " لا بد لي "، فأخذ ورقة وكتب فيها ثلاثين حديثا من حديث أبي نعيم، وجعل على رأس كل عشرة منها حديثا ليس من حديثه، ثم جاءوا إلى أبي نعيم، فخرج فجلس على دكان، فأخرج يحيى الطبق فقرأ عليه عشرة ثم قرأ الحادي عشر، فقال أبو نعيم: ليس من حديثي، اضرب عليه، ثم قرأ العشر الثاني، وأبو نعيم ساكت، فقرأ الحديث الثاني، فقال: ليس من حديثي اضرب عليه، ثم قرأ العشر الثالث وقرأ الحديث الثالث، فانقلبت عيناه، وأقبل على يحيى فقال: أما هذا - وذراع أحمد في يده - فأورع من أن يعمل هذا، وأما هذا يريدني فأقل من أن يعمل هذا، ولكن هذا من فعلك يا فاعل، ثم أخرج رجله فرفسه، فرمى به وقام فدخل داره. فقال أحمد ليحيى: ألم أقل لك إنه ثبت. قال: " والله لرفسته أحب إلي من سفرتي!! ". ١٠٨ - روى عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢) قال سمعت أبي يقول: " بقيت بالبصرة في سنة أربع عشرة ومائتين ثمانية أشهر، وكان في

стр. 23

نفسي أن أقيم سنة! فانقطع نفقتي، فجعلت أبيع ثياب بدني شيئا بعد شئ، حتى بقيت بلا نفقة، ومضيت أطوف مع صديق لي إلى المشيخة، وأسمع منهم إلى المساء، فانصرف رفيقي ورجعت إلى بيت خال، فجعلت أشرب الماء من الجوع، ثم أصبحت من الغد وغدا علي رفيقي فجعلت أطوف معه في سماع الحديث على جوع شديد، فانصرف عني وانصرفت جائعا. فلما كان من الغد غدا علي. فقال: " مر بنا إلى المشايخ ". قلت: " أنا ضعيف لا يمكنني " قال: " ما ضعفك؟ ". قلت: " لا أكتمك أمري، قد مضى يومان ما طعمت فيهما شيئا ". فقال: " قد بقي معي دينار، فأنا أواسيك بنصفه، ونجعل النصف الآخر في الكراء ". فخرجنا من البصرة. وقبضت منه النصف دينار. ١٠٩ - الحافظ الإمام الجوال الفضل بن محمد بن المسيب البيهقي، الشعراني المتوفي سنة ٢٨٢ هـ، كان أديبا فقيها، عابدا، عارفا بالرجال. قال ابن المؤمل: "كنا نقول: ما بقي بلد لم يدخله الفضل الشعراني في طلب الحديث إلا الأندلس ". تذكرة الحفاظ (١)

стр. 24

١١٠ - الحافظ البارع الجوال الزاهد القدوة محمد بن المسيب بن إسحاق الأرغياني، المتوفي سنة ٣١٥ هـ. قال الإمام أبو عبد الله الحاكم: " كان من العباد المجتهدين، سمعت غير واحد من مشايخنا يذكرون عنه أنه قال: " ما أعلم منبرا من منابر الإسلام بقي علي لم أدخله لسماع الحديث، وسمعت أبا إسحاق المزكي يقول سمعت محمد بن المسيب يقول: " كنت أمشي في مصر، وفي كمي مائة جزء، في كل جزء ألف حديث ". وسمعت أبا علي الحافظ يقول: " كان محمد بن المسيب يمشي بمصر وفي كمه مائة ألف حديث، كان دقيق الخط، وصار هذا كالمشهور من شأنه ". تذكرة الحفاظ (١) ١١١ - محدث أصبهان الإمام الراحل الحافظ الثقة أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي الأصبهاني الخازن المشهور بابن المقرئ المتوفي سنة ٣٨١ هـ. سمع مالا يحصى كثره. قال أبو طاهر أحمد بن محمود: سمعت ابن المقرئ يقول: " طفت الشرق والغرب أربع مرات ". وعن ابن المقرئ قال: " مشيت بسبب نسخة (٢) مفضل بن فضالة سبعين مرحلة، ولو عرضت على خبار برغيف لم يقبلها ".

стр. 25

وقال أبو طاهر بن سلمة: " سمعت ابن المقرئ يقول: دخلت بيت المقدس عشر مرات … ". تذكرة الحفاظ (١) ١١٢ - المحدث الحافظ محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده الأصبهاني الرحالة، كان من أئمة هذا الشأن وثقاتهم، ولد سنة عشر وثلاثمائة، وسمع سنة ثماني عشرة وبعدها، ورحل سنة ثلاثين إلى نيسابور فأدرك أبو حامد بن بلال وكتب عن الأصم نحوا من ألف جزء، ثم رحل إلى بغداد فلقي ابن البختري والصفار، ولقي بدمشق خيثمة بن سليمان وطبقته، ولقي بمكة أبا سعيد بن الأعرابي، وبمصر أبا الطاهر المديني وببخارى ومرو وبلخ جماعة، وطوف الأقاليم، وكتب بيده عدة أحمال، وبقي في الرحلة نحوا من أربعين سنة، ثم عاد إلى وطنه شيخا، فتزوج، ورزق الأولاد، ويقال إنه لما رجع إلى بلده أصبهان قدمها ومعه أربعون حملا من الكتب والأجزاء، قال ابن منده ﵀: " كتبت عن ألف شيخ وسبعمائة شيخ ". وكان من دعاة السنة وحفاظ الأثر، حدث بالكثير، حتى توفي سنة ٣٩٥، قال الباطرقاني: " إمام الأئمة في الحديث " ﵀. تذكرة الحفاظ (٢) ١١٣ - الحافظ العالم المكثر الجوال أبو الفضل محمد بن طاهر بن

стр. 26

علي المقدسي، المتوفي سنة ٥٠٧ ما كان على وجه الأرض له نظير، قال السلفي سمعت ابن طاهر يقول: " كتبت الصحيحين وسنن أبي داود سبع مرات بالأجرة … ". وقال أبو مسعود عبد الرحيم الحاجي سمعت ابن طاهر يقول " بلت الدم في طلب الحديث مرتين: مرة ببغداد، ومرة بمكة، كنت أمشي حافيا في الحر فلحقني ذلك، وما ركبت دابة قط في طلب الحديث، وكنت أحمل كتبي على ظهري ". تذكرة الحفاظ (١) ١١٤ - الحافظ الإمام علم السنة عبيد الله بن سعيد بن حاتم أبو نصر السجزي المتوفي سنة ٤٤٤ هـ. من أحفظ أهل زمانه للحديث، طوف الآفاق في طلب الحديث. قال الحافظ أبو إسحاق الحبال: " كنت يوما عند أبي نصر السجزي فدق الباب، فقمت ففتحته، فدخلت امرأة وأخرجت كيسا فيه ألف دينار، فوضعته بين يدي الشيخ وقالت: " أنفقها كما ترى ". قال: " ما المقصود؟ ". قالت: " تتزوجني، ولا حاجة لي في الزوج، ولكن لأخدمك "! فأمرها بأخذ الكيس وأن تنصرف، فلما انصرفت قال: " خرجت من سجستان بنية طلب العلم، ومتى تزوجت سقط عني هذا الاسم، وما أوثر

стр. 27

عنه ثواب طلب العلم شيئا ". تذكرة الحفاظ (١) ١١٥ - الإمام الكبير الجهبذ أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي إمام المحدثين في الحديث وفي الجرح والتعديل ومعرفة العلل والرجال، المتوفى سنة ٢٧٧ هـ. رحلته من أطرف رحلات المحدثين. روى ابنه عبد الرحمن عنه في كتابه " تقدمة الجرح والتعديل " قال: سمعت أبي يقول: " أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ (٢)، لم أزل أحصي حتى زاد على ألف فرسخ تركته (٣)، أما ما كنت سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فمالا أحصي كم مرة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، وخرجت من البحرين من قرب مدينة صلا، إلى مصر ماشيا، ومن مصر إلى الرملة ماشيا، ومن الرملة إلى بيت المقدس، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى أنطاكية، ومن أنطاكية إلى طرسوس، ثم رجعت من طرسوس إلى حمص، وكان بقي علي شئ من حديث أبي اليمان فسمعت، ثم خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط

стр. 28

إلى النيل، ومن النيل إلى الكوفة، كل ذلك ماشيا، كل هذا في سفري الأول، وأنا ابن عشرين سنة أجول سبع سنين، خرجت من الري سنة ثلاث عشرة ومائتين … في شهر رمضان، ورجعت سنة إحدى وعشرين ومائتين … ". تقدمة الجرح والتعديل (١) ١١٦ - وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: " كنا في البحر، فاحتلمت، فأصبحت وأخبرت أصحابي به، فقالوا لي: اغمس نفسك في البحر. قلت: إني لا أحسن أن أسبح فقالوا: إنا نشد فيك حبلا ونعلقك من الماء ". "فشدوا في حبلا وأرسلوني في الماء وأنا في الهواء أريد إسباغ الوضوء فلما توضأت قلت لهم: أرسلوني قليلا، فأرسلوني، فغمست نفسي في الماء قلت: ارفعوني، فرفعوني ". تقدمة الجرح والتعديل (٢) ١١٧ - وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: "لما خرجنا من المدينة من عند داود الجعفري صرنا إلى الجار (٣) وركبنا البحر، وكنا ثلاثة أنفس: أبو زهير المروروذي شيخ، وآخر

стр. 29

نيسابوري. فركبنا البحر وكانت الريح في وجوهنا، فبقينا في البحر ثلاثة أشهر، وضاقت صدورنا، وفني ما كان معنا من الزاد، وبقيت بقية، فخرجنا إلى البر فجعلنا نمشي أياما على البر حتى فني ما كان معنا من الزاد والماء، فمشينا يوما وليلة لم يأكل أحد منا شيئا ولا شربنا، واليوم الثاني كمثله، واليوم الثالث. كل يوم نمشي إلى الليل، فإذا جاء المساء صلينا وألقينا بأنفسنا حيث كنا، وقد ضعفت أبداننا من الجوع والعطش والعياء، فلما أصبحنا اليوم الثالث جعلنا نمشي على قدر طاقتنا، فسقط الشيخ مغشيا عليه، فجئنا نحركه وهو لا يعقل، فتركناه ومشينا أنا وصاحبي النيسابوري قدر فرسخ أو فرسخين، فضعفت وسقطت مغشيا علي، ومضى صاحبي وتركني، فلم يزل هو يمشي إذ بصر من بعيد قوما قد قربوا سفينتهم من البر، ونزلوا على بئر موسى ﷺ ، فلما عاينهم لوح بثوبه إليهم، فجاءوه معهم الماء في إداوة، فسقوه وأخذوا بيده. فقال لهم: الحقوا رفيقين لي قد ألقوا بأنفسهم مغشيا عليهم، فما شعرت إلا برجل يصب الماء على وجهي، ففتحت عيني فقلت: اسقني فصب من الماء في ركوة أو مشربة شيئا يسيرا، فشربت ورجعت إلي نفسي، ولم يروني ذلك القدر، فقلت: اسقني فسقاني شيئا يسيرا، وأخذ بيدي، فقلت: ورائي شيخ ملقى، قال: قد ذهب إلى ذاك جماعة، فأخذ بيدي وأنا أمشي أجر رجلي، ويسقيني شيئا بعد شئ، حتى إذا بلغت إلى عند سفينتهم وأتوا برفيقي الثالث الشيخ، وأحسنوا إلينا أهل السفينة، فبقينا أياما حتى رجعت إلينا أنفسنا.

стр. 30

ثم كتبوا لنا كتابا إلى مدينة يقال لها " راية " إلى واليهم، وزودونا من الكعك والسويق والماء فلم نزل نمشي حتى نفد ما كان معنا من الماء والسويق والكعك، فجعلنا نمشي جياعا عطاشا على شط البحر، حتى وقعنا إلى سلحفاة قد رمى به البحر مثل الترس فعمدنا إلى حجر كبير فضربنا على ظهر السلحفاة فانفلق ظهره، وإذا فيها مثل صفرة البيض، فأخذنا من بعض الأصداف الملقى على شط البحر فجعلنا نغترف من ذلك الأصفر فنتحساه، حتى سكن عنا الجوع والعطش. ثم مررنا وتحملنا حتى دخلنا مدينة الراية، وأوصلنا الكتاب إلى عاملهم فأنزلنا في داره وأحسن إلينا، وكان يقدم إلينا كل يوم القرع، ويقول لخادمه: هاتي لهم باليقطين المبارك، فيقدم إلينا من ذاك اليقطين مع الخبز أياما. فقال واحد منا بالفارسية: لا تدعوا باللحم المشؤوم؟ وجعل يسمع الرجل صاحب الدار. فقال: أنا أحسن، بالفارسية، فإن جدتي كانت هروية، فأتانا بعد ذلك باللحم. ثم خرجنا من هناك، وزودنا إلى أن بلغنا مصر ". تقدمة الجرح والتعديل (١)

стр. 31

وفي الختام نقدم هذه النصوص الثلاثة لأعلام من كبار الأئمة عبرة وذكرى لأولي الألباب فيما بذله أجدادهم، وما أثمره جهادهم العلمي الخالص لله تعالى من بنيان علمي ديني وحضاري، ولنهيب بشبابنا أن تابعوا الخطى واسلكوا سبيل الائتساء بهؤلاء الأسلاف الكرام، في النهوض بعلوم الإسلام وبث الوعي في المسلمين على أساس من هداية كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ : ١١٨ - النص الأول للإمام ابن الجوزي: وهو الإمام الكبير المحدث الحافظ المفسر الصوفي عالم العراق وواعظ الآفاق: عبد الرحمن بن علي بن محمد، المشهور بابن الجوزي، صاحب التصانيف السائرة في فنون العلم، ومجموعها مائتان ونيف وخمسون كتابا، ما بين رسالة صغيرة، وكتاب ضخم مثل " زاد المسير في علم التفسير " وكان يحضر مجالس وعظه الملوك والوزراء. قال سبطه: سمعت جدي يقول على المنبر: " كتبت بإصبعي ألفي مجلد، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألفا ". وكان رحمه الله تعالى حريصا على وقته لا يضيع منه شيئا، حتى كان إذا جاءه الزوار شغل نفسه مع الحديث إليهم بأعمال بسيطة آلية، مثل تقطيع الورق ليعده للكتابة، وبري الأقلام، ونحو ذلك. وقد فسح الله في عمره بالخير الكثير والأمد الطويل، وتوفي سنة ٥٩٧ ﵀ ورضي عنه (١).

стр. 32

وهذا النص من كتابه الطريف النافع " صيد الخاطر " (١) قال فيه ما يلي: "تأملت أحوال الناس في حالة علو شأنهم فرأيت أكثر الخلق تبين خسارتهم حينئذ، فمنهم من بالغ في المعاصي من الشباب، ومنهم من فرط في اكتساب العلم، ومنهم من أكثر من الاستمتاع باللذات. فكلهم نادم في حالة الكبر حين فوات الاستدراك لذنوب سلفت، أو قوى ضعفت، أو فضيلة فاتت، فيمضي زمان الكبر في حسرات. فإن كانت للشيخ إفاقة من ذنوب قد سلفت قال: وا أسفاه على ما جنيت، وإن لم يكن له إفاقة صار متأسفا على فوات ما كان يلتذ به. فأما من أنفق عصر الشباب في العلم فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جني ما غرس ويلتذ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئا بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم. هذا مع وجود لذاته في الطلب الذي كان تأمل به إدراك المطلوب وربما كانت تلك الأعمال أطيب مما نيل منها، كما قال الشاعر: أهتز عند تمني وصلها طربا … ورب أمنية أحلى من الظفر ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا، وأنفقت زمن الصبوة والشباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي ندمت عليه. ثم تأملت حالي فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم، وجاهي بين الناس أعلى من جاههم. وما نلته من معرفة العلم لا يقاوم.

стр. 33

فقال لي إبليس: ونسيت تعبك وسهرك. فقلت له: أيها الجاهل تقطيع الأيدي لا وقع له (١) عند رؤية يوسف، وما طالت طريق أدت إلي صديق: جزى الله المسير إليه خيرا … وإن ترك المطايا (٢) كالمزاد (٣) ولقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل لأجل ما أطلب وأرجو (٤). كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث واقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء. فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث الرسول ﷺ وأحواله وآدابه، وأحوال أصحابه وتابعيهم فصرت في معرفة طريقه كابن أجود ". ١١٩ - النص الثاني للحاكم أبي عبد الله النيسابوري: وهو الإمام الجليل الحافظ الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد النيسابوري، المعروف بابن البيع.

стр. 34

ولد سنة ٣٢١ هـ، وطلب العلم من الصغر ورحل في الآفاق وسمع من شيوخ لا يحصون كثرة، زهاء ألفي شيخ، وتوفي سنة ٤٠٥. وكان الحاكم أبو عبد الله إماما جليلا حافظا عارفا ثقة، واسع العلم، اتفق الناس على إمامته وجلالته وعظمة قدره، ورحل إليه من البلاد لسعة علمه ودرايته، واتفق العلماء على أنه من أعلم الأئمة الذين حفظ الله بهم هذا الدين. وكان الحاكم من أبرز الأعلام الذي شيدوا بنيان التدوين في علوم الحديث، بتصنيف الكتب القيمة، خصوصا كتابه " معرفة علوم الحديث " (١). قال الشيخ طاهر الجزائري (٢): " فيه فوائد مهمة رائعة ينبغي لمطالعي هذا الفن الوقوف عليها ". وقال ابن خلدون: " ومن فحول علمائه - يعني علوم الحديث - وأئمتهم أبو عبد الله الحاكم وتآليفه فيه مشهورة، وهو الذي هذبه وأظهر محاسنه " (٣). وهذا النص من مطلع كتابه القيم " معرفة علوم الحديث " قال فيه ما يلي في وصف المحدثين: "… قوم سلكوا محجة الصالحين واتبعوا آثار السلف من الماضين، ودمغوا أهل البدع والمخالفين، بسنن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله أجمعين، قوم آثروا قطع المفاوز والقفاز، على التنعم في الدمن والأوطار، وتنعموا بالبؤس في الأسفار، مع مساكنة أهل العلم والأخبار، وقنعوا عند

стр. 35

جمع الأحاديث والآثار، بوجود الكسر والأطمار، قد رفضوا الإلحاد الذي تتوق إليه النفوس الشهوانية، وتوابع ذلك من البدع والأهواء، والمقاييس والآراء والزيغ، جعلوا المساجد بيوتهم وأساطينها تكاهم وبواريها فرشهم. حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة ثنا محمد بن الحسين بن أبي الحنين ثنا عمر بن حفص بن غياث قال سمعت أبي وقيل له: ألا تنظر إلى أصحاب الحديث وما هم فيه؟ قال: هم خير أهل الدنيا. وحدثني أبو بكر محمد بن جعفر [المزكي] ثنا أبو بكر محمد بن إسحاق قال سمعت علي بن خشرم يقول سمعت أبا بكر بن عياش يقول: إني لأرجو أن يكون أصحاب الحديث خير الناس، يقيم أحدهم ببابي وقد كتب عني، فلو شاء أن يرجع ويقول حدثني أبو بكر جميع حديثه فعل إلا أنهم لا يكذبون. قال أبو عبد الله: ولقد صدقا جميعا، إن أصحاب الحديث خير الناس وكيف لا يكونون كذلك وقد نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم وجعلوا غذاءهم الكتابة، وسمرهم المعارضة، واسترواحهم المذاكرة، وخلوقهم المداد، ونومهم السهاد، واصطلاءهم الضياء، وتوسدهم الحصى فالشدائد مع وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء ووجود الرخاء مع فقد ما طلبوه عندهم بؤس، فعقولهم بلذاذة السنة غامرة، قلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة، تعلم السنن سرورهم، ومجالس العلم حبورهم، وأهل السنة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم " (١).

стр. 36

١٢٠ - النص الثالث والأخير للإمام الخطيب البغدادي صاحب كتاب الرحلة نفسه، من كتابه القيم " شرف أصحاب الحديث ". قال ﵀ وأجزل مثوبته: "وقد جعل الله تعالى أهله - يعني أهل الحديث - أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خليقته والواسطة بين النبي ﷺ وأمته، والمجتهدون في حفظ ملته، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، وآياتهم باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرة، وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأيا تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث، فان الكتاب عدتهم والسنة حجتهم والرسول فئتهم، وإليه نسبتهم، لا يعوجون على الأهواء ولا يلتفتون إلى الآراء، يقبل منهم ما رووا عن الرسول، وهم المأمونون عليه والعدول، حفظة الدين وخزنته، وأوعية العلم وحملته. إذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع، فما حكموا به فهو المقبول المسموع، ومنهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص بفضيلة، وقارئ متقن وخطيب محسن، وهم الجمهور العظيم وسبيلهم السبيل المستقيم، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر وعلى الافصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر، من كادهم قصمه الله، ومن عاندهم خذله الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم. المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير وبصر الناظر بالسوء إليهم حسير، وإن الله على نصرهم لقدير. أخبرنا أبو بكر … عن معاوية بن قرة عن أبيه عن النبي ﷺ قال:

стр. 37

" لا يزال ناس من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة " (١). قال علي بن المديني في حديث النبي ﷺ " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ": هم أهل الحديث والذين يتعاهدون مذاهب الرسول ويذبون عن العلم، لولاهم لم تجد عند المعتزلة والرافضة والجهمية شيئا من السنن. (قال أبو بكر) وقد جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حراس الدين وصرف عنهم كيد المعاندين لتمسكهم بالشرع المتين واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين: فشأنهم حفظ الآثار، وقطع المفاوز والقفار، وركوب البراري والبحار في اقتباس ما شرع الرسول المصطفى لا يعرجون عنه إلى رأي ولا هوى، قبلوا شريعته قولا وفعلا، وحرسوا سنته حفظا ونقلا، حتى ثبتوا بذلك أصلها وكانوا أحق بها وأهلها وكم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها والله تعالى يذب بأصحاب الحديث عنها. فهم الحفاظ لأركانها، والقوامون بأمرها وشأنها. إذا صدف عن الدفاع عنها فهم دونها يناضلون، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون " (٢). رحم الله أئمة هذا الدين، وعلماءه المحدثين، لقد كانوا في الأمم معجزة العلم والتاريخ، جعلهم الله تعالى وسيلة لانجاز وعده " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ". وإنا نذكر القارئ - في هذا الختام - أن استيعاب رحلات المحدثين وأخبارها لا يمكن إلا في مجلدات كثيرة، لأنهم ما فيهم رجل لم يرحل في

стр. 38

طلب الحديث والعلم، ولا يعتبر محدثا قط من لم يلق الشيوخ ويأخذ عنهم، مهما عنعن ودندن، إنما هو واحد من جملة الوراقين. وان ما أورده الحافظ الخطيب في الرحلة للحديث الواحد، ثم ما استدركناه عليه ليس كل ما ورد في ذلك، بل هناك الكثير من أخبار هذا النوع من الرحلة - فيما نرى - حسب القارئ منه هذا القدر، ليثير العبرة والذكرى والاعتزاز بهذا التراث العظيم، وليحفز الهمم للاجتهاد في طلب العلم، والرحلة إلى لقاء العلماء لزيارتهم أو الإفادة من علمهم، أو تلقن شمائلهم وهديهم، والسعي لا حياء حضارة هذه الأمة الإسلامية. وهذا آخر ما تيسر تعليقه على كتاب " الرحلة في طلب الحديث " للخطيب البغدادي ﵀ وأجزل مثوبته، وقع الفراغ منه يوم السبت خامس رمضان المبارك من شهور سنة أربع وتسعين وثلاثمائة وألف من هجرة خير البرية ﷺ يوافقه الحادي والعشرون من أيلول لسنة أربع وسبعين وتسعمائة والف. وفقنا الله لاتباع كتابه وسنة رسوله، ورفع لوائهما، وألهمنا محبة أئمة هذا الدين وعلماءه الفاضلين ومعرفة فضلهم، وجزاهم عنا وعن العلم والدين خير الجزاء. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وكتب المفتقر إلى عناية مولاه نور الدين عتر