قضاء. قال: فتأتيهم الملائكةُ عند ذلك، فيَدخلون عليهم من كلِّ باب، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾] (١).
وفي رواية: [أولُ ثُلَّةٍ يدخلون الجنة فقراء المهاجرين، الذين تُتَّقى بهم المكاره، وإذا أمِرُوا سَمِعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تُقْضَ حتى يموتَ وهي في صدره، وإن الله يدعُو يومَ القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: رَبَّنا نحن نُسَبِّحُكَ الليل والنهارَ، ونقدِّسُ لك، مَنْ هؤلاء الذين آثرتَهم علينا؟ فيقول الربُّ : هؤلاء عبادي الذين جاهدوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي. فتدخل عليهم الملائكة من كلِّ باب: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾].
الحديث الرابع: أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح على شرط مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أتعلمُ؟ أولُ زمرةٍ تدخل الجنة من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم؟ فقال: المهاجرون، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أوقد حوسبتم؟ فيقولون: بأيِّ شيءٍ نحاسبُ وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ قال: فيفتح لهم فيقيلون فيها أربعين عامًا قبل أن يدخلها الناس] (٢).
٢٥ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾.
في هذه الآيات: ذَمُّ الله تعالى أهل نقض العهد وتقطيع ما أمر الله بوصله وأهل الفساد في الأرض، وتوعدهم باللعنة وسوء العاقبة في الآخرة. إن الله هو الذي يبسط الرزق لعباده ويقدر لهم، وأهل الغفلة في فرح بهذه الحياة الدنيا، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
стр. 2277
قال ابن عباس: (أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١]، ونقض العهد، وقطيعة الرحم، لأن الله تعالى يقول: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾، يعني سوء العاقبة).
وقال أبو العالية: (﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾. . . الآية، قال: هي ست خصالٍ في المنافقين إذا كان فيهم الظَّهرة على الناس أظهروا هذه الخِصال: إذا حَدَّثوا كَذَبوا، وإذا وعدوا أخلَفُوا، وإذا اؤتمنوا خانُوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظَّهْرَةَ عليهم أظهروا الثلاث الخصال: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانُوا).
وقد ثبت نحو هذا المعنى في صحيح السنة في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [آية المنافق ثلاث: إذا حَدَّثَ كذَبَ، وإذا وعَدَ أخلف، وإذا اؤْتُمِنَ خان] (١).
الحديث الثاني: أخرج الشيخان وأحمد وأكثر أهل السنن عن عبد الله بن عَمْرو قال: قال رسول الله ﷺ : [أربعٌ مَنْ كُن فيه كان مُنافقًا خالِصًا، ومَنْ كانت فيه خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كانت فيه خَلَّةٌ من نِفاق، حتى يَدَعَها: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهد غَدَرَ، وإذا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذا خاصمَ فَجَرَ] (٢).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه والبزار والبيهقي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [يا معشر المهاجرين خصالٌ خمسٌ إذا ابتليتم بهنَّ، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحِشة في قوم قطّ، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مَضَت في أسلافهم الذين مَضَوا، ولم ينقُصُوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشِدّة المؤنة، وجَور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القَطْرَ من السماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا، ولم يَنْقُضُوا عهدَ الله وعهدَ رسوله إلا سلَّط الله عليهم عدوَّهم من غيرهم، فأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم
стр. 2278
تحكم أئمَّتُهم بكتاب الله ويتحَرَّوا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم] (١).
قال ابن جرير: (﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، فسادهم فيها، عملهم فيها بمعاصي الله، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾، يقول: فهؤلاء لهم اللعنة، وهي البعد من رحمته، والإقصاء من جنانه، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾، يقول: ولهم ما يسوءهم في الدار الآخرة).
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾.
أي: يبسط الله الرزق لبعض عباده ويُقَتِّر على بعضهم، وكل ذلك مقسوم بحكمته سبحانه، فربما كان لا يصلح حال بعضهم إلا بسعة الرزق ووفرته، وربما كان الإقتار هو الأنسب لبعضهم، وقد يفرح هؤلاء الذين بُسِطَ لهم على كفرهم ويغيب عنهم أن هذا استدراج من الله لهم، فإنما الحياة الدنيا متاع قليل للفريقين.
قال مجاهد: (﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾، قال: قليل ذاهب).
وقال عبد الرحمن بن سابط: (﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾، قال: كزاد الرّاعي يُزَوِّدُه أهله: الكفّ من التمر، أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشربُ عليه اللبن).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥, ٥٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].
٣ - وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦, ١٧].
ومن كنوز السنة الصحيحة في مفهوم هذه الآية، أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحبُّ، فإنما هو استدراجٌ. ثم
стр. 2279
تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله يُمْلي للظالم، فإذا أخذه لم يُفْلِتْه. ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن قيس قال: سمعت مُسْتَورِدًا أخا بني فِهْرٍ يقول: قال رسول الله ﷺ : [والله! ما الدنيا في الآخرة إلا مِثْلُ ما يَجعَلُ أحدُكُمْ إِصْبَعَهُ هذه - وأشار يحيى بالسَّبابة - في اليَمِّ، فلينظُرْ أحدُكُم بم ترجِع؟ ] (٣).
الحديث الرابع: روى مسلم عن جابر بن عبد الله: [أنّ رسول الله ﷺ مَرَّ بالسوق، داخِلًا مِنْ بعضِ العالية، والناس كَنَفَتَهُ، فمَرَّ بِجَدْيٍ أسَكَّ مَيِّتٍ، فتناوله فأخذ بأُذُنِه، ثم قال: أيُّكُم يُحبُّ أنَّ هذا له بدِرْهَم؟ فقالوا: ما نحب أنّه لنا بشيءٍ، وما نصنَعُ به؟ قال: أَتُّحِبُّونَ أنه لكم؟ قالوا والله! لو كان حَيًّا، كان عَيْبًا فيه، لأنّه أسَكُّ، فكيف وهو ميت؟ فقال: فوالله! للدّنيا أهونُ على الله، من هذا عليكم] (٤). والأسَكّ: هو صغير الأذنين. ومعنى "كنفته" أي: جانبه.
٢٧ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾.
في هذه الآيات: تَنَطُّعُ المشركين في اقتراحهم رؤية آية أمام وضوح الأدلة الكثيرة
стр. 2280
الدالة على صدق النبوة، فقل لهم - يا محمد - إن الله قد يخذل من يشاء عن الإيمان والتصديق بالآيات، ويهدي إلى الإيمان من تواضع لله وأناب. إن المؤمنين الصادقين تطمئن قلوبهم بذكر الله، وبذكر الله تطمئن القلوب. إن الذي آمنوا وعملوا الصالحات لهم البشرى والخير والكرامة في الآخرة.
فقوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ - هو من قول المشركين للنبي ﷺ .
أي: هلاّ أنزل ربك عليك - يا محمد - آية من آياته، إما ملك يكون معك نذيرًا، أو كنز يلقى إليك، أو تحوّل الصفا ذهبًا، أو تجري لنا ينبوعًا، أو تزيح الجبال من حول مكة ليصير مكانها المروج والبساتين.
قال القرطبي: (بين في مواضع أن اقتراح الآيات على الرسل جهل، بعد أن رأوا آية واحدة تدل على الصدق).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٧, ٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩].
أخرج الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، بسند صحيح عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: [سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحِّي الجبال عنهم فَيَزْدَرِعوا، فقيل له: إن شِئْتَ أن تَسْتَأنيَ بهم، وإن شئمت أن تؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أُهْلكوا كما أَهْلَكْتُ مَنْ قبلهم! قال: لا، بل أستأني بهم، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾] (١).
стр. 2281
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد، إن الله يخذل من يشاء عن الإيمان والتصديق بالآيات، ويوفق من يشاء للهداية ممن رجع إليه وصدق التوبة والإقبال.
وعن قتادة: (قوله: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾، أي: من تاب وأقبل).
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾.
قال قتادة: (يقول: سكنت إلى ذكر الله واستأنست به). وقال مجاهد: (بالقرآن).
وقال سفيان: (بأمره). وقال مقاتل: (بوعده). وقال ابن عباس: (بالحلف باسمه، أو بذكر فضله وإنعامه، كما تَوْجل بذكر عدله وانتقامه وقضائه).
و"الذين" في محل نصب مفعول به ليهدي، والتقدير، يهدي الله الذين آمنوا، أو في محل نصب بدل من قوله: "مَنْ أناب".
وقوله: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. قال مجاهد: (لمحمد وأصحابه). قلت: بل الآية عامة.
أي: قلوب المؤمنين المخبتين إلى ربهم، فإن ذكر الله تعالى يؤنس وحشة القلوب المضطربة، والنفوس المتألمة، ويرجع على الروح بسعادة وطمأنينة.
وذكر الله يشمل القرآن وتلاوته وتدبر آياته، وكذلك التفكر في وعد الله ووعيده، وثوابه وعقابه، وجنته وناره، كما يشمل المبادرة إلى العمل بطاعته والقيام بتعظيم أوامره، وكذلك فإنه يشمل طلب العلم النافع الذي فيه بيان شرعه وهديه.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾.
هو ابتداء وخبره، أو التقدير: لهم طوبى، ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ معطوف عليه. وفي معنى "طوبى" أقوال عند المفسرين:
١ - قال عكرمة: (﴿طُوبَى لَهُمْ﴾، قال: نعم مالهم).
٢ - وعن الضحاك: (﴿طُوبَى لَهُمْ﴾، قال: غِبطة لهم).
٣ - وعن ابن عباس: (قوله: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾، يقول: فرحٌ وقُرَّة عين).
٤ - وعن قتادة قال: (يقول: حسنى لهم، وهي كلمة من كلام العرب). وقال: (هذه كلمة عربية، يقول الرجل: "طوبى لك"، أي: أصبتَ خيرًا).
стр. 2282
٥ - وقال إبراهيم النَخَعِيّ: (﴿طُوبَى لَهُمْ﴾، خير لهم. قال: الخير والكرامة التي أعطاهم الله).
٦ - وعن ابن عباس قال: (﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: اسم أرض الجنة، بالحبشية). وقال مجاهد: (الجنة).
٧ - قال ابن عباس وأبو هريرة: (﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: شجرة في الجنة).
قلت: وفي كلام العرب "طوبى" مشتق من "طيب"، وهو من الطَّيِب: ضد الخبيث، فيكون "طوبى" فُعلى من الطّيب قلبوا الياء واوًا لضمة ما قبلها، وطوبى اسم شجرة في الجنة أيضًا. فيكون المعنى: الطيِّب للمؤمنين الذين عملوا الصالحات في الجنة، من الغبطة والفرح وقرة العيون والتلذذ بألوان النعيم والخير والكرامة، كما أن لهم "طوبى": شجرة في الجنة مسيرة مئة عام، تخرج ثيابهم من أكمامها، كما جاء ذلك في صحيح السنة العطرة، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج أحمد في المسند، بسند حسن، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: [طوبى شجرة في الجنة، مسيرةَ مئة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن جرير بسند حسن لغيره، عن فرات بن أبي الفرات عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : [﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ شجرة غرسها الله بيده، ونفخ فيها من روحه بالحلي والحلل، وإن أغصانها لتُرى من وراء سور الجنة] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري وغيره عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن في الجنة شجرة يسيرُ الراكبُ في ظلها مئة عام لا يقطعها، إن شئتم فاقرؤوا: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾] (٣).
وله شاهد عنده من حديث أبي سعيد الخُدْري، عن النبي ﷺ قال: [إن في الجنة
стр. 2283
شجرةً يسير الراكبُ الجوادَ المضمَّرَ السريع مئة عام ما يقطعها] (١).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند حسن من حديث عبد الله بن عمرو قال: [جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أخبرنا عن ثياب أهل الجنة خلقًا تخلق أم نسجًا تنسج؟ فضحك بعض القوم، فقال رسول الله ﷺ : وممّ تضحكون من جاهل يسأل عالمًا؟ ثم أكبّ رسول الله ﷺ ، ثم قال: أين السائل؟ قال: هو ذا أنا يا رسول الله! قال: لا بل تشقق عنها ثمر الجنة "ثلاث مرات"] (٢).
وعن الضحاك: (﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾، قال: حسن منقلب).
٣٠ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)﴾.
في هذه الآيات: تَسْلِيَةٌ من الله تعالى لنبيِّه ﷺ في وصله بسلسلة النبوة ومنهاج الدعوة الذي مضى عليه المرسلون قبله وصبرهم على الأذى، وهؤلاء قومك - يا محمد - يكفرون بالرحمان، فأعلن إيمانك بالله الواحد الأحد وحسن توكلك عليه وأوبتك إليه. إنه لو كان كتاب مما أنزل الله تُسَيَّرُ به الجبال أو تُشَقّ به الأرض أو تُكَلّم به الموتى لكان هذا القرآن، وإنما أمْرُ ما يَلتمسونه بيد الله، أفلم يتبين المؤمنون أن حجة هذا القرآن تكفي لإيمان جميع الخلق لو شاء الله ذلك، إنه لا تزال البلايا والقوارع تنزل بالكفار أو قريبًا منهم حتى يأتي وعد الله بموتهم أو قيام الساعة والله لا يخلف الميعاد.
стр. 2284
ولقد استهزئ - يا محمد - برسل قبلك فصبروا حتى قطع الله استدراجه للكافرين وأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
فقوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.
أي: كذلك - يا محمد - أرسلناك في قومك كما أرسلنا من قبلك من الرسل في أقوامهم وأممهم لتنذرهم بهذا الوحي مغبة استرسالهم في غيِّهم وشركهم، فكذبوك كما كذب الأقوام رسلهم من قبلك، فصبر إخوتك الرسل صلوات الله وسلامه عليهم على ما كُذِّبوا، فلك بهم أسوة في الصبر والاحتساب.
وفي التنزيل: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤].
وقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. قال ابن كثير: (أي: هذه الأمةُ التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن لا يُقرُّون به لأنهم كانوا يَأنَفُونَ من وصف الله بالرحمن الرحيم).
وعن مجاهد قال: (هذا لمّا كاتب رسول الله ﷺ قريشًا في الحديبية، كتب: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قالوا: لا تكتب ﴿الرَّحْمَنِ﴾، وما ندري ما ﴿الرَّحْمَنِ﴾، ولا تكتب إلا: "باسمك اللهم". قال الله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، الآية).
قلت: وأصل ذلك في صحيح البخاري من حديث المسور ومروان، وكذلك في مسند الإمام أحمد من حديث المسور.
فقد روى البخاري - في صلح الحديبية - قال الزهري: [فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتُبْ بيننا وبينكم كتابا. فدعا النبي ﷺ الكاتب - وهو علي ﵁ فقال النبي ﷺ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. (وفي رواية أحمد: فقال رسول الله ﷺ : اكتب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب] الحديث (١).
و"الرحمن" اسم مشتق من الرحمة على وجه المبالغة.
стр. 2285
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الملك: ٢٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩].
٣ - وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].
ومن كنوز السنة الصحيحة في اسم ﴿الرَّحْمَنَ﴾ وأحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله : أنا الرحمن وهي الرحم، شققت لها من اسمي، من يصلها أصله ومن يقطعها أقطعه فأبته] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ أحبَّ الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن] (٢).
وقوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: إن كفر هؤلاء الذين أرسلتك إليهم، يا محمد، بالرحمن فقل أنت: الله ربي ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾، يقول: وإليه مرجعي وأوبتي).
وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾. مَدْحٌ للقرآن، وثناءٌ عطرٌ على إعجازه، وتفضيل له على سائر الكتب المنزلة قبله.
والمقصود: لو كان كتاب مما أنزل من قبل تُسَيَّرُ به الجبال فتزول عن أماكنها، أو تُقَطَّعُ به الأرض وتنشقُّ، أو تُكَلَّمُ به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن، لأنه الكتاب الأعلى في إعجازه في هذا الكون، وهو كلام الله العظيم الذي تتصدع أمامه جميع المخلوقات كبيرها وصغيرها.
стр. 2286
وفي التنزيل: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: [ما من نبيّ من الأنبياء إلا قد أُعطِيَ من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة] (١).
فائدة: القرآن يُطلق على كل من الكتب المتقدمة، لأنه مشتق من الجميع. ذكره الحافظ ابن كثير - ثم أورد حديث الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [خففت على داودَ القراءةُ فكان يأمرُ بدابَّته أن تُسرَجَ، فكان يقرأ القرآن من قبل أن تُسْرَجَ دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه] (٢).
قلت: والحديث رواه البخاري أيضًا بلفظ: [خُفِّفَ على داودَ ﵇ القرآنُ فكان يأمرُ بِدوابِّهِ فَتُسْرَجُ فيقرأُ القرآنَ قبل أن تُسْرجَ دَوابُّه، ولا يأكل إلا من عمل يده]. ولا شك أن المقصود بالقرآن هنا الزَّبور.
وقوله: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾. قال القرطبي: (أي هو المالك لجميع الأمور، الفاعل لما يشاء منها، فليس ما تلتمسونه مما يكون بالقرآن، إنما يكون بأمر الله).
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
أي: أفلم يعلم المؤمنون ويتبينوا أن حجة هذا القرآن وبيانه وإعجازه يكفي لإيمان جميع الخلق لو شاء الله ذلك. قال ابن عباس: (﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يقول: يعلم).
وقال قتادة: (أفلم يعلم الذين آمنوا). أو قال: (أفلم يتبيّن الذين آمنوا).
وقال أبو العالية: (قد يئس الذين آمنوا أن يَهدُوا، ولو يشاء الله لهدى الناس جميعًا).
وقوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ - فيه تفسيران عند المُفَسِّرين:
стр. 2287
١ - أي: لا تزال البلايا والمصائب والقوارع تنزل بالكفار بسبب كفرهم وخُبْثِ أعمالهم، أو تنزل قريبًا منهم فيفزعون ويتطاير عليهم شررها حتى يأتي وعد الله بموتهم أو قيام الساعة.
٢ - أي: لا يزال ينزل بكفار مكة من المصائب والقوارع نتيجة ما صنعوا برسول الله ﷺ فيصيب المسلمون منهم ويختطفون منهم بإغارتهم على مواقعهم حول مكة ويغنمون ويأسرون، أو تحل أنت يا محمد قريبًا من دارهم بجيشك يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله بفتح مكة ودخولك منتصرًا مُظفّرًا، وعد الله، ولا يخلف الله الميعاد.
قلت: والبيان الإلهي يحتمل التأويلين معًا، فكلاهما ضمن آفاق مفهوم الآية.
فعن ابن زيد: (﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾، قال: قارعة من العذاب). وعن قتادة قال: قال الحسن: (﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾، قال: أو تحل القارعة قريبًا من دارهم). وقوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ - قال الحسن: (يوم القيامة).
وعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾، يقول: عذابٌ من السماء ينزل عليهم، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾، يعني نزول رسول الله ﷺ بهم وقتاله إياهم). وعن سعيد بن جبير: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾، قال سرية، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾، قال: أنت يا محمد). وقال عكرمة عن ابن عباس: (﴿قَارِعَةٌ﴾ - قال: السرايا).
وقال مجاهد: (سرية، أو قال: كتيبة). وقال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ - قال: فتح مكة).
وفي التنزيل: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾.
تسلية للنبي ﷺ عما يلقاه من تكذيب قومه، وسؤالهم الآيات تنطعًا واستهزاء وبطرًا.
يقول: إن لك بإخوتك الرسل من قبلك أسوة في صبرهم على أذى أقوامهم ومكرهم واستهزائهم، ثم بما آلت إليه أحوال المعاندين والمتكبرين بعد إمهالهم وتأجيلهم،
стр. 2288
فكيف بلغك ما صنعت بهم وما كان من إهلاكهم وتدميرهم.
وفي التنزيل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٤٨].
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إن الله ليُمْلي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]] (١).
٣٣ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)﴾.
في هذه الآيات: إِعْلَامٌ من الله تعالى أنه القائم على كل نفس في أرزاقها وأجلها وأعمالها ومع ذلك يعبد المشركون الأوثان التي لا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا، فقل لهم - يا محمد -: سمّوا ما أشركتم في عبادة الله؟ فإن قالوا: هي آلهة، فقد كذبوا، لأن الله هو الإله الحق الواحد القهار، وآلهتهم هزيلة مهزومة ضعيفة، فهل تخبرونه سبحانه أن في الأرض إلهًا لا يعلمه أم تفترون الكذب والباطل! لقد زَيّن الشيطان للكافرين افتراءهم على الله وصدهم عن سبيله، ومن ثم فمن خذله الله عن الهدى فماله إلى الهداية من سبيل. إن لهؤلاء المشركين الخزي والعذاب في الدنيا، ثم يردون إلى أشد العذاب في الآخرة، وما لهم من الله من ولي ولا نصير. وأما المؤمنون المتقون فهم في روضات الجنات، تجري من تحتها الأنهار، منغمسون في ألوان النعيم، على النقيض من أحوال أصحاب الجحيم.
стр. 2289
فقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ - هو الله تعالى قائم على كل نفس في أرزاقها وأجلها وأعمالها.
قال قتادة: (ذلكم ربكم ﵎، قائمٌ على بني آدم بأرزاقهم وآجالهم، وحفظَ عليهم والله أعمالهم). وقال ابن عباس: (يعني بذلك نفسه، يقول: هو معكم أينما كنتم، فلا يعمل عاملٌ إلا والله حاضِرُه. ويقال: هم الملائكة الذي وُكلوا ببني آدم).
وقال الضحاك: (فهو الله قائم على كل برّ وفاجر، يرزقهم ويَكلؤهم، ثم يشرك به منهم من أشرك).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].
٤ - وقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠].
٥ - وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧].
٦ - وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].
ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق معنى هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح من حديث عبادة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة] (١). وفي لفظ: [إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. قال: يا رب وما أكتب؟
стр. 2290
قال: اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد]. وفي لفظ آخر: [اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة].
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وكان عرشه على الماء] (١).
الحديث الثالث: يروي الطبراني بسند صحيح من حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: [فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد] (٢). وفي رواية: (من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه).
وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾. أي: عبدوا تلك الأصنام والأوثان وهي لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، ولا تملك كشف الضر عن نفسها ولا تحويلًا. فقل لهم يا محمد: سمّوا ما أشركتم في عبادة الله؟ فإن قالوا: هي آلهة، فقد كذبوا، لأنه لا إله إلا الله الواحد القهار لا شريك له، وهو خلق كل شيء، ومن ثمّ فإن ما زعمتم آلهة مخلوق ضعيف مقهور بأمر الله، فهل تخبرونه سبحانه أن في الأرض إلهًا لا يعلمه! ! أم تقولون الكذب والباطل! !
وفي التنزيل: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣].
وعن ابن عباس: (﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾، والله خلقهم). قال الضحاك: (ولو سمَّوهم آلهةً لكذبوا وقالوا في ذلك غير الحق، لأن الله واحدٌ ليس له شريك. قال الله: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾، يقول: لا يعلم الله في الأرض إلهًا غيره). وعن مجاهد: (﴿بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾، بظن). وقال قتادة: (والظاهر من القول هو الباطل). وعن الضحاك قال: (يقول: أم بباطل من القول وكذب، ولو قالوا: قالوا الباطل والكذب).
وقوله: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.
стр. 2291
أي: بل زين للكافرين افتراؤهم الكذب على الله وصدهم عن سبيله، ومن ثمّ فإن من أضلّه الله عن إصابة الحق وخذله عن الهدى فلا سبيل لهدايته.
وعن مجاهد: (﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾، قال: قولهم). يعني ما افتروه على الله من الشرك به والدعوة إلى الضلال والإلحاد.
وقرأ الكوفيون: ﴿وصُدُّوا عن السبيل﴾ بضم الصاد، أي وصدّهم الله عن سبيله بسبب تماديهم في الكفر والمكر. وأما قراء البصرة والحجاز فقرؤوه بالفتح: ﴿وصَدّوا﴾، أي إنَّ المشركين لم يكتفوا بكفرهم بل صدوا الناس أيضًا عن سبيل الله - والقراءتان مشهورتان.
قال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، يقول تعالى ذكره: ومن أضَلَّهُ الله عن إصابة الحق والهدى بخذلانه إياه، فما له أحدٌ يهديه لإصابتهما، لأن ذلك لا يُنال إلا بتوفيق الله ومعونته).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧].
٣ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤].
وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأيّ قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصيرَ القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه] (١).
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾. أي: لهؤلاء المشركين بالله الصادّين عن سبيله عذاب في الحياة الدنيا بالقتل والأسر والآفات، وما ينتظرهم من عذاب الآخرة أشد ثم لا ولي ولا شفيع ولا نصير.
стр. 2292
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢ - ١٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥, ٢٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧].
ومن السنة الصحيحة في آفاق معنى الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: [يقول الله ﵎ لأَهْونِ أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكُنْتَ مفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردتُ منكَ أهونَ من هذا وأنت في صُلْب آدم - أن لا تشركَ، ولا أدخِلَكَ النار، فأبيتَ إلا الشرك] (١).
الحديث الثاني: أخرج النسائي والترمذي بسند صحيح عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قال رسول الله ﷺ : [لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايِشَهم، فكيف بمن يكون طعامه] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يُحشرُ المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عُصَارة أهل النار، طينةِ الخبال] (٣).
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾.
стр. 2293
تفريقٌ بين المصيرين، فهذا مصير السعداء المتقين، في جنان النعيم، تجري من تحتها الأنهار، دائمة الظلال والأكل والملذات، على النقيض من أحوال أهل الجحيم والحسرات.
وفي التنزيل:
١ - ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢, ٣٣].
ومن صحيح السنة المطهرة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد، وأبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [في الجنة شجرةٌ يسيرُ الراكب في ظلها مئة سنة. اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]] (١).
الحديث الثاني: روى مسلم عنِ جابر قال: قال رسول الله ﷺ : [يأكل أهل الجنة ويشربون، ولا يمتخطُون ولا يتغَوَّطون ولا يبولون، طعامهم ذلك جُشَاء كريح المسك، ويُلهمون التسبيح والتقديس كما يُلهمون النفس] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الطبراني والبزار عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الرجل إذا نزعَ ثمرةً من الجنة عادت مكانها أخرى] (٣).
٣٦ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ
стр. 2294
مَآبٍ (٣٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾.
في هذه الآيات: إثبات الله تعالى فرح الصحابة بهذا القرآن ومسارعتهم للعمل به، ومن أهل الكتاب وغيرهم من الطوائف من ينكر بعض ما في القرآن ظلمًا وزورًا، فأعلن - يا محمد - إفرادك الله بالتعظيم والدعاء، فإليه الرجوع والمآب. لقد شَرَّفك ربك - يا محمد - بهذا القرآن المحكم بلسان العرب فحذار متابعة أهل الأهواء بعدما جاءك من العلم، فإنه لا ناصر لك حينئذ ولا يقيك من الله واق.
فقوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ - يعني الصحابة فرحوا بالقرآن وعملوا به. قال قتادة: (أولئك أصحاب محمد ﷺ ، فرحوا بكتاب الله وبرسوله وصدّقوا به).
وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ - يعني اليهود والنصارى وغيرهما من الطوائف.
قال مجاهد: (من أهل الكتاب، و ﴿الْأَحْزَابِ﴾، أهل الكتب يقرّبهم تحَزُّبهم. ﴿يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ قال: بعض القرآن).
وعن ابن زيد: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، قال: هذا مَنْ آمَنَ برسول الله ﷺ من أهل الكتاب، فيفرحون بذلك. وقرأ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠].وفي قوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾، قال: ﴿الْأَحْزَابِ﴾، الأممُ، اليهود والنصارى والمجوس، منهم من آمن به، ومنهم من أنكره).
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾.
أي: قل لهم يا محمد، أما أنا فأفرد الله تعالى بالتعظيم والعبادة ولا أشرك به، وإلى طاعته وإخلاص العبادة له أدعو الناس، إليه مصيري ومآلي ومرجعي.
قال قتادة: (﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾، وإليه مصير كلّ عبد).
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾. قال النسفي: (حكمة عربية مترجمة بلسان العرب).
وقال ابن كثير: (أي: وكما أرسلنا قبلَكَ المرسلين، وأنزلنا عليهم الكتب من
стр. 2295
السَّماء، كذلك أنزلنا عليك القرآن مُحكمًا مُعْربًا، شرّفناك به وفَضَّلْنَاك على من سِواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجَليّ الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]).
وقيل: نظم الآية - (وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم كذلك أنزلنا إليك القرآن حكمًا عربيًا، أي بلسان العرب، ويريد بالحكم ما فيه من الأحكام) - حكاه القرطبي.
قلت: والبيان القرآني يحتمل كل ما سبق من التأويل، فالقرآن كلام عربي مبين يفصل بين الحق والباطل، ويحكم على كل شيء، وفيه حكمة بالغة لكل شيء، أنزله الله بلسان عربي فصيح، لغة نبينا محمد ﷺ .
وقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾.
قال القاسمي: (أي: لئن تابعتهم على دين، ما هو إلا أهواء بعد ثبوت العلم عندك بالبراهين والحجج، فلا ينصرك ناصر، ولا يقيك واق. وهذا من باب الإلهاب والتهييج والبعث للسامعين على الثبات في الدين والتصلب، وأن لا يزلّ زالّ عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة، وإلا فكان رسول الله ﷺ من شدة الشكيمة بمكان).
٣٨ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾.
في هذه الآيات: ردُّ الله على المشركين رفضهم النبوة إلا من مَلَك، بإثبات بشرية الرسول شأن الرسل قبله: يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ويأتون الزوجات ويولد لهم، وما يقدر رسول أن يأتي بآية أو معجزة إلا بأمر الله، ولكل أجلٍ أمرٍ قضاه الله كتابٌ قد كتبه تعالى فهو عنده. وهو تعالى ينسخ الشرائع ويثبت ما يشاء منها وعنده أم الكتاب.
إن الذي عليك - يا محمد - هو تبليغ الرسالة سواء أراك ربك مصارع المعاندين أو توفاك قبل ذلك، فإلى الله الإياب وعليه الحساب.
стр. 2296
فقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾. أي: إن شأنك يا محمد شأن الرسل الذين أرسلناهم قبلك، كانوا بشرًا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ويأتون الزوجات ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجًا وذرية.
قال القاسمي: (وهو ردٌّ لقولهم: لو كان نبيًا لكان من جنس الملائكة كما قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]، وإعلامٌ بأن ذلك سنة كثير من الرسل، فما جاز في حقهم لمَ لا يجوز في حقه؟ وقد قال تعالى له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]).
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وما يقدر رسولٌ أرسله الله إلى خلقه أن يأتي أمَّتَهُ بآية وعلامة، من تسيير الجبال، ونقلِ بَلْدَةٍ من مكان إلى مكان آخر، وإحياء الموتى، ونحوها من الآيات، ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، يقول: إلا بأمر الله الجبال بالسير، والأرضَ بالانتقال، والميتَ بأن يحيَا، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾، يقول: لكل أجلٍ أمرٍ قضاه الله، كتابٌ قد كتبه فهو عنده).
وقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ - له أكثر من تأويل عند المفسرين:
التأويل الأول: قيل يمحو الله ما يشاء من أمور عباده فيغيره، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما لا يُغَيّران.
قال ابن عباس: (يدبر الله أمر العبادة، فيمحو ما يشاء إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت). وفي لفظ: (يدبر أمر السنة، فيمحو الله ما يشاء إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت). وقال مجاهد: (إلا الحياة والموت والسعادة والشقاوة، فإنهما لا يتغيران).
التأويل الثاني: يمحو الله ما يشاء ويثبت من كتاب سوى أم الكتاب الذي لا يُغَيَّرُ منه شيء. وأم الكتاب هو اللوح المحفوظ، فكأن المحو والإثبات من الصحف التي بأيدي الملائكة.
قال عكرمة: (الكتاب كتابان: كتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب).
التأويل الثالث: قيل بل يمحو كلّ ما يشاء، ويثبت كل ما أراد.
стр. 2297
يروي ابن جرير بسنده عن أبي عثمان النَّهدي: (أن عمر بن الخطاب قال وهو يطوف بالبيت ويبكي: اللهم إن كنت كتبت علي شقْوة أو ذنبًا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة).
ثم روى عن ابن عباس قوله: (هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله، فيموت على ضلاله، فهو الذي يمحو. والذي يثبت: الرجل يعملُ بمعصية الله، وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله، فهو الذي يثبت).
التأويل الرابع: قيل بل معنى ذلك يمحو من قد حان أجله ويثبت من لم يجئ أجله إلى أجله.
قال الحسن: (يمحو من جاء أجله فذهب، والمثبت الذي هو حيّ يجري إلى أجله).
التأويل الخامس: يغفر ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفر. فعن عطاء، عن سعيد قال: (يثبت في البطن الشقاء والسعادة، وكلَّ شيء، فيغفر منه ما يشاء، ويؤخر ما يشاء).
التأويل السادس: ينسخ الله ما يشاء من أحكام كتابه، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه.
قال ابن عباس: (﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من القرآن. يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب).
قلت: والسياق يدل على التأويل السادس، فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ - فيه إخبار أن الرسول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه بل من عند الله الذي قدّر للشرائع أجلًا وغاية ثم ينسخها بالشريعة الأخرى ويثبت ما يشاء منها.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾.- خطاب للنبي ﷺ للقيام ببلاغ قومه وإنذارهم والله يتولى مكرهم وحسابهم. قال النسفي: (وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من إنزال العذاب عليهم أو توفيناك قبل ذلك ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ - فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ - وعلينا حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم لا عليك فلا يهّمنك إعراضهم ولا تستعجل بعذابهم).
стр. 2298
٤١ - ٤٣. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾.
في هذه الآيات: تَهْديِدٌ للمشركين وتَوَعُّدٌ لهم! أولم يروا كيف نفتح لمحمد ﷺ فتحًا بعد فتح حتى أوشك الفتح أن يطال أرضهم؟ والحكم لله وهو سريع الحساب. وقد مكر الطغاة في الأمم قبلهم فأحاط بهم مكر الله وطوّقهم وسيعلم الكفار لمن تكون العاقبة الحميدة. وما يزال هؤلاء الكفرة يكذبون نبوتك - يا محمد - فقل حسبي الله يشهد بما أرسلني به، وكذلك يشهد علماء أهل الكتاب بما يجدونه في كتبهم من صدق رسالتي ونبوتي ونعتي.
فقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ - فيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: أولم ير مشركو مكة كيف نفتح لمحمد ﷺ أرضًا بعد أرض حتى أوشك أن يفتح أرضهم وهم لا يزالون متنطعين يسألون الآيات.
قال ابن عباس: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، قال: أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض). قال: (يعني بذلك ما فتح الله على محمد. يقول: فذلك نُقْصَانها).
وقال الحسن: (هو ظهور المسلمين على المشركين). وقال الضحاك: (يعني أن نبي الله ﷺ كان يُنْتقَصُ له ما حوله من الأرَضِين، ينظرون إلى ذلك فلا يعتبرون، قال الله في "سورة الأنبياء": ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤]، بل نبي الله ﷺ وأصحابه هم الغالبون).
التأويل الثاني: أولم يروا أنا نأتي الأرض فنخرِّبها، فأوشكوا أن نخرب أرضهم ونهلكهم؟ قال ابن عباس: (أولم يروا إلى القرية تخربُ حتى يكون العُمْران في ناحية؟ ).
وقال مجاهد: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، قال: خرابُها). وقال ابن جريج: (خرابُها وهلاك الناس). وقال عكرمة: (تُخرب من أطرافها).
стр. 2299
التأويل الثالث: ننقص من بركتها وثمرتها وأهلها بالموت.
قال الشعبي: (لو كانت الأرض تُنْقَص لضاق عليك حُشُّك، ولكن تُنْقَصُ الأنفس والثمرات). وقال مجاهد: (﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، قال: في الأنفس، وفي الثمرات، وفي خراب الأرض). وعن ابن عباس: (يقول: نقصان أهلها وبركتها). وقال عكرمة: (هو قَبْضُ الناس). وقال: (هو الموت. ثم قال: لو كانت الأرض تنقص لم نجد مكانًا نجلسُ فيه).
التأويل الرابع: ننقصها بذهاب فقهائها وخِيارها.
قال عطاء، عن ابن عباس: (ذهابُ علمائها وفقهائها وخِيار أهلِها).
وقال مجاهد فيها: (موتُ العلماء).
قلت: والتأويل الأول أقواها وأنسبها للسياق، فالآيات قبلها في تهديد المشركين وتوعدهم، واختاره ابن جرير، وابن كثير وقال: (والقول الأول أولى، وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية. كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ [الأحقاف: ٢٧] الآية). واختاره النسفي وقال: (﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بما نفتح على المسلمين من بلادهم فننقص دار الحرب ونزيد في دار الإسلام وذلك من آيات النصرة والغلبة، والمعنى عليك البلاغ الذي حملته ولا تهتم بما وراء ذلك، فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك من النصرة والظفر).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
قال القرطبي: (أي ليس يتعقب حكمه أحد بنقص ولا تغيير. ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي الانتقام من الكافرين، سريع الثواب للمؤمن. وقيل: لا يحتاج في حسابه إلى رَوِيّة قلب، ولا عقد بَنان).
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ لمشركي مكة في مكرهم وغيّهم وعنادهم، شأن من سبقهم من أقوام الرسل وتمادوا في الغيّ والكبر والمكر، فحاق المكر بأهله ونصر الله تعالى الرسل ونجّاهم من ذلك المكر وجعل العاقبة للمتقين.
стр. 2300
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل ٥٠ - ٥٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].
٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥, ١٦].
وفي صحيح السنة في مفهوم المكر والكيد من الله بالكافرين أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشرَّ أمسك عنه بذنبه حتى يُوافى به يوم القيامة] (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: [إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نَسِيَ ذكَّرَه، وإن ذكرَ أعانه، وإذا أراد به غيرَ ذلك جعلَ له وزيرَ سوء، إن نَسِيَ لم يذكِّرْه، وإن ذكر لم يُعِنْه] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الشيخان من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته] (٣).
فقوله: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ - كما قال القرطبي: (أي هو مخلوق له مكر الماكرين، فلا يضر إلا بإذنه). وقال القاسمي: (﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ إشارة إلى ضعف مكرهم وكيدهم لاضمحلاله وذهاب أثره، وأنه مما لا يسوء، وأن المكر المرهوب هو ما سيؤخذون به من إيقاع فنون النكال، وهم نائمون على فرش الإمهال، مما لا يخطر لهم على بال، كما يومئ إليه قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ
стр. 2301
نَفْسٍ﴾ أي فيوفيها جزاءها المعدّ لها على ما كسبت من فنون المعاصي التي منها مكرهم، من حيث لا يحتسبون ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ أي العاقبة الحميدة، وعلى من تدور الدائرة).
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.
إِخْبَارٌ عن تكذيب الكفار برسالة النبي ﷺ ونبوته - فقل لهم يا محمد -: حسبي الله يشهد بما أرسلني به، وكذلك يشهد بذلك علماء أهل الكتاب فيما يجدونه عندهم من صدق رسالتي ونبوتي ونعتي.
قال القرطبي: (وهذا احتجاج على مشركي العرب لأنهم كانوا يرجعون إلى أهل الكتاب - من آمن منهم - في التفاسير).
تم تفسير سورة الرعد
بعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّه وكرمه
° ° °
стр. 2302
دروس ونتائج وأحكام
١ - استواء الله على عرشه، حقيقة بلا تكييف ولا تمثيل ولا تجسيم.
٢ - المخلوقات دالة على الخلاق العظيم، ومن بدأ الخلق يعيده ولا عجب.
٣ - المشركون يستعجلون عذاب الله تحديًا وعنادًا وتكذيبًا، والله أعلم وأكبر من كل شيء.
٤ - لكل إنسان قرين من الجن وقرين من الملائكة. فالشيطان يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، والمَلَكُ يبثُّ الأمل ويحث على الطاعة.
٥ - السحاب الثقال هي الثقيلة بالماء. والرعد ملك من الملائكة موكل بالسحاب.
٦ - مثل الحق كالماء الصافي والذهب الخالص، ومثل الباطل كالزبد المضمحل.
٧ - الجنة لمن استجاب للحق، والنار لمن لم يستجب.
٨ - المؤمن: مصل، منفق، خاشع، صابر، محسن لمن يسيء إليه.
٩ - المعجزات لا تنفع قومًا صمّوا آذانهم عن الهدى وأقفلوا قلوبهم عن الحق.
١٠ - قلوب المؤمنين تسكن وتطمئن عند ذكر الله.
١١ - القرآن أفضل الكتب السماوية المتقدمة، لإعجازه الجن والإنس، ومن ابتغى الهدى في غير هذا القرآن أضله الله وأخزاه.
١٢ - المتبع أهواء الكافرين ما له من نقمة الله من واق.
١٣ - أم الكتاب: هي علمه تعالى الذي لا يتغير ولا يمحى.
١٤ - ليس لأحد أن يتعقب حكم الله فيرده لقول أحد من خلقه.
١٥ - شهادة الله لنبيه محمد ﷺ بالرسالة والنبوة كافية كاملة، وهي فوق كل شهادة.
° ° °
стр. 2303
١٤ - سُوْرَةُ إِبْرَاهِيمَ
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥٢)
موضوع السورة
ملة الخليل إبراهيم، ملة التوحيد لله والتعظيم والنصر للمؤمنين والخزي للكافرين
- منهاج السورة -
١ - انتصار الله تعالى للقرآن العظيم، الذي يخرج الناس بإذن الله الملك من الظلمات إلى النور المبين.
٢ - الكفار اختاروا الدنيا على الآخرة، وصدوا عن سبيل الله، وهم أهل الضلال البعيد.
٣ - حكمة الله في إرسال كل رسول بلغة قومه لإقامة حجته تعالى عليهم.
٤ - إرسال الله نبيّه موسى بآياته، وتذكيره قومه بأنعم الله عليهم.
٥ - قضاء الله مقابلة شكره بمزيد عطائه، وهو سبحانهُ الغني الحميد.
٦ - إخبار الله تعالى عن أقوام سالفة تتابعوا على تكذيب الرسل، وقابلهم رسلهم بالصبر والتوكل على الله، حتى نزل نصر الله.
٧ - استكبار الكافرين وتهديدهم لرسلهم، والخزي والنكال والدائرة عليهم، وأعمال الكفار كالرماد تحمله الريح العاصفة لا انتفاع لهم بها في الآخرة.
стр. 2304
٨ - تنبيه الله العباد على قدرته العجيبة بخلق السماوات والأرض، وأنه لو شاء أهلكهم وجاء بغيرهم.
٩ - تصوير الله خروج الكفار للحشر، وتقابل الرؤساء والضعفاء في مشهد الذل، والمؤمنون في جنات النعيم.
١٠ - مثل الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة، والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة، وقلوب العباد بيد الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء بعدله وحكمته.
١١ - تغيير الكفار نعمة الله على أقوامهم بجحدهم النبوة، وإصرارهم على الشرك باللهِ، ومآلهم إلى نار الجحيم.
١٢ - أَمْرُ الله عبادهُ بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق في سبيل الله قبل مجيء يوم انعدام البيع والصحبة.
١٣ - نعم الله على العباد لا يمكن إحصاؤها، وإن الإنسان لظلوم كفار.
١٤ - دعوة أبينا إبراهيم ﵇ بجعل البلد الحرام آمنًا وتجنيبه وولده عبادة الأصنام، وجعل الأفئدة من الناس تهوي قلوبهم قصد البيت الحرام، وببسط الرزق عليهم من كل مكان.
١٥ - تسلية الله نبيّهُ بأنه تعالى غير غافل عما يمكر الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم الخزي والندامة الواقع بالمجرمين.
١٦ - وَعْدُ الله نبيّه النصر الأكيد المبين، واللهُ عزيز ذو انتقام.
١٧ - نَعْتُ الله تعالى يوم تبدل السماوات والأرض، للقيامِ ليوم الحشر.
١٨ - المجرمون يوم الحساب مصفّدونَ بالأغلال، وسرابيلهم من قطران، وتغشى وجوههم النار.
١٩ - كل نفس يوم القيامة بما كسبت رهينة، واللهُ سريعُ الحساب.
٢٠ - هذه السورة تحمل النذارة للناس ليتداركوا أنفسهم بإفراده تعالى بالعبادة والتعظيم، قبل أن ينزل بهم العقاب الأليم.
° ° °
стр. 2305
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
١ - ٣. قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾.
في هذه الآيات: انْتِصارُ الله تعالى للقرآن العظيم، الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور المبين، بإذن الله مالك السماوات والأرض وللكافرين عذاب أليم. الذين اختاروا الدنيا على الآخرة ومضوا يصدون الناس عن سبيل الله يبغون إشاعة الكفر والفواحش في الأرض، أولئك أهل الضلال البعيد.
وقوله: ﴿الر﴾. قد سبق القول في الحروف المقطعة أوائل السور، وأن فيها بيانًا لإعجاز هذا القرآن المؤلف من جنس هذه الأحرف، ولا يستطيعُ أحد أن يُرَكِّبَ من مثل هذه الحروف سورة من مثله.
وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾. تاكيد للمعنى السابق، وانتصار لهذا القرآن، أنزله اللهُ عليكَ - يا محمد - فهو أشرف كتاب أنزله الله من السماء، واختار لحملهِ وتلقيه منه أشرف رسول، بعثهُ الله تعالى إلى العالمين، وختم به النبوة والرسالة إلى الثقلين.
وقوله: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: لتهديهم به من ظلمات الضلالة والكفر، إلى نور الإيمان وضيائه، وتُبَصِّرَ به أهل الجهل والعمى سُبل الرَّشاد والهُدَى).
стр. 2306
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
٢ - وقال تعالى: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩].
٤ - وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
قال ابن القيم ﵀: (فأولياؤهم يعيدوهم إلى ما خلقوا فيهِ من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم، وكلما أشرقَ لهم نورُ النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدّوهم، فذلكَ إخراجهم من النور إلى الظلمات) (١).
وفي صحيح السنة في مفهوم النور والظلمة أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: [إن الله تعالى خلق خلقهُ في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلكَ النور اهتدى، ومن أخطأه ضَلَّ] (٢).
الحديث الثاني: روى مسلم في صحيحه من حديث عياض، عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: إني خلقتُ عبادي حنفاءَ كُلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزِل بهِ سلطانًا] (٣).
стр. 2307
قلت: فالظلمة هي ظلمةُ الطباع والجهل والأهواء والخضوع للغرائز والشهوات.
والنور: هو نور الوحي ونور السنة، نور النبوة والرسالات. نور الفطرة والميثاق مع الله، الذي أخذه سبحانهُ على عباده بِنَعْمانَ وهو واد إلى جنب عرفات.
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [أخذ اللهُ ﵎ الميثاق من ظهر آدم بِنَعمان - يعني عرفة - (وفي رواية: يوم عرفة). فأخرج من صُلْبِهِ كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديهِ كالذر ثم كلمهم قُبُلًا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾] (١).
ووَحَّد سبحانه لفظ النور، وجمع الظلمات، لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨]، مما يدل على شرف النور وتفرد الحق، وانتشار الباطل وتشعبه.
وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
إشارة إلى المشيئة الإذنية: وهي المشيئة المرتبطة بعلم الله وعدله وحكمته، فما أحد اختار الإيمان رغم مشيئة الله، ولا أحد اختار الكفر رغم مشيئة الله، بل الكل داخل في اختيارهِ تحت مشيئتهِ سبحانه.
كما في التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠]
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩].
قال ابن جرير: (وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾، يعني بتوفيق ربهم لهم بذلكَ ولطفهِ
стр. 2308
بهم، ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ﴾، يعني: إلى طريق الله المستقيم، وهو دينهُ الذي ارتضاهُ، وشَرَعَهُ لخلقه).
وقوله: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ - أي ملكًا وخلقًا وتصريفًا وتدبيرًا. قرأه قراء المدينة والشام برفع اسم الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ على الابتداء، وقرأهُ قراء العراق والكوفة والبصرة بالخفض: ﴿اللَّهِ﴾ على البدل، وكلاهما قراءتان مشهورتان،
وقولهُ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
تَوَعُّدٌ وتَهْدِيدٌ للكفار من سوء العذاب يوم القيامة. قال الزجاج: (﴿وَوَيْلٌ﴾ هي كلمة تقال للعذاب والهلكة).
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ - نَعْتٌ لأولئك الكفار، إذ اختاروا الحياةَ الفانية في هذه الدار الزائلة، على الحياة الأبدية السرمدية في الدار الآخرة الباقية، ولم يكتفوا بكفرهم وجنايتهم على أنفسهم، بل استطالوا على أهل العلم والحق لصدهم عن الدعوة إلى الله، مستخدمينَ بذلكَ كل أساليب الظلم والمكر لصد الناس عن سبيل الله ودينه الحق. قال القرطبي: (﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي يطلبون لها زَيْغًا وميلًا لموافقة أهوائهم، وقضاء حاجاتهم وأغراضهم).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. أي في ذهاب عن الحق بعيد، وجور عن قصد السبيل، وتخبط في الظلمات والأهواء والفتن.
٤ - ٥. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾.
في هذه الآيات: تقديرُ الله تعالى حكمتهُ في إرسال كل رسول بلسان قومه ولغتهم ليبينَ لهم ويقيم عليهم حجة الله البالغة، فمن اهتدى فبتوفيق الله له ومن ضلّ فبعقوبة الله له واللهُ عزيز حكيم. وإِخْبارُ الله سبحانه عن إرساله نبيّه موسى ﵇ بآياته
стр. 2309
ليخرج قومه من الظلمات إلى النور، وليذكرهم بأنعم الله عليهم، وفي هذا التذكير دلالات لكل صبار شكور.
فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾.
قال ابن كثير: (هذا مِنْ لُطْفِهِ تعالى بخلقه أَنَّهُ يرسل إليهم رُسُلًا منهم بلغاتهم لِيفهمُوا عنهم ما يريدونه وما أُرسلوا به إليهم).
وعن قتادة: (﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، الذي أرسل إليهم، ليتخذ بذلكَ الحجة).
وفي مسند الإمام أحمد عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ : [لم يبعث الله تعالى نَبِيًّا إلا بلغةِ قومهِ] (١).
وقوله: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
قال النسفي: (﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ من آثر سبب الضلالة، ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ من آثر سبب الاهتداء ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فلا يغالب على مشيئته ﴿الْحَكِيمُ﴾ فلا يخذل إلا أهل الخذلان).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
قال مجاهد: (﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾، قال: التسع البيّنات). وفي لفظ قال: (التسع الآيات، الطوفان وما معه).
وعن ابن عباس: (﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، يقول: من الضلالة إلى الهدى).
وقوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّه﴾. قال مجاهد: (بأنعم الله)، أو قال: (بنعم الله)، وقال: (بالنعم التي أنعم بها عليهم، أنجاهم من آل فرعون، وفلق لهم البحر، وظلَّلَ عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسَّلوى).
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
قال قتادة: (نعم العبد عبدٌ إذا ابتلي صبر، وإذا أُعطيَ شكر).
стр. 2310
وقال الشعبي: (الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شُكْر).
قال القرطبي: (﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي في التذكير في أيام الله ﴿لَآيَاتٍ﴾ أي دلالات ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي كثير الصبر على طاعة الله، وعن معاصيه. ﴿شَكُورٍ﴾ لنعم الله).
قال: (وإنما خصَّ بالآيات كل صبار شكور, لأنه يعتبر بها ولا يغفل عنها، كما قال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]، وإن كان منذِرًا للجميع).
ومن كنوز صحيح السنة في مفهوم ودلالة هذه الآية، أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الدارمي في سننه، وأحمد في مسنده، بسند صحيح، عن صهيب قال: [بينما رسول الله ﷺ قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبتُ لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان لهُ خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (١).
الحديث الثاني: أخرج عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، وأبو يعلى بسند رجاله ثقات عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [عجبًا للمؤمن لا يقضي اللهُ لهُ شيئًا إلا كانَ خيرًا له] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الطيالسي والبيهقي من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: [عجبتُ للمسلم إذا أصابتهُ مصيبةٌ احتسب وصبر، وإذا أصابه خير حمدَ الله وشكر، وإنّ المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند حسن عن أنس عن النبي ﷺ قال: [إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط] (٤).
стр. 2311
٦ - ٨. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾.
في هذه الآيات: تَذْكِيرُ موسى ﵇ قومه بنعمة الله الكبيرة عليهم في نجاتهم من فرعون وجنده، الذين كانوا يذيقونهم سوء العذاب ويذبحونَ أبناءهم ويستبقون نساءهم، وفي ذلكم اختبار من الله شديد. وَقَضَاءُ الله تعالى بمقابلة شكره بمزيد عطائه ومقابلة جحد نعمه بالحرمان والعذاب الشديد. وإِعْلانُ موسى ﵇ لقومهِ أن الله تعالى غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود ولو كفر جميع خلقه، فإنما مردّ الكفر على أهله.
فعن ابن عيينة: (﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، أياديَ الله عندكم وأيَّامه).
وقوله: ﴿إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. أي: حين أنجاكم من أهل دين فوعون وطاعته.
وقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾. أي: يذيقونكم أذل العذاب وأصعبه، حين كانوا يذبحون مَنْ وجد من أبنائكم، ويستبقون إناثكم.
وقد وردت الآية في سورة البقرة: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾، وفي الأعراف: ﴿يُقْتِّلُونَ﴾ بلا واو، وهنا في سورة إبراهيم جاءت مع الواو، فيكون التذبيح هنا زائدًا على جنس العذاب، في حين يكون مفسرًا له حيث ورد بلا واو.
وقوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. أي: اختبار عظيم، وبلاء شديد.
وقوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. أي قضى سبحانهُ زيادة نعمه للشاكرين.
стр. 2312
قال ابن زيد: (﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾: وإذ قال ربكم، ذلك "التأذن").
قال ابن كثير: (وقوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾، أي: آذنكم وأعلمكم بوعده لكم. ويحتمل أن يكون المعنى: وإذ أقسم ربكم وآلى بعِزَّته وجَلاله وكبريائه، كما قال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٧]. وقوله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، أي: لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها).
وقوله: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.
أي: وإن جحدتم النعم ولم تؤدوا شكرها قابلكم ربكم بحرمانها أو بتسليط العذاب عليكم، فإن النعم تُقابل بالشكر لا بالتمرد والعصيان.
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله ليرضى عن العبد أن يأكلَ الأكلةَ فيحمده عليها، ويشربَ الشربةَ فيحمدهُ عليها] (١).
الحديث الثاني: أخرجَ أبو داود بسند صحيح عن أبي أيوب الأنصاري، قال: [كان رسول الله ﷺ ، إذا أكل أو شرب، قال: الحمدُ لله الذي أطعم وسقى، وسَوَّغَه وجعلَ له مَخْرَجًا] (٢).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي أمامة قال: [كان رسول الله ﷺ إذا رُفعت المائدة قال: "الحمدُ لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غيرَ مَكْفِيٍّ، ولا مُوَدَّعٍ، ولا مستغنى عَنْهُ، ربُّنا"] (٣).
الحديث الرابع: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: [كان رسول الله ﷺ إذا استجدَ ثوبًا سماهُ باسمه: إما قميصًا أو عمامة، ثم يقول: اللهم
стр. 2313
لكَ الحَمْدُ أَنْتَ كسوتَنيهِ، أَسألُك مِنْ خَيْرِه وخَيْرِ ما صُنِعَ له، وأعوذُ بك من شرِّه وشَرِّ ما صنِعَ له] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
المقصود: أن الله تعالى غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود ولو كفر جميع خلقهِ، فإنما مردَّ الكفر على أهله.
يروي ابنُ جرير بسندهِ عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي: (﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾، قال غني عن خلقه، ﴿حَمِيدٌ﴾، قال: مُسْتَحْمِدٌ إليهم).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾ [التغابن: ٦].
وفي صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: [يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركُمْ وإِنْسَكُمْ وجِنَّكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلكَ في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإِنْسَكُمْ وجِنَّكُمْ كانوا على أفجرِ قلب رجل منكم ما نقصَ ذلكَ في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكُم وآخِركم وإِنْسَكُم وجِنكم قامُوا في صَعيدٍ واحِدٍ فسَأَلُوني فأعطيتُ كُلَّ واحد مَسْألته. ما نقص ذلكَ من مُلكي شيئًا، إلا كما ينقصُ المِخيَطُ إذا أُدْخِلَ في البحر. . .] الحديث (٢).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله تعالى: إذا أحب عبدي لقائي أحببتُ لقاءه، وإذا كره لقائي كرهتُ لقاءه] (٣). ورواهُ البخاري والنسائي.
стр. 2314
الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله تعالى: يا ابن آدم! مهما عَبَدْتني ورجوتني ولم تُشركْ بي شيئًا غفرتُ لكَ على ما كان مِنْكَ، وإن استقبلتني بملءِ السماء والأرض خطايا وذُنوبًا استقبلتكَ بملئِهنَّ من المغفرة، وأغفِرُ لكَ ولا أُبالي] (١).
٩ - ١٢. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾.
في هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى عن أقوام سالفة لا يعلم عددهم إلا الله رَدُّوا رسلهم بعدما جاؤوهم بالحجج البينات والدلائل القاطعات، وواجهوهم بالتشكيك والتكذيب، وطالبوهم بالمعجزات والخوارق، فقابلهم الرسل بالصبر على الأذى والتوكل على الله، وعلى الله فليتوكل المتوكلون.
فقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ - خبر من الله تعالى عن هذه الأقوام المكذبة للرسل - قوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم - لا يعلم ولا يحصي عددهم إلا الله.
стр. 2315
وقوله: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. قال ابن جرير: (يعني بِحُجَجٍ ودلالاتٍ على حقيقة ما دعوهم إليه معجزات).
وقوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ - فيه أكثر من تأويل محتمل:
التأويل الأول: عن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾، قال: (عضوا عليها تَغَيُّظًا). أو قال: (عضوا على أناملهم). أو قال: (عضوا على أطراف أصابعهم).
وقال ابنُ زيد: (أدخلوا أصابعهم في أفواههم. وقال: إذا اغتاظ الإنسان عضَّ يده).
التأويل الثاني: عن ابن عباس: (﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾، قال: لما سمعوا كتاب الله عجِبوا، ورَجعوا بأيديهم إلى أفواههم).
التأويل الثالث: عن مجاهد: (﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾، قال: ردوا عليهم قولهم وكذّبوهم). وقال قتادة: (كذبوا رسلهم وردّوا عليهم ما جاؤوا به من البينات، وردّوا عليهم بأفواههم، وقالوا: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾).
وقوله: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾
إخْبَارٌ عن قيل أولئك الأقوام الذين صرحوا لرسلهم بكفرهم بما أرسلوا به، يقولون: لسنا مصدقين لكم فيما جئتم به، بل عندنا شك قوي فيما تدعوننا إليه.
وقوله: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يحتملُ شيئين في التأويل:
١ - أفي وُجود اللهِ شك؟ وقد جُبلت الفِطر على الإقرار بوجوده، فإن عرض لها اضطراب فذكرتهم الرسل بما يدلُ عليه ويوصل إليه وهو أنه: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ - مبدعهما وموجدهما ومن فيهما، إذْ لا بُدَّ لذلكَ من صانع، ألا وهو الله لا إله إلا هو.
٢ - أفي إلاهِيَّتهِ وتفرّده بالعبادة والتعظيم شك؟ فإن تفرّده بالخلق والملك والتدبير، يقتضي تفرده بالتعظيم والدعاء والعبادة.
وقوله: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
قال القاسمي: (أي: يدعوكم إلى الإيمان بإرساله إيانا، لا أنَّا ندعوكم إليه من تلقاء أنفسنا كما يوهمه قولكم ﴿تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى