[حدٌّ يُعْمَلُ به في الأرض، خَيْرٌ لأهل الأرض من أن يُمْطروا أربعين صباحًا] (١).
قال شيخ الإسلام ﵀ معلقًا على هذا الحديث-: (وهذا لأن المعاصي سبب لنقص الرزق والخوف من العدو، كما يدل عليه الكتاب والسنة، فإذا أقيمت الحدود ظهرت طاعة الله ونقصت معصية الله تعالى، فحصلَ الرزق والنصر) (٢).
وقوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
قال قتادة: (لعل راجعًا أن يرجع، لعل تائبًا أن يتوب، لعل مستعتِبًا أن يستعتب).
وعن الحسن: (﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال: يتوبون). أو قال: (يرجعُ مَنْ بَعْدهم).
والمعنى: إنما يصيبهم الله بعقوبة بعض أعمالهم وما اجترحوه من الآثام كي ينيبوا إلى الحق ويرجعوا تائبين. كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله من قومك: سِيروا في البلاد، فانظروا إلى مساكن الذين كفروا بالله من قبلكم، وكذبوا رسله، كيف كان آخر أمرهم، وعاقبة تكذيبهم رسل الله وكفرهم، ألم نهلكهم بعذاب منا، ونجعلهم عبرة لمن بعدهم، ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾، يقول: فعلنا ذلك بهم، لأن أكثرهم كانوا مشركين بالله مثلهم).
وقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾.
أي: فوَجِّه وجهك يا محمد إلى طاعة ربك والتزم الملة المستقيمة: منهاج هذا الدين القيم، من قبل مجيء يوم من أيام الله لا راد لمجيئه، قضى الله تعالى فيه تفريق الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير.
وأصل الصدع في لغة العرب الشق، وتصدع القوم إذا تفرقوا. قال ابن عباس:
стр. 3502
(قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ يقول: يتفرقون) وقال ابن زيد: (يتفرقون إلى الجنة وإلى النار).
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾.
قال مجاهد: (﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾: في القبر). أو قال: (يسوّون المضاجع). قال النسفي: (أي يسوون لأنفسهم ما يسويه لنفسه الذي يمهد فراشه ويوطئه لئلا يصيبه في مضجعه ما ينغص عليه مرقده من نتوء وغيره. والمعنى أنه يمهد لهم الجنة بسبب أعمالهم فأضيف إليهم. وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على أن ضرر الكفر لا يعود إلا على الكافر، ومنفعة الإيمان والعمل الصالح ترجع إلى المؤمن لا تجاوزه).
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.
قال القرطبي: (أي يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله من فضله. وقيل: يصدّعون ليجزيهم الله، أي ليميّز الكافر من المسلم ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾). وقال ابن كثير: (أي: يُجازيهم مجازاةَ الفضل، الحسنة بعشرِ أمثالها، إلى سبع مئة ضِعْف، إلى ما يشاء الله، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. ومع هذا هو العادل فيهم، الذي لا يَجُور).
٤٦ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾.
في هذه الآيات: امتنانُ الله على عباده إرسال الرياح مبشرات بالغيث والمطر، ولجريان السفن، ولبلوغ الخيرات في المعايش والتجارات، والسير في البلدان، ولعلهم يشكرون. ولقد أرسل الله الرسل من قبل في الأمم بالبينات، والحجج والدلالات، ليفردوه تعالى بالشكر والتعظيم، فأطاعهم فريق وأبى آخرون، فأنعم تعالى بالنصر على المؤمنين، وانتقم من المجرمين.
فقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾. قال مجاهد: (بالمطر).
أي: ومن أعلام كمال قدرته إرسال الرياح مبشرات أي بالمطر لأنها تتقدمه.
وقوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. قال قتادة: (المطر). قال ابن جرير: (يقول: ولينزل
стр. 3503
عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد). والمقصود: أن من رحمته يكون الغيث والخصب عند إرساله تعالى الرياح.
وقوله: ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾. أي في البحر عند هبوبها، فتجري السفن بتدبيره سبحانه أو بتكوينه. قال القرطبي: (وإنما زاد ﴿بِأَمْرِهِ﴾ لأن الرياح قد تَهُبُّ ولا تكون مواتية، فلابد: من إرساء السفن والاحتيال بحبسها، وربما عصفت فأغرقتها بأمره).
وقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قال ابن كثير: (﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: في التجاراتِ والمعايشِ، والسَّيرِ من إقليم إلى إقليم، وقُطْرٍ إلى قُطْر، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي: تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة التي لا تعد ولا تحصى).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾.
تسليةٌ من الله تعالى لعبده ورسوله محمد ﷺ عما يلقاه من أذى قومه وتكذيبهم، فإن الرسل قد تعاقبوا قبله وأيدهم الله تعالى بالأدلة البينات والمعجزات الواضحات، ومع ذلك كَذَّبهم أقوامهم فأنزل الله نقمته بأعدائهم، وما آمن معهم إلا قليل.
وقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
هو حقٌّ أوجبه تعالى على نفسه الكريمة تفضلًا منه وتكرمًا ورفعًا لشأن أهل الإيمان.
قال الزمخشري: (قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تعظيم للمؤمنين، ورفع من شأنهم، وتأهيل لكرامة سنية، وإظهار لفضل سابقة ومزية. حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم، مستوجبين عليه أن يظهرهم ويظفرهم).
٤٨ - ٥١. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾.
في هذه الآيات: إرسالُ الله الرياح وإنشاءُ السحاب وجمعه ونشره في السماء ونزول
стр. 3504
المطر من خلاله، واستبشار القوم الذين كانوا قبل نزوله قانطين آيسين. فانظر يا محمد إلى رحمة ربك وقدرته على إحياء الأرض اليابسة بعد موتها، وهو القادر على بعث الموتى من قبورهم لو كانوا يعلمون. إنه لو تابع ربك -يا محمد- بريح مفسدة للزرع لنسي القوم نعمة الله قبل ذلك ولظلوا من بعده يكفرون.
فقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.
قال القاسمي: (إما سائرًا وواقفًا، مطبقًا وغير مطبق، من جانب دون جانب، إلى غير ذلك).
والآية: إخبار من الله تعالى عن قدرته بإنشاء السحاب وجمعه ونشره في السماء كيف يشاء، لينزل منه الماء.
وقوله: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾. قال قتادة: (أي قطعًا). وقال الضحاك: (متراكمًا). وقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾. قال مجاهد: (الودق: القطر). وقال قتادة: (﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ يعني: المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ يعني: من بين السحاب).
وقوله: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: فإذا صرف ذلك الودق إلى أرض من أراد صرفه إلى أرضه من خلقه رأيتهم يستبشرون بأنه صرف ذلك إليهم ويفرحون).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾. قال قتادة: (أي قانطين).
والمقصود: وإن كان هؤلاء القوم الذين أُمطروا قانطين آيسين من نزوله، فلما جاءهم المطر أشرقت نفوسهم بالفرح ووقع منهم موقعًا عظيمًا.
قال النسفي: (﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ كرر التأكيد. كقوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ [الحشر: ١٧]. ومعنى التوكيد فيها الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول فاستحكم بأسهم فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك).
وقوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
أي: فانظر يا محمد إلى أثر الغيث الذي أكرم الله به من شاء من عباده كيف أحيا أرضهم بعد موتها ويبسها.
стр. 3505
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال القرطبي: (استدلال بالشاهد على الغائب). والمقصود: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد يبسها ودثورها بهذا الغيث لمحيي الموتى بعد موتهم وهو على ذلك وعلى غيره قدير، وليس شيء عليه بعسير.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾.
قال ابن عباس: (﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾: الزرع، وهو الأثر). وقيل: (فرأوا السحاب). فالمعنى: يقول جل ذكره: ولئن أرسلنا ريحًا مفسدة ما أنبته الغيث فرأى هؤلاء الأثر المفسد: في اصفرار زروعهم بعد اخضراره، ويبسه بعد نضجه، لظلوا من بعد استبشارهم وفرحتهم به يكفرون بربهم، ويجحدون نِعَمَهُ، ويَنْسَون أياديه عندهم.
٥٢ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾.
في هذه الآيات: إثباتُ عدم سماع الأموات في قبورهم نداء الأحياء، وتمثيل الكفر والإعراض عن سماع الحق بالموت والصمم، وإنما الهداية بيد الله فهو يهدي من أخبت إليه وكان من المسلمين.
فقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.
قال قتادة: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: هذا مثل ضربه الله للكافر، فكما لا يسمع الميت الدعاء، كذلك لا يسمع الكافر ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ يقول: لو أن أصمّ ولّى مدبرًا ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفعُ بما يسمع).
والمقصود: أن الهداية لأهل العمى عن الحق إنما هي بيد الله، فهو وحده الذي بقدرته يُسْمِعُ الأموات أصوات الأحياء لو شاء، وكذلك فهو يهدي من يشاء، ويضل من يشاء.
قلت: وهذه الآية نص في عدم سماع الأموات في قبورهم نداء الأحياء، وإنما جاء الاستثناء في أمرين خاصين:
стр. 3506
الأمر الأول: سماع الميت خفق نعال أصحابه إذا وُضع في قبره.
وهذا سماعٌ محدود بخفق النعال كما ورد في النص الصحيح، لا يتعداه إلى غيره من الأصوات من الناس أو معرفتهم أو سماع حديثهم.
ففي مسند أحمد وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم من حديث البراء مرفوعًا: [فيردُ إلى الأرض وتعاد روحه في جسده. فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه مدبرين. فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه ويجلسانه فيقولان له: من ربك؟ ] الحديث (١).
الأمر الثاني: سماع قتلى بدر توبيخ النبي ﷺ لهم.
فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ قال: أوقف النبي ﷺ على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول. فَذُكِرَ لعائشة، فقالت: إنما قال النبي ﷺ : إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق. ثم قرأت: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حتى قرأت الآية ... ] (٢).
قلت: فمفهوم كلام عائشة ﵂ أن ذلك التكليم كان خاصًا برسول الله ﷺ ، وأن الله أراد أن يخزي الطغاة الذين قتلوا يوم بدر، ولذلك أكد رسول الله ﷺ ذلك بقوله: "إنهم الآن يسمعون" ويدركون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق، ثم ختمت عائشة كلامها بالأصل المعروف، فقرأت الآية. ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾. ثم إن هذا المعنى يُستَنْبَطُ من قول عمر: (يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها).
وفي رواية مسلم: (يا رسول الله كيف يسمعون وأنّى يجيبوا وقد جَيَّفُوا). فأجابه ﵊ بما يُفْهَمُ أنه خاص بهم، فقد أراد الله أن يسمعهم توبيخ نبيّه لهم وقد كذبوا به من قبل، فقال: (والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا).
قال قتادة: (أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا وَنَقِمَةً وحسرة وندمًا) رواه البخاري (٣).
стр. 3507
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾.
أي: وما أنت -يا محمد- بمانع الذين أعماهم الله من ضلالتهم، فإنَّ مَنْ لَمْ يُوَفِّقْهُ الله لإصابة الرشد وأعماه عن إبصار طريق الاستقامة وامتثال سبيل محجة الحق فلا سبيل لك إلى هديه ورشده.
وقوله: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]. قال القرطبي: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ أي لا تُسمع مواعظَ الله إلا المؤمنين الذين يصغون إلى أدلة التوحيد وخلقتُ لهم الهداية). قال ابن جرير: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يقول: فهم خاضعون لله بطاعته، متذللون لمواعظ كتابه).
٥٤. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾.
في هذه الآية: ترتيب الله تعالى حياة الإنسان بتنقله في أطوار الخلق المختلفة: فهو يخرج من بطن أمه في حالة ضعف ثم يصير شابًا في حالة قوة، ثم يعود إلى الضعف في حالة الشيخوخة، والله هو العليم القدير.
قال قتادة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ أي من نطفة. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ الهرم ﴿وَشَيْبَةً﴾ الشَّمَط).
والآية إخبار من الله تعالى عن تنقل الإنسان في أطوار الخلق المختلفة. قال ابن كثير: (فأصله من تراب، ثم من نطفة، ثم من عَلَقة، ثم من مُضْغَة، ثم يصير عظامًا، ثم يُكسى لحمًا، وينفخ فيه الروحُ، ثم يخرج من بطن أمه ضعيفًا نحيفًا واهِنَ القُوَى، ثم يشَبُّ قليلًا قليلًا حتى يكون صغيرًا، ثم حدَثًا، ثم مُراهقًا، ثم شابًا. وهو القوة بعد الضعفِ، ثم يشرَعُ في النقص فيكتهلُ، ثم يشيخ ثم يهرَمُ، وهو الضعف بعد القوة. فتضعف الهمةُ والحركة والبطش، وتَشِيب اللَمَّة، وتتغَير الصفاتُ الظاهرة والباطنة، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: يفعل ما يشاءُ وَيَتَصَرَّفُ في عبيده بما يُريد، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.
стр. 3508
أخرج الترمذي بسند حسن عن ابن عمرة [أنه قرأ على النبي ﷺ : ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ فقال: "مِنْ ضُعْفٍ"] (١).
٥٥ - ٥٧. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾.
في هذه الآيات: إقسام المجرمين يوم القيامة أن مكثهم في هذه الحياة الدنيا ما كان غير ساعة، وتأكيد أهل العلم والإيمان لهم أن لبثهم في كتاب الأعمال كان من بدء خلقهم إلى يوم بعثهم، ولكنهم كانوا لا يعلمون الحق لانصرافهم إلى الشهوات، وإلى تضييع الأوقات، فيومئذ لا يُقبل منهم اعتذار ولا تبرير ولا ينفعهم الندم أو التوبة من الوقوع في الموبقات والمهلكات.
فعن قتادة: (﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ أي يكذبون في الدنيا، وإنما يعني بقوله ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ عن الصدق، ويصُدُّون عنه إلى الكذب).
قال ابن جرير: (يقول: كذبوا في قيلهم وقَسَمِهم ما لبثنا غير ساعة، كما كانوا في الدنيا يكذبون ويحلفون على الكذب وهم يعلمون).
والآية إخبار من الله تعالى عن جهل الكفار وكذبهم في الدنيا والآخرة. فقد أنفقوا أعمارهم في دنياهم بتعظيم الطواغيت والشهوات، ثم هم يقسمون يوم القيامة ما لبثوا في الدنيا غير ساعة واحدة، وكأنهم أرادوا استقصار مدتها فلا تقوم عليهم بها الحجة ولا الإعذار.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال قتادة: (هذا من مقاديم الكلام. وتأويلها: وقال الذين أوتوا الإيمان والعلم: لقد لبثتم في كتاب الله). وقال ابن جُريج: (معنى ذلك: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله، والإيمان بالله وكتابه).
стр. 3509
والمقصود: أنهم إذا قالوا ذلك يوم البعث ردّ عليهم المؤمنون العلماء في الآخرة كما أقاموا عليهم حجة الوحي في الدنيا، إنكم لبثتم في كتاب الأعمال من يوم خلقتم إلى يوم بعثكم هذا، ولكنكم كنتم في الدنيا لا تعلمون أنه حق، لتفريطكم في طلب الحق واتباعه، وانغماسكم خلف أهوائكم وشهواتكم.
وقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾.
أي: فيوم القيامة لا ينفع الكفار اعتذارهم عما فعلوا من أعمال الكفر والآثام، ولا يطلب منهم التوبة والإنابة فقد مضى وقت ذلك.
قال القاسمي: (﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي ولا يطلب منهم الإعتاب. أي إزالة العتب بالتوبة والطاعة. لأنهما وإن كانتا ماحيتين للكفر والمعاصي، فإنما كان لهما ذلك في مدة الحياة الدنيا، لا غير).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٥ - ١٦].
وفي سنن الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ : [يُؤتى بالعبد يومَ القيامة فيقولُ لَهُ: ألَمْ أجْعَلْ لكَ سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسَخَّرْتُ لك الأنعام والحرثَ، وتركتُكَ ترأسُ وتَرْبَعُ، فكنتَ تَظُنُّ أنَّكَ مُلاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنْسَاكَ كما نسيتني] (١).
قال أبو عيسى: (ومعنى قوله: "اليوم أنساك كما نسيتني": اليوم أتركك في العذاب، وكذا فَسَّرَ بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١] قالوا: معناه: اليوم نتركهم في العذاب).
٥٨ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى
стр. 3510
قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾.
في هذه الآيات: ضَرْبُ الله الأمثلة للناس في هذا القرآن لينتفعوا بها ولكن الذين كفروا عن الحق معرضون، كذلك يختم الله على قلوب الذين لا يعلمون، فاصبر -يا محمد- واثبت على الصراط ولا يَسْتَفِزَّنَكَ عن دينك الذين لا يوقنون.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾. قال القرطبي: (أي من كل مَثَل يدلُّهم على ما يحتاجون إليه، وينبههم على التوحيد وصدق الرسل).
وقوله: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: لو رأَوا أيَّ آيةٍ كانت، سَواءٌ كانت باقتراحهم أو غيره، لا يؤمنون بها، ويعتقدون أنها سِحْرٌ وباطل، كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]).
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قال النسفي: (أي مثل ذلك الطبع وهو الختم يطبع الله على قلوب الجهلة الذين علم الله منهم اختيار الضلال حتى يسموا المحقين مبطلين، وهم أعرق خلق الله في تلك الصفة).
وقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.
أي: فاصبر -يا محمد- على أذاهم وعداوتهم، واعلم أن وعد الله بنصرك عليهم وإظهار دينك الحق على كل دين وعدٌ حق قادم لابد من إنجازه والوفاء به.
وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾.
قال القرطبي: (أي لا يستفزنّك عن دينك. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته، يقال: استخف فلان فلانًا أي استجهله حتى حمله على اتباعه في الغيّ).
وقال القاسمي: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ أي لا يحملنك على الخفة والقلق ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ أي بما تتلو عليهم من الآيات البينة، بتكذيبهم إياها ومكرهم فيها. فإنه تعالى منجز لك ما وعدك من نصرك عليهم، وجعله العاقبة لك، ولمن اعتصم بما جئت به من المؤمنين).
стр. 3511
قلت: والخطاب ينسحب إلى العلماء والدعاة من بعد النبي ﷺ ، أَنْ يصبروا على تبليغ دعوة الله إلى الخلق مهما حاول الطغاة المَكْرَ بهم أو تسفيه أعمالهم وتشويهها، فإن الله ناصر من ينصره ولو كره الكافرون.
تم تفسير سورة الروم بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
* * *
стр. 3512
دروس ونتائج وأحكام
١ - المشركون يحبون ظهور فارس على الروم، والمؤمنون يحبون ظهور الروم على فارس، لأن الروم أهل كتاب.
٢ - البِضْعُ في لغة العرب: ما بين الثلاث إلى التسع.
٣ - إن الله يبغض كلَّ جعظري جَوَّاظ، سَخّاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمارٍ بالنهار، عالمٍ بالدنيا، جاهل بالآخرة.
٤ - تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله.
٥ - من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه. وفي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
٦ - إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدْر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيثُ والطيبُ والسَّهل والحَزْنُ وبين ذلك.
٧ - لم يُرَ للمتحابين مثل النكاح.
٨ - يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض.
٩ - الميثاق الذي أخذه الله تعالى على آدم ﵇ وذريته حق.
١٠ - ما مِنْ مولود إلا يولَدُ على الفِطرة، فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه.
١١ - افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة: كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة. أو قال: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي).
стр. 3513
١٢ - عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له شيئًا إلا كان خيرًا له.
١٣ - الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثِنتان: صدقة وصلة.
١٤ - إن الصدقة تربو في كفِّ الرحمان حتى تكون أعظمَ من الجبل.
١٥ - إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحَلُّوا بأنفسهم عذاب الله.
١٦ - حدٌّ يُعْمَلُ به في الأرض، خيرٌ لأهل الأرض من أنْ يُمطروا أربعين صباحًا.
١٧ - الموتى في قبورهم لا يسمعون، وإنما خصَّ الله كفار بدر فأحياهم ليسمعهم قول نبيّه توبيخًا لهم وتصغيرًا ونقمة وحسرة وندمًا.
١٨ - الكفار ينفقون أعمارهم في دنياهم بتعظيم الطواغيت والشهوات، ثم هم يقسمون يوم القيامة ما لبثوا في الدنيا غير ساعة.
١٩ - الطبع على القلوب ختمها، فلا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا.
٢٠ - لزوم صبر العلماء على تبليغ الدعوة مهما حاول الطغاة المكر بهم أو تسفيه أعمالهم وتشويهها، فإن الله ناصر من ينصره ولو كره الكافرون.
* * *
стр. 3514
٣١ - سورة لقمان
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٣٤)
موضوع السورة
وصية لقمان ﵇
منهاج جامع لأصول الإسلام
- منهاج السورة -
١ - ثناء الله تعالى على القرآن الكريم، وعلى عباده المؤمنين المتقين.
٢ - ذكر حال الأشقياء بعد ذكر حال السعداء، فأهل الشقاء في لهو ولعب واستهزاء بالدين، ولهم عذاب مهين. وأهل السعادة أهل الإيمان في جنات النعيم، يتقلبون في ملذاتها وَعْدُ العزيز الحكيم.
٣ - خَلْقُ الله السماوات بلا عمد، وتثبيته الأرض بالجبال، ونشره الخلائق في أرجاء الأرض، وإنزاله الماء وإنباته النبات، فماذا خلق الطواغيت والأوثان؟ !
٤ - خبر لقمان ﵇، ونصيحته الجامعة لابنه، وتخليد القرآن هذه الوصية.
٥ - امتنان الله تعالى على العباد تسخيره لهم ما في السماوات وما في الأرض، وإسباغه عليهم نعمه الظاهرة والباطنة، ومقابلة كثير منهم تلك النعم بالجدل والتنطع واتباع منهاج الشياطين.
стр. 3515
٦ - إقرار المشركين لله خلق السماوات والأرض ومع ذلك هم يعبدون غيره وأكثرهم جاهلون.
٧ - أقلام الدنيا ومداد قدر البحار لا يكفي لكتابة كلمات الله ومعاني أسمائه وصفاته.
٨ - ما خلق الناس كلهم وبعثهم إلا كخلق نفس واحدة وبعثها والله هو السميع البصير.
٩ - إخبار الله تعالى عن عجائب قدرته في تعاقب الليل والنهار وزيادة أحدهما أو نقصانه، وحركة الشمس ومنازل القمر، وجريان الفلك في البحر.
١٠ - تصويره تعالى حالة القوم إذا غشيهم الموج في البحر كيف يخلصون لله الدعاء والدين، فاذا نجاهم إلى البر عاد أكثرهم مشركين.
١١ - أمْرُ الله تعالى عباده أن يصدقوه التقوى ويستعدوا للقائه ويحذروا غرور الشيطان وهذه الحياة الدنيا.
١٢ - الله وحده الذي يعلم وقت الساعة وينزل المطر ويعلم ما في الأرحام وما يكون في الغد من قضاء على كل نفس من عمل أو موت، وهو العليم الحكيم.
* * *
стр. 3516
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٥. قوله تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.
في هذه الآيات: انتصار الله تعالى لهذا القرآن العظيم، الذي فيه هدى ورحمة للمحسنين، الذين يقيمون الصلاة بأركانها وواجباتها، ويؤتون الزكاة بمقاديرها ومواقيتها، وهم بالآخرة مؤمنون. أولئك أهل الهداية من ربهم وأولئك هم الفائزون.
فقوله تعالى: ﴿الم﴾. مفهومه كسابقه في أول سورة البقرة وآل عمران. وهو أنّ هذا القرآن هو من جنس هذه الأحرف التي يتخاطب العرب بها، وهو مع ذلك يتألق في إعجازه ويتحدى الخلق جميعًا أن يأتوا بسورة من مثله.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ - انتصار لهذا القرآن الحكيم بيانًا وتفصيلًا.
وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: هذه آيات الكتاب بيانًا ورحمة من الله، رحم به من اتبعه وعمل به من خَلْقِه. وقوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ وهم الذين أحسنوا في العمل بما أنزل الله في هذا القرآن).
وقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ بالنصب على الحال. والإحسان هنا حسن الامتثال لأوامر الشريعة كما يدل عليه ما بعده من تفصيل.
وفي صحيح مسلم من حديث عمر مرفوعًا: [الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك] (١).
стр. 3517
وفي لفظ من حديث أبي هريرة: [قال: يا رسول الله! ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه فإنه يراك] (١).
وفى لفظ آخر: [قال: أن تخشى الله كأنك تراه، فإنك إنْ لا تَكُنْ تراه فإنه يراك] (٢).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
أي: إن من إحسان هؤلاء المؤمنين: إقامة الصلاة المفروضة بحدودها وأوقاتها، وما يتبعها من نوافل راتبةٍ وغير راتبةٍ، وإعطاء الزكاة المفروضة مستحقيها من الأقارب والأرحام والمساكين، والإيمان باليوم الآخر يوم يقوم الناس لرب العالمين.
قال القاسمي: (والمراد بالزكاة، على أنها مكية، هي مطلق إخراج المال تقربًا بالتصدق منه، وتزكية للنفس بإيتائه، من وصمة البخل والشح المردي لها. لا أنصباؤها المعروفة، فإنها إنما بُيِّنَت بالمدينة).
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هؤلاء على بصيرة ونور من ربهم، ومنهج صائب غايته الفلاح في الدنيا والآخرة.
٦ - ٧. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾.
في هذه الآيات: ذكر حال الأشقياء عقب ذكر صفات السعداء، فأهل الشقاء في لهو ولعب واستهزاء بالدين، ولهم عذاب مهين.
فقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. إخبار عن حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الوحي إلى
стр. 3518
كلام الباطل واللهو وآلات الطرب. وتفصيل ذلك من أقوال المفسرين:
١ - قال ابن عباس: (قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: باطل الحديث: هو الغناء ونحوه). أو قال: (هو الغناء والاستماع له).
٢ - وقال قتادة: (والله لعله أن لا ينفق فيه مالًا، ولكن اشتراؤه استحبابُه، بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق، وما يضر على ما ينفع).
٣ - روى ابن جرير بسند جيد عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري، أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يسأل عن هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فقال عَبْدُ الله: (الغناء والذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات).
ورواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، هو والله الغناء).
٤ - وقال مجاهد: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: المغَنّي والمغنية بالمال الكثير، أو استماع إليه، أو إلى مثله من الباطل). قال: (شراء المغنية). وقال أيضًا: (الغناء والاستماع له وكل لهو).
٥ - قال ابن جريج: (اللهو: الطبل). وقال الضحاك: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ هو يعني الشرك).
قلت: وكلها أقوال متقاربة متكاملة، مفادها وصف سلوك أهل الشقوة في إعراضهم عن الوحي الكريم، إلى كلام الباطل والغناء واللهو المشين، وآلات الطرب من مزامير الشيطان الرجيم، مستهترين مستهزئين بمعاني الحق التي خُلقوا لها والتي سيسألون عنها ثم ينتظرهم عذاب أليم، مهين كما استهانوا بآيات الله وسبيله وشرعه.
وقد أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال: [لا تبيعوا القَيْنات ولا تَشْتَروهُنَّ ولا تُعَلِّموهُنَّ ولا خَيْرَ في تجارة فيهن وثَمَنُهُنَّ حرامٌ. وفي مثل هذا أنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية] (١).
стр. 3519
وقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ الآية.
قال ابن كثير: (أي: هذا المقبلُ على اللهو واللعب والطَّرب، إذا تُليت عليه الآيات القرآنية ولّى عنها وأعرضَ وأدبرَ وتصامَّ وما به من صَمَم، كأنَّه ما يسمعها، لأنه يتأذى بسماعها، إذْ لا انتفاِعَ له بها، ولا أرَبَ له فيها ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، أي: يوم القيامة، يؤلمه كما تألم بسماعِ كِتاب الله وآياتِه). وعن مجاهد: ﴿فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ قال: ثِقلًا).
٨ - ٩. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾.
في هذه الآيات: ذكر مقام أهل السعادة في الدار الآخرة، الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فهم يومئذ خالدون في بساتين النعيم، يتقلبون في ملذاتها وَعْدُ العزيز الحكيم.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا﴾. قال القرطبي: (لما ذكر عذاب الكفار ذكر نعيم المؤمنين). قال ابن كثير: (هذا ذكرُ مآل الأبرار من السعداء في الدار الآخرة الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وعملوا الأعمال الصالحة المتابعة لشريعة الله، ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾، أي: يتنعَّمون فيها بأنواع الملاذِّ والمَسَارّ، من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمراكب، والنساء والنَّظْرَةِ والسماع الذي لم يَخْطُر ببال أحد، وهم في ذلك مقيمون دائمًا فيها، لا يَظْعَنُون ولا يبغون عنها حِولًا).
وقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾. أي: كائن ذلك لا محالة فهو وعد الله الكريم. قال النسفي: (مصدران مؤكدان، الأول مؤكد لنفسه، والثاني مؤكد لغيره، إذ ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ في معنى: وعدهم الله جنات النعيم. فأكد معنى الوعد بالوعد، و ﴿حَقًّا﴾ يدل على معنى الثبات، فأكّد به معنى الوعد ومؤكدهما ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾.
وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي: الغالب القاهر كل شيء، الذي قد عزّ كل شيء فقهره، ﴿الْحَكِيمُ﴾: العالم صاحب الحكمة المتقن لجميع الأمور، فهو الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
стр. 3520
١٠ - ١١. قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾.
في هذه الآيات: خَلْقُ الله السماوات بلا عمد، وتثبيته الأرض بالجبال، ونَشْره الخلائق في أرجاء الأرض، وإنزاله الماء من السماء، وإنباته من كل زوج كريم. إنه تعالى هو الخالق لجميع ذلك، فماذا خَلَقَ الطواغيت والأوثان؟ بل الظالمون واقعون في الظلم والضلال والطغيان.
فقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال مجاهد: (لها عمدٌ لا ترونها).
وقال ابن عباس: (لعلها بعمد لا ترونها). وقال الحسن وقتادة: (ليس لها عمد مرئية ولا غيرُ مرئية).
قلت: والراجح أنه ليس لها عمد، كما قال تعالى في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. قال إياس بن معاوية: (السماء على الأرض مثل القُبَّة، يعني بلا عَمَد). وهذا هو اللائق بالسياق. وقوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ تأكيدٌ لنفي ذلك، والتقدير: أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها، وهذا هو الأليق بكمال قدرته .
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١].
وقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾. قال قتادة: (أي جبالًا).
وقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾. أي: لئلا تضطرب بكم على وجه الماء الغالب المحيط باليابسة. قال قتادة: (أثبتها بالجبال، ولولا ذلك ما أقرَّت عليها خلقًا).
стр. 3521
وقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وفرق في الأرض من كل أنواع الدواب). والمقصود: خلق فيها سبحانه من كل أصناف الحيوانات ففرقها في أرجائها.
وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. قال قتادة: (أي حسن). وقال الشعبي: (والناس أيضًا من نباتِ الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم).
والمقصود: تقرير من الله تعالى أنه الرازق بعد تقريره جل ذكره أنه الخالق، فقد أنزل من السماء الماء المبارك، فأخرج به من كل زوج من النبات كريم: أي حسن النبتة والمنظر.
وقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾.
تقريع بالمشركين العابدين مع الله غيره، مما لا يملك أن يخلق أو يرزق.
قال قتادة: (﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ ما ذكر من خلق السماوات والأرض، وما بثّ من الدواب، وما أنبت من كل زوج كريم، فأروني ماذا خلق الذين من دونه الأصنام الذين تدعون من دونه).
وقوله: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
أي: بل المشركون في عبادتهم قد ذهبوا عن سبيل الحق وضلوا سواء السبيل، ودخلوا في متاهات الجهل والعمى الواضح الذي لا خفاء به.
١٢ - ١٩. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ
стр. 3522
مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾.
في هذه الآيات: يقص تعالى خبر لقمان ﵇، آتاه الله العلم والفهم والفقه وكان من الشاكرين. وقد نصح لولده نصيحة بالغة غايتها إقامة الدين. فحذره الشرك وأمره ببر الوالدين، وإقام الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الشدائد واجتناب سبيل المستكبرين، وخفض الصوت فإن رفع الصوت والصياح ليس من صفات المتقين.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾. أي: العلم والفهم والفقه والتعبير.
ولقمان هو عبد صالح أكرمه الله بالحكمة. قال مجاهد: (كان لقمان عبدًا صالحًا، ولم يكن نبيًا). وعن قتادة: (﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾، أي: الفقه في الإسلام، ولم يكن نبيًا، ولم يوح إليه).
قلت: ومن حكم لقمان ما رواه الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عمر ﵄ قال: أخبرنا رسول الله ﷺ : [أنّ لقمانَ الحكيم كان يقول: إن الله إذا استُودِعَ شيئًا حَفِظَه] (١).
وقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ - فيه أكثر من تأويل:
١ - ﴿أَنِ﴾ بمعنى أي مفسرة. أي: قلنا له اشكر لله. قال النسفي: (﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ مفسرة، والمعنى: أي اشكر لله، لأن إيتاء الحكمة في معنى القول).
٢ - ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب، والفعل داخل في صلتها. كما حكى سيبويه: كتبت إليه أن قم. قال المهايمي: (﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أي: على ما أعطاك من نعمه، من أوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا).
стр. 3523
٣ - قال الزجاج: (المعنى: ولقد آتينا لقمان الحكمة لأن يشكر الله تعالى).
٤ - وقيل: (أي بأن اشكر الله تعالى فَشَكَر، فكان حكيمًا بشكره لنا). قال ابن جرير: (وجعل قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾ ترجمة عن الحكمة، لأن من الحكمة التي كان أوتيها، كان شكره الله على ما آتاه).
قلت: وكلها تفاسير يحتملها البيان الإلهي المعجز، وتزيد في مفهوم الآية تبيانًا وإفهامًا. والشكر لله طاعته فيما أمر به، وقد نبّه الله تعالى على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما وعبادة الله والشكر له. حتى قيل: لا يكون الرجل حكيمًا حتى يكون حكيمًا في قوله وفعله ومعاشرته وصحبته.
قال السري السقطي: (الشكر أن لا تعصي الله بنعمه). وقال الجنيد: (أن لا ترى معه شريكًا في نعمه). وقيل: هو الإقرار بالعجز عن الشكر. وقيل: (شكر القلب المعرفة، وشكر اللسان الحمد، وشكر الأركان الطاعة، ورؤية العجز في الكل دليل قبول الكل).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. أي: إنما يرجع ثواب الشكر على الشاكرين، وينقذه الله به كي لا يكون من الهالكين.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤].
ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج ابن حبان في صحيحه، والبغوي في "شرح السنة" بسند حسن عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الشكر الحمد لله] (١).
стр. 3524
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [ما أنعم الله على عَبْدٍ نِعمةً فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطاه أفضلَ مما أخذ] (١).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة والحاكم بإسناد حسن في الشواهد عن عائشة قالت: [كان إذا رأى ما يحبُّ قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكرهه قال: الحمد لله على كل حال] (٢).
وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ومن كفر نعمة الله عليه فإنما يرجع بالإساءة على نفسه، فالله غني عن عباده، لا يتضرر بكفر جميع أهل الأرض لو كفروا، فهو الغني لا إله إلا هو، الحميد: المحمود على كل حال، سواء كفر العبد نعمته أو شكرها.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه : [قال الله تعالى: يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرّي فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا] (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: يقول جل ذكره: واذكر يا محمد قول لقمان لابنه يحذره مغبة الشرك بالله، ويخبره أن الشرك لخطأ من القول عظيم، ونوع من الظلم مبين.
أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله ﵁ قال: [لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أيُّنا لا يظلم نَفْسَهُ؟ فقال رسول الله ﷺ : ليس هو كما تظُنُون،
стр. 3525
إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
وفي رواية لمسلم: [فقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: ليس بذلك، ألا تسمعون إلى قول لقمان].
وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾.
قَرَنَ وصيته ابنه إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، بالبر والإحسان للوالدين، وهذا كما قال تعالى في الذكر الحكيم: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. فإن طاعة الوالدين في البر تأتي بعد طاعة رب العالمين.
وفي الصحيحين عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [سألتُ النبي ﷺ : أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها. قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: بِرُّ الوالدين. قلت: ثم أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله] (٢).
وقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: شدّة بعد شدّة، وخلقًا بعد خلق). وقال الضحاك: (يقول: ضعفًا على ضعف). وقال قتادة: (أي: جهدًا على جهد). وقال مجاهد: (وهن الولد على وهن الوالدة وضعفها).
قال القرطبي: (﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ أي: حملته في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفًا على ضعف. وقيل: المرأة ضعيفة الخِلقة ثم يضعفها الحمل).
وقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾. قال ابن كثير: (أي: تربيتُه وإرضاعُه بعد وَضْعِه في عامين، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. ومن ها هنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أَقَلَّ مدة الحمل ستة أشهر، لأنه قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
قلت: وتخصيص الله تعالى الأم بمشاق الحمل وآلام الوضع وجهد الإرضاع يجعل لها بذلك ثلاث مراتب، وللأب واحدة.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: [جاء رجل إلى رسول الله ﷺ
стр. 3526
فقال: يا رسول الله، مَنْ أحقُّ الناس بِحُسْن صَحابتي؟ قال: أمُّكَ. قال: ثم مَنْ؟ قال: ثم أُمُّكَ. قال: ثم مَنْ؟ قالَ: ثم أُمُّكَ. قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: ثُمَّ أبوك] (١).
وقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. أي: تعرف على ربك بالشكر وعلى والديك بالبر، ثم المرجع إلى الله يجزي جزيل الثواب. وفي تأويل ﴿أَنِ﴾ قولان متكاملان:
١ - ﴿أنْ﴾ في موضع نصب. والتقدير: ووصينا الإنسان بوالديه أن اشكر لي. ذكره الزجاج.
٢ - ﴿أنْ﴾ التفسيرية. قال النحاس: (وأجود منه أن تكون ﴿أن﴾ مفسرة، والمعنى: قلنا له أن اشكر لي ولوالديك).
قيل: الشكر لله على نعمة الإيمان، والشكر للوالدين على نعمة التربية والإحسان.
وجاء التخصيص للوالدة مقابل تعبها وسهرها ومشقتها في رعاية طفلها ليلًا ونهارًا، ليتذكر الولد إحسانها إليه، وجميل العناية التي قدمته له.
وفي التنزيل:
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤].
قال سفيان بن عُيَينة: (من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما).
وخَتَم الله تعالى الآية بقوله: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ليحث عبده على المسارعة في طاعة الله وبر والديه لينال ما خبأ الله له من أوفر الجزاء وأكرم الثواب.
أخرج الحاكم بسند صحيح لغيره عن عمرو بن ميمون الأودي قال: [قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود! إني رسولُ رسولِ الله ﷺ : تعلمونَ المعادَ إلى الله، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظعن فيه، وخلودٌ لا موت، في أجساد لا تموت] (٢).
стр. 3527
ورواه ابن أبي حاتم - ورجاله رجال البخاري ومسلم - من حديث سعيد بن وهب قال: [قَدِمَ علينا مُعاذ بن جبل، وكان بعثه النبي ﷺ ، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكم: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تطيعوني لا آلوكُم خيرًا، وإنَّ المصيرَ إلى الله، وإلى الجنة أو إلى النار، إقامَةٌ فلا ظَعَنٍ، وخلودٌ فلا موتٌ] (١).
وقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.
أي: وإن حملاك على مخالفة الدين الحق دين التوحيد إلى دين الجاهلية دين الشرك وتعظيم الطواغيت فلا تتابعهما على ذلك، واحتفظ بحسن الصحبة لهما.
وفي الصحيحين عن أسماءَ بنت أبي بكر ﵄: [قلت: قَدِمَتْ علَيَّ أُمِّي وهي مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ رسول الله ﷺ فاسْتَفْتَيْتُ رسولَ الله ﷺ ، قلتُ: إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وهي راغبةُ، أفاصِلُ أُمِّي؟ قال: نعم. صِلي أُمَّكِ] (٢).
وقوله: "وهي راغبة": قال ابن عطية: (والظاهر عندي أنها راغبة في الصلة، وما كانت لتقدم على أسماء لولا حاجتها).
ففي الآية مع هذا الحديث دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين.
وقوله: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾. أي: واتبع سبيل المؤمنين في دينك. قال قتادة: (أي من أقبل إليّ). وقال ابن عطاء: (صاحب من ترى عليه أنوار خدمتي).
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: ثم المرجع والمآل إلى الله، فيجازي كلًا بعمله: المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
стр. 3528
والوصية من الله بالوالدين وإن جاءت معترضة خلال وصية لقمان، إلا أنها تفيد أنها داخلة في وصية لقمان لابنه على وجه الخبر من الله.
وقوله: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ الآية.
قال قتادة: (﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ من خير أو شر. ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ أي جبل ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾: اْي لطيف باستخراجها خبير بمستقرها).
قال القاسمي: (أي إن الخصلة من الإساءة أو الإحسان، إن تك مثلًا في الصغر كحبة الخردل ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: فتكن مع كونها في أقصى غايات الصغر، في أخفى مكان وأحرزه، كجوف الصخرة. أو حيث كانت في العالم العلويّ أو السفليّ ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ أي يحضرها ويحاسب عليها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أي ينفذ علمه وقدرته في كل شيء ﴿خَبِيرٌ﴾ أي يعلم كنه الأشياء، فلا يعسر عليه. والآية هذه كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآية، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]).
وقوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
أي: يا بني أقم الصلاة التي أمرك الله بها بحدودها وأركانها والتماس أوقاتها، واؤمر الناس بطاعة الله واتباع أمره، وانههم عن الوقوع في معصيته ومحارمه، واصبر على ذلك مما يلحقك به من الأذى، فإن الصبر على أذى الناس لمن عَزْم الأمور.
قال ابن جريج: (اصبر على ما أصابك من الأذى في ذلك ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ قال: إن ذلك مما عزم الله عليه من الأمور، يقول: مما أمر الله به من الأمور).
وقال شيخ الإسلام ﵀: (ولا بد أيضًا أن يكون حليمًا، صبورًا على الأذى. فإنه لا بد أن يحصل له أذى. فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح، كما قال لقمان لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾).
وقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ - فيه أقوال متقاربة متكاملة:
стр. 3529
١ - قال ابن عباس: (يقول: ولا تتكبر فتَحْتَقِرَ عبادَ الله، وتُعرضَ عنهم بوجهك إذا كَلَّمُوك). أو قال: (لا تعرض بوجهك عن الناس تكبرًا).
٢ - وقال مجاهد: (﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ قال: الصدود والإعراض بالوجه عن الناس).
٣ - وعن ميمون بن مهران قال: (هو الرجل يكلم الرجل فيلوي وجهه).
٤ - وعن الضحاك قال: (﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا تعرض عن الناس، يقول أقبل على الناس بوجهك وحسن خلقك).
٥ - قال ابن زيد: (تصعير الخدّ: التجبّر والتكبّر على الناس ومحقرتهم).
٦ - وقال إبراهيم النَخَعِيُّ: (يعني بذلك التشديق في الكلام). وما قبله أشبه بالمعنى. قال ابن جرير: (وأصل الصَّعَر داء يأخذُ الإبلَ في أعناقها أو رؤوسها حتى تُلْفَتَ أعناقُها عن رؤوسها، فيشَبَّهُ به الرجل المتكبِّر).
والخلاصة: يوصي لقمان ابنه بِبَسْطِ وجهه للناس إذا كلمهم وعدم احتقارهم، والإقبال عليهم بحسن الخلق وعدم الكبر أو التشدق في الكلام تعاليًا عليهم.
ومن صحيح السنة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جوّاظ مستكبر] (١).
الحديث الثاني: أخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبهِ مِثقالُ ذرة من كِبر. فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطرُ الحق وغمطُ الناس] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح من حديث جابر بن سليم مرفوعًا: [ولا تحقِرَنَّ شيئًا من المَعْروف، وأن تُكَلِّمَ أخاك وأنْتَ مُنْبَسِطٌ إليه وَجْهُكَ إنَّ ذلك من المعروف] (٣).
стр. 3530
الحديث الرابع: أخرج الترمذي وابن حبان بسند حسن لغيره عن أبي ذر مرفوعًا: [تَبَسُّمُكَ في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك الرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة] (١).
وقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾. قال الضحاك: (يقول: بالخيلاء).
قال ابن كثير: (أي: جذلًا متكبِّرًا جَبّارًا عنيدًا، لا تفعل ذلك يُبْغِضكَ الله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، أي: مُختال مُعْجَب في نفسه، فخور أي: على غيره).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. قال قتادة: (متكبر ذي فخر).
وقال مجاهد: (متكبر. وقوله ﴿فَخُورٍ﴾ قال: يعدّد ما أعطى الله، وهو لا يشكر الله). وفي سورة الإسراء. قال جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [بينما رجل يمشي في حلة تُعْجِبُه نفسُه، مُرَجِّلٌ رأسَهُ، يَخْتَالُ في مِشْيَتِهِ، إذ خسف الله به، فهو يتجلجَلُ في الأرض إلى يوم القيامة] (٢).
وعند البيهقي بسند حسن عن أنس أن النبي ﷺ قال: [لو لم تكونوا تُذنبون، لخِفْتُ عليكم ما هو أكبر من ذلك، العُجْبَ العجب] (٣).
وفي لفظ غيره: [لو لم تكونوا تذنبون خشيت عليكم أكثر من ذلك: العجب].
وقوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾. أي: امش مَشْيًا وَسَطًا عَدْلًا ليس بالبطيء المتثبِّط ولا بالسريع المُفْرِط. قال ابن جرير: (يقول: وتواضع في مشيك إذا مشيت، ولا تستكبر، ولا تستعجل، ولكن اتئد).
стр. 3531
وقوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾. قال يزيد بن أبي حبيب: (﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ من السرعة. ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ يقول: واخفض من صوتك، فاجعله قصدًا إذا تكلمت). قال قتادة: (أمره بالاقتصاد في صوته). والمعنى: نهاه عن المبالغة في الكلام، ورفع الصوت فيما لا فائدة فيه.
وقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.
قال قتادة: (أي: أقبح الأصوات لصوت الحمير، أوّله زفير، وآخره شهيق، أمره بالاقتصاد في صوته). وقال عكرمة: (﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾: أشرّ الأصوات). وقال ابن زيد: (لو كان رفع الصوت هو خيرًا ما جعله للحمير). وخلاصة المعنى كما قال ابن كثير: (أي: غاية مَنْ رفعَ صوته أنه يُشَبَّهُ بالحمير في عُلُوِّهِ ورفعِه، ومع هذا هو بغيضٌ إلى الله تعالى).
وقال النسائي في كتاب "التفسير"- عند تفسير هذه الآية:
حدثنا قتيبةُ بنُ سعيد، حدثنا الليث، عن جَعْفَر بن ربيعة، عن الأعْرَجِ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: [إذا سمعتم صياحَ الدِّيكة فاسألوا الله من فَضْلِه، وإذا سمعتم نهيقَ الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، فإنها رأت شيطانًا] (١).
٢٠ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾.
في هذه الآيات: امتنانُ الله تعالى على العباد تسخيره لهم ما في السماوات وما في
стр. 3532
الأرض وإسباغ نعمه عليهم الظاهرة والباطنة، ومقابلة كثير منهم نعم ربهم بالجدل والتنطع وتعظيم الأعراف ودين الآباء الفاسد ومنهج الشيطان الذي يدعوهم إلى عذاب السعير. إنه من يخلص العبادة لله فقد سلك سبيل النجاة، ومن يكفر فإن عذاب الله شديد.
فقوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ أيها الناس ﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من شمس وقمر ونجم وسحاب ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من دابة وشجر وماء وبحر وفلك وغير ذلك من المنافع، يجري ذلك كله لمنافعكم ومصالحكم لغذائكم وأقواتكم وأرزاقكم وملاذكم، تتمتعون ببعض ذلك كله، وتنتفعون بجميعه).
وقوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. قال مجاهد: (هي لا إله إلا الله). وكذلك قال ابن عباس، ثم قال: (﴿ظَاهِرَةً﴾ يقول: ظاهرة على الألسن قولًا، وعلى الأبدان وجوارح الجسد عملًا. وقوله: ﴿وَبَاطِنَةً﴾ يقول: وباطنة في القلوب اعتقادًا ومعرفة).
قال ابن كثير: (وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة من إرسال الرسل وإنزال الكُتب، وإزاحة الشبَه والعِلَل، ثم مع ذلك كله ما آمن الناس كلُّهم، بل منهم مَنْ يُجادِلُ في الله، أي: في توحيده وإرسال الرسل. ومجادَلَتُهُ في ذلك بغير علم، ولا مستند من حُجَّةٍ صحيحة، ولا كتاب مأثور صحيح، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾، أي: مُبين مُضِيء).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
أي: وإذا دعي هؤلاء الذين يجادلون في توحيد الله وإفراده بالعبادة إلى ما أنزل الله على رسوله من الحجة البالغة والفرقان العظيم، اعتذروا باتباع دين الآباء وتقليد الأسلاف في جاهليتهم، يظنون أن معهم في ذلك التوارث العصمة من الضلال. قال تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾ في تزيينه ذلك المنهج الفاسد لهم إلى صلي عذاب النار وسعيرها ولهبها يوم القيامة.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.
قال ابن عباس: (لا إله إلا الله). والمقصود: ومن يخلص العبادة لله تعالى منقادًا
стр. 3533
لأمره محسنًا في عمله فقد استمسك بأوثق عروة من حبل متين لا يخشى انقطاعه. قال القاسمي: (وهو تمثيل لحال المؤمن المخلص المحسن، بحال من أراد رقيّ شاهق، فتمسك بأوثق عرى الحبل المتدلّي منه).
وقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. قال النَسفي: (أي هي صائرة إليه فيجازي عليها).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
أي: ومن أصَرَّ على الكفر بالله وبما أنزل عليك - يا محمد - فلا تحزن عليه، فإن قدر الله نافذ به، فيجمعهم جميعًا ليوم الفصل فيجازيهم بما اجترحوا إنه تعالى لا تخفى عليه منهم خافية.
وقوله تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
قال القرطبي: (أي نبقيهم في الدنيا مدة قليلة يتمتعون بها. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ أي نلجئهم ونسوقهم ﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ وهو عذاب جهنم. ولفظ ﴿مَنْ﴾ يصلح للواحد والجمع، فلهذا قال: "كفرُه" ثم قال: "مَرْجِعهم" وما بعده على المعنى).
٢٥ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾.
في هذه الآيات: إقرارُ المشركين لله خلق السماوات والأرض ومع ذلك هم يعبدون غيره وأكثرهم جاهلون. إن الله له ما في السماوات والأرض، وأقلام الدنيا وبحارها لو كانت مدادًا لا تكفي لكتابة كلمات الله وأسمائه ونعت صفاته وهو العزيز الحكيم. وما خَلْقُ الله الناس كلهم وبعثهم إلا كَخَلْقِ نفس واحدة وبعثها وهو السميع البصير.
فقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. قال القرطبي: (أي هم يعترفون بأن الله خالقهن فلِمَ يعبدون غيره).
стр. 3534
وقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. قال ابن كثير: (إذ قامت عليهم الحجة باعترافهم). وقال النسفي: (إلزام لهم على إقرارهم بأن الذي خلق السماوات والأرض هو الله وحده، وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر، وأن لا يعبد معه غيره). وقيل: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على ما هدانا له من دينه، وليس الحمد لغيره. قلت: وكل ذلك يدخل تحت مفهوم الآية.
وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال النسفي: (أن ذلك يلزمهم وإذا نبهوا عليه لم ينتبهوا). وقال ابن جرير: (يقول: بل أكثر هؤلاء المشركون لا يعلمون من الذي له الحمد، وأين موضع الشكر).
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
أي: بل كل ما في السماوات والأرض ملك لله، وهو الغني عن عبادة هؤلاء المشركين، ﴿الْحَمِيدُ﴾ يعني المحمود على نعمه التي أنعمها على خلقه وفي الأمور كلها ولو كره المشركون.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾.
أي: ولو أن جميع ما في الأرض من أشجار جعلت أقلامًا، وجعل البحر مدادًا وأمدَّه سبعة أبحر معه، لكتابة كلمات الله التامة وأسمائه الحسنى وصفاته العُلا، لتكسرت الأقلام، ونفِدَ ماء البحار عجزًا عن إحصاء ذلك.
وعن قتادة قال: (قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، قال: لو كان شجر البَرِّ أقلامًا، ومع البحر سبعة أبحر ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه). وعن الحكم قال: حدثنا عمرو: (﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ قال: لو بريت أقلامًا والبحر مدادًا، فكتب بتلك الأقلام منه ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ولو مدّه سبعة أبحر).
وقال الربيع بن أنس: (إنّ مَثَل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البُحُور كُلِّها، وقد أنزل الله ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ ... الآية. يقول: لو كان ذلك البحرُ مدادًا لكلمات الله، والشجر كلّها أقلامًا، لانكسرت الأقلام، وفني ماءُ البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يُفنيها شيءٌ، لأنَّ أحدًا لا يستطيع أن يقدُر
стр. 3535
قَدْرَه، ولا يُثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول).
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].
وفي سنن ابن ماجة بسند صحيح عن عائشة قالت: [فقدت رسول الله ﷺ ، ذات ليلة، من فراشه. فالتمسته. فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد. وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم! إني أعوذ برضاك من سَخَطِكَ، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك] (١).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. أي: عزيز في انتقامه من أعدائه، وقد عزَّ كل شيء وغلبه وقهره. ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه وأمره، وأقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، وفي جميع شؤونه.
وقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
قال قتادة: (يقول: إنما خلْقُ الله الناس كلّهم وبعثُهم كخلق نفس واحدة وبعثها). وقال مجاهد: (﴿كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يقول: كن فيكون، للقليل والكثير). والمقصود: أن خلق جميع الناس وبعثهم يوم القيامة بالنسبة لقدرة الله هو في هوانه كخلق نفس واحدة وبعثها، فإن الجميع هين عليه سبحانه ولا يعجزه شيء.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
٣ - وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤].
وفي صحيح البخاري عن عبد الله ﵁ قال: [جاء حَبْرٌ من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا مُحَمَّدُ، إنا نَجِدُ أنَّ الله يجعلُ السماوات على إصْبَع، والأرضينَ على إصْبَع، والشَّجرَ على إصْبَع، والماءَ والثَّرى على إصْبَع، وسائِرَ
стр. 3536
الخلائقِ على إصْبَع، فيقول: أنا الملِكُ، فضحك النبي ﷺ حتى بَدَتْ نواجِذُهُ تصديقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]] (١).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
أي: إن الله سميع لأقوال المشركين الذين يقولون لا بعث، بصير بأفعالهم وجرائمهم، كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة، كما هي قدرته على خلقهم وبعثهم كنفس واحدة.
٢٩ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن عجائب قدرته في تعاقب الليل والنهار وزيادة أحدهما أو نقصانه، وحركة الشمس ومنازل القمر، والفلك التي تجري بأمره في البحر، وغير ذلك من الآيات وهو العلي الكبير. وتصويره تعالى حالة القوم إذا غشيهم موج البحر ورأوا الهلاك كيف يخلصون له الدين، فإذا نجاهم إلى البر عاد أكثرهم مشركين.
فقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾.
قال قتادة: (﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ نقصان الليل في زيادة النهار ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ نقصان النهار في زيادة الليل).
فالنهار في الصيف طويل وفي الشتاء قصير، والليل في الصيف قصير وفي الشتاء طويل، فإنه تعالى يأخذ من ساعات هذا فيضمها إلى ساعات هذا صيفًا وشتاء.
стр. 3537
وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال قتادة: (يقول: لذلك كله وقت، وحد معلوم، لا يجاوزه ولا يعدوه).
قلت: والشمس والقمر آيتان عظيمتان من آيات الله يخوف الله بحركتهما عباده ليتوبوا إليه قبل فوات الأوان.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩].
٣ - وقال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].
ومن صحيح السنة العطرة في آفاق حركة الشمس والقمر أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الشيخان عن أبي ذَرٍّ الغفاري ﵁ قال: [قال النبي ﷺ لأبي ذَرٍّ حين غَرَبَت الشمس: أتَدْري أيْنَ تذهب؟ قلتُ: الله ورسوله أعْلَمُ. قال: فإنها تذهَبُ حتى تَسْجُدَ تحت العرش فتستأذِنَ فيؤذَنَ لها، ويوشكُ أن تَسْجُدَ فلا يُقْبَلَ منها، وتَسْتَأذنَ فلا يؤذَنَ لها، فيُقال لها: ارجعى مِنْ حيثُ جِئت، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبها. فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [لا تقوم الساعة حتى تطلعَ الشمسُ من مَغْرِبها، فإذا رآها الناسُ آمنَ مَنْ عليها، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أحمد والترمذي بسند صحيح عن عائشة أن رَسول الله ﷺ
стр. 3538
أخذ بيدها فأشار بها إلى القمر فقال: [يا عائشةُ! استعيذي بالله من شَرِّ هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقَبَ. يعني القمر] (١).
الحديث الرابع: أخرج البخاري عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: [إنّ الشمس والقمر لا يَخْسِفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنّهما آية من آيات الله، فإذا رأيتموه فَصَلّوا] (٢).
ورواه عن ابن عباس بلفظ: [إن الشمس والقمر آيتان من آياتِ الله لا يَخْسِفان لموت أحَدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله].
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قال القاسمي: (أي: لأن من شاهد مثل ذلك الصنع الرائق، والتدبير الفائق، لا يكاد يغفل عن كون صانعه محيطًا بما يأتي ويذر).
والآية فيها تهديد للكافرين الجاهلين حق عظمته سبحانه، المشركين فى عبادته معه غيره، فهو تعالى يحصي أعمالهم عليهم وسيجازيهم بها.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
قال النسفي: (أي: ذلك الوصف الذي وصف به من عجائب قدرته وحكمته التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون، فكيف بالجماد الذي يدعونه من دون الله، إنما هو بسبب أنه هو الحق الثابت الإلهية، وأن من دونه باطل الإلهية، وأنه هو العليّ الشأن الكبير السلطان).
قلت: وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ دليل على علوه تعالى فوق جميع خلقه.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].
стр. 3539
٢ - وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥].
٣ - وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
وفي صحيح البخاري عن أنس: [أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات] (١).
وفي رواية: [إن الله أنكحني في السماء].
وفي رواية أخرى: [زوجنيك الرحمن من فوق عرشه].
وقوله: ﴿الْكَبِيرُ﴾. أي: الموصوف بالجلال وكِبر الشأن.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].
فالله تعالى هو الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، وقد قهر كل شيء، فخضعت له الرقاب ودان له العباد طوعًا وكرهًا.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾.
قال ابن كثير: (يُخبِر تعالى أنه هو الذي سَخَّر البحر لتجري فيه الفلك بأمره، أي: بِلُطْفِه وتسخيره، فإنه لولا ما جعل في الماء من قوة تُحمَل بها السُفن لما جَرَت، ولهذا قال: ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾، أي: مِنْ قدرتِه).
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. أي: صَبَّار في الشدائد والضراء، شكور في الرخاء والسّراء. قال عمر ﵁: (خير عيش أدركناه بالصبر).
قال الشعبي: (الصبر: نصف الإيمان، واليقين: الإيمان كله).
قال ابن القيم: (وهو - أي الصبر - واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر).
وفي جامع الترمذي بسند حسن عن أنس قال: قال النبي ﷺ : [إنَّ عِظَمَ الجزاء مع
стр. 3540
عِظَمِ البلاء، وإنَّ الله تعالى إذا أحَبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سَخِطَ فَلَهُ السُّخطُ] (١).
وقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾.
أي: وإذا غشي هؤلاء الذين يدعون مع الله غيره من الأوثان والطواغيت موج في البحر ﴿كَالظُّلَلِ﴾ أي: كالجبال والغمام، أخلصوا الدعاء لله وحده، فلما نجاهم إلى البر عادوا إلى شركهم. قال مجاهد: (﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾: أي كافر). وقال ابن زيد: (هو المتوسط في العمل). اْي: فقابل النجاة من تلك الأهوال العظيمة التي أشرف معها على الهلاك بالجحود والكفر أو بضعيف الصلة بالله وبطيء المبادرة في الخيرات.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].
وفي سنن أبي داود ومسند أحمد بإسناد صحيح عن أبي تميمة قال: [شهدت رسول الله ﷺ وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تدعو؟ قال: أدعو إلى الله وحْدَه، مَنْ إذا كان بك ضر فدعوتَهُ كشفه عنك، ومن إذا أصابك عامُ سنة فدعوته أنبت لك، ومن إذا كنت في أرض قَفْرٍ فأضللت فدعوته ردّ عليك] (٢).
وقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. قال ابن عباس: (كل جحاد كفور).
وقال مجاهد: (﴿كُلُّ خَتَّارٍ﴾: كلّ غدار). وقال قتادة: (﴿كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾، الختار: الغدار، كل غدار بذمته كفور بربه).