← Акыда

Акыда · id 147670

مسألة في توحيد الفلاسفة

ابن تيمية

Полный текст (98 стр.). Показаны 71–98 · переход к 76.

стр. 71

الصِّفاتِ المنافيةِ للحاجاتِ لذاتِه، فكيفَ ننكرُ صفاتِ الكمالِ التي بها تتمُّ الإلهيّةُ بمثلِ هذهِ التَّخيُّلاتِ اللَّفظيّةِ؟ فإنْ قيلَ: إذا أثبتُّم ذاتًا وصِفةً وحُلولَا للصِّفةِ بالذّاتِ فهوَ تركيبٌ، وكُلُّ تركيبٍ يحتاجُ إلى مركِّبٍ، ولذلكَ مَنْ لم يُجِزْ أنْ يكونَ الأوَّلُ جِسمًا؛ لأنَّهُ مركِّبٌ، قُلنا: قولُ القائلِ: كُلُّ تركيبٍ يحتاجُ إلى مُركِّبٍ كقولِهِ: كُلُّ موجودٍ يحتاجُ إلى موجِدٍ، فيقالُ لهُ: الأوَّلُ موجود قديم لا عِلّةَ لهُ ولا موجِدَ، لذلكَ يقالُ: هوَ موصوفٌ قديمٌ لا عِلّةَ لذاتِهِ ولا لِصفتِه، ولا لقيامِ صفتِهِ بذاتِهِ بَلِ الكُلُّ قديمٌ بلا عِلّةٍ. وأمّا الجِسمُ فإنَّما لم يجُزْ أنْ يكونَ الأوَّلَ؛ لأنَّهُ حادثٌ مِنْ حيثُ إنَّهُ لا يخلو عَنِ الحوادث، ومَنْ لم يُثبتْ لهُ حدوثَ الجِسمِ يَلزَمُهُ أنْ يجوِّزَ أنْ تكونَ العِلَّةُ الأولى (١) جسمًا، كما تَستلزمُهُ عليهم مِنْ بعدُ. وكُلُّ مسالكِهم في هذهِ المسألةِ تخيُّلاتٌ. ثمَّ إنَّهم لا يقدرونَ على ردِّ جميعِ ما يُثبتونَهُ إلى نفسِ الذّاتِ؛ فإنَّهم أثبَتوا كونَهُ عالمًا، ويلزمُهم أنْ يكونَ ذلكَ زائدًا على مجرَّدِ الوجود، فيُقالُ لهم: أتسلِّمونَ أنَّ الأَوَّلَ يعلمُ غيرَ ذاتِهِ؟ فمنهُم مَنْ يسلِّمُ ذلكَ ومنهُم مَنْ قالَ: لا يعلمُ إلّا ذاتَهُ. فأمّا الأوَّلُ فهوَ الذي اختارَهُ ابنُ سِينا؛ فإنَّهُ زعمَ أنَّهُ يعلمُ الأشياءَ كُلَّها بنوعٍ كُلِّيٍّ لا يدخلُ تحتَ الزَّمان، ولا يعلمُ الجُزئيّاتِ التي تُوجِبُ تجدُّدَ الإحَاطةِ بها تغيُّرًا في ذاتِ العالمِ.

стр. 72

فنقولُ: عِلمُ الأوَّلِ بوجودِ كُلِّ الأنواعِ والأجناسِ التي لا نهايةَ لها عينُ عِلمِهِ بنفسِهِ أمْ غيره، فإنْ قلتُم: إنَّهُ غيرُهُ فقَد أثبتُّم كثرةً ونقضتُم القاعدةَ، وإنْ قلتُم: إنَّهُ عينه لم يتميَّزوا عمن يَدَّعي أنَّ عِلمَ الإنسانِ بغيرِهِ عينُ عِلمِهِ بنفسِهِ وعينُ ذاتِه، ومَنْ قالَ ذلكَ سفيهٌ في عقلِه، وقيلَ: حَدُّ الشَّيءِ الواحدِ أنْ يستحيلَ في الوهمِ الجمعُ فيهِ بينَ النَّفيِ والإثبات، فالعِلمُ الواحدُ بالشَّيءِ لَمّا كانَ واحدًا استحالَ أنْ يُتوهَّمَ في حالةٍ واحدةٍ موجودًا أو معدومًا، ولَمّا لم يستحلْ في الوهمِ يقدَّرُ علمُ الإنسانِ بنفسِهِ دونَ علمِهِ بغيرِه، قيلَ: إنَّ عِلمَهُ بغيرِهِ غيرُ علمِهِ بنفسِهِ؛ إذْ لو كانَ هوَ هوَ لكانَ نفيُهُ نفيًا لهُ وإثباتُهُ إثباتًا لهُ؛ إذْ يستحيلُ أنْ يكونَ زيدٌ موجودًا وزيدٌ معدومًا، أعني: هوَ بعينِهِ في حالةٍ واحدةٍ، ولا يستحيلُ مثلُ ذلكَ في العِلمِ بالعينِ مَع علمِهِ بنفسِه، وكذلكَ في عِلمِ الأوَّل بذاتِهِ مع علمِهِ بغيرِهِ؛ إذْ يمكنُ أنْ يُتوهَّمَ وجودُ أحدِهما دونَ الآخر، وهُما إذنْ شيئان، ولا يمكنُ أنْ يُتوهَّمَ وجودُ ذاتِهِ دونَ وجودِ ذاتِه، فلو كانَ الكُلُّ كذلكَ لكانَ هوَ التَّوهُّم مُحالًا، فكُلُّ مَنِ اعترفَ مِنَ الفلاسفةِ بأنَّ الأوَّلَ يعرفُ غيرَ ذاتِهِ فقَد أثبتَ كثرةً لا محالةَ، فإنْ قيلَ: هوَ لا يعلمُ الغيرَ بالقصدِ الأوَّلِ بَلْ يعلمُ ذاتَهُ مبدأ الكُلِّ فيلزمُهُ العِلمُ بالكُلِّ بالقَصدِ الثّاني، إذْ لا يمكنُ أنْ يعلمَ ذاتَهُ إلّا مبدأً، فإنَّهُ حقيقةُ ذاتِه، ولا يمكنُ أنْ يعلمَ ذاتَهُ مبدأ لغيرِهِ إلّا ويدخلُ الغيرُ في علمِهِ بطريقِ الضِّمنِ واللُّزوم، ولا يبعدُ أنْ يكونَ لذاتِهِ لوازمُ، وذلكَ لا يوجِبُ كثرةً في ماهيّةِ الذّات، وإنَّما يمتنعُ أنْ يكونَ في نفسِ الذّاتِ كثرةً. قالَ: والجوابُ مِنْ وجوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قولَكُم: إنَّهُ يعلمُ ذاتَهُ مبدأ تحكم، بَل ينبغي أنْ يعلمَ وجودَ

стр. 73

ذاتِهِ فقَط، فأمّا العِلمُ بكونهِ مبدأ فيزيدُ على العِلمِ بالوجود، لأنَّ المبدأَ فيهِ إضافةٌ للذّات، ويجوزُ أنْ يعلمَ الذّاتَ، ولا يعلمَ إضافتَهُ، ولو لَم يكُنِ المبدأُ فيهِ إضافةً ليكثر ذاته، وكانَ لهُ وجودٌ ومبدأٌ منهُ، وهما شيئانِ، كما يجوزُ أنْ يعلمَ الإنسانُ ذاتَهُ، ولا يعلمَ كونَهُ معلولًا إلى أنْ يعلمَ، لأنَّ كونَهُ معلولًا إضافةٌ لهُ إلى علمِه، فكذلكَ كونُهُ عِلّةً إضافةٌ لهُ إلى معلولِه، فالإلزامُ قائمٌ في مجرَّدِ قولِهم: إنَّهُ يعلمُ كونَهُ مبدأً؛ إذْ فيهِ عِلمٌ بالذّاتِ وبالمبدأِ منهُ، وهوَ الإضافةُ، والإضافةُ غيرُ الذّات، فالعِلمُ بالإضافةِ غيرُ العِلمِ بالذّاتِ بالدَّليلِ الذي ذكرناهُ، وهوَ أنَّهُ يمكنُ أنْ يُتوهَّمَ العِلمُ بالذّاتِ دونَ العِلمِ بالمبدأِ منهُ، ولا يمكنُ [أن] (١) يتَوهمَ العِلم بالذّاتِ دونَ العِلمِ بالذّات؛ لأنَّ الذّاتَ واحدةٌ. الوجهُ الثّاني: أنَّ قولَهم: إنَّ الكُلَّ معلومٌ لهُ بالقصدِ الثّاني كلامٌ غيرُ معقولٍ؛ فإنَّهُ مهما كانَ علمُهُ محيطًا بغيرِهِ كما يحيطُ بذاتِه، كانَ لهُ معلومان مغايِران، وكانَ لهُ عِلمٌ بهما، وتعدُّدُ المعلومِ وتغايرُهُ يوجِبُ تعدُّدَ العِلمِ؛ إذْ يقبلُ أحدُ المعلومَينِ الفضلَ عَنِ الآخرِ في الوهم، فلا يكونُ العِلمُ بأحدِهما عينَ العِلمِ الآخر؛ إذْ لو كانَ لتعذَّرَ تقديرُ وجودِ أحدِهما دونَ الآخر، وليسَ ثَمَّ آخرُ مهما كانَ الكُلُّ واحدًا، فهذا لا يختلفُ بأنْ نعبِّرَ عنهُ بالقصدِ الثّاني، ثمَّ ليتَ شِعري كيفَ يُقدِمُ على نفيِ الكثرَةِ مَنْ يقولُ: إنَّهُ لا يعزُبُ عَنْ علمِهِ مثقالُ ذرّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرض، إلّا أنَّهُ يعرفُ الكُلَّ بنوعٍ كُلِّيٍّ، والكُلِّيّاتُ المعلوماتُ لهُ لا تتناهي، فكيفَ يكونُ العِلمُ المتعلِّقُ بها مَع كثرتِها وتغايُرها واحدًا مِنْ كُلِّ وجهٍ.

стр. 74

وقد خالفَ ابنُ سِينا في هذا غيرَهُ مِنَ الفلاسفةِ الذينَ ذَهبوا إلى أنَّهُ لا يعلمُ إلّا نفسَهُ احترازًا مِنْ لزومِ الكثرة، فكيفَ شاركَهم في نفيِ الكثرة، ثمَّ يأتيهم في إثباتِ العِلمِ بالغير، ولَمّا استحيا أنْ يُقالَ: إنَّ اللهَ لا يعلمُ شيئًا في الدُّنيا والآخرة، وإنَّما يعلمُ نفسَهُ، وأمّا غيرُهُ فيعرفُهُ ويعرفُ غيرَهُ، فيكونُ غيرُهُ أشرفَ منهُ في العِلم، فتركَ هذا حياءً مِنْ هذا المذهب، واستِنكافًا منهُ، ثمَّ لم يستحيِ مِنَ الإصرارِ على نفيِ الكثرةِ مِنْ كلِّ وجهٍ، وزعمَ أنَّ عِلمَهُ بنفسِهِ وبغيرِهِ بَلْ وبجميعِ الأشياءِ هوَ ذاتُهُ مِنْ غيرِ مزيدٍ، وهوَ عينُ التَّناقُضِ الذي استحى منهُ سائرُ الفلاسفةِ؛ لظهورِ التَّناقضِ فيهِ مِنْ أوَّلِ النَّظرِ. فإذًا ليسَ ينفَكُّ فريقٌ منهم عَنْ خزيٍ في مذهبٍ، وهكذا يفعلُ اللهُ بمَنْ ضَلَّ عَنْ سبيلِهِ وظَنَّ أنَّ الأُمورَ الإلهيّةَ يَستولي على كُنهِها بنَظرِهِ وتخييلِهِ. فإنْ قيلَ: إذا أُثبِتَ أنَّهُ يعرفُ نفسَهُ مبدأ على سبيلِ الإضافةِ فالعِلمُ بِالصِّفاتِ واحدٌ؛ إذْ مَنْ عرفَ الأينَ عرفَهُ بمعرفةٍ واحدةٍ، وفيهِ العِلمُ بالآنِ والأبوّةِ ضِمنًا، فتكثرُ العلومُ ويتَّحدُ العِلمُ، فكذلكَ هوَ يعلمُ ذاته مبدأ لتغيُّرِهِ فيتَّحِدُ العِلمُ، وإنْ تعدَّدَ المعلومُ، ثمَّ إذا عقلَ هذا في معلولٍ واحدٍ وإضافتِهِ إليهِ ولم يوجِبْ ذلكَ كثرةً، فالزِّيادةُ فيما لا يوجِبُ جنسه كثرة لا يُوجِبُ كثرةً، وكذلكَ مَنْ يعلمُ الشَّيءَ ويعلمُ (١) علمه بالشَّيءِ. قُلت: ظهرَ بالكلامِ الذي حكيناهُ عَنْ أبي حامدٍ أنَّهُ يقولُ: إنَّ واجبَ الوجودِ الذي قامَ الدَّليلُ على إثباتِهِ هوَ ما ليسَ لهُ علّةٌ فاعلةٌ، وأمّا العِلّةُ القابليّةُ فهوَ لا يجعلُها منافيةً لوجوبِ الوجودِ حتَّى يثبتَ وجوبَ الوجودِ للصِّفاتِ

стр. 75

مع احتياجِها إلى المحلِّ، لكنَّهُ قال مَع ذلكَ: وإنْ أردتُم بواجبِ الوجودِ ألَّا يكونَ لهُ عِلّةٌ قابليّةٌ؛ فليسَ بواجبِ الوجودِ على هذا التَّأويل، ولكنَّهُ مَع هذا قديمٌ لا عِلّةَ لهُ، ولَم يكُنْ محتاجًا في إبطال حُجَّتِهم إلى ذلكَ؛ فإنَّهُ لَمّا ذكرَ تقسيمَهم في الذّاتِ والصِّفةِ إمّا أنْ يكونَ كُلٌّ منهُما غنيًّا عَنِ الآخرِ أو محتاجًا إليهِ أو أحدُهما غنيٌّ عَنِ الآخرِ والآخرُ محتاجٌ إليهِ اختارَ هذا القسمَ الآخرَ، وقد قالوا على هذا التَّقديرِ: المحتاجُ معلومٌ، والواجبُ هوَ الآخرُ، ومنهُما كانَ معلولًا افتقرَ إلى سببٍ، فيؤدِّي إلى أنْ ترتبطَ ذاتُ واجبِ الوجودِ بسببٍ، وقد قال: هوَ المختارُ أنْ تَكونَ الذّاتُ في قوامِها غيرَ محتاجةٍ إلى الصِّفات، والصِّفةُ محتاجةً إلى الموصوفِ كما في حقِّنا، ثمَّ قال: فيَنفي قولَهم: إنَّ المحتاجَ إلى غيرِهِ لا يكونُ واجبَ الوجودِ إلى آخرِهِ. وما ذكرَهُ مِنَ الحُجَّةِ لهم فيهِ تناقضٌ بيِّن؛ وكذلكَ في جوابِهِ لهم، وذلكَ أنَّ قولَهم في الحُجّة، ومَهما كانَ المحتاجُ معلولًا افتقرَ إلى سببٍ فيؤدِّي إلى أنْ ترتبطَ ذاتُ واجبِ الوجودِ بسبب كلام متناقض، فإنَّهُ على هذا التَّقديرِ الواجبُ هوَ الموصوفُ فقَط، والصفةُ ليست واجبةَ الوجودِ بنفسِها، بَلْ معلولةٌ بالذَّاتِ ومحتاجة إلى الموصوفِ كما ذكرَ، فتسميةُ الصِّفةِ بعدَ هذا واجبَ الوجود، وأنَّ ذلكَ ينفي ارتباطَ واجبِ الوجودِ بسبب كلام متناقض تقديرُهُ الصِّفةُ ليسَتْ واجبةَ الوجود؛ ولهذا احتاجَ في جوابهِ إلى أنْ يجعلَها واجبةَ الوجود، ثمَّ يفسِّر ذلكَ بأنَّهُ لا فاعلَ لها، وإنْ كانَ لهَا محلٌّ. وليسَ إلى هذا حاجةٌ، بَلْ يكفي أنْ يُقالَ: الصِّفةُ على هذا ليسَتْ واجبةَ الوجود، بَلْ هيَ معلولةٌ كما ذكروا، ولو سُمِّيَتِ العِلّةُ فاعلًا بهذا المعنى لم يكُنْ في ذلكَ محذورٌ؛ إذِ الواجبُ على هذا التَّقديرِ هوَ الذّاتُ، فكانَ هذا

стр. 76

الجوابُ هادمًا لِما بَنوهُ، وأمَّا مَع تسليمِ أنَّ الصِّفةَ تكونُ واجبةً بنفسِها فلا يستقيمُ ما ذكرَهُ مِنَ الجوابِ؛ لأنَّ الواجبَ بنفسِهِ لا يحتاجُ إلى ما يَستغني عنهُ، ولا يحتاجُ إلى ما هوَ واجبٌ بنفسِهِ كانَ قدَّرَ أنَّهُ محتاجٌ كما قد بيَّنّاهُ مِنْ أنَّهُ يَمتنعُ أنْ يكونَ كُلٌّ مِنَ الواجبينِ مفتقِرًا إلى الآخر، فإذا قدَّرتَ الصِّفةَ واجبةً بنفسِها والذّاتَ واجبةً بنفسِها، امتنعَ ذلكَ، سواءٌ قيلَ: إنَّ كُلًّا منهما إلى الآخرِ أو قيلَ: إنَّ الصِّفةَ هيَ المحتاجةُ إلى الذَّاتِ دونَ العكسِ؛ لأنَّ وجوبَ الشَّيءِ بنفسِهِ يُنافي أنْ يفتقِرَ بنفسِهِ إلى ما هوَ مستغنٍ عَنْ كُلِّهِ بنفسِه، واستغناءُ الشَّيءِ بنفسِهِ يُنافي ألَّا يكونَ مُستغنيًا بنفسِه، وما ذكرَهُ مِنَ الدَّليلِ إنَّما دلَّ على إثباتِ واجبٍ ليسَ لهُ علّةٌ فاعليّةُ، وأنهُ بهِ ينقطعُ التَّسلسلُ عليهِ اعتراضانِ: أحدُهما: أنْ يُقالَ: فإذا كانتِ الذّاتُ متَّصفةً بذلكَ فلتَكتفِ بهذا الجواب، ولا حاجةَ إلى دعوى وجوبِ الوجودِ في الصِّفةِ مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى ذلكَ، مَع ما فيهِ مِنَ التَّناقُضِ. والثّاني: أنْ يُقالَ: بلِ الدَّليلُ دلَّ على إثباتِ موجودٍ بنفسِه، فمتى لزمَ ألا يكونَ مُستغنيًا بنفسِهِ لزِمَ التَّناقضُ، ومَتى قُدِّرَ أنَّهُ ليسَ غنيًّا بنفسِهِ لزِمَ التَّناقضُ، سواءٌ كانَ نفيُ الغِنى عنهُ لاحتياجِهِ إلى فاعلٍ أو قابلٍ أو غيرِ ذلكَ. نَعَم لو جعلَ تلكَ الأُمورَ مِنْ لوازمِ نفسِهِ وأنَّها محتاجةٌ إليهِ لا قوامَ لها بدونهِ؛ لم يكُنْ في ذلكَ نفيُ غناهُ، ولا إثباتُ حاجتِه، سواءٌ قيلَ: إنَّها داخلةٌ في مسمَّى نفسِهِ أو لازمةٌ لنفسِه، فإنَّ وجوبَهُ بنفسِهِ لا يوجبُ غناهُ عَنْ نفسِه، فضلًا عَنْ أنْ يوجبَ غنًى هوَ داخلٌ في مسمَّى نفسِهِ أو لازمٌ لنفسِهِ.

стр. 77

وهذا كما أنَّ اللَّفظَ إذا دلَّ على معنًى بالمطابَقةِ فقد دلَّ على هوَ داخلٌ فيهِ بالتَّضمُّن، وعلى ما يلزمُهُ بالإلزام، ولا يُقالُ: إنَّ المدلولَ عليهِ بالمطابَقةِ محتاجٌ إلى ما هوَ المدلولُ عليهِ بالتَّضمُّنِ أو بمطلَقِ اللُّزومِ إلّا كما يُقالُ: إنَّ المدلولَ عليهِ بالمطابَقةِ محتاجٌ إلى نفسِهِ هوَ معنى قولِ القائلِ: هوَ محتاجٌ إلى نفسِه، وإنْ كانتْ هذهِ العبارةُ قد لا يحسُنُ إطلاقُها، فالكلامُ في المعنى المقصودِ بالعبارةِ وإلّا فالتَّشنيعُ المحضُ لا يثبتُ بِهِ حقٌّ، ولا يندفعُ بهِ باطلٌ، وهوَ عادتُهم في هذا البابِ كما ذكرَهُ أبو حامدٍ. وتمامُ الفائدةِ فيما ذكرَهُ أبو حامدٍ يحصلُ بمعرفةِ ثلاثةِ أشياءَ: أحدها: أنَّ هذهِ الحُجَّةَ التي ذكرَها عنهُم حُجّةٌ ناقصةٌ فيها تلبيسٌ، فإنَّهُ لم يذكُرْ فيها تخيُّلَ احتياجِ الصِّفةِ إلى الموصوفِ دونَ العكسِ كما قد بيَّنّاهُ، ولكِنْ قد نبَّهَ على تمامِها فيما بعدُ بقَولهم: هذا يؤدِّي إلى أنْ يكونَ الأوَّلُ محتاجًا إلى هذهِ الصِّفات، فلا يكون غنيًّا مطلَقًا، وقد بيَّنَ هوَ فسادَ هذا الكلام، ونحنُ قد بسطنا الكلامَ على هذهِ الحُجّةِ وغيرِها مِنْ كلامِهم في مواضعَ، وإنَّما كانَ المقصودُ هنا بيانَ ما تفطَّنَ لهُ أبو حامدٍ ونحوُهُ مِنْ فسادِ حُجَجِهم، وحاصلُ أمرِهم إمّا نفيُ الصِّفاتِ لعِلمِهم أنَّ الذّاتَ محتاجةٌ إليها، فيكونُ الواجبُ محتاجًا إلى غيرِهِ أو متقومًا بغيرِهِ ونحو ذلكَ. وقد أجابَ بأنَّ هذا وإنْ كانَ حقًّا، فليسَ فيما يثبتُ واجبَ الوجودِ ما ينفي هذا إذا لم يقمْ دليلٌ على أنَّ واجبَ الوجودِ هوَ ذاتٌ لا صفاتَ لها، وأنَّهُ واحدٌ ليسَ فيهِ معنى كثرةٍ، وإنَّما هُم في آخرِ الأمرِ إنَّما ينفونَ الكثرةَ والتَّركيبَ بدليلِهم المذكورِ في التَّوحيدِ كما ذكرَ أبو حامدٍ، حيثُ قالَ: إبطالكُم للقِسمِ الأوَّلِ وهوَ التَّثنيةُ المطلَقةُ قد بيَّنَّا أنَّهُ لا برهانَ لكُم عليها في المسألةِ التي قبلَ هذه،

стр. 78

وأنَّها لا تتمُّ إلّا بالبناءِ على نفيِ الكثرةِ في هذهِ المسألةِ وما بعدَها، فما هوَ فرع على هذهِ المسألةِ كيفَ تَنْبني هذهِ المسألةُ عليهِ؟ والذي أحالَ عليهِ هوَ أنَّهُ قالَ: المسألةُ الخامسةُ في بيانِ عَجزِهم عَنْ إقامةِ الدَّليلِ على أنَّ اللهَ واحدٌ، وأنَّهُ لا يجوزُ فرضُ اثنينِ واجبَي الوجود، وكُلُّ واحدٍ منهما لا عِلّةَ لهُ. واستدلالُهم على ذلكَ بمسلَكينِ: المسلكُ الأوَّلُ: قولُهم: إنَّهما لو كانا اثنينِ لكانَ نوعُ وجوبِ الوجودِ مقولًا على كُلِّ واحدٍ منهما، وما قيلَ: إنَّهُ واجبُ الوجودِ فلا يخلو إمّا أنْ يكونَ وجوبُ وجودِهِ لذاتِهِ؛ فلا يُتصوَّرُ أنْ يكونَ لغيرِه، أو وجوبُ الوجودِ لعِلّةٍ، فتكونُ ذاتُ واجبِ الوجودِ معلولًا، وقدِ اقتضَتْ عِلّة وجوبِ الوجودِ، ونحنُ لا نريدُ بواجبِ الوجودِ إلّا ما لا ارتباطَ لوجودِهِ بعلمِهِ بجهةٍ مِنَ الجهات، فزَعموا أنَّ نوعَ الإنسانِ مقولٌ على زيدٍ وعلى عَمرٍو، وليسَ زيدٌ إنسانًا لذاتِه، إذْ لو كانَ إنسانًا لذاتِهِ لما كانَ عمرو إنسانًا، بَل لعِلّةٍ جعلتْهُ إنسانًا، وقد جعلَ عَمْرًا أيضًا إنسانًا فتكونُ الإنسانيّةُ بتكثر المادّةِ الحاملةِ لها، وتعلُّقُها بالمادّةِ معلولٌ ليسَ لذاتِ الإنسانيّة، فكذلكَ ثبوتُ وجوبِ الوجودِ لواجبِ الوجودِ إنْ كانَ لذاتِه، فلا يكونُ إلَّا لهُ، وإنْ كانَ لِعِلَّةٍ فهوَ أيضًا معلولٌ وليسَ بواجبِ الوجوبِ. وقد ظهرَ بهذا أنَّ واجبَ الوجودِ لا يكونُ إلّا واحدًا. قالَ أبو حامدٍ: قولُكُم: "نوعُ واجبِ الوجودِ لواجبِ الوجودِ لذاتِهِ ولعلَّةٍ" تقسيمٌ خطأٌ في وضعِهِ؛ فإنَّا قد بيَّنّا أنَّ لفظَ وجوبِ الوجودِ فيهِ إجمالٌ، إلَّا أنْ يرادَ بهِ نفيُ العِلم، فلْيستعملْ هذهِ العبارةَ، فنقولُ: لم يستحل

стр. 79

ثبوت موجودينِ لا عِلّةَ لهما، ولا أحدُهما علّةٌ للآخر، فقولكُم: إنَّ الذي لا علّةَ لهُ لذاتِهِ أو لسببٍ تقسيمٌ خطأٌ، لأنَّ نفيَ العِلّةِ واستغناءَ الوجودِ عَنِ العِلّةِ لا يُطلبُ لهُ علّةٌ، فأيُّ معنًى لقول القائلِ: إنَّ ما لا علّةَ لهُ لا علّةَ لهُ لذاتِهِ أو لعلّة، إذْ قولُنا: لا علّةَ لهُ سلبٌ محضٌ، والسَّلبُ المحضُ لا يكونُ لهُ سببٌ، ولا يقال فيهِ: إنَّهُ لذاتِهِ. وإنْ عنيتُم بوجوبِ الوجودِ وَصفًا ثابتًا لوجوبِ الوجودِ سِوى أنَّهُ موجودٌ لا علّةَ لوجودِهِ فهوَ غيرُ مفهومٍ في نفسِه، والذي يشكلُ مِنْ لفظِهِ نفيُ العِلّةِ لوجودِه، وهوَ سلبٌ محضٌ لا يقال فيهِ: إنَّهُ لذاتِهِ أو لعلّةٍ حتَّى يُبنى على وضعِ هذا التَّقسيمِ غرَضٌ، فدل على أنَّ هذا برهانٌ مزخرفٌ لا أصلَ لهُ، بَل نقولُ: معنى أنَّهُ واجبُ الوجودِ أنَّهُ لا علَّةَ لوجودِه، ولا علّةَ لكونِهِ بلا عِلّةٍ، وليسَ كونُهُ بلا علّةٍ معلَّلًا أيضًا بذاتِه، بَل لا علّةَ لوجودِه، ولا لكونِهِ بلا علّةٍ أصلًا، فكيفَ وهذا التَّقسيمُ لا يتطرَّقُ إلى بعضِ صفاتِ الإثبات، فضلًا عمّا يرجعُ إلى السَّلبِ؛ إذْ لو قال قائلٌ: السَّوادُ لونٌ لذاتِهِ أو لعلَّةٍ، فإنْ كانَ لذاتِهِ فينبغي ألَّا تكونَ الحمرةُ لونًا ولا أنْ يكونَ هذا النَّوعُ، أعني اللَّونيَّةَ إلّا لذاتِ السَّواد، وإنْ كانَ السَّوادُ لونًا لعلَّةٍ جعلتهُ لونًا، فينبغي أنْ يعقلَ سوادٌ ليسَ بلونٍ إنْ لم تجعلْهُ لونًا، فإنَّ ما ثبتَ للذّاتِ زائدًا على الذاتِ بعِلّةٍ يمكنُ تقديرُ عدمِهِ في الوهم، وإنْ لم يتحقَّقْ في الوجود، ولكِنْ يُقالُ: هذا التَّقسيمُ خطأٌ في الوضع، فلا يُقالُ في السَّوادِ: إنَّ كونَهُ لونًا لذاتِهِ أو لا علّةَ لهُ لذاتِهِ قولًا يمنعُ أنْ يكونَ ذلكَ لغيرُ ذاتَهُ بحالٍ (١).

стр. 80

قلتُ: هذهِ الحُجَّةُ مادَّتُها هيَ مادَّةُ الحُجّةِ التي ذكرَها السّائلُ؛ إذْ أصلُ ذلكَ كلِّهِ أنَّهُ متى قُدِّرَ واجبانِ لزمَ أنْ يكونَ وجوبُ الوجودِ معلولًا، إمّا للماهيّةِ أو لأمرٍ آخرَ، ووجوبُ الوجودِ لا يكونُ معلولًا، فإنَّهُ إذا قدّرَ واجبًا لم ينحصِرْ نوعُهُ في شخصه، وإذا لم ينحصِرْ فلا يجوزُ أنْ يكونَ وجوبُ الوجودِ هيَ الموجبة (١) لتشخصهِ وتعينِهِ، إذْ لو كانَ كذلكَ لانحصرَ نوعُهُ في شخصِه، وتعيَّنَ وجوبُ الوجودِ والغرضُ خلافُهُ، ولا بُدَّ أنْ يكونَ نسب الشَّخصِ غيرَ وجوبِ الوجود، وحينئذٍ فسواءٌ أنْ كانَ وجوبُ الوجودِ لازمًا لذلكَ الشَّخصِ أو عارضًا لهُ فلا بدَّ أنْ يكونَ معلولًا لهُ؛ لأنَّ وجوبَ الوجودِ لا يحصلُ إلّا بهِ؛ كما في تحصلُ الإنسانيّةُ في الشَّخصِ إلّا بسبب غيرِ الإنسانيّة، كما ذكروا مِنْ أسبابِ ذلكَ، وهوَ المادّةُ الحاملةُ لها، والواجبُ بنفسِهِ لا يكونُ معلولًا. فهذا مُنتهى ما عندَ القوم، وأبو حامدٍ بفِطرتِهِ قد تفطَّنَ لفسادِها وقالَ: هذا التَّقسيمُ خطأٌ، ومثَّلَ ذلكَ باللَّونيّة، والتَّمثيلُ الذي ذكرَهُ مطابق، لكِنْ تبيَّنَ أصلُ فسادِ هذهِ الحُجَّة، ولم يبيِّنْ وجهَ المنعِ في مقدِّماتِها، لأنَّ ذلكَ مبنيٌّ لعِلّةِ القولِ في الماهيّةِ والوجودِ والفرقِ بينَهما والقولِ في أشخاصِ النَّوعِ وموادِّهِ ونحوِ ذلكَ مِنَ الأُصولِ التي ضلُّوا فيها، والتبسَ عليهم الحقُّ فيها حتَّى لبَّسوهُ على النّاسِ. وكثير مِنَ الرّادِّينَ عليهم يوافقُهم في تلكَ الأُصولِ الفاسدةِ أو بعضِها، فقَد تناقضَ في ردِّهِ كما تناقضوا هم في كلامِهم، ومثلُ هذا يوجدُ في كلامِ الرّازي، وكثيرِ ممّا يوجدُ في كلامِ

стр. 81

الشّهرستانيِّ (١)، ويوجدُ في كلامِ الشّهرستانيِّ أكثرُ ممّا يوجدُ في كلامِ أبي حامد؛ فإنَّ القومَ تكلَّموا بكلامٍ فيهِ اشتباهٌ إجمالًا حتَّى غلطَ بسببِ ذلكَ كثيرٌ مِنْ أذكياءِ الرِّجالِ. ونحنُ ننبِّهُ ونتكلَّمُ على كُلِّ هذهِ الحُجّةِ كما نبَّهْنا على كُلِّ الحُجّةِ التي ذكرَها السّائلُ، فنقولُ: قولكُم: لو كانَ نوعُ واجبِ الوجودِ مقولًا على كُلِّ واحدٍ منهُما، وما قيلَ: إنَّهُ واجبٌ الوجودِ إمّا أنْ يكونَ وجوبُ وجودِهِ لذاتِهِ أو لعِلّةٍ يعنونَ بهِ الوجودَ الذي يخصُّهُ أو يعنونَ بهِ الوجوبَ المشترَكَ الكُلِّيَّ الذي يتناولُهما، فإنْ عنيتُم التّاليَ فذاكَ مع كونِهِ كُلِّيًّا عامًّا لا يتحقَّقُ في الأعيان، وإنَّما يتحقَّقُ في الأذهان، وإذا كانَ إنَّما يوجدُ بشرطِ كونهِ كُلِّيًّا مطلَقًا أو عامًّا في الذِّهنِ. فإذا قيلَ: وجوبُ وجودِهِ لذاتِهِ لم يكُنْ في ذلكَ محذورٌ، إذ ثبوتُ كُلِّيٍّ في الذِّهنِ لا يمنعُ ثبوتَ أبي ببب. أفرادِهِ في الخارج، وإذا قيلَ: إنَّهُ لعِلَّةٍ لم يستلزمْ ذلكَ أنْ يكونَ الموجودُ الذي في الخارجِ مُعلّلًا؛ لأنَّ ما في الذِّهنِ عرَضٌ قائمٌ بالذِّهن، فهوَ مفتقرٌ إلى محلٍّ، وأمّا الموجودُ الواجبُ الذي في الخارجِ فليسَ هوَ مفتقرًا إلى محلٍّ إنْ عنيتَ الوجودَ الذي يخصُّهُ أو الوجوبَ الذي في الخارج،

стр. 82

وهوَ لا يكونُ إلّا معيَّنًا خاصًّا، وإنْ قيلَ: إنَّهُ يلزمُ مِنْ وجودِ الشَّخصِ وجودُ النَّوعِ وجود (١) الجِنسِ؛ فاللَّازمُ ليسَ مطلَقًا بشرطِ الإطلاق، وإنَّما هوَ معيَّنٌ خاصٌّ لا يشتركُ اثنانِ في عينِه، وإنِ اشترَكا في نوعِه، والموجبُ لتعيُّنِهِ وتشخُّصِهِ هوَ الموجبُ لِما هوَ متَّصِفٌ بهِ مِنْ كونهِ موجودًا أو واجبًا، وعنْدَ (٢) ذلكَ وكذلكَ حميعُ أفرادِ النَّوع كالإنسان مثلًا، فالموجِبُ لعينِهِ الموجودةِ هوَ المُوجِبُ لما فيهِ مِنْ إنسانَيَّةٍ وحيوانيَّةٍ وغيرِ ذلكَ، وقد ضلُّوا إلى هذا الموضِعِ هُم ومَنِ اتَّبعَهم ضلالًا مُبينًا؛ فإنَّ قولَهم: إنَّ نوعَ الإنسانِ مقولٌ على زيدٍ وعلى عَمرٍو ليسَ زيدٌ إَنسانًا لذاتِه، إذْ لو كانَ إنسانًا لذاتِهِ لما كانَ عمرٌو إنسانًا، بلْ لعِلّةٍ جعلتْهُ إنسانًا، وقد جعلَ عمرٌو أيضًا إنسانًا، فكثرةُ الإنسانيّةِ بتكثيرِ المادّةِ الحاملةِ لها، وتعلُّقها بالمادّةِ معلولٌ ليسَ لذاتِ الإنسانيّة، فقَولُهم هذا الذي تذكرونَهُ في الإلهيّاتِ والطَّبيعاتِ والمنطقِ يظهرُ ما فيهِ مِنَ التَّلبيسِ مِنْ وجوهٍ: أحدُها: أنَّ قولَهم: ليسَ زيدٌ إنسانًا لذاتِه، إذْ لو كانَ إنسانًا لذاتِهِ لما كانَ عمرٌو إنسانًا يقالُ لهم: تعنونَ بقَولِكُم: لم يكُنْ إنسانًا لذاتِه، وأنَّ غيرَ هذا الإنسانِ المعيَّنِ الموجودِ يخلصُ بهِ كما يقولُهُ مَنْ يقولُهُ مِنَ المعتزلةِ: إنَّ المعدومَ شيءٌ أمْ ذاتٌ مطلَقةٌ مشترَكةٌ يشتركُ فيها هذا الإنسانُ وغيرُهُ، أمْ يعنونَ بذاتِهِ هذا الإنسانَ المعيَّنَ المخصوصَ، وهذهِ القِسمةُ حاصرةٌ؛ فإنَّ ذاتَ هذا الإنسانِ المخصوصِ إمّا أنْ تكونَ هذا الإنسانَ أو غيرَهُ، وإذا كانَتْ غيرَهُ فلا يخلو إمّا أنْ تكونَ جزئيّةً مثلَهُ تساويهِ في الخصوص، وإمّا

стр. 83

أنْ تكونَ كُلِّيَّةً مطلَقةً تتناولُ غيرَهُ، فإنْ عنيتُم بذاتِ هذا الإنسانِ هذا الإنسانَ فكُلُّ إنسانٍ معيَّنٍ إنسانٌ لذاتِهِ المعيَّنةِ كما هوَ إنسانٌ بإنسانيَّتِهِ المعيَّنةِ ليسَتْ معيَّنةً مشتركةً بينَهُ وبينَ غيرِه، بَلْ وجميعُ ما لهُ مِنَ الجواهرِ والصِّفاتِ المعيَّنةِ ليسَتْ مشتركةً بينَهُ وبينَ غيرِه، بَلْ مختصّةٌ به، وكُلُّ واحدٍ بذاتِهِ المعيَّنةِ وسائرِ صفاتِهِ المعيَّنةِ لهُ وبهِ يمكنُ وجودُها مَع عدَمِ ذاتِ الآخرِ المعيَّنة، ومَع وجودِها، وإنْ قدّرت أنَّ ذاتَ زيدٍ هيَ ذات جزئيَّةٌ تساويهِ في الخصوصِ، فهذا القولُ وإنْ كانَ باطلًا لكِنْ لا يضرُّنا في هذا المقام، فإنَّهُ إذا قيلَ: إنَّ الإنسانيَّةَ المعيَّنة معلومةٌ معلولةٌ لتلكَ الذّاتِ المعيَّنةِ ما يضرُّ ذلكَ، وإنْ قيلَ لكَ: أتعني بذاتِهِ ذاتًا مطلَقةً مشتركةً هيَ الإنسانيّةُ المطلَقةُ مثلًا، قيلَ لكَ: هذهِ ليسَ لها في الخارجِ وجودٌ لشرطِ كونهِ مطلَقًا، والكُلِّيّاتُ مشترَكةٌ كلِّيّةُ، وإنَّما وجودُها في الخارجِ هوَ وجودُها المعيَّنُ فقَط، فليسَ في الخارجِ إنسانٌ ولا حيوانٌ، ولا نحوُ ذلكَ مِنْ غيرِ الأعيانِ الموجودة، فإذا قلتَ: الكُلُّ ثابتٌ في الأعيانِ أو المطلَقِ ونحوَ ذلكَ، وعنيتَ أنَّ ثبوتَها هوَ ثبوتُ الأعيان، فهذا معنًى صحيحٌ، وإنْ أردتَ أنَّها ثابتةٌ كلِّيّةٌ مطلَقةٌ، فهذا باطلٌ، وإنْ قلتَ: إنّا نريدُ أنَّها ثابتةٌ مطلَقةٌ لا بشرطِ الإطلاقِ ولا أريدَ ذلكَ فكونُها (١) كلِّيّةً وجزئيّةً قيلَ لكَ: قولكَ: إنَّها موجودةٌ لا بشرطِ الإطلاقِ لا ينافي ألا تكون إلَّا معيَّنة، فهيَ لا تكونُ في الخارجِ إلّا معيَّنةً وأنتَ إذا تصوَّرتَها مطلَقةً لا بشرطِ الإطلاق، ولا تتعيَّنُ، لم تكُنْ إلّا في الذِّهن، فكَما أنَّها بشرطِ الإطلاقَ لا تكونُ إلَّا في الذِّهن، فمَتى تنفك عَنْ

стр. 84

شرطِ الإطلاقِ والتَّعيينِ لا تكونُ إلَّا في الذِّهن، وأمّا التي في الخارجِ فهيَ مشروطةٌ بالتَّعيينِ. وإنْ قالَ القائلُ: هيَ لا بشرطِ الإطلاقِ في الخارجِ قيلَ لهُ: وهيَ مع كونها لا بشرطِ الإطلاقِ في الخارجِ مشروطة بالتَّعيين، ومَنْ أثبتَها في الخارجِ منفكّةً مِنَ التَّعيينِ كما يقولُهُ أتباعُ أرِسطو كابنِ سينا والرّازي ونحوِهما؛ فهوَ بمنزلةِ مَنْ أثبتَها في الخارجِ منفكّةً عَنِ الوجود، كما يزعمُ أصحابُ أفلاطنَ، وكلاهُما خطأٌ، فليسَ في الخارجِ ماهيّة غيرُ موجودةٍ، ولا ماهيّةٌ مطلَقةٌ غيرُ معيَّنةٍ، ولا موجودٌ مطلَقٌ غيرُ معيَّنٍ، وإذا تبيَّنَ أنَّهُ ليسَ في الخارجِ ذاتٌ مطلَقةٌ لم يصِحَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ في الخارجِ إنسان لذاتٍ مطلَقةٍ، بَل هوَ إنسانٌ لغيرِ ذاتٍ مطلَقةٍ، وهيَ ذاتٌ معيَّنةٌ مشخَّصةٌ، وليسَ ذلكَ علّةً منفصلةً عَنْ ذاتِهِ المعيَّنةِ؛ ولهذا نتبيَّنُ خطأَهم في التَّقسيمِ كما ذكرَهُ أبو حامدٍ مِنْ غيرِ أنْ يحتاجَ أنْ يجعلَ معنى وجوبِ الوجودِ أمرًا سلبيًّا، فإنَّ ذلكَ ليسَ بجيدٍ، ولو كانَ معنى سلبيًّا فما يسلبُ عَنِ الشَّيءِ قد يكونُ لذاتِه، وقد يكونُ لعِلّةٍ غيرِ ذاتِه، فكما يجوزُ أنْ تضافَ الأُمورُ الثُّبوتيّةُ إلى هذينِ النَّوعينِ أمكنَ أنْ يُقالَ في بعضِ السَّلبيّاتِ هذينِ النَّوعين، فإنَّ استغناءَهُ عَنِ العِلّةِ إذا قيلَ: إنَّهُ لنفسِ ذاتِهِ كما أنَّ استغناءَ الرَّبِّ عمّا سواهُ لنفسِ ذاتِهِ لم يكُنْ هذا منتفِيًا، واللهُ تعالى يُوصَفُ بأوصافِ الكمال مِنْ ثبوتِ الممادحِ وانتفاءِ النَّقيض، وكِلا الصِّنفينِ وجبَ لهُ لنفسِه، فنفسُهُ تستوجبُ إثباتَ هذا وانتفاءَ هذا. الوجه الثّاني: مِنْ بيانِ التَّلبيسِ في هذا الموضعِ أنْ يُقالَ: قولُهم:

стр. 85

لو كانَ إنسانًا لذاتِهِ لما كانَ عمرٌو إنسانًا لذاتِهِ أتعنونَ بكونهِ إنسانًا إنسانيَّةً مطلَقةً مشتركةً أمْ إنسانيَّتَهُ المُعَيَّنَة. وعلى التَّقديرينِ تَجدون (١) في ذاتِهِ مثلَ ذلكَ، فإنْ عنيتُم إنسانيّةً مِنْ حيثُ هيَ هيَ فاجعلُوا بإزائِها ذاتَهُ مِنْ حيثُما هيَ هيَ، وإنْ عنيتُم إنسانيَّتَهُ المُعَيَّنَة فاجعلُوا بإزائِها ذاتَهُ المعينةَ، فالمطلَقُ معَ المطلَق، والمعيَّنُ معَ المعيَّن، وحينئذٍ فيَبطُلُ قولكُم: لو كانَ إنسانًا لذاتِهِ لما كانَ عمرو إنسانًا لذاتِهِ؛ لأنَّ كُلًّا مِنَ الإنسانيتينِ (٢) إنْ أُريدَ بها المعيَّنةُ فلَها ذاتٌ معيَّنةٌ تلازمُها في الخصوص، وإنْ أُريدَ بها المطلَقةُ فلها ذاتٌ مطلَقةٌ تلازمُها في العموم، فكُلٌّ مِنَ الإنسانِ وذواتِ الإنسانِ يتلازمانِ في العمومِ والخصوص، وإنَّما ضَللتُم مِنْ حيثُ أخذتُم إنسانيّةً معيَّنةً وذاتًا مطلَقةً، وليسَ هذا بأَولى مِنَ العكس، وهوَ أنْ توجدَ إنسانيّةٌ مطلَقةٌ وذاتٌ معيَّنةٌ، وهذا مِنْ مقابَلةِ الباطلِ بالباطلِ ونظيرِ الباطلِ بالباطل، فإذا كانَ هذا باطلًا فقولُهم هذا باطلٌ. وكثيرًا ما يُنتفعُ بهذا النَّوع في النَّظرِ والمناظرةِ أنْ نقدِّرَ نظيرَ القولِ الذي قالَهُ الشَّخصُ، فإذا تبيَّنَ أنَّهُ باطلٌ فحُكمُ الشَّيءِ حُكمُ مثلِه، علمَ أنَّ نظيرَهُ باطلٌ، وبضربِ الأمثالِ ينكشفُ الحالُ، وقد ضربَ اللهُ الأمثالَ في كتابه لعبادِه، وهيَ مِنْ أنفعِ الأُمورِ. الوجه الثّالث: قولُهم: كثرتِ الإنسانيّةُ بتكثيرِ المادّةِ الحاملةِ لها، وتعلُّقها بالمادّةِ معلولٌ ليسَ لذاتِ الإنسانيّةِ. يقالُ لهُ: إنْ عنيتَ بالمادّةِ

стр. 86

نفسَ الإنسانِ الموصوفِ بالإنسانيَّة، فلا ريب أنه لكُلِّ إنسانٍ إنسانيّة تخصُّهُ، وهيَ تكثرُ بتكثيرِ الأناسيِّ، لكِنْ على هذا يَبطُلُ قولُكَ: وتعلُّقُها بالمادّةِ معلولٌ ليسَ لذاتِ الإنسانيّةِ؛ فإنَّ تعلُّقَ الإنسانيّةِ بالإنسانِ ليسَ لأمر وراء كونِهِ إنسانًا، بل نفسُ الإنسانِ موجِبٌ للإنسانيّة، وإنْ عنيتَ بالمادّةِ البدَنَ الذي للإنسانِ أو عرَضًا مِنْ أعراضِ البدَنِ فليسَ البدَنُ وحدَهُ حاملًا للإنسانيّة، بَلِ البدَنُ والرُّوحُ، ولو قدِّرَ أنَّهُ البدنُ مُفردًا أو بشرطِ تعلُّقِ الرُّوحِ بهِ فحمْلُ البدَنِ للإنسانيّةِ كحَملِها لسائرِ أعراضِهِ مِنَ الطُّولِ والعَرضِ والعُمقِ، فهوَ جِسمٌ بما منهُ مِنَ الأعراضِ والصِّفاتِ، ومعلومٌ أنَّ هذهِ الصِّفاتِ تكثرُ بتكثيرِ الأبدانِ وتقلُّ بقِلَّتِها، ولا يجوزُ أنْ يكونَ لهذهِ الأعراضِ وجودٌ بدونِ محلِّها الذي قامَتْ به، ولا يقالُ: إنَّ قيامَ العرَضِ بمحليّةٍ ليسَ بذاتِهِ بل لعِلّةٍ منفصلةٍ عنهُ؛ فإنَّ العرَضَ لم يوجَدْ إلّا في محلِّه، ولولا محلُّهُ لم يكُنْ لهُ تحقُّقٌ أصلًا، ولو كانَ لهُ في الخارجِ لا وجود ولا ماهيّة فمَنْ جعلَ الإنسانيّةَ شيئًا ثابتًا في الخارجِ غيرَ ما قامَ بالإنسان، ومَنْ جعلَ تعلُّقَ الإنسانيّةِ بالإنسانِ لعلّةٍ منفصلةٍ فقَد ضلَّ، وهذا الموضعُ ممّا ضلَّتْ فيهِ عقولُ هؤلاءِ وأتباعُهم؛ حيثُ تخيَّلوا حقيقةً مطلَقةً في الخارجِ للإنسانٍ ولغيرِهِ مِنَ الأنواع، وأنَّها تقارنُ المادّةَ التي هيَ عينُ كُلِّ واحدٍ مِنَ الآدميينِ وسائرِ أفرادِ النَّوع، وأنَّهُ بسببِ تلكَ المادّةِ يتشخَّصُ النَّوعُ، ولوِ اهتدَوا لعلِمُوا، وإنَّ ما سمَّوهُ مادّةَ عينِ الشَّخص، فالسَّببُ هوَ المسبّبُ، فليسَ في الخارجِ موجودٌ غيرُ أفرادِه، فلا وجودَ لحقيقةٍ في الخارجِ غير وجودِ ما سمَّوهُ مادّةً في اصطلاحِهم هُنا هيَ المادّةُ المقرونةُ بالصُّورة، سواءٌ كانَتِ الصُّورةُ جوهرًا كصُورةِ الحيوانِ والنَّباتِ والمعادن، أو كانَتْ

стр. 87

عرَضًا كالصُّوَرِ الصِّناعيَّةِ صورةِ الخاتمِ والدِّرهمِ والسَّريرِ ونحوِ ذلكَ، فإنَّ كُلَّ واحدٍ مِنَ المادَّةِ والصُّورةِ هناكَ هوَ شخصٌ معيَّنٌ، والمادّةُ للصورة الصِّناعيةِ حَقٌّ، لكِن أصلُهُ أنَّ الصُّورةَ عَرَضٌ قائمٌ بجِسمٍ، وأمّا المادّةُ التي يُثبتونَها للجِسمِ المعيَّنِ فهيَ مِنْ بابِ الخيال، كما أنَّ الماهيّةَ التي يثبتونَها للأشخاص، ويُسمُّونَها المادّةَ هيَ أيضًا مِنْ بابِ الخيال، فالمادّةُ هنا هيَ الأشخاصُ المعيَّنةُ، وهيَ ثابتةٌ، لكِنْ ليسَ لها حقيقةٌ مطلَقةٌ غيرُ هذهِ الأعيانِ المشخَّصة، وصُوَرُ الأجسامِ حقٌّ موجودةٌ لكِنْ ليسَ لها مادّةٌ غيرُ الصُّورةِ تعتقبُ عليها الصُّورةُ، بَلْ ما يُقدِّرونَهُ يتعاقب عليهِ الاتِّصالُ والانفصالُ المعيَّنُ، وهوَ نفسُ الجِسمِ لا غيرهُ، والاتِّصالُ والانفصالُ عَرَضٌ تخيَّلَهُ، وهوَ الاجتماعُ والافتراقُ، وتقديرُ تفرُّقِ غيرِ الصُّورةِ هوَ للمِقدارِ والبُعدِ المطلَق، وذلكَ وجودُهُ في الأذهانِ لا في الأعيانِ. الوجهُ الرّابعُ: أنَّ ما يقولونَ في هذا البابِ في المنطقِ والطَّبيعيّاتِ والهيئاتِ وغيرِ ذلكَ مِنْ لفظِ العِلّةِ والمعلول، ولفظِ الذّاتِ والماهيّة، بَل ولفظِ الوجود، فيهِ إجمالٌ واشتباهٌ واشتراك. وأكثرُ اختلافِ العقلاء مِنْ جهةِ اشتراكِ الأسماء، فإنَّهم يثبتونَ كلامَهم على أصلينِ؛ أحدُهما: إثباتُ شيئين، والثّاني: كونُ أحدِهما علّةَ الآخرِ؛ كزعمِهم أنَّهُ إذا قُدِّرَ واجبانِ لزمَ أنْ يكونَ كُلٌّ منهُما ممّا بهِ الاشتراكُ، وهوَ وجوبُ الوجودِ مثلًا، وممّا بهِ الافتراقُ، وهوَ ما لكُلٍّ منهُما مِنَ الماهيّة، ثمَّ كُلٌّ منهُما إنْ كانَ لازمًا للآخرِ كانَ معلولًا لهُ، فيكونُ إمّا أنَّ وجوبَ الوجودِ معلول لغيرِه، وإمَّا أنْ تكونَ العِلّة الواحدةُ لها معلولانِ مختلفان،

стр. 88

وإنْ لم يكُنْ لازمًا بَلْ عارضًا كانَ الوجودُ لعروضِهِ لهُ علّة، فيكونُ وجوبُ الوجودِ معلولًا وهوَ مُحالٌ، فهذا الكلامُ وما أشبهَهُ ألفاظٌ فيها اشتباهٌ وإجمالٌ، فإذا كانَتْ مفرداتُ الدَّليلِ مبهمةً وتركيبُها تَركيبًا طويلًا لكثرةِ ما فيهِ مِنَ التَّقسيماتِ التي هيَ شرطيّاتٌ منفصلةٌ، ومِنَ التَّلازماتِ التي هيَ متَّصلةٌ، وغيرُ ذلكَ، عسُرَ على الذِّهنِ ضبطُ موانعِ الغلَطِ فيهِ مِنْ جنسِ حسبت لعميدي (١)، فما أشبه طريقَهم بطريقِه، لكِنَّ ذلكَ قد عُلِمَ أنَّ ما يقولُهُ باطلٌ في نفسِ الأمر، لاستلزامِهِ الجمعَ بينَ النَّقيضين، واستدلاله بالصُّورةِ الواحدةِ على كُلِّ مطلوبٍ نفيًا كَانَ أو إثباتًا، أو على كُلِّ نفيٍ أو على كُلِّ إثباتٍ، أو على جملٍ كثَيرةٍ تتناولُ الحقَّ والباطلَ. ولهذا إِنَّما يستعملُونه في مجاري الظُّنونِ الخلافيّة، وقد علمَ الفضلاءُ أنَّ كلامَهُ مِنْ جنسِ الأحاجيِّ والألغازِ التي تمتحنُ الأذهانَ وتحلُّها، وأمّا هؤلاءِ ومَنْ ضاهاهُم فيَتوهَّمونَ ويُوهِمونَ أنَّ ما يقولونَهُ براهينُ قطعيَّةٌ نفيسةٌ، وهيَ حُجَجٌ سوفسطائيّةٌ، فأفسَدُوا بها مِنَ العقولِ والأديانِ ما لا يحصيه إلَّا ربُّ البَرِيَّة، مثالُ ذلكَ أنَّ لفظَ العِلّةِ يُطلِقونَهُ على أربعِ (٢) معانٍ مشهورةٍ عندَهم، وهيَ الفاعلُ والغايةُ والصُّورةُ والقابلُ، فأمّا إطلاقُها على الغايةِ المقصودةِ للفاعلِ التي هيَ مقصودُهُ ومرادُهُ بالفعل، وهذهِ العِلّةُ هيَ سابقةٌ في العِلّةِ والقصد، متأخِّرةٌ في الوجود، كالذي يشتري الطَّعامَ ليأكلَهُ، فإنَّ تصوُّرَهُ لأجلِ الأكلِ وقصدَهُ لهُ سابقٌ على اشتراءِ الطَّعام، وأمّا نفسُ الأكلِ فمتأخِّرٌ على اشتراءِ الطَّعام، ونظائرُ ذلكَ كثيرةٌ.

стр. 89

ولهذا يُقالُ: أوَّلُ الفكرةِ آخرُ العمل، وأوَّلُ البغية آخرُ الدَّرك، فالفكرةُ إشارةٌ إلى ما يُتصوَّرُ بها، والبُغيةُ هيَ الإرادةُ والقصدُ، وهذا بيِّنٌ، وقد يقولونَ: العِلّةُ الغائيةُ عِلّةٌ فاعليّة للعِلّةِ الفاعليّةِ بها، صارَ الفاعلُ فاعلًا، والتَّحقيقُ أنَّهُ بها يتمُّ كونُهُ فاعلًا لا أنَّها بمجرَّدِها علّةُ كونِهِ فاعلًا، وقد يقولونَ: إنَّها سابقةٌ بالماهيّةِ متأخِّرةٌ بالوجود، ولا ماهيّةَ لها في الوجودِ قبلَ وجودٍ، وإنَّما هيَ سابقةٌ في الماهيّةِ والوجودِ الذي في العِلمِ والقصد، لا في الخارجِ. وقد بسطْنا الكلامَ على هذا الباب، وما لهم فيهِ مِنَ التَّناقُض، وكيفَ يبطُلُ قولُهم بأنَّهُ موجبٌ بذاتِه، إنَّما يذكرونَهُ مِنَ الغاياتِ المرادةِ لهُ في أفعالِه، وما في ذلكَ مِنْ إبطالِ قولِهم بنَفيِ الصِّفات، وإنَّما المقصودُ هنا أنَّ إطلاقَ لفظِ العِلّةِ على الحِكمةِ المقصودةِ بالفِعلِ هوَ اصطلاحٌ معروفٌ لهم ولغيرِهم مِنْ أهلِ النَّظرِ. وكذلكَ إطلاقُ لفظِ العِلّةِ على السَّببِ الذي ليسَ لهُ شعورٌ ولا قصدٌ هوَ أيضًا اصطلاحٌ معروفٌ، وأمّا إطلاقُ لفظِ العِلّةِ على الفاعلِ الذي لهُ عِلمٌ وإرادةٌ، وهوَ الذي يزيدُ العِلّةَ الغائيةَ، فهذا ممّا ينازعونَ في إطلاقِه، وإنْ قيلَ: إنَّ النِّزاعَ في ذلكَ لفظيٌّ فالمقصودُ أنْ يعرفَ ما دخلَ مِنْ الاشتراكِ في هذهِ الألفاظِ بسببِ تنوُّعِ الاصطلاحاتِ وغيرِها، حتَّى يتبيَّنَ مواضعُ الغلَطِ النّاشئةُ مِنْ ذلكَ. وكذلكَ إطلاقُ لفظِ العِلّةِ على المادّةِ والقائلِ الذي يكونُ جوهرًا، أو يكونُ ما يسمُّونَهُ صورةً عرَضًا لهُ، سواءٌ كانَتِ الصُّورةُ صناعيّةً أو طباعيّةً، مثلُ قولِهم: إنَّ الصِّفةَ مادَّةٌ، وهيَ الخاتمُ، والدِّرهمُ ونحوُ ذلكَ صورةٌ فيها،

стр. 90

والخشبُ مادّةٌ، وشكلُ السَّريرِ والبابِ وغيرِ ذلكَ صورةٌ فيه، أو الحديدُ مادّةٌ، وشكلُ السَّيفِ أو غيرِهِ صورةٌ فيه، ونحو ذلكَ، فإنَّ هذهِ الصُّورةَ الصِّناعيّةَ في جميعِ البابِ إمّا هيَ عرَضٌ قائمٌ بجوهرٍ، وهوَ التَّأليفُ والشَّكلُ الخاصُّ، ليسَتِ الصُّورةُ هنا جوهرًا قائمًا بنفسِه، وهذا بيِّنٌ بالحِسِّ والعقل، وحينئذٍ فقَولُهم: إنَّ المادّةَ والصُّورةَ عِلَّتانِ للمركَّب، وهُما عِلَّتانِ للماهيّة، كما أنَّ الفاعلَ والغايةَ عِلَّتانِ لوجود تحقيقه، أنَّ هذهِ الأجسامَ التي قامَ بها هذا العَرَضُ هيَ مركَّبةٌ مِنْ موصوفٍ وصفةٍ، وأنَّ الموصوفَ والصِّفةَ عِلَّتانِ لماهيّةِ الموصوف، ثمَّ إنَّ مِنَ المعلومِ أنَّ هذهِ الماهيّة تُتصوَّرُ في الذِّهنِ ثمَّ توجدُ في الخارج، فوجودُها الذِّهنيُّ هوَ ماهيَّتُها الذِّهنيّةُ، ووجودُها الخارجيُّ هوَ ماهيَّتُها الخارجيّةُ، وحينئذٍ فما لم يوجدْ في الخارجِ فليسَ في الخارج، لا علّةٌ ولا معلولٌ، وإذا تُصوِّرَ في الذِّهنِ أو وُجِدَ في الخارج، فإنَّما هوَ موصوفٌ قامَتْ بهِ صفةٌ، وليسَ هنا شيءٌ غيرُ الموصوفِ والصِّفةِ حتَّى يكونَ هذانِ عِلَّتينِ لهُ، بل ما سبقَ علّةُ مادّةٍ وصورتُهُ هوَ نفسُ المعلول، ونفسُ المعلولِ هوَ نفسُ العِلّة، فليتدبَّرْ هذا؛ فإنَّ قولَهم: إنَّ المادّةَ والصُّورةَ عِلَّتانِ للماهيّةِ وللحقيقةِ ونحو ذلكَ يوهِمُ أنَّ في الخارجِ ماهيّةً غيرَ المادّةِ والصُّورة، وأنَّ المادّةَ والصُّورةَ علّة لتلكَ الماهيّة، وكُلُّ هذا خيالٌ فاسدٌ، فليسَ في الخارجِ إلّا الموجودُ الذي هوَ الدِّرهمُ والخاتمُ وهيَ فضّةٌ لها شكلٌ خاصٌّ، ليسَ في الخارجِ سوى ذلكَ، لا ماهيّةٌ ولا وجود ولا غيرُ ذلكَ. وبتقديرِ أنْ يكونَ هناكَ ماهيَّةٌ غيرُ هذا الموجود، فليسَ هوَ غيرَ الموصوفِ والصِّفةِ القائمةِ به، وتقديرُ أنْ تكونَ المادّةُ والصُّورةُ غيرَ الموصوفِ والصِّفة، فليسَ هناكَ ماهيّةٌ غيرُ المادّةِ والصُّورةِ حتَّى يكونَ هذانِ علّةً لغيرِ أنفُسِهما، فهذهِ ثلاثةُ مقاماتٍ

стр. 91

يتبيَّنُ بها ما يدخلُ في مثلِ هذا مِنَ الخيالِ والضَّلال، وهذا بعدَ أنْ يوافِقوا على تسميةِ كُلٍّ مِنَ الموصوفِ والصِّفةِ علّةً للآخر، وإلّا هذا اصطلاحٌ منكرٌ في الفِطرة؛ إذِ الموصوفُ وهوَ الدِّرهمُ مثلًا محلٌّ لهذا العَرَض، كما أنَّ سائرَ الأجسامِ مواضعُ لأعراضِها، فزعمُ الزّاعمِ أنَّ هذهِ الصُّورةَ ليسَتْ عرَضًا كسائرِ الأعراضِ غلَطٌ، وكذلكَ جعل الصِّفةَ علّةً، ولو قالوا: إنَّهما عِلَّتانِ للمركَّبِ كانَ التَّحقيقُ أنَّ الصّانعَ هوَ الذي فعلَ هذا التَّركيبَ، فإنَّهُ هوَ الذي صاغَ الفضّةَ دِرهمًا وخاتمًا، فأمّا جعلُ أحدِهما علّةً للآخرِ فحاصلُهُ أنَّهُ لا بدَّ للصِّفةِ مِنَ الموصوف، ولا بدَّ لهذا الموصوفِ بشرطِ كونهِ موصوفًا مِنَ الصِّفة، وهذا الأمرُ لازمٌ لجميعِ الصِّفاتِ والموصوفاتِ المشاركةِ لكُلِّ جوهرٍ وعرَضِه، فإذا فرِّقَ بينَ الجوهرِ والعَرضِ والمادّةِ والصُّورة، وهُم يفرِّقونَ بينَ هذا وهذا، فيجعلونَ الجوهرَ هوَ المحلَّ الذي يستغني عَنِ الحال، ويسمُّونَهُ الموضوعَ، ويجعلونَ المادّةَ هيَ المحلَّ الذي يستغني عَنِ الحالِ فيه، وهذا تفريقٌ باطلٌ؛ فإنَّهم إنْ عَنَوا باستغناءِ المحلِّ أنَّهُ يمكنُ وجوده مجرَّدًا عَنِ العَرَض، فهذا شأنُ هذهِ الصِّفة، وإنْ عَنَوا أنَّهُ لا يستغني بشرطِ كونهِ مركَّبًا مِنَ الصُّور، فهذا شأنُ جميعِ الأعراض، وكذلكَ الصُّورُ التي هيَ الأعْراضُ طباعيّة، كالحرارةِ في النّار، والبرودةِ في الماءِ ونحوِ ذلكَ، إذا قالوا: إنَّ الحرارةَ صورةُ النّار، فالصُّورةُ هنا عرَضٌ قائمٌ بجِسمٍ، فإنَّ الحرارةَ قائمةٌ بالحارّ، والبرودةَ قائمةٌ بالبارد، وأمّا الصُّوَرُ إذا عَنوا بها جوهرًا كما إذا قالوا: إنَّ نفسَ الجِسمِ القائمِ بنفسِهِ صورةٌ قائمةٌ بمادّةٍ، فليسَتِ المادّةُ هنا أيضًا جوهرًا قائمًا بنفسِه، بَلْ إذا قالوا: إنَّ الجِسمَ يعرضُ لهُ الاتِّصالُ والانفصالُ، ومحلُّ الاتِّصالِ والانفصالِ غيرُ المتَّصلِ والمنفصل، كانَ هذا عندَ التَّحقيقِ

стр. 92

راجعًا إلى المقدارِ والبعدِ القائمِ بالجِسمِ، وكُلُّ جسمٍ معيَّنٍ لهُ مقدارٌ يخصُّهُ، والمقدارُ المطلَقُ كالجِسمِ المطلَق، وكلاهما لا يوجدُ مطلَقًا إلَّا في الذِّهن، فصارَ ما يعنونَهُ بالمادّةِ هنا ليسَ إلّا عرَضًا، كما أنَّ ما يعنونَهُ بالصُّورةِ هناكَ ليسَ إلّا عرَضًا، وهُم يسمُّونَ ذلكَ العِلّةَ والمعلولَ والماهيّةَ، فقد تبيَّنَ ما في لفظِ العِلّةِ والمعلولِ والماهيّةِ مِنْ هذا الأساس، وهذا في الطَّبيعيّاتِ التي هيَ أساسُ علمِهم، ومنها يأخذونَ أُصولَ براهينِهم؛ إذْ هيَ مشهودةُ الجزئيّاتِ معقولةُ الكُلِّيّات، فكيفَ الظَّنُّ إذا خاضُوا في المنطقِ الذي هوَ المعقولاتُ الثّابتةُ، وهوَ العِلمُ الإلهيُّ هنالكَ، يصير كلامهم ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٣٩، ٤٠]. فإنَّ هذينِ المثلينِ مطابقٌ لجهلِهم المركَّبِ والبسيطِ؛ إذ هم وكُلُّ كافرٍ لا يخرجُ عَنْ هذينِ القِسمين، وهكذا ما ذكرتموهُ في المنطقِ والإلهيّاتِ الذي منهُ مادّةُ هذا الدَّليل، فإنَّ قولَكُم: الماهيّاتُ المختلفةُ الحقائقِ قد تتَّفقُ في أُمورٍ لازمةٍ أو عارضةٍ كاتِّفاقِ الإنسانِ والحيواناتِ في الحيوانيّة، أو في الغذاءِ والحرَكة، ثمَّ يقولونَ: ما اتفقَتْ فيهِ عارضٌ مِنْ عوارضِ ما اختلفَتْ فيه، والمختلفُ فيهِ هوَ العِلّةُ لما اتّفقَ فيهِ؛ إذْ يجوزُ اشتراكُ الحقائقِ المختلفةِ في أُمورٍ لازمةٍ عارضةٍ متَّفقةٍ، وقولكُم: الأُمورُ المتَّفقةُ بالحقيقةِ كالنَّوعِ يجوزُ أنْ يعرضَ لها أُمورٌ مختلفة كما يعرضُ لأشخاصِ النَّوعِ أنْ يكونَ هذا

стр. 93

كاتبًا، وهذا فقيهًا، ولا يجوزُ أنْ يكونَ ذلكَ لازمًا لها؛ لأنَّ الطَّبيعةَ الواحدةَ لا توجِبُ أمورًا مختلفةً، وإذا كانَ ما اختلفَتْ فيهِ عارضًا لها فيكونُ لهُ سببٌ غيرُ سببِ الماهيّةِ التي اتَّفَقا فيها؛ وأمثالَ هذا الكلامِ يرجعُ حاصلُهُ عندَ التَّحقيقِ إلى تلبيسٍ وتمويهٍ، فإنْ جعلتموهُ جِنسًا كالحيوانِ وقلتُم: إنَّه أنواعُهُ، كالإنسانِ والفرَدس، يتَّفقُ في أمرِ لازمٍ كالحيوانيَّة، أو عارضٍ كالغذاءِ والحرَكة، أو ما فيهِ مِنَ التَّلبيسِ هنا، أنَّ هذا المستدلَّ لم يفرِّقْ بينَ العرَضِ اللَّازمِ للماهيّةِ أو لوجودِها، وبينَ العارضِ الذي يجوزُ أنْ يفارقَها؛ فإنَّهُ قد علمَ أنَّ مِنِ اصطلاحِهم المشهورِ في منطقِهم اليُونانيِّ أنْ يفرِّقوا بينَ الذّاتيِّ وبينَ العَرَضيِّ اللّازمِ للماهيّةِ واللّازمِ لوجودِها، وقدَّمْنا فسادَ فرقِهم في غيرِ هذا الموضع، وخاطَبْنا بهِ غيرَ واحدٍ مِنْ أعيانِهم، وأمهلتُهم مدّةً طويلةً للنَّظرِ ومراجعةِ كُتبِ أئِمَّتِهم، ومراجعةِ بعضِهم بعضًا، وتبيَّنَ مع هذا أنَّ ما يذكرونَهُ مِنَ الفرقِ لا حقيقةَ لهُ إلّا مجرَّد الاصطلاحِ الوضعيِّ التَّحكُّميِّ الذي لا يرجعُ إلى حقيقةٍ ثابتةٍ، ولا علمٍ مطابقٍ لمعلومه، ولكنَّا هنا نخاطبُهم بموجبِ اصطلاحِهم، فنقولُ: أنتُم تجعلونَ المنطقَ مثلًا لازمًا ذاتيًّا للإنسان، والضَّحكَ لازمًا عرَضيًّا، وتفرِّقونَ بذلكَ بينَ الحدِّ الذّاتيِّ الذي يذكرُ فيهِ الفَصلُ معَ الجِنسِ وبينَ الرَّسميِّ الذي يذكرُ فيهِ الخاصّةُ بدلَ الفَصل، إمّا معَ الجِنسِ وإمَّا مع العرَضِ العامّ، وتجعلونَ الكلامَ على هذهِ الكُلِّيّاتِ الخمسةِ: الجنسِ والنَّوعِ والفَصلِ والخاصّةِ والعرَضِ العامِّ مِنْ أُصولِ عِلمِكم، وتسمُّونَهُ أُمًّا، وتقولونَ: السَّوادُ للقارِ والغُراب، أو الظِّلُّ للفرَسِ عندَ طلوعِ الشَّمس، ونحوُ ذلكَ لازمٌ للوجود، لا للماهيّة، وكلاهما

стр. 94

عرَضيٌّ، وأمّا العَرضُ فمتى ما يوجدُ الحقيقة (١) في الخارجِ بدونهِ كالطُّولِ والقِصَرِ والصِّحَّةِ والمرَضِ وحمرةِ اللَّونِ وصُفرتهِ ونحوِ ذلكَ، ومنهُ ما يكونُ لازمًا للشَّخص، لا للنَّوع، كرؤيتِهِ، ومنهُ ما هوَ بطيءُ الزَّوالِ كالشبيبة والتَّوجع، ومنهُ ما يكونُ سريعَ الزَّوالِ؛ كحُمرةِ الخَجلِ وصُفرةِ الوَجلِ، وإذا كانَ كذلكَ فقولُهُ في الحُجّةِ المختلفات قد تتَّفقُ في أمورٍ عارضةٍ؛ كاتِّفاقِ الإنسانِ والحيواناتِ في الغذاءِ والحرَكة، يُقالُ لهُ: الغِذاءُ للحيوانات، والحرَكةُ الإراديّةُ هيَ لازمةٌ لماهيَّتِه، بلْ هيَ ذاتيّةٌ لهُ؛ إذِ الحيوانُ هوَ الجِسمُ الحسّاسُ النّامي المتحرِّكُ يا لإرادة، فكيفَ تكونُ الحركةُ عارضًا، بَل عارضًا مفارِقًا، فإنْ قالَ: أريدُ بهِ العرَضيَّ، سواءٌ كانَ لازمًا أو غيرَ لازمٍ بَطَلَ أصلُ تقسيمِهِ إلى لازمٍ وعارضٍ؛ فإنَّ اللّازمَ يدخلُ فيهِ اللَّازمُ الذَّاتيُّ والعرَضيُّ، وهوَ لم يقسِّمْ هذهِ الصِّفاتِ إلى ذاتيٍّ وعرَضيٍّ، بَلْ إلى لازمٍ وإلى عارضٍ مفارقٍ، وهذهِ الأُمورُ ليسَتْ عارضًا مفارِقًا باتِّفاقِ العُقلاء، وهذا اعتراضٌ على ما ذكرَهُ هذا المحتَجُّ، ثمَّ نقولُ: ما يفسدُ بهِ كلامُهُ وكلامُ غيرِهِ قولُكُم: إنَّ النَّوعَ الجِنسَ قد يتَّفقُ في أمرٍ لازمٍ أو عارضٍ (٢)، ولكَ أنْ تسلكَ طريقًا آخرَ في إفسادِ هذهِ الحُجّةِ، وهوَ طريقُ المعارَضةِ؛ فإنَّ ما ذكرَهُ مِنْ هذهِ الحُجّةِ في واجبَي الوجودِ يريدُ نظيرَهُ في الوجودِ الواجبِ والوجودِ الممكِن، وفي الواجبِ بنفسِهِ والواجبِ بغيرِه، وهوَ أمر لا حيلةَ في إثباتِهِ؛ فإنَّهُ لا ريبَ أنَّ هنا وجودًا ولا ريبَ أنَّ الوجودَ إمّا واجِبٌ، ونحنُ نشاهدُ حدوثَ أشياءَ بعدَ أنْ لم تكُنْ، فلا يجوزُ أنْ تكونَ واجبةً بنفسِها، فإنَّ الواجبَ

стр. 95

بنفسِهِ لا يقبلُ العدَمَ؛ إذْ لو قبِلَ العدَمَ تارَةً، والوجودَ أُخرى؛ لكانَ ممكِنًا، فهذهِ الحوادثُ ليسَتْ ممتنعةً لأنَّها وُجدَتْ، ولا واجبةً لأنَّها كانَتْ معدومةً فتعيَّنَ أنَّها ممكنة تقبلُ الوجودَ والعدَمَ، وحينئذٍ فقد عُلِمَ بالضَّرورةِ أنَّ في الموجوداتِ ما هوَ واجبٌ بنفسِه، ومنها ما هوَ ممكنٌ بنفسِه، ليسَ لهُ وجودٌ بنفسِه، بَل وجودُهُ بغيرِه، وهوَ الممكنُ، فنقولُ: هذانِ الموجودانِ: الواجبُ بنفسِهِ والممكنُ بنفسِهِ الواجبُ بغيرِهِ اشترَكا في مُسمَّى الوجود، وامتازَ أحدُهما عَنِ الآخرِ بالوجوبِ أو الإمكان، فلا يخلو إمّا أنْ يكونَ ما اتَّفقَا فيهِ لازمًا لما اختلَفا فيهِ أو ملزومًا أو عارضًا أو معروضًا، فإنْ قيلَ بالأوَّلِ وإنْ كانَ اختلافُهما فيما اتَّفَقا فيه، وهوَ الوجودُ، لزمَ أنْ يكونَ أحدُهما موجودًا دونَ الثّاني، وإنْ كانَ فيما افترَقا فيهِ وهوَ الوجوبُ والإمكانُ، واتِّفاقُهما في الوجود، وهوَ القسمُ المحقَّقُ، كانَ ما اختلَفا فيهِ علّةً لما اشترَكا فيه، فيكونُ الوجوبُ والإمكانُ علّةً للوجوب، والعِلّةُ تتقدَّمُ المعلولَ بالوجوب، فيَستلزِمُ أنْ يكونَ الوجوبُ متقدِّمًا بالوجودِ على الوجود، فيلزمُ أنْ يكونَ الشَّيءُ متقدِّمًا بالوجودِ على نفسِه، أو موجودًا مرَّتينِ كما ذكروا في الماهيّةِ معَ الوجود، فالقولُ في الوجوبِ معَ الوجودِ كالقولِ في الماهيّةِ معَ الوجود، ويلزمُ هنا محاذيرُ أعظمُ مِنْ ذلكَ، وهوَ أنَّ إمكانَ الممكنِ الوجودِ إذا كانَ هوَ العِلّةَ في وجودِهِ لزمَ استغناءُ الممكناتِ عَنِ الواجب، ولزمَ أنْ يكونَ الممكنُ بنفسِهِ واجبًا بنفسِهِ؛ إذْ كانَ إمكانُهُ علّة ووجوده، بَلْ يلزمُ وجودُ كُلِّ ممكنٍ، فإذا جعلَ ما اختلفا فيهِ علَّةَ ما اشترَكا فيهِ لزِمَ هذا المحالاتِ التي هيَ مِنْ أعظمِ الضَّلالات، وإنْ قيلَ بالقسمِ الثّاني، وهوَ أنْ يكونَ ما اختلَفا فيهِ لازمًا لما اتَّفَقا فيه، فقَد مَرَّ إبطالُهُ في كلامِهم بما تقدَّمَ مِنْ أنَّ الطَّبيعةَ

стр. 96

الواحدةَ لا يَلزَمُها أُمورٌ مختلفةُ، وهذا بيِّنٌ؛ فإنَّ الوجودَ لا يقتضي بنفسِهِ وجوبًا وإمكانًا، والحيوانيّةُ لا تقتضي لذاتِها نُطقًا وصَهيلًا، ولو كانَ كذلكَ لكانَ حيثُ كانَ وجودٌ كانَ وجوبٌ وإمكانٌ، فيكونُ الوجودُ الواحدُ واجبًا وممكنًا، والواجبُ لا يقبلُ العدَمَ، والممكنُ يقبَلُ العدَمَ، فيلزمُ الجمعُ بينَ النَّقيضَينِ. وأمّا القسمُ الثّالثُ: وهوَ أنْ يكونَ المشترَكُ عارضًا للمميَّز، فيلزمُ مِنْ ذلكَ أنْ يكونَ وجودُ واجبِ الوجودِ عارضًا لهُ، لا ذاتيًّا، فلا بدَّ أنْ يكونَ هنا ما يعرضُ لهُ الوجودُ الواجبُ، وإذا بَطَلَ القولُ يكونُ وجودُهُ لازمًا لغيرِه، فلأنْ يبطُلَ كونُهُ عارضًا لغيرِهِ بطريقِ الأَولى والأحرى فإنَّ هذا فيهِ مفسدةٌ أُخرى، وهوَ أنَّ العارضَ للحقيقةِ لا تكونُ كافيةً في حصولِه، بَل يتوقَّفُ حصولُهُ على سببٍ منفصلٍ مِنَ الحقيقة، فيلزمُ أنْ يكونَ وجودُهُ معلولًا لغيرِهِ متوقِّفًا على غيرِ ذاتِه، وهذا قولٌ بأنَّ وجودَهُ ممكنٌ لا واجبٌ. وأمّا القِسمُ الرّابعُ: وهوَ أنْ يكونَ المميَّزُ عارضًا للمشترَك، فيكونُ وجوبُ واجبِ الوجودِ عارضًا لوجودِه، لا ذاتيًّا لهُ، والعارضُ للحقيقةِ لا تكونُ هيَ سببَ وجودِه، بَلْ يتوقَّفُ حصولُهُ على سببِ منفصلٍ، فيكونُ وجوبُ واجبِ الوجودِ متوقِّفًا على غيرِه، فما لم يكُنْ غيرُهُ لا يكونُ لهُ وجوبٌ، فلا يكونُ واجبًا بنفسِه، بلْ بغيرِه، وهذا بيِّنٌ ظاهرٌ. فهذهِ الحُجّةُ نظيرُ حُجَّتِهم سواءً بسواءٍ، بل هيَ أبيَنُ وأتمُّ، وإذا كانَتْ هذهِ الحُجّةُ مستلزِمةً لنفيِ أنْ يكونَ في الوجودِ ما هوَ واجبٌ بنفسِهِ وما هوَ ممكنٌ، وثبوتُ هذينِ النَّوعينِ معلومٌ لا ريبَ فيه، علمَ أنَّ هذهِ الحُجّةَ

стр. 97

دافعةٌ للمعلومِ القطعيّةِ التَّعيينيّة، فتكونُ باطلةً سوفسطائيَّةً، فهذا بيّن بطلانها في النَّظر، وإذا سلكْتَ مسلكَ المناظَرةِ تقولُ للمنازعِ: ما كانَ جوابُكَ عَنْ إثباتِ موجودين، أحدهما واجبٌ والآخرُ ممكنٌ؛ كانَ جوابًا لمعارِضكَ عَنْ إثباتِ واجبَي الوجودِ. وإذا كانتْ هذهِ الحُجّةُ التي استدلُّوا بها على توحيدِهم تستلزمُ نفيَ واجبِ الوجودِ؛ علِمَ أنَّ توحيدَهم يَستلزِمُ نفيَ واجبِ الوجودِ كما ذكرْنا في صدرِ الجوابِ، وأنَّهم أثبَتوا واجبَ الوجود، ثمَّ جعلُوا لهُ لوازمَ تستلزمُ عدمَهُ. وأيضًا فهذهِ الحُجّةُ بعَينِها تستلزمُ بطلانَ القولِ بموجودينِ: أحدهما واجبٌ بنفسِهِ والآخرُ واجبٌ بغيرِهِ. ومِنَ المعلومِ الذي يُسلِّمونَهُ، وقد قامَ عليهِ البرهانُ، أنَّهُ لا بدَّ في الوجودِ مِنْ موجودٍ واجبٍ بنفسِه، وموجودٍ واجبٍ بغيرِه، فإِنَّ الوجودَ يستلزمُ موجودًا بنفسِه، وهذهِ الحوادثُ واجبةٌ بغيرِها؛ فإنَّ السَّببَ التّامَّ لها إنْ لم يوجَدِ امتنعَ وجودُها، وعندَ وجودِ السَّببِ العامِّ يمتنعُ عدمُها؛ إذِ العِلّةُ التَّامَّةُ لا يتخلَّفُ عنها معلولُها، وهذا مبرهَنٌ، وهُم يُسلَمونَهُ، بَلْ هوَ مِنْ أجودِ كلامِهم، وإذا كانَ كذلكَ فنقولُ: هذانِ الموجودانِ الواجبانِ اللَّذانِ أحدُهما بنفسِهِ والآخرُ بغيرِهِ قدِ اشترَكا في مُسمَّى الوجوب، وامتازَ كُلٌّ منهُما عَنِ الآخرِ بأنَّ هذا واجبٌ بنفسِه، وهذا بغيرِهِ؛ فقَدِ اتَّفَقا في شيءٍ، واختلَفا في شيءٍ، وتعادُ التَّقسيماتُ الأربعُ كما ذكرُوها، فإنْ قيلَ: إنَّ المشترَكَ لازمٌ للمميَّزِ كانَ المميَّزُ، وهوَ كونُهُ واجبًا بنفسِهِ أو بغيرِهِ علّةً للوجوب، والعِلّةُ متقدِّمةٌ على المعلولِ بالوجوب، فيلزمُ أنْ يكونَ وجوبٌ بنفسِهِ أو بغيرِهِ موجودًا قبلَ

стр. 98

وجوبِه، فيَلزَمُهُ تقدُّمُ الوجودِ على الوجوبِ، أو تكرُّرُ الوجودِ؛ كما تقدَّمَ. واللهُ سبحانَهُ أعلَمُ. تَمَّ الجوابُ، والحمدُ لله رَبِّ العالمينَ. * * *