٢٨ - قال : ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ [النحل: ٦٠].
أنه سبحانه وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، فقال : ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ [النحل: ٦٠].
وقال : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧].
فجعل مثل السوء المتضمن للعيوب والنقائص وسلب الكمال للمشركين وأربابهم، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها له وحده؛ ولهذا كان المثل الأعلى وهو أفعل تفضيل، أي: أعلى من غيره فكيف يكون أعلى وهو عدم محض ونفي صرف، وأي مثل أدنى من هذا؟ الله عن قول المعطلين علوًّا كبيرًا.
فمثل السوء لعادم صفات الكمال؛ ولهذا جعله مثل الجاحدين لتوحيده، وكلامه، وحكمته؛ لأنهم فقدوا الصفات التي من اتصف بها كان كاملًا.
وهي: الإيمان، والعلم، والمعرفة، واليقين، والعبادة لله، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والصبر، والرضا، والشكر، وغير ذلك من الصفات التي اتصف بها من آمن بالآخرة، فلما سلبت تلك الصفات عنهم، وهي صفات كمال صار لهم مثل السوء فمن سلب صفات الكمال عن الله، وعلوه على خلقه، وكلامه وعلمه وقدرته ومشيئته وحياته، وسائر ما وصف به نفسه، فقد جعل له مثل السوء، ونزهه عن المثل الأعلى فإن مثل السوء هو العدم، وما يستلزمه، وضده المثل الأعلى، وهو: الكمال المطلق المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان أعلى من غيره، ولما كان الرب هو الأعلى، ووجهه الأعلى، وكلامه الأعلى،
стр. 142
وسمعه الأعلى، وبصره وسائر صفاته عليا، كان له المثل الأعلى، وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى اثنان؛ لأنهما إن تكافآ لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ فالموصوف بالمثل الأعلى أحدهما وحده، ويستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير.
وهذا برهان قاطع من إثبات صفات الكمال على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة، ونظير هذا القهر المطلق، مع الوحدة فإنهما متلازمان، فلا يكون القهار إلا واحدًا، إذ لو كان معه كفؤ له، فإن لم يقهره لم يكن قهارًا على الإطلاق، وإن قهره لم يكن كفؤًا، وكان القهار واحدًا فتأمل كيف كان قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
وقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧] (١) من أعظم الأدلة على ثبوت صفات كماله سبحانه.
فإن قلت: قد فهمت هذا وعرفته فما حقيقة المثل الأعلى؟
قلت: قد أشكل هذا على جماعة من المفسرين واستشكلوا قول السلف فيه، فإن ابن عباس وغيره قالوا: ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ العذاب والنار. ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ شهادة أن لا إله إلا الله.
وقال قتادة: هو الإخلاص والتوحيد.
وقال الواحدي: هذا قول المفسرين في هذه الآية، ولا أدري لم قيل للعذاب مثل السوء وللإخلاص المثل الأعلى.
стр. 143
قال: وقال قوم: المثل السوء الصفة السوء من احتياجهم إلى الولد وكراهتهم للإناث خوف العيلة والعار ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ الصفة العليا من تنزهه وبراءته عن الولد.
قال: وهذا قول صحيح. فالمثل كثيرًا ما يرد بمعنى الصفة. قاله جماعة من المتقدمين.
وقال ابن كيسان: مثل السوء ما ضرب الله للأصنام وعبدتها من الأمثال، والمثل الأعلى نحو قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥].
وقال ابن جرير: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]. نحو قوله: هو الأطيب والأفضل والأحسن والأجمل، وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا إله غيره.
قلت: المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا وعلم العالمين بها ووجودها العلمي والخبر عنها وذكرها وعبادة الرب سبحانه بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه فهاهنا أربعة أمور:
الأول: ثبوت الصفات العليا لله سبحانه في نفس الأمر علمها العباد أو جهلوها وهذا معنى قول من فسره بالصفة.
الثاني: وجودها في العلم والتصور وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف: إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه من معرفته وذكره ومحبته وإجلاله وتعظيمه، وهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشترك فيه غيره معه، بل يختص به في قلوبهم كما اختص في ذاته.
وهذا معنى قول من قال من المفسرين: أهل السماء يعظمونه ويحبونه ويعبدونه، وأهل الأرض يعظمونه ويجلونه وإن أشرك به من أشرك وعصاه من عصاه، وجحد صفاته من جحدها، فكل أهل الأرض معظمون له مجلون له
стр. 144
خاضعون لعظمته مستكينون لعزته وجبروته. قال : ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ [البقرة: ١١٦]. فلست تجد أحدًا من أوليائه وأعدائه إلا والله أكبر في صدره وأكمل وأعظم من كل ما سواه.
الثالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها عن النقائص والعيوب والتمثيل.
الرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده والإخلاص له والتوكل عليه والإنابة إليه، وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى فعبارات السلف تدور حول هذه المعاني الأربعة لا تتجاوزها (١).
* * *
стр. 145
٢٩ - قال : ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾
[النحل: ٧٤].
فنهاهم أن يضربوا له مثلًا من خلقه، ولم ينههم أن يضربوه هو مثلًا لخلقه؛ فإن هذا لم يقله أحد، ولم يكونوا يفعلونه؛ فإن الله سبحانه أجل وأعظم وأكبر من كل شيء في فطر الناس كلهم، ولكن المشبهون المشركون يغلون فيمن يعظمونه فيشبهونهم بالخالق، والله أجل في صدور جميع الخلق من أن يجعلوا غيره أصلا ثم يشبهونه سبحانه بغيره فالذي يشبهه بغيره إن قصد تعظيمه لم يكن في هذا تعظيم؛ لأنه مثل أعظم العظماء بما هو دونه، بل بما ليس بينه وبينه نسبة وشبه في العظمة والجلالة، وعاقل لا يفعل هذا.
وإن قصد التنقيص شبهه بالناقصين المذمومين لا بالكاملين الممدوحين.
ومن هنا يعلم أن إثبات صفات الكمال له لا يتضمن التشبيه والتمثيل لا بالكاملين ولا بالناقصين، وأن نفي تلك الصفات يستلزم تشبيهه بأنقص الناقصين.
فانظر إلى الجهمية وأتباعهم جاءوا إلى التشبيه المذموم فأعرضوا عنه صفحًا وجاءوا إلى الكمال والمدح فجعلوه تشبيهًا وتمثيلًا عكس ما يثبته القرآن وجاء به من كل وجه (١).
* * *
٣١ - قال : ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾ [النحل: ٩١، ٩٢].
قال : ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١].
وقال : ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧].
وهذا يتناول عهودهم مع الله بالوفاء له بالإخلاص والإيمان والطاعة وعهودهم مع الخلق وأخبر النبي ﷺ : أن من علامات النفاق الغدر بعد العهد فما أناب إلى الله من خان عهده وغدر به، كما أنه لم ينب إليه من لم يدخل تحت عهده فالإنابة لا تتحقق إلا بالتزام العهد والوفاء به (١).
قوله : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ (٢) فَعَيَّرَ مَنْ نَقَضَ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ أَثْبَتَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ إثْبَاتُهُ مُؤَدِّيًا إلَى نَفْيِهِ وَإِبْطَالِهِ كَانَ بَاطِلًا (٣).
стр. 154
٣٢ - قال : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل: ١١٢].
فتأمل كيف جمع بين الذوق واللباس؛ ليدل على مباشرة المذوق وإحاطته وشموله، فأفاد الإخبار عن إذاقته أنه واقع مباشر غير منتظر، فإن الخوف قد يتوقع ولا يباشر، وأفاد الإخبار عن لباسه أنه محيط شامل كاللباس للبدن (١).
стр. 155
سورة الإسراء
٣٣ - قال : ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨].
مثلوك بالشاعر مرة، والساحر أخرى، والمجنون مرة، والمسحور أخرى، فضلوا في جميع ذلك ضلال من يطلب في تِيهه وتحيُّره طريقاً يسلكه فلا يقدر عليه، فإن أي طريق أخذها فهي طريق ضلال وحيرة، فهو متحير في أمره لا يهتدي سبيلًا، ولا يقدر على سلوكها، فهكذا حال أعداء رسول الله معه، حتى ضربوا له
стр. 156
أمثالًا برَّأه الله منها، وهو أبعد خلق الله منها، وقد علم كل عاقل أنها كذبٌ وافتراءٌ وبهتانٌ (١).
* * *
سورة النور
٣٨ - قال : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].
وقد ضرب النور في قلب عبده مثلًا لا يعقله إلا العالمون، فقال : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].
قال أبي بن كعب: «مثل نوره في قلب المسلم» (١).
وهذا هو النور الذي أودعه في قلبه من معرفته ومحبته والإيمان به وذكره، وهو نوره الذي أنزله إليهم، فأحياهم به، وجعلهم يمشون به بين الناس، وأصله في قلوبهم، ثم تقوى مادتُه فتتزايد حتى يظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم، بل ثيابهم ودورهم، يُبْصِرُه مَنْ هو من جنسهم وسائر الخلق له منكرون.
стр. 164
فإذا كان يوم القيامة برز ذلك النور، وصار بإيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة الجسر حتى يقطعوه، وهم فيه على حسب قوته وضعفه في قلوبهم في الدنيا؛ فمنهم من نوره كالشمس، وآخر كالقمر، وآخر كالنجوم، وآخر كالسراج، وآخر يُعطى نورًا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذا كانت هذه حال نوره في الدنيا، فأعطي على الجسر بمقدار ذلك، بل هو نفس نوره ظهر له عيانًا، ولما لم يكن للمنافق نور ثابت في الدنيا بل كان نوره ظاهرًا، لا باطنًا أُعطي نورًا ظاهرًا مآله إلى الظلمة والذهاب.
وضرب الله لهذا النور ومحله وحامله ومادته مثلًا بالمشكاة، وهي: الكوة في الحائط. فهي مثل الصدر، وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفى الزجاج، وحتى شبهت بالكوكب الدري في بياضه وصفائه، وهي مثل القلب، وشبه بالزجاجة لأنها جمعت أوصافًا هي في قلب المؤمن، وهي: الصفاء والرقة والصلابة، فيرى الحق والهدى بصفائه، وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة برقته، ويجاهد أعداء الله ويغلظ عليهم ويشتد في الحق ويصلب فيه بصلابته، فلا تُبطل صفةٌ منه صفةً أخرى ولا تعاديها بل تساعدها وتعاضدها، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣].
стр. 165
وفي أثرٍ: «القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها» (١).
* وبإزاء هذا القلب قلبان مذمومان في طرفي نقيض:
أحدهما: قلب حجري قاسٍ لا رحمة فيه ولا إحسان ولا بر ولا له صفاء يرى به الحق بل هو جبار جاهل، لا علم له بالحق ولا رحمة للخلق.
وبإزائه قلب ضعيف مائي، لا قوة فيه ولا استمساك، بل يقبل كل صورة، وليس له قوة حفظ تلك الصور، ولا قوة التأثير في غيره، وكل ما خالطه أثر فيه من قوي وضعيف وطيب وخبيث.
وفي الزجاجة مصباح؛ وهو النور الذي في الفتيلة، وهي حاملته، ولذلك النور مادة؛ وهي زيت قد عصر من زيتونة في أعدل الأماكن، تصيبها الشمس أول النهار وآخره، فزيتها من أصفى الزيت، وأبعده من الكدر، حتى إنه ليكاد من صفائه يضيء بلا نار، فهذه مادة نور المصباح.
وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن، هو من شجرة الوحي التي
стр. 166
هي أعظم الأشياء بركة، وأبعدها من الانحراف، بل هي أوسط الأمور وأعدلها وأفضلها، لم تنحرف انحراف النصرانية، ولا انحراف اليهودية، بل هي وسط بين الطرفين المذمومين في كل شيء، فهذه مادة مصباح الإيمان في قلب المؤمن.
ولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه حتى كاد أن يضيء بنفسه، ثم خالط النار فاشتدت بها إضاءته، وقويت مادة ضوء النار به كان ذلك نورًا على نور. وهكذا المؤمن قلبه مضيء يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله، ولكن لا مادة له من نفسه فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه، وخالطت بشاشته، فازداد نورًا بالوحي على نوره الذي فطره الله عليه، فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة، نور على نور، فيكاد ينطق بالحق وإن لم يسمع فيه أثرًا، ثم يسمع الأثر مطابقًا لما شهدت به فطرته، فيكون نورًا على نور، فهذا شأن المؤمن يدرك الحق بفطرته مجملًا، ثم يسمع الأثر جاء به مفصلًا، فينشأ إيمانه عن شهادة الوحي والفطرة.
فليتأمل اللبيبُ هذه الآيةَ العظيمةَ، ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة، فذكر نوره في السموات والأرض، ونوره في قلوب عباده المؤمنين، النور المعقول المشهود بالبصائر والقلوب، والنور المحسوس المشهود بالأبصار الذي استنارت به أقطار العالم العلوي والسفلي، فهما نوران عظيمان أحدهما أعظم من الآخر.
وكما أنه إذا فُقِد أحدهما من مكان أو موضع لم يعش فيه آدمي ولا غيره؛ لأن الحيوان إنما يتكون حيث النور، ومواضع الظلمة التي لا يشرق عليها نور لا يعيش فيها حيوان، ولا يتكون ألبتة فكذلك أمة فُقِدَ منها نور الوحي والإيمان ميتة، وقلب فُقِدَ منه هذا النور ميت ولا بد، لا حياة له البتة، كما لا حياة للحيوان
في مكان لا نور فيه (١).
стр. 167
فَصْلٌ
والله سمى نفسه نورًا، وجعل كتابه نورًا، ورسوله ﷺ نورًا ودينه نورًا. واحتجب عن خلقه بالنور، وجعل دار أوليائه نورًا يتلألأ. قال ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾.
وقد فسر قوله : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بكونه منور السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السماوات والأرض، وهذا إنما هو فعله، وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به، ومنه اشتق له اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى.
* والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين:
إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله.
فالأول: كقوله : ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩]. فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره إذا جاء لفصل القضاء.
ومنه قول النبي ﷺ في الدعاء المشهور: «أعوذ بنور وجهك الكريم أن تضلني لا إله إلا أنت» (١).
стр. 168
وفي الأثر الآخر: «أعوذ بوجهك أو بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات» (١)، فأخبر أن الظلمات أشرقت لنور وجه الله؛ كما أخبر أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره.
وفي معجم الطبراني والسُّنَّة له، وكتاب عثمان الدارمي، وغيرها، عن ابن مسعود ﵁ قال: «ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه) (٢).
وهذا الذي قاله ابن مسعود ﵁ أقرب إلى تفسير الآية من قول من فسرها بأنه هادي أهل السماوات والأرض.
وأما من فسرها بأنه منور السماوات والأرض فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود، والحق أنه نور السماوات والأرض بهذه الاعتبارات كلها.
وفي صحيح مسلم (٣) وغيره من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قام فينا رسول الله بخمس كلمات فقال: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره
стр. 169
من خلقه».
وفي صحيح مسلم (١) عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنّى أراه» (٢).
فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: معناه كان ثم نور، وحال دون رؤيته نور، فأنّى أراه!!
قال: ويدل عليه أن في بعض ألفاظ الصحيح: هل رأيت ربك؟ فقال: «رأيت نورًا».
وقد أعضل أمر هذا الحديث على كثير من الناس حتى صحفه بعضهم فقال: «نوراني أراه» على أنها ياء النسب، والكلمة كلمة واحدة، وهذا خطأ لفظًا ومعنًى، وإنما أوجب لهم هذا الإشكال والخطأ أنهم لما اعتقدوا أن رسول الله ﷺ رأى ربه وكان قوله: «أنّى أراه»، كالإنكار للرؤية حاروا في الحديث؛ ورده بعضهم باضطراب لفظه، وكل هذا عدول عن موجب الدليل.
وقد حكى عثمانُ بن سعيد الدارمي، في كتاب الرد له، إجماعَ الصحابة على أنه لم ير ربه ليلة المعراج، وبعضهم استثنى ابن عباس من ذلك.
وشيخنا يقول: ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه (٣)، وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين حيث قال: إنه ﷺ رآه ولم يقل بعيني رأسه، ولفظ أحمد كلفظ ابن عباس ﵄.
стр. 170
ويدل على صحة ما قاله شيخنا في معنى حديث أبي ذر ﵁ قوله ﷺ في الحديث الآخر: «حجابه النور» (١)، فهذا النور هو - والله أعلم - النور المذكور في حديث أبي ذر ﵁: «رأيت نورًا».
* * *
стр. 171
فَصْلٌ
وقوله : ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ … الآية﴾ هذا مثل لنوره في قلب عبده المؤمن، كما قال أبي بن كعب وغيره (١).
وقد اختلف في مفسر الضمير في «نوره» فقيل: هو النبي ﷺ ، أي: مثل نور محمد ﷺ ، وقيل: مفسره المؤمن، أي: مثل نور المؤمن، والصحيح: أنه يعود على الله ، والمعنى: مثل نور الله في قلب عبده، وأعظم عباده نصيبًا من هذا النور رسوله ﷺ ، فهذا مع تضمنه عود الضمير المذكور وهو وجه الكلام يتضمن التقادير الثلاثة، وهو أتم لفظًا ومعنًى.
وهذا النور يضاف إلى الله إذ هو معطيه لعبده وواهبه إياه، ويضاف إلى العبد إذ هو محله وقابله، فيضاف إلى الفاعل والقابل، ولهذا النور فاعل وقابل ومحل وحامل ومادة وقد تضمنت الآيةُ ذكرَ هذه الأمور كلها على وجه التفصيل.
فالفاعل: هو الله مفيض الأنوار، الهادي لنوره من يشاء.
والقابل: العبد المؤمن.
والمحل: قلبه.
والحامل: همته وعزيمته وإرادته.
والمادة: قوله وعمله.
стр. 172
وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقر به عيون أهله وتبتهج به قلوبهم.
* وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان:
إحداهما: طريقة التشبيه المركب وهي أقرب مأخذًا، وأسلم من التكلف، وهي: أن تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه ومقابلته بجزء من المشبه به، وعلى هذا عامة أمثال القرآن الكريم.
فتأمل صفة المشكاة، وهي كوة لا تنفذ لتكون أجمع للضوء، قد وضع فيها مصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها وحسنها، ومادته من أصفى الأدهان وأتمها وقودًا، من زيت شجرة في وسط القراح (١) لا شرقية ولا غربية بحيث تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل هي في وسط القراح محمية بأطرافه تصيبها الشمس أعدل إصابة، والآفات إلى الأطراف دونها، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائها وحسنها يكاد يضيء من غير أن تمسه نار، فهذا المجموع المركب هو مثل نور الله الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصه به.
والطريقة الثانية: طريقة التشبيه المفصل، فقيل المشكاة صدر المؤمن، والزجاجة قلبه، وشبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها، وكذلك قلب المؤمن فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة، فهو يرحم ويحسن ويتحنن، ويشفق على الخلق برقته.
стр. 173
وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه ويباعد الكَدَر والدَّرَن والوَسَخ بحسب ما فيه من الصفاء، وبصلابته يشتد في أمر الله ، ويتصلب في ذات الله ويغلظ على أعداء الله ، ويقوم بالحق لله وقد جعل الله ، القلوب كالآنية، كما قال بعض السلف: «القلوب آنية الله في أرضه، وأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها» (١) والمصباح: هو نور الإيمان في قلبه والشجرة المباركة هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى، ودين الحق، وهي مادة المصباح التي يتقد منها، والنور على النور: نور الفطرة الصحيحة والإدراك الصحيح، ونور الوحي والكتاب، فينضاف أحد النورين إلى الآخر فيزداد العبد نورًا على نور، ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع ما فيه بالأثر، ثم يبلغه الأثر بمثل ما وقع في قلبه ونطق به، فيتفق عنده شاهد العقل والشرع والفطرة والوحي، فيريه عقله وفطرته وذوقه أن الذي جاء به الرسول ﷺ هو الحق لا يتعارض عنده العقل والنقل البتة، بل يتصادقان ويتوافقان.
فهذا علامة النور على النور، عكس من تلاطمت في قلبه أمواج الشبه الباطلة والخيالات الفاسدة من الظنون الجهليات التي يسميها أهلها القواطع العقليات (٢).
* * *
سورة الفرقان
٤٠ - قال : ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾
[الفرقان: ٣٣].
هذا غاية الكمال أن يكون المعنى في نفسه حقًّا والتعبير عنه أفصح تعبير وأحسنه وهذا شأن القرآن وكلام الرسول ﷺ (١).
* * *