← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1477

الجامع في أمثال القرآن

ابن القيم

Полный текст (243 стр.). Показаны 211–243 · переход к 216.

стр. 211

سورة الحجرات ٥٧ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١٢].

стр. 212

هَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْقِيَاسِ التَّمْثِيلِيِّ؛ فَإِنَّهُ شَبَّهَ تَمْزِيقَ عِرْضِ الْأَخِ بِتَمْزِيقِ لَحْمِهِ، وَلَمَّا كَانَ المُغْتَابُ يُمَزِّقُ عِرْضَ أَخِيهِ فِي غِيبَتِهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقْطَعُ لَحْمَهُ فِي حَالِ غِيبَةِ رُوحِهِ عَنْهُ بِالمَوْتِ، وَلَمَّا كَانَ المُغْتَابُ عَاجِزًا عَنْ دَفْعِهِ بنَفْسِهِ بِكَوْنِهِ غَائِبًا عَنْ ذَمِّهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ المَيِّتِ الَّذِي يُقَطَّعُ لَحْمُهُ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَمَّا كَانَ مُقْتَضَى الْأُخُوَّةِ التَّرَاحُمَ وَالتَّوَاصُلَ وَالتَّنَاصُرَ فَعَلَّقَ عَلَيْهَا المُغْتَابُ ضِدَّ مُقْتَضَاهَا مِنْ الذَّمِّ وَالْعَيْبِ وَالطَّعْنِ كَانَ ذَلِكَ نَظِيرَ تَقْطِيعِ لَحْمِ أَخِيهِ، وَالْأُخُوَّةُ تَقْتَضِي حِفْظَهُ وَصِيَانَتَهُ وَالذَّبَّ عَنْهُ، وَلَمَّا كَانَ المُغْتَابُ مُتَفَكِّهًا بِغِيبَتِهِ وَذَمِّهِ مُتَحَلِّيًا بِذَلِكَ شُبِّهَ بِآكِلِ لَحْمِ أَخِيهِ بَعْدَ تَقْطِيعِهِ، وَلَمَّا كَانَ المُغْتَابُ مُحِبًّا لِذَلِكَ مُعْجَبًا بِهِ شُبِّهَ بِمَنْ يُحِبُّ أَكْلَ لَحْمِ أَخِيهِ مَيْتًا، وَمَحَبَّتُهُ لِذَلِكَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ أَكْلِهِ، كَمَا أَنَّ أَكْلَهُ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى تَمْزِيقِهِ. فَتَأَمَّلْ هَذَا التَّشْبِيهَ وَالتَّمْثِيلَ وَحُسْنَ مَوْقِعِهِ وَمُطَابقَته المَعْقُول فِيهِ المَحْسُوسَ، وَتَأَمَّلْ إخْبَارَهُ عَنْهُمْ بِكَرَاهَةِ أَكْلِ لَحْمِ الْأَخِ مَيْتًا، وَوَصْفَهُمْ بِذَلِكَ فِي آخَرِ الْآيَةِ، وَالْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ فِي أَوَّلِهَا أَنْ يُحِبَّ أَحَدُهُمْ ذَلِكَ، فَكَمَا أَنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ فِي طِبَاعِهِمْ فَكَيْفَ يُحِبُّونَ مَا هُوَ مِثْلُهُ وَنَظِيرُهُ. فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا كَرِهُوهُ عَلَى مَا أَحَبُّوهُ، وَشَبَّهَ لَهُمْ مَا يُحِبُّونَهُ بِمَا هُوَ أَكْرَهُ شَيْءٍ إلَيْهِمْ، وَهُمْ أَشَدُّ شَيْءٍ نُفْرَةً عَنْهُ؛ فَلِهَذَا يُوجِبُ الْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ وَالْحِكْمَةُ أَنْ يَكُونُوا أَشَدَّ شَيْءٍ نُفْرَةً عَمَّا هُوَ نَظِيرُهُ وَمُشْبِهُهُ، وَبِالله التَّوْفِيقُ (١). * * *

стр. 213

سورة الذاريات ٥٨ - قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات: ٢٢، ٢٣] (١). أقسم - سبحانه - أعظم قسم، بأعظم مقسم به، على أجل مقسم عليه، وأكد الأخبار بهذا القسم، ثم أكده -سبحانه- بشبهه بالأمر المحقق الذي لا يشك فيه ذو حاسة سليمة، فقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات: ٢٣]. قال ابن عباس ﵄: «يريد إنه لحق واقع، كما أنكم تنطقون» (٢). وقال الفراء: «إنه لحق كما أن الآدمي ناطق» (٣). وقال الزجاج: «هذا كما تقول في الكلام إن هذا لحق كما أنك ههنا» (٤).

стр. 214

* قلت: وفي الحديث «إنه لحق كما أنك ههنا» (١). فشبه - سبحانه - تحقيق ما أخبر به بتحقيق نطق الآدمي ووجوده. والواحد منا يعرف أنه ناطق ضرورة، ولا يحتاج نطقه إلى الاستدلال على وجوده، ولا يخالجه شك في أنه ناطق. فكذلك ما أخبر الله - سبحانه- عنه من أمر التوحيد، والنبوة، والمعاد، وأسمائه، وصفاته، حق ثابت في نفس الأمر، يشبه بثبوت نطقكم ووجوده. وهذا باب يعرفه الناس في كلامهم، يقول أحدهم: هذا حق مثل الشمس. وأفصح الشاعر عن هذا بقوله: وليس يصح في الأفهام شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل (٢) وههنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الرب - تعالى - شهد بصحة ما أخبر به، وهو أصدق الصادقين، وأقسم عليه، وهو أبر المقسمين، وأكده بتشبيهه بالواقع الذي لا يقبل الشك بوجه، وأقام عليه من الأدلة العيانية والبرهانية ما جعله معاينًا مشاهدًا بالبصائر، وإن لم يعاين بالأبصار، ومع ذلك فأكثر النفوس في غفلة عنه لا تستعد له، ولا تأخذ له أهبة.

стр. 215

والمستعد له، الآخذ له أهبته؛ لا يعطيه حقه منهم إلا الفرد بعد الفرد فأكثر هذا الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار، ولا يتفكرون في قلة مقامهم في دار الغرور، ولا في رحيلهم وانتقالهم عنها، ولا إلى أين يرحلون؟ وأين يستقرون؟ قد ملكهم الحس، وقل نصيبهم من العقل، وشملتهم الغفلة، وغرتهم الأماني التي هي كالسراب، وخدعهم طول الأمل، وكأن المقيم لا يرحل، وكأن أحدهم لا يبعث ولا يسأل، وكأن مع كل مقيم توقيع من الله لفلان بن فلان بالأمان من عذابه، والفوز بجزيل ثوابه. فأما همتهم ففي اللذات الحسية، والشهوات النفسية، كيفما حصلت حصلوها، ومن أي وجه لاحت أخذوها، غافلين عن المطالبة، آمنين من المعاقبة، يسعون لما يدركون، ويتركون ما هم به مطالبون، ويعمُرون ما هم عنه منتقلون، ويخربون ما هم إليه صائرون، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]. ألسنتهم لا تنطق إلا بشهوات نفوسهم، فلا ينظرون في مصالحها، ولا يأخذون في جمع زادها في سفرها ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر/ ١٩]. والعجب كل العجب من غفلة من تعد عليه لحظاته، وتحصى عليه أنفاسه، ومطايا الليل والنهار تسرع به، ولا يتفكر إلى أين يحمل؟ ولا إلى أي منزل ينقل؟. وكيف تنام العين وهي قريرةٌ … ولم تدر في أي المَحَلَّين تنزل (١)

стр. 216

وإذا نزل بأحدهم الموت قلِق لخراب ذاته، وذهاب لذاته، لا لما سبق من جناياته، ولا لسوء منقلبه بعد مماته، فإن خطرت على أحدهم خطرة من ذلك اعتمد العفو والرحمة، وكان يتيقن أن ذلك نصيبه ولا بد. فلو أن العاقل أحضر ذهنه ما استحضر عقله، وسار بفكره، وأمعن النظر، وتأمل الآيات لفهم المراد من إيجاده، ولَنَظَرتْ عينُ الراحل إلى الطريق، ولأخذ المسافر في التزود، والمريض في التداوي. والحازم يُعِد لما يجوز أن يأتي؛ فما الظن بأمر متيقن! كما أنه لصدق إيمانهم، وقوة إيقانهم، وكأنهم يعاينون الأمر، فأضحت ربوع الإيمان من أهلها خالية، ومعالمه على عروشها خاوية. قال ابن وهب: أخبرني مسلمة بن علي عن الأوزاعي قال: «كان السلف إذا صدع الفجر أو قبله كأنما على رؤوسهم الطير، مقبلين على أنفسهم، حتى لو أن حبيبًا لأحدهم غاب عنه حينًا ثم قدم؛ لما التفت إليه. فلا يزالون كذلك إلى طلوع الشمس، ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتحلقون، فأول ما يفيضون فيه أمر معادهم، وما هم صائرون إليه، ثم يأخذون في الفقه» (١). * * *

стр. 217

سورة الحديد ٥٩ - قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠]. فأخبر سبحانه عن حقيقة الدنيا بما جعله مشاهدًا لأولي البصائر، وإنها لعب ولهو تلهو بها النفوس، وتلعب بها الأبدان، واللعب واللهو لا حقيقة لهما، وأنهما مشغلة للنفس مضيعة للوقت يقطع بها الجاهلون العمر فيذهب ضائعًا في غير شيء. ثم أخبر أنها زينة زُينت للعيون وللنفوس فأخذت بالعيون والنفوس استحسانًا ومحبة، ولو باشرت القلوبُ معرفةَ حقيقتها ومآلها ومصيرها لأبغضتها ولآثرت عليها الآخرة، ولما آثرتها على الآجل الدائم الذي هو خير وأبقى. قال الإمام (١): حدثنا وكيع حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها» (٢).

стр. 218

وفى «جامع الترمذي» (١) من حديث سهل بن سعد قال: قال

стр. 219

رسول الله ﷺ : «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء». قال الترمذي: حديث صحيح. وفي «صحيح مسلم» (١) من حديث المُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِه (٢) في الْيَمّ (٣) فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ». وفي «الترمذي» (٤) من حديثه قال: كنت مع الركب الذين وقفوا مع

стр. 220

رسول الله على السَّخلة الميتة، فقال رسول الله ﷺ : «أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها»، قالوا: ومن هوانها ألقوها يا رسول الله، قال: «فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها». وفي «الترمذي» (١) أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 221

«الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه، وعالم أو متعلم».

стр. 222

والحديثان حسنان. قال الإمام أحمد (١): حدثنا هيثم بن خارجة: أنبأنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن دينار البهراني قال: قال عيسى ﵇ للحواريين: «بحق أقول لكم: إن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، وإن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وأن عباد الله ليسوا بالمتنعمين. بحق أقول لكم: إن شركم عملًا عالم يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة، إنه لو يستطيع جعل الناس كلهم في عمله مثله». وقال أحمد (٢): حدثنا يحيى بن إسحاق، قال: أخبرني سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال: قال عيسى ابن مريم ﵇: «يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارًا؟» قالوا: يا روح الله ومن يقدر على ذلك؟ قال: «إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارًا». وفى كتاب «الزهد» لأحمد (٣) أن عيسى ابن مريم ﵇ كان يقول: «بحق أقول لكم: إن أكل الخبز وشرب الماء العذب ونومًا على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس». وفى «المسند» عنه ﷺ : «إن الله ضرب طعام ابن آدم مثلًا للدنيا وإن قَزَّحَهُ

стр. 223

وملَّحه فلينظر إلى ماذا يصير» (١).

стр. 224

فَصْلٌ ثم أخبر عنها أنها يفاخر بعضنا بعضًا بها، فيطلبها ليفخر بها على صاحبه، وهذا حال كل من طلب شيئا للمفاخرة من مال أو جاه أو قوة أو علم أو زهد. * والمفاخرة نوعان: مذمومة ومحمودة. فالمذمومة: مفاخرة أهل الدنيا بها. والمحمودة: أن يطلب المفاخرة في الآخرة، فهذه من جنس المنافسة المأمور بها، وهي أن الرجل ينفس على غيره بالشيء ويغار أن يناله دونه ويأنف من ذلك ويحمى أنفه له.

стр. 225

يقال: نَفِستُ عليه الشيءَ، أنفسه نفاسة إذا ضننت به، ولم تحب أن يصير إليه دونك، والتنافس تفاعل من ذلك، كأن كل واحد من المتنافسين يريد أن يسبق صاحبه إليه، وحقيقة المنافسة الرغبة التامة والمبادرة والمسابقة إلى الشيء النفيس. * * *

стр. 226

فَصْلٌ ثم أخبر تعالى عنها أنها تكاثر في الأموال والأولاد؛ فيحب كل واحد أن يَكثر بني جنسه في ذلك، ويفرح بأن يرى نفسه أكثر من غيره مالًا وولدًا وأن يقال فيه ذلك، وهذا من أعظم ما يلهي النفوس عن الله والدار الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ [التكاثر: ١ - ٤]. والتكاثر في كل شيء، فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة، فهو داخل في حكم هذه الآية، فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال، ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه، أو بالعلم، فيجمعه تكاثرًا وتفاخرًا، وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها. * * *

стр. 227

فَصْلٌ ثم أخبر سبحانه عن مصير الدنيا وحقيقتها وأنها بمنزلة غيث أعجب الكفار نباته. والصحيح - إن شاء الله- أن الكفار هم الكفار بالله، وذلك عرف القرآن حيث ذكروا بهذا النعت في كل موضع، ولو أراد الزراع لذكرهم باسمهم الذي يعرفون به، كما ذكرهم به في قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ وإنما خص الكفار به لأنهم أشد إعجابًا بالدنيا، فإنها دارهم التي لها يعملون ويكدحون، فهم أشد إعجابا بزينتها وما فيها من المؤمنين. ثم ذكر سبحانه عاقبة هذا النبات وهو اصفراره ويبسه، وهذا آخر الدنيا ومصيرها، ولو ملكها العبد من أولها إلى آخرها فنهايتها ذلك. فإذا كانت الآخرة انقلبت الدنيا واستحالت إلى عذاب شديد، أو مغفرة من الله وحسن ثوابه وجزائه، كما قال على بن أبي طالب ﵁: «الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ومطلب نجح لمن سالم. فيها مساجد أنبياء الله، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه، فيها اكتسبوا الرحمة، وربحوا فيها العافية، فمن ذا يذمها وقد آذنت بنيها، ونعت نفسها وأهلها، فتمثلت ببلائها، وشوقت بسرورها إلى السرور تخويفا وتحذيرا وترغيبا، فذمها قوم غداة الندامة، وحمدها آخرون؛ ذكرتهم فذكروا، ووعظتهم فاتعظوا. فيا أيها الذّامّ للدنيا المغتر بتغريرها متى استذمّت إليك؟ بل متى غرتك؟ أبمنازل آبائك في الثرى، أم بمضاجع أمهاتك في البلى؟! كم رأيت موروثا، كم عللت بكفيك عليلا، كم مرضت مريضا بيديك تبتغى له الشفاء، وتستوصف له الأطباء؟ ثم لم تنفعه شفاعتك، ولم تسعفه طلبتك، مثلت لك الدنيا غداة مصرعه مصرعك».

стр. 228

ثم التفت إلى المقابر فقال: «يا أهل الغربة ويا أهل التربة أما الدور فسكنت، وأما الأموال فقسمت، وأما الأزواج فنكحت، فهذا خبر ما عندنا، فهاتوا خبر ما عندكم»، ثم التفت إلينا فقال: «أما لو أذن لهم لأخبروكم أن خير الزاد التقوى) (١). فالدنيا في الحقيقة لا تذم وإنما يتوجه الذم إلى فعل العبد فيها، وهى قنطرة أو معبر إلى الجنة أو إلى النار. ولكن لما غلبت عليها الشهوات والحظوظ والغفلة والإعراض عن الله والدار الآخرة فصار هذا هو الغالب على أهلها وما فيها، وهو الغالب على اسمها، صار لها اسم الذم عند الإطلاق وإلا فهي مبنى الآخرة ومزرعتها، ومنها زاد الجنة، وفيها اكتسبت النفوس الإيمان ومعرفة الله ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته، وخير عيش ناله أهل الجنة في الجنة إنما كان بما زرعوه فيها وكفى بها مدحًا وفضلًا لأولياء الله فيها من قرة العيون، وسرور القلوب وبهجة النفوس ولذة الأرواح والنعيم الذي لا يشبهه نعيم بذكره ومعرفته ومحبته وعبادته والتوكل عليه والإنابة إليه والأنس به والفرح بقربه والتذلل له ولذة مناجاته والإقبال عليه والاشتغال به عمن سواه وفيها كلامه ووحيه وهداه وروحه الذي ألقاه من أمره فأخبر به من شاء من عباده.

стр. 229

ولقد فضل ابن عقيل وغيره هذا على نعيم الجنة، وقالوا: هذا حق الله عليهم وذاك حظهم ونعيمهم، وحقه أفضل من حظهم. * قالوا: والإيمان والطاعة أفضل من جزائه. * والتحقيق: أنه لا يصح التفضيل بين أمرين في دارين مختلفين، ولو أمكن اجتماعهما في دار واحدة لأمكن طلب التفضيل. فالطاعة والإيمان في هذه الدار أفضل ما فيها ودخول الجنة والنظر إلى وجه الله وسماع كلامه والفوز برضاه أفضل ما في الآخرة. فهذا أفضل ما في هذه الدار وهذا أفضل ما في الدار الأخرى، ولا يصح أن يقال: فأي الأمرين أفضل؟ فهذا أفضل الأسباب وهذا أفضل الغايات وبالله التوفيق (١). * * *

стр. 230

سورة الحشر ٦٠ - قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾ [الحشر: ١٦، ١٧] (١).

стр. 231

وهذا السياق لا يختص بالذي ذُكِرَت عنه هذه القصةُ بل هو عامٌّ في كل من أطاع الشيطان في أمره له بالكفر لينصره ويقضي حاجته فإنه يتبرأ منه ويسلمه كما يتبرأ من أوليائه جملة في النار ويقول لهم: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. فأوردهم شر الموارد وتبرأ منهم كل البراءة. وتكلم الناسُ في قول عدو الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ فقال قتادة وابن إسحاق: صدق عدو الله في قوله: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨]. وكذب في قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ والله ما به مخافة الله ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة فأوردهم وأسلمهم وكذلك عادة عدو الله بمن أطاعه. وقالت طائفة: إنما خاف بطش الله تعالى به في الدنيا كما يخاف الكافر والفاجر أن يقتل أو يؤخذ بجرمه لا أنه خاف عقابه في الآخرة وهذا أصح وهذا الخوف لا يستلزم إيمانا ولا نجاة. قال الكلبي: خاف أن يأخذه جبريل ويعرفهم حاله فلا يطيعونه (١)، وهذا فاسد فإنه إنما قال لهم ذلك بعد أن فر ونكص على عقبيه، إلا أن يريد أنه إذا عرف المشركون أن الذي أجارهم وأوردهم إبليس لم يطيعوه فيما بعد ذلك، وقد أبعد النجعة إن أراد ذلك وتكلف غير المراد.

стр. 232

وقال عطاء: إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك وهذا خوف هلاك الدنيا فلا ينفعه (١). وقال الزجاج وابن الأنباري: ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر. زاد ابن الأنباري قال: أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذي يزول معه إنظاري قد حضر فيقع بي العذاب فإنه لما عاين الملائكة خاف أن يكون وقت الانتظار قد انقضى فقال ما قال إشفاقًا على نفسه (٢). * * *

стр. 233

سورة الجمعة ٦١ - قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ [الجمعة: ٥]. فَقَاسَ سُبْحَانَهُ مَنْ حَمَّلَهُ كِتَابَهُ لِيُؤْمِنَ بِهِ وَيَتَدَبَّرَهُ وَيَعْمَلَ بِهِ وَيَدْعُوَ إلَيْهِ ثُمَّ خَالَفَ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْمِلْهُ إلَّا عَلَى ظَهْرِ قَلْبٍ، فَقرَأَهُ به بغير تَدَبُّرٍ وَلَا تَفَهُّمٍ وَلَا اتِّبَاعٍ له وتَحْكِيمٍ لَهُ وَعَمَلٍ بِمُوجِبِهِ، كَحِمَارٍ عَلَى ظَهْرِهِ زَامِلَةُ أَسْفَارٍ لَا يَدْرِي مَا فِيهَا، وَحَظُّهُ مِنْهَا حَمْلُهَا عَلَى ظَهْرِهِ لَيْسَ إلَّا؛ فَحَظُّهُ مِنْ كِتَابِ اللهِ كَحَظِّ هَذَا الْحِمَارِ مِنْ الْكُتُبِ الَّتِي عَلَى ظَهْرِهِ؛ فَهَذَا الْمَثَلُ وَإِنْ كَانَ قَدْ ضُرِبَ لِلْيَهُودِ فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِمَنْ حَمَلَ الْقُرْآنَ فَتَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ، وَلَمْ يُؤَدِّ حَقَّهُ، وَلَمْ يَرْعَهُ حَقَّ رِعَايَتِه (١).

стр. 234

سورة التحريم ٦٢ - قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم: ١٠ - ١٢]. فَاشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْثَالٍ: مَثَلٌ لِلْكافر (١) وَمثلَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَتَضَمَّنَ مَثَلُ الْكُفَّارِ أَنَّ الْكَافِرَ يُعَاقَبُ عَلَى كُفْرِهِ وَعَدَاوَتِهِ لله وَرَسُولِهِ ﷺ وَأَوْلِيَائِهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ مَعَ كُفْرِهِ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِنْ لُحْمَةِ نَسَبٍ أَوْ صِلَةِ صِهْرٍ أَوْ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الِاتِّصَالِ. فَإِنَّ الْأَسْبَابَ تَنْقَطِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا مَا كَانَ مِنْهَا مُتَّصِلًا بِالله وَحْدَهُ عَلَى أَيْدِي رُسُلِهِ عليهم الصلاة والسلام، فَلَوْ نَفَعَتْ وَصْلَةُ الْقَرَابَةِ وَالْمُصَاهَرَةِ أَوْ النِّكَاحِ مَعَ عَدَمِ الْإِيمَانِ لَنَفَعَت الْوَصْلَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ نُوحٍ ولُوطٍ وَامْرَأَتَيْهِمَا، فَلَمَّا لَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللهِ شَيْئًا وقيل لهما: ﴿ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ قَطَعَت الْآيَةُ حِينَئِذٍ طَمَعَ مَنْ ارَتكب مَعْصِيَةَ الله وَخَالَفَ أَمْرَهُ، رَجَاء أَنْ يَنْفَعَهُ صَلَاحُ غَيْرِهِ مِنْ

стр. 235

قَرِيبٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا فِي الدُّنْيَا أَشَدَّ الِاتِّصَالِ، فَلَا اتِّصَالَ فَوْقَ اتِّصَالِ الْبُنُوَّةِ وَالْأُبُوَّةِ وَالزَّوْجِيَّةِ، وَلَمْ يُغْنِ نُوحٌ ﵊ عَنْ ابْنِهِ، وَلَا إبْرَاهِيمُ ﵊ عَنْ أَبِيهِ، وَلَا نُوحٌ ولُوطٌ عليهما الصلاة والسلام عَنْ امْرَأَتَيْهِمَا مِنْ اللهِ شَيْئًا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ [الانفطار: ١٩]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وَقَالَ: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣]. وَهَذَا كُلُّهُ تَكْذِيبٌ لِأَطْمَاعِ المُشْرِكِينَ الْبَاطِلَةِ أَنَّ مَنْ تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ دُونِ الله مِنْ قَرَابَةٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ صُحْبَةٍ يَنْفَعُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ يُجِيرُهُمْ مِنْ عَذَابِ الله تعالى، أَوْ تشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ تعالى، وَهَذَا أَصْلُ ضَلَالِ بَنِي آدَمَ وَشِرْكِهِمْ، وَهُوَ الشِّرْكُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللهُ، وَهُوَ الَّذِي بَعَثَ اللهُ تعالى جَمِيعَ رُسُلِهِ عليهم الصلاة والسلام وَأَنْزَلَ جَمِيعَ كُتُبِهِ بِإِبْطَالِهِ، وَمُحَارَبَةِ أَهْلِهِ وَمُعَادَاتِهِمْ. * * *

стр. 236

فَصْلٌ * وَأَمَّا المَثَلانِ اللَّذَانِ لِلْمُؤْمِنِينَ: * فَأَحَدُهُمَا امْرَأَةُ فِرْعَوْن (١). وَوَجْهُ المَثَلِ أَنَّ اتِّصَالَ المُؤْمِنِ بِالْكَافِرِ لَا يَضُرُّهُ شَيْئًا إذَا فَارَقَهُ فِي كُفْرِهِ وَعَمَلِهِ، فَمَعْصِيَةُ العاصي لَا تَضُرُّ المُطِيعَ شَيْئًا فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ تَضَرَّرَ بِهَا فِي الدُّنْيَا بِسَبَبِ الْعُقُوبَةِ الَّتِي تَحِلُّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ إذَا أَضَاعُوا أَمْرَ اللهِ فَتَأْتِي عَامَّةً، فَلَمْ تضُرَّ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ اتِّصَالُهَا بِهِ وَهُوَ مِنْ أَكْفَرِ الْكَافِرِينَ، وَلَمْ يَنْفَع امْرَأَةَ نُوحٍ وَلُوطٍ اتِّصَالُهُمَا بِهِمَا وَهُمَا رَسُولَا رَبِّ الْعَالَمِينَ. * المَثَلُ الثَّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ: مَرْيَم الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا، لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ، فَذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ مِنْ النِّسَاءِ: المَرْأَةَ الْكَافِرَةَ الَّتِي لَهَا وَصْلَةٌ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَالمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ الَّتِي لَهَا وَصْلَةٌ بِالرَّجُلِ الْكَافِرِ، وَالمَرْأَةَ الْعَزبة الَّتِي لَا وَصْلَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَحَدٍ: فَالأَولَى: لَا تَنْفَعُهَا وَصْلَتُهَا وَسَبَبُهَا. وَالثَّانِيَةُ: لَا تَضُرُّهَا وَصْلَتُهَا وَسَبَبُهَا. وَالثَّالِثَةُ: لَا تضُرُّهَا عَدَم الْوَصْلَةِ شَيْئًا.

стр. 237

ثُمَّ فِي هَذِهِ الْأَمْثَالِ مِنْ الْأَسْرَارِ الْبَدِيعَةِ مَا يُنَاسِبُ سِيَاقَ السُّورَةِ؛ فَإِنَّهَا سِيقَتْ فِي ذِكْرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ تَظَاهُرِهِنَّ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُنَّ إنْ لَمْ يُطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ وَيُرِدْنَ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَمْ يَنْفَعْهُنَّ اتِّصَالُهُنَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا لَمْ يَنْفَعْ امْرَأَة نُوحٍ وَلُوط اتِّصَالهمَا بِهِمَا، وَلِهَذَا إنَّمَا ضَرب الله فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَثَل اتِّصَال النِّكَاحِ دُونَ الْقَرَابَةِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّام (١): ضَرَبَ اللهُ المَثَلَ الْأَوَّلَ يُحَذِّرُ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمَا المَثَلَ الثَّانِيَ يُحَرِّضُهُمَا عَلَى التَّمَسُّكِ بِالطَّاعَةِ. وَفِي ضَرْبِ المَثَلِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْيَمَ أَيْضًا اعْتِبَارٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهَا لَمْ يَضُرَّهَا عِنْدَ اللهِ شَيْئًا قَذْفُ أَعْدَاءِ اللهِ تعالى الْيَهُودَ لَهَا، وَنِسْبَتُهُمْ إيَّاهَا وَابْنَهَا إلَى مَا بَرَّأَهُمَا اللهُ عَنْهُ، مَعَ كَوْنِهَا الصِّدِّيقَةُ الكُبْرَى الْمُصْطَفَاةُ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ؛ فَلَا يَضُرُّ الرَّجل الصَّالح قَذف الْفُجَّارِ وَالْفُسَّاقِ فِيهِ. وَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ لِعَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ إنْ كَانَتْ السُّورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَتَوْطِينِ نَفْسِهَا عَلَى مَا قَالَ فِيهَا الْكَاذِبُونَ إنْ كَانَتْ قَبْلَهَا. كَمَا فِي التَّمْثِيلِ بِامْرَأَةِ نُوحٍ وَلُوطٍ تَحْذِيرٌ لَهَا وَلِحَفْصَةَ مِمَّا اعْتَمَدَتَاهُ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ : فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْأَمْثَالُ التَّحْذِيرَ لَهُنَّ وَالتَّخْوِيفَ، وَالتَّحْرِيضَ لَهُنَّ عَلَى الطَّاعَةِ وَالتَّوْحِيدِ، وَالتَّسْلِيَة وَتَوْطِين النَّفْسِ لِمَنْ أُوذِيَ مِنْهُنَّ وَكُذِبَ عَلَيْهِ. وَأَسْرَارُ التَّنْزِيلِ فَوْقَ هَذَا وَأَجَلُّ مِنْهُ، وَلَا سِيَّمَا أَسْرَارُ الْأَمْثَالِ الَّتِي لَا يَعْقِلُهَا إلَّا الْعَالِمُونَ (٢).

стр. 238

سورة القلم ٦٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [القلم: ١٧ - ٣٣] (١).

стр. 239

﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] (١).

стр. 240

قال: هذه مدينة ضَرَوَان (١) قد مررتُ بها، وهي قريبة من عبد الرزاق، رأيتها سوداء حمراء، أثرُ النار يتبين فيها، ليس فيها أثر زرع ولا خضرة، إنما غَدَوا

стр. 241

على أن يصرموها أو يجذوها وفيها حرث، وكانوا قد أقسموا أن لا يدخلها مسكين: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ قد أكلتها النار حتى تركتها سوداء. قال ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أعدلهم (١). * * *

стр. 242

سورة المدثر ٦٤ - قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ [المدثر: ٥٠، ٥١]. قَوْله تَعَالَى فِي تَشْبِيهِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ كَلَامِهِ وَتَدَبُّرِهِ: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ شَبَّهَهُمْ فِي إعْرَاضِهِمْ وَنُفُورِهِمْ عَنْ الْقُرْآنِ بِحُمُرٍ رَأَت الْأَسَدَ (١) والرُّمَاةَ (٢) فَفَرَّتْ مِنْهُ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ التَّمْثِيلِ، فَإِنَّ الْقَوْمَ فِي جَهْلِهِمْ بِمَا بَعَثَ اللهُ سبحانه رَسُولَهُ كَالْحُمُرِ، فهِيَ لَا تَعْقِلُ شَيْئًا، فَإِذَا سَمِعَتْ صَوْتَ الْأَسَدِ والرَّامي نَفَرَتْ مِنْهُ أَشَدَّ النُّفُورِ، وَهَذَا غَايَةُ الذَّمِّ لِهَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُمْ نَفَرُوا عَنْ الْهُدَى الَّذِي فِيهِ سَعَادَتُهُمْ وَحَيَاتُهُمْ كَنُفُورِ الْحُمُرِ عَنْ مَا يُهْلِكُهَا وَيَعْقِرُهَا، وَتَحْتَ المُسْتَنْفِرَةِ مَعْنًى أَبْلَغُ مِنْ النَّافِرَةِ؛ فَإِنَّهَا لِشِدَّةِ نُفُورِهَا قَدْ اسْتَنْفَرَ

стр. 243

بَعْضُهَا بَعْضًا وَحَضَّهُ عَلَى النُّفُورِ، فَإِنَّ فِي الِاسْتِفْعَالِ مِنْ الطَّلَبِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْفِعْلِ المُجَرَّدِ فَكَأَنَّهَا تَوَاصَتْ بِالنُّفُورِ، وَتَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِفَتْحِ الْفَاءِ (١). فَالمَعْنَى أَنَّ الْقَسْوَرَةَ اسْتَنْفَرَهَا وَحَمَلَهَا عَلَى النُّفُورِ بِبَأْسِهِ وَشِدَّتِهِ (٢). والحمد لله أولًا وآخرًا، وباطنًا وظاهرًا. وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين (٣). * * *