← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1477

الجامع في أمثال القرآن

ابن القيم

Полный текст (243 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فَصْلٌ * القسم الثالث: من أقسام الناس في الهدى الذي بعث الله به نبيه ﷺ : الذين قبلوا ما جاء به الرسول ﷺ وآمنوا به ظاهرًا وجحدوه وكفروا به باطنًا، وهم المنافقون الذين ضرب لهم هذان المثلان بمستوقد النار وبالصيب، وهم أيضا نوعان: - أحدهما: من أبصر ثم عَمِي، وعلم ثم جهل، وأقر ثم أنكر، وآمن ثم كفر، فهؤلاء رؤوس أهل النفاق وسادتهم وأئمتهم، ومثلهم مثل من استوقد نارًا ثم حصل بعدها على الظلمة. - والنوع الثاني: ضعفاء البصائر الذين أعشى بصائرهم ضوء البرق فكاد أن يخطفها لضعفها وقوته، وأصم أذنهم صوت الرعد فهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق، ولا يقربون من سماع القرآن والإيمان بل يهربون منه، ويكون حالهم حال من يسمع الرعد الشديد، فمن شدة خوفه منه يجعل أصابعه في أذنه. وهذه حال كثير من خفافيش البصائر في كثير من نصوص الوحي، إذا وردت عليه مخالفة لما تلقاه عن أسلافه وذوي مذهبه ومن يحسن به الظن ورآها مخالفة لما عنده عنهم هرب من النصوص وكره من يسمعه إياها، ولو أمكنه لسد أذنيه عند سماعها ويقول: دعنا من هذه ولو قدر لعاقب من يتلوها ويحفظها وينشرها ويعلمها. فإذا ظهر له منها ما يوافق ما عنده مشى فيها وانطلق، فإذا جاءت بخلاف ما عنده أظلمت عليه فقام حائرًا لا يدري أين يذهب ثم يعزم له التقليد وحسن الظن برؤسائه وسادته على اتباع ما قالوه دونها، ويقول مسكين الحال: هم أخبر بها مني وأعرف.

стр. 37

فيالله العجب، أو ليس أهلها والذابون عنها والمنتصرون لها والمعظمون لها والمخالفون لأجلها آراء الرجال المقدمون لها على ما خالفها أعرف بها أيضًا منك وممن اتبعته. فلم كان من خالفها وعزلها عن اليقين وزعم أن الهدى والعلم لا يستفاد منها، وأنها أدلة لفظية لا تفيد شيئًا من اليقين، ولا يجوز أن يحتج بها على مسألة واحدة من مسائل التوحيد والصفات، ويسميها الظواهر النقلية، ويسمي ما خالفها القواطع العقلية. فلم كان هؤلاء أحق بها وأهلها وكان أنصارها والذابُّون عنها والحافظون لها هم أعداؤها ومحاربوها، ولكن هذه سنة الله في أهل الباطل أنهم يعادون الحق وأهله، وينسبونهم إلى معاداته ومحاربته كالرافضة الذين عادوا أصحاب محمد ﷺ بل وأهل بيته، ونسبوا أتباعه وأهل سنته إلى معاداته ومعاداة أهل بيته، ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ [الأنفال: ٣٤]. والمقصود أن هؤلاء المنافقين قسمان: أئمة وسادة يدعون إلى النار وقد مردوا على النفاق، وأتباع لهم بمنزلة الأنعام والبهائم. فأولئك زنادقة مستبصرون وهؤلاء زنادقة مقلدون، فهؤلاء أصناف بني آدم في العلم والإيمان، ولا يجاوز هذه السنة اللهم إلا من أظهر الكفر وأبطن الإيمان كحال المستضعف بين الكفار الذي تبين له الإسلام ولم يمكنه المجاهرة بخلاف قومه، ولم يزل هذا الضرب في الناس على عهد رسول الله ﷺ وبعده، وهؤلاء عكس المنافقين من كل وجه.

стр. 38

• [موجز لأقسام الناس في الهدى الذي بعث الله به رسوله ﷺ . وعلى هذا فالناس إما مؤمن ظاهرًا وباطنًا وإما كافر ظاهرًا وباطنًا وإما مؤمن ظاهرًا كافر باطنًا وإما كافر ظاهرًا مؤمن باطنًا، والأقسام الأربعة قد اشتمل عليها الوجود، وقد بين القرآن أحكامها، فالأقسام الثلاثة الأول ظاهرة، وقد اشتمل عليها أول سورة البقرة. * القسم الرابع: من أقسام الناس في الهدى الذي بعث الله به رسوله ﷺ . وأما القسم الرابع: ففي قوله : ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥] فهؤلاء كانوا يكتمون إيمانهم في قومهم ولا يتمكنون من إظهاره، ومن هؤلاء: مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، ومن هؤلاء النجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ (١). فإنه كان ملك النصارى بالحبشة وكان في الباطن مؤمنًا، وقد قيل: إنه وأمثاله الذين عناهم الله بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٩٩]. وقوله : ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤]. فإن هؤلاء ليس المراد بهم التمسك باليهودية والنصرانية بعد محمد ﷺ قطعًا فإن هؤلاء قد شهد لهم بالكفر وأوجب لهم النار، فلا يثنى عليهم بهذا الثناء، وليس المراد به من آمن من أهل الكتاب ودخل في جملة المؤمنين وباين قومه،

стр. 39

فإن هؤلاء لا يطلق عليهم أنهم من أهل الكتاب إلا باعتبار ما كانوا عليه، وذلك الاعتبار قد زال بالإسلام واستحدثوا اسم المسلمين والمؤمنين، وإنما يطلق الله سبحانه هذا الاسم على من هو باق على دين أهل الكتاب. هذا هو المعروف في القرآن، كقوله : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ .. ﴾ الآية [آل عمران: ٧٠]، وقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]. وقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ .. ﴾ الآية [آل عمران: ٦٥]. وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ .. ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]. ولهذا قال جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس (١) وأنس بن مالك (٢) والحسن (٣) وقتادة (٤) أن قوله : ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩] أنها نزلت في النجاشي، زاد الحسن وقتادة: وأصحابه (٥). وذكر ابن جرير في «تفسيره» (٦) من حديث أبي بكر الهذلي عن قتادة عن

стр. 40

ابن المسيب عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اخرجوا فصلوا على أخٍ لكم»؛ فصلى بنا، فكبر أربع تكبيرات، فقال: «هذا النجاشي أصحمة». فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على عِلْج (١) نصراني لم يره قط، فأنزل الله : ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية. * والمقصود: أن الأقسام الأربعة قد ذكرها الله في كتابه وبين أحكامها في الدنيا وأحكامها في الآخرة، وقد تبين أن أحد الأقسام من آمن ظاهرًا وكفر باطنًا، وأنهم نوعان رؤساؤهم وساداتهم وأتباعهم ومقلدوهم، وعلى هذا فأصحاب المثل الأول الناري شر من أصحاب المثل الثاني المائي كما يدل السياق عليه، وقد يقال وهو أولى إن المثلين لسائر النوع. وأنهم قد جمعوا بين مقتضى المثل الأول من الإنكار بعد الإقرار والحصول في الظلمات بعد النور، وبين مقتضى المثل الثاني من ضعف البصيرة في القرآن وسد الآذان عند سماعه والإعراض عنه، فإن المنافقين فيهم هذا وهذا. وقد يكون الغالب على فريق منهم المثل الأول، وعلى فريق منهم المثل الثاني. * * *

стр. 41

فَصْلٌ [في بيان الحِكَم التي اشتمل عليها المثلان المتقدمان] وقد اشتمل هذان المثلان على حكم عظيمة: منها: أن المستضيء بالنار مستضيء بنور من جهة غيره لا من قبل نفسه، فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة. وهكذا المنافق لما أقر بلسانه من غير اعتقاد ومحبة بقلبه، وتصديق جازم، كان ما معه من النور كالمستعار. ومنها: أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة تحمله. وتلك المادة للضياء بمنزلة غذاء الحيوان، فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح يقوم بها ويدوم بدوامها فإذا انقطعت مادة الإيمان طُفئ كما تُطفأ النار بفراغ مادتها. ومنها: أن الظلمة نوعان: ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور، وظلمة حادثة بعد النور وهي أشد الظلمتين وأشقهما على من كانت حظه، وظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة فمثلت حاله بحال المستوقد للنار الذي حصل في الظلمة بعد الضوء، وأما الكافر فهو في الظلمات لم يخرج منها قط. ومنها: أن في هذا المثل إيذانًا وتنبيهًا على حالهم في الآخرة، وأنهم يعطون نورًا ظاهرًا كما كان نورهم في الدنيا ظاهرًا، ثم يطفأ ذلك النور أحوج ما يكونون إليه إذ لم تكن له مادة باقية تحمله ويبقون في الظلمة على الجسر لا يستطيعون العبور.

стр. 42

فإنه لا يمكن أحدا عبوره إلا بنور ثابت يصحبه حتى يقطع الجسر؛ فإن لم يكن لذلك النور مادة من العلم النافع والعمل الصالح وإلا ذهب الله به أحوج ما كان إليه صاحبه، فطابق مثلهم في الدنيا بحالتهم التي هم عليها في هذه الدار وبحالتهم يوم القيامة عندما تقسم الأنوار دون الجسر ويثبت نور المؤمنين ويطفأ نور المنافقين. ومن ههنا تعلم السر في قوله ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل أذهب الله نورهم. فإن أردت زيادة بيان وإيضاح فتأمل ما رواه مسلم في «صحيحه» (١) من حديث جابر بن عبد الله ﵄، وقد سُئل عن الورود فقال: «نَجِاءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ النَّاسِ، قال فَتُدْعَى الأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ مَنْ تَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ نَنْظُرُ رَبَّنَا. فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ. فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ - قَالَ - فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ - مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ - نُورًا ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ وَعَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يُحَاسَبُونَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَإِ نَجْمٍ فِى السَّمَاءِ ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَانَ فِى قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ وَيَجْعَلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَرُشُّونَ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ» وذكر باقي الحديث. فتأمل قوله فينطلق ويتبعونه ويعطى كل إنسان منهم نورًا المنافق والمؤمن. ثم تأمل قوله : ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾.

стр. 43

وتأمل حالهم إذا أطفئت أنوارهم فبقوا في الظلمة، وقد ذهب المؤمنون في نور إيمانهم يتبعون ربهم . وتأمل قوله ﷺ في حديث الشفاعة (١): «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد». فيتبع كل مشرك إلهه الذي كان يعبده، والموحد حقيق بأن يتبع الإله الحق الذي كان كل معبود سواه باطلًا. وتأمل قوله ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢] وذكر هذه الآية في حديث الشفاعة في هذا الموضع، وقوله في الحديث: «فيكشف عن ساقه». وهذه الإضافة تبين المراد بالساق المذكور في الآية، وتأمل ذكر الانطلاق واتباعه سبحانه بعد هذا، وذلك يفتح لك بابًا من أسرار التوحيد، وفهم القرآن ومعاملة الله لأهل توحيده الذين عبدوه وحده ولم يشركوا به شيئًا هذه المعاملة التي عامل بمقابلتها أهل الشرك حيث ذهبت كل أمة مع معبودها فانطلق بها واتبعته إلى النار، وانطلق المعبود الحق واتبعه أولياؤه وعابدوه، فسبحان الله رب العالمين الذي قرت عيون أهل التوحيد به في الدنيا والآخرة، وفارقوا الناس فيه أحوج ما كانوا إليهم. ومنها: أن المثل الأول متضمن لحصول الظلمة التي هي الضلال والحيرة التي ضدها الهدى، والمثل الثاني متضمن لحصول الخوف الذي ضده الأمن فلا هدى ولا أمن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].

стр. 44

قال ابن عباس وغيره (١) من السلف: مثل هؤلاء في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء، ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي في ظلمة خائفًا متحيرًا، كذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم وناكحوا المؤمنين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم فذلك نورهم فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف. قال مجاهد (٢): إضاءة النار لهم إقبالهم إلى المسلمين والهدى، وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة، وقد فسرت تلك الإضاءة وذهاب النور بأنها في الدنيا، وفسرت بالبرزخ، وفسرت بيوم القيامة والصواب أن ذلك شأنهم في الدور الثلاثة؛ فإنهم لما كانوا كذلك في الدنيا جوزوا في البرزخ وفي القيامة بمثل حالهم جزاءً وفاقًا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦] فإن المعاد يعود على العبد فيه ما كان حاصلًا له في الدنيا، ولهذا يسمى يوم الجزاء ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢]، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى … ﴾ الآية [مريم: ٧٦].

стр. 45

ومن كان مستوحشًا مع الله بمعصيته إياه في هذه الدار فوحشته معه في البرزخ ويوم المعاد أعظم وأشد، ومن قرت عينه به في هذه الحياة الدنيا قرت عينه به يوم القيامة وعند الموت ويوم البعث، فيموت العبد على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، ويعود عليه عمله بعينه فينعم به ظاهرًا وباطنًا. أو يعذب به ظاهرًا وباطنًا فيعود عليه حكم العمل الصالح باطنًا فيورثه من الفرح والسرور واللذة والبهجة وقرة العين والنعيم وقوة القلب، واستبشاره وحياته وانشراحه، واغتباطه ما هو من أفضل النعيم وأجله وأطيبه وألذه، وهل النعيم إلا طيب النفس، وفرح القلب وسروره وانشراحه واستبشاره، هذا وينشأ له من أعماله ما تشتهيه نفسه وتلذ عينه من سائر المشتهيات التي تشتهيها الأنفس وتلذها الأعين؛ ويكون تنوع تلك المشتهيات وكمالها وبلوغها مرتبة الحسن والموافقة بحسب كمال عمله ومتابعته فيه وإخلاصه وبلوغه مرتبة الإحسان فيه وبحسب تنوعه فمن تنوعت أعماله المرضية لله المحبوبة له في هذه الدار، تنوعت الأقسام التي يتلذذ بها في تلك الدار، وتكثرت له بحسب تكثر أعماله هنا، وكان مزيده بتنوعها والابتهاج بها، والالتذاذ بنيلها هناك على حسب مزيده من الأعمال وتنوعه فيها في هذه الدار. وقد جعل الله سبحانه لكل عمل من الأعمال المحبوبة له والمسخوطة أثرا وجزاء ولذة وألمًا يخصه لا يشبه أثر الآخر وجزاءه. ولهذا تنوعت لذات أهل الجنة وآلام أهل النار وتنوع ما فيهما من الطيبات والعقوبات. فليست لذة من ضرب في كل مرضاة الله بسهم وأخذ منها بنصيب. كلذة من أنمى سهمه ونصيبه في نوع واحد منها. ولا ألم من ضرب في كل مسخوط لله بنصيب وعقوبته كألم من ضرب بسهم واحد من مساخطه.

стр. 46

وقد أشار النبي ﷺ إلى أن كمال ما يستمتع به من الطيبات في الآخرة بحسب كمال ما قابله من الأعمال في الدنيا. فرأى قنوًا من حشف معلقًا في المسجد للصدقة فقال: «إن صاحب هذا يأكل الحشف يوم القيامة» (١) فأخبر أن جزاءه يكون من جنس عمله فيجزى على تلك الصدقة بحشف من جنسها. وهذا الباب يفتح لك أبوابًا عظيمة من فهم المعاد وتفاوت الناس في أحواله وما يجري فيه من الأمور المتنوعة. * فمنها: خفة حمل العبد على ظهره وثقله إذا قام من قبره فإنه بحسب خفة وزره وثقله، إن خف خف، وإن ثقل ثقل. * ومنها: استظلاله بظل العرش أو ضحاؤه للحر والشمس إن كان له من الأعمال الصالحة الخالصة والإيمان مما يظله في هذه الدار من حر الشرك والمعاصي والظلم استظل هناك في ظل أعماله تحت عرش الرحمن، وإن كان ضاحيًا هنا للمعاصي والمخالفات والبدع والفجور ضحى هناك للحر الشديد. * ومنها: طول وقوفه في الموقف ومشقته عليه وتهوينه عليه إن طال وقوفه في الصلاة ليلًا ونهارًا لله، وتحمل لأجله المشاق في مرضاته وطاعته خف عليه الوقوف في ذلك اليوم وسهل عليه، وإن آثر الراحة هنا والدعة والبطالة والنعمة طال عليه الوقوف هناك واشتدت مشقته عليه.

стр. 47

وقد أشار إلى ذلك في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾ [الإنسان: ٢٣، ٢٧]. فمن سبَّح الله ليلًا طويلًا لم يكن ذلك اليوم ثقيلًا عليه، بل كان أخف شيء عليه. * ومنها: أن ثقل ميزانه هناك بحسب تحمل ثقل عمل الحق في هذه الدار لا بحسب مجرد كثرة الأعمال، وإنما يثقل الميزان باتباع الحق والصبر عليه وبذله إذا سئل وأخذه إذا بذل كما قال الصديق في وصيته لعمر ﵄: واعلم أن لله حقًّا بالليل لا يقبله بالنهار وله حقٌّ بالنهار لا يقبله بالليل. واعلم أنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق وثقل ذلك عليهم في دار الدنيا وحق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلًا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في دار الدنيا وخفته عليهم وحُقَّ لميزان لا يوضع فيه إلا باطل أن يكون خفيفًا. (١)

стр. 48

* ومنها: أن ورود الناس الحوض، وشربهم منه يوم العطش الأكبر بحسب ورودهم سنة رسول الله ﷺ وشربهم منها فمن وردها في هذه الدار وشرب منها وتضلع ورد هناك حوضه وشرب منه وتضلع فله ﷺ حوضان عظيمان حوض في الدنيا وهو سنته وما جاء به، وحوض في الآخرة، فالشاربون من هذا الحوض في الدنيا هم الشاربون من حوضه يوم القيامة فشارب ومحروم ومستقل ومستكثر. والذين يذودهم أنفسهم وأتباعهم عن سنته ويؤثرون عليها غيرها فمن ظمأ من سنته في هذه الدنيا ولم يكن له منها شرب فهو في الآخرة أشد ظمأ وأحر كبدًا وإن الرجل ليلقى الرجل فيقول يا فلان أشربت؟ فيقول: نعم والله. فيقول لكني والله ما شربت، واعطشاه. فرد أيها الظمآن والورد ممكن … فإن لم ترد فاعلم بأنك هالك وإن لم يكن رضوان يسقيك شربة … سيسقيكها إذ أنت ظمآن مالك وإن لم ترد في هذه الدار حوضه … ستصرف عنه يوم يلقاك آنك * ومنها: قسمه الأنوار في الظلمة دون الجسر، فإن العبد يعطى من النور هناك بحسب قوة نور إيمانه، ويقينه وإخلاصه ومتابعته للرسول في دار الدنيا فمنهم: من يكون نوره كالشمس ودون ذلك كالقمر ودونه كأشد كوكب في السماء إضاءة. ومنهم: من يكون نوره كالسراج في قوته وضعفه وما بين ذلك.

стр. 49

* ومنهم: من يعطى نوراً على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ أخرى بحسب ما كان معه من نور الإيمان في دار الدنيا فهو هذا النور بعينه أبرزه الله لعبده في الآخرة ظاهرًا يرى عيانًا بالأبصار ولا يستضيء به غيره ولا يمشي أحد إلا في نور نفسه إن كان له نور مشى في نوره، وإن لم يكن له نور أصلًا لم ينفعه نور غيره، ولما كان المنافق في الدنيا قد حصل له نور ظاهر غير مستمر ولا متصل بباطنه ولا له مادة من الإيمان أعطي في الآخرة نورًا ظاهرًا لا مادة له ثم يطفأ عنه أحوج ما كان إليه. * ومنها: أن مشيهم على الصراط في السرعة والبطء بحسب سرعة سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم في الدنيا، فأسرعهم سيرًا هنا أسرعهم هناك وأبطأهم هنا أبطأهم هناك، وأشدهم ثباتًا على الصراط المستقيم هنا أثبتهم هناك، ومن خطفته كلاليب الشهوات والشبهات والبدع المضلة هنا خطفته الكلاليب التي كأنها شوك السعدان هناك، ويكون تأثير الكلاليب فيه هناك على حسب تأثير كلاليب الشهوات والشبهات والبدع فيه هاهنا، فناج مسلم، ومخدوش مسلَّم، ومخردل أي مقطع بالكلاليب مكردس في النار (١)، كما أثرت فيهم تلك الكلاليب في الدنيا جزًاء وفاقًا وما ربك بظلام للعبيد. * والمقصود: أن الله ﵎ ضرب لعباده المثلين المائي والناري في سورة البقرة وفي سورة الرعد وفي سورة النور لما تضمن المثلان من الحياة والإضاءة، فالمؤمن حي القلب مستنيره، والكافر والمنافق ميت القلب مظلمه، وقال الله ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ الآية.

стр. 50

وقال ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ الآيات [فاطر: ١٩ - ٢٢]. فجعل من اهتدى بهداه واستنار بنوره بصيرًا حيًّا في ظل يقيه من حر الشبهات والضلال والبدع والشرك، مستنيرًا بنوره، والآخر أعمى ميتًا في حر الكفر والشرك والضلال منغمسًا في الظلمات. وقال ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ الآية [الشورى: ٥٢]، وقد اختلفوا في مفسر الضمير من قوله ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ فقيل هو الإيمان لكونه أقرب المذكورين، وقيل هو الكتاب فإنه النور الذي هدى به عباده. * قال شيخنا: والصواب أنه عائد على الروح المذكور في قوله : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ الآية [الشورى: ٥٢]، فسمى وحيه روحًا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح التي هي الحياة في الحقيقة، ومن عدمها فهو ميت لا حي، والحياة الأبدية السرمدية في دار النعيم هي ثمرة حياة القلب بهذا الروح الذي أوحى إلى رسوله ﷺ فمن لم يحيا به في الدنيا فهو ممن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى، وأعظم الناس حياة في الدور الثلاث دار الدنيا، ودار البرزخ ودار الجزاء، أعظمهم نصيبًا من الحياة بهذا الروح. وسماه روحًا في غير موضع من القرآن كقوله : ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥)﴾ [غافر: ١٥]. وقال : ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النحل: ٢]. وسماه نورًا لما يحصل به من استنارة القلوب وإضاءتها.

стр. 51

وكمال الروح بهاتين الصفتين، بالحياة والنور، ولا سبيل إليهما إلا على أيدي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والاهتداء بما بعثوا به وتلقي العلم النافع والعمل الصالح من مشكاتهم، وإلا فالروح ميتة مظلمة، وإن كان العبد مشارًا إليه بالزهد والفقه والفضيلة والكلام والبحوث، فإن الحياة والاستنارة بالروح الذي أوحاه الله إلى رسوله ﷺ وجعله نورا يهدي به من يشاء من عباده وراء ذلك كله، فليس العلم كثرة النقل والبحث والكلام، ولكن نور يميز به صحيح الأقوال من سقيمها وحقها من باطلها، وما هو من مشكاة النبوة مما هو من آراء الرجال. ويميز النقد الذي عليه سكة أهل المدينة النبوية الذي لا يقبل الله ثمنًا لجنته سواه. من النقد الذي عليه سكة جنكسخان ونوابه من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة وكل من اتخذ لنفسه سكة وضربًا ونقدًا يروجه بين العالم؛ فهذه الأثمان كلها زيوف لا يقبل الله في ثمن جنته شيئًا منها، بل ترد على عاملها أحوج ما يكون إليها وتكون من الأعمال التي قدم الله عليها فجعلها هباء منثورًا، ولصاحبها نصيب وافر من قوله : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]. وهذا حال أرباب الأعمال التي كانت لغير الله أو على غير سنة رسول الله ﷺ . وحال أرباب العلوم والأنظار التي لم يتلقوها عن مشكاة النبوة؛ ولكن تلقوها عن زبالة أذهان الرجال وكناسة أفكارهم فأتعبوا قواهم وأفكارهم وأذهانهم في تقرير آراء الرجال والانتصار لهم وفهم ما قالوه، وبثه في المجالس والمحاضر. وأعرضوا عما جاء به الرسول ﷺ صفحًا. ومن به رمق منهم يعيره أدنى التفات طلبًا للفضيلة.

стр. 52

وأما تجريد أتباعه وتحكيمه واستفراغ قوى النفس في طلبه وفهمه، وعرض آراء الرجال عليه ورد ما يخالفه منها، وقبول ما وافقه، ولا يلتفت إلى شيء من آرائهم وأقوالهم إلا إذا أشرقت عليها شمس الوحي وشهد لها بالصحة، فهذا أمر لا تكاد ترى أحدًا منهم يحدث به نفسه فضلًا عن أن يكون أخيته ومطلوبه، وهذا الذي لا ينجي سواه. فوارحمتا لعبد شقي في طلب العلم واستفرغ قواه واستعد فيه أوقاته وآثره على ما الناس فيه. والطريق بينه وبين رسول الله ﷺ مسدود وقلبه عن المرسل وتوحيده والإنابة إليه والتوكل عليه والتنعم بحبه والسرور بقربه مطرود ومصدود، وقد طاف عمره كله على أبواب المذاهب، فلم يفز إلا بأخس المطالب. سبحان الله إن هي والله إلا فتنة أعمت القلوب عن مواقع رشدها، وحيرت العقول عن طرق قصدها، تربى فيه الصغير وهرم عليه الكبير، فظنت خفافيش الأبصار أنها الغاية التي تسابق إليها المتسابقون، والنهاية التي تتنافس فيها المتنافسون وهيهات أين الظلام من الضياء، وأين الثرى من كواكب الجوزاء، وأين الحرور من الظلال، وأين طريقة أصحاب اليمين من طريقة أصحاب الشمال، وأين القول الذي لم تضمن لنا عصمة قائله بدليل معلوم من النقل المصدق عن القائل المعصوم، وأين العلم الذي سنده محمد بن عبد الله ﷺ عن جبريل عن رب العالمين سبحانه، من الخوض الخرص الذي سنده شيوخ الضلال من الجهمية والمعتزلة وفلاسفة المشائين، بل أين الآراء التي أعلى درجاتها أن تكون عند الضرورة سائغة الاتباع إلى النصوص النبوية الواجب على كل مسلم تحكيمها والتحاكم إليها في موارد النزاع، وأين الآراء التي نهي قائلها عن تقليده فيها وحض على النصوص التي فرض على كل عبد أن يهتدي بها ويتبصر.

стр. 53

وأين الأقوال والآراء التي إذا مات أنصارها والقائمون بها فهي من جملة الأموات، إلى النصوص التي لا تزول إلا إذا زالت الأرض والسماوات. لقد استبان والله الصبح لمن له عينان ناظرتان؛ وتبين الرشد من الغي لمن له أذنان واعيتان، لكن عصفت على القلوب أهوية البدع والشبهات والآراء المختلفات، فأطفأت مصابيحها وتحكمت فيها أيدي الشهوات فأغلقت أبواب رشدها وأضاعت مفاتيحها، وران عليها كسبها وتقليدها لآراء الرجال، فلم تجد حقائق القرآن والسنة فيها منفذًا وتمكنت فيها أسقام الجهل والتخليط فلم تنتفع معها بصالح الغذاء، واعجبًا جعلت غذاءها من هذه الآراء التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولم تقبل الاغتذاء بكلام الله ونص نبيه المرفوع، واعجبًا لها كيف اهتدت في ظلم الآراء إلى التمييز بين الخطأ فيها والصواب، وعجزت عن الاهتداء بمطالع الأنوار ومشارقها من السنة والكتاب، فأقرت بالعجز عن تلقي الهدى العلم من مشكاة السنة والقرآن، ثم تلقته من رأي فلان ورأي فلان. فسبحان الله ماذا حرم المعرضون عن نصوص الوحي واقتباس الهدى من مشكاتها من الكنوز والذخائر، وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر، قنعوا بأقوال استنبطتها معاول الآراء فكرًا، وتقطعوا أمرهم بينهم لأجلها زبرًا وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، فاتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورًا، درست معالم القرآن في قلوبهم فليسوا يعرفونها، ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها ووقعت أعلامه من أيديهم فليسوا يرفعونها، وأفلت كواكبه من آفاقهم فليسوا يبصرونها، وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وعقدها فليسوا يثبتونها، خلعوا نصوص الوحي عن سلطان الحقيقة وعزلوها عن ولاية اليقين وشنوا عليها غارات التحريف بالتأويلات الباطلة، فلا يزال يخرج عليها

стр. 54

من جيوشهم المخذولة كمين بعد كمين، نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام لئام فعاملوها بغير ما يليق بها من الإجلال والإكرام، وتلقوها من بعيد ولكن بالدفع في صدورها والأعجاز. وقالوا: ما لك عندنا من عبور وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز. أنزلوا النصوص منزلة الخليفة العاجز في هذه الأزمان، له السكة والخطبة وما له حكم نافذ ولا سلطان، حرموا والله الوصول بخروجهم عن منهج الوحي وتضييع الأصول، وتمسكوا بأعجاز لا صدور لها فخانتهم أحرص ما كانوا عليها وتقطعت بهم أسبابهم أحوج ما كانوا إليها، حتى إذا بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، وتميز لكل قوم حاصلهم الذي حصلوه؛ وانكشفت لهم حقيقة ما اعتقدوه وقدموا على ما قدموه وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وسُقِطَ في أيديهم عند الحصاد لما عاينوا غلة ما بذروه. فياشدة الحسرة عندما يعاين المبطل سعيه وكده هباء منثورًا، ويا عظم المصيبة عندما تبين بوارق آماله وأمانيه خلبًا وغرورًا. فما ظن من انطوت سريرته على البدعة والهوى والتعصب للآراء بربه يوم تبلى السرائر، وما عذر من نبذ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وراء ظهره في يوم لا ينفع فيه الظالمين المعاذر. أفيظن المعرض عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن ينجو غدًا بآراء الرجال، ويتخلص من مطالبة الله له بكثرة البحوث والجدال أو ضروب الأقيسة وتنوع الأشكال أو بالشطحات والمشارات وأنواع الخيال، هيهات. والله لقد ظن أكذب الظن ومنّى نفسه أبين المحال، وإنما ضُمنت النجاة لمن حكم هدى الله على غيره، وتزود التقوى، وائتم بالدليل، وسلك الصراط

стр. 55

المستقيم واستمسك من التوحيد واتباع الرسول ﷺ بالعروة الوثقى، التي لا انفصام لها والله سميع عليم (١). * * *

стр. 56

٣ - قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [البقرة: ٢٦]. وهذا جواب اعتراض اعترض به الكفار على القرآن، وقالوا: إن الرب أعظم من أن يذكرَ الذباب والعنكبوت ونحوها من الحيوانات الخسيسة، فلو كان ما جاء به محمد كلام الله، لم يذكر فيه الحيوانات الخسيسة، فأجابهم بأن قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (١) فإن ضرب الأمثال بالبعوضة فما فوقها، إذا تضمن تحقيق الحق وإيضاحه وإبطال الباطل وإدحاضه كان من أحسن الأشياء، والحسن لا يُستحيا منه، فهذا جواب الاعتراض. فكأن معترضًا اعترض على هذا الجواب أو طلب حكمه ذلك، فأخبر عما له في ضرب تلك الأمثال من الحكمة، وهي: إضلال من شاء وهداية من شاء. ثم كأن سائلًا سأل عن حكمة الإضلال لمن يُضِلُّهُ بذلك، فأخبر عن حكمته وعدله، وأنه إنما يضل به الفاسقين: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧] فكانت أعمالهم هذه القبيحة التي ارتكبوها سببًا لأن أضلهم وأعماهم عن الهدى (٢).

стр. 57

٤ - قال : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١]. فَتَضَمَّنَ هَذَا المَثَل نَاعِقًا، أَيْ: مُصَوِّتًا بِالْغَنَمِ وَغَيْرِهَا، وَمَنْعُوقًا بِهِ وَهُوَ الدَّوَابُّ، فَقِيلَ: النَّاعِقُ الْعَابِدُ وَهُوَ الدَّاعِي لِلصَّنَمِ، وَالصَّنَمُ هُوَ المَنْعُوقُ بِهِ المَدْعُوُّ، وَإِنَّ حَالَ الكَافِرِ فِي دُعَائِهِ كَحَالِ مَنْ يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُهُ، هَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُه (١). وَاسْتَشْكَلَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» (٢) وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ هَذَا القَوْلَ، وَقَالُوا: قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ لَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْنَامَ لَا تَسْمَعُ شيئا دُعَاءً وَلَا نِدَاءً. * وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا الِاسْتِشْكَالِ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ: * أَحَدُهَا: أَنَّ «إلَّا» زَائِدَةٌ، وَالمَعْنَى بِمَا لَا يَسْمَعُ دُعَاءً وَنِدَاءً، قَالُوا: وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الأَصْمَعِيُّ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: حَرَاجِيح مَا تَنْفَكُّ إلَّا مُنَاخَةً (٣)

стр. 58

أَيْ: مَا يَنْفَكُّ مُنَاخَةً، وَهَذَا جَوَابٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّ «إلَّا» لَا تُزَادُ فِي الْكَلَامِ. * الجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ فِي مُطْلَقِ الدُّعَاءِ لَا فِي خُصُوصاتِ الْمَدْعُوِّ. * الجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ المَعْنَى أَنَّ مَثَلَ هَؤُلَاءِ فِي دُعَائِهِمْ آلِهَتَهُم الَّتِي لَا تَفْقَهُ دُعَاءَهُمْ كَمَثَلِ النَّاعِقِ بِغَنَمِهِ، فَلَا يَنْتَفِعُ بنعقِتهِ بِشَيْءٍ، غَيْرَ أَنَّهُ فِي دُعَاءٍ وَنِدَاءٍ، وَكَذَا المُشْرِكُ لَيْسَ لَهُ مِنْ دُعَائِهِ وَعِبَادَتِهِ إلَّا العَنَاءُ. وَقِيلَ: المَعْنَى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَالْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَفْقَهُ ما يَقُولُ الرَّاعِي أَكْثَرَ مِنْ الصَّوْتِ؛ فَالرَّاعِي هُوَ دَاعِي الكُفَّارِ، وَالكُفَّارُ هُمْ البَهَائِمُ المَنْعُوقُ بِهَا. * قَالَ سِيبَوَيْه (١): المَعْنَى: وَمَثَلُك يَا مُحَمَّدُ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ النَّاعِقِ وَالمَنْعُوقِ. وَعَلَى قَوْلِهِ فَيَكُونُ المَعْنَى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ودَاعِيهمْ كَمَثَلِ الغَنَمِ وَالنَّاعِقِ بِهَا. وَلَك أَنْ تَجْعَلَ هَذَا مِنْ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، وَأَنْ تَجْعَلَهُ مِنْ التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ، فَإِنْ جَعَلْتَهُ مِنْ المُرَكَّبِ كَانَ تَشْبِيهًا لِلْكُفَّارِ فِي عَدَمِ فِقْهِهِمْ وَانْتِفَاعِهِمْ بِالغَنَمِ الَّتِي يَنعقُ بِهَا الرَّاعِي، فَلَا تَفْقَهُ مِنْ قَوْلِهِ شَيْئًا غَيْرَ الصَّوْتِ المُجَرَّدِ الذي هُوَ الدُّعَاءُ وَالنِّدَاءُ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ مِنْ التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ فَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بِمَنْزِلَةِ البَهَائِمِ، وَدُعَاءُ دَاعِيهمْ إلَى الطَّرِيقِ وَالهُدَى

стр. 59

بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَنْعِقُ بِهَا، وَدُعَاؤُهُمْ إلَى الطريق والهُدَى بِمَنْزِلَةِ النَّعْيقِ، وَإِدْرَاكُهُمْ مُجَرَّدَ الدُّعَاءِ وَالنِّدَاءِ كَإِدْرَاكِ البَهَائِمِ مُجَرَّدَ صَوْتِ النَّاعِقِ، وَاللهُ أَعْلَمُ (١). وقال (٢): سواءٌ كان المعنى: ومثلُ داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع من الدواب إلا أصواتًا مجردةً، أو كان المعنى: ومثل الذين كفروا حين ينادون كمثل دواب الذي ينعق بها فلا تسمع إلا صوت الدعاء والنداء، فالقولان متلازمان، بل هما واحد، وإن كان التقدير الثاني أقرب إلى اللفظ وأبلغ في المعنى؛ فعلى التقديرين لم يحصل لهم من الدعوة إلا الصوت الحاصل للأنعام. فهؤلاء لم يحصل لهم حقيقة الإنسانية التي يميز بها صاحبها عن سائر الحيوان. * والسمع يراد به إدراك الصوت ويراد به فهم المعنى ويراد به القبول والإجابة والثلاثة في القرآن: * فمن الأول: قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ [المجادلة: ١]، وهذا أصرح ما يكون في إثبات صفة السمع؛ ذَكَرَ الماضيَ والمضارعَ واسمَ الفاعل: (سمع) و (يسمع)، وهو (سميع)، وله السمع؛ كما قَالَتْ عَائِشَةَ ﵂: «الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ المُجَادِلَةُ تشكو إِلَى رسول الله ﷺ وَأَنَا فِي جانب البَيْتِ، وإنه ليخفى علي بعض كلامها، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] (٣).

стр. 60

* والثاني: سمع الفهم؛ كقوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، أي: لأفهمهم، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٣]؛ لما في قلوبهم من الكبر والإعراض عن قبول الحق، ففيهم آفتان: إحداهما: أنهم لا يفهمون الحق لجهلهم، ولو فهموه لتولوا عنه وهم معرضون عنه لكبرهم (١) وهذا غاية النقص والعيب. * والثالث: سمعُ القَبُول والإجابة؛ كقوله : ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]. أي: قابلون مستجيبون، ومنه قوله : ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١]. أي: قابلون له مستجيبون لأهله، ومنه قول المصلى: سمع الله لمن حمده؛ أي: أجاب الله حمد من حمده، ودعاء من دعاه، وقول النبي ﷺ : «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد؛ يسمع الله لكم» (٢) أي: يجيبكم.

стр. 61

* والمقصود: أن الإنسان إذا لم يكن له علم بما يصلحه في معاشه ومعاده كان الحيوان البهيم خيرًا منه لسلامته في المعاد مما يهلكه دون الإنسان الجاهل (١). * * *

стр. 62

٥ - قال : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. هو استفهام إنكار معادل لاستفهام مقدر في قوة الكلام. فإذا قلت: لم فعلت هذا أم حسبت أن لا أعاقبك، كان معناه: أحسبت أن أعاقبك فأقدمت على العقوبة، أم حسبت أني لا أعاقبك فجهلتها. (١) فَعَزّى سُبْحَانَهُ نَبِيّهُ بِذَلِكَ (٢) وَأَنّ لَهُ أُسْوَةً بِمَنْ تَقَدّمَهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ وَعَزّى أَتْبَاعَهُ بِقَوْلِهِ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الْبَقَرَةُ: ٢١٤]. وَقَوْلُهُ: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

стр. 63

لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتُ: ١ - ١٠]. فَلْيَتَأَمّل الْعَبْدُ سِيَاقَ هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا تَضَمّنَتْهُ مِنْ الْعِبَرِ وَكُنُوزِ الْحِكَمِ فَإِنّ النّاسَ إذَا أُرْسِلَ إلَيْهِمْ الرّسُلُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إمّا أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ آمَنّا وَإِمّا أَلّا يَقُولَ ذَلِكَ بَلْ يَسْتَمِرّ عَلَى السّيّئَاتِ وَالْكُفْرِ فَمَنْ قَالَ آمَنّا امْتَحَنَهُ رَبّهُ وَابْتَلَاهُ وَفَتَنَهُ وَالْفِتْنَةُ الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِبَارُ لِيَتَبَيّنَ الصّادِقُ مِنْ الْكَاذِبِ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ آمَنّا فَلَا يَحْسِبْ أَنّهُ يُعْجِزُ اللّهَ وَيَفُوتُهُ وَيَسْبِقُهُ فَإِنّهُ إنّمَا يَطْوِي الْمَرَاحِلَ فِي يَدَيْهِ. وَكَيْفَ يَفِرّ الْمَرْءُ عَنْهُ بِذَنْبِهِ إذَا كَانَ تُطْوَى فِي يَدَيْهِ الْمَرَاحِلُ فَمَنْ آمَنَ بِالرّسُلِ وَأَطَاعَهُمْ عَادَاهُ أَعْدَاؤُهُمْ وَآذَوْهُ فَابْتُلِيَ بِمَا يُؤْلِمُهُ وَإِنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِمْ وَلَمْ يُطِعْهُمْ عُوقِبَ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَحَصَلَ لَهُ مَا يُؤْلِمُهُ وَكَانَ هَذَا الْمُؤْلِمُ لَهُ أَعْظَمَ أَلَمًا وَأَدُومَ مِنْ أَلَمِ اتّبَاعِهِمْ فَلَا بُدّ مِنْ حُصُولِ الْأَلَمِ لِكُلّ نَفْسٍ آمَنَتْ أَوْ رَغِبَتْ عَنْ الْإِيمَانِ لَكِنّ الْمُؤْمِنَ يَحْصُلُ لَهُ الْأَلَمُ فِي الدّنْيَا ابْتِدَاءً ثُمّ تَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْمُعْرِضُ عَنْ الْإِيمَانِ تَحْصُلُ لَهُ اللّذّةُ ابْتِدَاءً ثُمّ يَصِيرُ إلَى الْأَلَمِ الدّائِمِ. وَسُئِلَ الشّافِعِيّ ﵀ أَيّمَا أَفْضَلُ لِلرّجُلِ أَنْ يُمَكّنَ أَوْ يُبْتَلَى؟ فَقَالَ لَا يُمَكّنُ حَتّى يُبْتَلَى وَاَللّهُ ابْتَلَى أُولِي الْعَزْمِ مِنْ الرّسُلِ فَلَمّا صَبَرُوا مَكّنَهُمْ فَلَا يَظُنّ أَحَدٌ أَنّهُ يَخْلُصُ مِنْ الْأَلَمِ الْبَتّةَ وَإِنّمَا يَتَفَاوَتُ أَهْلُ الْآلَامِ فِي الْعُقُولِ فَأَعْقَلُهُمْ مَنْ بَاعَ أَلَمًا مُسْتَمِرّا عَظِيمًا بِأَلَمٍ مُنْقَطِعٍ يَسِيرٍ وَأَشْقَاهُمْ مَنْ بَاعَ الْأَلَمَ الْمُنْقَطِعَ الْيَسِيرَ بِالْأَلَمِ الْعَظِيمِ الْمُسْتَمِرّ. فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَخْتَارُ الْعَاقِلُ هَذَا؟ قِيلَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى هَذَا النّقْدُ وَالنّسِيئَةُ. وَالنّفْسُ مُوَكّلَةٌ بِحُبّ الْعَاجِل (١).

стр. 64

٦ - قال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]. وهذه الآية كأنها كالتفسير والبيان لمقدار الأضعاف التي يضاعفها للمقرض، ومثل سبحانه بهذا المثل إحضارًا لصورة التضعيف في الأذهان بهذه الحبة التي غيبت في الأرض، فأنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، حتى كأن القلب ينظر إلى هذا التضعيف ببصيرته، كما تنظر العين إلى هذه السنابل التي هي من الحبة الواحدة. فينضاف الشاهد العِياني الشاهد الإيماني القرآني، فيقوى إيمان المنفق، وتسخو نفسه بالإنفاق. وتأمل كيف جمع السنبلة في هذه الآية على سنابل، وهي من جموع الكثرة، إذ المقام مقام تكثير وتضعيف؛ وجمعها على سنبلات في قوله : ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٣]، فجاءَ بها على جمع القلة؛ لأن السبعة قليلة، ولا مقتضى للتكثير. وقوله : ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، قيل: المعنى والله يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاءُ لا لكل منفق بل يختص برحمته من يشاءُ؛ وذلك لتفاوت أحوال الإنفاق في نفسه، وفى صفات المنفق وأحواله، وفى شدة الحاجة وعظيم النفع وحسن الموقع. وقيل: والله يضاعف لمن يشاءُ فوق ذلك، فلا يقتصر به على السبعمائة، بل يجاوز في المضاعفة هذا المقدار إلى أضعاف كثيرة.

стр. 65

واختلف في تقدير الآية فقيل: مثل نفقة الذين ينفقون في سبيل الله كمثل حبة. وقيل: مثل الذين ينفقون في سبيل الله كمثل باذر حبة، ليطابق الممثل للممثل به. فها هنا أربعة أُمور: منفق، ونفقة، وباذر، وبذر. فذكر سبحانه من كل شق أهم قسميه؛ فذكر من شق الممثل المنفِق، إذ المقصود ذكر حاله وشأْنه، وسكت عن ذكر النفقة لدلالة اللفظ عليها. وذكر من شق الممثل به البذر إذ هو المحل الذي حصلت فيه المضاعفة. وترك ذكر الباذر لأن الغرض لا يتعلق بذكره. فتأمل هذه البلاغة والفصاحة والإيجاز المتضمن لغاية البيان. وهذا كثير في أمثال القرآن، بل عامتها ترد على هذا النمط. ثم ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقها، وهما «الواسع والعليم»، فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة، ولا يضيق عنها عَطَنُه، فإن المضاعف سبحانه واسع العطاء، واسع الغنى، واسع الفضل، ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضي حصولها لكل منفق، فإنه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها، فإن كَرَمَهُ سبحانه وفضله لا يناقض حكمته، بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته، ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه. ثم قال : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢]. هذا بيان للقرض الحسن ما هو؟ وهو أن يكون في سبيله، أي: في مرضاته والطريق الموصلة إليه، ومن أهمها سبيل الجهاد.

стр. 66

ف «سبيل الله» خاص وعام، والخاص جزءٌ من السبيل العام وأن لا يتبع صدقته بمنّ ولا أذى، فالمن نوعان: أحدهما: مَنٌّ بقلبه من غير أن يصرح به بلسانه. وهذا إن لم يبطل الصدقة فهو يمنعه شهود منَّة الله عليه في إعطائه المال وحرمان غيره، وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه فللَّه المنة عليه من كل وجه، فكيف يشهد قلبه منه لغيره؟ والنوع الثاني: أن يمن عليه بلسانه فيتعدَّى على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه اصطنعه وأنه أوجب عليه حقًّا، وطوقه منة في عنقه، فيقول: أَمَا أعطيتُك كذا وكذا؟ ويعدد أياديه عنده. قال سفيان (١): يقول أعطيتك فما شكرت. وقال عبد الرحمن بن زيد: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلًا شيئًا ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه (٢). وكانوا يقولون: إذا صنعتم صنيعة فانسوها، وإذا أُسديت إليكم صنيعة فلا تنسوها. وفى ذلك قيل: وإنَّ امرأً أهدى إليَّ صنيعةً … وذكرنيها مرةً لبخيلُ (٣)

стр. 67

وقيل: «صنوان: مَنْ منح سائلَهُ ومَنَّ، ومن منع نائلَه وضنَّ» (١). وحظر الله على عباده المنَّ بالصنيعة واختصَّ به صفة لنفسه؛ لأنَّ منَّ العباد تكدير وتعبير، ومن الله إفضال وتذكير. وأيضاً: فإنه هو المنعم في نفس الأمر، والعباد وسائط، فهو المنعم على عبده في الحقيقة. وأيضاً: فالامتنان استعباد وكسر وإذلال لمن يمن عليه، ولا تصلح العبودية والذل إلا لله. وأيضاً: فالمنَّةُ أن يشهد المعطي أنه هو رب الفضل والإنعام وأنه ولي النعمة ومسديها، وليس ذلك في الحقيقة إلا الله. وأيضاً: فالمانُّ بعطائه يشهد نفسه مترفعاً على الآخذ، مستعليًا عليه، غنيًّا عنه، عزيزًا؛ ويشهد ذلة الآخذ وحاجته إليه وفاقته، ولا ينبغي ذلك للعبد. وأيضاً: فإن المعطي قد تولى الله ثوابه، وردَّ عليه أضعافَ ما أعطى، فبقي عوضُ ما أعطى عند الله، فأيّ حقٍّ بقي له قبل الآخذ؟ فإذا امتنَّ عليه فقد ظلمه ظلمًا بينًا، وادعى أن حقَّه في قِبَله. ومن هنا - والله أعلم - بطلت صدقته بالمنّ، فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع الله، وعوض تلك الصدقة عنده، فلم يرض به، ولاحظ العوضَ من الآخذ والمعاملة عنده، فمن عليه بما أعطاه أبطل معاوضته مع الله ومعاملته له. فتأمل هذه النصائح من الله لعباده، ودلالته على ربوبيته وإلهيته وحده، وأنه يبطل عمل من نازعه في شيء من ربوبيته وإلهيته، لا إله غيره ولا رب سواه.

стр. 68

ونبه بقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢]. على أن المنَّ والأذى - ولو تراخى عن الصدقة، وطال زمنه - ضر بصاحبه، ولم يحصل له مقصود الإنفاق. ولو أتى بالواو وقال: ولا يتبعون ما أنفقوا منًّا ولا أذى لأوهمت تقييد ذلك بالحال. وإذا كان المن والأذى المتراخي مبطلًا لأثر الإنفاق مانعًا من الثواب فالمقارن أولى وأحرى. وتأمل كيف جرد الخبر هنا عن الفاء فقال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٢]. وقرنه بالفاء في قوله : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤]. فإن الفاء الداخلة على خبر المبتدأ الموصول أو الموصوف تُفهِم معنى الشرط والجزاء وأن الخبر مستحق بما تضمنه المبتدأ من الصلة أو الصفة. فلما كان المقام هنا يقتضي بيان حصر المستحق للجزاء دون غيره جرد الخبر عن الفاء فإن المعنى: أن الذي ينفق ماله لله ولا يمن ولا يؤذي هو الذي يستحق الأجر المذكور لا الذي ينفق لغير الله، ويمن ويؤذي بنفقته، فليس المقام مقام شرط وجزاء، بل مقام بيان للمستحق دون غيره. وفي الآية الأخرى ذكر الإنفاق بالليل والنهار سرًّا وعلانية. فذكر عموم الأوقات وعموم الأحوال، فأتى بالفاء في الخبر ليدل على أن الإنفاق في أي وقت وجد من ليل أو نهار، وعلى أي حالة وُجد من سر أو علانية، فإنه سبب للجزاء على كل حال. فليبادر إليه العبد، ولا ينتظر به غير وقته وحاله، فلا يؤخر نفقة الليل إذا حضر إلى النهار، ولا نفقة النهار إلى الليل، ولا ينتظر بنفقة العلانية وقت السر، ولا بنفقة السر وقت العلانية؛ فإن نفقته في أي وقت وعلى أي حال وجدت سببٌ لأجره وثوابه.

стр. 69

فتدبر هذه الأسرار في القرآن، فلعلك لا تظفر بها تمر بك في التفاسير. والمنة والفضل لله وحده لا شريك له. ثم قال : ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]. فأخبر سبحانه أن القول المعروف - وهو الذي تعرفه القلوب ولا تنكره - والمغفرة - وهي: العفو عمن أساء إليك - خير من الصدقة المقرونة بالأذى. فالقول المعروف إحسان وصدقة بالقول، والمغفرة إحسان بترك المؤاخذة والمقابلة؛ فهما نوعان من أنواع الإحسان، والصدقة المقرونة بالأذى حسنة مقرونة بما يبطلها، ولا ريب أن حسنتين خير من حسنة باطلة. ويدخل في هذا القول المعروف الرد الجميل على السائل، والعدة الحسنة، والدعاء الصالح له. ويدخل في المغفرة مغفرته للسائل، إذا وجد منه بعض الجفوة والأذى له بسبب رده، فيكون عفوه عنه خيرًا من أن يتصدق عليه ويؤذيه. هذا على المشهور من القولين في الآية. والقول الثاني: أن المغفرة من الله، أي: مغفرة لكم من الله بسبب القول المعروف والرد الجميل خير من صدقة يتبعها أذى. وفيها قول ثالث. أي: مغفرة وعفو من السائل إذا رُدَّ وتعذر المسؤول خير من أن ينال منه صدقة يتبعها أذى. وأصح الأقوال هو الأول، ويليه الثاني، والثالث ضعيف جدًّا؛ لأن الخطاب إنما هو للمنفق المسؤول لا للسائل الآخذ، والمعنى: أن قول المعروف له والتجاوز والعفو خير لك من أن تصدق عليه وتؤذيه. ثم ختم الآية بصفتين مناسبتين لما تضمنته، فقال: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]. وفيه معنيان:

стр. 70

أحدهما: أن الله غني عنكم، لن يناله شيء من صدقاتكم، وإنما الحظ الأوفر لكم في الصدقة، فنفعها عائد عليكم لا إليه . فكيف بمنفق يمن بنفقته ويؤذي بها مع غنى الله التام عنها وعن كل ما سواه؟ ومع هذا فهو حليم، إذ لم يعاجل المانَّ المؤذي بالعقوبة. وفي ضمن هذا الوعيد له والتحذير. والمعنى الثاني: أنه مع غناه التام من كل وجه، فهو الموصوف بالحلم والتجاوز والصفح، مع عطائه الواسع وصدقاته العميمة، فكيف يؤذي أحدكم بمنه وأذاه، مع قلة ما يعطي ونزارته وفقره؟ (١). * * *

стр. 71

٧ - قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البقرة: ٢٦٤]. فتضمنت هذه الآية الإخبار بأن المن والأذى يحبط الصدقة، وهذا دليل على أن الحسنة قد تحبط بالسيئة، مع قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢]. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في أول هذه الرسالة (١) فلا حاجة إلى إعادته. وقد يقال: إن المنَّ والأذى المقارن للصدقة هو الذي يبطلها دون ما يلحقها بعدها، إلا أنه ليس في اللفظ ما يدل على هذا التقييد، والسياق يدل على إبطالها به مطلقًا. وقد يقال: تمثيله بالمرائي الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر يدل على أن المن والأذى المبطل هو المقارن كالرياءِ وعدم الإيمان، فإن الرياءَ لو تأخر عن العمل لم يبطله. * ويجاب عن هذا بجوابين: * أحدهما: أن التشبيه وقع في الحال التي يحبط بها العمل، وهي حال المرائي والمانّ المؤذي في أن كل واحد منهما يحبط العمل.

стр. 72

* الثاني: أن الرياءَ لا يكون إلا مقارنًا للعمل؛ لأنه «فعال» من الرؤية. أي: صاحبها يعمل ليرى الناس عمله فلا يكون متراخيًا. وهذا بخلاف المن والأذى فإنه يكون مقارنًا ومتراخيًا، وتراخيه أكثر من مقارنته. وقوله: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ﴾ إما أن يكون المعنى كإبطال الذي ينفق، فيكون شبه الإبطال بالإبطال، أو المعنى: لا تكونوا كالذي ينفق ماله رئاءَ الناس، فيكون تشبيها للمنفق بالمنفق. وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي: مثل هذا المنفق الذي قد بطل ثواب نفقته: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ وهو الحجر الأملس. * وفيه قولان: * أحدهما: أنه واحد. * والثاني: جمع صفوانة. ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد، ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ وهو الأملس الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره. وهذا من أبلغ الأمثال وأحسنها، فإنه تضمن تشبيه قلب هذا المنفق المرائي- الذي لم يصدر إنفاقه عن إيمانٍ بالله واليوم الآخر- بالحجر لشدته وصلابته وعدم الانتفاع به. وتضمن تشبيه ما علِق به من أثر الصدقة بالغبار الذي علق بذلك الحجر. والوابل الذي أزال ذلك التراب عن الحجر فأذهبه بالمانع الذي أبطل صدقته وأزالها، كما يذهب الوابل التراب الذي على الحجر فيتركه صلدًا، فلا يقدر المنفق على شيء من ثوابه لبطلانه وزواله.

стр. 73

وفيه معنى آخر: وهو أن المنفق لغير الله هو في الظاهر عامل عملًا يترتب عليه الأجر، يزكو له كما تزكو الحبة التي إذا بذرت في التراب الطيب أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. ولكن وراءَ هذا الإنفاق مانع يمنع من نموه وزكائه، كما أن تحت التراب حجرًا يمنع من نبات ما يبذر من الحب فيه فلا ينبت ولا يخرج شيئًا (١). * * *

стр. 74

٨ - قال : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ [البقرة: ٢٦٥]. وهذا مثل الذي مصدر نفقته على الإخلاص والصدق، فإن ابتغاءَ مرضاته هو غاية الإخلاص، والتثبيت من النفس هو الصدق في البذل، فإن المنفق تعترضه عند إنفاقه آفتان إن نجا منهما كان مثله ما ذكر في هذه الآية: * إحداهما: طلبه بنفقته محمدة أو ثناءً أو غرضًا من أغراضه الدنيوية، وهذا حال أكثر المنفقين. * والآفة الثانية: ضعف نفسه بالبذل وتقاعسها وترددها، هل تفعل أم لا؟ فالآفة الأولى تزول بابتغاءِ مرضاة الله، والآفة الثانية تزول بالتثبيت، فإن تثبيت النفس تشجيعها وتقويتها والإقدام بها على البذل، وهذا هو صدقها. وطلب مرضاة الله إرادة وجهه وحده، وهذا إخلاصها. فإذا كان مصدر الإنفاق عن ذلك كان مثله كجنة وهي: البستان الكثير الأشجار، فهو مجتنّ بها، أي: مستتر ليس قاعًا فارغًا. والجنة بربوة - وهو المكان المرتفع- لأنها أكمل من الجنة المستفلة التي بالوهاد والحضيض؛ لأنها إذا ارتفعت كانت بمدرجة الأهوية والرياح، وكانت ضاحية للشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها، فكانت أنضج ثمرًا وأطيبه وأحسنه وأكثره. فإن الثمار تزداد طيبًا وزكاءً بالرياح والشمس، بخلاف الثمار التي تنشأُ في الظلال.

стр. 75

وإذا كانت الجنة بمكان مرتفع لم يخش عليها إلا من قلة الشرب. فقال : ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وهو المطر الشديد العظيم القطر فأدت ثمرتها، وأعطت بركتها، فأخرجت ضعفي ما يثمر غيرها أو ضعفي ما كانت تثمر، بسبب ذلك الوابل. فهذا حال السابقين المقربين. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وهو دون الوابل، فهو يكفيها لكرم منبتها وطيب مغرسها، فتكتفي في إخراج بركتها بالطل. وهذا حال الأبرار المقتصدين في النفقة وهم درجات عند الله. فأصحاب الوابل أعلاهم درجة، وهم الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًّا وعلانية، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وأصحاب الطل مقتصدوهم. فمثَّل حال القسمين وأعمالهم بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يوجب زكاءَ أكل الجنة ونموه بالأضعاف، فكذلك نفقتهم -كثيرة أو قليلة - بعد أن صدرت عن ابتغاءِ مرضاة الله والتثبيت من نفوسهم فهي زاكية عند الله نامية مضاعفة. واختلف في الضعفين، فقيل: ضعفا الشيء مثلاه زائدًا عليه، وضعفه مثله. وقيل: ضعفه مثلاه وضعفاه ثلاثة أمثاله، وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله، كلما زاد ضعفًا زاد مثلًا. والذي حمل هذا القائل على ذلك فراره من استواءِ دلالة المفرد والتثنية، فإنه رأى ضعف الشيء هو مثله الزائد عليه، فإذا ضُمَّ إلى المثل صار مثلين، وهما الضعف.
следующие страницы →