← История

История · id 14789

الفتح القسي في الفتح القدسي = حروب صلاح الدين وفتح بيت المقدس

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (312 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

خلاص أصحابنا، وعرفنا بنجاتهم انتظام أسبابها؛ سمحنا لهم في الحال، بصليب الصلبوت والأسارى والمال. وبقي الأمر واقفا إلى أن انقضى الأجل، وانتهى الترم الأول. وجاء الرسل وأبصروا الأسارى حضورا، والمال موزونا موفورا. وظنوا أن صليب الصلبوت قد أرسل إلى دار الخلافة فليس له وجود، فسألوا إحضاره وهم شهود. فلما أحضر، خروا له ساجدين، وأقروا به شاهين. وعرفوا أن الشرط بالوفاء مقرون، وأن الأداء بخلاص أسارنا مرهون. وظهرت علامات مكرهم، ولاحت أمارات غدرهم. وفي يوم الأربعاء العشرين من رجب أخرج الفرنج إلى ظاهر المرج خياما ضربوها. وخرج ملك الانكتير إلى خيمته. ومعه خلق من خيالته ورجالته. ذكر غدر ملك الانكتير وقتل المسلمين المأخوذين بعكاء وفي عصر يوم الثلاثاء سادس عشر رجب ركبت الفرنجية بأسرها، وخرجت من مستقرها، وسارت بخيلها ورجلها، وجحفلها وحفلها. وجاءت إلى المرج الذي تل العياضية وتل كيسان، ونفذ اليزك وأخبر السلطان، وركبت العساكر نحوها متسابقة متلاحقة، وشامت صوارم صادفة، وعزائم صادقة. وكان الملاعين قد أحضروا أسارى المسلمين في الحبال واقفين. وحملوا عليهم وقتلوهم بأجمعهم، والقوهم على مصرعهم. فحمل عليهم العسكر وهامهم، وضرب بأمواجه أمواجهم. وقتل منهم خلقا، وأوسع فيهم خرقا. واستشهد منا كردى حميدي وبدوي، وكلاهما من الموصوفين بالشجاعة وهو من ماء الرحمة على الكوثر روى. فلما انصرف العدو إلى خيامه، وركد الروع بمثار قتامه، شوهد المستشهدون بالعراء عريا، وإنما عروا ليكتسوا من حلل الجنان التي اكرمهم الله بها وشيا. ومضى الناس اليهم فعرفوا معارفهم، ووصفوا في سبيل الله مواقفهم. وما اكرمهم رجالا، أحسنهم في الشهادة والسعادة حالا. ولما غدر الفرنج بسفك الدماء، وهتك ستر الوفاء، تصرف السلطان في ذلك المال، وبسط فيه يد النوال. وأعاد أسارى الفرنج إلى دمشق لتعاد إلى أربابها، وترجع إلى أيدي أصحابها، فإنهم جمعوا من أهل البلد للحاجة اليهم، فلما استغنى عنهم ردوا عليهم. وأعيد صليب الصلبوت إلى الخزانة، لا لإعزاز؛ بل لإهانة. فإن غيظ الكفار بحفظنا للصليب شديد، والمصاب به عندهم على مر الجديدين جديد. وقد بذل فيه الروم ثم الكرج بذولا، وأنفذوا بعد رسول رسولا، فما وجدوا قبولا، ولا صادفوا سولا. وفي يوم الخميس الثامن والعشرين من رجب قوضت الفرنج خيمها وعبرت النهر، وقاربت البحر. وضربت بينهم الخيام، وأنبتت من الرماح المركوزة على سباعها وضباعها الآجام. فقيل للسلطان ما حركة القوم إلا لقصد عسقلان. فجاشت همومه، وعب عبابه، واجتمع بناديه لإجاله قداح الرأي أصاحبه، وسح سحابه، وصح حسابه.

стр. 247

وحكم فأحكم، وبرى فأبرم. واستشار وأسار، واستثار وأثار، واستورى زناد الآراء، وامترى مراد الأمراء. وقال: هذا العدو طغى واستكبر، وأصحى له الأفق وأفاق وأصحر. وقد تحرك بعد سكونه، وظهر بعد كمونه، وغرته عكاء فطمع في عسقلان، واسترق جانبنا الخشن الشديد عليه واستلان. وهذه جموعه بارزة، وكعوبه راكزة. وعوراته بادية، وثوراته عادية. ونكراته معروفة، وغدراته موصوفة. وكنا نقول إذا برز نبارزه، وإذا خرج نناجزه. وإذا فارق مكانه نتمكن من تفريقه، وإذا رطب الطريق نركب إلى طريقه. وإذا توجه إلى موضع أوضعنا إلى مواجهته، وأغرينا ألسنة الأسنة بمشافهته ومشافهته. والآن ألان الله لنا الشديد، وأدنى علينا البعيد، وأخرج العدو من الضيق إلى السعة، وأبرزه من وراء الأسوار والخنادق الممتنعة، وإن لم نلقه في طريق مسيره؛ ونجد في التدبير لتدميره؛ وصل إلى عسقلان فصار لنا منها شغل عكاء وأصعب، وحينئذ نتعب، وصدعنا بها لا يشعب. فقالوا: هو يسير بالبحر محتميا، وعن النهج منئيا، ويقصد الساحل الساحل، ويقتصر المراحل. والذي يلي الساحل في الطرق إما آجام وغياض غبقة متأشبة، وإما رمال وتلال ضيقة متكثبة. وهناك مواضع يمكن فيها مضايقته على المضايق، ومواقعته بالعوائق. فتقدم السلطان إلى علم الدين سليمان بن جندر، وأمير من أهل الخبرة آخر بالمسير إلى تلك المناهج، ومشاهدة ما لها من المخارج والموالج. وكشف المواضع التي يلقي فيها العدو، ويؤمل بمقاتلته فيها من الله النصر المرجو. فسارا ينفضان تلك المسالك، ويكشفان الأماكن التي تكون معارك، ونتخذها لمبار المرام مبارك، ولمدار المراد مدارك. وعادا وقد ظفرا بقاع وبقاع. وعينا على أماكن ومكامن، ومواطئ ومواطن. ووقع الإجماع على الاجتماع، على اللقاء والقراع. في مذاهب تعينت، ومسارب تبينت. وسهول عرفت، ومروت وصفت. وصمم العزم على أن الفرنج إذا ساروا سرنا على عراضهم، واستقمنا على جدد الجد في اعترائهم واعتراضهم. ذكر رحيل الفرنج صوب عسقلان ورحيلنا للقاهم وفي سحرة الأحد غرة شعبان، أضرم الفرنج في منازلهم النيران. واصبحوا على الرحيل والأصوات مختلطة بالصهيل. والأرض مضطربة، والسماء محتجبة. والقباب تقوض، والعياب تنفض. والجعاب تنثل، والهضاب تنقل، والذئاب تعسل. والزغف يفاض، والحتف يخاض. والخيل ترج، والسيل يمرج. وذوائب الذوابل تنشر، وأنياب النوائب تكثر. ولواء اللاواء يعقد، وضرام الضراء يوقد. والبيارق تخفق، والبوارق تأتلق. والدودو، والجوجو. وللحديد يتبوج، وللعديد تموج. وقد ثارت الجواء، وفارت الجأواء، ودجت الأضواء، ورجت الضوضاء. وسال الوادي، وعدت العوادي، وسار الأعادي. وعلم السلطان تدبيرهم، وعرف مسرهم، فرعدت كوساته، وغردت

стр. 248

بوقاته. وصاحت طبوله، وساحت سيوله، وانحبت ذيوله، واصطخبت خيوله. وبرقت لوامعه. وأشرقت طوالعه. ومضت عزائمه، وومضت صوارمه. وحلقت العقبان إلى مطار مطارده، وتألقت الخرصان في معاقل معاقده. وسار وأرضه جرد الضوامر، وسماؤه نسج الحوافر. في بحار سوابح يموج على شكائمها اللعاب، وغدران سوابغ كالزلال لمعه الحباب. ومجر ملتهب الجوانب، مشتعل القواضب، وقب معقودة السبائب، مقودة الجنائب، معصوبة الهوادي هادية العصائب. وعرب ملوية العمائم بالشهب، ملوثة البرود بالقضب. وترك كالأقمار في هالات التروك، ومماليك في حالات الملوك. وعتاق الوجوه على الوجيهيات العتاق، قد خلقوا للثبات مع قلق الأخلاق. وأعاجم على العراب، عضاب على هضاب. وكرد بحصون الدروع محتمين، وبقباب اليلب مستعصمين. في مسردة الحدق. تقهقر عنها اللهاذم. وتقهقه إذا فلت بها الصوارم. وجيش يصيب العدو ولا يصاب، ويعيب الأقران ولا يعاب. من كل ناصر للحق، على ضامر للسبق، خرق للنقع راقع لخرق، فاتق للرتق، راتق للفتق. معنق إلى الضرب ضارب للعنق. وفيلق همه فلق الهام، وجحفل ملتهم للجخفل اللهام. يحوي كل أغلب عبل الذراع، وأشم رحب الباع. خواض الكتائب، فياض القواضب. رواض الرعان، نضناض السنان، موار العنان، فوار الجنان. قائد الخيل، زائد السيل، رائد الليل. وهاجت العساكر، وماجت الزواخر، فزأرت القساور وأزهرت الزواهر. وتناحت جذبات الحديد وعذبات الحرير، واشبه سهك الماذي بعبيق العبير. وكانت نوبة اليزك في ذلك اليوم للملك الأفضل، وهو في نخبة الجحفل بدور ليل القسطل، وشموس يوم المحفل. فوقف لهم وقفا اثرهم، والهبهم بنيران النصال واسعرهم. وقطع طريقهم، وقصد تفريقهم وسطا على أوساطهم (ونادى بإيراد زناد ايراطهم). فانقطعت أواخرهم عن أوائلهم، وسدد سهام المنون إلى مقاتلهم. وأرهق إليهم الأجل. وأحرق عليهم العجل، وطرق نحوهم الوجل، وانهزم من تقدم ولحق الأول، وتعكس من تأخر وانخذل وانخزل. وأوقد نارا على أهلها مشعلة، وترك تلك الوقعة للمجاهدين الحاضرين مشغلة. ونفذ إلى والده يستنجده، حتى يسرع إليه مدده. ويقول: إن أمددت بالألإ ما أبقيت من هؤلاء واحدا، ومتى يتفق مثل هذه الفرصة لو أرى لي مساعدا. وترددت إلى السلطان رسل استنجاده واستمداده، وهو متحقق إنه لو ساعده القدر بالقدر لمرى در النصر على مراده، فسار من كان حاضرا من العسكر على عزم أنجاده وإسعاده. ثم قيل للسلطان ما كنا ركبنا بنية المصاف في هذه المرحلة، والناس قد سبقوا إلى المنزلة. وهناك عند قيسارية الحرب أمكن، والقلب إلى انهاز الفرصة أسطن. وأبطئوا عن الاصراخ، فآذن روع الفرنج بالأفراخ. وعرف ملك الانكتير بما تم على ساقته، وأن الذي وراءه في عاتقه. فصرف عنانه صرف عناده وعاد عاديا

стр. 249

بحماته، فحمى بمدده إمداده. والملك الأفضل قد بذل وسعه، وأوضح في الجد شرعه. وقتل من وصلت إليه يده، ولقد كان يضعف عدد الأعداء لو تضاعف عدده. وبقي يلتهف على ما فاته من الفرصة، وأعوزه من حصة تلك الحصة. فقد إنهاض بانتهاضه جناح الكفر، وكاد يفتح لارتجائه رتاج النجاح في النصر. ومن جملة من كان مع الملك الأفضل من خواص الأمراء والمماليك؛ سيف الدين يازكوج وعز الدين جوديك. واتفق قولهم على أن العدو كان قد أنكسر، وتبدد وتبتر. وأنه لو أتصل بهم مدد لم يبق من الأعداء أحد. ونزلنا تلك الليلة بلقيمون في الوقت الميمون. وعلى الساقة المنصورة لحفظ الأثقال لتؤمن على ما تخلف فيها من العدو الغارة؛ علم الدين سليمان وحسام الدين بشارة. ورحلنا يوم الاثنين ثاني شعبان ونزلنا بقرية يقال لها الصباغين، وبتنا بمنزلة يقال لها عيون الاساود. وأمر السلطان للمشورة بحضور أوليائه وأمرائه الاماجد الأجاود. والفرنج لما وصلوا إلى حيفا وقد وصل إليهم الحيف، وساق ساقتهم السيف؛ وخلصوا من نواجذ النصال؛ وانياب النبال؛ أقاموا بها حتى يندمل جريحهم، ويسريح طليحهم، وتهب بعد الركود ريحهم. وركب السلطان على الملاحة وهي بعد حيفا منزلة القوم، وكشف ما حولها بالحوم. وعرف هل عليهم منها مدخل، وهل يصاب منهم فيها مقتل. ثم عاد إلى منزلته وأقام بها يوم الثلاثاء وسير الأثقال إلى مجدل يابا ليلة الأربعاء. وأصبح راحلا، فما حل حباه بأرض إلا أحيا ماحلا. ونزل على النهر الذي يجري إلى قيسارية، وعسكره قد طبق تلك البرية. وكان العدو قد تحول إلى الملاحة، ومكث بها للاستراحة. وأقام السلطان بتلك الناحية، يتحول من رابية إلى رابية، ويرهف لقاء الفرنج بحضه وحثه كل عزيمة نابية. وأتى مرارا بأسارى خطفوا من مواقفهم، وقطفوا من منابتهم، وطرق الانكدار إلى ثواقب ثوابتهم. فأمر بإراقة دمهم، وإطاحة رممهم. وأخبره بعض الاسارى أنهم يوم رحلوا وصلوا إلى حيفا حيارى. وطرح منهم وجرح كثير، سوى من أخذ فهو الآن أسير. وهلكت بين عكاء وحيفا أربعمائة فرس، ونجوا منكم بأنفسهم على آخر نفس. ولو أنكم كبستم كسبتم، وأعريتموهم من الحياة لو أنكم بهم التبستم. فصل من كتاب إلى مظفر الدين بذكر ما جرى بعد الرحيل من عكاء إلى هذه الغابة لاستدعائه ولما فرغ العدو من شغل عكاء حسب أن (كل بيضاء شحمة)، وأن (كل سوداء فحمة). فرحل على صوب حيفا واقعا في حيفه، باحثا عن حتفه بظلمه. زاعما إنه على قصد عسقلان - خذله الله وخيبه - في قصده وزعمه، وهو حاصل منا على صده ورغمه.

стр. 250

وكان رحيلهم مستهل شعبان وملك انكتير قائدهم إلى البوار، ووافد أهل النار إلى النار، ولقيناهم من بواترنا بواتر التبار. وقد رحلنا في عراضهم اعتراضهم، وتعثيرهم في طريق انتهاضهم. ولقوا يوم رحيلهم من اليزكية الزكية كل نكاية فيهم شديد، وكل روعة لهم مبيدة. فإنهم قطعوا ساقة العدو عن اللحاق بمقدمته، وقلوا عن الحدة حد عزمته. وقتلوا خيلا وخيالة، وفوارس ورجالة. وقدروا وتمكنوا، وجرحوا فأثخنوا. وتهبوا وسلبوا وأخذوا رءوسا قطعوها، ووقذوا نفوسا قلعوها، وغنموا أقمشة وأسلحة، وحصوا من اللاحقين بهم قوادم وأجنحة. ونزلوا على نهر حيفا وقد تم عليهم الحيف، وتحكم في فلهم السيف. فأقاموا إلى هذه الغاية لمداواة جريحهم، ومواراة طريحهم، وإراحة طلبحهم وإثارة ما ركد من ريحهم، وقد رحلنا وسبقناهم إلى طريقهم، عازمين على تبديدهم وتفريقهم، وتشتيتهم أيدي سبا وتمزيقهم. فقد تمكنت بتأييد الله أيدي الأيد من سبيهم وقتلهم، والله يجمع شملنا لتفريق شملهم. وما يجدده الله لنا بعد هذا اليوم من غبطة؛ ولأعدائنا من عبطة، وإلا ونبادر ببشراه إلى المجلس لتقوى في نصرتنا عزيمته، وتشيم بارق التوفيق في مواقفنا شيمته، وتروض مواحل الآمال مع أوان الديمة الربيعية ديمته، ويغلو في سوق رواجه من الدين ما ظن إنه رخصت قيمته. وكيف لا يأخذ ذلك الكريم بثار الإسلام وقد سبيت من عكاء كريمته. وإذا تأمل عرف أن الخطب عظيم، وما لدفعه إلا العظيم، والهم مقيم، وما لرفعه إلا بأسه المقعد المقيم، وسيقضي دين الغريم الزعيم. وقعة قيسارية وفي غدوة الاثنين تاسع شعبان، جاء من أخبر برحيل الفرنج السلطان. وأنهم سائرون ثائرون، وعلى أجنحة الجرد طائرون، وحول رجالتهم بخيلهم دائرون. وهم في جمع لهام، وقد انقسموا ثلاثة أقسام. كل قسم راجله بخيله محفوظ، وبأعين القسمين الآخرين من خلفه وقدامه ملحوظ. وكان السلطان تقدم من الليل، بركوب الخيل. فركب في كل خواض للغمرات؛ فياض بالعومات، رواض لجامحات، نهاض بالجانحات. ملتثم في حومة أوغى، مضطرم بجمرة الظبا. على نزائع ينقلن الردى على صهواتها، وصواهل يقذفن الحمام من لهواتها، ويكشف الظلام بجبهاتها، ويبارين الصفاح بصفحاتها، وتعاسل الرماح بأعناقها وطلائها. وفيهم من رجال الحلقة المنصورة كل سابق إلى المنون على سابق، وكل نائق إلى المازق مازق. وكل طائر في الغبار على سابح وكل غابق بالنجيع صابح. في عراب متمطية بالعراب، ورقاق متخطية إلى الرقاب. وسار العدو وسرنا نبريه ونباريه، ونجتري عليه ونجاريه. والجالشية ترمى وتدمى، وتصمم وتصمى. وطيور السهام تقصد من الأحداق أوكارها، والأوتار تنشد بالأنان

стр. 251

أوتارها. وهم في لباس حديد سد على السهام المنافذ، واشتك النشاب فيهم فأشبهوا قنافذ. وكانت هناك بركة كبيرة، ومياهها غزيرة. وهم على عزم ورودها، والإحاطة بحدودها. فحلأناهم عنها، وأبعدناهم منها. وكان الحزم تركهم حتى يخرجوا إلى الفضاء، فيدخلوا من تمكننا منهم تحت حكم القضاء. لكنهم ارتابوا وارتاعوا، وطلبوا النزول بها فما استطاعوا. فانحرفوا إلى الساحل، وانصرفوا بالفارس والراجل. واجتمعوا سائرين، وساروا مجتمعين. وما زلنا نلزهم ونهزهم، ونحفزهم ونحزهم، حتى تمت مرحلتهم، وعمت مقتلتهم. وتثلمت لصفاح، وتحطمت الرماح، وأجرت الأنهار الجراح، وجرى بالارواح السماح. وحضر السلطان مع الجالشية، ناجح الإرادة نافذ المشية، ونزلوا على نهر يقال له: نهر القصب. وقد انصبوا إلى النصب. وما كانوا يرجون، وما كادوا ينجون. ولما نزلت بهم في مسيرهم النوازل نزلوا، وحين وليتهم نصالنا ومناصلنا انعزلوا. مقتل إياز الطويل واستشهد في ذلك اليوم؛ الهمام المقدام، الأسد الضرغام، الطاعن الضارب، الباسل السالب. الغضنفر الهرماس، الفارس الفراس، أياز الطويل. وطالما عرض في سوق الشهادة، وأقدم أقدام الساعي إلى السعادة، وكان إلى الصريخ أسمع منتصت، ولعطاس النقع أسرع مشمت، والى ضيف الحمام أسبق متلفت، ولسيف الإقدام أرشق مصلط. لا يروعه الروع إذا حفزته عزمته، ولا يهوله الهول إذا همت به همته. وهو أول من يركب وآخر من ينزل، ويدبر سواه وهو يقبل، ويسابق إلى المضار ولا يمهل. وهو أبدا يدعو إلى المبارزة، ويعود على المناجرة. ويقف بين الصفين علا صافته؛ ويرحل على مطايا الحنايا من بنات كنائنه؛ إلى مقاتل المقاتلين ظعائن ظغائنه. فما برز إليه إلا من برزت إليه منونه، وفاضت بالدم من عيونه. فكم كف للكفر كفها، وبكر للنصر زفها. وأنف للشرك جدعه، وذي أنف للفتك صرعه. ولبة للغضنفر ضبحت لثعالب رماحه، وطلية للمتغشمر طنت فيها أذبة صفاحه. وأجفان للأقران نبتت فيها أهداب سهامه، ووجوه للشجعان تفصلت في حساب حسامه. فلما جاءه الأجل ما أجل، ولكن إلى الجنة به عجل. فإن حصانه خانه وما صانه. فعثر به في حالة الإقدام، وجلا قمره في هالة الحمام، ولم يخف لثقل الحديد للقيام. وطعن وضرب، واتاه من الكوثر سلسبيله فشرب. ولما أدركه الأصحاب ألفوه وقد فات، ورافق في عليين الأحياء في سبيل الله لا الأموات. ونزلنا نحن بعد انقضاء الحرب على البركة، شديدي الشوكة، حديدي الشكة. ثم رحلنا ونزلنا على أعلى نهر القصب في أوله، وهو الذي نزل العدو في أسفله. وتقاربت ما بيننا تلك الليلة المسافة، وعندنا الأمن وعند العدو المخافة. ولما أصبح

стр. 252

السلطان يوم الثلاثاء مكث على الثبات والهدو، ينتظر ما يكون من خبر العدو. وأقام الفرنج على حالهم، لتعبهم وكلالهم، ولأسباب منها جراحاتهم، عدموا منها منهاج راحاتهم. وكذلك ما ملكهم من رعب الهلاك، والابتراك في الارتباك. وقعة لعز الدين بن المقدم وكان عز الدين بن المقدم في ساقة اليرك، مستيقظا للحفظ والدرك. فبصر بجماعة من الفرنج مقبلين، ركبوا بغير عدة مسترسلين، ولأخبار عسكرنا مستشرفين، وهم مما تم عليهم غير متخوفين. فعبر إليهم النهر من ورائهم، واستظهر عليهم في لقائهم. فقتل منهم عدة، ولقوا منهم شدة وأسر ثلاثة قبل أن ينالوا إغاثة. ثم ركب الفرنج إليه، وحملوا عليه. وكانت وقعة عظيمة، جلبت لنا غنيمة وعليهم هزيمة. وأحضر الأسارى عند السلطان، بحزام الذل والهوان. فأخبروا إنه جرح بالأمس منهم ألف، وسرى فيهم وهن وضعف. وقد جرى عليهم أمر عظيم، وبلاء مقعد مقيم. ورحلنا وقت الظهر، وعبرنا شعراء ارسوف في الطريق الوعر. ونزلنا وقت غروب الشمس بعد الخروج من تلك المذاهب، على قرية يقال لها دير الراهب. ومضى السلطان حريدة، إلى قرب ارسوف، وأطال هناك الوقوف. حتى رأى أرضا في طريق العدو تصلح للقائه، والاحداق به من أمامه وورائه. وأقام يوم الأربعاء في ذلك المنزل، والعدو في منزله الأول. ذكر اجتماع الملك العادل وملك الانكتير كان في اليزك علم الدين سليمان بن جندر، قد ظهر فيه وستظهر. فراسله العدو على أن يتحدث مع الملك العادل ويجتمع به، وينزل على أربه ويعرب عن مطلبه. فاجتمعا يوم الخميس على التأسيس. ثم تحدثا في الحوادث وعوادي الحروب العوائث. وأن السلم متعينة، والسلام فيها متبينة. والمصالحة مصلحة، والفئدة مترجحة. قال: وما جئنا إلا لإصراخ أهل الساحل، فوقعنا في الشغل الشاغل. فإن أصلحتموهم واصطلحتم استرحنا واسترحتم. فقال له الملك العادل: ما الذي فيه تحاور وله تحاول. فقال: رد البلاء برد البلاد، وسلوك مسلك الإسعاف والإسعاد. فقال العادل: هذا لا مطمع فيه، وهذا رسم باطل حقنا معفيه. ودون حدود البلاد حدود الحداد، وخلط القتام وخرط القتاد، وصرف عنان صرف العناء إلى المتصرفين بالعناد. وأدركه حكم الحمية والحفيظة، وغلى مرجل غيرته في الكلمات الكالمات الغليظة. وكان الترجمان بينهما هنفري بن هنفري، فلما سمع ملك الانكتير ما راعه، ما استطاع سماعه. وثار ثورة المحنق المحرق، وآل اجتماعهما إلى التفرق.

стр. 253

وقعة أرسوف لما عرف السلطان من أخيه الملك العادل ما جرى بينه وبين ذلك الطاغية، وأنه مصر على تلك المباغي الباغية، جمع يوم الجمعة وقت الإصباح الأصحاب واستحضر من أسد غابه من غاب. وأمر برحيل الاثقال، وأقام في رعيل الرجال. وركب في عجم أنجاب، وعرب على عراب، وكرد على جرد، وكل سابق على سابق ورد. على خيل من سماتها آثار الطعن، وعلى جبهاتها أنوار اليمن. بأكباد غلاظ على العدا، ورقاق حداد على الطلى. ونبال مصمية لبان المصمم، ورماح لدن لدنها ضغم الضيغم المعلم. فأقام العدو بسواد قومه بياض يومه، وبات وقد فارق جفنيه غرار نصله ونومه. فلما أسفر صباح السبت رابع عشر شعبان، ركب العدو على صوب ارسوف؛ وقد ضم الرجال والفرسان. وهو سائر في ليل حالك، وسيل سالك، وخيل عالك، وحزب الشيطان، وحرب الإيمان، وأصحاب الجحيم، وأقطاب الضلال البهيم. وخطاب الخطوب، وانداب الندوب. وكفاة الكفاح، وصفاة الصفاح. وأجناس الكفار، وأنجاس الداوية وأرجاس الاسبتار. وكل غيران غير وان وأفعوان معتقل أفعوان، وكل ارققم في جلد أرقم، وكل أزرق أشقر على أدم. فأحدقت به أحلاف عساكرنا إحداق النار بالحلفاء، ونقلت بنسور ضوامرها الأرض إلى السماء. وخاضت الغمرات، وأفاضت الجمرات، وأفاظت المهجات. وشبت نيران الهنديات، وأهبت رياح العربيات. وألهبت شعل اليمانية، وألهت بها مقل الفرنجية. وجال عليهم في الجاليش، الترك على الاكاديش. وأحدقت سهامها كالأهداب بالأحداق، وبرزت بيضها لمعانقة الأعناق. ولمع شرار النصال في دخان العجاج، وخرقت بنات الحنايا الخرق حجاب الحجاج، وأفضى فيض بنابيع النبع إلى اعجال الاعلاج. فإن الفرنج أغذوا في سيرهم وجدوا، واحتدموا واحتدوا وامتدوا. وقربت منهم الاطلاب، واختلط بهم الأصحاب، وتعانقت الرقاق والرقاب، وأحرج القوم وتقطعت بهم الأسباب. وقربوا من ارسوف وقد لاقوا منا الحتوف والخسوف. وضاق خناقهم، وحاق بهم إرهاقهم. ونشبت الجاليشية فيهم بالنشاب، وشبت نيران المرهفة في أولئك الاوشاب. فاحتملوا في جلودهم الجرح، ومن اجلادهم الطرح. ووجدوا الموت الغالي مسترخصا، وأيقنوا بالدمار ولم يجدوا مخلصا. وعرفوا أن البلايا عليهم متصلة غير منفصلة، وأن قواهم لما فوق ما لقوه من النكاية غير محتملة. فحملوا على الاطلاب المنصورة حملة زحزحتها عن مواضعها وكادت تحتلها شوارع القنطاريات عن مشارعها. لكنها تحيزت إلى القلب المنصور، وفازت من وجوه النصر بالسفور. واستشهد في تلك الفورة الثائرة، والثورة الفائزة، سعداء استقبلوا بالأسنة الأسنة، وأجابوا دعوة الله بأن لهم الجنة. فما صرعوا حتى صرعوا، ولما أشرعت إليهم الرماح أشرعوا. ثم كرت عليهم نخب الرجال كرة أردتهم وردتهم، وصدفتهم عن الاستنان في جدد تلك الحملة

стр. 254

وصدتهم. وفرست منهم فوارس، وأتعست معاطس. وفرشت بالعراء لهم أشلاء، وأثخنوهم طعانا ورماء. فنزلوا في ارسوف وقد كسروا وخسروا، وقتل قوم منهم وأسروا. وفي ذلك اليوم ثبت على صدمة القوم الملك العادل - سيف الدين، وحمل في أصحابه أسد العرين. وسدد إلى نحورهم الشوارع، وقلع منهم قلائع. وثبت عسكر الموصل، وكذلك قايماز النجمي في موضعه الأول. وكانت العساكر في شعراء اشبة، وشجراء منتشبة. فلما رأى العدو اندفاع المسلمين قدامهم، لم يأمن رجعتهم وإقدامهم. فعاد وعبر ارسوف ونزل قريبا من الماء. وبات السلطان تلك الليلة على نهر العوجاء، وأقام العدو يوم الأحد في موضعه، منكوبا بتعب تبعه. ثم رحل يوم الاثنين سائرا إلى يافا، ليستدرك بها فارطه ويتلافى. ونازلتهم العساكر بالنوازل إلى أن نزلوا، وقطعوا طرقاتهم حتى وصلوا. فصل من كتاب السلطان إلى الديوان العزيز يشتمل على ذكر الوقائع المذكورة بعد الرحيل من عكاء ساروا في مواضع ما لليزك عليهم فيها سبيل، ولا لقداح القراع في مجالها مجيل. وعساكرنا تضايقهم في كل مضيق، وتطرقهم بالبلاء بل المنايا في كل طريق. وهم على البحر لا يفارقونه ومن المورد إلى المورد في كل مرحلة لا يتجاوزونه. فإن المياه قريب بعضها من بعض ومسيرهم بمقدار مسافة ما بين المنهلين، وإذا لزوا لم يبعدوا بين المنزلتين. وكانت لنا إلى هذه الغاية معهم في كل بقعة وقعة، وفي كل مرحلة مقتلة، وفي كل منزلة منازلة. وأولدناهم الردى في كل مورد، وقصدناهم بالشدائد في كل مقصد. وسبلنا حماهم للحمام في كل سبيل، وساء صباحهم منا في كل مغدى ومقيل. وطريقهم على البحر كلها مضايق وأجم ورمال، ومواضع لا يتسع فيها مجال ولا يتهيأ قتال. وكلما وجدنا فسحة ضايقناهم، وأرهفنا حدود العزائم والصوارم وأرهقناهم. وجرت معهم عدة وقعات كاد الكفر فيها يبور، ودائرة السوء على أهله بنا تدور، وماء أهل النار بفيض بأسنا عليهم يغور. ولولا إن الله تعالى قد أخر موعده في نصر أوليائه. وقهر أعدائه، لوقع الفرار من شغلهم، وشملت نعمته لنا بتبديد شملهم. فمنها: يوم رحيلهم عن عكاء أرهقتهم اليزكية، ونكأت فيها منهم الرمية بل المنية. وكان الود الأفضل يومئذ متولي اليزك، فتولى إسعار لهب المعترك. ووقف لهم في المضيق على الطريق، وباشر جمعهم بالتفريق. وقطع آخرهم عن أولهم، وعاق الساقة عن الوصول إلى منزلهم. وبتر وبتك، وفتك وهتك، وقتل وسفك، وطلب وأدرك. وعبر الفرنج نهر حيفا لما دهمهم من الأمر، واحتموا بالمنزل الوعر. ووصل عسكرنا وقد تمنعوا بالنزول، وتجمعوا في الوعور عن السهول، ولم يبق اليهم نهج للوصول. وأقام الفرنج في تلك المنزلة أياما، وقد نالت معاطسهم إرغاما. حتى

стр. 255

استجدوا عددا، واستنجدوا مددا، واستجدوا ممن وراءهم عددا. وأحكموا التدبير، واستأنفوا المسير. ومنها يوم انفصالهم عن قيسارية، وبرتهم الرماة، وبرتهم بالمبرية، وأنفذت إليهم رسل المنية. وقتلن منهم مقتلة جيدة، ولم تزل السهام إلى مقاتلهم مصوبة مسددة، إلى أن احتموا بالنزول، وحلوا عقد تلك البلية عنهم بالحلول. وقد قتلت من خيلهم عدة ألف رأس، لم ينفصل راكبها ألا وهو من ثوب النجيع كاس. ثم كانت المياه في طريقهم متقاربة المناهل، والمسافات غير متباعدة المنازل. فإذا لزوا بالمنازلة، ارتزوا إلى المنزلة. ولاذوا وهم أهل النار بالماء، وقادهم العجز عن الاحتمال إلى الاحتماء. ثم استقلوا منتصف شعبان سائرين على البحر بعادتهم وعاديتهم، شاكين في منعتهم، ممتنعين بشوكتهم وشكيتهم. والخيل تجري بهم جريان السيل، والراجل يلتف عليهم في مثل سواد الليل. العساكر الإسلامية جائلة في عراضهم، مائلة إلى اعتراضهم. موفقة في مرامها، مفوقة لسهامها، محرقة أهل الجحيم بضرامها. ولما نشب فيهم النشاب وأعجزهم؛ وأزعجهم وأحرجهم بكثرة النكاية فيهم وأرهجهم؛ كابروا وصابروا إلى أن وصلوا ارسوف، وقد شارفوا الخسوف، وقاربوا الحتوف. فحملوا بجمتهم حملة واحدة، وجاءوا كالسحاب بارقة وراعدة. واندفعت الاطلاب الإسلامية أمامها. ولم تثبت قدامها. حتى ابعدوا بجملتهم في حملتهم، وتفردوا بحركتهم في معركتهم. وظنها السلطان هزيمة، وبانت بالعاقبة إنها كانت عزيمة. فإن القلب المنصور ثبت فئة للمتحيز، وموئلا للمتفزز المتحرز. ووقف الأخ العادل ثابتا قلبه، نابتا طلبه. وكر عليهم في حزبه ذوي الحمية، والأنف والابية، والهمم العلية؛ كرة ردتهم وأردتهم، وصدفتهم عن بلوغ الغاية وصدتهم. فاستدركت ما فرط في النوبة من النبوة واستمسكت بما استأنفته في العزمة من القوة. وقتلت منهم كندا كبيرا، وعددا كثيرا، وعاد نظيم هامهم بالعراء نثيرا. ونزلوا بأرسوف، راغمي الأنوف. قد فل جندهم، وقتل كندهم. وهذا طاغوتهم الهالك بسيف سيف الدين، كان مطاع أولئك الملاعين، وإبليس تلك الشياطين والمعروف بسير جاك، واستمر حكمه، قبل وصول ملوك الإشراك. وتحت حكمه عدة كثيرة من القوامص والبارونية. ونفذ أمره على الداوية والاسبتارية. وكان من عظم شأنه، وفخامة مكانه؛ إنه يوم صرع قاتل دونه جماعة من المقدمين المحتشمين، فما قتل حتى قتلوا، ولا بذل روحه حتى بذلوا. وجزع ملك الانكتير لمصرعه، وفزع من ورود مشرعه. ونزلت العساكر الإسلامية على الماء وهو بعيد من مخيم الكفار، وخيمت عليه بحكم الاضطرار. ثم رحلوا وقصدهم العسكر فصادفهم بقرب يافا، وكل منهم استدرك بقصده إياها تلفه وتلافى. فجال دونهم لقدح منونهم مجيلا، ومن جمعهم بقمعهم مديلا، وعلى قومهم بوقمهم محيلا. حتى باسطهم في ميادينها، وخالطهم في بساتينها، ورابطهم بالأسود في عرينها وأسرى الحين إلى سراحينها. فما وصلوا المدينة إلا وقد تخطفوا من حولها، واستولى الرعب على قلوبهم من بأس الحرب وهولها، وخافوا من فريضة مسألة النكاية

стр. 256

وعولها. وما صدقوا كيف نجوا وافلتوا، وسكنوا فيها بنية الاستيطان ونثبتوا. وعلموا أنهم إن خرجوا أخرجوا، وان سلكوت هلكوا، وزعموا أنهم إذا صبروا ملكوا. ذكر ما اعتمده السلطان بعد دخول الفرنج إلى يافا رحل السلطان يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان ونزل بالرملة، واجتمعت الأثقال كلها به في تلك الرحلة. ورحل ليلا واصبح على (يبنى)، وجاوزها إلى نهر أمر أن الخيام به تبنى. وزرنا بيبنى قبر أبي هريرة رضوان الله عليه، وتبادر الناس للتيمن به إليه. ورحل ونزل بظاهر عسقلان بعد العصر، وشرع فيما عزم عليه من الأمر. ذكر خراب عسقلان لما نزل بالرملة أحضر عنده أخاه العادل وأكابر الأمراء، وشاور في أمر عسقلان ذوي الآراء. فأشار علم الدين سليمان بن جندر بخرابها للعجز عن حفظها على ما بها. ووافقه الجماعة، وقالوا: قد ضاقت عن صونها الاستطاعة. فإن هذه يافا وقد نزلوا بها وسكنوا فيها، مدينة بين القدس وعسقلان متوسطة، ولا سبيل إلى حفظ المدينتين، ولا تفي الحال بحماية البلدين، فإن كل واحد منهما يحتاج في حفظه إلى عشرين ألف مقاتل، والى الاستكثار لأجل ذخائره من كل حاصل. فانظر إلى أصوب الرأيين فقدمه، وأبصر أخطر الداءين فاحسمه، واعمد إلى أشرف الموضعين فحصنه وأحكمه، وتيقن أن عسقلان إذا وصلوا إليها وهي سالمة تسلموها، واستظهروا بها وأحكموها. وتقووا بها على سواها، وبلغوا من بغيتهم وبغيهم إلى منتهاها. واقتضت الآراء، إقامة الملك العادل بقرب يافا مع عشرة من الأمراء. حتى إذا تحرك العدو كانوا منه على علم، ومن قصده على عزم. ووصل السلطان إلى عسقلان، وشرع في هدمها بكرة يوم الخميس تاسع عشر شعبان. ولو حفظت لكان حفظها متيقنا، وصونها ممكنا، لكن وجد كل له متجنبا متجبنا. وقد راعتهم نوبة عكاء وحفظها ثلاث سنين. وعادت بعد ذلك بمضرة المسلمين. وقال من تعلل واعتذر عن دخولها؛ وحل عقد عزمه عن حلولها: تدخلها أنت أو أحد أولادك؛ فندخلها اتباعا لمرادك. فحينئذ لم يجد بدا من نقض أسوارها، وغض أنوارها، وفض سوارها، وتعفية آثارها، وتطفية نارها. ولو كان وقع الاعتناء بابتنائها؛ مذ يوم فتحها واقتنائها؛ لما تطرق إلى أيدها خلل، ولا إلى يدها شلل، ولا إلى حدها فلل، ولا إلى ودها ملل. وقد كنت ركبت إليها وطفتها، واستحسنتها واستلطفتها. ورأيت سورها قبل فصم سواره، ونورها قبل ذبول نواره. فما رأيت أحسن منها ولا أحصن، ولا أحكم من مكانها ولا أمكن. وسكانها كانوا في رفاهية، فانتقلوا منها على كراهية. وباعوا أنفس الاعلاق بأبخس الأثمان، وفجعوا بالأوطار والأوطان. وساءت اسواؤها، ونأت أنواؤها، وأناخت لأواؤها، وباخت أضواؤها. وسمع غناء المعاول في مغانيها المعولة، ورئيت دائرة الزلزال في دورها المتزلزلة.

стр. 257

وناحت تلك النواحي، ومسحتها المساحي. وجرفتها المجارف، وأخافتها المخاوف، ونكرتها المعارف، وبهرجتها الصياف، ونعتها النواعب، ونابتها النوائب، ونزلتها النوازل، وغالتها الغوائل. وسفتها السوافي، وعفتها العوافي. وخلت مدارس آياتها من التلاوة، وتخلت مجالس مكرماتها عن الطلاوة. وصوحت مجاني مبانيها، وطوحت معاني مغانيها، ودجت مجالي معاليها، وعادت مقاوي مقاربها. ووقفت على طلولها واستوقفت، وأسيت عليها وأسفت، وتلهبت وتلهفت، وشاهدتها وقد حسرت وحفيت، ومحى سني محاسنها وخفيت. وبكيت تلك الربوع، وأهديت لسقياها الدموع. فلقد أصيب الإسلام بعروسها، وعبست الوجوه لعبوسها، حين ثار نقع بوسها. فلما خلت مساكنها من سكانها؛ وتخلف بالبيوت رماد نيرانها، رحل السلطان يوم الثلاثاء ثاني شهر رمضان ونزل على يبنى، بعد أن ترك سور عسقلان وقد تعذر أن يبني. ونزل يوم الأربعاء ثالث الشهر بالرملة، وتفضيل جميلة باد على التفصيل والجملة. وأمر بتخريب حصنها وتخريب (لد)، وبذل في ذل كل في ذلك الجهد. وركب جريدة إلى البيت المقدس، واتاه يوم الخميس، وأعاد إليه رسم التأنيس وخرج منه يوم الاثنين ثامن شهر رمضان بعد الظهر، وبات في بيت نوبة، وقد نال بما رتبه من مصالح القدس المثوبة. وعاد إلى المخيم يوم الثلاثاء ضحوة، وقد أكمل من كل ما رامه حظوة. وفي يوم الاثنين ثامن شهر رمضان، وصل صاحب ملطية معز الدين قيصر شاه بن قليج ارسلان، ملتجئا من أخيه وأبيه إلى السلطان. فتلقاه الملك العادل، وجاءته منه الفواضل. وأقام في الخدمة السلطانية مدة، واستجد بها جدة، وقوة وشدة. واستظهر بالمصاهرة، وقوى منها بالمضافرة. فإنه تزوج بابنة العادل، وعاد بتاريخ مستهل ذي القعدة ناجح الوسائل. وفي هذا التاريخ وهو الاثنين خرج ملك الانكتير في خيالته متنكرا، ليكون لحشاشة لهم وحطابة مخفرا. فخرج عليه الكمين، ونشب به اللعين. وجرى قتال عظيم، وكان لأصحابنا موقف كريم. وكاد الملك يؤخذ ويوقذ والطعن في لبته ينفذ. ففداه فارس من أصحابه بنفسه، وشغل طاعته بما عليه من حسن لبسه. فاشتغل به وأسره، وأفلت اللعين وأخفى أثره. وقتل وأسر من خيالته جماعة، وانهزموا من أمر تلك الكرة الخاسرة وقلوبهم مرتاعة. وجرت أيضا يوم الجمعة ثاني عشر الشهر، حرب بين اليزكية وبين أهل الكفر، سفرت لنا بها وجوه النصر. وقتل مقدم لهم معروف، بالشجاعة موصوف. ورحل السلطان يوم السبت ثالث عشرة، ونزل على تل عال عند النطرون، وهي قلعة منيعة معجبة للظنون والعيون. فأمر بهدها وهدمها، وفل غربها وثلمها. وأشاع بها الاقامة، وأفاض فيها على العسكر الكرم والكرامة. وتمكن الناس هناك من الاحتياط على الأثقال، وإنفاذ الجمال لنقل الأزواد والغلال.

стр. 258

فصل من كتاب إلى الديوان العزيز في وصف مطاولة الحروب والجراح وفناء الخيل والعدد والسلاح قد نهك العسكر طول البيكار، وأنضاه قتال الكفار بالليل والنهار. لاسيما في هذه السنين الأربع، فإنه لم يعرج فيها عن مباشرة الحروب ومغامرة الكروب على مصيف ولا مربع. ولاشتا ولا صاف، إلا حيث صف العدو وصاف. وقد تكررت عليه الزحوف، وتعثرت به الحتوف، وتفللت منه السيوف، وتحلحلت به الصفوف، وتمخضت بآحاده الألوف، وتمحضت لجني بيضه وسمره من ورق الحديد الأخضر القطوف. حتى سئم ومل، وضجر وكل، وكم عقد عزمه وحل، وأنهل نصله من دم الكفار وعلى، وأمل النصر فقال عسى ولعل. وأما خيوله فقد أجهدها الجهاد، وأنضاها الطراد، وفرى جلودها الجلاد، وعزت منها لكثرة الجراح الجياد، وأعادت شهبها كمتا حدود البيض الحداد. وحيث داخلها الرعب من خروج الجروخ للجروح؛ وتفريق السهام منها بين الجسم والروح، صارت تنفر من رنة الحنية، وأنة المبرية. كأن عندها للأوتار أوتارا، ولطائرات النصال في لباتها أوكارا. أو كأنها لما رأت أنها تباريها في المطار؛ وتجاريها في المضمار؛ ثارت لإدراك الثار، وهذا سبب ما حدث من النفار، وما عادت الآن تدخل على راجل الكفار. وأما العدد فقد فقدت بالكلية وعدمت، وتكسرت وتحطمت، وتقصفت وتقصبت وتقصمت، وقلت قبل المقاتل بها وفي يد من استشهد استشهدت. وأما النشاب فإنه قد فنى، بعد أن اتخذ من أخشابه جميع ما وجد واقتنى. وقد عدمت أشجاره في منابتها، وأعوزت أخشابه من مناحتها. ونفضت الكنائن، وانفضت منه ومن كل ما يذخر الخزائن. وما تبرح الصناع في الممالك بمصر والشام؛ وما يجري معها من بلاد الإسلام، يبرون ويريشون، وينصلون ويعملون، ويكلمون ويحملون. واحتيج في هذه السنين التي استمر فيها القتال، إلى أحمال كثيرة لا يفي بها الصناع ولا يرفعها العمال. وحسبها أن نصولها أعدمت من حديدها المعادن، وخلت من ذخائرها الأماكن. هذا والخادم قائم بأداء هذا الفرض وحده، مسترهف في قطع دابر المشركين غرب عزمه وحده. وما استمر على مساعدته، وموازرته ومعاقدته، إلا صاحبا الموصل وسنجار، وكلاهما عن سنن الإسعاف والإسعاد ما جار. فهو يحضر تارة بنفسه وآونة بولده، ويستمر من جد المؤازرة على جدده، ويواظب بعدده وعدده، ومدده في مطاولة مدده. ذكر ما تجدد لملك الانكتير من المراسلة والرغبة في المواصلة وصلت رسل ملك الانكتير إلى العادل بالمصافحة على المصافاة، والمواتاة في الموافاة، وموالاة الاستمرار على الموالاة، والأخذ بالمهاداة، والترك للمعاداة. والمظاهرة بالمصاهرة. وترددت الرسل أياما، وقصدت التئاما، وكادت تحدث انتظاما. واستقر تزوج

стр. 259

الملك العادل بأخت ملك الانكتير، وأن يعول عليهما من الجانبين في التدبير. على أن يحكم العادل في البلاد، ويجري فيها الأمر على السداد. وتكون المرأة في القدس مقيمة مع زوجها، وشمسها من قبوله في اوجها. ويرضى العادل مقدمي الفرنج والداوية والاسبتار ببعض القرى، ولا يمكنهم من الحصون التي في الذرا. ولا يقيم معها في القدس إلا قسيسون ورهبان، ولهم منا أمان وإحسان. واستدعاني العادل والقاضي بهاء الدين بن شداد؛ وجماعة من الأمراء من أهل الرأي والسداد؛ وهم: علم الدين سليمان بن جندر وسابق الدين عثمان وعز الدين بن المقدم وحسام الدين بشارة، وقال لنا: تمضون إلى السلطان، وتخبرونه عن هذا الشأن. وتسألونه أن يحكمني في هذه البلاد، وأنا أبذل فيها ما في وسع الاجتهاد. فلما جئنا إلى السلطان عرف الصواب، وما أخر الجواب. وشهدنا عليه بالرضى، وحسبنا إنه كمل الغرض وانقضى. وذلك في يوم الاثنين تاسع عشري رمضان. وعاد الرسول إلى ملك الانكتير لفصل أمر الوصلة، وإراحة الجملة وإزاحة العلة. واعتقدنا أن هذا لمر قد تم، ونشر انضم، وصلاح عم، وصلح اذم، وحكم مضى، واستحكم به الرضى. وإن الأنثى تميل إلى الذكر، وتزيل وساوس الفكر. وأن بركوب الفحل، النزول على الذحل وأن الشَكر يجلب الشُكر، ويبدل بالعرف النكر. وأن الوقاع يؤمن من الوقائع. وأن القراع ينقضي بانقضاض القارح القارع. وأن الحرب بكسر الحاء وحذف الباء سلم. وأن عزم العرس في العسر يسر وغنم. وأن هذا الأخ لتلك الأخت كفو. وأن هذا العقد للخرق المتسع رفو، وأن الكدر يعقبه صفو. وأن التزويج ترويج، وتقويم لما فيه تعويج. وشاع الذكر، وضاع النشر، وذاع السر. وبلغ الخبر إلى مقدميهم ورءوسهم، فقصوه على قسوسهم، وعسروا على عروسهم. فجبهوها بالعذل واللذع، (وأنجهوها بالقدع) والقذع. وقالوا لها: كيف تفجئيننا بأفجع ملم مؤلم، وتسلمين بضعك لمباضعة مسلم. فإن تنصر تبصر، وأن تسرع فما تعسر. وإن أبى أبيناه، وإن أتى أتيناه، وأن خالف خالفناه، وإن حالف حالفناه. وأي وجه هاهنا للائتلاف، ونحن لاختلاف الدين ندين بالخلاف. فرهبت بعد ما رغبت، وبطلت بعد ما طلبت، وسلت بعد ما سألت، ونزت بعدما نزلت، وكرهت وكانت شرهت، وكانت اكتحلت فودت إنها مرهت. فأرسلت إلى الرسول، وأقبلت عليه بالقبول. ثم تصلبت في القسم وأقسمت بالصليب، أنها مجيبة إلى التقرير والتقريب. وأنها مسارعة إلى التمكين، لكن بشرك الموافقة في الدين. فأنف العادل وعدل عن استئناف الحديث، وأبى الله أن يجمع بين الطيب والخبيث. اعتذر الملك بامتناع أخته، وأنه في معالجتها وتعرف رضاها في وقته. وكان قد استقر مع تمام العهد؛ وانتظام العقد؛ مفاداة كل أسير بأسير، كبير بكبير، وصغير بصغير. وبشر أولياء الطاغوت، بصليب الصلبوت. فبطل التدبير، وعطل التقدير، وذلك ثاني يوم العيد.

стр. 260

وفي يوم العيد وهو الثلاثاء؛ أعد السلطان من الليل خلع الأكابر حتى سارت إليهم بكرة، واحدث بحسن احتبائه لكل عين وقلب قرة ومسرة. ثم استدعاهم إلى سماطه، ونشر لهم بساط نشاطه. وجلس الملك معز الدين قيصر شاه بن قليج ارسلان عن يمينه، وأعزه بتقريبه وتمكينه. ويليه حسام الدين خضر أخو صاحب الموصل، ولسمو منزلته دنو المنزل. وعلاء الدين - ابن أتابك الموصل - عن يساره، وهو يؤثره باختصاصه ويخصه بإيثاره. ومجاهد الدين يرنقش مقدم عسكر سنجار جالس، والأكابر كلهم هناك في منزلته منافس. ثم تفرق الناس بأنس جامع، وعرف شائع، وعرف ضائع. ذكر نزول السلطان جريدة بالرملة ليقرب من العدو ومواقعته له في كل يوم تواتر الخبر بأن الفرنج على عزم الخروج، وانهم على الاجتماع في تلك المروج. فسار يوم الاثنين سابع شوال، وقد أركب العسكر للقتال. فلما بلغ قبلي كنيسة الرملة، جميل الحال حالي الجملة؛ خيم وبات، ونوى البيات والثبات. وجاء الخبر في غد؛ بأنه خرج العدو إلى يازور في أوفر مدد. وتسارع العسكر اليهم، وتكاثروا عليهم، وقربوا من خيامهم، واخذوا عليهم من ورائهم وأمامهم. وناشبوهم بالنشاب، وكاثروهم بالأوباش والأوشاب. فركب الفرنج اليهم ركبة، أوجبت رهبة. وحملوا على الناس حملة واحدة، وحلت عجاجة عليهم عاقدة. فاندفعوا بين أيديهم، فأدركوا ضعافا طمعوا فيهم. وفقد من المسلمين ثلاثة بالشهادة، وكانت مسعاتهم إلى السعادة. وكذلك في كل يوم يركب السلطان ما يخلو من وقعة، ولابد للكفار فيها من صرعة. ذكر وقعة الكمين وفي ليلة الأربعاء سادس عشر شوال أمر السلطان رجال الحلقة المنصورة بأن يكمنوا في جهة عينها في المواضع المستورة. فكمنوا وأمنوا، وصبروا وانتظروا. وخرجت الفرنج للاحتشاش، وباشروا عثار انحصارهم في الاصحار بالانتعاش. ولقيتهم إعراب على عراب، بصوارم في أيمانهم كأنها بروق في سحاب. فركبت إليها من الخيام، ورحبت في ترحيب صدورها بصدور الحمام، فاندفعت العرب أمامها، وحققت انهزامها. وما قدرت على قصد موضع الكمين، لانسداد الطريق. بالآساد الشم العرانين دون العرين. فمرت العرب في جانب، والكمين في جانب. والخيل تركض بسالب من سالب، وناهب من ناهب. ونجا العرب، وفاتهم الطلب. وحضروا بأسارى ونهاب، وأفراس وأسلاب. فأما أصحابنا في الكمين؛ فإنهم ابصروا الفرنج ناهضين، وفي المعترك راكضين، فخرجوا على ظن انهم على قصدهم، فلما بصروا بهم نشبوا بردهم عن وردهم. وركضوا إليهم على بعد، فأتعبوا الخيل بما جدوا فيه من إحضار وشد.

стр. 261

ووصلوا إلى الفرنج والجياد قد رزحت، والقوى قد نزحت. فاضطروا إلى القتال وقاتلوا على الاضطرار، وقتلوا جماعة من كفاة الكفار، واستشهد ثلاثة من المماليك الخواص الكبار، وهم: (إياز المهراني)، و (جاولي الغيدي)، و (صارو)، وسروا في جنات النعيم بما إليه صاروا. وأسر من الفرنج فارسان معروفان، وأحضرا عند السلطان. وانفصلت الحرب وقت الظهر، وعاد حزب الإسلام عن حزب الكفر. وجلس السلطان والقلائع تعرض عليه، والخيل تقاد إليه، والأسارى يحضرون بين يديه. وأخوه العادل عنده جالس، وكلاهما لأخيه مؤانس. ذكر اجتماع العادل بملك الانكتير وفي يوم الجمعة ثامن عشر شوال، ضرب الملك العادل بقرب اليزك لأجل ملك الانكتير ثلاث خيام. وأعد فيها كل ما يراد من فاكهة وحلاوة وطعام. وحضر ملك الانكتير وطالت بينهما المحادثة، ودامت المثافنة والمنافثة. ثم افترقا عن موافقة اظهراها، ومصادقة قرراها. ومضى الملك واستصحب معه الكاتب العادلي المعروف بالصنيعة، ليتفقد الأسارى الذين بيافا، ويتدارك أمرهم ويتلافى. وكان قد وصل صاحب صيداء من صور برسالة المركيس، وأنه يرغب في سلوك نهج التأنيس. وأن يكون لسلطان مصالحا، وله على الطاعة مصافحا. حتى يقوي يده على ملك الانكتير، ويتفرد هو بالملك والتدبير. وعرف ملك الانكتير بالحال، فوصل رسوله أيضا بالاحفاء بالسؤال. ومضى العدل مع صاحب صيداء إلى المركيس على شرائط قررت، ونسخ أيمان حررت. وأما مراسلة الملك فلم تسفر عن المقصود، ولم يجر من تلونه إلا على المعهود. وكلما ابرم عهدا نقضه ونكثه، وكلما قوم أمرا عكسه وعلثه وكلما قال قولا رجع عنه، وكلما استودع سرا لم يصنه. وكلما قلنا يفي؛ خان، وإذا خلنا إنه يزين، شان، وعن كل خزي أبان. وفي يوم الأحد سابع عشر شوال عاد السلطان إلى المخيم بالنطرون، وأقام على الثبات والسكون. وفي يوم الخميس مستهل ذي القعدة سار ابن قليج ارسلان صاحب ملطية مودعا، وركب السلطان وسار معه مشيعا. وعقد له على ابنة الملك العادل بصداق مائة ألف دينار، ومضى وقد حصل على ذخائر من استبشار وافتخار، واستنصار، ويسر ويسار. ورحل الفرنج يوم السبت ثالث ذي القعدة وتقدموا إلى الرملة ونزلوا بها، وخيموا في أقطارها وسهوبها. ولم نشك في أنهم على قصد القدس بأهل الرجز والرجس. وأقام السلطان في كل يوم له سرايا، للكفر منها رزايا. ولنا كل يوم وقعة شديدة، وفتكة بالكفر مبيدة. وما يخلو يوم من أسرى تقاد، وغنائم تستفاد. ثم توالت الأمطار، وتوعرت السهول وتوحلت الأوعار. فعزم على الرحيل، وأمر بالتحويل.

стр. 262

ذكر الرحيل إلى القدس يوم الجمعة الثالث والعشرين ذي القعدة وركب السلطان يوم الجمعة والغيث نازل، والنصر شامل، وفضل الله متواصل. ونحن معه سائرون، ومن بركة الجهاد إلى بركة القدس صائرون. والقاضي بهاء الدين بن شداد يسايرني وفي مسألة من الخلاف يباحثي ويناظرني؛ حتى وصلنا إلى القدس قبل العصر. وقد نشر للسلطان لواء النصر. ونزل بدار الاقساء المجاورة لكنيسة قمامة، ونوي بها الإقامة. وشرع تحصين المدينة، لتحصيل السكينة. وصلى يوم الجمعة مستهل ذي الحجة في قبة الصخرة. وضجت الألسنة في الدعاء له بالنصرة. وفي يوم الأحد ثالث ذي الحجة؛ وصل حسام الدين أبو الهيجاء من مصر؛ بعسكر مجر. وتبعه بعد ذلك العساكر المصرية. ووصل الخبر ينزول الفرنج بالنطرون، وآذن ذلك بتزاحم الأفكار، وتراجم الظنون؛ وتزايل السكون. وجرت يوم الخميس سابع الشهر وقعة ، تم على العدو بها صرعة. فإن السلطان نفذ تلك الليلة إلى اليزك قريب بيت نوبة؛ عدة من الفرسان مجردة لم يستصحبوا إلا حصنهم المجنوبة. فوقعوا على سرية للفرنج فاستأصلوها، وأسروها وقتلوها. ووصلوا بزهاء خمسين أسيرا إلى القدس، وعاد ذلك منا ببرد القلب وطيب النفس. وكانت بشرى عظيمة، ونعمى كريمة، وحسنى عميمة. وكذلك سابق الدين صاحب شيرز، ومن معه من العسكر. واقعهم يوم العيد فقتل من مقدميهم ستة وأسر أربعة، وترك بالمعركة منهم مصرعة. وكسب منهم خيلا، وكسبهم ويلا. يوم عيد الأضحى بالقدس كانت الوقفة بمكة يوم الجمعة في هذه السنة، وتضاعفت للحجيج الحسنة على الحسنة. غير أن العيد بالقدس كان يوم الأحد، فلم ير ليلة الخميس الهلال أحد. ونصب السلطان خارج قبة الصخرة الخركاة الخاص، وصلى الناس في القبة العيد وملئوا حواليها العراض. ثم أنصرف السلطان وقد بر عمله، ودر أمله، ووفر أجره، وأسفر فجره. وقعة في يوم الجمعة خامس عشر ذي الحجة؛ أغار على طريق الفرنج بالرملة سيف الدين يازكوج وعلم الدين قيصر، وكلاهما يجد في الجهاد ولا يقصر. وأخذا غنائم وأموالا، وساقا خيلا وبغالا، وكسبا أحمالا وأثقالا. وأسرا ممن كان مع القافلة ثلاثين، ووقفوا بين يدي السلطان على ركب الذل جاثين؛ وتوالى على الفرنج النهوض والنهوب، وكثرت منهم الكسوب، واستعرت فيهم الحروب، وزادت الكروب. وضاقت عليهم الأرض، واستولى على عقود عزائمهم النقص. ورأوا أنهم قهروا فقهقروا، وأحاط بهم البلاء من الجوانب فما صبروا. ورحلوا إلى الرملة عائدين،

стр. 263

وبالسهول من الحزن عائذين. فإن الثلوج دامت على أولئك العلوج. وصدتهم عن الدخول والخروج ونزلت بهم النوازل في تلك المنازل، فنفروا راحلين إلى السواحل. وذلك في يوم الخميس الثامن والعشرين من ذي الحجة؛ فطابت قلوبنا بما وضح في النصر من المحجة، وثبت للحق على الباطل من الحجة. ذكر ما اعتمده السلطان في عمارة القدس وحفر خندقه وتجديد سوره وإعادة رونقه وفي هذا اليوم وصل من الموصل جماعة من الحجارين، وعدتهم خمسون رجلا، إذا اجتمعوا قطعوا جبلا. وقد سيرهم صاحب الموصل إلى القدس، للعمل في الخندق وتعميق الحفر، والقطع في الصخر. وقد سفرهم بنفقة، وجعلهم من الإحسان على ثقة. وأصحبهم بعض حجابه، ونداهم بندى سحابه. وسير مع المندوب مالا يفرقه عليهم في رأس كل شهر، ويتعاهدهم في كل يوم بتفقد بر. فأقاموا نصف سنة، وأتوا في صنعتهم بكل حسنة. وصمم السلطان على حفر خندق جديد عميق، وإنشاء سور وثيق. وأحضر من أسارى الفرنج قريب الفين، ورتبهم في العمارتين. وجدد أبراجا حربية من باب العمود إلى باب المحراب، وانفق عليها من المال ما خرج عن الحساب. وبناها بالأحجار الكبار الثقال، فجاءت أرسى وأرسخ من الجبال. وكان الحجر الذي يقطع من الخندق يستعمل في بناء السور، وإذا تكملت العمارة على ما رتبه للقدس من المعمور؛ كان آمنا من قصد العدو المدحور، وفي عصمة الله من المخوف المحذور. وقسم بناء السور في مواضعه على أولاده؛ وأخيه الملك العادل وأمرائه وصار يركب كل يوم ويحض على بنائه. ويخرج الناس لموافقته على حمل الحجر إلى مواضع البناء، ويتولى ذلك بنفسه وبجماعة خواصه والأمراء. ويجتمع لذلك العلماء والقضاة والصوفية، وحواشي العسكر والاتباع والرعية والسوقية. وكنت اركب في غلماني واتباعي، واحفظ قلب السلطان في نقل الحجر وأراعي. فبنى في اقرب مدة ما تعذر بناؤه في سنين وبذل جهده في التحصين لتأمين المؤمنين. ذكر من توفي من الأكابر والمعروفين في هذه السنة وفاة تقي الدين توفي الملك المظفر تقي الدين عمر ين شاهنشاه بن أيوب ابن أخي السلطان، يوم الجمعة تاسع عشر شهر رمضان. وهو على حصار ميلاز كرد من عمل أرمينية؛ وقد سبق ذكر مسيره إلى بلاد الجزيرة، لاستمداد الإمداد الكثيرة. واستنجاد الانجاد، والاستنجاد بالأجناد، والجمع من جميع الجهات للجهاد. والعود سريعا بالحشود الجامعة والجموع الحاشدة، والجيوش المترادفة المترافدة، والجنود المتوافرة المتوافدة. والقواضب القاصلة، والهواضب الهاطلة، والمصافحين بالصفاح، والمختالين في أعطاف المراح بأطراف الرماح،

стр. 264

والحاملين الجبال على الرياح، والمتعطشين إلى انتجاع النجيع لإرواء الأرواح. ومكث السلطان على انتظاره، متوجسا لأخباره. مستوحشا من إبطائه، متعطشا إلى أنبائه، منتظرا لوفائه. فلما لأخذ الفرنج عكاء نسب ذلك إليه، واحتسب الله عليه. فأما تقي الدين فإنه عن له أن يمضي إلى ميافارقين؛ واستصحب إليها عسكر ماردين. ونفذ إلى السويداء وانتزعها من أيدي أصحابها، واستحوذ على جميع ما بها. وحاصر مدينة حاني فتملكها، وكانت له مقاصد في ديار بكر فأدركها. واقتطع بلادا من ولاية ابن قرا ارسلان وأقطعها، وأرعب القلوب بما ابتدأ به وابتدعه وروعها. وتأخرت عنا بسبب ذلك عساكر ديار بكر، وحصلت منه على عذر وذعر. وراعت هيبته، وهبت روعته. ودبت إلى الخواطر مخافة أخطاره، وشبت في القلوب لوافح ناره. وارتجت تلك الآجام من زاره، وازورت من مزاره. وبليت تلك البلاد ببلائه، وهابت الأعداء هبة أعدائه. وزلت الأقدام لإقدامه، وانخفضت الأعلام لإعلاء أعلامه. ونفي عدله من جبلجور جبلة الجور، وأذهب بذهابه إليها فوران الفتنة على الفور. ودخل قلب قلب، وحكم في عداتها الغلب القضب. وقصد عسكره عسكر بكتمر فكسره، ثم سرح بإحسان وأطلق من أسره، فغار بكتمر واشتعل بنار الأنف لأنفه، واعتلق بأذن الشنف شنفه، وانتخت حميته، وحميت تخوته، وغيرته غيرته، وعيرته رعيته، وأودعته الهم همته، وحركته عزمته فاجتمعت جماعته وأمته أمته. وما أرجأ له نجح رجائه رجاله، وما أبطأ له عن إعانته أبطاله. وأجناه ثمر الطاعة أجناده، وانجاه بجهد الاستطاعة انجاده. وجر عسكرا مجرا، وساق إلى الحرب بحرا، وأوقد بالجمع جمرا، وجلب بيضا وسمرا، ودهما وشقرا، وصوارم بترا، وصواهل ضمرا. ونهض كمته وكماته، وحشد رعيته ورعاته، وذوي حميته وحماته، وساكني ولايته وولاته، ونسورخ وبغاثه، وسماتهوغثاثه، ومتانه ورثائه، وشباعه وغراثه. وجاء في سواد اسود منه الجو، وانسد بظلامه الضو، وتحلى بنجومه ليل العجاج، وتجلى بسفوره صبح الهياج، وابرق وأرعد، وتحدر وتصعد. وسار بين الآكام بالآكام، وضاهى الأعلام بالأعلام وأذكى مذاكيه الجياد، وأجرى ضوامره وهواديها قد ملأت الوهاد، وأدنى إلى الآساد الآساد. وأغرى بالجلاد الأجلاد. وجذب الجماح عرانه، وجلب الكفاح رعانه. وأشرع المراح رماحه، واطلع في سني الصفاح صفاحه، وماجت غدران دروعه، وهاجت غران جموعه. ومالت المران؛ وجالت الأقران. وسال المرت ومرت السيول، وتسهلت الوعور وتوعرت السهول. وانفض الفضاء، وانقض القضاء. واشتكت الأرض من الحوافر الحوافر وقعا، فأثارت لفرط تألمها على شرط تظلمها إلى السماء نقعا. وحثت في وجه الفلك ترابا وحثت لأتراب الأتراب طعانا وضرابا. وخاف على خلاط واختلط من المخافة، فقصر إلى الملك المظفر طول المسافة. فلما عرف اصحار خادره؛ وانتشار بوادره؛ وانتهاض قوادمه؛ وارتكاض صلادمه؛ وانقضاض شهب قواضبه،

стр. 265

وانفضاض دهم سلاهبه؛ اصطف له بمن اصطفاه من الأنجاد الانجاب، وفض على الفضاء سحاب الصحاب. وبسط على البسيطة رداء الردى، وأعدى بعلوه على العدا. وركب في كل ضرب يعد الضرب ضربا من الضرب، وكل بطل لمحق المبطل محق الطلب، وكل باسل سالب من كباش الأقران القرون، وكل عاسل بعاسل يمين بالمنى ويمون المنون. وكل شجاع أشاجعه وصائل القواطع، وكل مقدام قوادمه عوائق الوقائع، وكل طائر بأدنحة السوابق، زائر بأسلحة البوائق، محلق بخوافي الخوانق، مطرق لطوارئ الطوارق. وكل ذمر مشيح، بالذمار شحيح، وكل قاس قوسه عاطف، وكل راع نصله راعف. وكل صاد عزمه صادق، وكل رام لحظ سهمه إلى المقاتل رامق. وأيد رجاء الرجال بأياديه وقوى عزائم أوليائه لإضعاف أعاديه، ورغب بالرغائب وأملى ضيوف الآمال، بفيوض أمواه المواهب ونخى المنتخين، وانتخب المنتخبين. وأقدم في كل مقدم مقدام، وضيغم ضرغام، وهمام همام. ومعتقل أسمر يرشف ظلم القلوب، ومشتمل أبيض يكشف ظلم الحروب. وكل من يخال الطعن ضرب القداح والضرب بحد السوام، وكل من ينال اعتزاز الجد بجد الاعتزام. وكل من يعيد أفاحي البيض شقائق، ويصل بها إذا فارقت أغمادها المرافق. وكل من عنانه في يمين الجماح، وسنانه مردود عيون الجراح. وكل من ذبال سمهريه يلتهب، وذباب مشرفيه يضطرب. ووجوه صوارمه تبكي وتضحك، وعيون لهاذمه تفتك وتبتك. ولحاظ سهامه عن حواجب قسه ترمى، وسواعد سيوفه من أيدي الأيد تمد وتدمى. وكل أشعث الهامة ذي همة، تشعب صدع كل ملمة. وكل شهم شيظمى، أباء حمى. مجرب محرب، مقرب على مقرب، مطهر على مطهر، جار بمرجم، بار بمخذم، ضار بأقرقم. جواد حليم، تحمد في الوغى جهلاته على جواد كريم تدعو إلى الردى صهلاته. وكل بحر مستلئم بغدير، وكل من عنده إذا لبس الحديد إنه لابس حرير. فلما بصر عسكر خلاط بعسكره اختلط، وود لو استدرك الغلط. وجاش وطاش، ورام من عثرته الانتعاش. وولى هزيما، ولوى هشيما. وأغنم العسكر التقوى سلاحه وخيله، وجر تراب الذلة ذيله. وظفر الملك المظفر بالملك، وأسلم العدا إلى الهلك. وقيد إليه أمراء أسروا، واصاء كسروا، فأطلق سراحهم، وأنهض بتشريفاته جناحهم. ثم حل من صحراء موش، وساق إلى خلاط الجيوش. ثم بدا له من حصارها فأقرها بسلب قرارها. وعرج على قلعة شميران فتشمر لها، وفتح مقفلها، وكان مجد الدين بن الموفق - وزير خلاط بها محبوسا، ومن حياته يئوسا. فخلصه واستخلصه، وكسر حتى طار منه قفصه، وأنه لمن اعجب القصص لو شرحت قصصه. ثم راح إلى ميلازكرد، ونازلها بالتضييق، وقاتلها بالمنجنيق. وحشد إليها الأمداد، وأورى فيها من عزائمه الزناد. وجاءته عساكر (أرز الروم) منجدة من جدة، موجدة لما لها من موجدة. تقدمها الملكة ماما خاتون بنت سلدق كأنها في الأهبة والأبهة من ملوك سلجق. ووفد إلى

стр. 266

تقي الدين الجنود، ووافقته السعود، وخافته في غاباتها الأسرد. وغريت به العقول وعلقت به العقود، وتوطدت له البلاد وتوطأت، وتهيبت وتهيأت. واستدنته الممالك القاصية، وأطاعته المقاصد العاصية. وتشنفت له مسامع الأقطار بأقراط السمع والطاعة، وعم الامحال تلك المحال، ففض بما أفاضه من فواضله مجاعة الجماعة. ورجى وخشى، واعتفى وغشى. وامتلأت الطرق بالوفود والجنود، وتوالت إليه إمداد البأس والجود. فبينا هو في غفلة من القدر؛ وغفوة من الكدر، وغرة من الغير؛ وقد ألهاه حديث الدنيا عن الحادث الداني؛ وجنى الحياة عن الموت الجاني؛ وزيادة الأمل عن زيادة الأجل؛ ونزل المنى عن نوازل المنون؛ وسكن الأتراب عن التراب المسكون، ظهر له سر الغيب المكتوم، وأدركه القضاء المحتوم. ومرض أياما ثم قضى، وانقرض عهده وانقضى. وكتم ولده الملك المنصور ناصر الدين محمد وفاته، إلى أن خرج من ذلك الإقليم وجاوزه وفاته. وفتحت ملازكرد بابها، وسلم الرب أربابها وخرج ولد تقي الدين بعسكره وماله سالما، وجد في مقام والده بإظهار شعاره قائما. وجاءت رسله إلى السلطان تسأله، في إبقاء بلاد أبيه بيده حتى يبقى مستمرا على جدده. وطلب من السلطان؛ الميثاق له بأغلظ الأيمان. فلم يقبل الشرط؛ واشتط فشط، وجلب له الشطط السخط، وأقام على التباعد ولم يتدارك بالوصول ما منه فرط، ونسبوه في استيحاشه إلى العصيان، وسعوا له في أسباب الحرمان. حتى انتخى له الملك العادل فمضى لإحضاره، وجرى الأمر على إيثاره. وسيأتي ذكر ذلك في حوادث سنة ثمان. وتوفي في هذه السنة حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين ابن أخت السلطان توفي بدمشق ليلة الجمعة تاسع عشر رمضان يوم وفاة تقي الدين فأصيب السلطان بابن أخيه وأخته في يوم واحد. وكلاهما له أقوى ساعد، وأوفى مساعد، فيا لله من حسام أغمد، وهمام ألحد. وركن وهن. وكنز دفن. وبحر غاض، ورزء هاض. وصبح كسف، وبدر خسف. لقد غامت الأيام لغمه، وثكلته الدولة ثكل أمه. فإنه كان واحدها وعضدها ومعاضدها. وهو الذي فتح نابلس وأبقاها السلطان معه، وأبقى فيها من سنن العدل ما شرعه، وقد سبق في الكرماء ذكره. وذكر في المكارم سبقه، وقرظ حذقه. ووصفت مقدماته، وقمت بصفاته. فإن له مواقف في الجهاد مشكورة، ومقاطف لجنى النصر مشهورة. فقطع الأجل عليه طريق الأمل، وأعاد حلية الزمان به إلى العطل. وأوهن عقد شبابه الطرى وحله، وثلم حد شباه الطرير وفله، وما زال في غزواته مثيرا للترب إلى أن سكن عليه التراب وسكنه، وطالبه الثرى بحق خلقه معه فاسترهنه، وغارت عليه الأرض بانطلاق سموه إلى السماء فاعتقلته، ووجدته في أوج الفلك في النيرات فنقلته. وما كان أذكاه وازكاه، وأصحه وأصحاه،

стр. 267

وأبهجه وأبهاه، وأضوعه وأضواه، وأوعاه للفضائل وأحواه. ولقد فجعت به صديقا صدوقا، وشقيقا شفيقا، ورفيقا رفيقا. فهفى عليه من شهم توطن التراب، وسهم أصيب بعد ما اصاب، وجواد بلا حساب، لم يخطر بالبال من رزئه حساب، (لكل أجل كتاب). وتوفي في هذه السنة علم الدين سليمان بن جندر، وقد سبق ذكره في غزواته، ومواقفه ومقاماته. وكان في الخدم مقيما، والسلطان إلى الأنس به مستنيما. فعرض له مرض استأذن لأجله في العود إلى وطنه بحلب، وسمح له السلطان بجميع ما طلب. وتوجه من القدس سادس عشر ذي الحجة، واستقام على المحجة. وقضى نحبه عند قربه من دمشق في قرية غباغب، وستر التراب منه المناقب. ووصل الخبر بوفاته إلينا يوم الخميس ثامن عشري الشهر. وفي هذه السنة فتك بأتابك مظفر الدين قزل ارسلان بن ايلدكز في همذان؛ ليلة الأحد مستهل شعبان. كان تولى الملك بعد وفاة أخيه المعروف ببهلوان في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ونجحت ارادته، ورجحت سعادته، وصلحت عاداته. وكان السلطان السلجقي طغرل ابن ارسلان تحت حكمه، وهو ابن أخيه لأمه. وله اسم السلطنة ولقزل حكمها، وله سموها ووسمها. فأنف السلطان من كونه تحت حجره، وبحكم نهيه وأمره، فإنه لم يكن له صاحب ولا غلام إلا من عنده، ولم ينفرد منذ تولى بحله وعقده. فهرب وحده تحت الليل، واتصل به بعد ذلك من انضم إليه من الخيل. ودام غائبا في نواحي دامغان مدة، واشتد مصابه وأصاب شدة. فاتصل به عدة من مماليك بهلوان الخواص وسلكوا معه نهج الإخلاص. وأعادوه إلى سرير ملكه، وانتسق أمره في سلكه. وقويت يده، وتأيدت قوته، واجتمعت كلمته، وتكلمت في الأمر والنهي جماعته. ورهبه قزل ارسلان ولازم ذعره، وأخذ منه حذره. وتنافس الأمراء ومماليك بهلوان الذين تبعوه، واعلوا شأنه ورفعوه. وسعى بعضهم ببعض، وقابلوا كل إبرام من مكرهم بنقص. وقالوا له: هؤلاء البهلوانية بغتالونك، وبالسوء ينالونك. فابطش بهم قبل أن يبطشوا وعثرهم قبل أن ينتعشوا، فسمع مقالهم، وتبع محالهم. وقتلهم بحضرته وهم غارون، وساءهم باغتيالهم وهم بالمغاة فيه سارون. فنفر منه كل آنس، وحفظ نفسه كل منافس، وزال بشره وبقى بوجه عابس. وفارقه بنو البهلوان بجنايته على مماليك أبيهم، ولقوة بتأبيهم. وقصده قزل ارسلان فأزعجه، وأخرجه من دار ملكه وأحرجه. وأجلس سلطانه آخر موضعه، وكدر عليه بالشوائب والنوائب مشرعه، وخطب لمعز الدين سنجر بن سليمان شاه وأطعمه وأطمعه. وأرضاه بالاسم، وأجراه على الرسم. وكاتب سلطاننا وعقد له الصداقة بصدق الاعتقاد، وانتظمت بينهما أسباب الاتحاد.

стр. 268

وكان السلطان طغرل إذا خلت همذان من قزل ارسلان يعود اليها، ويستولى عليها. ثم إذا عرف قربه بعد، وإذا علم بعده قعد. وشرع يقتل أصحابه بالتهم، ويشتد في النهب لشدة النهم. فقتل فخر الدين رئيس همذان، وبث العدوان. وقتل وزيره العزيز ابن رضى الدين المستوفي لأمر توهمه، ولخاطر لم يكشف مبهمه. فالجأ الزمان إلى الوصول إلى الأمير حسن بن قفجاق، وشكى إليه من أهله وأصحابه الشقاق. فخرج معه وآزره وظافره، وظاهره بعد أن صاهره. وزوج أخته منه، وحمى جانبه وذب عنه. وراسل سلطاننا قزل اسلان حتى يصافحه على الوفاء ويسامحه وكاد أن يتم الصلح، ويسفر بعد ليل الفتنة الصبح. فلما تقاربا للمصالحة تحاربا، واتهم كل واحد منهما الآخر فتواثبا. وأوقع تزل ارسلان به وبالتركمان، وعادت الفتن ملتهبة النيران. وساق السلطان طغرل إلى همذان، فمضى وراءه قزل ارسلان، فخرج إليه ثقة بما سبق من الأيمان. فصرف عنانه وقبضه، وأعرض عنه واعتره. وحبسه في بعض القلاع وأبعد عينه وأثره عن الأبصار والأسماع. فاتسقت له الملكة، واستقر منه السكون والحركة. وكانت أصفهان منذ توفي البهلوان؛ قد اضطربت واحتربت، واقتربت الساعة بها وخرجت. وقتل في ثلاث أربع سنين منها في محاربة العوام الوف، وتوالت بها حتوف وزحوف. وكانت الشحن من جانب قزل على الشافعية، وقووا أيدي الترابية في تخريب المدرسة النظامية. فأحوجت الضوة إلى أن أصحابنا دعوا بشعار السلطان، ووجدوا القوة به أمام قوته والإمكان. فلما اعتقل طغرل، واستمر أمر قزل؛ مضى إلى اصفهان؛ فأخذ رؤساء الأصحاب في المحال، وأجرى عليهم حكم القتل والاغتيال ثم عاد إلى همذان وقد قوى وروى، ونال ما هوى، ونشر من أمره ما كان طوى، وجلس على سرير الملك وضرب النوب الخمس، ووجد بعدم من يوحشه الأنس، ولها ولعب، وشرب وطرب. وغفل عن القضاء المشتبه، ونام عن القدر المنبه، واغتر بالعيش الرفه، وحلم عن الخطب السفه. وبات في قصره، وقد غاب في سكره، وهو بين خدمه وحشمه، وعسه وحرسه، وعتقائه وارقائه، ومستخصبه ومستخلصيه، فوجد على فراشه وهو قتيل، ولم يدر كيف قتل ولم يكن عليه سبيل. فنسب قتله إلى الإسماعيلية تارة وإلى الخاتون الاينانجية أخرى، والله أعلم بما به حكمه أجرى. ولما أصبحوا قتلوا صاحب بابه، وحل العقاب به دون أربابه، وجلس قتلغ اينانج بن بهلوان موضعه، وجمع له ملكه ومنعه، ومضى أخره نصرة الدين أبو بكر إلى أذربيجان وارانية سائقا إليها واستولى عليها. وأما السلطان فإنه أيس منه، وسلا من كان يواليه عنه. فتعصبت له امرأة متولي القلعة ودبرت في خلاصه، وهونت على زوجها أمر استصعابه واعتياضه، واستعانت بمن أعانها، وأعلت بإعلاء شأنه شأنها. ولما برز دخل مدينة تبريز وكأنما الكير أخرج الإبريز. ثم جمع ومضى على سمت همذان. فلقي قتلغ ابنانج وعسكره بين أوه وزنجان فكسره وهزمه، وفل حده وثلمه.

стр. 269

ومضى إلى همذان وجلس على سرير ملكه وذلك في سنة ثمان. سيأتي ذكر ذلك إن شاء الله. وتوفي في هذه السنة بدمشق من المعروفين من أصحاب السلطان صفي الدين أبو الفتح بن القابض، وكانت وفاته في الثالث والعشرين من رجب. ولقد كان سريا، وبالحمد حريا، وفي حلبة المكارم جريا، ومن الخيانة في ولايته بريا، ومن العار عريا، ولم يزل زند مضائه وريا. وكانت له سياسة ورياسة، ونفس ونفاسة، ورأى وفراسة، وفطنة وكياسة. ومروة وفتوة، وثبات جنان وقوة. وكان قد خدم السلطان أيام عدمه، وهو في كفالة أبيه وعمه. فلما ملك مصر امرجه في أموالها، وحكمه في أعمالها. حتى نال المنى، ووجد الغنى. فقال له: قد اكتفيت واستغنيت، وإن صرفت الآن ما باليت، فاصرفني عن العمل. فقد نلت غاية الأمل، فعاش غنيا، ومات جشريا. وورث السلطان بعض ماله، وذلك ما فضل عن افضاله، فإنه فرق على مماليكه أملاكه وماله. وأخفى بعد وفاته بما بذله حاله. وفي هذه السنة في شهر ربيع الأول توفي الحكيم الموفق ابن مطران، وكان بارعا ظريفا، نظيفا عفيفا. وفقه الله في بدايته لهداية الإسلام، ونال أسباب الاحترام. وتقدم عند السلطان، وما شأنه كبر وهو كبير الشان. وكانت له دراية ودراسة، وذكاء وفراسة. ولم يزل متلطفا في طبه، متعطفا بحبه. متحببا إلى القلوب، متقلبا من قبوله في المحبوب. صبيح البهجة، فصيح اللهجة، صحيح الحجة بوضوح المحجة. ولم يزل عند السلطان وذوي الجاه جاه، ولجده انتباه، ولمداواته بالشفاء شفاه. حتى حان أجله، وخان أمله وبان عنه حلى حاله، وبان عطله. وكانت له عندي يد اذكرها وأشكرها، وعارفة أعرفها ولا أنكرها. وذلك أنني في ذي القعدة سنة ثمانين كنت متوجها في خدمة السلطان، وفي صحبته، متوليا للإنشاء منفردا بمرتبته. فلما وصلنا إلى بعلبك انقطعت عنه بها لمرض عرض، وشكا جوهري العرض. وانتهى إليه بدمشق ما ألم بي من الألم، فكره. من خبر السقم. وركب ووصل في يومه حتى أدركني، ومرضني وما تركني. وداواني حتى أبللت، وأزال الله انحراف مزاجي بطبه فاعتدلت. وصحبني إلى دمشق وسبق إلى أوليائي بالبشرى، وشكرت الله على النعمى. وكذلك كان يطلب مرضاتي، في جميع مرضاتي. فلما مرض الطبيب لم ينجح في مرضه الطب، وتوفاه الرب. وفي آخر هذه السنة؛ توفي الفقيه العالم الزاهد نجم الدين الخبوشاني بمصر وهو الذي بنى المدرسة عند ضريح الإمام الشافعي رضوان الله عليه، وأحيا شعار التوحيد، وبنى أمره على التشديد والتسديد، وحفظ شمل الشافعية من التبديد. وكان السلطان مجيبا له إلى كل ما يستدعيه، ويقضي له من الحوائج ما يقتضيه. ووقف على المدرسة التي بناها وقوفا، وأعطاه في بنائها ألوفا. فلما توفي طلب المدرسة جماعة من العلماء، فلقوا بالإباء. ثم شفع الملك العادل في صدر الدين على بن حمويه وهو

стр. 270

شيخ الشيوخ، ويعرف في العلم والعمل بالرسوخ. فكتب بها له، ورتب بوقفها وتدريسها استقلاله، وذلك في أواخر سنة ثمان وثمانين. ثم صرف بعد السلطان عن المدرسة، وبدلت الوحشة من الأنسة. فصل كتب إلى بعض الأكابر في الدخول إلى القدس اتفق دخول الشتاء، وتواتر الانداء، وتوافر الأنواء، وشح الأرض وسح السماء. وانقطاع الجلب واتصال الغلاء، وبعد الراحة لقرب الأعداء، وملل العساكر لدوام الهيجاء، والمقارعة واللقاء. وكانت مدينة القدس محتاجة إلى توفر الهمم على شحنها بالرجال، والميرة والقوة، والعدة والذخيرة. ورأيناها من أحسن المدن وأحصنها وأحكمها وأوجدنا بها جدتها بعد عدمها. ورتبنا بناء سورها على جوانب أودية وسفوح، متى تم لم يبق فيها لطمع من طموح. وهذا أمر لله وفي طاعته، ولحفظ بيته ولنصرة دينه ولإعلاء كلمته، ولحماية أمته. وما لنا فيه إلا السمرة، وما جاءونا إلا الأجر والمغفرة. وما نصيب إلا نصيب واحد من المسلمين المجدين، والمؤمنين المعدين للدين. فما أسعد من ساعد فيه، ووفى بإسعاف عافيه. هذا والكفر قد أناخ بكلكله، وحفل بجحفله. وبرز إلى الإسلام بكليته، وعراه ببليته، وقامت قيامته لقيامته، وثار لثار قمامته. ورمى مهجته على الموت لمقبرته، والبيت المقدس الذي شرفه الله وكرمه وعصمه كما عصم وحرم حرمه مقام الأنبياء المرسلين، ومقر الأولياء والصديقين، وموضع معراج سيد المرسلين، ورسول رب العالمين. وفيه نزل جبريل بالبراق وصعد المصطفى ﷺ إلى السبع الطباق، وأهدى الله ليلة الإسراء بحلول السراج المنير فيه الإشراق إلى الإنفاق. وهؤلاء الملاعين قد أغذوا لقصده، وأعدوا لورود ورده. وقد فرض في هذا الأوان رفض التواني، واستدعاء ذوي الحمية من الأقاصي والأداني. وإن لم يتساعدوا في الربيع القابل، على إنهاض الجحافل؛ صعب الأمر واشتد، واحتدم الخطب واحتد. فصل في شكر صاحب الموصل على إنفاذ الجصاصين لحفر الخندق قد أصبح البيت المقدس يقدس ويسبح، ويعرب عن فضيلة منجده ويفصح. فقد وصل الرجال الواصلون بالنجح رجاءه، الحامون بحفر خندقه أرجاءه. وما فيهم إلا من أبان عن جده، وأبان بحده، والآن الشديد بشده، وثلم الحديد بثلم الصخر وهده. وهذه لا شك مقدمه لما وراءها من نتائج النجدات، وجدوى سابقة للواحق في مناهج الجدات، وعرفة معرفة في قمع العداة بإجراء العادات في إنجاز العدات. وللعدو انتظار لنجدات بحرية وارتقاب، وومضات جمر تحت رماد كيده يوشك أن يكون لها التهاب. والهمة السامية لا تفتقر في هذا الباعث إلى باعث، وعند عزائمه حديث كل حادث.

стр. 271

وفي شهر ربيع الآخر من هذه السنة؛ كتبت منشور حسام الدين سياروخ النجمي بولاية القدس. وكانت ولاية القدس مذ يسر الله فتحه؛ وحقق للأمل فيه نجحه؛ واطلع لليل النصر صبحه؛ إلى الفقيه ضياء الدين عيسى مفوضة، وصعاب أعماله وشعاب أحواله بندرة آرائه ونصرة آلائه مروضة. وقد استناب فيه أخاه (الظهير) ظهيرا، ولم يزل رواؤه وبهاؤه به شهيا شهيرا؛ إلى أن استشهد في شعبان سنة خمس وثمانين، وتوفي الفقيه عيسى في ذي القعدة منها وانتقل إلى عليين. فأبقى السلطان نوابه من بعده، محافظة على عهده. وكان الأمير سياروخ بالقدس مقيما، وللنظر في مصالحه مستديما. ويضم من أمره ما يراه منشورا، وكتبت له في التاريخ المذكور باستقلاله منشورا. الحمد لله الذي أقصى من المسجد الأقصى من داناه من الكفر ودنسه، ونزه البيت المقدس من رجس أعدائه المشركين بأيدي أوليائه الموحدين وطهره وقدسه، وأنطق محرابه ومنبره بتلاوة الذكر المبين وأسكت الناقوس وأخرسه، نحمده على ما عصمه من الحوزة وحرسه، وفرجه من الشدة ونفيه. ونسأله أن يصلي على نبيه محمد المصطفى الذي شرع الدين وشرحه؛ ومهد الشرع وأسسه، وبطل الكفر وعطله؛ وأرغم الشرك وأتعسه، وعلى آله وأصحابه الذين أعلى الله بهم منار الحق وأضفى ملبسه، وأصفى مورده؛ وأزكى مغرسه. وبعد: فإنا منذ فتح الله لنا بيته المقدس، وخفض بإعلاء أعلامنا راية الكفر ونكس؛ وكسا بأيامن أيامنا وجه الدين البشر من بعد ما كان تعبس؛ وخصنا بفضيلة فتحه؛ وجعل لنا به الحظ الأجزل؛ الأفضل الأكرم الأنفس؛ ما نزال نطلب وليا لله يكون له وليا، ويعود عاطله بتأثير إحسانه وحسن آثاره وإيثاره حاليا، ويرجع بنظره الشافي وتدبيره الكافي ما انخفض من منار الهدى عاليا. ولا يزال على بال منا أن نحيي به من رسوم الإيمان، ونجدد من معالمه ما ظل بمقام أهل الضلال فيه دارسا باليا. وقد اختبرنا الأمير حسام الدين فألفيناه لأهلية هذه الولاية جامعا؛ وإلى مضمار السبق في هذه المكرمة مسارعا. ووجدناه بأعباء الأمانة ناهضا، ولزبد المناصحة والصحة فيه ماخضا ماحضا. فاستخرنا الله تعالى وعولنا عليه في ولاية مدينة القدس وأعمالها، وعذقنا برأيه الراجح وسعيه الناجح مهام أشغالها، وحكمناه في تحصيل مصالحها، وتسهيل مناجحها، وسداد ثغرها، وسداد أمرها. ورعاية أمورها، وعمارة حريمها وسورها. وتطويل باع ساكنها، وتأهيل رباع أماكنها، وإسكان مواطنها، وتوطين مساكنها، وتطهيرها من ادناس أدنى الناس، وتعميرها بالعدة والعمدة والشدة والقوة والبأس. فليتول ذلك بقوة ناهضة ونهضة قوية، وروية مبصرة وبصيرة روية. وليستشعر تقوي العل التي تقوى بها العزائم، وتتوفر منها المحامد وتكمل المكارم. جاريا على مقتضى الشرع في كل ما يحله ويعقده، ويقدره ويمده، ويصدره ويورده، والله يوفقه ويسعده ويعضده.

стр. 272

دخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ودخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة والسلطان مقيم بالقدس في دار الاقساء جوار (قمامة)، وأظهر بها لتقوية البلد الإقامة. وقد قسم سور البلد على أولاده، وأخيه وأجناده. فشرعوا في إنشاء سور جديد، محدق به مديد. وكان يركب كل يوم مصح، مشمس مضح، فينقل الصخر على قربوس سرجه، فيستن الأكابر والأمراء في نقل الحجارات بنهجه، فلو رأيته وهو يحمل حجرا في ججره؛ لعرفت أن له قلبا كم حمل جبلا في فكره. ولقد جد في حماية الصخرة المقدسة حتى حمل لها الصخور، وانشرح صدره لانضمامها إلى صدره، حتى باشر صدور ممالكه بها الصدور. وما تغلو دار يبنيها في الجنة بنقل حجارتها، ليكون ملكا في دارها وقمرا في دارتها. وكل بناء قلت حجارته، ووقفت عمارته؛ ركب وبكر اليه، وجمع الحجر بنفسه وأجناده عليه، فإذا اكتفى انتقل إلى موضع آخر ونقل إليه الحجر، ولقد بنى به في غرفات الجنات الحجر، وأثر رواة سيرته الحسنة منه الأثر، وما أعمر إحسانه وأحسن ما عمر! وداوم البكور بالركوب، وعرض وجهه الكريم للشحوب، والتزم الأمر التزام الوجوب. ولأن له الصخر لين الحديد لداود، وجد في فض جدته وأفاض الجود. وكان حجر الخندق صلدا لا يتأتى قطعه، ولا يتهيأ بكل آلة صدعه. فاتخذ من الفولاذ قطاعات واخترع على الحدادين آلات. فأمكن الصلد، ووهن الجلد. وتيسر الصعب، ولأن الصلب. وصرخ الصخر، لما حاف الحفر. وضج الحديد لجلد الجلمود، وصفا قلب الصفا لإصاخة الصيخود وأعولت المعاول، وجدلت الجنادل. وسمعت الصماء صوت السطو، وخرج جرح الإساءة إليها عن الأسو. وفلقت القطع وقطعت الفلق، واتسع الضيق وتعمق الخندق. وطاب العمل، وطال الأمل. وحز الحزم وحزن الحزن، وركنت القوة وقوى الركن. فلا ترى إلا سورا يعلو وخندقا يسفل، وبناء يسمو وحفرا ينزل. وبرجا يسقف، وبدنا يشرف، وبدنا يشرف. وحجارة تبني، وعمارة تثنى. وكلسا يحرق، وأسا يوثق. وطاقا يعقد، ورواقا يمهد. وطلاقات تطلق، ومرامي تخرق. وستائر تحجر، وحفائر تقعر. ومصاعد تهندس وقواعد تؤسس. ومعارج تسفح، ومخارج تفسح. وموالج تسرب، ومدارج ترقب. حتى أحكم المكان بكل ما في الامكان، واتصلت الأبراج بالأبدان، مشيدة الأركان. والسلطان يشرف في كل يوم على عمل قوم. فيمدحهم بإحسانهم، ويجازيهم بإحسانه، ويعير جنان المتولي من قوة جنانه. ويدركه بما يستأنفه من عمله، ويحلى بالفضل ما يبدو له من عطله. وكان ذلك دأبه مدة إقامته، وقد جد غرامه بغرامته. بل يرى أن كل مال ينفقه باق، وأنه إن فاق كريم فبانفاق، وما عنده خشية إملاق، بل يده جارية بإطلاق جوائز وأرزاق، وأنه تتجلى له أعماله الصالحة يوم يكشف عن ساق. وإن وفق الله واستمر ما دبره في حفر الخندق وبناء السور؛ بقي بيت

стр. 273

الله المقدس مع الإسلام على ممر الدهور. ولا يبقى عليه لمسلم فزع، ولا فيه لكافر طمع. ولو عاش (بخت نصر) لعرف عجزه، وسلب عز الإسلام عزه. ورأى من المعجزات ما حيره، وقهقر عن البأس الذي إن ثبت له قهره. فسبحان الذي أقدر السلطان على ما أعجز عنه الملوك، وهداه من الفضل إلى نهج ضلوا فيه السلوك. ذكر الحوادث مع الفرنج في هذه السنة رحل الفرنج يوم الثلاثاء ثالث المحرم من الرملة إلى عسقلان، ونزلوا يوم الأربعاء بظاهرها، وتشاوروا في إعادة عمائرها، وكان سيف الدين يازكوج وعلم الدين قيصر والأسدية نازلين في بعض أعمالها، مجدين في نقل غلالها. وركب ملك الانكتير عصر يوم الخميس، ومعه حزبه من جند ابليس. فشاهد دخانا على البعد، وما عرف ما عنده من العسكر المعد فساق متوجها إلى تلك الجهة وجد، وتبعه عسكره وامتد. فما شعر أصحابنا إلا بالكبسة وقد بغتت فما ارتاعت قلوبهم بل ثبتت. وذلك وقت المغرب وهم مجتمعون على الإفطار، فارغة الأفكار من شغل الكفار. وكانوا نازلين في موضعين، مقيمين في منزلين، فلم ير العدو إلا أحد القسمين. فقصده بحزبه، وأطلق عنانه لحربه. فعرف القسم الآخر هجوم العدو؛ فهجروا مهاد الهدو، وركبوا إلى العدو. فدفعوه حتى ركب رفقاؤهم المقصودون، واجتمعوا وهم المسعودون. وردوا العدو شوطا، وصبوا عليه من عذاب القراع سوطا. ثم تكتثر الفرنج عليهم وتواصلوا وسبقوا إليهم، فاندفعوا من بين أيديهم، والفرنج تباريهم. وساقوا أثقالهم قدامهم، وقد ثبت حفظهما على الأقدام أقدامهم. وما فقد من أصحابنا ممن عرف إلا أربعة، ونجا الباقون وخواطرهم لأجل أولئك متوزعة، وكانت نوبة عظيمة دفع الله خطرها، وهون ضررها. وبتاريخ الثلاثاء عاشر المحرم، ركب السلطان على عادته في نقل الحجارة والجد في العمارة. ومعه الملوك أولاده والأمراء، والقضاة والعلماء، والصوفية والزهاد والأولياء. وخرج كل من بالبلد، وجاء المدد بعد المدد. وهو قد حمل على سرجه، واستوى في نهجه. والناس ينقلون معه على خيواهم في قفافهم وذيولهم. ولما دخل الظهر نزل في خيمة ضربها ولده الملك الظافر بالصحراء، وأحضر فيها السماط لمن يدعوه من الأمراء. فحضر على ذلك السماط، وأحضر طعام مطابخه وبسطه على ذلك البساط. وكنت قد مضيت فردني، وبتقريبه أمدني. فلما فرغ وفرغنا، وبلغ مراده وبلغنا، صلى هناك الظهر وركب عائدا إلى داره، آيبا بإيثاره وحسن آثاره، فائزا بسرور أسراره وخير اختياره.

стр. 274

ذكر ثلاث سرايا سرت وبرت وبرت كان عز الدين جرديك تجرد في سرية سرية، بارية رقاب ذوي الغلول من الغل برية. فأغارت يوم الأربعاء الحادي عشر من المحرم على يبني، وفيها الفرنج بنية السكنى. فغنمت أثني عشر اسيرا، وخيلا ودواب وأثاثا كثيرا. وفي يوم الثلاثاء ثاني صفر، أغارت السرية وفيها جرديك، وعسكر القدس وجماعة من المماليك؛ على ظاهر عسقلان، واوفدت بتناصرها على الكفر الخذلان. وغنمت ثلاثين أسيرا قيدت في الأغلال، سوى ما كسبته من الخيل والبغال. سرية فارس الدين ميمون القصري باتت ليلة الأحد رابع عشر صفر بتل الجزر، وسرت حتى أصبحت على يبنى وكمنت، وصبرت إلى أن استرسلت الفرنج إلى الطريق وأمنت، ثم ظهرت على قافلة للفرنج عبرت. فكبست وكسبت، وكسرت وأسرت. وأخذتها بأسرها مع رجالها، وبغالها وأحمالها وأثقالها. ثم أغارت على يافا فقتلت وفتكت، وسفكت دماء وهتكت. وعادت بالغنيمة والسبايا، واستغنت بنقودها عن النسايا. وعجز جماعة من الأسارى عن المشي فضربت أعناقهم، وأوجب ذلك للباقين في المسير أعناقهم وعادت سالمة سالبة، غانمة غالبة. ذكر خروج سيف الدين علي بن أحمد المعروف بالمشطوب من الأسر قرر على نفسه قطيعة خمسين ألف دينار فأدى منها ثلاثين، وأعطى رهائن على عشرين. ووصل إلى القدس واجتمع بالسلطان يوم الخميس مستهل شهر ربيع الآخر، فقام إليه واعتنقه وتلقاه بالوجه الباشر. وأقطعه نابلس وأعمالها، وحلى بإيالته لها أحوالها. وعاش إلى آخر شوال من هذه السنة، وتوفي إلى رحمة الله بأعماله الحسنة. فعين السلطان ثلث نابلس وأعمالها لمصالح البيت المقدس، وتشيد ركن سوره المؤسس. وأبقى باقيها على ولده وتركه في تصرفه ويده. نكتة لما خرج المشطوب من الأسر؛ تلقاه ولده روى السرى قوي الأزر. فوجده على زي أولاده الأتراك مضفور الشعر. فبدا منه الإنكار والإكبار، وقال: ما للأكراد في شعورهم هذا الشعار. فقطع ضفيرته، وقصر وفرته. فتطير الناس من قطع شعره على أبيه. وقالوا: هذا دليل مصابه الذي يأتيه.

стр. 275

هلاك المركيس بصور أضافه الأسقف بصور يوم الثلاثاء ثالث ربيع الآخر فاستوفى رزقه لموافاة أجله، ووصل إلى الباب قاطع أمله. وقد دعي إلى جهنمه، ومالك على انتظار مقدمه، والجحيم في ترقبه، والدرك الأسفل من النار ي تلهبه، والسعير في تسعره، ولظى في تلظيها لتنظره. وقد قرب أن تكون الهاوية له حاوية، والحامية عليه حامية، والزبانية في إيقاع العذاب به لمنزل الرجز بانية. وقد فتحت النار له أبوابها السبعة، وهي جائعة إلى التهامه وهو ملته بالأكل يستوفي الشبعة. فأكل وتغدى، وما درى إنه يتردى. وأكل وشرب، وشبع وطرب، وخرج وركب. فوثب عليه رجلان بل ذئبان أمعطان. وسكنا حركته بالسكاكين، ودكاه عند تلك الدكاكين. وهرب أحدهما ودخل الكنيسة، وقد أخرج النفس الخسيسة. وقال المركيس وهو مجروح، وفيه بقية روح: احملوني إلى الكنيسة فحملوه، وظنوا أنهم حاطوه لما نقلوه. فلما أبصره أحد الجارحين، وثب إليه للحين. وزاده جرحا على جرح، وقرحا على قرح. فأخذ الفرنج الرقيقين، فألفوها من الفدائية الإسماعيلية مرتدين. فسالوهما: من وضعكما على تدبير هذا التدمير؛ فقال: ملك الانكتير وذكر عنهما أنهما تنصرا منذ ستة أشهر، ودخلا في ترهب وتطهر. ولزما البيع، والتزما الورع. وخدم أحدهما ابن بارزان، والآخر صاحب صيداء لقربهما من المركيس. واستحكما بملازمتهما أسباب التأنيس. ثم علقا بركابه، وفتكا به. فقتلا شر قتلة، وجهل عليهما اشد جهلة. فيا لله من كافرين سفكا دم كافر، وفاجرين فتكا بفاجر. فلما ظل المركيس مركسا؛ تحكم ملك الانكتير في صور، وولاها الكند هرى وعذق به الأمور. ودخل بالملكة زوجة المركيس في ليلته، وادعى إنه أحق بزوجته. وكانت حاملا فما منع الحمل من نكاحها، وذلك افظع من سفاحها. فقلت لبعض رسلهم: إلى من ينسب الولد؟ فقال: يكون ولد الملكة، فانظر إلى استباحة هذه الطائفة المشركة. ولم يعجبنا قتل المركيس في هذه الحالة، وإن كان من طواغيت الضلالة. لأنه كان عدو ملك الانكتير، ومنازعه على الملك والسرير، ومنافسه في القليل والكثير. وهو يراسلنا حتى نساعده عليه، وتنزع ما أخذه من يديه. وكلما سمع ملك الانكتير أن رسول المركيس عند السلطان، مال إلى المراسلة بالاستكانة والإذعان. وأعاد الحديث في قرار الصلح، وطمع في ليل ضلاله بإسفار الصبح. فلما قتل المركيس سكن روعه وروعه. وذهب ضوره وضوعه، وطاب قلبه، وآب لبه. واستوى أمره، واستشرى شره. وكان قد تعصب لمضادة المركيس الملك العتيق، فأظهر له ود الشفيق الشقيق. وولاه جزيرة قبرس وأعمالها، وسدد بسداده اختلالها. فلما هلك المركيس عرف إنه قد أخطأ في تقويته، وخشي إنه لا يسلم من عاديته، ولا يأمن من غائلته. فلما عدم عدوه، وجد هدوه. وآب سكونه، وثاب جنونه. وغاض غيظه، وحضه حظه، وفاض من منبع

стр. 276

الشرك فظه. ومع هذا لم يقطع محادثته، ولم يحدث مقاطعته، ومرى رسل مراسلته، ورمى سهم مخادعته ومخاتلته. ولم ينزل عن ادعاء صداقة الملك العادل، وتصديق دعوته، وراسل في طلب المناصفة على البلاد سوى القدس فإنه يبقى لنا بمدينته وقلعته. سوى كنيستهم المعروفة بقمامة فإنهم يعقدونها لملتهم الدعامة. فأبى السلطات أن يقبل هذاالقرار، وأبدى لهم الإنكار. وسامهم أن ينزلوا عن يافا وعسقلان؛ ويأخذوا على ما يبقى في أيديهم الأمان. ذكر استيلاء الفرنج على قلعة الداروم وهذه قلعة الداروم على حد مصر، وكانت منها مضرة كبيرة لما كانت مع الكفر. فلما فتحت حفظت، وتركت وأبقيت، وبالميرة والذخائر والرجال مليت. وخربت عسقلان وغزة دونها، وتسلمها علم الدين قيصر على أن يصونها. فلما شرع الفرنج في إعادة عمارة عمارة عسقلان ترددوا مرارا إليها، وداروا حولها وأشرفوا عليها. وأنفق السلطان في جماعة وقواها بها، وشد بالنجدة قلوب أربابها. ثم نزل الفرنج عليها بقضم وقضيضهم، وسمرهم وبيضهم. وفارسهم وراجلهم، وصارمهم وذابلهم، وصارمهم وذابلهم، ورامحهم ونابلهم. واشتد زحفهم عليها، ونهوضهم اليها؛ عشية السبت تاسع جمادى الأولى بعد أن أخذوا فيها نقبا وخرقوه، وحشوه واحرقوه. وطلب أهلها الأمان فلم يجدوا، وطلبوا من قيصر وجماعته النجدة فلم ينجدوا. ولما عرف الوالي أنهم مأخوذون، وأنهم موقومون موقوذون؛ عمد إلى الخيل والجمال والدواب فعرقبها، وإلى الذخائر فأضرمها وألهبها. وفتحوها بالسيف، وعرضوا أهلها على الحيف. وأسروا منهم عدة يسيرة، وكانت هذه النوبة على الإسلام كبيرة. ثم لم يلبثوا بها ولم يغربوا فيها، ورحلوا عنها وتنحوا عن نواحيها. ونزلوا على ما يقال له: الحسى، وقد طاش بهم الغي والبغي. وذلك في يوم الخميس رابع عشر الشهر، وقد أنسوا بما ظنوه من أسباب الغلبة والقهر. ثم تركوا خيامهم وساروا على قصد قلعة يقال لها: مجدل الحباب، فخرجت عليهم أسد اليزكية المكمنة من الغاب. فقاتلتهم قتالا شديدا وتركتهم بحد الحديد بديدا، وغادرت حبل قصدهم الجديد جديدا، وكرت عليهم وكرت عليهم فكررت في ردهم عن جهتهم ترديدا. وقتل منهم في جملة من قتل كند كبير. وأتاهم من مباريها مبير. وعادوا مفلولين مثلومين، مخذولين مهزومين، مثلولين مهضومين. ثم رحل الفرنج من الحسى يوم الأحد سابع عشر الشهر وتفرقوا فريقين، وبعضهم عاد إلى عسقلان، وبعضهم جاء إلى بيت جبرين، فتقدم السلطان إلى العساكر والأمراء بأن يكونوا لهم مبارين. وفي يوم السبت الثالث والعشرين نزلوا بتل الصافية، بجموعهم الوافرة الوافية. ونزلوا يوم الثلاثاء السادس والعشرين بالنظرون، فأرجفت الألسنة بأنهم على قصد

стр. 277

القدس على حسب تراجم الظنون. ثم ضربوا خيامهم يوم الأربعاء على بيت نوبة، واجتلينا نيرانهم المشبوبة. وسرت منا إليهم السرايا، وتوالت عليهم البلايا. وأظهر السلطان مقامه بالقدس، لتبعد وحشة المقيم فيه من قربه بالأنس. وفرق الأبراج والأبدان على الأمراء والأجناد، وذوى القوة والاستعداد، وأمرهم بنقل الازواد. ثم زال الرعب وطاب القلب. وخرج الناس إلى خيامهم يتخطفونهم، ويعسفونهم ويتحيفونهم. وجرت وقعة بعد وقعة، وكبسناهم دفعة بعد دفعة. ومن ذلك أن بدر الدين دلدرم كان في اليزك ليلة الجمعة التاسع والعشرين فبعث من أصحابه والعسكر إلى طريقهم من يافا من لزم الكمين. فجازت بهم فرسان من الفرنج، مستقيمون على النهج. فخرجوا عليهم وقتلوا واسروا وفازوا ونصروا. وفي يوم السبت نزل الناس اليهم، واتلوهم في خيامهم، والهبوهم بضرامهم. وركب العدو وساق إلى قلونية وهي ضيعة من القدس على فرسخين ثم عاد بائد الشأن بادي الشين. وعساكرنا قد ركبت أكتافه، وهي تقطع أطرافه، وتهز أعطاف البيض لتحز أعطافه. وفي يوم الثلاثاء ثالث جمادى الآخرة، خرج كمينا في طريق يافا على السابلة العابرة. فظفروا وفازوا، وحووا وحازوا، وكسروا وأسروا. ذكر كبسة الفرنج عسكر مصر الواصل كان السلطان يستحث عسكر مصر بكتبه ورسله، ويدعوه نجدة لأهل القدس على الكفر وأهله. فضرب العسكر خيامه على بلبيس مدة حتى اجتمع الرفاق، وتهيأ لمن تأخر عن السابق اللحاق. وانضم إليهم التجار، وحصل لهم لكثرتهم الاغترار، وللعدو لقدومهم الانتظار، وعنده بجواسيسه الاخبار. فجاء الخبر من اليزكية إلى السلطان، ليلة الاثنين التاسع من جمادى الآخرة؛ أن العدو - ملك الانكتير - ركب في سبعمائة فارس وألف تركبولي ومعه ألف راجل، وسار عصر يوم الأحد سير مخادع مخاتل. ولا يدري أي جانب قصد، ولأي نائب رصد. فجرد السلطان أمير (آخر أسلم)، خوفا على الواصل ليسلم. وندب معه الطنية وعدة من العادلية، وأمرهم بأن يأخذوا بالناس في طريق البرية. فعبروا على ماء الحسى، قبل وصول العدو اليه، واتصلوا بالقوم وخبروهم بأنهم كشفوا الماء وليس أحد عليه. وكان مقدم العسكر المصري فلك الدين أخو العادل، ولم يسأل عن المراحل والمنازل. وقصد أقرب الطرق، وغفل عما يعرو من الفرق والفرق. وترك الأحمال على طرق أخرى سائرة، ورأى الأمنة ظاهرة، وأوجه السلامة سافرة. وجاء ونزل على ماء يعرف بالخويلفة، والأماني تغره بالمواعيد المخلفة. ونادى تلك الليلة: إنا جزنا مظان المخافة، وفزنا بالسلامة من الآفة، فلا رحيل إلى الصباح. فاغتر الناس بالنداء الصراح. وناموا مسترسلين، وباتوا متغفلين. فصبحهم العدو عند انشقاق الصبح بالصدمة الشاقة، والخدمة الحاقة. وعاق ابن ذكاء بإذكاء بنت

стр. 278

الداهية العاقة. فجاءهم فجاءة، والصبح لم يبد إضاءة. والخيط الأبيض من الخيط الأسود لم يتبين، وهبوب الأعين من هبوة الغفوة لم يتعين. وكل غرار في جفنه قار، وكل قلب بأمنه سار. وكل جنب على فراش، وكل عاش له النعاس غاش. فلما بغتوا بهتوا، وطلبوا أن يفلتوا فما التفتوا. وركب كل منهم على وجهه، وربما كر بكرهه. وفيهم من ركب بغير عدة حصانه، وأسلم إخوانه وغلمانه. وانهزموا نحو الأثقال، فأوقعوا العدو وهو وراءهم على الجمال والأحمال. فوقع العدو في سوابقها، واشتغل بها عن لواحقها. فتفرقت في البرية. وعاد معظمها إلى الديار المصرية، ومنهم من عاج إلى طريق الكرك، فلم يقع في الشرك، ولم يحصل في الدرك. فأخذ الكفار جمالا لا تعد، وأحمالا لا تحد. وكانت هذه نكبة عظيمة، ونائبة عميمة. ونوبة ذات نبوة، وكبة ذات كبوة. ووقعة ذات روعة، وعولة ذات لوعة. فظنت الظنون، وأرجف المرجفون. وقالوا: قد حصل للفرنج من الظهر ما يحملهم وينهضهم، ومن المال يبطرهم ويحرضهم. ومن الآن يقابلهم وبأي عسكر وعدة نقاتلهم!. ووصل الجند مسلوبين، منكوبين منهوبين. فسلاهم السلطان عن أموالهم، بما قوى من آمالهم. وحضهم على الحظ من الأخذ بثأرهم، والجد في دمار القوم وبوارهم. ولهى الملاعين بما ملأ العين من المال، عن القيل والقال، والقتل والقتال، وحلا لهم ما حاولوه من الحال. وجرى هذا كله والملك الأفضل والملك العادل غائبان، وعساكره الموصل وسنجار وديار بكر متباطئة في الإتيان. ذكر سبب غيبة العادل والأفضل وما جرى لهما من الأول كان الملك الأفضل طلب من والده البلاد قاطع الفرات، ونزل عن جميع ما له من الولايات. وأنه إذا عبر إلى الرها وحران ملك تلك البلدان، وعنا له من بها من ملوك الأطراف ودان. ورحل من القدس في ثالث صفر وقد أزمع السفر، ووجه عزمه الماضي المضيء قد سفر. وأقام في دمشق حتى استعد، واستجدى من أبيه ما كمل به الخزانة واستجد. وأطلق له السلطان عشرين ألف دينار، سوى ما أصحبه برسم الخلع والتشريفات؛ من مستعملات ثياب ومصوغات نضار. ثم سار في مجر سيل خيله جار ذيل نقعه على المجرة، شاغل بالسير والسرى أسرار ذوي الأسرة. بادية على صفحات صفاحه نضرة النصرة. ووصل إلى حلب، وقد مرى افاويق التوفيق وحلب. واحتفل أخوه الملك الظاهر لقدومه، وقام له بسنن الكرم ورسومه. ورحب للترحيب به صدره وجنابه، وسحب على روضه سحابه، وأصحب فيض فضله صحابه. ووقف لخدمته مائلا، وهز عطف الابتهاج إليه مائلا. وأحضر له مفاتيح بلده، وقدم له كل ما في يده. ولم يبق من الجميل شيئا إلا عمله، ولا نوعا من الفضيلة إلا كمله. وعرض عليه الحصن العراب، والتحف والثياب. وخلع على خواص أصحابه وعوام أجناده،

стр. 279

وخصهم وعمهم من الجود بإمداده. وعول أن يسير معه إلى الجهة التي يقصدها، ويساعده على الضالة التي سنشدها. وسمع ناصر الدين بن تقي الدين بما اقلقه، ودفع منه إلى ما أرهجه وأرهقه. ووصل رسوله إلى الملك العادل وهو بالقدس لاجئا إلى ظله، راجيا لفضله. لائذا بجنابه، عائذا ببابه، مستجيزا بإرعائه، مستجيبا لدعائه. مفوضا ما حل به إلى أوار آرائه، مروضا ما حل أمره بأنواء آلائه. فاحتمى له واحتمله، وقوى على تقويته أمله. وخاطب السلطان في حقه واستعطفه، وشفع في أمره واستشفعه. وقال: أمضي إليه وأستحضره، وأومنه مما يحذره، وتبقى هذه السنة عليه حران والرها، وتشد من رجائه بذلك ما وهي. وتعطيه في السنة الأخرى حماة والمعرة، وكفى المضرة والمعرة. ثم قرر السلطان مع أخيه العادل أن يأخذ تلك البلاد ويحويها، ويملك حوزتها ويحميها، ويكف عنها ويكفيها. واستقر أن ينزل عن اقطاعاته بمصر ونصف خاصه، وإذا أخذ تلك البلاد - فما يجاوره - يجتهد في استخلاصه. فأبدى على الرضى بذلك وجه كراهيته واعتياضه، واستزاد قلعة جعبر فتمنع الملك الظاهر من تسليمها حتى استظهر من أبيه بأضعافها واستظهر. وتقرر مسير الملك العادل في العشر الأول من جمادى الأولى، وكتب السلطان بعود الملك الأفضل فجاء هذا راجعا، وذهب ذاك مسارعا. ووصل إلى حران والرها، ففاز من تدبيره بالنجح المشتهي، وبلغ من مراده. إلى أمد الامل المنتهى. وعاد في آخر جمادى الآخرة وقد استصحب ابن تقي الدين، ووصل في هذا الشهر إلى دمشق ابن صاحب الموصل علاء الدين. وصاحب آمد - ابن قرا أرسلان قطب الدين، وعسكر صاحب سنجار ومقدمه - مجاهد الدين يرنقش. واجتمعت بدمشق في هذا الشهر عساكر بها الإسلام يأنس، والكفر يستوحش. وأقامت تنظر مسير الملك العادل لتسير في خدمته؛ وتتجلى راياتها في مطالع رايته. ذكر رحيل ملك الانكتير صوب عكاء مظهرا إنه على قصد ثغر بيروت لما تعذر على الفرنج قصد القدس، وعرفوا أن مرضهم به في النكس؛ ورأوا أن ثغر بيروت قد براهم؛ وعراهم من القوة ما منه عراهم. وأنه قد قطع عليهم طريق البحر بمراكبه؛ وقد فجعوا بمصائبه ونوائبه؛ فقالوا: أخذ هذا البلد هين، وقصده متعين، وإذا حاصرناه جذبنا السلطان وعساكره إلى جانبه، وخلا القدس من جمة كتائبه، وجمرة مضاربه، فتبادر إليه من يافا وعسقلان من يجد في تملكه الإمكان، فلما عرف السلطان ما عزموت عليه من القصد؛ ودبروه من الكيد؛ أمر الملك الأفضل بمباراة القوم في الرحيل، وقطعهم بكل سبيل عن تلك السبيل. وسبقهم إلى مرج عيون، حتى إذا تيقن من قصدهم المظنون، سبقت العساكر إلى بيروت ودخلتها، ونكت الفرنج

стр. 280

ونكبتها وحولتها. وكتب السلطان إلى العساكر الواصلة إلى دمشق أن يكونوا مع ولده، وأن يضموا إمدادهم إلى مدده ونزل بمرج عيون والفرنج بعكاء بعد، تجاوز ولم تعد. ذكر نزول السلطان على مدينة يافا وفتحها ولما رحل ملك الانكتير وسار؛ وخلى وراءه الديار، ترك في مدينتي يافا وعسقلان، جمعا من منتخبي الرجال والفرسان، ووصاهم بالجلد؛ في حماية البلد؛ فانتهز السلطان فرصة الغيبة؛ وأوفد إلى مساغ رجائهم غصة الخيبة. ونهض بعسكره الحاضر، ولم يتمهل لانتظار العساكر. ووافى يافا ووفاها بكيل المنجنيق أحجارا، واراق دماء وساق دمارا. وزحف الناس وحفز البأس. وفرعت المدينة، ورفعت منها السكينة. وقتل من بها ومسح، وأخذ ما بها وكسح. ووجدت الأحمال المأخوذة من قافلة مصر فأخذت وحملت، وعلت الأيدي والسيوف من الدماء والأموال ونهلت. ونفضت كنائن، ونظفت خزائن، واستخرجت دفائن، وولجت مكامن. وحصل استمتاعنا بأمته، وانتفاعنا بكل منفعة. وامتلأ البلد الكافر بالمسلمين، وبقيت القلعة وطلب حماتها الأمان ليكونوا لها مسلمين، وكان الناس قد سبقوا إليها، وقرب أن يستولوا عليها، وذلك يوم الجمعة العشرين من رجب، وقد شارف من فيها الشجب، فلما طلبوا الأمان رد الناس وكفوا، فظن أن الغنيمة تصفو. فإنه خرج البطرك الكبير ومعه جماعة من المقدمين الأكابر، على أن يدخلوا تحت حكم الإسار؛ ويسلموا جميع المال والعدة والذخائر. على أن يطلق كل واحد منهم بأسير، ويفدى صغير بصغير، وكبير بكبير. وشرعوا في الخروج آحادا وعشرات، وعصبا متفرقات في ساعات حتى دخل الليل فاستمهلوا إلى الصباح، وطلبوا واقترحوا من يقف لحفظهم؛ فبذلنا لهم ما عينوه من الاقتراح، وما زال يخرج منهم من يستدعي زيادة التوثقة: وتنفيس خناقهم بالمضايقات المرهقة، حتى وصل ملك الانكتير في البحر، في مراكب في سواد الليل بل ظلمة الكفر، ودخل هو القلعة من الجانب البحري ونادوا بشعائر الغدر، فاكتفينا منهم بمن حصل في الأسر. وندمنا كيف خرجت اللقمة من الفم، ولا نفع بعد فوات الفرصة للندم. ولو أن السلطان توقف في تأمينهم، واستمر على توهينهم. لقلعت أساس تلك القلعة. ونفضت رقعة تلك البقعة. ولقد كان ذلك فتحا عظيما، وفضلا من الله عميما. فقد امتلأت الأيدي بغنائم المدينة، ووهت أسباب قواهم المتينة. واستعيد ما نهبوه من الكبسة المصرية، وفزنا بالغنائم السنية. وقتل من أقام بالبلد وأسر، وكشط جلد تلك المدرة وبشر. وحصل في اليد من مقدمي القلعة نيف وسبعون، وتركوا وهم بالثبور يدعون. وكان القصد في الأول رجوعهم عن قصد بيروت، وخشي على فرصة حفظها أن تفوت، فمن الله تعالى بحصول المقصود، وفزنا بجنى الجهاد بغير بذل

стр. 281

المجهود، وجرى الأمر على الوجه المحمود. وإنما وقع التندم، كيف لم يقع في أخذ القلعة التسرع والتقدم. فتعاصت بعد الإذعان، وتعذرت بعد الإمكان، وجمحت بعد الأصحاب، وجنحت بعد الاكثاب. وأفلتت وقد وقعت في الحبالة، واستقلت العثرة والاستقالة. وضعف الفرنج من تلك الكرة، وآذن نشاطهم بالفترة وما انتعشوا ولا انجبروا من تلك العثرة والكسرة. وعاد السلطان وخيم على النطرون، والعسكر قار القلوب قرير العيون وجاء إليه الملك الأفضل ولده، والملك العادل أخوه، وأسفرت بالمسار الوجوه، وكان ولده الملك الظاهر أيضا قد وصل، وفي الغزاة حضر وبيمنها حصل. وكذلك كان قطب الدين سكمان بن محمد بن قرا ارسلان حاضرا، وأخذ من السعادة حظا وافرا، وحصل بيده جرح يئس أن يؤسى، وظن تلك النعمة بؤسى. ثم اندمل جرحه، وفازت قداحه وحاز السنى قدحه. وأقام السلطان حتى اجتمعت العساكر، ولحقت أوائلها الأواخر. ووصل الملك المنصور ناصر الدين ابن تقيه في بيضه وسمره ومشرفيه وسمهريه. هذا والملك العادل متأخر في المخيم. بسبب عارض السقم، وملم الألم. ورحل السلطان ونزل بالرملة والعساكر في عدد الرمل، والإسلام قرير العين من أهله بجمع الشمل، والفضاء قد امتلأ، والقضاء قد اجترأ، والقدر قد أسعد والسعيد قد قدر، والنصر قد أبدى الصفو وأذهب الكدر وتلك البرية قد حوت البرية، وجمعت العسكرية، والكمت الجارية والكماة الجرية. والأعراب والعراب، والمحارب والحراب، والأجاود والجياد، والاساود والآساد. والبياض والسواد، والعدد والأعداد. فصل في وصف الحال من كتاب إلى الديوان العزيز الخادم حاله على ما أنهاه غير مرة في مرابطة أهل الكفر مستمرة، وأفاويق النصر على حفولها تارة وبكئها أخرى مستدرة. والحرب سجال، وللإسلام في مضمار الظفر مجال. وقد تجاوزت القصة عن حد الإنهاء، وكلما شارفت القضية الانتهاء، عادت إلى الابتداء. والحادثة متصلة والواقعة مستقبلة، والنعمة من الله في إجراء أوليائه على أجمل عاداته بإنجاز عداته في قمع عداته مؤملة. وما ينقضي يوم إلا عن نصرة تتجدد، ونعمة تتمهد، وجمع للعدو يتبدد، وجمر لنكاية فيه يتوقد، وخد للسيف من حده بدم الشرك يتورد وفتح بكر من الحرب العوان بلقاح البيض الذكور يتولد. وآخر ما تم في هذه الأيام من مرهجات الكفر ومبهجات الإسلام، حظوة حلوة، ونوبة ما لها نبوة. وهي أن الفرنج لما أعجزهم قصد البيت المقدس، ولم يستقم لهم ما سولوه ي الأنفس، عكسوا زعمهم، ونكسوا عزمهم. وعادوا خائبين، ونكصوا هائبين. واستأنفوا مكيدة أخرى وشرعوا في شر خلف الشرك به يمرى. واجمعوا على قصد مدينة بيروت، وتآمر على الاتجاه نحوها أعداء الله أولياء الطاغوت. فسارت العساكر الإسلامية على مباراتهم، لمضايقتهم في مضايق طرقاتهم وتجرد الخادم في

стр. 282

خواصه ووافى يافا، موقنا من الله تعالى أن مدد نصره إليه يتوافى. وحمل إليها من معتقلي نبات الأسل ومشتملي بنات الخلل الأسد والعرين. فإذا نزل بساحتهم، فساء صباح المنذرين. فأخذها بالسيف عنوة وأعاد ضرام النيران بها جنح ضحوة، وأتى القتل والنهب على من وجد فيها من الكفار، واستخرج ما بها من الأموال والعدد والاذخار. وخلص من المسلمين من كان بها في الإسار، وأضحت الفرنج فيها تبارى بالتبار. وطلب من بالقلعة الأمان على أن يسلموا من القتل ويستسلموا للأسر. ونزل البطرق والقسطلان والمرشان وجماعة من المقدمين خرجوا ودخلوا تحت القهر. قبيناهم مشتغلون بالنزول، ومنقطعون إلى الوصول، جاءهم الغوث في البحر، وظهرت منهم إمارة الغدر. ورجع العدو عن مقصده ورده الله وخذله، ونصر الإسلام وأخذ له، وسره بما يسره له وأجذله، ونال سيف الدمار من سيب دمائهم عله ونهله. وكان المقصود ردهم عن موردهم، وصدهم عن مقصدهم. فأبى ما قيضه الله من فتح الهدى وحتف العدا على الأرب. واهتزت أعطاف البيض والسمر المنتشية من كأس نجيعها للطرب. والقوم الآن قد اشتغلوا بمصابهم، واجتمعوا لضم ما انتشر من أسبابهم. وراسلوا في الصلح على أن نخلي لهم عسقلان ما أجيبوا، وعلموا بجهلهم أنهم ما أصابوا فيها دبروه لإدبارهم فأصيبوا. والعساكر الإسلامية اليوم عليهم مجتمعة، ومسالك المهالك لضائقتهم ومضايقتهم متسعة، وقد آن أن تحل معاقد معاقلهم التي هي ممتنعة. وكل ما يجده الله من علو يظهر، وعدو يقهر، ونصر يزهر، ونصل بالظفر يشهر؛ فهو ببركات الاستمساك بطاعة المواقف الشريفة الامامية المنتصرية، وبحمد الله ويمن أيامها وفضل إنعامها دلائل النصر ظاهرة، وأسباب الظهور متناصرة، ووجوه الآمال بنشر نجاحها ويسر ما في اقتراحها سافرة. ذكر الهدنة العامة لما عرف ملك الانكتير أن العساكر قد اجتمع؛ والخرق عليه قد اتسع؛ وأن القدس قد امتنع، وأن العذاب به وقع، خضع وخشع، وقصر الطمع. علم إنه لا قبل له بمن اقبل، ولا ثبات مع الجحفل وقد حفل، فأظهر إنه إن لم يهادن أقام واستقتل، وللشر استقبل. وأنه عازم على العودة إلى بلاده، لأمور مردها يعود إلى مراده. والبحر قد آن أن يمنع راكبه، ويسنم بالأمواج غواربه. فإن هادنتم وطاوعتم تبعت هواي، وإن حاربتم وعصيتم ألقيت هاهنا عصاي، واستقرت نواي. وقد كل الفريقان، ومل الرفيقان. وقد نزلت عن القدس وأنزل عن عسقلان. ولا تغتروا بهذه العساكر المجتمعة من الجهات، فإن جمعها في الشتاء إلى الشتات، ونحن إذا أقمنا على الشقاق والشقاء؛ رمينا أنفسنا على البلاء. فأجيبوا رغبتي، وأصيبوا محبتي. وأودعوني العهد ودعوني، ووادعوني وودعوني.

стр. 283

فأحضر السلطان أمراءه المشاورين وشاورهم في الأمر وأظهرهم على السر. واستطلع ما عندهم من الرأي، وسرد لهم الحديث من المبادئ إلى الغاي، وقال لهم: نحن بحمد الله في قوة، وفي ترقب نصرة مرجوة، فأنصارنا المهاجرون إلينا ذوو دين وكرم ومروة. وقد ألفنا الجهاد، وألفينا به المراد. والفطام عن المألوف صعب، وما تصدع إلى اليوم بتأييد الله لنا شعب. وما لنا شغل ولا مغزى إلا الغزو. وما نحن ممن يشوقه اللعب ويسوقه اللهو. وإذا تركنا هذا العمل فما العمل؟ وإذا صرفنا عنهم الأمل ففيم الأمل، وأخشى أن يأتيني - في حالة بطالتي - الأجل، ومن ألف الحلية كيف يألفه العطل، رأيي أن أخلف رأي الهدنة ورائي، واقدم بتقديم الجهاد اعتزازي وإليه اعتزائي. وما أنا بطالب البطالة، فارغب عن استحالة هذه الحالة. وقد رزقت من هذا الشيء فأنا الزمه، ولي بتأييد الله من الأمر أجزمه وأحزمه. فقالوا له: الأمر على ما تذكره، والتدبير ما تراه والرأي ما تدبره، ولا يستمر ألا ما تمره من الأمر، ولا يستقر إلا ما تقرره؛ وإن التوفيق معك في كل ما تعقده وتحله وتورده وتصدره. غير انك نظرت في حق نفسك من عادة لسعادة، وإرادة العبادة. واقتناء الفضيلة الراجحة، والاعتناء بالوسيلة الناجحة. والأنف من العطلة، والعزوف للعزلة. وإنك تجد من نفسك القوة والاستمساك، ويقينك يعرفك بالأماني الإدراك. فانظر إلى أحوال البلاد فإنها خربت وتشعثت. والرعايا فإنها أعكست وتعلثت. والأجناد فإنها نصبت ووصبت، والجياد فإنها عطلت وعطبت، وقد أعوزت العلوفات، وعزت الأقوات، وبعدت عنا العمارات، وغلت الغلات. ولا جلب إلا من الديار المصرية. مع ركوب الأخطار المهلكة في البرية. وهذا الاجتماع مظنة التفريق، ولا يدوم هذا الاتساع مع هذا الضيق. فإن المواد منقطعة، والجواد ممتنعة. والمترب قد ترب، والمعدم قد عطب. والتبن أعز من التبر، والشعير ليته وجد وإن كان غالي السعر. وهؤلاء الفرنج إذا يئسوا من الهدنة؛ بذلوا وسعهم في استفراغ المكنة واستنفاد المنة. وصبروا على المنية في طريق الأمنية، وأبوا في الإقبال على دينهم قبول الدنية. والصواب أن نقبل من الله الآية التي أنزلها وهي قوله (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، وحينئذ تعود إلى البلاد سكانها وعمارها، وتكثر في مدة الهدنة غلاتها وأثمارها. وتستجد الأجناد عدتها، وتستريح زمان السم ومدتها. فإذا عادت أيام الحرب عدنا، وقد استظهرنا وزدنا. ووجدنا القوت والعلف، وعدمنا المشاق والكلف. ففي أيام السلم نستعد للحرب، ونستجد أدوات الطعن والضرب، وليس ذلك تركا للعبادة، وإنما هو الاستجداد والاستجادة. على أن الفرنج لا يفون، وعلى عهدهم لا يقفون. فاعقد الهدنة لجماعتهم لينحلوا ويتفرقوا، وقد شقوا بما لقوا. وما يقيم لهم بالساحل من يقدر على المقاومة، ويستقل بالملازمة. وما زال الجماعة بالسلطان حتى رضي، وأجاب إلى ما اقتضى. وكانت قد بقيت

стр. 284

بين العسكرين منزلة واحدة، والعجاجات على الطلائع متعاقدة. فلو رحلنا رحلناهم، وعلى الهلك احلناهم، لكن مراد الله غلب، وأجيب ملك الانكتير من الصلح إلى ما طلب. فحضرت لإنشاء عقد الهدنة وكنت نسختها، وعينت مدتها وبينت قضيتها وذلك في يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين الموافق لأول أيلول لمدة ثلاث سنين وثمانية أشهر. وحسبوا أن وفت الانقضاء يوافق وصولهم من البحر، وتتصل إمدادهم على الحشد والحشر، وعقدت هدنة عامة في البر والبحر، والسهل والوعر، والبدو والحضر. وجعل لهم منيافا إلى قيسارية إلى عكاء إلى صور، وأبدوا بما تركوه من البلاد التي كانت معهم الغبطة والسرور. وأدخلوا في الصلح طرابلس وإنطاكية، والأعمال الدانية والنائية. فصل من كتاب إلى الديوان العزيز في شرح نوبة يافا ثم إفضاء الأمر إلى عقد الهدنة قد سبقت مطالعة الخادم بإنهاء حاله، وما هو لا يزال مستمرا عليه من جهاد العدو وقتاله. وما كان عليه الكفر من الجمع الملتهم والجمر الملتهب والحشر والحشد المضطرم المضطرب. وانهم قد اجتمعوا على قصد البيت المقدس، وعزموا على بذل المصونين من النفائس والأنفس. وسلكوا في القصد كل طريق، وتوافوا من كل فج عميق. ودنوا على ظن أن جنى الفتح لهم دان، وأن شبا الحتف عنهم وأن. ولما عرفوا أن المرمى بعيد المرام، وأنهم لا يستطيعون مقاومة عسكر الإسلام. فنكصوا على أعقابهم، ونكسوا ما ضربوه من آرائهم وآرابهم. وعلموا عقبى ما جهلوه وقطعوا من أسباب العزم ما وصلوه. ونكثوا من عقد القصد ما أبرموه، وشرعوا في أمر آخر توهموه. ومضوا واستأنفوا الاستعداد، واستنهضوا الإمداد. وحصنوا بلادهم وجمعوا طرافهم وتلادهم. وشحنوا عسقلان ويافا بالقوة الجامعة، والعدة النافعة، والشوكة الرادعة، والشكة القاطعة. واستظهروا فيهما بكل ما قدروا عليه من المنعة الحامية، ورجال الصبر على النار الحامية. ثم ساروا بحشودهم المجموعة وجموعهم المحشودة، وظلال الضلال الممدودة، وصلال الصلادم المقودة. مستمطري شآبيب الأنابيب، مستنفري سراحين السراحيب. وتوجهوا على سمت ثغر بيروت بنية الحصر وغفلوا عما أجراه الله لأوليائه على أعدائه من عوائد النصر. ولما نمى خبرهم، وطار شررهم، وخيف ضررهم، أنهض الخادم العساكر المنصورة إلى مقابلتهم، ومباراتهم ومقاتلتهم. ونزل في مماليكه وخواصه، ورجال الإقدام ذوي استخلاصه، على مدينة يافا فأخذها بالسيف عنوة، وجب بها من سنام الكفر ذروة، وحل منه بغزوته إليها عروة، واستكمل للإسلام بتملكها حظوة.

стр. 285

وقتل كل من حوته وسبى، وناب المشركين بما بنى مجده ومضى حده فيه وما نبا. وغنم من أموالها المسلمون ما خف وثقل، وأسر من وجد فيها وقتل. ونهب من آلات الحصر ما خرج عن الحصر، وابتذل كل ما صين من الغلال والعدد والمال الدثر للذخر. وطلب أهل القلعة الأمان من القتل خاصة دون الأسر، وشرطوا أنهم لا يمكنون من الدخول إليهم من جاءهم للنجدة من البحر. وأخرجوا على سبيل الرهينة مائة رجل من محتشميهم، وكنودهم ومقدميهم. مثل البطرك الكبير والقسطلان والمرشان؛ ومن يجري مجراهم من الفرسان. فلما أصبحوا جاءهم ملكهم في البحر فغدروا، وامتنعوا بعج انقيادهم للعجز حين قدروا. وخيم العدو هناك في جموعه، وندب إلى عسكره من يأمره برجوعه. ووافت في البر جحافله حافلة، وتواردت في الإسراع إلى الصريخ ظلمانا جافلة. فأجرى الخادم على الرهائن حكم الاسترقاق، وسيرهم إلى دمشق في أقياد الوثاق، ورجع إلى القوم فهزمهم وردهم إلى عكا، بعد ما نكى فيهم وأضحك من دمائهم البيض وأيكى. وعاد إلى العدو ونزل عليه، وكدر الموارد لديه حين زحف إليه. واجتمعت من أهل الإسلام العساكر. واتسعت على المشركين في المضايقة الدوائر. ورجا المؤمن وخاب الكافر، وجالت بأوجالها الضمائر لما جالت عليهم الضوامر. وعاينوا العذاب الواقع، وعدموا الدافع، وشاهدوا المصارع. فما زالت رسلهم تتردد بالضراعة؛ وبذل الطاعة؛ والنزول عن الاشتطاط، والدخول تحت الاشتراط؛ والغبطة بما هزله الإسلام عطف الاغتباط؛ واحتوى عليه بيد الاحتياط. وكانوا لا يجابون إلا بالآباء، ولا تلقى رسلهم إلا بتصميم عزم اللقاء. حتى حضر أكابر الدولة وأمراؤها، وأولياء الطاعة وألباؤها. وأشاروا بعقد الهدنة، والانتهاز فيها لفرصة المكنة. واستقرت المهانة على ما اعز للإسلام الأنوف وأذل من الكفر الرقاب، ورجح وانجح من أهل الإيمان الآراء والآراب. بعد أن نزلوا عن البلاد والمعاقل التي تملكوها، وبعدوا الطرق التي سلكوها، وسألوا الأمان على الأماني التي استدركوها وما أدركوها، وسلموا عسقلان وغزة والداروم ويبنى ولد وتل الصافية، وغير ذلك من الأعمال والأماكن الوافرة الوافية. واقتنعوا بيافا وصور، واستبدلوا من تطاولهم وقدرتهم العجز والقصور. ورأوا عزهم في ذلهم، وصونهم في بذلهم، وسلامتهم في سلمهم، وغناهم في عدمهم، ولانوا بعد الاشتداد. ودانوا للانقياد. وهانوا بعد الاعتزاز، وهابوا بعد الاغترار، وأقروا بعد الإنكار لتعود جفونهم إلى الغرار؛ وأمورهم إلى القرار. وخلوا ديارهم وأخلوها، وما سألوا عن حب الأوطان والأوطار وسلوها. ومدة الهدنة التي اخذوا بها اليد وأعطوا اليمين؛ ثلاث سنين وثمانية أشهر أولها أول أيلول يوم الثلاثاء الحادي والعشرين، من شعبان سنة ثمان وثمانين. ووضعت لحرب أوزارها ورحضت بماء السلم أوضارها، وأخذت من أهل النار
следующие страницы →