Полный текст (32 стр.). Показаны 1–32.
стр. 1
كتاب مثارات الغلط في الأدلة
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
قال شيخنا الإمام العالم العلامة، فريد عصره، وسيد أهل دهره، جامع أشتات العلوم ومحققها: السيد أبو عبد الله [محمد] بن العدل أبي العباس أحمد بن علي الحسني النسب التلمساني الدار، المعروف بالشريف فيها ﵀ وعفا عنه بمنه وكرمه.
стр. 3
الباب الأول:
القسم الأول: الغلط في اللفظ المفرد
الحمد لله رب العالمين، سألت - وفقنا الله وإياكم - عن مثارات الغلط في الأدلة، ورغبت منا حصرها بالوجه الصناعي، وتمثيلها بالمثل العقلية والفقهية، فأجبتك إلى ذلك مستعينا بالله ومتوكلا عليه، وأقول - والله الموفق -:
الغلط في البرهان وغيره من سائر الأدلة والحجاج، إما أن [يكون] من جهة اللفظ، وإما أن يكون من جهة المعنى.
أما الذي من جهة اللفظ، فاعلم - وفقك الله -: أن اللفظ إذا طابق المعنى مطابقة تامة بحيث لا يحتمل اللفظ في الدلالة غير المعنى المقصود لم يقع غلط بسبب اللفظ البتة، وإذا ثبت أنه لابد من احتمال في اللفظ، فذلك الاحتمال إما أن يكون في اللفظ بعد تحقق كونه مفردا أو بعد تحقق كونه مركبًا، أو يكون لدورانه وتردده بين الإفراد والتركيب.
أما إن كان بعد تحقق كونه مفردا، فذلك إما أن يكون الاشتراك في جوهر اللفظ ومادته بأي نوع من أنواع الاشتراك - اعني في الوضع - أو
стр. 4
بكون حقيقة في أحد المعنيين مجازًا في الآخر، أو منقولا، أو نحو ذلك، أو يكون في هيئة اللفظ وصورته دون مادته، أو يكون لأمر خارج عن اللفظ عارض له ولاحق من لواحقه.
أما الاشتراك في جوهر اللفظ فذلك مثار الغلط، ومثاله في العقليات قول السفسطائي: واجب الوجود، إما أن يكون ممكنا أن يكون أو غير ممكن أن يكون، وكل ممكن أن يكون ممكن ألا يكون، فإن لم يكن ممكنا أن يكون فهو ممتنع أن يكون فواجب الوجود ممتنع أن يكون هذا خلف، [وإن كان ممكنا أن يكون، ممكن أن يكون واجب الوجود، ممكن ألا يكون كذا خلف].
ومثال الغلط فيه ان لفظ الممكن مشترك بين الممكن العام الذي معناه لا يمتنع والممكن الخاص الذي معناه جواز الوجود والعدم، فالممكن الذي هو حد وسط في القياس المذكور، إن كان] معناه الممكن العام منعنا قوله: فكل ممكن أن يكون، ممكن ألا يكون، وإن كان معناه الممكن الخاص منعنا قوله: إن لم يكن ممكنا أن يكون، فهو ممتنع أن يكون فلا ينفع عن أحد المعنيين إلا أن يختلف المراد بلفظ الممكن، ـ وحينئذ لا يتحد الوسط.
стр. 5
مثاله في الفقهيات: قول من يرى أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة فيمن وطأها الأب بزنا: إنها تحرم على الابن لقوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء. فيقول في المزني بها: إنها منكوحة الأب، وكل منكوحة الأب تحرم على الابن فهذه تحرم على الابن، فيقول من يبيح ذلك: لفظ النكاح مشترك بين الوطء والعقد، فإن كان المراد بالمنكوحة في الحد الوسط المعقود عليها كذبت الصغرى، وإن كان المراد الموطوءة كذبت الكبرى، لأن لفظ النكاح في القرآن محمول على العقد وإن اختلف المراد فيهما لم يتحد الوسط.
ومثل ذلك القرء في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ فإن لفظ القرء مشترك بين الطهر والحيض وكذلك الشفق في الحديث: أن رسول الله ﷺ العشاء بعد الشفق، فإنه مشترك بين
стр. 6
البياض والحمرة وكذلك الإغلاق في قوله ﷺ : لا طلاق في إغلاق، فإنه مشترك بين الإكراه والجنون ويمكنك بسط الأمثلة الخلافية في هذا الألفاظ الثلاثة.
وأما الاشتراك في هيئة اللفظ وصورته فهو من مثارات الغلط ومثاله: قوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها﴾ ذلك أن أهل العلم اختلفوا: هل إرضاع الأم ولدها حق لها، فليس للأب أن ينقله إلى غيرها من دون رضاها، أو حق عليها، فللأب أن يجبرها على ذلك، وليس لها أن تمتنع، وكل ذلك بناء على أن صيغة الفعل مشتركة بين الفعل المضارع المبني للفاعل وبين الفعل المبني للمفعول النائب عنه، فإذا استدل أحد الفريقين بالاية على مذهبه، فللفريق الآخر أن يعترض عليه بالاشتراك في الصيغة.
وأما المادة فللاشتراك، فيها ومثال لذلك قوله تعالى: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ قال ابن عباس وعطاء: معناه لا يمتنع كاتب من الكتب ولا شهيد من الشهادة إذا دعي إلى ذلك، فالفعل عندهما مبني
стр. 7
للفاعل، وقال عكرمة وجماعة: معناه أن الداعي لا يضر بهما في وقت شغل أو عذر، فالبناء - عندهم - للمفعول النائب عن الفاعل، فأي الفريقين احتج بالاية على مذهبه فللفريق الآخر أن يقدح في احتجاجه بالاشتراك في الصيغة.
وأما الاشتراك من جهة الامور الخارجة اللاحقة للفظ، فإما أن تكون من اللواحق النطقية أو من اللواحق الخطية.
فأما اللواحق النطقية، فمثل: لام التعريف، بين العهد والجنس، ومثل: ياء التصغير بين التحقير والتعظيم، ومثل تاء التأنيث بين التأنيث اللفظي والمعنوي.
ومثال ذلك: أن يستدل من يرى: أن لا عبرة بالمخالطة إلا بتغيير
стр. 8
الماء لقوله ﷺ : ﴿خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير لونه او طعمه أو ريحه﴾ فيقول الخصم: الالف واللام، هنا للعهد، لأنه وارد على سبب معين وهو بئر بضاعة، فاسم الماء لا اشتراك فيه، وإنما الاشتراك في لاحق من لواحقه، وهي لام التعريف وكذلك قوله ﷺ : أفطر الحاجم والمحجوم، لما مر بهما.
وأما اللواحق الخطية، فمثل النقط والتشكيل، ومثاله: استدلال من منع طعام وعرض بطعام، أو بيع نقد وعرض بنقد، بحديث فضالة بن
стр. 9
عبيد: أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: إني ابتعت قلادة فيها خرز وذهب بذهب، فقال النبي ﷺ : لا، حتى تفصل. [بالصاد المهملة] فيقول المخالف: إنما هو حتى تفضل [بالصاد المعجمة] ومعناه: حتى يتبين الفضل في الذهب الثمن ليجعل ذلك ثمن العرض الذي هو الخرز.
ومثال التشكيل: استدلال من يمنع بيع الحنطة في السنبل، بما روي أن النبي ﷺ : نهى عن بيع الحب حتى يفرك، مبنيا للمفعول، فيقول المخالف: إنما هو: حتى يفرك، مبنيا للفاعل، ومعناه حتى يصير فريكا.
ومن ذلك: استدلال من يرى أن الأمة تصير فراشًا بالوطء، فيلحق الولد بالسيد، وإن لم يستلحقه بحديث عبد الله بن زمعه وسعد بن أبي وقاص إذ اختصما إلي النبي ﷺ فقال عبد: يا رسول الله هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، وقال سعد: يا رسول الله هو ان أخي عتبة قد كان عهد إلي فيه، فقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن زمعه: هو
стр. 10
لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة، فقضى به لابن زمعة، فيقول من لا يرى ذلك: الرواية هو لك عبدٌ بالتنوين، وابن زمعة منادى مضاف، ولذلك أمر سودة بالاحتجاب منه ولو ألحقه بزمعة لما أمرها بالاحتجاب من اخيها.
فهذه الوجوه كلها مثارات الأغاليط اللفظية في اللفظ المفرد.
стр. 11
القسم الثاني: الغلط في اللفظ المركب
اشتراك التأليف
وأما الاشتراك الذي هو في اللفظ المركب بعد تحقق تركيبه فهو مثار الغلط، ويسمى اشتراك التأليف، ومثاله في العقليات: العالم إما أن يكون ممكنا أن يكون في الأزل، أو لا يكون ممكنا أن يكون في الأزل، فإن كان ممكنا أن يكون في الأزل أمكن أن يكون قديما وهو محال، وإن لم يكن ممكنا [أن يكون] في الأزل، فلإمكان كونه بداية، ويلزم انقلابه من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، وهو محال، ومثال الغلط فيه أن قولنا في الأزل، إما أن يتعلق بقولنا: ممكنا، أو بقولنا: يكون والتركيب صالح بالمعنيين، فإن كان متعلقا بـ يكون، اخترنا القسم الثاني، وهو أن العالم ليس بممكن أن يكون في الأزل، وحينئذ لا يلزم أن يكون لإمكان كونه بداية وإن تعلق بقولنا: ممكنا اخترنا القسم الأول، وحينئذ لا يلزم إمكان كونه قديما.
ومثاله في الفقهيات: قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ فإنه يحتمل أن يكون استثناء من جميع الجمل المتقدمة، ويلزم جواز قبول شهادة القاذف
стр. 12
بعد توبته، وأن يكون استثناء من الجملة الأخيرة فقط، فلا تقبل شهادة القاذف بعد توبته، والتركيب صالح للمعنيين، فمن احتج من الفريقين على مذهبه، فللآخر القدح في استدلاله باشتراك التأليف.
ومثاله في علم الأصول: قول من منع التكليف بالمشروط عند عدم شرطه الشرعي، وتفرض في تكليف الكفار بالفروع، لو أمكن التكليف بفعل المشروط قبل حصول شرطه الشرعي لم يكن الشرط شرطا، والثاني باطل بالإجماع، فيقول الخصم: قولكم قبل شرطه، إما أن يتعقل بفعل المشروط أو بالتكليف، فإن كان الأول سلمناه، ولا يمس محل النزاع لأنا لا ندعيه وإن كان الثاني منعنا الملازمة، والتركيب صالح للمعنيين.
стр. 13
القسم الثالث: الغلط في اللفظ بسبب تردده بين الإفراد والتركيب
وأما الاشتراك في اللفظ بسبب تردده بين الإفراد والتركيب - وهو القسم الثالث - فإما أن يكون أخذ مركبا وهو مفرد، أو بالعكس، فإن كان الأول فيسمى تركيب المفصل ، وهو مثار الغلط.
ومثاله في العقليات: قول من يرى أن الأرض أبرد من الماء، لأن التراب يابس مفرط، ثم يفرد المفرط بالحمل ويضم إليه، أن التراب بارد، ثم يجمعهما فيقول: التراب بارد مفرط فقد ركب في نتيجته ما هو مفصل.
ومثاله في الفقهيات: استدلال من يرى أن المسح على العمامة، أو مسح الناصية وحدها لا يجزي بحديث مسلم: انه ﷺ مسح بناصيته وعلى العمامة، قال عياض: وأجزأ أحدهما لما ضم إليه الآخر،
стр. 14
فيقول الخصم: أنت ركبت ما هو مفصل، وذلك أنه ﷺ مسح على العمامة، في وضوئه مرة، ومسح بناصيته مرة.
وإن كان الثاني - وهو أن يأخذ ما هو مركب فيفصله - فيسمى تفصيل المركب .
ومثاله في العقليات: الجسم مادة وصورة، والمادة منفعلة فقط، فالجسم منفعل فقط، والغلط فيه كونه أخذ المادة محمولا وفصله، وإنما هو جزء محمول.
ومثاله في الفقهيات: قوله ﷺ في النبيذ: تمرة طيبة وماء طهور. فيفصله من يحتج على جواز الوضوء بالنبيذ، فيقول: النبيذ ماء طهور، والماء الطهور يتوضأ به، فالنبيذ يتوضأ به، فيفصل ما هو مركب بل الصحيح أن النبيذ مجموع من الماء والتمرة، وإنما ذلك كقولنا: الطين ماء وتراب.
فهذه مثارات الغلط اللفظي وهي ستة لا أزيد منها: اشتراك الجوهر، واشتراك الصيغة واشتراك اللواحق، واشتراك التأليف وتركيب المفصل، وتفصيل المركب.
стр. 15
الباب الثاني: الغلط المعنوي
القسم الأول: مثارات الغلط من جهة المعنى .
أولا: مثارات الغلط في التأليف الجزئي .
وأما مثارات الغلط الذي من جهة المعنى، فنقول فيه: إن كان دليل وحجة فهو ذو مادة وصورة.
وأما مادته: فالقريبة القدمات، والبعيدة أجزاؤها وهي الحدود.
وأما صورته: فالتأليف القياسي، فإن سلكنا في هذا التعليم أحد طريقيه - وهو طريق التركيب - فينبغي أن نبدأ أولا بأجزاء القضية، ثم تأليف الأول وهو التأليف الجزئي، ثم بالتأليف الثاني وهو التأليف القياسي فنقول: جزء القضية سواء كان موضوعا أو محمولا لا يخلو: إما أن يكون كثيرا من كل وجه، أو واحدا من وجه، ويندرج في هذا القسم ما هو واحد من كل وجه.
- أما القسم الأول - وهو الكثير من كل وجه -[فهذا لا سبيل معه
стр. 16
إلى اتحاد القضية، لأنه لابد من النسبة الحكمية بين الجزء الأخير وبين كل واحد من أجزاء الطرف الآخر، فهي ذات نسبتين حكميتين]، والنسبة الحكمية هي الصورة للقضية، فيؤدي إلى أن تكون القضية الواحدة ذات صورتين وهو محال، فإذا أخذت القضية المشتملة على هذا الفرض واحدة، فهو مثار الغلط، ويسمى بجمع المسائل في مسألة واحدة، فقد تصدق إحدى النسبتين وتكذب الأخرى، وقد يكذب في هذا التركيب طرق التقابل.
ومثاله في العقليات قول القائل: المادة والصورة، إما أن يكون في الجسم مبدأ الفعل أو مبدأ الانفعال والتحقيق فيه التفصيل، اعني أن المادة مبدأ الانفعال، والصورة مبدأ الفعل، وقد يكون التعدد من جهة المحمول لقول القائل: الجسم إما أن يفعل وينفعل بمادته، أو لا يفعل وينفعل بمادته، والحق أنه ينفعل ولا يفعل بها.
ومثاله في الفقهيات: قول القائل: الوضوء والتيمم إما أن يرفعا الحدث أو لا يرفعاه، والحق التفصيل، وهو أن الوضوء يرفعه، والتيمم لا يرفعه وكذلك إذا كان التعدد من جهة المحمول كقول القائل: بيع الرجل على بيع أخيه، أو نكاحه على نكاح أخيه أيهما اخذنا مفردًا، إما أن يحل ويصح، او لا يحل ولا يصح والتحقيق التفصيل وهو أنه لا يحل ويصح.
وأما القسم الثاني: أن يكون كل واحد من طرفي القضية متحدا بوجه ما، فإما أن تشتمل القضية الحتملين المستحقين الوضع والحمل أو لا
стр. 17
تشتمل، فإن لم تشتمل فلابد أن يكون الجزء المأخوذ بدلا عن الفائت ملابسا للجزء الفائت بوجه من وجود الملابسة، أعني أن تكون عارضا له، أو معروضا أو مقارنا في موضوع، أو محل، أو زمان، أو مكان أو نحو ذلك في الوجوه ليمكن أخذ أحدهما كأنه الآخر، وذلك مثار الغلط، ويسمى أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات.
ومثاله في العقليات: قول القائل: الجسم متصل، والمتصل لا تبقي ذاته عند طريان الانفصال فالجسم لا يبقي ذاته عند طريان الانفصال، فيقول: [الآخر: المتصل إنما يحتمل بالذات على الجسم التعليمي الذي هو النوع من الكم.
وأما الجسم الطبيعي الذي هو الجوهر]، فإنما يحمل عليه المتصل بالعرض.
ومثاله في صرف المحمول: قولهم: السقمونيا، مبردة، وإنما هي بالذات مسهلة للصفراء، وعند ذلك يعرض للجسم البرد، فيحمل ذلك على السقمونيا بالعرض.
ومثاله في الفقهيات: قول القائل: نكاح الأمة اختيارًا حرام، لأنه
стр. 18
سبب في إرقاق الولد، وما يكون سببًا في إرقاق الولد حرام، فنكاح الأمة حرام، فيقول: الخصم: [إنما تحمل] السببية بالذات على إرقاق الأم، فإنها السبب في إرقاق الولد، لكن لما قارنه النكاح حمل عليه بالعرض.
ومثاله من جهة المحمول: قول القائل: الماء مطهر للجسد إذا أصابته النجاسة، فيقول الخصم، إنما الماء مزيل للنجاسة، فإذا زالت النجاسة بماء فالمحل طاهر بالأصالة، فلما قارنت هذه الطهارة المتجددة لإزالة النجاسة حملت على الماء بالعرض.
ومن أمثال الموضوع - أيضا -: قول القائل: الصلاة في الدار المغصوبة معصية، والمعصية لا تقع امتثالا للأمر، وما لا يقع امتثالا للأمر فلا يجزيء عن المأمور به، فيقول المخالف: المعصية ثابتة بالذات للغصب لا للصلاة، لكنها لما اقترنا حملت المعصية عليها بالعرض. هذا كله إذا أخذ في القضية ما لا يستحق الوضع، أو الحمل بدلا عما يستحقه.
فأما إن اشتملت القضية على جزئين، فإما أن يشترط فيهما شرط في الوضع أو الحمل أو لا يشترط فإن لم يشترط فلا غلط وإن اشترط وذكر ذلك في القضية فلا غلط من هذا الوجه، وإن لم يذكر فهو مثا الغلط، ويسمى الإطلاق في موضع التقييد ، فقد يكون من جهة الموضوع، وقد يكون من جهة المحمول. ومثاله من جهة الموضوع في العقليات: قول القائل: كل جسم فيه
стр. 19
ميل طبيعي إلى حيزه الطبيعي، وكل ما فيه ميل طبيعي إلى حيزه الطبيعي فهو متحرك حركة طبيعية أو مقسور عنها، فكل جسم فهو متحرك حركة طبيعية أو مقسور عنها، فيقول: الخصم: الميل الطبيعي إنما يحصل للجسم الخارج عن حيزه الطبيعي، فأما وهو فيه فلا ميل له، فقد أطلقت ما يجب تقييده.
ومثاله في الفقهيات: قول القائل: المديان مالك لنصاب حال عليه الحول، وكل مالك لنصاب حال عليه الحول فعليه زكاة نصابه، فالمديان عليه زكاة نصابه فيقول الخصم: موضوع الكبرى لا يصدق عليه [محمولها إلا] مقيدا بالملك التام، ولذلك لا تجب الزكاة على العبد وإن كان مالكًا [للنصاب، فأنت] قد أطلقت ما يجب تقييده.
ومثاله من جهة المحمول في العقليات: [قول من يرى] أن الإنسان إنما يدرك المعقولات بقوة تتعلق بها لا بانطباع المعقولات في جوهر، وكل إنسان ذو وضع محسوس، وكل ذي محسوس لا يعقل المعقولات المجردة عن الأوضاع، فكل إنسان لا يعقل المعقولات
стр. 20
المجردة عن الأوضاع، فيقول: الخصم: أنت قد أطلقت المحمول، وإنما الصادق أن كل ذي وضع لا يقبل المعقولات من حيث هو ذو وضع، ولا يلزم من ذلك ألا يقبلها مطلقا، فالإنسان من جهة مادته ذو وضع لا يقبل المعقولات من جهة جسميته ومادته، ولا يلزم ألا يقبلها من حيث صورته وهي النفس الناطقة التي لا وضع لها.
ومثاله في الفقهيات: قول من يرى الصلاة على جلد الميتة المدبوغ طاهر، وكل طاهر تجوز الصلاة عليه، فجلد الميتة تجوز الصلاة عليه.
فيقول الخصم: أنت قد أطلقت ما يجب تقييده، وهو أن جلد الميتة طاهر طهارة مقيدة باستعماله في اليابسات، والماء وحده لا مطلقا.
فإن كانت القضية مشتملة على الجزئين المستحقين للوضع والحمل بشرطهما فلا غلط يلحقه من جهة أجزاء القضية، لكن إما أن تكون هيئة القضية مأخوذة كما يجب أعني أن يكون ما يستحق الوضع موضوعا، وما يستحق الحمل محمولا أو لا تكون الهيئة مأخوذة كما يجب، وذلك بأن يعكس الترتيب في التركيب، فإن كان الأول فلا غلط من جهة
стр. 21
القضية، وإن كان الثاني هو مثار الغلط، ويسمى ﴿إيهام العكس﴾ وأخذ اللازم وأخذ اللاحق.
ومثاله في العقليات: قول من يرى أن هيولا الجسم هي مكانة، فإن الهيولا قابل لتعاقب الأجسام عليه، وكل قابل لتعاقب الأجسام عليه فهو مكان، فالهيولا مكان، والغلط في الكبرى فإن الحق العكس، وهو أن المكان قابل لتعاقب الأجسام عليه، وذلك لا ينعكس كليا.
ومثاله في الفقهيات: قول من يرى أن العارية في ضمان المستعير مطلقا، إن المستعير له الخراج في زمن العارية وكل من له الخراج فعليه الضمان لقوله ﷺ : الخراج بالضمان، فينتج أن المستعير عليه الضمان.
فيقول الخصم: الصحيح الذي يقتضيه الحديث أن من عليه الضمان فله الخراج، وهي قضية كلية موجبة لا تنعكس على نفسها.
فإن كانت القضية مشتملة على الجزئين كما يجب، وعلى الهيئة كما يجب، نظرنا بالنسبة الحكمية، فإن كانت مأخوذة كما يجب كيفا وجهة،
стр. 22
فلا غلط في القضية، وإن لم توجد كما يجب فهو مثار الغلط، ويسمى ﴿سوء اعتبار الحمل﴾، ويقال له أيضًا: إعقال توابع الحمل.
ومثاله: قول القائل: لو كان الجسم منقسمًا إلى ما لا نهاية له، لكان مركبًا مما لا نهاية له، والتالي باطل، فالمقدم مثله.
فيقول الخصم، إنما تصح الملازمة إذا كان المقدم قضية فعلية، والصحيح فيها الإمكان لا الفعل.
ومثاله في الفقهيات: قول القائل: نكاح الأمة مرق للولد، وكل مرق للولد حرام، فنكاح الأمة حرام.
فيقول الخصم: الصغرى ممكنة لا مطلقة، فالموضوع في الكبرى إن أخذ ممكنا منعناها، وإن أخذ بالفعل لم يتحد الوسط ولو سلم إنتاجه، فالنتيجة ممكنة، وذلك لا ننكره.
ومثاله أيضا: نكاح المريض مبطل حق الورثة، وكل ما هو مبطل لحق الورثة ممنوع، فنكاح المريض ممنوع.
فيقول المخالف - كما تقدم -.
فهذه جملة مثارات الغلط في القضية الواحدة، وهو التأليف الجزئي وهو التأليف الأول في القياس.
ثانيا: مثارات الغلط في التأليف القياسي .
стр. 23
وأما التأليف الثاني: وهو التأليف القياسي، فإما أن تكون صورته صورة استقامة أو صورة خلف، فإن كانت صورة استقامة فيسمى القياس المستقيم، فإما أن يكون بنه وبين المطرب اتصال علمي، أعني أن يكون بحيث يستلزم من وضع مقدمات المطلوب]، أو لا يكون بينهما اتصال علميي، فإن لم يكن فهو مثال الغلط، ويسمى وضع ما ليس بعلة علة . وذلك يشتمل قسمين:
أحدهما: ألا يكون التأليف منتجا، وذلك احتمال شرط من شروط الإنتاج، ومثاله في العقليات: قول القائل: المكان تتعاقب عليه الأجسام، والهيولا يتعاقب عليه الأجسام، فالمكان هيولا فإن هذا من الشكل الثاني من موجبتين، قد علم أن من شرط إنتاجه اختلاف المقدمتين في الكيف.
ومثاله في الفقهيات: قول القائل: الوتر يصلي على الراحلة، والنفل يصلي على الراحلة، فالوتر نفل، فإن كانت المقدمات كاذبة مع فساد الصورة فيسمى عندهم القياس الوخيم.
القسم الثاني: أن يكون التأليف منتجا ، لأنه ينتج غير المطلوب.
ومثاله في العقليات: قول برمنيدس، كل ما سوى الوجود فهو لا
стр. 24
موجود، وما هو لا موجود فليس بشيء، فالموجود واحد، فإن هذا إنما ينتج: إنما سوى الموجود فليس بشيء، لأن الموجود واحد.
ومثاله في الفقهيات: قول القائل: النكاح أو البيع وقت النداء إلى الجمعة فاسد، لأنه شاغل عن الجمعة، وكل شاغل عن الجمعة فهو حرام، فالبيع أو النكاح فاسد.
فيقول الخصم: هذا منتج: إنه حرام لا أنه فاسد، وكونه حرامًا، ليس هو كونه فاسدًا ولا يستلزمه، ألا ترى أن بيع المصراة حرام، وإن وقع صح، ولذلك جعل النبي ﷺ الخيار فيه للمبتاع ولم يفسخه، فقد أنتج الدليل غير المطلوب.
وأما إن كان بين التأليف والمطلوب اتصال علمي، فإما أن تكون المقدمات أعرف من المطلوب أو لا تكون.
فإن كان الأول فلا خلل ولا غلط، وإن كان الثاني هو مثار الغلط، ويسمى المصادرة على المطلوب الأول ، وهي ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يؤخذ المطلوب بعينه مقدمة في الدليل .
стр. 25
ومثاله في العقليات: قول القائل: العلم لا يحد لأنه ضروري [فإنه لا يحد بنفسه لاستحالة ذلك، ولا بغيره لأن غير العلم لا يعرف إلا بالعلم] فهذا أخذ المطلوب مقدمة دليله بعينه.
ومثاله في الفقهيات: قول القائل: المكره لا يلزمه الطلاق، لأن المكره مغلق عليه، والمغلق عليه لا يلزمه الطلاق، فالمكره لا يلزمه الطلاق.
أما الصغرى فلأن الإكراه، والإغلاق لفظان مترادفان عند أرباب اللغة، وأما الكبرى فلقوله ﷺ : لا طلاق في إغلاق.
فيقول الخصم: الكبرى التي أخذتها في هذا القياس هي عين المطلوب.
ومن ذلك قول القائل في بيان أن النوم حدث يوجب الوضوء، قال الله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ الاية، ومن المعلوم أن الاية لا تؤخذ بظاهرها وإلا لزم الوضوء كل قائم متطهرا أو غير متطهر، فإذا لابد من إضمار في الاية، فإما إن تضمر من الأحداث ما ذكر في
стр. 26
الآية، أو لم يذكر، ومن المعلوم أنه لا يصح إضمار ما ذكر لما يلزم في ذلك من التكرار، فتعين أن المضمر ما لم يذكر، ولم يبق مما لم يذكر إلا النوم، فكأنه قال: إذا قمتم من النوم، فدل أن النوم حدث يوجب الوضوء.
فيقول الخصم: إنما يتعين إضمار النوم بعد تسليم أنه حدث، فهذه مصادرة.
النوع الثاني: أن يكون المطلوب مساويًا لمقدمة الدليل في الخفاء والمعرفة كأخذ أحد المتضايفين في بيان الآخر.
ومثاله في العقليات: قول القائل: الشمس فوق الزهرة في وضع الأفلاك وهيئتها، والدليل على ذلك: أن الزهرة كاسفة للشمس، والكاسف تحت المكسوف، فالزهرة تحت الشمس، وكلما كانت الزهرة تحت الشمس، كانت الشمس فوقها، والشمس فوق الزهرة
فيقول الخصم: هذه مصادرة، فإن كون الزهرة تحت الشمس، وكون الشمس فوقها، قضيتان متساويتان في الخفاء.
ومثاله في الفقهيات: قول القائل: النكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادات، لأنه كلما كانت مصالح التخلي قاصرة عن مصالح النكاح كان التخلي دون النكاح، لكن المقدم حق [فالثاني حق]، ثم نقول: كلما كان التخلي دون النكاح كان النكاح فوق التخلي، لكن المقدم حق،
стр. 27
فالثاني حق، ومن المعلوم ان كون التخلي دون النكاح، وكون النكاح فوق التخلي سيان في الخفاء والظهور.
النوع الثالث: أن يكون المطلوب، أخفي من المقدمة المذكورة في الدليل .
ومثاله: في العقليات قول القائل: لو كان الجسم مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ لكانت مسافة الحركة مؤلفة منها، فكان الزمان المساوي للحركة مؤلفا من أنات بالفعل فيلزم تتالي الأنات وتتالي الأنات محال.
فيقول الخصم: إنما يستحيل تتالي الأنات، ويعرف ذلك باستحالة تألف الجسم من أجزاء لا تتجزأ، فاستحالة الأنات أخفي من المطلوب.
ومثاهل في الفهيات: قول القائل: لو صح نكاح الخيار لما فسخ إذا وقع، لكنه يفسخ إذا وقع فهو ليس بصحيح.
فيقول الخصم: إنما يعلم أنه يفسخ بعد العلم بعدم صحته، فكيف يؤخذ في بيانه.
ومنه قوله في المدونة في نكاح الخيار: إنه لا يصح، لأنهما لو ماتا لم يتوارثا.
ومما ينبغي أن يتفطن له في هذا الباب، أن يكون النص قد وجد في أحد المتضائفين، ويكون المطلوب قد ترجح بالمضائف الآخر، فيذكر
стр. 28
المستدل لزوم أحد المتضائفين للآخر تنبيها، لا أنه مقدمة أجلي من المطلوب.
ومثاله: قول القائل: بنت الزنا حرام على الزاني، لأن بنت الزنا بنت للزاني، فكانت حرامًا، لقوله تعالى: ﴿وبناتكم﴾ ثم بين أن بنت الزنا بنت للزاني، بأن الزاني [أب لها]، ويستدل بحديث جريح حين قال للولد: من أبوك يا بوس، ؟ فقال: فلان الراعي، فدل الحديث على أن الزاني يسمى ابا، وإذا كان الزاني، ابا لبنت الزنا كانت بنت الزنا بنتا للزاني، وهو المطلوب، فمثل هذا لا ينبغي أن يعد مصادرة.
هذا كله إذا كان التأليف القياسي تأليف استقامة.
أما إذا كان التأليف تأليف خلف، وهو أن تثبت المطلوب باستلزام نقيضه الكاذب، والمحال فحكمه حكم [القياس
стр. 29
المستقيم] في جميع ما تقدم من مثارات الغلط، والمحال الذي ينتجه قياس الخلف بمثابة المطلوب في القياس المستقيم، فيتحرز فيه من المصادرة، ووضع ما ليس بعلة علة، وإنما يزيد قياس الخلف على القياس المستقيم بمثار واحد في مثارات الغلط وهو إهمال المتقابلات، وذلك أن قياس الخلف هو أن تثبت المطلوب بإبطال نقيضه، فإن أخذ فيه غير النقيضين فلا خلل فيه، وإلا فهو مثار الغلط.
ومثاله في العقليات: قول القائل: التعين امر عدمي، لأنه لو كان أمرًا ثبوتيا لكان له تعين آخر، وهو وجودي فيكون له تعين آخر، ويتسلسل.
فيقول الخصم: إنما يتم ذلك لو كان هذا المحال لازمًا لنقيض مطلوبك، وإنما مطلوبك أن كل تعين أمر عدمي، فنقيضها جزئية لا كلية، وإنما يلزم المحال إذا أخذت كلية.
ومثاله في الفقهيات: قول القائل: اقتناء أواني الذهب مباح، لأنه لو كان حراما لحرم بيعها ولما صح.
فيقول المخالف: إنما نقيض كونه مباحًا ألا يكون مباحًا لا أنه حرام.
فهذه مثارات الغلط المعنوية، وهي على ما ذكرته ثمانية: خمس تتعلق بالقضية، وثلاث تتعلق بالقياس.
أما التي تتعلق بالقضية: فجمع المسائل في مسألة، و"أخذ ما
стр. 30
بالعرض مكان ما بالذات، والإطلاق في موضع التقييد، وإيهام العكس، وسوء اعتبار الحمل.
والتي تتعلق بالقياس: وضع ما ليس بعلة علة، والمصادرة على المطلوب، وإهمال المتقابلات، ويقال فيه: إهمال شروط التناقض، لكن أرسطو - أمام هذه الصناعة - لما ذكر المغالطات اللفظية عدها ستا، كما عددناها، ولما ذكر المغالطات المعنوية عدها سبعا، وأسقط سوء اعتبار الحمل، ولكنه زاده الإطلاق والتقييد، لأنه يأخذ اعتبارات الحمل قيودًا في الحمل، وأما أبو نصر فذكر السبع التي ذكرها ارسطو، وزاد عليها، موضع النقلة والإبدال، وهو أن ينتقل الذهن من الشيء إلى ما يقوم مقامه غلطا، وهما يفترقان في الخواص واللوزام والمقارنات والخيالات، وقد ينتقل إلى الشبيه كما يظن بالهواء أنه الخلاء، وإلى اللازم كما ينتقل من تناهي الأجسام إلى شكلها وإلى المقابل كما ينتقل من أحد المتقابلين إلى الآخر.
стр. 31
وأما الخيالات فإنها تثير الغلط كثيرًا من قبل أن كثيرًا من المعقولات لا تستقر في العقل إلا مقارنة بخيالات جسمانية، فيعسر على العقل تجريد صورها الخاصة من الخيال، مثل تصورنا ما قبل العالم: بأنه امتداد زماني، وخارج العالم: بأنه خلاء أو ملاء، ومن هنا ظن بعضهم أن الأشعة والظلمات والظلال أجسام، وأنت تعلم إذا تأملت هذا الموضع أعني موضع النقلة والإبدال أنه راجع [إلى ما] بالعرض، ولذلك قال أبو علي في الشفاء حين عد هذه المواضع: انظروا معشر المتعلمين إلى هذا الرجل العظيم - يعني أرسطو، وتأملوا هل زاد أحد بعده في هذه المواضع، ما يستحق الزيادة وبينا وبينه المدة التي هي قريب من ألف وثلاثمائة وثلاثين سنة. وكان شيخنا أبو عبد الله الآبلي، يقول: إن أبا علي إنما عرض بأبي نصر حين زاد بزعمه موضع النقلة، وأقول: أما نحن فقد نبهنا على مواضع الغلط محصورة بالطريق الصناعي ممثلة تمثيلا بتقريب يؤيد الفهم.
فهذه نبذة إن أنت حققتها سهل عليك الوقوف على مثارات الغلط في الأدلة العقلية والفقهية عند الاستقراء.
стр. 32
والله ولي التوفيق والعصمة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.
تم بحمد الله وحسن عونه، وكان يوم تمامه من نسخة نقلت من مبيضة شيخنا أبي عبد الله مؤلفه ﵀ في شهر موته - وهو ذي الحجة [ ... ] إحدى وسبعين وسبعمائة.