هي السبعُ المثاني والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُهُ" (١).
فاستدل بهذا الشافعيةُ في أن إجابةَ الرسولِ ﷺ في الصلاة واجبَةٌ، وأنها غيرُ مُبْطِلَةٍ للصلاة (٢).
أما الوجوبُ فظاهرٌ.
وأما عدمُ إبطالِها للصلاةِ، فوجهُ الدَّلالَةِ دعاءُ النبيِّ ﷺ له، مع علمه بصلاته، ولو كانتْ إجابتُه تبطلُ صلاةَ ابنِ المُعَلَّى، ما رضيَ ﷺ أن يُفْسِدَ عليهِ صَلاتَه، بل أنكرَ عليهِ عدمَ إجابتِه، واحتجَّ عليهِ بعُمومِ أمرِ اللهِ تعالى، ولم يقلْ له: لا علمَ لي بأنكَ في صَلاة.
وقالت المالكيةُ: الإجابةُ واجبةٌ، ولكنها تبطلُ الصلاة (٣).
وهذا مُنابِذٌ لهذا الحديث الثابت، ومباينٌ لوجه القصة (٤).
* * *
١٤٣ - (٤) قوله ﵎: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
* مَنَّ اللهُ في هذه الآيةِ وما أشبَهَها على عِبابٍ المُجرمين بقَبولِ إسلامِهم، ثم هَدَمَ جرائِمهمُ العظيمةِ؛ تأليفاً لهم، ورحمة بهم.
* وقد اتفقَ المسلمونَ على إسقاطِ الحُقوقِ المُعلقة بالمشركِ الحَرْبيِّ
стр. 1192
بالإسلام مطلقًا، وإنما اختلفوا في المرتَدِّ إذا رجعَ إلى الإسلام:
فقال أبو حنيفةَ ومالِكٌ: يسقطُ عنهُ كُلُّ حَقٍّ هو للهِ تعالى؛ لعموم الآية، وما كانَ من حقوقِ الآدميين، لا يسقطُ (١).
وقالَ بعضُ المالكيةِ: هو كالكافرِ الأصليِّ يسقطُ عنهُ كلُّ شيء (٢).
وقال الشافعيُّ: لا يسقطُ عن المرتدِّ شيءٌ من حقوقِ الله تعالى؛ لالتزامه بها، فهي كحقوقِ الآدميين (٣).
وأما المستأمَنُ، فلا يسقطُ عنه بالإسلامِ ما وجبَ من حقوقِ الآدميين من حَدِّ قَذْفٍ، وغُرْمِ مالٍ، وقَطْعٍ في سرقة، وقِصاصٍ في عَمْدٍ (٤).
وأما الذِّمِّيُّ، فقالَ ابنُ المنذر: حُكِيَ عن الشافعيِّ إذْ هو بالعراقِ: أنه لا حَدَّ عليه، ولا تَغْريبَ (٥)؛ لهذه الآية: قال: وهو موافقٌ لما رُوِيَ عن مالِكٍ (٦).
وقال أبو ثَوْرٍ: إذا أقرَّ أنه زَنى، وهو كافرٌ، أقيمَ عليه الحَدُّ (٧)
* * *
стр. 1193
١٤٤ - (٥) قوله ﵎: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩].
* أمر اللهُ سبحانَه في هذه الآية وما أَشْبَهَها بقتال المشركين الذين أُمر النبي ﷺ بدعوتهم حتى لا تكون فتنة، أي: شِرْكٌ بالله تَعالى، ويكونَ الدينُ كلُّه لله تعالى.
قال سعيدُ بنُ جُبَيْر: خرجَ علينا، أو إلينا ابنُ عمرَ، فقال رجلٌ: كيفَ ترى في قِتالِ الفِتْنَةِ؟ فقال: وهل تدري ما الفتنةُ؟ كانَ محمدٌ ﷺ يقاتلُ المشركين، وكان الدخولُ عليهم فتنةً، وليس بقتالِكُم على المُلْكِ، خرجه البخاري (١)، فيجبُ علينا أن نقاتلَهم حتى يُسْلموا، ولا نقبل منهم إلا الإسلامَ، أو السيفَ.
وروى أبو هريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- أن النبيَّ ﷺ قال: "لا أزالُ أُقاتلُ الناسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قالوها، فقد عَصَموا مني دِماءَهُم وأموالَهم، إلا بِحَقِّها، وحسابُهُمْ على الله" (٢).
* فإن قلت: فقد وردَ في كتابِ الله سبحانهَ، وفي سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ آيةٌ تُناقِضُ هذهِ الآيةَ، وسُنَّةُ تُناقض هذه السَّنَّةَ.
أما الآيةُ، فقال اللهُ تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية.
وأما السنَّةُ فما روى عَلْقَمَةُ بنُ مَرْثَدٍ، عن سُلَيمانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عن أبيه:
стр. 1194
أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ إذا أَمَّرَ أَميراً على جيشٍ أو سَرِيَّةٍ، أوصاهُ في خاصته (١) بِتَقْوى الله، ومَنْ معهُ منَ المسلمينَ خيراً، ثم قال: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله" الحديث (٢)، وقد تقدَّم في "سورة البقرة".
قلنا: قد أجابَ زعيمُ الجَماعة وإمامُ هذه الصناعَةِ أبو عبدِ الله الشافعيُّ -رحمه الله تعالى-، فقال: ليسَ واحدةٌ من الآيتين ناسخةً للأخرى (٣)، ولا واحدٌ من الحديثينِ ناسخاً للآخر، ولا مخالفاً، لكنَّ أحدَ الحديثين والآيتين من الكلام الذي مخرجُه عامٌّ يُرادُ به الخاصُّ، ومنَ المُجْمَلِ الذي يدلُّ عليه المُفَسَّرُ، فأمرَ اللهُ بقتالِ المشركينَ حتى يؤمنوا، والله أعلم.
أمر بقتالِ المشركين من أهلِ الأوثان، وهم أكثرُ مَنْ قاتلَ النبيّ ﷺ ، وكذلك حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-.
وفرض الله تعالى قتالَ أهلِ الكتابِ حتى يُعطوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهُمْ صاغرون، إن لم يؤمنوا، وكذلك حديثُ ابن بريدةَ في أهل الكتابِ خاصَّةً، كما كانَ حديثُ أبي هُريرةَ في أهلِ الأوثانِ خاصَّةً.
قال: فالفرضُ في قتالِ من دانَ هو وآباؤه دينَ أهلِ الأوثانِ من المشركين أن يُقاتَلوا إذا قُدِرَ عليهم حتى يُسْلموا، ولا يجوزُ أن نقبلَ منهم جزيةً؛ لكتابِ اللهِ تعالى، وسنةِ نبيِّه ﷺ .
قال: والفرضُ في أهلِ الكتابِ ومنْ دانَ قبلَ نزولِ الفرقانِ دينَهم أن يُقاتَلوا حتى يُعْطوا الجزيةَ، أو يُسلموا، سواءٌ كانوا عَرَباً، أو عجماً (٤)، انتهى!
стр. 1195
فإن قلتَ: حديثُ ابنِ بُرَيْدَةَ كانَ قبلَ الفتح، بدليل قوله: "ثم ادعُهم إلى التَّحَوُّل مِن دارِهِم إلى دارِ المُهاجِرينَ"، وكان المشركون الذين يبعث إليهم السرايا أهلَ أوثانٍ، لا أهلَ كتابٍ يومئذٍ؛ بدليل قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، والذين يلونَهُم أهلُ أوثانٍ، لا أهلُ كتابٍ، فالقولُ بالنسخِ فيه أقربُ؛ لتقدمه.
قلتُ: هذا سؤالٌ قويٌّ؛ لأنه الظاهرُ يومئذ، ولكنه ﷺ قد غَزا أهلَ الكِتابِ وقاتَلَهُمْ قبلَ الفتحِ، فَغزا خيبرَ، واستفتَحَ حُصونَها، وغزا جيشُه مُؤْتةَ من أرضِ الشام، وهم أهلُ كتابٍ، ولأنه يحتملُ أن يكون إنما أَمَرَهُم بالتحوُّلِ من دارِهم إلى دارِ المُهاجرينَ دَعْوَةً لهم إلى الجِهاد؛ فإنها كانتْ مَوْطِنَ الإمامِ الأَكْبَرِ الذي يُجَهِّزُ الجيوشَ، ويبعثُ السرايا، ليصيبوا الحُسْنَيَيْن جميعاً، ولهذا أمرَ بإعلامِهم أنهم ليسَ لهم في الفَيْءِ شيءٌ، إلا أن يُجاهدوا معَ المسلمينَ، فيكونُ حديثُ بريدةَ موافقاً لحديثِ أبي هريرةَ في المَعْنى والتاريخ، إذ ليسَ على تقدُّم واحدٍ منهما أو تأخُّرِه دليلٌ صريح، وقد تقدَّم نَحْوُ هذا الكلامِ في "سورة البقرة".
* * *
١٤٥ - (٦) قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: ٤١].
* قد قدمتُ ما قيلَ في حقيقةِ النَّفَلِ، ثم أذكرُ الآنَ ما قيلَ في الغَنيمَةِ والفَيْءِ.
فأما الغنيمةُ.
١ - فذهبَ جمهورُ أهلِ العلمِ إلى أنهُ المأخوذُ من الكُفَّارِ قَهْراً وقَسْراً،
стр. 1196
سواءٌ كانَ منقولاً، أو غيرَ منقولٍ، والَفْيءُ: ما أُخِذ بغيرِ قِتالٍ، ولا إيجافِ (١) خَيْلٍ ورِكابٍ (٢).
وبه أخذَ الشافعيُّ (٣).
وهو مُقْتَضى عُرْفِ اللسانِ.
٢ - وقيل: الفيءُ يقعُ عليهما، والغنيمةُ لا تقع إلا على المأخوذ قَهْراً، وأحدُهما (٤) أَخَصُّ من الآخر، وإلى هذا يرشدُ كلامُ الشافعيِّ أيضاً (٥).
٣ - وقال قومٌ: الفيءُ والغنيمةُ بمعنًى واحدٍ (٦).
٤ - وقال مجاهدٌ: الغنيمةُ تختَصُّ بالأموال المنقولةِ، والفَيْءُ بالأرَضين (٧).
وسيأتي الكلامُ على الفيءِ، -إن شاء الله تعالى-.
* ثم أقولُ: إن اللهَ سبحانَهُ كَرَّمَ هذهِ الأُمَّةَ وشَرَّفَها، فَحَلَّلَ لها الغَنائِم،
стр. 1197
فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩].
وقد ثبت أنها من خَصائصِ هذه الأمةِ (١).
وتولى الله سُبحانه في هذهِ الآيةِ قِسْمَةَ الغنيمةِ، وَبيّنَ مصارفَها، كما تولّى ذلكَ في المَواريثِ، فأضافَ جُمْلَتَها إلى الغانِمين، واستثنى خُمُسَها، فجعله لهُ جلَّ وعلا، ولرسولهِ ﷺ ، ولذَوي القُرْبى واليَتامى والمساكينِ وابنِ السبيل، فقسمَهُ على ستة أسماء.
* وقد اتفقَ أهلُ العلمِ، أو أكثرُهم، على أن اسمَهُ ﷻ جاءَ لاسْتِفْتاحِ الكلامِ به تشريفاً وتكريماً؛ كما جاءَ في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، فله سبحانه ما في السمواتِ وما في الأرضِ (٢)، إلا ما حُكيَ عن أبي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ أنه قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُؤْتى بالغنيمةِ، فيقسمُها على خَمْسةٍ، يكون أربعةُ أخماسِها لمنْ شَهِدَها، ثم يأخذُ الخُمُسَ، فيضربُ بيدهِ ليأخذَ منه الذي قبض كفُّه فيجعلُهُ للكعبةِ، وهو سهمُ اللهِ تعالى، ثم يقسمُ ما بقيَ على خمسةِ أَسْهُم (٣).
* واختلفوا في اسمِ الرسولِ ﷺ .
فقيل: هوَ أيضاً استفتاحُ كلامٍ، مثل اسم الله، ليس للهِ ولا لرسولهِ
стр. 1198
منه شيءٌ، ويقسمُ الخمسَ على أربعةِ أسهم.
وحُكِي هذا عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما (١) -.
والذي عليه أكثرُ العلماءِ: أنهُ للتقسيمِ، وأنه ﷺ يملكُ الخُمُسَ (٢)، فقد خصَّ اللهُ تعالى نبيَّه ﷺ بذلكَ، وإن لم يَخُضِ الوقيعةَ، ويخصّهُ بالصَّفِيِّ (٣) من المَغْنَمِ أيضاً، وقد اصطفى صفيَّة وذا الفقار (٤)، (٥).
واختلفوا في سَهْمِه، فقال قومٌ: يسقُطُ بموتهِ (٦) شَرَّفَهُ اللهُ تعالى بذلكَ، وأبطلَ به ما كانتِ العربُ في الجاهليةِ تَخُصُّ به رئيسَها، فكانوا يجعلونَ له الرُّبُعَ والصَّفِيَّ، ثم يتحكَّمُ بعدَ الصَّفِيِّ في أيِّ شي؛ أرادَ، ويجعلون له ما شذَّ من الغنيمةِ، وما فضلَ من مَتاعٍ، قال شاعرُهم (٧): [البحر الوافر]
لَكَ المِرْباعُ منها والصَّفايا * * *
وحَكْمُكَ والنشيطةُ والفُضول
стр. 1199
وعلى هذا استقرَّ الحكمُ في حياتِه ﷺ بعدَ أن كانَ جملةُ الغنيمةِ له.
وأما بعدَ وفاته: فقد اتفقَ أهلُ العلمِ على أن الصَّفِيَّ ليسَ لأحدٍ بعدَه، إلا أبا ثَوْرٍ، فإنه قالَ: يجري مَجْرى سَهْمِه ﷺ (١).
ثم اختلفَ هؤلاءِ فقال بعضهم: يُرَدُّ على أصحابِ الخُمُسِ، فيقسَمُ على أربعةِ أَسْهُم (٢).
وربما نُسِبَ إلى الشافعيِّ (٣).
وقيل: يُقْسَمُ على ثلاثةِ أَسْهُمٍ؛ لأنَّ سَهْمَ ذَوي القُربى عندَ هؤلاءِ يَسْقُطُ بموته أيضاً (٤).
واستدَلُّوا بما رَوى محمدُ بنُ السائِب الكَلْبِيُّ عن أبي صالِح عن أُمِّ هانئٍ: أن فاطمةَ -رضي اللهُ تعالى عنها- أتتْ أبا بكرٍ تسأله سهمَ ذوي القربى، فقال لها أبو بكر -رضي الله تعالى عنه-: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "سَهْمُ ذَوي القُزى لهم حَياتي، وليسَ لهمْ بعدَ موتي" (٥).
стр. 1200
ونسبَ القولُ بهذا إلى أبي حنيفة وبعضِ أصحابهِ (١).
والجمهورُ على عدمِ سقوطِه.
قالوا: والحديثُ باطِلٌ لا أصلَ لهُ، فالكلبيُّ متروكٌ، وأبو صالِحٍ مولى أُمّ هانِئٍ ضعيفٌ، والصحيحُ الثابتُ أنها جاءتْ تطلُبه ميراثَها، فاعتذرَ منها أبو بكرٍ -رضيَ الله تعالى عنه- بقوله ﷺ : "نحنُ معاشِرَ الأنبياءِ لا نُورثُ ما تركْنا صَدَقَةٌ" (٢).
ثم اختلفَ هؤلاءِ في مَصْرِفِهِ.
فقال بعضهم: هو للإمامِ، وسهمُ ذوي القُرْبى لِقَرابةِ الإمامِ؛ لقولِ أبي بكرٍ لفاطمةَ -رضي الله تعالى عنها- لما جاءتْ تطلبُ ميراثَها: سمعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "إذا أطعمَ اللهُ نبياً طُعْمَةً، فهيَ للخليفةِ بعدَهُ" (٣).
وبه قالَ بعضُ الشافعيةِ في الإمامِ وحدَه.
وقال قومٌ: يجعلُ في باقي الخُمُسِ (٤).
стр. 1201
وقال قومٌ: يجعلُ في السلاحِ والعُدَّةِ.
وقال الشافعِيُّ: يضعُه الإمامُ في كل أمرٍ خُصَّ به الإسلامُ وأهلُه؛ من سَدِّ ثغرٍ، وإعْدادِ كُراعٍ أو سِلاحٍ، أو إعطائِه أهلَ البلاءِ في الإسلام نَفَلاً عندَ الحربِ وغيرِ الحرب إعداداً للزيادةِ في تعزيزِ الإسلامِ وأهلِه على ما صنعَ فيهِ رسولُ الله ﷺ ؛ فإن رسولَ اللهِ ﷺ قدْ أعطى المْؤَلَّفَةَ، ونَفَّلَ في الحربِ، وأعطى عامَ خيبرَ نفراً من المُهاجرينَ والأنصار أهل حاجةٍ وفضلٍ، وأكثرُهم أهلُ فاقة، يَرى ذلك -والله أعلم- من سَهْمِه (١).
* إذا علمت هذا:
فقد ذهبَ جمهورُ أهلِ العلم إلى تَخْميس الخُمُس وتقسيمِهِ على ما قَسَّمَهُ اللهُ (٢).
وقال مالِكٌ: الخمسُ كالفَيْءِ يُجْعَلان في بيتِ المالِ، ويعطي الإمامُ (٣) قَرابةَ رسولِ الله ﷺ منها، فهو عندَهُ غيرُ مُخَمَّسٍ (٤).
واستدلَّ بأنَّ النبيَّ ﷺ قد أعطى جميعَ الخُمُسِ، وأعطى بعضَه، وأعطى منهُ المُؤَلَّفَةَ قلوبُهم يومَ حُنينٍ، وليسوا مِمَّنْ ذكرَ اللهُ تعالى في التقسيم، وأَعْطى الأَقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، وعُيَيْنَةَ بنَ حِصْنٍ، والعَبّاسَ بنَ مِرْداسٍ مِئةً من الإبل (٥)، وأعطى أشرافَ العربِ، وآثَرَهُم، وردَّ الخمسَ أيضاً على المُهاجرين في بعضِ الأحوالِ، وليسوا مِمَّنْ ذُكر في التقسيم.
стр. 1202
روى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما-: أن النبيَّ ﷺ بعثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ، فبلغَتْ سُهْمانُهُمُ اثني عَشر بَعيراً، ونُفِّلوا بعيراً بعيراً (١).
وخَرَّجَ مسلمٌ عن الزُّهْرِيِّ، عن سالمٍ، عن أبيهِ قال: نَفَّلَنا رسولُ الله ﷺ سِوى نصيبِنا من الخُمُسِ، فأصابَني شارِفٌ (٢).
فذكرُ التقسيمِ عندَهُ جاءَ لبيانِ المَصْرِف، لا لبيانِ الاستحقاقِ.
وهذا هو المختارُ عندي -إن شاء الله تعالى- فإنَّ خُمُسَ الخُمُسِ لا يَتَّسِعُ لِلَّذي بذلَهُ رسولُ الله ﷺ للأقرعِ بنِ حابسٍ وأصحابِه (٣).
وإنْ قالَ قائلٌ: إنه مُتَّسِعٌ؛ كما قالَهُ أبو عبدِ اللهِ الشافعيُّ (٤)، رَدَدْناه بحديثِ ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنه- فإنه إذا أخرجَ السهمُ اثني عَشَرَ بعيراً، كان الخمسُ المضمومُ إلى هذا السهمِ ثلاثةَ أَبْعِرَةٍ، وقد نَفَّلَهُمْ بَعيراً بعيراً، والبعيرُ زائدٌ على نصيبه ﷺ الذي هو خُمُسُ الخُمُسِ عندَ القائلِ به، فقدْ نَفَّلَهم ثلثَ الخُمسِ، لا خُمس الخمسِ (٥).
فإن قيل: يجوزُ أن يكونَ هناك شيءٌ غيرُ الإِبِلِ من العُروضِ؛ بدليلِ ما رُوي في بعضِ طرقِ هذا الحديث: فأصَبْنا إبِلاً وغَنَماً (٦).
стр. 1203
قلنا: هذا التأويلُ بعيدٌ مردودٌ بِما سأذكرهُ في الفَيْءِ -إنْ شاءَ الله تعالى-.
وأما ذَوو القُرْبى:
فقال الشافعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثَوْرٍ، وأكثرُ العلماءِ: هم بنَو هاشِمٍ، وبنو المُطَّلِبِ (١).
لما روى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ قال: مشيتُ أنا وعثمانُ بنُ عفانَ إلى النبيِّ ﷺ ، فقلنا: أعطيتَ بَني المُطِّلِبِ منْ خُمُسِ خيبرَ، وتركتنا، ونحنُ بمنزلةٍ واحدةٍ منك! فقال: "إنما بنو هاشمِ وبنو المُطِّلِبِ شيء واحِدٌ"، وشَبَّكَ بينَ أصابِعِه. قال جُبَيْرٌ: ولم يَقْسمِ النبيُّ ﷺ لبني عبدِ شَمْسٍ وبَني نَوْفَلٍ شيئاً، خَرَّجَهُ البُخارِيُّ (٢).
وقال قومٌ: هم عامَّةُ قريشٍ؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣) [الشورى: ٢٣].
وقال مالِكٌ: هم بنو هاشم خاصَّة، ويُروى عن الثوريِّ، والأوزاعيِّ (٤).
وهذه الأقاويلُ غَلَطٌ مُنابِذَةٌ للحديث الصحيح.
وقد قدمتُ ما قيلَ في بقاءِ سَهْمِهِم وسقوطه، فلا حاجةَ إلى إعادته.
وظاهرُ الآيةِ استحقاقُ ذَوي القربى: ذَكَرِهم وأنثاهم، كبيرِهم وصغيرِهم، وغَنِيِّهم وفقيرِهم، وهو كذلكَ.
стр. 1204
ولكن هل يستوي الذكرُ والأنثى؛ لظاهر الإطلاقِ، أو يفضلُ الذكرُ على الأنثى، كالميراث؟
فيه خِلافٌ.
وبالأولِ قالَ المزنيُّ (١)، وبالثاني قال الشافعيُّ (٢)، وخصصه أبو حنيفة بذوي الفَقْرِ منهم بالقياسِ على اليتامى والمساكين (٣).
وبالإطلاقِ قالَ الشافِعيُّ، وهو الأولى؛ لظاهر الآية، ولأنهم أُعْطُوا لِفَضْلِ القرابةِ وشرفِها، ولو كان ذلك بالفقر، لاستُغْنِي عن ذكر ذوي القُرْبى بذكرِ المساكين؛ لأن النبيَّ ﷺ أعطى العباسَ، وكان من أغنياءِ بني هاشم يَعولُ فقراءَ بني المطلبِ، ويتكرمُ على غيرهم.
وعن مالِكٍ قولانِ (٤).
وأما اليتامى، فهم أطفالُ المسلمينَ الذين لم يبلغوا الحُلُمَ مِمَّنْ هلكَ أبو ولا مالَ لهُ.
وأما المساكينُ، فهم المُحْتاجون.
стр. 1205
قال النبي ﷺ : "مَنْ تَرَكَ مالاً فَلأِهْلِهِ، ومن تَرَكَ دَيْناً أو ضَياعاً فَإِلَيَّ" (١).
وأما ابنُ السبيلِ، فَمَنْ أخذتْهُ الطريق، واحتاجَ في سفرِه إلى مُؤْنَةٍ، فَيُعْطى، وإن كانَ ببلدِهِ غَنِيًّا.
* وأضافَ الله بقيةَ الغنيمةِ إلى الغانِمين، وبينَ الفقهاءِ اختلافٌ في صفاتِ الغانمين، وفي مقدارِ سُهْمانهم، وفي شروطِ استحقاقِهم (٢)، فلا نُطَوِّلُ بذكره.
* وفي عُمومِ قولِه تعالى: ﴿مِن شَيْءٍ﴾، مع الحصر في قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا﴾ دَلالةٌ ظاهرةٌ تقاربُ النَّصَّ في أَنَّ للغانِمين أربعةَ الأَخْماسِ في كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَهَبٍ أو فِضةٍ أو عَقارٍ، وبهذا أخذَ الشافعيُّ (٣).
وقالَ مالِكٌ: لا تُخَمَّسُ الأرضُ (٤).
وقال أبو حنيفة: الأمرُ مَنوطٌ باختيارِ الإمام (٥).
وسيأتي الكلامُ على هذا في الفَيْءِ -إن شاء الله تعالى-.
стр. 1206
١٤٦ - (٧) قوله جَلَّ ثَناؤه: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨].
* أمرَ اللهُ سبحانَهُ نبيَّهُ ﷺ إذا عاهَدَ قَوْماً، وخافَ منهمُ الخِيانَةَ، فإنْ ظَهَرَ منهم أماراتُها أن يُعْلِمَهُمْ بِنَبْذِ عَهْدِهِم؛ ليكونوا معهُ على سَواءً عَدْلٍ، واستواءً منَ العلمِ.
وعلى هذا نَصَّ الشافعيُّ، وحُكيَ عنهُ قولٌ شاذٌّ أَنَّهُ لا يَنْبذُهُ لخَوْفِ الخيانةِ حتى يَبْدَؤوا بنقضِه، كما لا يُنْقَضُ عَقْدُ الذمَّةِ لخوفِ الخيانةِ (١).
وهذا لا يَصِحُّ عن أبي عبدِ اللهِ -رحمه اللهُ تعالى-؛ فإن هذا مُصادِمٌ لِنَصِّ كتابِ اللهِ تَعالى، وإنما قالهُ الأَبْهَرِيُّ من المالكية.
وحملُ الخوفِ على العِلْمِ واليقينِ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] فهو خَطَأٌ.
* ومفهومُ هذا الخطابِ أنه إذا لم يخف منهم خيانةً، لا ينبذُ إليهم عهدَه، وهو كذلكَ، وقد بينه اللهُ سبحانه في موضع آخرَ فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٤] الآية، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ (٢) [التوبة: ٧].
* فإن قيل: فكيفَ يجوزُ نبذُ العَهْدِ المُتَيَقَّنِ صِحَّتُهُ بِظَنِّ الخِيانة منهم؟
стр. 1207
قلنا: جازَ إسقاطُ اليقينِ هنا بالشَّكِّ؛ لئلاّ يوقعَ التمادي معهم في الهَلَكَة؛ لبُعْدِ استحكامِ خيانتَهم، فَيَتَّسعَ الخَرْقُ، ويَشُقَّ على المسلمين التدارُكُ، وأما الوَهْمُ المَحْضُ، فلا اعتبارَ به، نَصَّ عليهِ الشافعيُّ في "الأم" (١)، واحتسبَ هذه الأحكامَ مُتَّفَقاً عليها.
ولكني رأيتُ في "جُزْءٍ" وقع عندي في هذا المَوْضِع منسوبٍ إلى ابن العربي: أنه عَقْدٌ جائزٌ ليسَ بلازم. قال: ويجوزُ للإمامَ أن يبعثَ إليهم، فيقول: نبذتُ إليكم عهدَكُمْ، فَخُذوا مِنِّي حِذْرَكُم، وادَّعى الاتفاقَ على ذلكَ (٢).
ودعواهُ الاتفاقَ ممنوعةٌ، بل الاتفاقُ واقعٌ -إن شاءَ الله تعالى- على خلافِه؛ كما هو موافق للكتابِ والسنَّةِ.
فإن كانَ يريدُ أنه عقدٌ جائزٌ عندَ خوفِ الخِيانة، فهو مُتَّفَقٌ عليه كما قال، لكنه قالَ عقبَ هذا الكلام: وهذا عندي إذا كانوا همُ الذينَ طلبوا، فإن طلبَهُ المسلمون لمدَّةٍ، لم يجزْ تركُه فيها بالاتفاق.
ودعواهُ بالاتفاقَ هنا أيضاً ممنوعةٌ، وذكرت هذا لكيلا يغترَّ به.
* هذا في خوفِ الخِيانة، وأما إذا صدرتْ منهمُ الخِيانَةُ، فإن العهدَ يَنْتَقِضُ، لا أعلمُ في ذلكَ خلافاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢ - ١٣]، ولهذا قصدَ رسولُ الله ﷺ أهلَ مَكَّةَ بالحربِ من غيرِ أن يَنْبِذَ إليهم، ولم يُعْلِمْهم، بل عَمَّى عليهم جِهَةَ غَزْوِهِ.
стр. 1208
١٤٧ - (٨) قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١].
أي: إن مالوا إلى المُصالَحَةِ، فَمِلْ إليها.
* أمر اللهُ سبحانَه نبيَّهُ ﷺ هنا بقَبول المُسالَمَةِ، وقال في موضع آخر: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥].
فمن أهلِ العلمِ من رأى الآيتين مُختلفتين، فجعل آيةَ مُحَمَّدٍ ناسخةً (١) لهذه، وحُكي هذا عنِ ابنِ عباس -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-.
وأكثرُ المفسرين على أن هذه الآيةَ منسوخةٌ.
ثم اختلفَ هؤلاءِ في الذي نَسَخَها.
فقال قومٌ: نسخها آيةُ السيفِ؛ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وقال قومٌ: نسخها قولُه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩].
والصوابُ عدمُ النسخ؛ لفقدان التعارُضِ، وإمكانِ الجمعِ بين الآيات كُلِّها (٢)، فليسَ بينَها اختلافٌ، فهذهِ الآيةُ فيما إذا التمسَ المشركونَ مِنَّا الصلحَ، وبآيةِ "محمدٍ" نهانا الله تعالى أن نبتدئهم بالتماسِ الصُّلح، فكل
стр. 1209
واحدٍ منهما في حالٍ غيرِ حالِ الأخرى، وآية السيف (١) يُعْمَلُ بها إذا لم يَلْتَمسوا مِنَّا الصلحَ، فإذا التمسوهُ، ورأى الإمامُ فيه المصلحةَ، عَمِلْنا بهذه الآية، وأما آيةُ أهلِ الكتابِ فإنها موافِقَةٌ لهذهِ، ولهذا قالَ مجاهدٌ في تأويلِ هذه الآيةْ المرادُ بها قبولُ جِزْيَةِ أهلِ الذِّمَّةِ (٢).
والعجبُ من قائلِ هذا القولِ (٣) كيفَ يَدَّعي نَسْخَ الشيءِ بما يُوافِقُهُ، وسيأتي في "سورة محمدٍ" مزيدُ بيانٍ -إن شاء الله تعالى-.
* * *
١٤٨ - ١٤٩ (٩ - ١٠) قوله جَلَّ ثناؤه ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٦٥ - ٦٦].
* أمر الله سبحانَهُ المؤمنينَ بمُصابرَةِ الواحدِ للعَشَرَةِ، وخرجَ مخرجَ الشرطِ؛ لكي يعلق عليه النَّصْرَ والغَلبةَ عند الصبر.
ثم خفف اللهُ ذلك عنا (٤)؛ لِما علمَ مِنْ ضعفِنا، وأوجبَ المُصابَرَةَ للضِّعْفِ، ووَعَدَنا النصرَ على الصَّبْرِ أيضاً، وهذا أدنى مَراتبِ المُصابرةِ؛ فإن الواحدَ قد يَهْجُمُ في كَرَّتهِ على أَحَدِ الاثنينِ، فيقتلُه، أو يُثْخِنُهُ، ويبقى معهُ واحدٌ، فيحصل له النصر، وقد شاهدنا هذا كثيراً.
стр. 1210
* وعلى مُصابرةِ أهلِ الضعفِ أجمعَ أهلُ العلمِ، ولكن اختلفوا.
فاعتبرَ الشافعيةُ بالعددِ كما هو ظاهرُ القرآنِ (١)(٢)، واعتبرَ المالكيةُ بالقُوَّةِ (٣)، فجوَّزوا للمسلمِ أن يفرَّ من الكافرِ الواحدِ إذا كان أقوى بَطْشاً، وأشكى سلاحاً، وأعنف جَواداً، وقد تقدم شيءٌ من أحكامِ هذه الآية قريباً.
* * *
١٤٩ - ١٥٠ (١١ - ١٢) قوله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨].
سيأتي بيانُهما في "سورةِ مُحَمَّدٍ" ﷺ -إن شاء الله تعالى-.
* * *
وقد ذكرتُ في "سورةِ النساءِ" كلاماً على أقسامِ الهجرةِ وأحكامِها بما لم أُسْبَقْ إلى مِثْلِهِ، والحمدُ للهِ رَبِّ العالمين، وسيأتي بيانُ الأَوْلَوِيَّةِ في أُولي الأرحامِ في "سورةِ الأحزابِ" -إن شاء الله تعالى-.
* وقد أعلمَنا اللهُ بانقطاعِ المُوالاةِ بينَ المؤمنينَ والكافرينَ، فلا يرثُ الكافرُ المسلمَ، ولا المسلمُ الكافرَ، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣].
* وأعلمنا أن الدارَ معتبرةٌ معَ النَّسَبِ في الَّتوارُثِ، فقالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، ولكنه سبحانَه أوجبَ علينا نُصْرَتَهُمْ إذا اسْتَنْصرونا على قومٍ ليس بَيْنَنا وبينَهُم ميثاقٌ.
* * *
стр. 1213
سُورَةُ التَّوْبَةِ
стр. 1214
(من أحكام الجهاد)
١٥٥ - ١٥٧ (١ - ٣) قوله : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:١ - ٣].
روينا في "صحيح البُخاري" عن البَراءِ -رضي الله تعالى عنه-: آخرُ آيةٍ نزلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، وآخرُ سورةٍ نزلتْ: براءة (١).
وروينا فيه أيضاً عن حُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمن: أن أبا هريرةَ -رضي الله تعالى عنه- قال: بعثني أبو بكرٍ في تلك الحجَّةِ في المُؤَذِّنينَ الذين بعثَهُمْ يومَ النَّحْرِ يُؤَذِّنونَ بمِنًى: (٢) ألا لا يَحُجُّ بعدَ العام مُشْرِكٌ، ولا يطوفُ بالبيت عُرْيانُ. قال حُمَيْدٌ: ثم أردفَ النبيُّ ﷺ بَعَلِيٍّ، فأَمرهُ أن يُؤَذِّنَ ببراءة.
قال أبو هريرةَ: فأذَنَ معنا عَلِيٌّ في أهلِ مِنًى يومَ النَّحْرِ ببراءة، وألاّ يَحُجَّ
стр. 1215
بعدَ العامِ مشركٌ، ولا يطوفَ بالبيتِ عُرْيانُ.
وخَرَّجَهُ مُسلم أيضاً (١).
وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عنِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- قال: بعثَ النبيُّ ﷺ أبا بكرٍ، وأمرَهُ أن يُنادِيَ بهؤلاءِ الكلماتِ، وأتبعه عَليًّا -رضيَ اللهُ تعالى عنه-، فبينما أبو بكرٍ في بعضِ الطريقِ؛ إذ سمعَ رُغاءَ ناقَةِ رسولِ الله ﷺ القَصْواءِ، فخرج أبو بَكْرٍ فَزِعاً، فَظَنَّ أنهُ رسولُ الله ﷺ ، فإذا هُو عَلِيٌّ -رضيَ الله تعالى عنه-، فدفعَ إليه كِتابَ رسولِ الله ﷺ ، وأمرَ عَلِيًّا أن ينادِيَ بهؤلاءِ الكلماتِ، فقال: فنادى عَلِيٌّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- أيامَ التشريقِ: ذِمَّةُ اللهِ ورسولهِ بَرِيئَةٌ منْ كلّ مُشْرِكٍ، فَسيحوا في الأرضِ أربعةَ أَشْهُرٍ، ولا يَحُجَّنَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يطوفُ بالبيتِ عُريانُ، ولا يدخلُ الجنةَ إلا مؤمنٌ، فكان عليٌّ يُنادي بها، فإذا أعيا، قامَ أبو بكرٍ فَنادى بها (٢).
وخَرَّجَ أيضاً عن زيدِ بنِ يُثَيعٍ قال: سألتُ عَلِيَّ بنَ أبي طالبٍ -رضي الله تعالى عنه-: بأيِّ شيء بُعِثْتَ في الحَجَّةِ؟ قال: بُعِثْتُ بأربعٍ: ألا يطوفَ بالبيتِ عُرْيانُ، ومن كانَ بينَهُ وبينَ النبيِّ ﷺ عَهْدٌ، فعهدُهُ إلى مُدَّتِهِ، ومن لم يكنْ له عَهْدٌ، فَأَجَلُهُ أربعةُ أشهرٍ، ولا يدخلُ الجنةَ إلا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يجتمعُ المسلمون والمشركون بعدَ عامِهِمْ هذا.
стр. 1216
قال أبو عيسى التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ (١).
* إذا تقرَّرَ هذا، فقد كانَ لمشركي العربِ معَ رسولِ اللهِ ﷺ أحوالٌ.
فمنهُمُ المُحارِبُ المُبايِنُ، ومنهمُ المُعاهِدُ المُوادِعُ، ثم المعاهِدون منهم: من نَقَضَ عَهْدَهُ، كقريشٍ وبني بكرٍ، ومنهم مَنِ استقامَ عليه؛ كبني ضَمْرَةَ وخُزاعة.
فلما أظهرَ اللهُ سبحانَه رسولَهُ ﷺ ، وفتحَ له مكةَ، أمهلَ منْ نقضَ عهدَهُ أربعةَ أشهرٍ يَسيحُ في الأرضِ، سَواءٌ كانتْ مُدَّتُهُ دونَها، أو فوقَها، ولم يؤاخذْهُ بنقضِ عهده مُعاجَلَةً، إظهاراً لقدرتهِ عليهم، ولطفاً منهُ بهم، لكي يتدبَّروا، فينظروا في عاقِبَةِ أمرِهم، وقَدَّر اللهُ سبحانه لهم أربعةَ أشهرٍ؛ لأنها مدةٌ يعتبرُ فيها العاقلُ فيفيءُ إلى طاعةِ مولاه، ولهذا ضربَها اللهُ سبحانهُ مُدَّةً في الإيلاء.
وأمر نبيَّه ﷺ وسائرَ المؤمنين بالاستقامةِ على العهدِ لِمَنِ استقامَ لهم، ولم ينقضْ منهُ شيئاً، فإن كانتْ مُدَّةُ عهدِهم قبلَ انقضاءِ الأربعةِ الأشهرِ، فلهمُ الأمانُ أيضاً في بقيةِ الأشْهُرِ بالآيةِ الأُخْرى، وإن كانتَ فوقَ الأربعةِ الأشهرِ، فلهم الأمانُ إلى انقضائها بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، وهذا ظاهرٌ من خِطابِ الكتاب، ومن حديثِ عَلِيٍّ -رضي الله تعالى عنه-؛ حيث قال: ومن لم يكنْ بينَه وبينَ النبيِّ ﷺ عهدٌ، فأجلُه أربعةُ أشهرٍ، ولكنه حَرَّمَ عليهمُ الطوافَ في حالِ التَّعَرِّي، ودخولِ المسجد الحرام.
стр. 1217
* فإن قلتَ: فقد أمرَ اللهُ سبحانه بقتلِ المشركينَ عندَ انقضاءِ الأشهُرِ الحُرُمِ، فقال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وهذا عامٌّ فيمن له عهدٌ، ومَنْ لا عَهْدَ له، وسواءٌ صادَفَ انقضاءَ الأربعةِ الأشهرِ، أم لا.
وحَرَّمَ قَتْلَهم في الأشهرِ الحُرُمِ، وهو يَقْتَضي تحريمَ قَتْلِهم، سواءٌ انقضى عَهْدُ المعاهدين وأربعةُ أشهرِ المُمْهَلين، أم لا، فكيف الجَمْعُ بينَ الآيتين؟
قلت: أما تحريمُ قتلهم قبلَ انسلاخ الأشهرِ الحُرُمِ، فلم يقلْ به إلا عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والحَكَمُ (١)، وهو قَوْلٌ قويُّ الدَّلالَةِ، وقد استوفيتُ بيانَه في "سورة البقرة".
وأما عمومُ الأمرِ بالقتلِ بعد انسلاخِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ، فإنه أُريدَ بهِ الخُصوصُ، والتقديرُ: فإذا انسلخَ الأشهرُ الحُرُمُ، فاقتلوا المشركينَ الذين لا عَهْدَ لهم، ولا مُدَّةَ مُقَدَّرَةً من اللهِ سبحانه، حيث وَجَدْتُموهم، ولهذا قالَ ابنُ عَبّاسٍ -رضيَ الله تَعالى عنه- في رواية الوالبي: حَدَّ اللهُ تَعالى للذين عاهَدوا رسولَ الله ﷺ أربعةَ أشهرٍ يَسيحون في الأرضِ حيثُ شاؤوا، وأَجَّلَ لِمَنْ ليسَ لهُ عهدٌ عندَ انسلاخِ الأشهرِ الحُرُمِ (٢).
وروي عنه أنه قال: من كان له عهدٌ فوقَ أربعةِ أشهرٍ، حُطَّ إليها، ومَنْ كان دونَها، رُفِعَ إليها، ومَنْ لا عَهْدَ له، جُعِلَ أمانُهُ خمسين يوماً، أولها يومُ النَّحْرِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣) [التوبة: ٥].
стр. 1218
وهذه الروايةُ بمعنى الرواية الأولى، أو أَبْيَنُ منها.
فإن قلتَ: فإنَّ قولَ عَلِيٍّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- في روايةِ زيدِ بنِ يُثَيْعٍ يَقْتضي أنَّ الأربعةَ الأشهُرَ أَجَلٌ لِمَنْ لا عهدَ له من مشركي العربِ؛ حيث قالَ قومٌ: من لا عَهْدَ له، فاجلُه أربعةُ أشهرٍ يخالف ما أَوَّلْتَ بهِ الآيةَ، وما رويَ عن ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-.
قلت: المرادُ: ومَنْ لا عَهْدَ لهُ، أي: مُعْتبَرٌ؛ لأنَّ من نقضَ عهدَه لا عَهْدَ له.
والدليلُ عليه قولُه تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]، فخص الخطابَ معهم، وأكثرُهم ناقِضون.
وقولُ عَلِيِّ -رضي الله تعالى عنه-: ومن كانَ بينَهُ وبينَ النبيِّ ﷺ عهدٌ، فعهدُه إلى مُدَّتِهِ، أي: عهدٌ معتبرٌ استقامَ عليهِ أهلُه، وإلاّ لمْ يكن لآيةِ النسخِ معنى، والدليلُ عليه قولهُ تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]، وخصوا بهذا لأَجْلِ استقامَتِهم على عهدِهم، وتخصيصُ الذكرِ بالمسجدِ الحرامِ في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ٧] جاءَ لتعريفِهم بهِ، لا للتقييد.
ويمكنُ الجمعُ بين آيةِ السيفِ وآيةِ النسخِ من وجهٍ آخَرَ (١)، وذلكَ أنَّ انسلاخَ الأشهُرِ الحُرُمِ موافِقٌ لانقضاءِ الأربعَةِ الأشهرِ على ما رُوي عنِ الزُّهْرِيِّ وغيره مِنْ أن نزولَ آيةِ النسخِ في شَوّال، فيكونُ انتهاؤها انسلاخَ الأشهُرِ الحُرُمِ؛ والمشهورُ أن ابتداءَ الأربعةِ الأشهُرِ من يومِ النَّحْرِ؛ لأنه كان
стр. 1219
فيه التبليغُ والنداءُ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ في روايةِ أبي صالحٍ.
وقيل: أولُها عاشرُ ذي القِعْدَةِ، وهو موسمُ حَجِّهم على حُكْمِ النَّساءِ، فاستقرَّتْ حِجَّةُ الوداعِ سنةَ عَشْرٍ في مَوْسِمِها.
وقيل: من رابعِ يومٍ يبلُغُهم فيهِ العلم.
وذهبَ قومٌ إلى الجمعِ بالتأويل، فقالوا: المرادُ بالأشْهُرِ الحُرُمِ هنا شهورُ العَهْدِ، وقيل لها: حُرُمٌ؛ لأن اللهَ تَعالى حَرَّمَ على المؤمنينَ فيها دماءَ المُشركين، والتعرُّضَ لهم، ويحكى هذا القولُ عن مُجاهِدٍ وابنِ إسحاقَ، وعَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ (١)، وهو بعيدٌ.
ويمكنُ الجمعُ أيضاً بين آيةِ السيفِ وآيةِ النسخِ وأَثرِ ابنِ عباسِ وأَثَرِ عَلِيٍّ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- من وجهٍ آخرَ:
وهو أن اللهَ سبحانَهُ أَجَّلَ في آيةِ السيفِ أربعةَ أشهُرٍ لمنْ عاهدَهُ النبيُّ ﷺ ونقضَ عهدَه أو لم ينقضْه إذا لم يكنْ عندَ المسجدِ الحَرامِ، فيردُّ إلى الأربعةِ الأشهرِ، وهم المَعْنِيُّونَ بقولِ ابنِ عَبّاسٍ: ومنْ كانَ عهدُهُ فوقَ أربعةِ أشهرٍ، حُطَّ إليها.
ومن لم يكنْ له عهدٌ أصلاً، فأَجَلُهُ انقضاءُ الأشهرِ الحُرُمِ لتحريمِ اللهِ سبحانَه القِتالَ فيها في غيرِ آيةٍ من كتابهِ العزيز.
ومنْ له عهدٌ فوقَ الأربعةِ الأشهرِ، وهو عندَ المسجدِ الحرامِ، وهم خُزاعَةُ وبَنو ضَمْرَةَ، فأجلُه إلى مدَّتِهِ؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ﴾ [التوبة: ٤]، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]، وهمُ المَعْنِيُّونَ بقولِ
стр. 1220
عَلِيٍّ -رضيَ اللّ تعالى عنه-: ومن كانَ بينَهُ وبينَ النبيِّ ﷺ عهدٌ، فعهدُه إلى مُدَّتِه (١).
والدليلُ على هذا قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]، وخصوا بهذا إمَّا لأَجْلِ مجاوَرَتهم المسجدَ الحَرام، وإما لكونِ العهدِ وقعَ في المسجدِ الحرام، وكان العهدُ في الحُدَيْبِيَةِ، وهي من الحَرَمِ على قولِ بعضِهم، أو بعضُها من الحَرَمِ على قولِ بعضِهم.
* واختلف الناسُ في يومِ الحَجِّ الأكبرِ:
فقال قومٌ: هو يومُ عَرَفَةَ، ويروى عن عُمَرَ، وعُثمانَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزبيرِ، وابنِ المُسَيِّبِ، وعطاءٍ، وطاوسٍ، ومجاهِدٍ، وابنِ سيرينَ (٢)، ونقله المالكيةُ عن الشافعيِّ، وليس بمعروفٍ عنه (٣).
وقال قومٌ: هو يومُ النَّحْرِ، ويُروى عنِ ابنِ عباسٍ، وعَلِيٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ مَسْعودٍ، وابنِ أبي أوفى، والشَّعْبيّ، والنَّخَعِيِّ، وابن جُبَيْرٍ، وحُمَيْدِ بنِ عبدِ الرَّحْمنِ (٤)، وبه قالَ مالِكٌ وَالشافعيُّ (٥)؛ لما رواهُ أبو هريرةَ -رضي الله تعالى عنه- من تأذينِه وتأذينِ عَلِيٍّ في يومِ النَّحْرِ (٦).
стр. 1221
وقال قومٌ: يومُ الحَجَّ حينَ الحَجَّ؛ كما يقال: يومُ صِفَّينَ، ويومُ الجَمَلِ، وكان ذلكَ أياماً (١).
* واختلفوا أيضاً في الآياتِ اللاتي أُذِّنَ بِهِنَّ؛ لاختلافِ آياتٍ وَرَدْنَ في ذلك:
فقيل: ثلاثُ آياتِ.
وقيل: تسعُ آيات إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
وقيل: نحو أربعين إلى قوله: ﴿يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وقيل: أربع آيات إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]، وهو الصحيحُ؛ لصحةِ أثرِه عندهم (٢)، والله أعلم.
* * *
١٥٨ - (٤) قول جل ثناؤه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].
اشتملتْ هذهِ الآيةُ على جملتين:
أما الجملةُ الأولى: فإنَّ اللهَ سبحانَهُ أمرَ أن نقتلَ المشركين حيثُ وَجَدْناهم، وهذه الآيةُ وما أَشْبَهَها تُسَمَّى آيةَ السيفِ، نَسَخَتْ (٣) كُلَّ آيةٍ
стр. 1222
ذكرَ اللهُ سبحانَهُ فيها الصَّفْحَ والإعراضَ عن المشركين، وقد قدمْتُ فيه بَحْثاً لطيفاً في "سورة النساءِ" عندَ ذِكْرِ الزَّواني.
ثم يحتملُ أن تكونَ هذه الآيةُ متناولةً لأهلِ الكتابِ بلفظِها؛ لأنهم مُشركون بقولهم: عُزَيْزٌ: ابنُ اللهِ، والمسيحُ: ابنُ الله، ويكونُ عمومُها مَخْصوصاً بقولهِ تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩].
ويُحتملُ أن تكونَ الآيةُ غيرَ مُتناوِلَةٍ لهمْ؛ لاختصاصِهِمْ باسمٍ يَخُصُّهُمْ، فلا يُحتاجُ إلى دليل يُخْرِجُهم من عمومِ هذه الآية.
وقد بَيَّنْتُ في "سورةِ البقرةِ" أنَّ هذهِ عامَّةٌ في الأمكنةِ، ويجوزُ تخصيصُها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١].
* وقد اتفقوا على تخصيصِ عُمومها ببعضِ المُشركين، وأنه لا يجوزُ قَتْلُ بعضِهم، فنهى النبيُّ ﷺ عن قتلِ النِّساءِ والصِّبيان.
ولكن هَلْ عِلَّةُ القَتْل هو الإشراكُ باللهِ تعالى، أو هو الإشراكُ مع القُدْرةِ على القتالِ؛ بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]؟ فيه خلافٌ، منهم من عَلَّلَ بالاسمِ، ومنهم من عَلَّلَ بالقدرةِ على القِتال واستدل بقوله ﷺ لمّا وَقَفَ على امرأةٍ مَقْتولَةٍ: "ما كانتْ هذهِ لتُقاتِلَ" (١) ويظهرُ أثر العِلَّتَيْنِ في قَتْلِ
стр. 1223
الراهبِ والأَعْمى والعَسيفِ (١)(٢).
* وبَيَّنَ اللهُ سُبْحانه في هذه الآيةِ لنا كيفيةَ القِتال والمصابرة معهم، من القتل والأخذ الذي هو الأَسْرُ والحَصْرُ.
وبين النبيُّ ﷺ بفعله جوازَ رَمْيِهِمْ بالمَنْجَنيقِ، فرمى حِصْنَ الطائِف (٣)، وذلك شيءٌ وراء الحَصْر، ولا بد من زيادة بحثِ هذا المعنى عندَ الوصولِ إلى "سورةِ مُحَمَّدٍ" ﷺ .
أما الجملة الثانية: فإن الله سبحانه شَرَطَ في تخليةِ سبيلِهم إقامةَ الصَّلاةِ، وإيتاءَ الزَّكاةِ، وشَرَطَ في أخُوَّتهِم في الدينِ وصحةِ توبِتهم إقامةَ الصلاةَ، وإيتاءَ الزكاةِ أيضاً، وها أنا أتكلم عليهما معاً؛ لاتفاقِ معنيَيْهِما، فأقول:
* أما إقامُ الصَّلاةِ:
فقد أخذَ بظاهرِ الكتابِ العزيز آخِذون، وجعلوا إقامَ الصلاةِ شرطاً في الإيمانِ، ومنهم أحمدُ، وإسحاقُ، وابنُ المباركِ، وبعضُ الشافعية؛ للآية (٤)، ولقوله ﷺ : "بين الرَّجُلِ وبينَ الشركِ والكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ" (٥).
وذهبَ جمهورُ الفقهاءِ وبعضُ السَّلَفِ إلى أنه ليسَ بشرطٍ في الإيمانِ،
стр. 1224
والشرطُ في الآيةِ خرجَ مخرجَ الوَصْفِ بالغالِبِ؛ إذ المعهودُ مِمَّنْ أسلمَ منهمْ إقامُ الصلاةِ، ولا يتركُ الصلاةَ منهم -أعني: المُواجَهين بالخِطاب- إلا مُشْرِكٌ أو منافقٌ (١).
ثم اختلفَ هؤلاءِ في عُقوبةِ تارِكِ الصلاةِ: فذهبَ الشافعيُّ، ومالكٌ، وأبو ثورٍ إلى أن عقوبَتهُ القَتْلُ حَدًّا (٢).
ويروى عن مكحولٍ، وحَمّادِ بنِ زيدٍ (٣).
وذهب أبو حنيفةَ والثورِيِّ والمُزنِيِّ إلى أنه يُحْبَسُ ويُضرَبُ، ولا يُقْتَلُ (٤)؛ لقولهِ ﷺ : "لا يَحِلُّ دمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأني رسولُ اللهِ إلَّا بإحْدى ثلاثٍ: الثيبُ الزاني، والنفسُ بالنفسِ، والتاركُ لدينِه المفارِقُ للَجماعة" (٥).
وهذا أقوى دليلاً، ولهذا اختارَهُ إمامُ الحَرَمين أبو المعالي.
هذا في حُكمِ الإيمانِ وأُخُوَّةِ الدينِ، وأما حُكْمُ الكَفِّ عَنْهُمْ، فإنَّ إقامَ الصلاةِ وإيتاءَ الزكاةِ شَرْطٌ فيه، لا خلافَ في ذلك علمتُه بينَ أهلِ العلمِ.
والدليلُ عليهِ مع الآيةِ ما رويناه في "صحيح مسلمٍ"، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: لما تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ ، واستُخْلِفَ أبو بكرٍ -
стр. 1225
رضي الله تعالى عنه- بعدَهُ، وكَفَر مَنْ كَفَرَ من العربِ، قال عمرُ بنُ الخطابِ -رضي الله تعالى عنه- لأبي بكرٍ: كيف تقاتلُ الناسَ (١)، وقدْ قالَ رسولُ الله ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فمنْ قالَها، فقدْ عَصَمَ مِنِّي مالَهُ ونَفْسَهُ إلَّا بحَقِّهِ، وحسابُهم على الله"؟ فقال أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: واللهِ لأقَاتلنَّ من فَرَّقَ بينَ الصَّلاةِ والزكاةِ؛ فإنَّ الزكاةَ حَقُّ المالِ، والله لو مَنَعوني عِقالاً (٢) مِمّا (٣) كانوا يُؤَذُونَهُ إلى رسولِ الله ﷺ ، لَقاتلتُهُمْ على مَنْعِهِ، فقال عمرُ بنُ الخَطّابِ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: فواللهِ ما هُو إلا أنْ رأيتُ اللهَ قدْ شَرَحَ صَدْرَ أبي بكرٍ للقتالِ، فعرفْتُ أنه الحَقُّ (٤).
وما رويناه في "صحيح مسلم" عنِ ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنه-: أن النبيَّ ﷺ قال: "أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يَشْهدوا أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمداً رسولُ الله، ويُقيموا الصلاةَ، ويُؤْتوا الزكاةَ، فإذا فعلوهُ، فقد (٥) عَصَموا مني دِماءَهُم وأموالَهُم، وحسابُهم على الله" (٦).
* فإن قلتَ: فما حُكْمُ الزكاةِ، هل إيتاؤها شرطٌ في الإيمانِ
стр. 1226
وأخوةِ الدينِ كالصلاةِ عندَ مَنْ يشترطُ ذلك؟
قلتُ: أجمعَ المسلمونَ على أن مانِعَها مسلمٌ، وليسَ بكافرٍ، فقد مَنَعَها وغَلَّها في عَصْرِ النبيِّ ﷺ وعَصْرِ أَصْحابه مانِعون، ولم يُكَفِّروهم (١).
فإن قلت: فأبو بكرٍ -رضي اللهُ تعالى عنهُ- حكمَ في مانِعي الزكاةِ بِحُكْمِ المُرْتَدِّ بِقَتْلِهِمْ وسَبْيِ ذُرِّيَّتِهِم.
قلتُ: لم يحكمْ فيهم بذلكَ لِمَنْعِ الزكاةِ وَحْدَهُ، بلْ لمنعِهم الزكاةَ، وبِجَحْدِهِمْ وُجوبَها (٢)، وذلكَ أن العربَ افترقَتْ في زمنِه -رضيَ الله تعالى عنه- ثلاثَ فِرَقٍ.
١ - منهم من ارتدَّ عن المِلَّةِ الحَنيفيةِ، ودَعا إلى نُبُوَّةِ مُسَيْلَمَةَ والأَسْوَدِ العَنْسِيِّ.
٢ - وقومٌ أنكروا الصلاةَ والزكاةَ وجميعَ الشرائع، وهؤلاءِ الذين سَبى أبو بكرٍ ذُرِّيَّتَهُمْ، وساعده على ذلكَ الصَّحابَةُ، واستولَدَ عَلِيٌّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- جارِيَةً مِنْ سَبْيِ بني حَنيفَةَ أمَّ مُحَمَّدٍ الذي يُدْعى ابنَ الحَنَفِيَّةِ.
٣ - وقومُ أَقَرُّوا الصَّلاةَ، وأنكروا الزكاةَ، وهؤلاءِ الذين وَقَعَتْ فيهمُ الشبهةُ لِعُمَرَ، ثم رجعَ إلى وِفاق أبي بكرٍ -رضي الله تعالى عنهما- لما احتجَّ بأنها في مَعْنى الصلاةِ، فدلَّ على أنهم قد أجمعوا على كُفْرِ جاحِدِ الصلاةِ؛ للنصوصِ التي لا تأويلَ فيها.
* ثم أجمعوا بعدَ ذلكَ على تكفيرِ جاحِدِ الزكاة، ولم يلتفتوا إلى تأويلِ الكافرينَ (٣).
стр. 1227
* وأما مانعُ الزكاةِ بُخْلاً فيها، فلم يقلُ أحدٌ بكفرِهِ قديماً ولا حديثاً (١).
وهذا تحقيقٌ حَسَنٌ بَيِّنٌ، فاعتمدْه، فقدْ حصلَ في ذلك تخبيطٌ لجماعةٍ من الفقهاءِ والمُحَدِّثين.
* * *
١٥٩ - (٥) قوله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦].
أمر اللهُ سبحانَهُ في هذه الآيةِ بأَمانِ المُشْرِكِ، والكَفِّ عنهُ إذا دَخَلَ دارَ الإسلام لِيَسْمَعَ كلامَ اللهِ، وينظُرَ في الإسلامِ؛ لينقادَ للحقِّ إذا ظهرَ له حتى يسمَعَهُ ويَفْهَمَهُ، فإن قَبِلَ الحَقَّ، قَبِلناهُ، وإنْ أبى، رَدَدْناه إلى مَأْمَنَهِ.
وهذا الحكمُ متفقٌ عليهِ، والأمرُ في هذا للوجوبِ؛ إذ يجبُ إقامةُ حُجَّةِ اللهِ وإزالةُ الشبهة عن عبادِه، وإعانةُ طالبِ الحقِّ (٢).
والخطابُ مع النبيِّ ﷺ ، والمرادُ بهِ جميعُ الأُمَّةِ، فيجوزُ لآحادِهم أن يُجيرَ آحادَ المشركينَ؛ لما رُوي عن عَلِيٍّ -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال: ما عندي شيءٌ إلا كتابَ اللهِ، وهذهِ الصحيفةَ عن رسولِ الله: ﷺ "إن ذِمَّةَ المُسلمينَ واحِدةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ (٣) مُسْلِماً، فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائِكَةِ والناسِ أجمعين" (٤) ولقوله ﷺ : "المسلمونَ تَتكاَفأْ دِماؤُهم، ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ
стр. 1228
أَدْناهُمْ، وهم يَدٌ على مَنْ سِواهُمْ" (١) إلا ما حُكِيَ عنِ ابنِ الماجشونِ أنه وقفَهُ على إذنِ الإمامِ (٢)، وكذا وَقَفَهُ ابنُ حَبيبٍ على نَظَرِ الإمامِ (٣)، وهذا ليسَ بِصَحيحٍ؛ لإطلاقِ الأحاديثِ، ولأن النبيَّ ﷺ أجازَهُ وأَمْضاهُ، وقد فعلَه الصحابَةُ -رضي الله تعالى عنهم-، وأَمْضَوْهُ.
نعم، اختلفَ أهلُ العِلْمِ في الصِّفاتِ المُخِلَّةِ لمنصبِ الأمانِ مثلَ الأنوثةِ والرِّقِّ والصِّبا، فاعتبرهُ أبو حنيفةَ (٤)، ولم يعتبرْهُ مالِكٌ والشافِعِيُّ؛ لعمومِ الأحاديث (٥).
* وفي الآيةِ دَلالةٌ بطريقِ الإشارَةِ علي جَوازِ تَعْليمِ الكافِرِ القُرْآنَ إذا رَجَوْنا إسْلامَهُ، ولا يَجوزُ إذا خَشِينا استِخْفافهُ؛ فإنَّ السماعَ يلزَمُ منهُ الحِفْظُ لِكُلِّ ما سَمِعَ، ولا سِيَّما في حَقِّ بعضِ السامِعينَ الأذكياءِ (٦).
* * *
стр. 1229
١٦٠ - (٦) قوله : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ١١].
تقدم بيانُه قريباً.
* * *
١٦١ - (٧) قوله : ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] الآية.
* قد علمنا بالنصِّ اليقينِ أنَّ المُعاهَدين إذا نَكَثوا أَيْمانَهُمْ، ونَقَضوا عَهْدَهُمْ، وَجَبَ قِتالُهُمْ، وقد قَدَّمْتُ أَنَّهم إذا استقاموا لنا على عَهْدِهم، وجبَ علينا أن نستقيمَ لهم.
* وأعلمنا اللهُ سبحانَهُ أنهم إذا طَعَنوا في ديننا؛ كَطَعْنهِم في القرآنِ العزيزِ، وسَبِّهِمُ النَّبِيِّ ﷺ ، انتقضَ عهدُهم.
والحكمُ مستقرٌّ على هذا كما ذَكَرَهُ اللهُ تعالى، حتى قالَ أبو الحَسَنِ الماوَرْدِيُّ من الشافعيةِ: يجبُ عليهمُ الكَفُّ عن قبيحِ القولِ والعَمَلِ في حَقِّ المسلمين، وبذلُ الجميل بينهما، فلو كانوا يكرمونَ المسلمينَ، فَصاروا يُهينونَهم، ويُضيفونهم فصاروا يَقْطَعونَهم، أو يُعَظِّمونَ كتابَ الإمام فصاروا يَسَخِفُّونَ به، أو نَقَضوا عَمَّا كانوا يُخاطبونَهُ به، سألَ الإمامُ عن سببِ فِعْلِهم، فإن أَظْهَروا عُذْراً، قَبلَهُ، وإلَّا أَمَرَهُمْ بالرُّجوعٍ إلى عادَتِهم، فإنْ فَعلوا، ثَبَّتَ عَهْدَهم، وإنِ امْتَنَعوَا، نقضَ عَهْدَهُمْ، وأَعْلمَهُمْ بِنَقْضِه (١).
стр. 1230
* فإن قلت: فان اللهَ سبحانَه إنَّما عَلَّقَ قَتْلَهم على أَمْرَيْنِ: نَكْثِ اليمينِ، والطَّعْنِ في الدينِ، وما عُلِّقَ على أمرين، لا يوجد إلَّا بهما، ولا يوجدُ بأحدهما.
قلنا: لَمَّا قامَ الإجماعُ على أن المُعاهَدَ إذا نَكَثَ اليَمينَ بما عاهَدَ عليه، انتقضَ عهدُه، ولا يحتاجُ إلى اشتراطِ شيءٍ آخر، دَلَّنا على أن الطَّعْنَ في الدينِ بِمُجَرَّدِهِ كافٍ في نقضِ العهدِ؛ كالنَّكْثِ في اليمينِ، وأن التعليق بالأمرينِ على سبيلِ الانفرادِ، لا على سبيلِ الجَمْعِ، وذلكَ شائعٌ في اللسانِ (١).
* فان قلتَ: فهل ينتقضُ عهدُ الذِّمِّيِّ بما ينتقضُ به عهدُ الحَرْبِيِّ؟
قلنا: عهدُ الحربيِّ أضعفُ من عهدِ الذميِّ، فعقد الذمَّةِ ينتقضُ بالنَّقْضِ، وهلْ ينتقضُ بالطَّعْنِ في ديننا؟ فيه خلافٌ منتشرٌ عندَ الشافعيةِ والمالكيةِ (٢)، والصحيحُ عندَ الشافعيةِ عَدَمُ الانتقاضِ (٣)، وبه قالَ أبو حَنيفةَ (٤).
* * *