← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تيسير البيان لأحكام القرآن تأليف الإمام الفقيه الموزعي محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب اليمني الشافعي المشهور بـ «ابن نور الدين» (المتوفى سنة ٨٢٥ هـ) - رحمه الله تعالى - بعناية عبد المعين الحرش دار النوادر

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

تَيْسِيْرُ البَيَانِ لِأَحْكَامِ القُرْآنِ [١]

стр. 4

جَمِيعُ الحقُوُقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م ردمك: ٣ - ٤١ - ٤٥٩ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَارُ النَّوادِرِ سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسة دَار النَّوادِرِ م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوادِر الكُوَيْتِيَة ذ. م. م - الكُوَيْت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هَاتِف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - الصالحية - برج السَّحَاب - ص. ب: ٤٣١٦ حَولي - الرَّمْز البريدي: ٣٢٠٤٦ هَاتِف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥) www.daralnawader.com into@daralnawader.com أسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م نُورُ الدِّيْن طَالِب المُدِير العَام وَالرَّئيسْ التَّنفِيْذِي

стр. 5

تَقْدِيم بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الدّكتور مُصْطَفَي سَعِيد الخَن رَحِمَهُ الله تَعَالى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب الذي نوَّر به القلوب، وأحكمه بأوجز لفظ وأعجز أسلوب ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]. والصلاة والسلام على محمد عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، صلاةً وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله جلَّ ذكره قد أودع في القرآن الكريم علمَ كلِّ شيء ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وجعله العصمة من الزلل، والمخرج من الفتن والمحن، لا يضل من اهتدى بهديه، ورشف من مَعينه، ويكفي في وصفه قول الرسول ﷺ : "فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلَق على كثرة الرد ... " (١).

стр. 6

فلا عجب بعد ذلك أن نرى المسلمين -بل وغيرهم- على تعدد طبقاتهم، وتنوع ثقافاتهم يهتمون بهذا الكتاب المبين، حفظًا وتدريسًا، وقراءةً وتجويدًا، وكتابة وإتقانًا، وتعلمًا وتعليمًا، منهم من يهتم بلغته وبيان وجوه إعجازه، ومنهم من يقف على أخباره وقصصه، ومنهم من يَلِجُ إلى فهم أسراره واستنباط أحكامه وتفسيره. وقد ظهر في حياة المسلمين منذ فجر الإسلام إلى يوم الناس هذا الكثير الكثير من التفاسير، تعددت أساليبها وكيفياتها، وبذل فيها أصحابها جهدَهم في الوصول إلى مراد الله تعالى من آياته ليحولوها إلى واقع حياتهم عملًا، فيتأدبوا بآداب القرآن، ويتخلقوا بأخلاقه أسوةً بالنبي المصطفى ﷺ . وقد أشار الإمام الزمخشري -صاحب تفسير "الكشاف"- إلى كثرة التفاسير بقوله: إنَّ التَّفَاسيْرَ في الدُّنْيَا بلا عَدَدٍ ... وَلَيْسَ فيْهَا لَعَمْريْ مثْلَ كَشَّافِيْ إنْ كُنْتَ تَبْغِي الهُدَى فَالْزَمْ قِرَاءَتَهُ ... الجَهْلُ كَالْدَّاءِ وَالكَشَّافُ كَالشَّافِى ولعمري إن هذا الكلام ليصدق أيضًا على هذا الكتاب الذي بين أيدينا (تيسير البيان لأحكام القرآن) للعلامة الموزَعي اليمني، وذلك لِمَا امتاز به هذا الكتاب من مزايا تجعله مقدَّمًا على كتب تفسير آيات الأحكام. ولعل أهم مزايا الكتاب تلك المقدمة الرائعة التي استهلَّ فيها الموزَعي كتابه؛ حيث ذكر فيها القواعد والمسائل الأصولية واللغوية التي يرتكز عليها عملُ المفسِّر لكتاب الله تعالى، وخصوصًا آيات الأحكام الفقهية والفروع العملية. والكتاب اسم على مسمَّى فهو مُيَسَّر بيِّن، وذلك لسلاسة أسلوبه،

стр. 7

وروعة منهجه، ودقة بيانه، حيث نجده يلج مع القارئ مباشرة إلى مضمون الآية، وبيان ما يستنبط منها من أحكام، عارضًا لوجوه الاستنباط، موضحًا لمذاهب الفقهاء في كل مسألة من المسائل وفق ترتيب منطقي، وبعبارة ناصعة مشرقة، تدل على وضوح المعنى، وجلاء الفكرة. ثم لا يقف المؤلف عند عرض الأقوال والآراء، وذِكْر المذاهب والاختلاف، بل نجد عنده وقفات موفَّقة عند الكثير من ذلك مناقشًا ومستدلًا، مصوِّبًا ومصححًا ومختارًا، مما يثري مادة الكتاب العلمية، ويساعد القارئ على تلمُّس وجه الحق في حال الخلاف. هذا، ولقد وفَّق الله الأخ الكريم الفاضل عبد المعين الحرش (أبا بكر) للقيام بعبء إخراج هذا الكتاب المانع بهذه الحلة القشيبة، التي تليق بالكتاب ومؤلفه، بعد أن بقي حبيسَ الخزائن والمكتبات دهرًا من الزمن، فجزاه الله عن العلم وطلابه، والتفسيرِ وأهله خيرَ الجزاء، ولقد قام بالتحقيق وفق القواعد الموضوعية، فجاء تحقيقه وتعليقه حسب المطلوب، فجزاه الله خير الجزاء. والله الموفق مصطفي سعيد الخن دمشق ١٤/ ٧/ ٢٠٠٤ م ٢٧/ ٥/ ١٤٢٥ هـ

стр. 8

تَقْدِيم بِقَلَمِ الأسْتَاذِ الدّكتور وَهْبَة مُصْطَفَي الزُّحَيلِيِّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، أنزل القرآن والمجيد فهو أعظم النعم على الناس قاطبة، والصلاة والسلام على رسولنا النبي الخاتم ومنقذ الأمم، وعلى آله وصحبه ذوي الأقدار العالية والهمم، وبعد: فإن حقل تفسير القرآن الكريم خصب واسع وشامل كل ما تضمنه من عقيدة وإيمان، وشرائع وأحكام، وآداب وقيم تبني كيان الإنسان، وتنهض بالجماعات والإنسانية، ولغة عربية في أعلى درجات الفصاحة وبلاغة اللسان، وإيراد قصص الأنبياء الكرام الذين كانت حياتهم المثل الأعلى للتضحية والوفاء، وبذل الجهود الكبرى من أجل ترسيخ معالم الهدي الإلهي، ليكون ذخيرة وافية بكل متطلبات الحياة، وبناء المجتمعات، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وتُوِّجت رسالات الرسل الكرام بالرسالة الخاتمة وبالقرآن الخالد الذي لم يبق ولن يدوم في الوجود سواه صوت الحق الإلهي، ومَعْلم الوحي الرباني الثابت القطعي، فتعددت آفاق دراسته واستكناه مضامينه، في كل جانب من جوانب المعرفة والثقافة، وأصول الشريعة، ومنها التعرف على أحكام القرآن التي ينبغي عرضها بحيدة وموضوعية، وموازنة، ودقة،

стр. 9

وتبيان لكل ما يؤصل مباني كل موضوع على حدة، وليكتمل نسيج المعرفة، وتتحدد معالم الأحكام بمبانيها وضوابطها ومقاصدها، من أجل سلامة الفهم والتطبيق والالتزام. ومن أفضل وأمتع ما خلَّفه علماؤنا الأماثل: دراسة أحكام القرآن لحنفي، ومالكييَّن، وشافعييَّن، وهي ما يأتي: ١ - "أحكام القرآن" للجصاص الرازي الحنفي (٣٧٠ هـ) المتميز ببيانه المشرق وطول النَّفَس، في تقرير الحكم الشرعي المقارن بين المذاهب الفقهية الأربعة. ٢ - "أحكام القرآن" لعلي بن محمد بن علي المعروف بـ "إِلكيا الهراسي" (٥٠٤ هـ) لإلقاء الضوء على مشتملات المذهب الشافعي وأصول استنباطها. ٣ - "أحكام القرآن" لابن العربي المالكي (٥٤٣ هـ) الذي فاق غيره ببيان مختلف متعلقات الأحكام الشرعية ودقائق المسائل العلمية. ٤ - "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي المالكي (٦٧١ هـ) الذي هو موسوعة كبيرة في التفسير مع العناية بالمسائل الفقهية العديدة. ٥ - "تيسير البيان لأحكام القرآن" لجمال الدين محمد بن علي المَوْزعي (٨٢٥ هـ) وهو من بدائع الكتب المقارنة في الفقه المقارن واللغة، والأصول والتفسير والحديث النبوي، وهذا ما يميزه عن الكتب المشابهة، ويجعله في قمة العلم والاعتدال والإنصاف بل والاجتهاد، كما يبدو في ترجيحاته ومناقشاته وميله لرأي قد يخالف مذهب الإمام الشافعي ﵀، وذلك بسبب تمكنه الفقهي وإحاطته بدقائق العلم واللغة والبيان. وقد قيض الله تعالى لهذا الكتاب الأخ الفاضل السيد عبد المعين الحرش من متخرجي كلية الشريعة بجامعة دمشق، فخدم الكتاب خدمة

стр. 10

متميزة من تحقيق علمي، وضبط للكلمات، وبيان لمعاني المفردات اللغوية، وترجمة الأعلام، والتعقيب والتعليق على مختلف المسائل الفقهية التي تحتاج لإلقاء الضوء عليها، بعد إيراد المؤلف العلامة الموزعي لها بنحو موجز، ثم توثيق المعلومات بالمصادر المعتبرة، وتخريج الآيات والأحاديث، حتى صار هذا الإنجاز العلمي متفوقًا إذا قورن بأمثاله من الدراسات العلمية في كتاب الموزعي نفسه، فوفقه الله لكلِّ خير، ومتَّعه بنور العقل والبصيرة، وجزاه الله تعالى عن العلم والعلماء خير الجزاء. أ. د. وهبَة مصطفي الزَّحيلي عميد ورئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق سابقًا

стр. 11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدِمَة التَّحقِيْق إنَّ الحمد لله نحمدُه ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه. أما بعد: فإنَّ علم التفسير من أجلِّ علوم الشريعة، وأرفعِها قدرًا، وهو من أشرف العلوم غرضًا، وحاجة إليه؛ لأن موضوعه كلام الله تعالى، الذي هو ينبوع كلِّ حكمة، ومعدِن كلِّ فضيلة. وفي ذلك يقول الإمام البيضاوي في "تفسيره": إن أعظم العلوم مقدارًا، وأرفعها شرفًا ومنارًا: علم التفسير، الذي هو رئيس العلوم الدينية ورأسها، ومبنى قواعد الشرع وأساسها (١). ويقول إمام المفسرين الطبري في "تفسيره": اعلموا عباد الله -رحمكم الله- أنَّ أحقَّ ما صُرفت إلى علمه العناية، وبلغت في معرفته الغاية، ما كان لله في العلم به رضَى، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدىً، وأنَّ أجمعَ ذلك لباغيه، كتاب الله الذي لا ريب فيه، وتنزيله الذي لا مِرْية

стр. 12

فيه، الفائز بجزيل الذخر وسنيِّ الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطِلُ من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ (١). ولقد كان الصحابةُ في عهد رسول الله ﷺ يفهمون القرآن بسليقتهم العربية، وإن التبسَ عليهم فهمُ آيةٍ رجعوا إلى رسول الله ﷺ فبينها لهم، ثم جعل إلى العلماء بعد رسول الله ﷺ استنباطَه، ما نبّه إلى معانيه، وأشار إلى أصوله ليتوصلوا بالاجتهاد فيه إلى علم المراد، فيمتازوا بذلك عن غيرهم، ويختصوا بثواب اجتهادهم، قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، فصارَ الكتاب أصلًا، والسنُّةُ له بيانًا، واستنباطُ العلماء له إيضاحًا وتبيانًا (٢). وكان من البدهي أن تَجِدَّ قضايا لم يسبق لها مثيلٌ في عهد النبي ﷺ ، فكان القرآن للصحابة ملاذًا لهم لاستنباط الأحكام الشرعية للقضايا الجديدة، فيُجمعون على رأي فيها، وقلما يختلفون عند التعارض، كاختلافهم في عدة الحامل المتوفى عنها زوجُها، أهي وضع الحَمْل، أم مُضِيُّ أربعة أشهر وعشر، أم أبعدُ الأجلين منهما؟ حيث قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فكانت هذه الأحوال على قِلَّتها بدايةَ الخلاف الفقهي في فهم آيات الأحكام. فلما كان عهد الأئمة الأربعة، واتَّخذ كل إمام أصولًا لاستنباط الأحكام في مذهبه، وكثرت الأحداث، وتشعبت المسائل، ازدادت وجوه الاختلاف في فهم بعض الآيات لتفاوت وجوه الدلالة فيها، دون تعصب لمذهب، بل

стр. 13

استمساكًا بما يرى الفقيه أنه الحقُّ، ولا يجد غَضَاضةً إذا عرفَ الحقَّ لدى غيره أن يرجع إليه. وبقي الأمر هكذا حتى جاء عصرُ التقليد المذهبي، فقَصَر أتباع الأئمة جهودهم على توضيح مذهبهم والانتصار له، وأحيانًا حتى لو كان ذلك بحمل الآيات القرآنية على المعاني المرجوحة البعيدة، ونشأ من هذا تفسير فقهيٌّ خاصٌّ لآيات الأحكام في القرآن، يشتد التعصب فيه أحيانًا، ويَخِفُّ أخرى (١). وهذا المنهج هو ما يسمى بـ "التفسير الفقهي"، وقد برزت فيه كتب كان لها الأثرُ البارزُ في إثراء مكتبة الفقه الإسلامي، فمن هذه الكتب: ١ - "أحكام القرآن" للجصاص، وهو من المراجع المهمة في آيات الأحكام والمسائل الخلافية، لكنه مليء بميله المُفْرِطِ إلى مذهبه الحنفي، وذلك في الانتصار له، ومحاولته إبطالَ أدلة المخالفين. ٢ - "أحكام القرآن" لإلكيا الهَرَّاسِي الشافعي، وهو مرجع هام ومفيد في آيات الأحكام، لكنه اقتصر فيه على إيراد مذهب الشافعي ﵀ دون التعرض لمذاهبِ غيره من الأئمة. ٣ - "أحكام القرآن" لابن العربي المالكي: وهو من أحسن الكتب المؤلفة في آيات الأحكام، وعليه اعتمد مَنْ جاء بعده كالقرطبي، لكنه يهجم على المخالف بشدة، ويتحامل على بعض الأئمة المخالفين لمذهبه. ٤ - "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي، وهو من أفضل الكتب في التفسير وأكثرها جمعًا لآيات الأحكام، ومسائل الخلاف، دون التعصب والتحيز

стр. 14

لمذهب من المذاهب الفقهية، فجاء الكتاب فريدًا في بابه، عظيمًا في نفعه وفائدته. وقد جاء بعد هؤلاءِ الإمامُ العلامةُ الفقيه المفسر اللغوي محمد بن علي المَوْزعيُّ الشافعيُّ، فألف كتابه "تيسير البيان لأحكام القرآن" مقتفيًا أثرهم في مناقشته للآراء الفقهية، مع الرد على المخالف، وذكر أوجه الاستدلال، والمسائل الفرعية. وقد اكتسب هذا الكتاب أهمية على غيره من كتب أحكام القرآن لأسبابٍ، منها: ١ - أن مؤلفه شافعيَّ المذهب، حيث إن الكتب المشتهرة قبله إما أن تكون لمؤلف حنفي؛ كالإمام الجصاص، أو لمؤلفٍ مالكي؛ كالإمامين ابن العربي والقرطبي. ٢ - مناقشات المؤلف وردوده في مسائل كثيرة من كتابه هذا، وعدم جموده على التقليد المحض، وذلك بالنظر في أدلة المذاهب الأخرى، وترجيحه في مواطن كثيرة غير مذهب إمامه الشافعي، مما يجعل لكتابه هذا قبولًا لدى أتباع المذاهب الأخرى. ٣ - طريقة عَرْضه للأحكام الفقهية، وحُسْن جمعه واختصاره لكلام الأئمة. لهذه الأسباب -وغيرها مما سيأتي- اتجهت الرغبة لخدمة هذا الكتاب، وتحقيقه، وطبعه لنشره بين الناس؛ علماءَ وطلبةَ علمٍ. وقد تم التقديم بين يدي الكتاب بفصلين -كمدخلٍ له- هما: الفصل الأول: في ترجمة المؤلف. الفصل الثاني: في دراسة الكتاب.

стр. 15

هذا، وأسأل الله تعالى أن يتقبل منا صالح القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين عبد المعين الحرش

стр. 16

الفَصْلُ الأَوَّلُ ترجمة المؤلف الإمام الموزعي * اسمه ونسبه: هو محمدُ بنُ عليِّ بنِ عبد الله بن إبراهيمَ بن أحمدَ بن أبي بكر بن الخطيب، جمال الدين، الشعبيُّ، النَّمريُّ، المَوزَعِيُّ. * لقبه وكنيته: يعرف بابن نور الدين، ويعرف أيضًا بابن الخطيب، نسبةً إلى أحد أجداده عبد الله بن أبي بكر الذي عُرِف بابن الخطيب، وإليه ينسب بنو الخطيب الذين بموزع وغيرهم، ويكنَّى بأبي عبد الله. * ولادته: ولد المؤلف في بلدة موزَع -بفتح الزاي- التابعة لمدينة تعزّ في اليمن، وتقع غربها، وتبعد عنها مسافة (٩٠ كم) كم تقريبًا، ولم تذكر سنة ولادة المؤلف في المصادر التي ترجمت له، والله أعلم. * أسرته: عرف آل الخطيب بالعلم والتقوى والفضل، فلا يكاد يخلو فردٌ من هذه الأسرة إلا وهو على جانب كبير من العلم والورع والصلاح، والمستعرض لتاريخ علماء اليمن يجد الكثير من آل الخطيب قد حازوا قَصَبَ السَّبقْ في العلم والزهد والورع.

стр. 17

فالجد عبد الله الذي ينسبون إليه كان خطيبًا في (أبين) وكان ذا زهد وعبادة. ومن ذريته: الفقيه رضي الدين أبو بكر بن أحمد الذي أجمع أهل بلاده على صلاحه. وله أولاد منهم: محمد بن أبي بكر الذي كان فقيهًا مقربًا من العلماء، ومدرِّسا ومفتيًا. وإسماعيل، وقد اشتهر بالعبادة، وغيرهم. فالمؤلف إذًا من أسرة عريقة، ضاربةٍ جذورها، راسخةٍ معالمُها بشرف العلم والدين، فكان لذلك أثرٌ في طلب المؤلف للعلم منذ نعومة أظفاره، ومساعدٌ له في تكوينه العلمي، حتى أصبح عالمًا بارعًا، بزَّ الأقران، وفاق الكثيرَ من الأعيان. * أخلاقه وصفاته: كان الإمام الموزعي عالمًا زاهدًا، وتقيًا ورعًا، مقبلًا على العلم والتحصيل، فلم يشغل نفسه بشيء من مشاغل الدنيا، وكان محبًا للخير، كريمًا، ينفق كلَّ ما عنده، ولم يدخر شيئًا، ولذا مات فقيرًا مَدِينًا، فقام ابنه من بعده بسداد دينه، وكان من ورعه تورعُه عن أموال الناس، وعن قبض شيء من الوقف المعدِّ لأهل الأسباب، وغير ذلك، وكان مدة قراءته بمدينة زَبيد تصله نفقةٌ من بلده من شيء يعتقد حلَّه، فانقطعت عليه نفقته أيامًا، فأمر الإمام جمال الدين الريمي (١) نائبَه أن يصرف له من الطعام في كل يوم شيئًا معينًا، فأعطاه ذلك في ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الرابع جاء إليه النائب بنفقته، فامتنع من قبضها، فلما علم الإمام الريمي بذلك، وسأله عن

стр. 18

السبب لامتناعه عن قبض النفقة، فاعتذر إليه، فلم يقبل عذره، وألحَّ عليه في تبين سبب الامتناع، فقال الإمام نور الدين: إنه أظلمَ قلبي من يوم قبضت النفقة من نائبك، فلا حاجة لي بها. وكان ﵀ ذا صدقةٍ وأفعالٍ للخير، يبدأ بأقاربه وجيرانه، ثم يعمم كلَّ محتاج عَلِمَ به أو وصل إليه، ولا يدخر في بيته إلا ما يَسُدُّ به خلته في وقتهم، وهو الذي ابتدأ بعمارة جامع موزَع، وظهرت له كراماتٌ في حياته وبعد موته، وكان مجابَ الدَّعوةِ. * مشايخه: ١ - جمال الدين محمد بن عبد الله بن عبد الله بن أبي بكر الحثيثي الصردفي الريمي -نسبة إلى ريمة ناحية باليمن- الإمام العلامة، وأحد كبار الشافعية، اشتغل بالعلم وتقدم في الفقه، فكانت إليه الرحلة في زمانه، وصنف التصانيف النافعة، منها: "شرح التنبيه"، توفي سنة (٧٩٢ هـ)، وقد قرأ عليه المؤلف الفقهَ والأصول كاللمع للشيرازي، وغيرَ ذلك من العلوم. ٢ - تاج الدين الهندي، الدَّلَّي، الشيخ الفقيه، قرأ عليه المؤلف: "منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل" لابن الحاجب. ٣ - غياث الدين محمد بن جعفر الهندي الدَّلي، الشيخ العلامة الفقيه. ٤ - علي بن قمر، الشيخ الفقيه المذكور في أهل زبيد. ٥ - أبو عبد الله موسى الذوالي، شيخ القاضي الريمي، الإمام الفقيه الحافظ، قرأ عليه: "منهاج البيضاوي". ٦ - ومن شيوخه عدد من "آل الناشري"، لم تذكر أسماؤهم كما ذكر البُريهي.

стр. 19

* تلامذته: ١ - الحسين بنُ عبدِ الرحمن بن محمد بن علي الحسينيُّ العلويُّ الشافعيُّ المعروف بالأهدل، صاحب "تحفة الزمن"، مفتي الديار اليمنية، وأحد علمائها المتفننين، وهو أشهر تلامذة الموزعي، توفي سنة (٨٥٥ هـ). ٢ - أبو بكر محمد بن رضي الدين أبو بكر بن أحمد الخطيب، وكان عالما زاهدًا مُجْمَعًا على جلالته، درس وأفتى، وقرأ عليه وعلى غيره الفقه والنحو الحديث واللغة والتفسير، وقد تقلد الرئاسة بعد وفاة شيخه جمالِ الدين محمدِ بن علي بن نور الدين الموزعيِّ، وتوفي في المئة التاسعة. ٣ - رضي الدين أبو بكر أحمد بن دعسين القرشي -نسبة إلى القرشية قبيلة في اليمن-، كان إمامًا عالمًا، أفتى ودرس، وتولى القضاء بموزع، ثم عزل نفسه، واجتهد في العبادة ونشرِ العلم، توفي (٨٤٢ هـ). ٤ - جمال الدين محمد بنُ عمرَ الحجاري، الفقيه القاضي، كان عالمًا ورعًا، ذا فضل عظيم وعبادة وزَهادة، مما يعجز عنه الكثير، تولى القضاء بموزع، فكان يصدع بالحق ولا يخافُ في الله لومة لائم، وقد قرأ عليه العلوم الشرعية والعربية، وتزوج بابنة الإمام الموزعي خديجة، توفي قريبًا من سنة (٨٢٠ هـ). ٥ - سعيد بن سحر، الفقيه، صاحب الفازة، تزوج بنت الإمام الموزعي، وتفقه عليه. ٦ - ولده الطيبُ ابن الإمامِ محمدِ بن علي الموزَعي، قرأ على والده كثيرًا من العلوم وتفقه عليه، كما قرأ على غيره من علماء عصره، ودرَّس وأفتى في عهد والده، واشتُهر بعد وفاته.

стр. 20

٧ - ولده شمس الدين علي، قرأ على والده شيئًا من العلوم، وتفقه عليه، وخلف والده في الإحسان إلى من قصده، وكان ذا مال جزيل، قضى منه دين والده. ٨ - ولده إبراهيم، وقد قرأ على أبيه القرآن، ولم يتفقه. * مكانته وثناء العلماء عليه: ١ - قال البريهي في "تاريخه": "الإمام العلامة الصالح الزاهد العابد، كان إمامًا عالمًا، علمه كالعارض الهاطل، المتحلي بتصانيفه، جِيْدُ الزمان العاطل، مُسْتَقَرُّ المحاسن والبيان، ومستودع البيان والإحسان، فخر اليمن، وبهجة الزمن، الصبور، الواصل للرحم، الخَشُوع، له الباع الطويل في لحم الفقه والأصول والنحو والمعاني والبيان واللغة، درَّس وأفتى، واشتهر، ورُزق القبول عند الخاصة والعامة". ٢ - وقال السخاوي في "الضوء اللامع": "الإمام الأصولي، جرت له أمور بان فيها فضلُه". ٣ - وقال الزركلي في "الأعلام": "مفسر عالم بالأصول". * مؤلفاته: صَنَّفَ الإمام الموزعي مؤلفات عدة في فنون مختلفة، مما يدل على تمكنه في هذه العلوم التي ألف فيها، ومنها: ١ - "تيسير البيان لأحكام القرآن"، وهو كتابنا هذا. ٢ - "الاستعداد لرتبة الاجتهاد"، وهو كتاب عظيم النفع في علم أصول الفقه، وقد سبق لي العناية به.

стр. 21

٣ - "مصابيح المغاني في معاني حروف المعاني" (١)، مخطوط، يقع في (١٨١) ورقة كتب في آخره: فرغ من نسخه سنة (٨٤٨ هـ)، بخط الصديق عمر شماخ. توجد منه نسخة في مكتبة أحمد عبد القادر الأهدل بزبيد، وهي مصورة بمعهد المخطوطات التابع للجامعة العربية بالقاهرة، ومصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة برقم (٣٥٠ - نحو). ٤ - "كنوز الخبايا في قواعد الوصايا"، ذكره الأهدل في "تحفته". ٥ - "جامع الفقه"، ذكره الأهدل في "تحفته"، وقال: لكنه توفي قبل تمامه، ويقع في ثلاثة مجلدات. ٦ - "المطرب للسامعين في حكايات الصالحين"، اختصر فيه "روض الرياحين" لليافعي. ٧ - "كشف الظلمة عن هذه الأمة"، ذكره البريهي في "تاريخه"، توجد منه نسخة خطية في المكتبة الغربية لجامع صنعاء (رقم ٣٩١). * وفاته: توفي الإمام الموزعي أوائل ربيع الآخر من سنة خمس وعشرين وثمان مئة على ما ذكره الأهدل تلميذه، وهو المعتمد. وذكر البريهي أنه توفي بعد سنة عشر وثمان مئة. وذكر السخاوي في "الضوء اللامع" أنه توفي في حدود العشرين. * مصادر الترجمة: ١ - " طبقات صلحاء اليمن" المعروف بـ "تاريخ البريهي" (ص: ٢٧٢ - ٢٧١).

стр. 22

٢ - "الضوء اللامع" للسخاوي (٨/ ٢٢٣). ٣ - "شذرات الذهب" لابن العماد (٦/ ٢٤٨). ٤ - "هدية العارفين" للبغدادي (٢/ ١٧٨). ٥ - "إيضاح المكنون" للبغدادي (١/ ٣٤٣). ٦ - "الأعلام" للزركلي (٦/ ٢٨٧). ٧ - "معجم المؤلفين" لكحالة (٣/ ٥٢٠). ٨ - "مصادر الفكر العربي الإسلامي" لعبد الله محمد الحبشي (ص: ١٩٦).

стр. 23

الفَصْلُ الثَّاني دِرَاسَة الكِتَاب * أولًا: تحقيق اسم الكتاب، وإثبات نسبته إلى مؤلفه: ذكر المؤلف ﵀ في مقدمة كتابه هذا اسم الكتاب فقال: وسميته: "تيسير البيان لأحكام القرآن". وكذا جاء على طرة النسخة الخطية لمكتبة برنستون والمرموز له بـ "أ"، وكذا سماه كلٌّ من البغدادي في "هدية العارفين" (١) و"إيضاح المكنون" (٢)، والزركلي في "الأعلام" (٣). وقد جاء اسمه على طرة النسخة الخطية لمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض والمرموز لها بـ "ب": "تيسير البيان في أحكام القرآن". وكذا جاء في خاتمة الجزء الأول من النسخة. وكذا سماه البريهي في "تاريخه" (٤). وقد تم اعتماد تسمية المؤلف التي نصَّ عليها في مقدمته وهي: "تيسير البيان لأحكام القرآن".

стр. 24

هذا، وقد جاء نسبة الكتاب إلى المؤلف ﵀ على طرة النسختين الخطيتين المشار إليهما آنفًا، ففي النسخة "أ" جاء فيها: "تصنيف الشيخ الإمام العالم محمد بن علي بن عبد الله الخطيب المعروف بابن نور الدين اليمني الموزعي". وفي النسخة "ب ": "تأليف الشيخ الإمام العلامة المتقن الفهامة جمال الدين محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب، عرف بابن نور الدين الموزعي اليمني. وكذا نسبه إليه كلُّ من ترجم له وذكره. هذا، وقد ذكر كتابه الآخر الموسوم بـ "مصابيح المغاني في حروف المعاني" في أكثر من موضع من كتابه هذا. * ثانيًا: منهج المؤلف في الكتاب: ذكر المؤلف ﵀ في مقدمة كتابه هذا: أنه استخار الله تعالى في تصنيف صغير حجمه، خفيف حمله، كثير نفعه، كبير قدره، يكون تنبيهًا للطالبين، على مناهج العلماء السالفين، في استخراج الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، ليتعلموا صنيعهم، ويقتفوا أثرهم بسابق فضل الله عليهم ورحمته لهم (١). وقد بدأ المؤلف ﵀ كتابه هذا بمقدمة أصولية قيمة، ضمت مباحث نافعة وفوائد ماتعة، شملت معظم أبواب أصول الفقه، وهي مقدمة مختصرة حقيقةٌ بالحفظ والدراسة. ثم شرع في شرح آيات الأحكام حسب التسلسل القرآني للسور والآيات، فيبدأ بشرح غريب الألفاظ منها، ثم يستنبط الأحكام الفقهية،

стр. 25

ويذكر مسائل الخلاف بنسبة كل قول إلى قائله، وذكر المأثور عن النبي ﷺ والصحابة ﵃، وعن التابعين وغيرهم، ثم يرجح ما يراه راجحًا من الأقوال حسب ما يؤديه إليه اجتهاده معتمدًا على المعقول والمنقول في المناقشة والترجيح. وقد سار ﵀ على طريقة الإمام القرطبي في "تفسيره" بتقسيمه الآية إلى جمل وفقرات حسب ما تضمنته من أحكام، إلا أن القرطبي يقول: في هذه الآية كذا من المسائل، والمؤلف يقول: الجملة الأولى، أو يقسم الآية ويتكلم عن الأحكام الموجودة فيها مراعيًا ترتيب الأحكام حسب وجودها وتسلسلها في الآيات، وهو لا محالة تأثر بالقرطبي في هذا. إلا أنه استقل ﵀ في تقرير المسائل، واختار طريقة تدل على قِدمه في هذا الباب لسوقها، وانتهج منهجًا متميزًا في الاستدلال والترجيح. وقد ضمَّ الكتاب معظم أبواب الفقه من أحكام الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد والمعاملات وغيرها، والتي أتى ذكرها في الآيات القرآنية الكريمة، إلا أنه لم يستوعب كل آيات الأحكام التي أوصلها بعضهم إلى خمس مئة آية، بل ترك آياتٍ كثيرةً تتعلق بالأحكام طلبًا للاختصار، وذلك إما لاندراجها في أحكام الناسخ، أو في أحكام المنسوخ، أو لذكر أحكامها في غيرها، أو لغير ذلك (١). * وقد عرض المؤلف ﵀ لفقه الأئمة الأربعة ومذاهب الصحابة والتابعين في أكثر المسائل التي تناولها في كتابه هذا، معتمدًا على أمهات كتب التفسير والفقه والناسخ والمنسوخ، مقدمًا فقه إمامه الشافعي

стр. 26

-﵀ في العرض، وتاليه بذكر المذاهب الأخرى، مصوِّبًا ومرجحًا ما يراه، فيجد مطالع الكتاب ترجيحات كثيرة لمذاهب أخرى على مذهب إمامه الشافعي؛ فيرجح القول المخالف للشافعي في كون الإحرام بالحج في أشهره لا يصح، ويرجح قول الإمام مالك في كون الرزق والكسوة للمرضعة لأجل الزوجية لا لأجل الرضاعة، ويرجح قول مالك وأبي حنيفة في كون الرشد يكون بإصلاح المال فقط، ويرد ويتعجب من الشافعية في استحبابهم التكميل بالعمامة في مسألة المسح عليها، ويبطل تفريع الشافعية في مسألة أخرى، وغير ذلك. بل لم تقتصر ترجيحاته ومناقشاته في ذلك فحسب، بل كان له مع الأئمة الآخرين نصيب من المناقشة والاستدلال، فتراه يرد على النحَّاس في مسألة النسخ وإبطاله له، ويرد بنقد لاذع على ابن خُويز مِنْداد المالكي، وعلى أبي الفتوح بن أبي عقامة، ومكي بن أبي طالب، وابن العربي، وابن رشد، والنووي، وغيرهم. وكل هذا يأتي بأسلوب علمي ومنهجي رفيع، يزينه تواضع بلغة عالية، وانظر قوله في مسألة الكلالة: "هذا ما انتهى إليه فهمي وبحثي في الكلالة، والله أعلم، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، وأستغفر الله الغفور الرحيم". * كما ظهر في هذا التأليف النفيس عناية المؤلف بسوق الروايات الحديثية مشفوعة في الغالب بـ (روينا) التي تدل على اشتغاله بالرواية وعلم الحديث. * وظهر أيضًا كثرة الاستشهادات الشعرية التي يحشدها المؤلف للدلالة على المعنى المراد لديه.

стр. 27

* ثالثًا: موارد المؤلف في الكتاب: لم يذكر المؤلف ﵀ مصادره التي كان ينقل عنها كلامه، ويكاد يكون هذا سِمَةً عامة في هذا الكتاب، وشذَّ عن هذا النزر القليل الذي صرَّح بالنقل عنه، وقد تمَّ الوقوف -بفضل الله تعالى- على أهم مصادره التي نقل عنها بعد طول التفتيش والبحث عن المسائل والأحكام التي كان يسوقها، وهي: * كتب التفسير والناسخ والمنسوخ: ١ - " تفسير الطبري". ٢ - "معالم التنزيل" للبغوي. ٣ - "التفسير الكبير" للرازي. ٤ - "أحكام القرآن" لابن العربي. ٥ - "أحكام القرآن" للجصاص. ٦ - "الوسيط في التفسير" للواحدي. ٧ - "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي. ٨ - "الناسخ والمنسوخ" للنحاس. ٩ - "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي بن أبي طالب. * كتب الفقه والشروح: ١٠ - " معرفة السنن والآثار" للبيهقي. ١١ - "الأم" للإمام الشافعي. ١٢ - "الرسالة" للإمام الشافعي. ١٣ - "اختلاف الحديث" للإمام الشافعي. ١٤ - "الاستذكار" لابن عبد البر.

стр. 28

١٥ - "التمهيد" لابن عبد البر. ١٦ - "المحلى" لابن حزم. ١٧ - "الحاوي الكبير" للماوردي. ١٨ - "الأحكام السلطانية" للماوردي. ١٩ - "البيان" للعمراني. ٢٠ - "بداية المجتهد" لابن رشد، وقد أكثر في النقل عنه كثيرًا. ٢١ - "المجموع شرح المهذيب" للنووي. ٢٢ - "شرح مسلم" للنووي. ٢٣ - "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق العيد. * رابعًا: أهمية الكتاب ومنزلته العلمية: يعدُّ هذا الكتاب نسيج وحدِه، وفريد عقده، ضمَّنه بدائع الفوائد، وروائع الفرائد، بأسلوب جزل رصين، واستنباط للأحكام بفهم دقيق متين، دون حشو أو تطويل، مقويًا حججه بالقرآن والسنة والإجماع والقياس، مستعينًا على الترجيح بعقل ثاقب، وذهنٍ صافٍ، بعيدًا عن التعصب والجمود، والتعسف والاشتطاط. وقد استفاد ﵀ من علوم السابقين، وزاد مؤلِّفه على ذلك سلوكه طريقة المجتهدين في الاستنباط والاستدلال، فكان ذلك ميزة مهمة أضْفَتْ على الكتاب أهمية كبرى، خاصة عندما ترى المؤلف يفتخر بتحقيقاته وترجيحاته من غير كِبْر ولا غَمْط للآخرين (١).

стр. 29

فحقيق أن يجعل هذا الكتاب في مصافِّ كتاب "أحكام القرآن" لابن العربي، أو "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي، لما اشتمل عليه من صنوف العلم المبسوطة بجمل ميسَّرة يفقهها كلُّ مطالع، ولعلَّ ذلك سرّ تسميته كتابه بـ "تيسير البيان"، وقد قال ﵀ عن أهمية كتابه هذا: "ولا ينكر شرف ما وضعته في كتابي هذا، في زمني هذا، في بلدي هذا، إلا جاهل عاند، أو متحامل حاسد، فنعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد" (١). * خامسًا: وصف النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق: تم الاعتماد في تحقيق هذا الكتاب الحافل على نسختين خطيتين هما: النسخة الأولى: وهي النسخة الخطية المحفوظة بجامعة برنستون في الولايات المتحدة الأمريكية، برقم (٢٣٧٧)، وتقع في (١٦٧) ورقة، في كل ورقة وجهان، وفي الوجه أربعون سطرًا تقريبًا. تبدأ بقوله: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين، وحسبي الله وكفى ونعم الوكيل، يقول العبد الفقير إلى الله الكريم محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب المعروف بابن نور الدين اليمني الشعبي الموزعي: الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلَّمه القرآن ... ". وتنتهي بقول المؤلف: "وكان الفراغ من تعليقه صبيحة يوم الثلاثاء لخمس بقين من شهر جمادى الأولى سنة ثمان وثمان مئة، وأرجو من فضل الله الكريم وتمام نعمته أن ييسِّر لي وضع الكتاب الذي أهمُّ به في "أحكام القرآن المجيد المتعلقة بأصول الديانات، وصحيح الاعتقادات" بطريقٍ قد دَرَسَت، وآثار قد طُمست، ألا وهي طريق السلف الصالح، والأئمة الناصحين، الخالية من أضاليل الضالين، وزخرفة المبتدعين".

стр. 30

وجاء في آخرها اسم الناسخ وهو القاسم بن الحسين الحجي، وذلك صبح الجمعة، ثالث عشر شهر ذي القعدة سنة (١١٥٧ هـ). وهذه النسخة نسخة جيدة تامة، معتمدة في مجملها في الضبط والتوثيق. وتم الرمز لهذه النسخة بالرمز "أ" النسخة الثانية: وهي النسخة المحفوظة بمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض، تحت رقم (١٧٦٥) وهي مؤلفة من جزأين، وتقع في (٢٠١) ورقة، في كل ورقة وجهان، وفي الوجه (٣٠) سطرًا تقريبًا. الجزء الأول منها يبدأ بقوله: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال الفقيه الأجل الأوحد العلامة جمال الدين محمد بن علي بن عبد الله بن الخطيب، عرف بابن نور الدين الموزعي اليمني الشعبي: الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلَّمه القرآن ... ". وينتهي بقوله في آخر آية من تفسير سورة النساء: "وهذا ما انتهى إليه فهمي وبحثي في الكلالة، والله أعلم، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، وأستغفر الله الغفور الرحيم". وفي نهايته قوله: "انتهى الجزء الأول من كتاب "تيسير البيان في أحكام القرآن" تأليف الشيخ الإمام العلامة المدقق المحقق أبي عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم الخطيب رحمه الله تعالى ونفع به". أما الجزء الثاني: فيبدأ بقوله: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين، قوله ﷻ : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ... ". وينتهي بقوله: "قال مؤلفه: وكان الفراغ من تعليقه صبيحة يوم الثلاثاء لخمس بقين من شهر جمادى الأولى من سنة ثمان وثمان مئة ... ".

стр. 31

وفي آخره: "تم الجزء الثاني من تيسير البيان في أحكام القرآن". ولم يظهر في آخر هذا الجزء اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ. وهذه النسخة سيئة الخط، رديئة التصوير، وقد وقع في آخرها سقطان بمقدار أربع لوحات وتم الرمز لهذه النسخة بالرمز "ب" * سادسًا: بيان منهج التحقيق: ١ - نسخُ المخطوط وكتابته وفق الإملاء الحديث، وتصحيح الأخطاء الإملائية في صلب الكتاب، من غير إشارة إلى الفروق في الهامش. ٢ - مقابلة النسختين (أ) و (ب)، وإثبات الأصح منهما في النص، مع الإشارة إلى الفرق في الحاشية. ٣ - إدخال علامات الترقيم، وتفصيلُ فِقْرات الكتاب، والعناية التامة ببدء كل مسألة في سطر جديد، مع الإشارة أمامها إلى علامة (*)، فإن كانت الآية تتضمن عدة مسائل تحتها فروعٌ متعددة، وذلك بجعل علامة رأس المسألة الأم (•)، وعلامة المسائل الفرعية (*)، وكذلك الأمر في ذكر الأقوال، فإما الاكتفاء بتسويد رأس القول، أو بوضع علامة (-) قبله، إشارة إلى أنه قول مستقل. ٤ - تفصيل الكتاب إلى وحدات موضوعية، بجعل كل جملة من الآيات ذات الموضوع الواحد ضمن وحدة مستقلة، وعنون لها بعنوانٍ دالٍّ عليها، بذكر -مثلًا- تحت عنوان (من أحكام الصلاة) جملة الآيات التي تم بيان أحكامها وتفسيرها، مع الاكتفاء بالإشارة هنا عن الإشارة في كل موضع بأن العنوان زيادةٌ منا للإيضاح.

стр. 32

٥ - ترقيم الآيات المفسرة في كامل الكتاب، وذلك بإعطاء الرقم الأول الخالي من التقويس للرقم المتسلسل لآيات الكتاب قاطبة، والرقم الثاني المقوس لرقم الآية في السورة نفسها، مثاله رقم: ٨٦ - (٢٦)، فالرقم: ٨٦ يعني أن هذه الآية السادسة والثمانين المفسرة من أول الكتاب، ورقم: (٢٦) يعني أن هذه الآية هي الآية السادسة والعشرين المفسرة من سورة النساء، فإن كان المُفَسَّر أكثر من آية يتم إعطاء الآيات أرقامًا حسب عددها. ٦ - ضبط الكلمات المشكلة والغريبة وشرحها، وردّ ذلك إلى المصادر التي تم اعتمادها من معاجم وغيرِها. ٧ - توثيق جميع النصوص التي ذكرها المؤلف ﵀، بالرجوع إلى مصادرها، سواء ذكر المؤلف مصدره في ذلك أم لا. ٨ - عزو الآيات القرآنية إلى أماكنها في المصحف الشريف، بذكر اسم السورة، ورقم الآية في متن الكتاب، وقد تمَّ إتمام جميع الآيات المفسرة تسهيلًا على القارئ، حتى لا يرجع إليها في المصحف الشريف، وقد اضطرنا ذلك لحذف كلمة (الآية) من كلام المؤلف بعد طرف الآية المختصرة، لأن المقصود منها قد تحقق. ٩ - تخريج الأحاديث النبوية والآثار الموقوفة والمقطوعة، فإن كان ذلك في "الصحيحين" فإنه يكتفى بالعزو إليهما دون غيرهما، وكذلك إن كان في أحدهما، وإلا فيقتصر على كتب السنة الأربعة، وذلك بذكر رقم الحديث، والكتاب، والباب، فإن لم يكن فيتم تخريجه من بقية كتب الحديث المشهورة المعتمدة، وفي كل ذلك يتم ذكر اسم الصحابي الذي روى الحديث. ١٠ - تخريج الشواهد الشعرية، بعزو الشاهد إلى ديوان صاحبه، مع ذكر رقم القصيدة، ورقم البيت، والصفحة من الديوان، فإن لم يكن، ففي كتب

стр. 33

الأدب المعتمدة، كخزانة الأدب للبغدادي، والشعر والشعراء لابن قتيبة، وغيرهما. ١١ - ترجمة الأعلام الوارد ذكرهم في الكتاب، وذلك بذكر اسم العلم ونسبه ولقبه، وما اشتهر فيه من فقه أو أدب أو أصول أو غيرها من العلوم، وما كان عليه حاله من الدين والورع والزهد وغير ذلك، ثم سنة وفاته، بإحالة ذلك كله إلى المراجع الأساسية في ترجمة كل علم: فإن كان من الصحابة: ذكرت ترجمته من كتب التراجم الخاصة بالصحابة، وإن كان من الحفاظ المحدِّثين ذكرت ترجمته من الكتب المختصة بتراجمهم، وكذلك إن كان من الفقهاء، أو من الشعراء، وجعلت لكل عَلَمٍ ثلاثةَ مراجع أو أربعةً للتوثيق. وذلك كله في (ملحق) تم في آخر هذا الكتاب تحت عنوان: "تراجم الأعيان في تيسير البيان". ١٢ - تخريج القراءات القرآنية المذكورة في الكتاب، وذلك بالإشارة إلى من قرأ بها، ثم الدلالة على موضع تخريجها في الكتب المعتمدة في التفسير والقراءات. ١٣ - تذييل الكتاب بفهارس علمية متعددة اشتملت على: ١ - فهارس الموضوعات التفصيلية، وما انطوت عليه السور والآيات من المباحث والمسائل. ٢ - ملحق بتراجم الأعيان في تيسير البيان، تمَّ تضمينه بالأعلام الواردة في الكتاب، وقد قارب المئتي علم. ٣ - فهرس آيات الأحكام (على ترتيب السور). ٤ - فهرس آيات الأحكام (على الأبواب الفقهية).

стр. 34

٥ - فهرس الآيات القرآنية الكريمة. ٦ - فهرس الأحاديث النبوية الشريفة. ٧ - فهرس الآثار والأقوال. ٨ - فهرس القراءات. ٩ - فهرس أسباب النزول. ١٠ - فهرس الأشعار والأرجاز. ١١ - فهرس ترجيحات المؤلف واختياراته. ١٢ - فهرس الأعلام. ١٣ - فهرس موضوعات الكتاب العامة. هذا، وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، والحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 35

صُورَ المخْطُوْطَاتَ

стр. 36

صورة غلاف النسخة الخطية لمكتبة برنستون بأمريكا، والمرموز لها بـ "أ"

стр. 37

صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية لمكتبة برنستون بأمريكا، والمرموز لها بـ "أ"

стр. 38

صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الخطية لمكتبة برنستون بأمريكا، والمرموز لها بـ "أ"

стр. 39

صورة غلاف النسخة الخطية لمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض، والمرموز لها بـ "ب"

стр. 40

صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من النسخة الخطية لمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض، والمرموز لها بـ "ب"
следующие страницы →