← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 10501–10540 · переход к 10506.

стр. 10501

معارضة بين إنكار عائشة، وإثبات ابن عمر، لكن قولها: "إنهم ليعلمون" يدلّ على أنَّها كانت تنكر ذلك مطلقًا، وأن ابن عمر وَهِمَ في قوله: "ليسمعون". وقال ابن التين ﵀: لا معارضة بين حديث ابن عمر ﵄ والآية؛ لأن الموتى لا يسمعون بلا شكّ، لكن إذا أرد الله إسماع ما ليس من شأنه السماع لَمْ يمتنع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]، وقوله: فَقَالَ ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ الآية [فصلت: ١١]. وقال البيهقيُّ ﵀: العلم لا يمنع من السماع، والجواب عن الآية أنه لا يُسْمِعهم وهم موتي، ولكن الله أحياهم حتى سمعوا، كما قال قتادة، ولم ينفرد عمر، ولا ابنه بحكاية ذلك، بل وافقهما أبو طلحة، كما تقدّم، وللطبرانيّ من حديث ابن مسعود مثله، بإسناد صحيح، ومن حديث عبد الله بن سِيدان نحوه، وفيه: "قالوا: يا رسول الله، وهل يسمعون؟ قال: يسمعون كما تسمعون، ولكن لا يجيبون"، وفي حديث ابن مسعود: "ولكنهم اليومَ لا يجيبون". ومن الغريب أن في "المغازي" لابن إسحاق روايةِ يونس بن بكرٍ بإسناد جيِّد عن عائشة ﵂ مثل حديث أبي طلحة، وفيه: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم"، وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظًا، فكأنها رجعت عن الإنكار؛ لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة؛ لكونها لَمْ تشهد القصَّة. قال الإسماعيليّ ﵀: كان عند عائشة ﵂ من الفهم، والذكاء، وكثرة الرواية، والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى ردّ رواية الثقة إلَّا بنصّ مثله، يدلّ على نسخه، أو تخصيصه، أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكنٌ؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لا ينافي قوله ﷺ : "إنهم الآن يسمعون"؛ لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمِع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم، بأن أبلغةم صوت نبيّه ﷺ بذلك. وأما جوابها بأنه إنما قال: "إنهم ليعلمون"، فإن كانت سمعت ذلك، فلا ينافي رواية "يسمعون"، بل يؤيِّدها. وقال السهيليّ ﵀ ما مُحَصَّله: إن في نفس الخبر ما يدلّ على خرق العادة بذلك للنبيّ ﷺ ؛ لقول الصحابة له: أتخاطب أقوامًا قد جَيَّفوا؟

стр. 10502

فأجابهم. قال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين، جاز أن يكونوا سامعين، وذلك إما بآذان رؤوسهم، على قول الأكثر، أو بآذان قلوبهم. قال: وقد تمسك بهذا الحديث مَن يقول إن السؤال يتوجه على الروح والبدن. وردّه مَن قال إنما يتوجه على الروح فقط، بأن الإسماع يَحْتَمِل أن يكون لأذن الرأس، ولأذن القلب، فلم يبق فيه حجة. قال الحافظ ﵀: إذا كان الذي وقع حينئذ من خوارق العادة للنبيّ ﷺ حينئذ لَمْ يحسن التمسك به في مسألة السؤال أصلًا. [تنبيه]: اختَلَفَ أهلُ التأويل في المراد بالموتى في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وكذلك المراد بـ ﴿مَنْ فِي الْقبُوُرِ﴾ فحملته عائشة ﵂ على الحقيقة، وجعلته أصلًا احتاجت معه إلى تأويل قوله: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم"، وهذا قول الأكثر، وقيل: هو مجاز، والمراد بالموتي، وبمن في القبور: الكفار، شُبِّهُوا بالموتي، وهم أحياء، والمعنى: مَن هم في حال الموتى، أو في حال من سَكَن القبر، وعلى هذا لا يبقى في الآية دليلٌ على ما نفته عائشة، والله أعلم (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبيان فوائده. (المسألة الثانية): دل هذا الحديث على أن الموتى يسمعون كلام الأحياء، وأنكرت ذلك عائشة ﵂، محتجّة بآية: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وقد عرفت جواب أهل العلم عن هذه الآية، فالحقّ أنهم يسمعون كلامهم سماعًا حقيقيًّا. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ هل يسمع الميت كلام زائره؟.

стр. 10503

فأجاب قائلًا: نعم يسمع الميت في الجملة، كما ثبت في "الصحيحين" عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه". وثبت عن النبيّ ﷺ أنه ترك قتلى بدر ثلاثًا، ثم أتاهم، فقال: يا أبا جهل بن هشام … . الحديث، وفيه: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا". قال: وقد ثبت في "الصحيحين" من غير وجه أنه ﷺ كان يأمر بالسلام على أهل القبور، ويقول: "قولوا: السلام عليكم أهل الديار … " الحديث. قال: فهذا خطاب لهم، وإنما يُخاطب من يسمع. ورَوَى ابن عبد البرّ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "ما من رجل يمرّ بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه إلَّا ردّ الله عليه روحه حتى يردَّ ﵇". قال: وفي "السنن" أنه ﷺ قال: "أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة، وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة عليّ … " الحديث. قال: فهذه النصوص، وأمثالها تبيّن أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يَعرِض للحيّ، فإنه قد يسمع أحيانًا خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع؛ لعارض يَعرِض له، وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتّب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفيّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفقه المعنى، فالميت، وإن سمع الكلام، وفقه المعنى، فإنه لا يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أُمِر به، ونهي عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب، وفهم المعنى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٢٣]. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ باختصار (١)، وهو كلام نفيسٌ جدًّا.

стр. 10504

وسُئل أيضًا عن الأحياء إذا زاروا الأموات، هل يعلمون بزيارتهم؟ وهل يعلمون بالميت إذا مات من قرابتهم، أو غيره؟. فاجاب: الحمد لله، نعم قد جاءت الآثار بتلاقيهم، وتساؤلهم، وعرض أعمال الأحياء على الأموات، كما روى ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاريّ، قال: "إذا قُبضت نفس المؤمن تلقاها أهل الرحمة من عباد الله، كما يتلقون البشير في الدنيا، فيقبلون عليه، وشفي لونه، فيقول بعضهم لبعض: أَنظِروا أخاكم يستريح، فإنه كان في كرب شديد، قال: فيقبلون عليه، ويسألونه ما فعل فلان، وما فعلت فلانة، هل تزوّجت … " الحديث (١). وأما علم الميت بالحيّ إذا زاره، وسلم عليه، ففي حديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد يمرّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلَّا عرفه، وردّ ﵇"، قال ابن المبارك: ثبت ذلك عن النبيّ ﷺ ، وصححه عبد الحقّ صاحب "الإحكام".

стр. 10505

وأما ما أخبر الله به من حياة الشهيد، ورزقه، وما جاء في الحديث الصحيح، من دخول أرواحهم الجنّة، فذهب طوائف إلى أن ذلك مختصّ بهم دون الصدّيقين، وغيرهم، والصحيح الذي عليه الأئمة، وجماهير أهل السنة أن الحياة، والرزق، ودخول الأرواح الجَنَّة ليس مختصّا بالشهيد، كما دلّت على ذلك النصوص الثابتة، وخُصّ الشهيد بالذكر؛ لكون الظانّ يظنّ أنه يموت، فينكل عن الجهاد، فاخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة، كما نُهي عن قتل الأولاد خشية الإملاق؛ لأنه هو الواقع، وإن كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق. انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، وَحَدِيثُ أَبِي أُسَامَةَ أَتَمُّ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية وكيع عن هشام بن عروة هذه لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، وَذُكِرَ لَهَا أَنَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ

стр. 10506

لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ، أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: "إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذبُ فِي قَبْرِهَا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (مَالِكُ بْنُ أنسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٥١] (ت هـ ١٣) وهو ابن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "الصلاة" ١٧/ ٩١٦. ٤ - (عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، أو بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" ج ٢ ص ٤١٧. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٠) - (بَابُ تَحْرِيمِ النِّياحَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٧] (٩٣٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَلِيُّ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ قَرَظَةُ بْنُ كعْبٍ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ) أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. [تنبيه]: قال الحافظ أبو علي الغسانيّ الجيّانيّ ﵀: وقع في إسناد هذا

стр. 10507

الحديث في نسخة ابن الحذّاء "سعد بن عُبيد" بسكون العين، وحذف الياء، والصواب "سعيد" بكسر العين، وزيادة ياء، و"سعيد بن عبيد" هذا هو أخو عقبة بن عبيد، يُكنى أبا الْهُذَيْل، ويُكنى عُقبة أبا الرّحّال براء مهملة، وحاء مهملة مشددّة. انتهى (١). ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ) الأسديّ الْوَالبيّ الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] (بخ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٢. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ) بن نَضْلة الأسديّ الوالبيّ، أبو المغيرة الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٤ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ابن مسعود الثقفيّ الصحابيّ المشهور، مات ﵁ (٥٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. والباقيان ذُكرا قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٣٧) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وسعيد بن عبيد، فما أخرج له ابن ماجة، ومحمد بن قيس، فانفرد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، فالصحابيّ ﵁ قد ولي إمرة البصرة، ثم الكوفة. شرح الحديث: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ) الأسديّ الوالبيّ أنه (قَالَ: أَوَّلُ مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ) وفي رواية الترمذيّ: مات رجل من الأنصار، يقال له: قَرَظَةُ بن كعب، فَنِيح عَليه، فجاء المغيرة، فصَعِد المنبر، فحَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه، وقال: ما بال النَّوْح في الإسلام؟. انتهى.

стр. 10508

وقَرَظة - بفتحتين، وظاء مشالة - بن كعب بن ثعلبة بن عمرو بن كعب بن الإطنابة الأنصاريّ الخزرجيّ، ويقال: قرظة بن عمرو بن كعب بن عمرو بن عائذ بن زيد مناة بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، هكذا نسبه ابن الكلبيّ وغيره، قال البخاريّ: له صحبةٌ، وقال البغويّ: سكن الكوفة، وقال ابن سعد: أمه خُليدة بنت ثابت بن سنان، وهو أخو عبد الله بن أُنيس لأمه، وشَهِدَ قَرَظَة أُحُدًا وما بعدها، وكان ممن وَجَّهه عمر ﵁ إلى الكوفة يفقّه الناس، وقال ابن السكن: يُكنى أبا عمرو، وقال ابن أبي حاتم: يقال: له صحبة، سكن الكوفة، وابتنى بها دارًا، وكنيته أبو عمر، ومات في خلافة عليّ، فصلى عليه (١). رَوَى عنه عامر بن سعد، والشعبيّ، وسعد بن إبراهيم، وروايته عنه مرسلة. وقال ابن حبان: له صحبةٌ، سكن الكوفة، وحديثه عند الشعبيّ، وذكر في وفاته ما تقدم. قال الحافظ ﵀: وفيه نظر؛ لما ثبت في "الصحيحين" من طريق عليّ بن ربيعة قال: أوّلُ مَن نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب، فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نيح عليه، فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة"، وهذا يقتضي أن يكون قرظة مات في خلافة معاوية حين كان المغيرة على الكوفة؛ لأن المغيرة كان في مدة الاختلاف بين علي ومعاوية مقيمًا بالطائف، فقَدِمَ بعد موت عليّ، فولاه معاوية الكوفة بعد أن أسلم له الحسنُ الخلافةَ، وبذلك جزم ابن سعد، وقال: مات بالكوفة، والمغيرة والٍ عليها،

стр. 10509

وكذا قال ابن السكن، وزاد: وهو الذي قتل ابن النوّاحة صاحب مُسيلمة في ولاية ابن مسعود بالكوفة، وفَتَحَ الرّيّ سنة ثلاث وعشرين، وأسند ما تقدم في خلافة عليّ، عن علي ابن المدينيّ، ووقع التصريح بأن المغيرة كان يومئذ أمير الكوفة في رواية لمسلم، وفي رواية الترمذيّ: "فجاء المغيرة، فصعد المنبر، فحَمِدَ الله، وأثنى عليه، وقال: ما بال النَّوْح في الإسلام"، ثم ذكر الحديث، وفي "كتاب العلم" من "صحيح البخاريّ" ما يدلّ على أن المغيرة مات، وهو أمير الكوفة في خلافة معاوية ﵄ (١). (فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) ﵁ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ) يقال: ناحت المرأة زوجها، وعليه تنوح نَوْحًا، ونُوَاحًا بالضّم، ونياحًا ونياحةً ومَنَاحً: إذا بكت عليه بجزَع وعَوِيل (٢). (فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) أي: بسبب النياحة، فـ "ما" يَحْتَفِل أن تكون مصدريّةً، وأن تكون موصولة (يَوْمَ الْقِيَامَةِ") ظرف لـ "يُعذَّب". قال ابن العربيّ ﵀: النَّوْح ما كانت الجاهليّة تفعله، كان النساء يقفن متقابلات يَصِحْن، وَيحْثين التراب على رؤوسهنّ، وَيضربن وجوههنّ، وفي ذلك جاء الحديث: "ليس منّا من حَلَقَ، أو سَلَقَ … " الحديث. وقال الأبيّ ﵀: هذا الحديث نصّ فيما أنكرت عائشة ﵂ من التعذيب على البكاء؛ لأن النياحة من البكاء بصوت، وحملُهُ على أن الميت أوصى بالنياحة عليه بعيد. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "نصّ" محلّ تأمّل، وقوله أيضًا: "وحملُهُ على أن الميت أوصى بالنياحة عليه بعيد" فيه نظرٌ لا يخفي، بل هو من جملة الاحتمالات القريبة التي قيلت في توجيه الحديث، كما أسلفت تمام البحث في ذلك، فتبصّر. [تنبيه]: وقع في هذا الحديث عند البخاريّ: "من طريق أبي نعيم، عن

стр. 10510

سعيد بن عبيد زيادة في أوله، ولفظه: سمعتُ النبيّ ﷺ يقول: "إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد، من كذَبَ عليّ متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده بالنار"، سمعت النبيّ ﷺ يقول: "مَن يُنَحْ عليه يُعذّب بما نِيح عليه"، والشطر الأول قد تقدّم للمصنّف في "المقدّمة". قال في "الفتح": قوله: "إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد"؛ أي: غيري، ومعناه: أن الكذب على الغير قد أُلِفَ، واسْتُسْهِل خطبه، وليس الكذب عليّ بالغًا مبلغ ذاك في السهولة، وإن كان دونه في السهولة، فهو أشدّ منه في الإثم، وبهذا التقرير يندفع اعتراض مَن أَوْرد أن الذي تدخل عليه الكاف أعلى، والله أعلم. وكذا لا يلزم من إثبات الوعيد المذكور على الكذب عليه أن يكون الكذب على غيره مباحًا، بل يستدَلّ على تحريم الكذب على غيره بدليل آخر، والفرق بينهما أن الكذب عليه تُوُعِّد فاعله بجعل النار له مسكنًا، بخلاف الكذب على غيره. وقوله: (مَن يُنَحْ عليه يُعَذَّب) ضبطه الأكثر بضم أوله، وفتح النون، وجزم المهملة، على أن "مَنْ" شرطية، تجزم الشرط والجواب، ويجوز رفعه على تقدير: فإنه يعذبُ، ورُوي بكسر النون، وسكون التحتانية، وفتح المهملة، وفي رواية الكشميهنيّ: "مَن يناحُ" على أن "من" موصولة. وقد أخرجه الطبرانيّ عن عليّ بن عبد العزيز، عن أبي نعيم، بلفظ: "إذا نِيح على الميت، عُذِّب بالنياحة عليه"، وهو يؤيد الرواية الثانية. وقوله: (بما نِيح عليه)، كذا للجميع بكسر النون، ولبعضهم "ما نِيح" بغير موحَّدة، على أن "ما" ظرفية. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شعبة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 10511

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٢١٥٧ و ٢١٥٨ و ٢١٥٩] (٩٣٣)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٩١)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٠٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٦٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٤٥ و ٢٥٢ و ٢٥٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٨٣ و ٢٠٨٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٧٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا محَمَّد بْنُ قَيْسٍ الْأَسَدِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ مِثْلَة). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْن حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَلِيُّ بْن مُسْهِرٍ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر، عن محمد بن قيس هذه لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه (١) ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثنَا مَرْوَانُ - يَعْنِي الْفَزَارِيَّ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) (٢).

стр. 10512

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، صدوقُ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية مروان بن معاوية، عن سعيد بن عُبيد هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٣/ ١٨) فقال: (٢٠٨٤) - حدّثنا فاروق بن عبد الكبير، ثنا أبو مسلم الكشيّ، ثنا حجاج بن منهال، عن عبد الله بن داود، عن سعيد بن عبيد الطائي (ع) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا إسحاق بن أحمد بن نافع الخزاعيّ، ثنا ابن أبي عمر، ثنا مروان بن معاوية، ثنا سعيد بن عبيد الطائيّ، عن عليّ بن ربيعة الأسديّ، عن المغيرة بن شعبة، قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "من نِيح عليه يعذب بما نيح عليه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٦٠] (٩٣٤) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَفَّانُ، حَدَّثنَا؛ أَبَانُ ابْنُ يَزِيدَ (ح) وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبانُ (١)، حَدَّثَنَا يَحْيَى، أَنَّ زيدًا حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا سَلَّام حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِن أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ"، وَقَالَ: "النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ").

стр. 10513

رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور قبل حديثين. ٢ - (عَفانُ) بن مسلم الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤. ٣ - (أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ) العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ له أفراد [٧] مات في حدود (١٦٠) (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠. ٤ - (اِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) الكوسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٥ - (حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ) أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢. ٦ - (يَحْيَى) بن أبي كثير الطائِيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، نزيل اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" ج ٢ ص ٤٢٤. ٧ - (زَيْدُ) بن سلّام بن أبي سلّام الحبشيّ الدمشقيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠. ٨ - (أَبُو سَلَّامٍ) ممطور الأسود الحبشيّ، ثقةٌ يرسل [٣] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠. ٩ - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ) قيل: اسمه الحارث بن الحارث، وقيل: عُبيد، وقيل: عبيد الله، وقيل: عمرو، وقيل: كعب بن عاصم، وقيل كعب بن كعب، وقيل: عامر بن الحارث بن هانئ بن كلثوم، صحابيّ نزل الشام، مات في طاعون عَمَواس سنة (١٨) (خت م د س ق) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه ممن اشتهر بكنيته، وهو قليل الرواية، فليس له

стр. 10514

في الكتب الستة سوى بضعة عشر حديثًا، راجع: "تحفة الأشراف" (١). شرح الحديث: عن أبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيّ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيةِ) أي: من أمورهم وخصالهم المعتادة، طُبع عليهنّ كثير من الأمة (لَا يَتْرُكُونَهُنَّ) أي: غالبًا، قال الطيبيّ ﵀: المعنى أن هذه الخصال تدوم في الأمة، لا يتركونهنّ بأسرهم تركَهُم لغيرها، من سنن الجاهلية، فإنهنّ إن تتركهنّ طائفة، باشرهنّ آخرون. (الْفَخْرُ) أي: الافتخار، وهو المباهاة والتمدّح بالخصال، والمناقب، والمكارم، إما فيه، وإما في أهله، قال في "الفائق": الفخر تعداد الرجل من مأَثره، ومآثر آبائه (فِي الْأَحْسَابِ) أي: في شأنها وسببها، والْحَسَبُ: ما يَعُدّه الرجل من الخصال التي تكون فيه؛ كالشجاعة، والفصاحة، وغير ذلك، وقيل: الحسب ما يَعُدّه الإنسان من مفاخر آبائه، قال ابن السِّكِّيت: الحسب والكرم يكونان في الرجل، وإن لَمْ يكن لآبائه شَرَفٌ، والشرف والمجد لا يكون إلَّا بالآباء، وقال في "الفائق": الفخر تعداد الرجل من مآثره ومأَثر الآباء، ومنه قولهم: من فات حسبه، لَمْ ينتفع بحسب أبيه. ومعنى الفخر بالأحساب: هو: التفاخر، والتكبر، والتعظم بِعَدِّ مناقبه، ومآثر آبائه، وهذا يستلزم تفضيل الرجل نفسه على غيره؛ ليَحْقِره لا يجوز. وفيه تنبيه على أن الحسب الذي يُحمد به الإنسان ما تحلّى به من خصال الخير في نفسه، لا ما يعدّه من مفاخره، ومآثر آبائه. وقال القرطبيّ ﵀: الفخر في الأحساب: أي الافتخار بالآباء الكبراء والرؤساء، وقد قال ﷺ : "إن الله أذهب عنكم عُبّيّة الجاهليّة، وفخرها بالآباء، إنمّا مؤمن تقيّ، أو فاجر شقيّ، الناس كلّهم من آدم، وآدم خُلق من تراب" (٢). انتهى (٣).

стр. 10515

(وَالطَّعْنُ فِي الأنسَابِ) أي إدخال العيب في أنساب الناس، والقدح فيهم، واستحقارهم، وذلك يستلزم تحقير الرجل آباء غيره، وتفضيل آبائه على آباء غيره وهو لا يجوز، قال التوربشتيّ: الظاهر أن المراد منه الطعن فيمن ينتسب إليه حجيجُ الطاعن، فينسب آباءه وذويه عند المساجلة، والمساءات إلى الخمول والخساسة، والغموض، والانحطاط؛ لأنه ذُكر في مقابلة الفخر بالأحساب. وقال الطيبيّ: ويجوز أن يُكْنَى بالطعن في أنساب الغير عن الفخر بنسب نفسه، فيجتمع له الحسب والنسب، وأن يُحْمَل على الطعن في نسب نفسه. انتهى. (وَالْاسْتِسْقَاءُ) أي: طلب السُّقيا (بِالنُّجُومِ) أي: بسببها؛ يعني: توقّع الأمطار عند وقوع النجوم في الأنواء، كما كانوا يقولون: مُطِرنا بنوء كذا، وقيل: المعنى: سؤال المطر من الأنواء، فإن كان ذلك على جهة اعتقاد أنَّها المؤثّرة في نزول المطر حقيقةً فهو كفر (١). وقال القرطبيّ ﵀: و"الاستسقاء": استدعاء السُّقْيا وسؤاله، وكأنهم كانوا يسألون من النجوم أن تسقيهم؛ بناءً منهم على اعتقادهم الفاسد في أن النجوم تُوجد المطر وتخلقه. انتهى (٢). وحاصل المعنى: أن اعتقاد الرجل نزول المطر بظهور نجم كذا حرامٌ، وإنما يجب أن يقال: مُطِرنا بفضل الله تعالى. (وَالنِّيَاحَةُ") بالرفع، وهي الخصلة الرابعة، وهي: البكاء على الميت بصياح وعَوِيل وجَزَع، فيقول: وا ويلاه، وا حسرتاه، والندبةُ عدّ شمائل الميت ومحاسنه، مثل وا شُجاعاه، وا أسداه، وا جبلاه. (وَقَالَ) ﷺ " ("النَّائِحَةُ) أي: المرأة التي صَنْعَتُها النياحة (إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتهَا) أي: قبل حضور موتها، قال التوربشتيّ: وإنما قيّد به؛ ليُعلم أن من شرط التوبة أن يتوب التائب، وهو يأمل البقاء، ويمكن أن يتأتى منه العمل الذي يتوب منه، ومصداق ذلك في كتاب الله : ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ

стр. 10516

يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الآية [النساء: ١٨]. وبمعناه حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "إن الله يقبل توبة العبد ما لَمْ يُغَرْغِرْ"، رواه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم (١). (تُقَامُ) بالبناء للمجهول، من الإقامة، وهي الإيقاف (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بين أهل الموقف للفضيحة، قال الطيبيّ ﵀: "تقام": أي تُحشر، وَيحْتَمِل أنَّها تقام على تلك الحالة بين أهل النار، وأهل الموقف؛ جزاءً على قيامها في الْمَنَاحة، وهو الأمثلُ (٢). (وَعَلَيْهَا سِرْبَال) جملة حاليّة من فاعل "تقام"، والسِّربال: بكسر السين المهملة: القميص، وقوله: (مِنْ قَطِرَانٍ) متعلّق بصفة "سِرْبال"، وهو بفتح القاف، وكسر الطاء: طِلاءٌ يُطْلَى به، وقيل: دُهْنٌ يُدْهَنُ به الجمل الأجرب، وفي "القاموس": الْقِطْرَانُ بالفتح والكسر، وكَظَرِبَان: عُصَارةُ الأَبْهَل، والأَرْز، ونحوهما. انتهى (٣). وقال الطيبيّ ﵀: "القطران" ما يتحلّب من شجر يُسمّى الأبهل، فيُطبخ، فتهنأ به الإبل الْجَرْبَي، فيحرق الْجَرَبَ بحرّه وحدّته، والجلدَ، وقد تبلغ حرارته الجوف. انتهى. (وَدِرْعٌ) بكسر الدال: قميص النساء، والسربال القميص مطلقًا (مِنْ جَرَبٍ) أي من أجل جَرَبٍ كائنٍ بها. وقال الطيبيّ ﵀: الدرعُ: قميص النساء، والسرابيل أيضًا: قميصٌ، لكن لا يختصّ بهنّ؛ يعني أنه يُسَلَّط على أعضائها الْجَرَبُ والْحِكَّة، بحيث يُغَطِّي جلدها تغطيةَ الدرع، فتُطْلَى مواقعه بالقطران؛ لِيُداَوَي، فيكون الدواء أدوى من الداء؛ لاشتماله على لَذْعِ القطران، وحدّته، وحرارته، وإسراع النار في الجلود، واشتعالها، ونتن الرائحة، وسواد اللون الذي تشمئزّ منه النفوس. وقال التوربشتيّ ﵀: خُصَّت بدِرْع من الجرب؛ لأنَّها كانت تَجْرَح

стр. 10517

بكلماتها المحرقة قلوب ذوات المصيبات، وتَحُكّ بها بواطنهنّ، فعوقبت في ذلك المعنى بما يماثله في الصورة، وخُصَّت أيضًا بسرابيل من قطران؛ لأنَّها كانت تلبس الثياب السُّود في المأْتَمِ، فألبسها الله تعالى السرابيل؛ لتذوق وبال أمرها. انتهى. [فإن قلت]: ذكر الخصال الأربع في الحديث، ولم يُرَتِّب عليها الوعيد، سوى النياحة، فما الحكمة فيه؟. [قلت]: النياحة مختصة بالنساء، وهُنّ لا ينزجرن من هِجِّيرَاهُنّ انزجار الرجال، فاحتجن إلى مزيد الوعيد. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مالك الأشعريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٢١٦٠] (٩٣٤)، و (ابن ماجة) في "الجنائز" (١٥٨١)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٦٦٨٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (٣/ ٣٩٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٤٢ و ٣٤٣ و ٣٤٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٣/ ٢٨٥)، و (الحاكم) في "مستدركه" (١/ ٣٨٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣١٤٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٨٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٦٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٣٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): تحريم النياحة على الميت، قال النوويّ ﵀: وهو مجمع عليه، وقال ابن حجر الهيتميّ الفقيه ﵀: وأخذ أئمتنا من هذه الأحاديث تحريم النَّوْح وتعديد محاسن الميت بنحو: وا كهفاه، مع رفع الصوت والبكاء، وتحريم ضرب الخدّ، وشق الجيب، ونشر الشعر، وحلقه، ونتفه، وتسويد

стр. 10518

الوجه، وإلقاء التراب على الرأس، والدعاء بالويل والثبور، قال إمام الحرمين، وآخرون: والضابط أنه يَحْرُم كلُّ فعل يتضمن إظهار جزع، وينافي الانقياد والتسليم لقضاء الله تعالى، قالوا: ومن ذلك تغيير الزِّيِّ، ولبس غير ما جرت العادة بلبسه؛ أي: وإن اعتيد لبسه عند المصيبة. انتهى. ٢ - (ومنها): تحريم الطعن في الأنساب، قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ الآية [الحجرات: ١١]. ٣ - (ومنها): تحريم التفاخر في الأحساب قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٣]. ٤ - (ومنها): تحريم الاستسقاء بالأنواء، وقد تقدّم البحث في هذا في "كتاب الإيمان" مستوفي، فراجعه تستفد. ٥ - (ومنها): صحة التوبة وقبولها ما لَمْ يمت المكلّف، أو يصل إلى حدّ الغرغرة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٦١] (٩٣٥) - (وَحَدَّثنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْت يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، تَقُولُ: لَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ (١)، وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، قَالَتْ: وَأنا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ، شَقِّ الْبَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ، فَيَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ، فَأَتَاهُ فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا يَا

стр. 10519

رَسُولَ اللهِ، قَالَتْ: فَزَعَمَتْ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اذْهَبْ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ، وَاللهِ مَا تَفْعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر المذكور قبل حديث. ٣ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) عن نحو (٨٠) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣. ٤ - (يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧. ٥ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرَّحمن الأنصاريّة، تقدّمت في الباب الماضي. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، ثم فرّق بينهما بالتفصيل؛ لاختلافهما فيها. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، سوى شيخه ابن أبي عمر، فما أخرج له البخاريّ وأبو داود، وأما ابن المثنّي، فهو أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من يحيى، وابن أبي عمر مكيّ، والباقيان بصريّان. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعية. ٦ - (ومنها): أن فيه عائشةَ ﵂ من المكثرين السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم.

стр. 10520

شرح الحديث: عن عمرة بنت عبد الرَّحمن الأنصاريّة (أنَهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ) ﵂ (تَقُولُ: لَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) بالنصب على المفعوليّة، والفاعل قوله: (قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ) وفي بعض النسخ: "زيد بن حارثة". وهو: زيد بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيِّ، أبوأسامة، مولى رسول الله ﷺ شَهِدَ المشاهد كلها، وكان من الرماة المذكورين. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابنه أسامة، والبراء بن عازب، وابن عباس، وأرسل عنه أبو العالية، وعليّ بن عبد الله بن عباس، وهُزيل بن شرحبيل، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، وقال سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلَّا زيد بن محمد، حتى أنزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال عبد الله البهيّ، عن عائشة: ما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في جيش قطّ إلَّا أَمّره عليهم، استُشْهِد يوم مؤتة، سنة ثمان من الهجرة، وهو ابن خمس وخمسين سنةً، ونعاه النبيّ ﷺ لأصحابه في اليوم الذي قُتل فيه، وعيناه تذرفان. قال ابن إسحاق: كان أول ذَكَر آمن بالله، وصلى بعد عليّ بن أبي طالب زيد بن حارثة، وقال أبو علي بن السكن: كان قصيرًا شديد الأُدمة، في أنفه فَطْسٌ (١)، وقال أبو نعيم: رآه النبيّ ﷺ بالبطحاء يُنَادَى عليه بسبعمائة درهم، فذكره لخديجة، فاشتراه من مالها، فوهبته خديجة ﵂ له، فتبناه، وأعتقه. أخرج له النسائيّ، وابن ماجة، وليس له في هذا الكتاب، ولا في بقيّة الكتب الستة إلَّا الذكر فقط (٢). (وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) بن عبد المطلب بن هاشم، أبو عبد الله الطيّار

стр. 10521

ابن عم رسول الله ﷺ أسلم قديمًا، واستعمله رسول الله ﷺ على غزوة مُؤتة، واستُشهد بها، وهي بارض البَلْقَاء سنة ثمان من الهجرة. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابنه عبد الله، وأم سلمة، وعمرو بن العاص، وابن مسعود. قال الحسن بن زيد: إنه أسلم بعد زيد بن حارثة، وقال مِسعر، عن عون بن أبي جُحيفة، عن أبيه: لَمّا قَدِمَ جعفر على رسول الله ﷺ من أرض الحبشة قَبَّل بين عينيه، وقال: ما أدري أنا بقدوم جعفر أَسَرُّ أو بفتح خيبر؟ وكانا في يوم واحد، وقال الشعبيّ: كان ابن عمر إذا حَيّا ابن جعفر، قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين، وقال ابن إسحاق: حدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، حدّثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مُرّة بن عوف، قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر يوم مؤتة حين اقتَحَمَ عن فرسٍ له شَقْراء، فعقَرَها، ثم تقدم، فقاتل حتى قتل، قال الزبير بن بكار: كان سنّه يوم قُتِل (٤١) سنةً. رَوَى له النسائيّ في "عمل اليوم والليلة" حديثًا واحدًا من رواية ابنه عبد الله عنه، في كلمات الفرح، والمحفوظ عن عبد الله بن جعفر، عن عليّ، قصة غزوة مؤتة في "الصحيحين" من حديث عائشة وغيرها. (وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ) بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، وقيل في نسبه غير ذلك، الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو محمد، ويقال: أبو رواحة، ويقال: أبو عمرو المدنيّ، شَهِد بدرًا، والعقبةَ، وهو أحد النقباء، وأحد الأمراء في غزوة مُؤتة، وبها قُتِل. رَوَى عن النبيِّ ﷺ ، وعن بلال المؤذن، وروى عنه ابن أخته النعمان بن بشير، وأبو هريرة، وابن عباس، وأنس، وأرسل عنه عبد الرَّحمن بن أبي ليلي، وقيس بن أبي حازم، وعروة بن الزبير، وعطاء بن يسار، وزيد بن أسلم، وعكرمة، وأبو الحسن مولى بني نوفل، وأبو سلمة بن عبد الرَّحمن. قال الواقديّ: كان موته في جمادى الأولى سنة (٨)، وكذا قال غير واحد، وقيل: سنة سبعة، والأول أصحّ.

стр. 10522

روى له البخاريّ، وأبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، والنسائيّ في "عمل اليوم والليلة"، وابن ماجة، وليس له عند المصنّف إلَّا ذكره فقط. (جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) زاد أبو داود من طريق سليمان بن كثير، عن يحيى: "في المسجد" (يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: يَظْهر في وجهه الحزن، وهو بضم، فسكون، أو بفتحتين، والجملة حال من فاعل "جَلَس"، قال الطيبيّ ﵀: كأنه كَظَمَ الحزن كَظْمًا، فظهر منه ما لا بدّ للجِبِلَّة البشريّة منه. انتهى. (قَالَتْ) عائشة ﵂ (وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ) قال في "الفتح": بالمهملة، والتحتانيّ، وقع تفسيره في نفس الحديث بقوله: (شَقِّ الْبَابِ) بفتح الشين المعجمة؛ أي: الموضع الذي يُنظر منه، ولم يَرِدْ بكسر المعجمة؛ أي: الناحية؛ إذ ليست مرادةً هنا، قاله ابن التين. وهذا التفسير الظاهر أنه من قول عائشة ﵂، ويَحْتَمِل أن يكون ممن بعدها، قال المازريّ: كذا وقع في "الصحيحين" هنا "صائر" والصواب "صِير"؛ أي: بكسر أوله، وسكون التحتانيّة، وهو الشَقّ، قال أبو عبيدة في "غريب الحديث" في الكلام على حديث: "مَن نَظَر من صِيرِ الباب، ففُقِئت عينه، فهي هدر": الصِّير الشَّقّ، ولم نسمعه إلَّا في هذا الحديث، وقال ابن الجوزيّ: صائر، وصِير بمعنى واحد، وفي كلام الخطابيّ نحوه. (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) قال الحافظ: لَمْ أقف على اسمه، وكأنه أُبهِمَ عمدًا؛ لما وقع في حقّه من غضّ عائشة منه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ) أي: امرأته، وهي أسماء بنت عُمَيس الخَثْعَميّةُ، ومن حضر عندها، من أقاربها، وأقارب جعفر، ومن في معناهنّ، ولم يذكر أهل العلم بالأخبار لجعفر امرأة غير أسماء، قاله في "الفتح". (وَذَكَرَ) أي: الرجل الآتي (بُكَاءَهُنَّ) قال الطيبيّ ﵀: جملة "وذَكَر" حال عن الضمير المستتر في قوله: "فقال"، وحذف خبر "إنّ" من القول المحكيّ لدلالة الحال عليه، والمعنى: قال الرجل: إن نساء جعفر فَعَلْن كذا مما لا ينبغي من البكاء المشتمل على النَّوْح. انتهى. ولفظ النسائيّ: "فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ يَبْكِينَ"، ولفظ أبي عوانة من طريق

стр. 10523

سليمان بن بلال، عن يحيى: "قد كثُر بكاؤهنّ"، وعند ابن حبّان من طريق عبد الله بن عمرو، عن يحيى بلفظ: "قد أكثرن بكاءهنّ". (فَأَمَرَهُ) ﷺ (أَنْ يَذْهَبَ، فَيَنْهَاهُنَّ) وفي رواية النسائيّ: "فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : انْطَلِقْ، فَانْهَهُنَّ" (فَذَهَبَ) الرجل (فَأَتَاهُ) المرّة الثانية (فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ) أي: في ترك البكاء، قال الطيبيّ: قوله: "لَمْ يُطعنه" حكاية لمعنى قول الرجل؛ أي: فذهب، فنهاهنّ، ثم أتى النبيّ ﷺ ، وقال: نهيتهنّ، فلم يُطعنني، يدلّ عليه قوله في المرّة الثالثة: "والله غلبننا" (فَأَمَرَهُ) ﷺ (الثَّانِيَةَ) أي: المرة الثانية (أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ) أي: فذهب إليهنّ، ونهاهن، فلم يُطعنه أيضًا، فأتاه المرّة الثالثة (فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية النسائيّ: "ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَنْتَهِينَ"، قال القرطبيّ ﵀: كون نساء جعفر لَمْ يُطعن الناهي لهنّ عن البكاء، إما لأنه لَمْ يُصرّح لهنّ بأن النبيّ ﷺ نهاهنّ، فظننّ منه أنه كالمحتسب في ذلك، وكالمرشد للمصلحة، أو لأنهنّ غُلبنَ في أنفسهنّ على سماع النهي لحرارة المصيبة، والله تعالى أعلم. انتهى. (قَالَتْ) عمرة بنت عبد الرَّحمن (فَزَعَمَتْ) أي: قالت عائشة ﵂؛ لأن الزعم وإن كان الغالب أن يُستعمل فيما يُشكّ فيه، ولا يُتحقَّق، بل قال بعضهم: هو كناية عن الكذب، إلَّا أنه قد يُستعمل في المحقق (١)، وهذا منه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) للرجل لما لَمْ ينتهين ("اذْهَبْ فَاحْثُ) بضمّ المثلّثة، وبكسرها، يقال: حثا يَحْثُو، وَيحْثِي، قال في "المصباح": حثا الرجلُ الترابَ يَحثوه حَثْوأ، وَيحْثيه حَثْيًا، من باب رَمَى لغةٌ: إذا هاله - أي: صبّه - بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده، ثمّ رماه، ومنه: "فاحثوا التراب في وجهه"، ولا يكون إلَّا بالقبض والرمي. انتهى. (فِي أفوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ") وفي رواية: "فاحثِ في أفواههنّ التراَبَ" بحذف "من"، قيل: يؤخذ من هذا أن التأديب يكون بمثل هذا، وهذا إرشاد عظيم قلّ من يتفطّن له. وقال في "الفتح": قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على أنهنّ رفعن أصواتهنّ

стр. 10524

بالبكاء، فلما لَمْ ينتهين أمره أن يسدّ أفواههنّ بذلك، وخصّ الأفواه بذلك؛ لأنَّها محلّ النَّوْح، بخلاف الأعين مثلًا. انتهى. وَيحْتَمِل أن يكون كناية عن المبالغة في الزجر، أو المعنى: أعلمْهنّ أنهنّ خائبات من الأجر المترتّب على الصبر؛ لما أظهرن من الجزع، كما يقال للخائب: لَمْ يَحصُل في يده إلَّا التراب، لكن يُبعِد هذا الاحتمال قولُ عائشة ﵄ الآتي، وقيل: لَمْ يُرِد بالأمر حقيقته، قال عياض: هو بمعنى التعجيز؛ أي: إنهنّ لا يسكتن إلَّا بسدّ أفواههنّ، ولا يسدّها إلَّا أن تملأ بالتراب، فإن أمكنك فافعل. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الاحتمالات كلها ضعيفة، والصواب أن الحديث على ظاهره من حثو الترب في أفواههنّ على حقيقته؛ إذ لا دليل، ولا داعي إلى صرف الظاهر إلى غير ظاهره، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال: ثم الظاهر أنه كان بكاؤهنّ زيادة على القدر المباح، فيكون النهي للتحريم بدليل أنه كرّره، وبالغ فيه، وأمر بعقوبتهنّ إن لَمْ يسكتن. ويحتمل أن يكون مجرّدًا، والنهي للتنزيه، ولو كان للتحريم لأرسل غير الرجل المذكور لِمَنعِهنّ؛ لأنه لا يُقرّ على باطل، ويبعد تمادي الصحابيات بعد تكرار النهي على فعل الأمر المحرّم، وفائدة نهيهنّ عن الأمر المباح خشية أن يسترسلن فيه، فيفضي بهنّ إلى الأمر المحرّم؛ لضعف صبرهنّ، فَيُستفاد منه جواز النهي عن المباح عند خشية إفضائه إلى ما يحرّم، كذا في "الفتح" (١). وقال النوويّ ﵀: أمره ﷺ بذلك مبالغة في إنكار البكاء عليهنّ ومنعهنّ منه، ثم تأوله بعضهم على أنه كان بكاء بنوح وصياح، ولهذا تأكد النهيُ، ولو كان مجرد دمع العين لَمْ ينه عنه لأنه ﷺ فعله، وأخبر أنه ليس بحرام، وأنه رحمة، وتأوله بعضهم على أنه كان بكاءً من غير نياحة ولا صوت، قال: ويبعد أن الصحابيات يتمادين بعد تكرار نهيهنّ على محرم، وإنما كان بكاءً مجردًا، والنهي عنه تنزيه وأدبٌ، لا للتحريم، فلهذا أصررن عليه متأولاتٍ. انتهى (٢).

стр. 10525

قال الجامع عفا الله عنه: لا يبعد تماديهنّ؛ لأنهنّ في تلك الحالة مغلوبات، فتأمل، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵄ (فَقُلْتُ) للرجل (أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ) وفي رواية النسائيّ: "أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَ الْأَبْعَدِ"، وهو بالراء، والغين المعجمة: أي ألصق الله أنفك بالرغام - بفتح الراء - وهو التراب؛ إهانة، وإذلالًا، ووصفته بـ "الأبعد" لبعده عن الصواب، حيث أحرج النبيّ ﷺ بكثرة المراجعة. وقال في "الفتح": دعت عليه من جنس ما أُمر أن يفعله بالنسوة، لفهمها من قرائن الحال أنه أحرج النبيّ ﷺ بكثرة تردّده إليه في ذلك. وقال الطيبيّ ﵀: أي أذلّك الله، فإنك آذيت رسول الله ﵀، وما كففتهن عن البكاء، وهذا معنى قولها ﵂: "إِنَّكَ وَاللهِ، مَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ من العَنَاءِ"؛ أي: التَّعَب. (وَاللهِ مَا تَفْعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) بحذف متعلّقه؛ أي: ما أمرك به، والمراد لَمْ تفعل على وجه الكمال في الزجر، وإلا فقد قام بالأمر حيث نهاهنّ عن الضجر، قاله القاري. وقال الكرمانيّ ﵀: أي لَمْ تبالغ في النهي، ونفته، وإن كان قد نهاهن؛ لأنه لَمْ يترتب على نهيه الامتثال، فكأنه لَمْ يفعله، وَيحْتَمِل أن تكون أرادت لَمْ تفعل؛ أي: الحثو بالتراب. انتهى. (وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ) بفتح المهملة، والنون، والمدّ: أي المشقّة والتعب، وفي الرواية التالية: "من العِيّ" بكسر المهملة، وتشديد التحتانية، ووقع في رواية العُذْريّ "الغَيّ" بفتح المعجمة بلفظ ضدّ الرشد. ومراد عائشة ﵂ أن الرجل لا يقدر على ذلك، فإذا كان لا يقدر، فقد أتعب نفسه، ومن يخاطبه في شيء لا يقدر على إزالته، ولعل الرجل لَمْ يفهم من الأمر الحتم. وقال النوويّ ﵀: معناه أنك قاصر لا تقوم بما أمرت به من الإنكار لنقصك، وتقصيرك، ولا تخبر النبيّ ﷺ بقصورك عن ذلك حتى يرسل غيرك،

стр. 10526

ويستريح من العناء. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٢١٦١ و ٢١٦٢] (٩٣٥)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٩٩ و ١٣٠٥ و ٤٢٦٣)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣١٢٢)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (١٨٤٧) و"الكبرى" (١٩٧٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢٣٧٩٢ و ٢٥٨٣١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٨٦ و ٢٠٨٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن البكاء على الميت، وقد تقدّم أن مثل هذا محمول على ما إذا اشتمل البكاء على المحظور من النوح وقبيح القول والفعل. ٢ - (ومنها): جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار، وقد ترجم الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" على هذا الحديث بقوله: "باب من جلس عند المصيبة، يُعرَف فيه الحزن"، قال الزين ابن الْمُنَيِّر ﵀ ما ملخّصه: موقع هذه الترجمة من الفقه أن الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم، فمن أصيب بمصيبة عظيمة، لا يُفْرِطُ في الحزن حتى يقع في المحذور، من اللَّطْم، والشَّقّ، والنَّوْح، وغيرها، ولا يُفَرِّطُ في التجلّد، حتى يفضي إلى القسوة، والاستخفاف بقدر المصاب، فيَقتدِي به ﷺ في تلك الحالة، بأن يَجلِس المصاب جلسة خفيفةً بوقار، وسكينة، تظهر عليه مخايل الحزن، وُيؤذن بأن المصيبة عظيمة. ثم ترجم البخاريّ ﵀ بعد هذا "باب من لَمْ يُظهِر حزنه عند المصيبة"،

стр. 10527

وأورد فيه قصة أبي طلحة مع زوجته أم سليم ﵄، فقال في "الفتح" عند الكلام على الترجمة الأولى ما نصّه: ولم يفصح المصنف بحكم هذه المسألة، ولا التي بعدها؛ لأن كلًّا منهما قابل للترجيح، أما الأول، فلكونه من فعل النبيّ ﷺ ، والثاني من تقريره، وما يباشره بالفعل أرجح غالبًا، وأما الثاني، فلأنه فعل أبلغ في الصبر، وأزجر للنفس، فيرجَّح، ويُحمَل فعلُهُ ﷺ المذكور على بيان الجواز، ويكون فعله في حقّه في تلك الحالة أَوْلَى. انتهى. وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): جواز نظر النساء المحتجبات إلى الرجال الأجانب. ٤ - (ومنها): أن المنهيّ عن المنكر إن لَمْ ينتَهِ عُوقب، وأُدّب بذلك، وإلا فالملاطفة فيه أولى إن نفعت. ٥ - (ومنها): جواز اليمين لتأكيد الخبر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٦٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ع) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُسْلِمٍ - كلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الْعِيِّ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمر بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (مُعَاوِيةُ بْنُ صَالِحِ) بن حُدير الحضرميّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرَّحمن الحمصيّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ له أوهام [٧] (١٥٨) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.

стр. 10528

٥ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) النُّكريّ البغداديّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٤٦) (م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٧. ٦ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سهل التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢. ٧ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) الْقَسْمليّ، أبو زيد المروزيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، ربّما وَهِمَ [٧] (ت ١٦٧) (خ م د ت س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢/ ١١٨٣. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (مِنَ الْعِيِّ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو معظم نسخ بلادنا هنا "الْعِيّ " بكسر العين المهملة؛ أي: التعب، وهو بمعنى العناء السابق في الرواية الأولى، قال القاضي عياض: ووقع عند بعضهم: "الغَيّ" بالمعجمة، وهو تصحيف، قال: ووقع عند أكثرهم "العناء" بالمد، وهو الذي نسبه إلى الأكثرين خلاف سياق مسلم؛ لأن مسلمًا روى الأول "العناء"، ثم روى الرواية الثانية، وقال إنها بنحو الأولى، إلَّا في هذا اللفظ، فيتعين أن يكون خلافه. انتهى. [تنبيه]: أما رواية عبد الله بن نمير، عن يحيى بن سعيد هذه، فساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٢٣٧٩٢) - حدّثنا ابن نمير، حدّثنا يحيى، عن عمرة، عن عائشة، قالت: لَمّا جاء نعي جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، جلس رسول الله ﷺ يُعْرَف في وجهه الحزن، قالت عائشة: وأنا أَطَّلِع من شقّ الباب، فأتاه رجل، فقال: يا رسول الله، إن نساء جعفر، فذكر من بكائهن، فأمره رسول الله ﷺ أن ينهاهنّ، فذهب الرجل، ثم جاء، فقال: قد نهيتهنّ، حمانهن لَمْ يطعنه، حتى كان في الثالثة، فزعمت أن رسول الله ﷺ قال: "احثوا في وجوههنّ التراب"، فقالت عائشة: قلت: أرغم الله بأنفك، والله ما أنت بفاعل ما قال لك، ولا تركت رسول الله ﷺ . وأما رواية معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، فساقها النسائيّ ﵀، فقال: (١٨٤٧) أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا عبد الله بن وهب،

стр. 10529

قال: قال معاوية بن صالح: وحدّثني يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: لَمّا أتى نعي زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، جلس رسول الله ﷺ يُعرَف فيه الحزن، وأنا انظر من صِير الباب، فجاءه رجل، فقال: إن نساء جعفر يبكين، فقال رسول الله ﷺ : "انطلق، فانههنّ"، فانطلق، ثم جاء، فقال: قد نهيتهن، فأبين أن ينتهين، فقال: "انطلق فانههنّ"، فانطلق، ثم جاء، فقال: قد نهيتهن فأبين أن ينتهين، قال: "فانطلق فاحث في أفواههن التراب"، فقالت عائشة: فقلت: أرغم الله أنف الأبعد، إنك والله ما تركت رسول الله ﷺ ، وما أنت بفاعل. انتهى. وأما رواية عبد العزيز بن مسلم، عن يحيى، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٦٣] (٩٣٦) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ الْبَيْعَةِ أَلَّا نَنُوحَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ إِلَّا خَمْسٌ: أُمُّ سُلَيْمٍ، وَأُمُّ الْعَلَاءِ، وَابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأَةُ مُعَاذٍ، أَوِ ابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ، وَامْرَأَةُ مُعَاذٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَمَّادُ) بن زيد تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السختياني، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٤ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٨. ٥ - (أُمُّ عَطِيَّةَ) نُسيبة بالتصغير، ويقال: بالفتح بنت كعب، ويقال: بنت الحارث الأنصاريّ الصحابيّة المشهورة، سكنت البصرة (ع) تقدمت في "صلاة العيدين في ٢/ ٢٠٥٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.

стр. 10530

٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدٍ) وقع من طريق عارم، عن حماد، عن أيوب، عن حفصة، بدل محمد، أخرجه الطبرانيّ، قال الحافظ: وله أصل عن حفصة من طريق عبد الوارث، عن أيوب، عنها، رواه البخاريّ في "الإحكام" من "صحيحه"، فكان حمادًا سمعه من أيوب، عن كلّ منهما. انتهى (١). ويأتي للمصنّف في الرواية التالية من طريق هشام بن حسَّان، عن حفصة، عن أم عطيّة ﵄. (عَنْ أُمُّ عَطِيةَ) نُسيبة بالتصغير، وقيل: بالتكبير بنت كعب، أو بنت الحارث ﵂ (قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ الْبَيْعَةِ) أي: مع مبايعته لنا على الإسلام وغيره (أَلَّا نَنُوحَ) أي: بأن لا ننوح، فـ "أن" المصدرية الناصبة للمضارع، أُدغمت في لام "لا" النافية، والمعنى: أي لا نرفع أصواتنا بتعداد شمائل الميت، ومحاسن أفعاله، يقال: ناحت المرأة زوجها، وعليه: إذا بكت عليه، وعدّدت محاسنه (فَمَا وَفَتْ) أي: بترك النوح، وهو بتخفيف الفاء، من الوفاء ثلاثيًّا، ويَحْتَمل أن يكون بتشديدها، من التوفية، ويقال أيضًا: أوفى بالهمز، قال الفيّوميّ ﵀: وَفَيتُ بالعهد والوعد أَفِي به وَفَاءً، والفاعل وَفِيٌّ، والجمع أوفياءُ، مثلُ صديق وأصدقاء، وأوفيتُ به إيفاءً، وقد جمعهما الشاعر، فقال: أمَّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ … كَمَا وَفَى بِقِلَاصِ النَّجْمِ حَادِيهَا وقال أبو زبد: أوفى نذره: أحسن الإيفاء، فجعل الرباعيّ يتعدّى بنفسه، وقال الفارابيّ أيضًا: أوفيته حقّه، ووَفِّيته إياه بالتثقيل، وأوفى بما قال، ووَفَّى بمعنى. انتهى (٢).

стр. 10531

(مِنَّا) أي: من النسوة اللاتي أخذ عليهنّ العهد بعد النوح (امْرَأَةٌ إِلَّا خَمْسٌ: أُمُّ سُلَيْمٍ) بنت ملحان والدة أنس بن مالك ﵄، تقدّمت ترجمتها في "الحيض" (٧/ ٧١٦). (وَأُمُّ الْعَلَاءِ) الأنصارية، قال أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: هي من المبايعات، حديثها عند أهل المدينة، ونسبها غيره، فقال: بنت الحارث بن ثابت بن حارثة بن ثعلبة بن الْجُلاس بن أمية بن خُدْرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج، يقال إنها والدة خارجة بن زيد بن ثابت الراوي حديثها الشيخان، من رواية الزهريّ، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء الأنصارية، قالت: طار لنا عثمان بن مظعون في السكنى لما افترقت الأنصار، فذكر الحديث (١) في قتل عثمان بن مظعون، وفيه أنها رأت لعثمان عينًا جاريةً، فذكرت ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: "ذلك عمله"، وفي الحديث قولها: شهادتي عليك أبا السائب لقد أكرمك الله. (وَابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ) بفتح المهملة، وسكون الموحدة (امْرَأَةُ مُعَاذٍ، أَوِ ابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ، وَامْرَأَةُ مُعَاذٍ) شكٌّ من أحد رواته، هل ابنة أبي سبرة هي امرأة معاذ، أو غيرها؛ وكذلك وقع الشكّ أيضًا عند البخاريّ من رواية حفصة، عن أم عطية. قال الحافظ ﵀: والذي يظهر لي أن الرواية بواو العطف أصحّ؛ لأن امرأة معاذ، وهو ابن جبل هي أم عمرو بنت خلاد بن عمرو السَّلَميّة، ذكرها ابن سعد، فعلى هذا فابنة أبي سبرة غيرها، ووقع في "الدلائل" لأبي موسى، من طريق حفصة، عن أم عطية: "وأمُّ معاذ" بدل قوله: "وامرأة معاذ" وكذا في رواية عارم، لكن لفظه: "أو أم معاذ بنت أبي سبرة"

стр. 10532

وفي الطبرانيّ من رواية ابن عون، عن ابن سيرين، عن أم عطية: "فما وَفَت غير أم سليم، وأم كلثوم، وامرأة معاذ بن أبي سبرة"، كذا فيه، والصواب ما في "الصحيح": "امرأة معاذ، وبنت أبي سبرة"، ولعل بنت أبي سبرة يقال لها: أم كلثوم، وإن كانت الرواية التي فيها "أم معاذ" محفوظةً، فلعلها أم معاذ بن جبل، وهي هند بنت سهل الجهنية، ذكرها ابن سعد أيضًا. قال: وعُرِف بمجموع هذه الروايات النسوة الخمس، وهي أم سليم، وأم العلاء، وأم كلثوم، وأم عمرو، وهند إن كانت الرواية محفوظةً، وإلا فيختلج في خاطري أن الخامسة (١) هي أم عطية، راوية الحديث، ثم وجدت ما يؤيِّده من طريق عاصم، عن حفصة، عن أم عطية، بلفظ: "فما وفت غيري، وغير أم سليم"، أخرجه الطبراني أيضًا، ثم وجدت ما يَرُدّه، وهو ما أخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده"، من طريق هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، قالت: "كان فيما أُخذ علينا أن لا ننوح … " الحديث، فزاد في آخره: "وكانت لا تعدُّ نفسها"؛ لأنها لما كان يوم الحرّة لم تزل النساء بها، حتى قامت معهنّ، فكانت لا تَعُدّ نفسها لذلك. قال: ويُجمَع بأنها تركت عدّ نفسها من يوم الحرَّة. ويوم الحرّة قُتِل فيه من الأنصار مَن لا يحصى عدده، ونُهِبت المدينة الشريفة، وبُذِل فيها السيف ثلاثة أيام، وكان ذلك في أيام يزيد بن معاوية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم عطيّة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 10533

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٢١٦٣ و ٢١٦٤] (٩٣٦)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٠٦) و"التفسير" (٤٨٩٢) و"الأحكام" (٧٢١٥)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣١٢٧)، و (النسائيّ) في "البيعة" (٤١٨٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٥ و ٤٠٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٨٨ و ٢٠٨٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم النَّوْح، وعظم قبحه، والاهتمام بإنكاره، والزجر عنه؛ لأنه مُهَيِّجٌ للحزن، ودافع للصبر، وفيه مخالفة للتسليم للقضاء، والإذعان لأمر الله تعالى. ٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة العناية والاهتمام بأمور الشريعة، ولا سيّما المناهي، فكان يبايع عليه الرجال والنساء، تأكيدًا، وتثبيتًا في قلوبهم. ٣ - (ومنها): أنه ﷺ إنما خصّ في بيعة النساء عدم النوح دون الرجال، وإن كان النهي عامًّا؛ لخفّة عقلهنّ، وشدّة جزعنّ، وقلّة صبرهن على المصائب، فيكثر منهنّ النوح، فشدّد عليهن لذلك، ولذلك قالت أم عطيّة ﵂: "فما وفت منهنّ امرأة إلا خمس"، وما ذلك إلا لصعوبته عليهن، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن فيه بيان مِصداق ما وصفه النبيّ ﷺ بأنهن ناقصات عقل ودين. ٥ - (ومنها): بيان فضيلةٍ ظاهرةٍ للنسوة الخمس المذكورات، حيث وفين بما بايعن عليه النبيّ ﷺ إلى الموت. قال القاضي عياض ﵀: معنى الحديث: لم يف ممن بايع النبيّ ﷺ مع أم عطية في الوقت الذي بايعت فيه النسوة إلا المذكورات، لا أنه لم يترك النياحة من المسلمات غير خمسة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 10534

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٦٤] ( … ) - (حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَسْبَاطٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْبَيْعَةِ أَلَّا تَنُحْنَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا غَيْرُ خَمْسٍ، مِنْهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [١٠] (٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٢ - (أَسْبَاطُ) بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشيّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٦/ ١٣٥٤. ٣ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٤ - (حَفْصَةُ) بنت سيرين، أم الْهُذيل الأنصاريّ البصريّة، أخت محمد بن سيرين، ثقةٌ [٣] ماتت بعد المائة (ع) تقدمت في "صلاة العيدين" ٢/ ٢٠٥٥. و"أمّ عطيّة" ذُكرت قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٦٥] (٩٣٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] قَالَتْ: كَانَ مِنْهُ النِّيَاحَةُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا آلَ فُلَانٍ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَسْعَدُونِي فِي الْجَاهِلِيةِ، فَلَا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أُسْعِدَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِلَّا آلَ فُلَانٍ").

стр. 10535

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصل؛ لما أسلفته غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثاني ما أخرج لهما الترمذيّ، والثالث ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من عاصم، وأبو بكر، وأبو معاوية كوفيّان، وزهير نسائيّ، ثم بغداديّ، وإسحاق مروزيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) إشارة لقوله تعالى: (﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قَالَتْ) أم عطيّة ﵂ (كَانَ مِنْهُ) أي: مما بايعنا عليه النبيّ من عدم العصيان في معروف (النِّيَاحَةُ) تعني: أنه ﷺ بايعهنّ على أن لا يعصينه بالنياحة (قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا آلَ فُلَانٍ) قال الحافظ ﵀: لم أعرف آل فلان المشار إليهم، وفي رواية النسائيّ: "قلت: إن امرأة أسعدتني في الجاهليّة"، قال: ولم أقف على اسم المرأة (فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَسْعَدُونِي) الإسعاد هو قيام المرأة مع الأخرى في النياحة تُراسلها، وهو خاصّ بهذا المعنى، ولا يُستَعمل إلا في البكاء، والمساعدة عليه، ويقال: إن أصل المساعدة وضع الرجل يده على ساعد الرجل صاحبه عند التعاون على ذلك، قاله في "الفتح" (١).

стр. 10536

ومعنى ذلك: أنه كان نساء الجاهليّة يُسعدُ بعضهنّ بعضًا على النياحة، فحينما بايعهنّ النبيّ ﷺ على ترك النياحة، قالت أمّ عطيّة: إنها ساعدتها امرأة في النياحة، فلا بدّ لها من مساعدتها على ذلك، قضاءً لحقّها، ثم لا تعود، فرخّص لها النبيّ ﷺ في ذلك قبل المبايعة، ففعلت، ثم بايعت، وهذا الترخيص خاصّ بها ﵂ على الراجح، كما يأتي في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-. (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي: في الأيام التي كانت قبل الإسلام (فَلَا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أُسْعِدَهُمْ) أي: أكافئهم على إسعادهم (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِلَّا آلَ فُلَانٍ") هذا فيه تصريح بإذنه ﷺ لها بالإسعاد، فيُحْمَل على أنه من خصوصيّات أم عطيّة ﵂، كما أنه ﷺ استثنى بعض النساء كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق ﵄ هذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم عطيّة لهذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٢١٦٥] (٩٣٧)، و (البخاريّ) في "التفسير" (٤٨٩٢)، و (النسائيّ) في "البيعة" (٤١٨١ و ٤١٨٢) و"الكبرى" (٧٨٠٢ و ٧٨٠٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢٠٢٦٧)، و (أبو نعيم) في "مسنده" (٢٠٩٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة مبايعة النساء. ٢ - (ومنها): بيان تحريم النوح، وبيان عظيم قبحه، والاهتمام بإنكاره، والزجر عنه. ٣ - (ومنها): تخصيص النبيّ ﷺ لأم عطية ﵂ بالمساعدة بالنياحة، وكذا ثبت الترخيص لغيرها أيضًا، كما سياْتي في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.

стр. 10537

٤ - (ومنها): أن للشارع أن يخصّ بعض المكلّفين بترخيص بعض الأحكام في حقّه، كما ثبت أنه ﷺ رخّص لأبي بُردة بن نيار ﵁ أن يُضحّي بِجَذَعَة، وقال: "لن تجزي عن أحد بعدك"، وكذا ثبت الترخيص لعقبة بن عامر ﵁، كما سيأتي تحقيق ذلك في "كتاب الأضاحي" -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء في تأويل هذا الحديث: قال النوويّ ﵀: هذا الحديث محمولٌ على أن الترخيص لأمّ عطيّة في آل فلان خاصّة، ولا تحلّ النياحة لها، ولا لغيرها في غير آل فلان، كما هو ظاهر الحديث، وللشارع أن يخُصّ من العموم من شاء بما شاء، فهذا صواب الحكم في هذا الحديث. قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظرٌ إلا أن ادّعى إن الذين ساعدتهم لم يكونوا أسلموا، وفيه بُعدٌ، وإلا فليدّعِ مشاركتهم لها في الخصوصيّة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونهم مشاركين لها في الخصوصيّة ظاهر، لا شكّ فيه، فإنه ﷺ لما أذن لها أن تساعدهم، لا يمكن ذلك إلا بجواز ذلك لهم معها، والله تعالى أعلم. ثم قال النوويّ: واستشكل القاضي عياض، وغيره هذا الحديث، وقالوا فيه أقوالًا عجيبة، وَمَقْصُودِي التَّحْذِير مِنْ الاغْتِرَار بِهَا، فَإِنَّ بَعْض الْمَالِكِيَّة قَالَ: النِّيَاحَة لَيْسَتْ بِحَرَامٍ، لِهَذَا الْحَدِيث، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّم مَا كَانَ مَعَهُ شَيْء مِنْ أَفْعَال الْجَاهِلِيَّة، مِنْ شَقّ جَيْب، وَخَمْش خَدّ، وَنَحْو ذَلِكَ، قَالَ: وَالصَّوَاب مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، وَأَنَّ النَّيَاحَة حَرَام مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة. انتهى (١). قال الحافظ: وَقَدْ نُقل عَنْ غَيْر هَذَا الْمَالِكِيّ أَيْضًا أَنَّ النِّيَاحَة لَيْسَتْ بِحَرَامٍ، وَهُوَ شَاذّ مَرْدُود، وَقَدْ أَبْدَاهُ الْقُرْطُبِيّ احْتِمَالًا، وَرَدَّهُ بِالأَحَادِيثِ الْوَارِدَة فِي الْوَعِيد عَلَى النِّيَاحَة، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى شِدَّة التَّحْرِيم، لَكِنْ لا يَمْتَنِع أَنْ يَكُون النَّهْي أَوَّلًا وَرَدَ بِكَرَاهَةِ التَّنْزِيه، ثُمَّ لَمَّا تَمَّتْ مُبَايَعَة النِّسَاء، وَقَعَ التَّحْرِيم،

стр. 10538

فَيَكُون الإِذْن لِمَنْ ذُكِرَ وَقَعَ فِي الْحَالَة الْأُولَى؛ لِبَيَانِ الْجَوَاز، ثُمَّ وَقَعَ التَّحْرِيم، فَوَرَدَ حِينَئِذٍ الْوَعِيد الشَّدِيد. وَقَدْ لَخَصَّ الْقُرْطُبِيّ ﵀ بَقِيَّة الأَقَاوِيل الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا النَّوَوِيّ ﵀: [مِنْهَا]: دَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ قَبْل تَحْرِيم النِّيَاحَة، قَالَ: وَهُوَ فَاسِد لِمَسَاقِ حَدِيث أُمّ عَطِيَّة هَذَا، وَلَوْلا أَنَّ أُمّ عَطِيَّة فَهِمَتْ التَّحْرِيم لَمَا اسْتَثْنَتْ. قال الحافظ: ويُؤَيِّدهُ أَيْضًا أَنَّ أُمّ عَطِيَّة صَرَّحَتْ بِأَنَّهَا مِنَ الْعِصْيَان فِي الْمَعْرُوف، وَهَذَا وَصْف الْمُحَرَّم. [وَمِنْهَا]: أَن قَوْله: "إِلَّا آلَ فُلَان" لَيْسَ فِيهِ نَصّ عَلَى أَنَّهَا تُسَاعِدهُمْ بِالنِّيَاحَةِ، فَيُمْكِن أَنَّهَا تُسَاعِدهُمْ بِاللِّقَاءِ، وَالْبُكَاء الَّذِي لَا نِيَاحَة مَعَهُ، قَالَ: وَهَذَا أَشْبَه مِمَّا قَبْله. قال الحافظ ﵀: بَلْ يَرُدّ عَلَيْهِ وُرُود التَّصْرِيح بِالنِّيَاحَةِ، كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وَيَرُدّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ اللِّقَاء، وَالْبُكَاء الْمُجَرَّد لَمْ يَدْخُل فِي النَّهْي، فَلَوْ وَقَعَ الاقْتِصَار عَلَيْهِ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَأْخِير الْمُبَايَعَة حَتَّى تَفْعَلهُ. [وَمِنْهَا]: أنه يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَعَادَ "إِلَّا آلَ فُلَان" عَلَى سَبِيل الإِنْكَار، كَمَا قَالَ لِمَنْ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: "مَنْ ذَا؟ "، فَقَالَ: أَنَا، فَقَالَ: "أَنَا أَنَا". فَأَعَادَ عَلَيْهِ كَلَامه مُنْكِرًا عَلَيْهِ. وتُعقّب بأنه يَرِدُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ عَلَى الْأَوَّل. [وَمِنْهَا]: أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِأُمِّ عَطِيَّة، قَالَ: وَهُوَ فَاسِد، فَإِنَّهَا لَا تَخْتَصّ بِتَحْلِيلِ شَيْء مِنْ الْمُحَرَّمَات. انتهى. قال الحافظ: وَيَقْدَح فِي دَعْوَى تَخْصِيصهَا أَيْضًا ثُبُوت ذَلِكَ لِغَيْرِهَا، ويُعْرَف مِنْهُ أَيْضًا الْخَدْش فِي الأَجْوِبَة الْمَاضِيَة. فَقَدْ أَخْرَجَ ابْن مَرْدَوَيْهِ، مِنْ حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَالَ: "لَمَّا أَخَذَ رَسُول الله ﷺ علَى النِّسَاء، فَبَايَعَهُنَّ ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، الآيَة [الممتحنة: ١٢]، قَالَتْ خَوْلَة بِنْت حَكِيم: يَا رَسُول الله

стр. 10539

كَانَ أَبِي وَأَخِي، مَاتَا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَإِنَّ فُلَانَة أَسْعَدَتْنِي، وَقَدْ مَاتَ أَخُوهَا" الْحَدِيث. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق شَهْر بْن حَوْشَبٍ، عَنْ أُمّ سَلَمَة الأَنْصَارِيَّة، وَهِيَ أَسْمَاء بِنْت يَزِيد، قَالَتْ: "قُلْت: يَا رَسُول الله، إِنَّ بَنِي فُلَان أَسْعَدُونِي عَلَى عَمِّي، وَلَا بُدّ مِنْ قَضَائِهِنَّ، فَأَبَى، قَالَتْ: فَرَاجَعْته مِرَارًا، فَأَذِنَ لِي، ثمَّ لَمْ أَنُحْ بَعْد". وَأَخْرَجَ أَحْمَد، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُصْعَب بْن نُوح، قَالَ: أَدْرَكْت عَجُوزًا لَنَا، كَانَتْ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُول الله ﷺ ، قَالَتْ: فَأَخَذَ عَلَيْنَا: "وَلَا يَنُحْنَ"، فَقَالَت عَجُوز: يَا نَبِيّ الله، إِنَّ نَاسًا كَانُوا أَسْعَدُونَا عَلَى مَصَائِب أَصَابَتْنَا، وَإِنَّهُمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَة، فَأَنَا أُرِيد أَنْ أُسْعِدهُمْ، قَالَ: "فَاذْهَبِي، فَكَافِئِيهِمْ"، قَالَتْ: فَانْطَلَقْت فَكَافَأْتهمْ، ثُمَّ إِنَّهَا أَتَتْ فَبَايَعَتْهُ. قال الحافظ: وَظَهَرَ مِنْ هَذَا كُلّه أَنَّ أَقْرَب الأَجْوِبَة، أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَة، ثُمَّ كُرِهَتْ كَرَاهَة تَنْزِيه، ثُمَّ تَحْرِيم. وَالله أَعْلَم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه الحافظ أخيرًا حسن، ولكنّ ما تقدّم عن النوويّ ﵀ أحسن منه، وخلاصته أنه ﷺ رخّص لهؤلاء النساء: أم عطيّة، وغيرها، من اللاتي طلبن منه استثناء المساعدات مكافأةً لما مضى، فخصّهنّ بذلك، فهذا جواب لا غبار عليه، وقد مرّ آنفًا أنه ﷺ رخّص لأبي بردة في التضحّية بجَذَعة، وكذا لعقبة بن عامر، إن كان محفوظًا، كما سيأتي تحقيقه في "كتاب الأضاحي" -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 10540

(١١) - (بَابُ نَهْيِ النِّسَاءِ عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٦٦] (٩٣٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: كُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٢ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وأيوب هو: السختيانيّ، وكذلك مضى لطائف الإسناد. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) أنه (قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ) ﵂: (كُنَّا نُنْهَى) بالبناء للمفعول (عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) أي: ما زلنا على النهي بدليل قولها في رواية حفصة التالية: "نُهِينا عن اتّباع الجنائز"، قال في "الفتح": ورواه يزيد بن أبي حكيم، عن الثوريّ، بلفظ: "نهانا رسول الله ﷺ "، أخرجه الإسماعيليّ، وفيه ردّ على من قال: لا حجة في هذا الحديث؛ لأنه لم يُسَمَّ الناهي فيه؛ لما رآه الشيخان وغيرهما أن كل ما ورد بهذه الصيغة كان مرفوعًا، وهو الأصح عند غيرهما من المحدثين، ويؤيِّد رواية الإسماعيليّ ما رواه الطبراني من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدّته أم عطية، قالت: لَمّا دخل رسول الله ﷺ المدينة جَمَع النساء في بيت، ثم بَعَث إلينا عمر، فقال: "إني رسول رسول الله ﷺ إليكنّ، بعثني إليكنّ لأبايعكنّ على أن لا تشركن بالله شيئًا … " الحديث، وفي آخره: "وأمرنا أن نُخرج في العيد العواتق، ونهانا أن
следующие страницы →