← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

[الثالث عشر]: اختَلَف النُّظَّار في الأسماء التي تُطلَق على الله، وعلى العباد، كالحي والسميع والبصير والعليم والقدير والملك ونحوها: فقالت طائفة من المتكلمين: هي حقيقةٌ في العبد، مجاز في الربّ، وهذا قول غلاة الجهمية، وهو أخبث الأقوال، وأشدُّها فسادًا. الثاني: مقابلها وهو أنها حقيقة في الربّ، مجازٌ في العبد، وهذا قول أبي العباس الناشئ. الثالث: أنها حقيقة فيهما، وهذا قول أهل السنة، وهو الصواب، واختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها حقيقةً فيهما، وللرب تعالى منها ما يَليق بجلاله، وللعبد منها ما يَليق به. وليس هذا موضع التعرض لمأخذ هذه الأقوال وإبطال باطلها، وتصحيح صحيحها، فإن الغرض الإشارة إلى أمور ينبغي معرفتها في هذا الباب، ولو كان المقصود بسطها لاستدعت سِفْرين أو أكثر. [الرابع عشر]: أن الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاثة اعتبارات: اعتبارٌ من حيث هو، مع قطع النظر عن تقييده بالربّ ﵎، أو العبد، اعتباره مضافًا إلى الرب مختصًّا به، اعتباره مضافًا إلى العبد مقيدًا به، فما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتًا للربّ والعبد، وللرب منه ما يَليق بكماله، وللعبد منه ما يَليق به. وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات، والبصير الذي يلزمه رؤية المبصرات، والعليم والقدير وسائر الأسماء، فإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لَزِمَ هذه الأسماء لذاتها، فإثباته للرب تعالى لا محذور فيه بوجه، بل ثبتت له على وجه لا يماثله فيه خلقه، ولا يشابههم، فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه، وجَحَد صفات كماله، ومن أثبته له على وجه يماثل فيه خلقه، فقد شبّهه بخلقه، ومن شبّه الله بخلقه فقد كَفَر، ومن أثبته له على وجه لا يماثل فيه خلقه، بل كما يليق بجلاله وعظمته، فقد برئ من فَرْث التشبيه، ودم التعطيل، وهذا طريق أهل السنة. وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله، كما يلزم حياة

стр. 1472

العبد من النوم والسِّنَةِ والحاجة إلى الغذاء، ونحو ذلك، وكذلك ما يلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به، ودفع ما يتضرر به، وكذلك ما يلزم علوَّه من احتياجه إلى ما هو عال عليه، وكونه محمولًا به مفتقرًا إليه محاطًا به، كلُّ هذا يجب نفيه عن القدوس السلام ﵎. وما لزم صفة من جهة اختصاصه تعالى بها، فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه، كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق. فإذا أحطت بهذه القاعدة خبرًا، وعقلتها كما ينبغي، خَلَصتَ من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين: آفة التعطيل، وآفة التشبيه، فإنك إذا وَفَّيت هذا المقام حقَّه من التصور، أثبَتَّ لله الأسماء الحسنى والصفات العلى حقيقة، فخَلَصت من التعطيل، ونَفَيت عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم، فخلصت من التشبيه، فتدبر هذا الموضع، واجعله جنتك التي ترجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصواب. [الخامس عشر]: أن الصفة متى قامت بموصوف لزمها أمور أربعة: أمران لفظيان، وأمران معنويان. فاللفظيان: ثبوتيّ، وسلبيّ، فالثبوتيّ أن يُشْتَقَّ للموصوف منها اسم، والسلبيّ أن يمتنع الإشتقاق لغيره. والمعنويان: ثبوتيّ، وسلبيّ، فالثبوتيّ أن يعود حكمها إلى الموصوف، ويُخبَر بها عنه، والسلبيّ أن لا يعود حكمها إلى غيره، ولا يكون خبرًا عنه، وهي قاعدة عظيمة في معرفة الأسماء والصفات. فلنذكر من ذلك مثالًا واحدًا: وهو صفة الكلام، فإنه إذا قامت بمحلّ، كانت هو التكلم، دون من لم تقم به، وأخبر عنه بها، وعاد حكمها إليه دون غيره، فيقال: قال، وأمر، ونهى، ونادى، وناجى، وأخبر، وخاطب، وتكلم، وكلَّم، ونحو ذلك، وامتنعت هذه الأحكام لغيره، فيُستَدَلُّ بهذه الأحكام والأسماء على قيام الصفة به، وسلبها عن غيره على عدم قيامها به، وهذا هو أصل السنة الذي رَدُّوا به على المعتزلة والجهمية، وهو من أصحّ الأصول طردًا وعكسًا.

стр. 1473

[السادس عشر]: أن الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تُحَدَّ بعدد، فإن لله تعالى أسماءً وصفاتٍ استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، كما في الحديث الصحيح: "أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" (١)، فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسمٌ سَمَّى به نفسه، فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم يُنْزِل به كتابَهُ، وقسم أَنْزَل به كتابه، فتعَرَّفَ به إلى عباده، وقسم استأثر به في علم غيبه، فلم يَطَّلع عليه أحد من خلقه، ولهذا قال: "استأثرت به": أي انفَرَدت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمي به؛ لأن هذا الإنفراد ثابت في الأسماء التي أنزل الله بها كتابه. ومن هذا قول النبيّ ﷺ في حديث الشفاعة: "فيَفْتَح عليّ من محامده بما لا أُحسنه الآن" (٢)، وتلك المحامد تفي بأسمائه وصفاته. ومنه قوله ﷺ : "لا أُحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (٣).

стр. 1474

وأما قوله ﷺ : "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة" (١)، فالكلام جملة واحدةٌ، وقوله: "من أحصاها دخل الجنة" صفة، لا خبر مستقبل، والمعنى: له أسماء متعددة، مِن شأنها أن من أحصاها دخل الجنة، وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها، وهذا كما تقول: لفلان مائة مملوك، وقد أعَدَّهم للجهاد، فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم مُعَدُّون لغير الجهاد، وهذا لا خلاف بين العلماء فيه. [السابع عشر]: أن أسماءه تعالى منها: ما يُطلَق عليه مفردًا ومقترنًا بغيره، وهو غالب الأسماء، فالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم، وهذا يسوغ أن يُدْعَى به مفردًا ومقترنًا بغيره، فتقول: يا عزيز يا حليم يا غفور يا رحيم، وأن يُفْرَد كلُّ اسم، وكذلك في الثناء عليه، والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع. ومنها: ما لا يُطلَق عليه بمفرده، بل مقرونًا بمقابله، كالمانع والضار والمنتقم، فلا يجوز أن يُفرَد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفوّ، فهو المعطي المانع الضار النافع المنتقم العفوّ المعز المذل؛ لأن الكمال في اقتران كلّ اسم من هذه بما يقابله؛ لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية، وتدبير الخلق، والتصرف فيهم عطاءً ومنعًا ونفعًا وضرًّا وعفوًا وانتقامًا، وأما أن يُثنَى عليه بمجرد المنع والإنتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مَجرَى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجئ مفردة، ولم تُطلَق عليه إلا مقترنة، فاعلمه. فلو قلت: يا مُذِلّ يا ضار يا مانع، وأخبرت بذلك لم تكن مثنيًا عليه، ولا حامدًا له حتى تذكر مقابلها. [الثامن عشر]: أن الصفات ثلاثة أنواع: صفات كمال، وصفات نقص، وصفات لا تقتضي كمالًا ولا نقصًا، وإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسمًا رابعًا، وهو ما يكون كمالًا ونقصًا باعتبارين، والرب تعالى مُنَزَّه عن الأقسام

стр. 1475

الثلاثة، وموصوف بالقسم الأول، وصفاته كلها صفات كمال محض، فهو موصوف من الصفات بأكملها، وله من الكمال أكمله، وهكذا أسماؤه الدالة على صفاته، هي أحسن الأسماء وأكملها، فليس في الأسماء أحسن منها، ولا يقوم غيرها مقامها، ولا يؤدي معناها، وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرًا بمرادف محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم. وإذا عرفت هذا، فله من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى، وأبعده وأنزهه عن شائبة عيب أو نقص، فله من صفة الإدراكات: العليمُ الخبيرُ، دون العاقل الفقيه، والسميع البصير، دون السامع والباصر والناظر، ومن صفات الإحسان: البرُّ الرحيم الودود، دون الرفيق والشفوق ونحوهما، وكذلك العليُّ العظيمُ، دون الرفيع الشريف، وكذلك الكريمُ، دون السخيّ، والخالق البارئ المصور، دون الفاعل الصانع المشكّل، والغفور العفوّ، دون الصَّفُوح الساتر، وكذلك سائر أسمائه تعالى يَجرِي على نفسه منها أكملُهما وأحسنُها، وما لا يقوم غيره مقامه، فتأمّل ذلك، فأسماؤه أحسن الأسماء، كما أن صفاته أكمل الصفات، فلا تَعْدِل عما سَمَّى به نفسه إلى غيره، كما لا تَتَجَاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ إلى ما وصفه به المبطلون والمعطلون. [التاسع عشر]: أن من أسمائه الحسنى ما يكون دالًّا على عِدّة صفات، ويكون ذلك الاسم متناولًا لجميعها تناولَ الاسم الدالّ على الصفة الواحدة لها، كما تقدم بيانه، كاسمه العظيم والمجيد والصمد، كما قال ابن عباس فيما رواه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره: الصمد السيد الذي قد كَمُل في سؤدده، والشريف الذي قد كَمُل في شرفه، والعظيم الذي قد كَمُل في عظمته، والحليم الذي قد كَمُل في حلمه، والعليم الذي قد كَمُل في علمه، والحكيم الذي قد كَمُل في حكمته، وهو الذي قد كَمُل في أنواع شرفه وسؤدده، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفوًا أحد، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار، هذا لفظه (١).

стр. 1476

وهذا مما خَفِي على كثير ممن تعاطى الكلام في تفسير الأسماء الحسنى، ففَسَّر الاسم بدون معناه، ونقصه من حيث لا يَعلَم، فمن لم يُحط بهذا علمًا بَخَس الاسم الأعظم حقه، وهَضمه معناه، فتدبره. [العشرون]: وهي الجامعة لما تقدم من الوجوه، وهي معرفة الإلحاد في أسمائه حتى لا يقع فيه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. والإلحاد في أسمائه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها، وهو مأخوذ من الميل، كما يدلّ عليه مادته (ل ح د) فمنه اللَّحْدُ، وهو الشَّقُّ في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط، ومنه الْمُلْحِد في الدين المائل عن الحق إلى الباطل، قال ابن السِّكِّيت: الْمُلْحِدُ: المائل عن الحق، المدخل فيه ما ليس منه، ومنه الْمُلْتَحَدُ، وهو مُفْتَعَلٌ من ذلك، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧]، أي مَن تَعْدِل إليه، وتهرُب إليه، وتلتجئ إليه، وتبتهل فتميل إليه عن غيره، تقول العرب: التحد فلان إلى فلان: إذا عَدَل إليه. إذا عُرِف هذا فالإلحاد في أسمائه تعالى أنواع: [أحدها]: أن يُسَمِّي الأصنام بها، كتسميتهم اللات من الإلهية، والعزى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلهًا، وهذا إلحاد حقيقةً، فإنهم عَدَلُوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة. [الثاني]: تسميته بما لا يَليق بجلاله، كتسمية النصارى له أبًا، وتسمية الفلاسفة له موجِبًا بذاته، أو عِلَّةً فاعلةً بالطبع، ونحو ذلك. [وثالثها]: وصفه بما يتعالى عنه، ويتقدس من النقائص، كقول أخبث اليهود: إنه فقير، وقولهم: إنه استراح بعد أن خلق خلقه، وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأمثال ذلك مما هو إلحاد في أسمائه وصفاته. [ورابعها]: تعطيل الأسماء عن معانيها، وجَحْدُ حقائقها، كقول مَن يقول

стр. 1477

من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجرَّدَةٌ لا تتضمن صفات، ولا معاني، فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد، ويقولون: لا حياة له، ولا سمع، ولا بصر، ولا كلام، ولا إرادة تقوم به، وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلًا وشرعًا ولغةً وفطرةً، وهو يقابل إلحاد المشركين، فإن أولئك أَعْطَوا أسماءه وصفاته لآلهتهم، وهؤلاء سلبوه صفات كماله، وجحدوها وعطّلوها، فكلاهما مُلْحِد في أسمائه. ثم الجهمية وفُروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد، فمنهم الغالي، والمتوسط، والمنكوب. وكُلُّ مَن جَحَد شيئًا مما وَصَف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، فقد ألحد في ذلك، فليستقلّ، أو ليستكثر. [وخامسها]: تشبيه صفاته بصفات خلقه، تعالى الله عما يقول المشبِّهون علوًّا كبيرًا، فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة، فإن أولئك نَفَوا صفة كماله وجحدوها، وهؤلاء شبَّهوها بصفات خلقه، فجَمَعَهُم الإلحاد، وتفَرَّقت بهم طرقه. وبَرَّأ الله أتباع رسوله ﷺ ، وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يَصِفُوه إلا بما وَصَف به نفسه، ولم يَجحدوا صفاته، ولم يشبّهوها بصفات خلقه، ولم يَعْدِلوا بها عما أُنزِلت عليه لفظًا ولا معنًى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، فكان إثباتهم بريئًا من التشبيه، وتنزيههم خليًّا من التعطيل، لا كَمَن شَبَّهَ حتى كأنه يعبد صنمًا، أو عَطَّل حتى كأنه لا يعبد إلا عدمًا. وأهلُ السنة وَسَطٌ في النِّحَل، كما أن أهل الإسلام وسط في الملل، تَتَوَقَّدُ مصابيح معارفهم من ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]، فنسأل الله تعالى أن يهدينا لنوره، ويسهل لنا السبيل إلى الوصول إلى مرضاته، ومتابعة رسوله ﷺ ، إنه قريب مجيب. فهذه عشرون فائدةً مضافة إلى القاعدة التي بدأنا بها في أقسام ما يوصف به الرب ﵎، فعليك بمعرفتها، ومراعاتها، ثم اشْرَحْ الأسماء

стр. 1478

الحسنى، إن وجدت قلبًا عاقلًا، ولسانًا قائلًا، ومحلًّا قابلًا، وإلا فالسكوت أولى بك، فجناب الربوبية أجلّ وأعزّ مما يخطر بالبال، أو يُعَبِّر عنه المقال، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] حتى ينتهي العلم إلى من أحاط بكل شيء علمًا. وعسى الله أن يُعِين بفضله على تعليق شرح الأسماء الحسنى، مراعيًا فيه أحكام هذه القواعد، بريئًا من الإلحاد في أسمائه، وتعطيل صفاته، فهو المانُّ بفضله، والله ذو الفضل العظيم. انتهى كلام الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى، ولقد شفى، وكفى لمن تأمّله بالإنصاف، ولم يُعم بصيرته التقليد والاعتساف. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللهم آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، قَالَ مِنْجَابٌ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) هو: مِنْجاب - بكسر أوله، وسكون ثانيه، ثم جيم، ثم موحّدة - بن الحارث بن عبد الرحمن التميميّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن عليّ بن مُسهِر، وبشر بن عُمارة الخثعميّ، ويزيد بن المقدام بن شُريح بن هانئ، وحصين بن عمرو الأحمسيّ، وحاتم بن إسماعيل، وأبي الأحوص، وشَريك، وابن المبارك، وأبي عامر الْعَقَديّ، وجماعة.

стр. 1479

ورَوَى عنه مسلم، وروى ابن ماجه في "التفسير" عن رجل عنه، وأبو حاتم، والذهليّ، وأبو خيثمة، زهير بن حرب، وموسى بن إسحاق الأنصاريّ، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأحمد بن عليّ الْأَبَّار، وجعفر بن محمد الفريابيّ، وآخرون. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو ومطيّن وغيره: مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين. وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. ٢ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سهل الْهَرَويّ الأصل، ثمّ الْحَدَثَانيّ، ويقال: الأَنْبَاريّ، أبو محمد، صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِي، فصار يَتَلَقّن ما ليس من حديثه، فأفحش ابن معين القول فيه، من قدماء [١٠] (ت ٢٤٠) (م ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القُرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ، له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران المذكور قبل باب، والباقون تقدّموا في السند الماضي. [تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله تعالى: في هذا الإسناد لطيفتان من لطائف الإسناد: (إحداهما): أن فيه ثلاثةً تابعيين يروي بعضهم عن بعض، وهم: الأعمش، وإبراهيم، وعلقمة. (والثانية): أنه إسناد كوفيّ، فمِنْجَاب، وعبد الله بن مسعود، ومَن بينهما كوفيّون، إلا سُوَيد بن سعيد، رفيق مِنجاب، فيُغني عنه منجاب. انتهى (١). وقوله: (لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ) المراد به دخولَ الكفّار، وهو دخولُ الخلود. قاله النوويّ رحمه الله تعالى. وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: المراد بالإيمان في هذا الحديث: التصديق القلبيّ المذكور في حديث جبريل ﵇، ويُستفاد منه أن التصديق القلبيّ على مراتب، ويزيد وينقص.

стр. 1480

وهذه النار المذكورة هنا هي النار المعدّة للكفّار التي لا يَخرُج منها من دخلها؛ لأنه قد جاء في أحاديث الشفاعة: أن خلقًا كثيرًا ممن في قلبه ذرّات كثيرة من الإيمان يدخلون النارَ، ثم يخرجون منها بالشفاعة، أو بالقَبْضة، ووجه التلفيق أن النار دَرَكات، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وأهلها في العذاب على مراتب ودركات، كما قال الله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وأن نار من يُعذّب من الموحّدين أخفّها عذابًا، وأقربها خروجًا، فمن أُدخل النار من الموحّدين لم يدخل نار الكفّار، بل نارًا أخرى يموتون فيها، ثم يُخرجون منها، كما جاء في الأحاديث الصحيحة. انتهى كلام القرطبيّ (١). وقوله: (مِنْ خَرْدَلٍ) بفتح، فسكون: حَبّ شجر معروف. قاله في "القاموس". وقوله: (مِنْ كِبْرِيَاءَ) ممنوع من الصرف؛ لوجود علّة واحدة تقوم مقام العلّتين، وهي ألف التأنيث الممدودة، كما قال في "الخلاصة": فَأَلِفُ التَّأْنِيثِ مُطْلَقًا مَنَعْ … صَرْفَ الَّذِي حَوَاهُ كَيْفَمَا وَقَعْ وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ

стр. 1481

[٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣، والباقون تقدّموا قبل حديث، وكذا شرح الحديث، ومسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٢) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا دَخَلَ النَّارَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٥] (٩٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ وَكِيعٌ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ"، وَقُلْتُ أَنَا: "وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٢ - (أَبُوه) عبد الله بن نُمَير الْهَمْداني، أبو هشام الكوفيّ، ثقة، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٣ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٤ - (شَقيق) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧، والباقيان تقدّما في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه من صيغ الأداء: التحديثُ، والعنعنة، والقول، والسماع.

стр. 1482

٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالحفّاظ الكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. ٥ - (ومنها): قوله: "قال وكيع: قال رسول الله ﷺ ، وقال ابن نُمَير: سمعت رسول الله ﷺ "، هذا وما أشبهه من الدقائق التي يُنَبِّه عليها الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وهي من الدلائل القاطعة على شِدَّة تحريه، وإتقانه، وضبطه، وعِرْفانه، وغَزَارة علمه، وحِذْقه، وبراعته في الغوص على المعاني، ودقائق علم الإسناد، وغير ذلك، فرحمه الله تعالى. والدقيقة في هذا أن ابن نمير قال في روايته: إن ابن مسعود قال: "سمعت رسول الله ﷺ "، فصرّح بالسماع، وهذا متصل، لا شكّ فيه، وقال وكيع في روايته: إنه قال: "قال رسول الله ﷺ "، وهذا مما اختَلَفَ العلماء فيه، هل يُحْمَل على الاتصال، أم على الانقطاع؟ فالجمهور أنه على الاتصال، كـ"سمعت"، وذهبت طائفة إلى أنه لا يُحْمَلُ على الاتصال إلا بدليل عليه، فإذا قيل بهذا المذهب، كان مرسل صحابيّ، وفي الاحتجاج به خلافٌ، فالجماهير قالوا: يُحْتَجّ به، وإن لم يحتج بمرسل غيرهم، وذَهَب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ الشافعيّ رحمه الله تعالى إلى أنه لا يُحْتَجّ به، فعلى هذا يكون الحديث قد رُوي متصلًا ومرسلًا، وفي الاحتجاج بما رُوي مرسلًا ومتصلًا خلافٌ معروفٌ، قيل: الحكم للمرسل، وقيل: للأحفظ روايةً، وقيل: للأكثر، والصحيح أنه تُقَدَّم رواية الوصل، فاحتاط مسلم رحمه الله تعالى، وذكر اللفظين؛ لهذه الفائدة، ولئلا يكون راويًا بالمعنى، فقد أجمعوا على أن الرواية باللفظ أولى، والله تعالى أعلم، أفاده النوويّ رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي من صنيع الإمام مسلم رحمه الله تعالى هذا أنه لا يريد بيان اختلاف الحكم من حيث الاتّصال والانقطاع، وإنما يريد بيان اختلاف الشيوخ في صيغ الأداء، فبيّن اختلاف ابن نمير ووكيع في اللفظ الذي قاله ابن مسعود ﵁، فقال الأول: قال: "سمعت

стр. 1483

رسول اللهِ ﷺ "، وقال الثاني: "قال رسول الله ﷺ "، فعنده لا فرق بين اللفظين من حيث الإتّصال والانقطاع، فكلاهما للإتّصال، وإنما هو من باب الاحتياط في أداء ما تحمّله، وبيان الواقع من ألفاظ الشيوخ في رواياتهم، فهو كمثل قوله في مواضع أخرى: حدّثنا فلان وفلان، فقال فلان: حدثنا، وقال فلان: أخبرنا، وتارة يقول: حدّثنا فلان وفلان، فقال فلان: حدثنا، وقال فلان: حدّثني، فلا شكّ أن هذا وأمثاله لا يختلف الحكم فيه بالاتّصال والانقطاع، وإنما هو لمجرّد بيان الإختلاف في صيغ الأداء. والحاصل أن صنيع الإمام مسلم رحمه الله تعالى هذا ليس لبيان اختلاف الحكم من حيث الإتصال والانقطاع، وإنما هو من باب الاحتياط والتدقيق في أداء ما سمعه على الوجه الذي سمعه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ﵁ (قَالَ وَكِيعٌ) في روايته (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي قال عبد الله ﵁: "قال رسول الله ﷺ "، فعبّر بلفظ "قال" (وقَالَ) عبد الله (بْنُ نُمَيْرٍ) في روايته قال عبد الله ﵁: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ) أي فعبّر بلفظ "سمعتُ" ("مَنْ مَاتَ) "من" شرطيّة، أو موصولة مبتدأ، جوابها، أو خبرها جملة "دَخَل"، وقوله: (يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا) جملة في محلّ نصب على الحال (دَخَلَ النَّارَ") قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا وقع في أصولنا من "صحيح مسلم"، وكذا هو في "صحيح البخاريّ"، وكذا ذكره القاضي عياض رحمه الله تعالى في روايته لـ "صحيح مسلم"، ووُجِد في بعض الأصول المعتمدة من "صحيح مسلم" عكس هذا: قال رسول الله ﷺ : "من مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة"، قلت أنا: "ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار"، وهكذا ذكره الحميديّ في "الجمع بين الصحيحين"، عن "صحيح مسلم" رحمه الله تعالى، وهكذا رواه أبو عوانة في كتابه "المخرج على صحيح مسلم"، وقد صَحّ اللفظان من كلام رسول الله ﷺ في حديث جابر المذكور بعد هذا. فأما اقتصار ابن مسعود ﵁ على رفع إحدى اللفظتين، وضمه الأخرى إليها من كلام نفسه، فقال القاضي عياض وغيره: سببه أنه لم يَسْمَع من

стр. 1484

النبيّ ﷺ إلا إحداهما، وضَمَّ إليها الأُخرى؛ لِمَا عَلِمَه من كتاب الله تعالى، ووحيه، أو أخذه من مقتضى ما سَمِعه من النبيّ ﷺ . وهذا الذي قاله هؤلاء فيه نقص من حيث إنّ اللفظتين قد صَحَّ رفعهما من حديث ابن مسعود ﵁ كما ذكرناه، فالجيِّد أن يقال: سمع ابن مسعود ﵁ اللفظتين من النبيّ ﷺ ، ولكنه في وقت حَفِظَ إحداهما، وتيقنها عن النبيّ ﷺ ، ولم يَحْفَظ الأخرى، فرفع المحفوظة، وضمّ الأخرى إليها، وفي وقت آخر حَفِظ الأخرى، ولم يحفظ الأولى مرفوعةً، فرفع المحفوظة، وضمّ الأخرى إليها، فهذا جمعٌ ظاهرٌ بين روايتي ابن مسعود ﵁، وفيه موافقة لرواية غيره في رفع اللفظتين، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى. وقد ذكر الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح" هذا الجمع الذي ذكره النوويّ، ودونك عبارته: قال: قوله: "من مات يُشرك بالله … إلخ" في رواية أبي حمزة، عن الأعمش - أي عند البخاريّ - في "تفسير البقرة": "من مات، وهو يدعو من دون الله نِدًّا"، وفي أوله: "قال النبيّ ﷺ كلمة، وقلت أنا أخرى". ولم تختلف الروايات في "الصحيحين" في أن المرفوع الوعيد، والموقوف الوعد، وزعم الحميديّ في "الجمع"، وتبِعَه مغلطاي في "شرحه"، ومن أخذ عنه: أن في رواية مسلم من طريق وكيع وابن نمير بالعكس، بلفظ: "من مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة، وقلت أنا: من مات يُشرك بالله شيئًا دخل النار". وكأن سبب الوهم في ذلك ما وقع عند أبي عوانة، والإسماعيليّ من طريق وكيع بالعكس، لكن بَيَّن الإسماعيليّ أن المحفوظ عن وكيع كما في البخاريّ، قال: وإنما المحفوظ أن الذي قلبه أبو معاوية (١) وحده، وبذلك جزم ابن خزيمة في "صحيحه"، والصواب رواية الجماعة، وكذلك أخرجه أحمد من طريق عاصم، وابن خزيمة من طريق يسار (٢)، وابن حبان من طريق المغيرة

стр. 1485

كلهم عن شقيق، وهذا هو الذي يقتضيه النظر؛ لأن جانب الوعيد ثابت بالقرآن، وجاءت السنة على وفقه، فلا يحتاج إلى استنباط، بخلاف جانب الوعد، فإنه في محلّ البحث؛ إذ لا يصح حمله على ظاهره، كما تقدم. وكأنّ ابن مسعود ﵁ لم يبلغه حديث جابر ﵁ الذي أخرجه مسلم بلفظ: قيل: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ قال: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار". وقال النوويّ: الجيد أن يقال: سَمِع ابن مسعود اللفظتين من النبيّ ﷺ ، ولكنه في وقت حفظ إحداهما وتيقنها، ولم يحفظ الأخرى، فرفع المحفوظة، وضمّ الأخرى إليها، وفي وقت بالعكس، قال: فهذا جمع بَيْن روايتي ابن مسعود، وموافقته لرواية غيره في رفع اللفظتين. انتهى. قال الحافظ: وهذا الذي قال محتمل بلا شكّ، لكن فيه بُعْدٌ، مع اتّحاد مخرج الحديث، فلو تعدد مخرجه إلى ابن مسعود، لكان احتمالًا قريبًا، مع أنه يُسْتَغرب مِنِ انفراد راو من الرواة بذلك دون رفقته، وشيخهم ومن فوقه، فنسبة السهو إلى شخص ليس بمعصوم أولى من هذا التعسُّف. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه الحافظ رحمه الله تعالى، من ردّه الجمع الذي ذكره النوويّ، واستبعاده له؛ حيث إن مخرج الحديث واحد؛ إذ مثل هذا الجمع إنما يُقبل إذا تعدّد مخرج الحديث، هو الصواب في نظري؛ لوضوح حجّته، واستنارة محجّته، وأما اعتراض العينيّ عليه في ذلك فمما لا يخفى على منصف كونه من عادته المستمرّة في الاعتراض، والتحامل دون تأمّل، فتنبّه لذلك، وتأمّله بإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: حَكَى الخطيب البغداديّ رحمه الله تعالى في كتابه "المدرج" أن أحمد بن عبد الجبار رواه عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، مرفوعًا كلَّه، وأنه وَهِمَ في ذلك. انتهى (١). قال ابن مسعود ﵁ (وَقُلْتُ أَنَا: "وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ

стр. 1486

الْجَنَّةَ") قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: من أين عَلِم ابن مسعود ﵁ هذا الحكم؟. [قلت]: من حيث إن انتفاء السبب يوجب انتفاء المسبَّب، فإذا انتفى الشرك انتفى دخول النار، وإذا انتفى دخول النار يلزم دخول الجنّة؛ إذ لا ثالث لهما، أو مما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، ونحوه. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما عبّر ابن مسعود ﵁ إلى ما قاله مع أن المتّجه أن يقول: "ومن مات لا يُشرك بالله شيئًا لا يدخل النار"؛ لكون عدم دخوله النار غير محقّق بتقدير عصيانه، بخلاف دخول الجنّة فإنه محقّقٌ للموحّد، ولو كان آخرًا، فلذا جَزَم به، والله تعالى أعلم (٢). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قول ابن مسعود ﵁: "وقلت أنا … إلخ" يعني بذلك: أنه لم يسمع هذا اللفظ من النبيّ ﷺ نصًّا، وإنما استنبطه من الشريعة، إما دليل خطاب قوله ﷺ : "من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار"، أو من ضرورة انحصار الجزاء في الجنّة والنار، أو من غير ذلك، وعلى الجملة، فهذا الذي لم يسمعه ابن مسعود ﵁ من النبيّ ﷺ هو حقٌّ في نفسه، وقد رواه جابر ﵁ في الحديث التالي من قول النبيّ ﷺ . انتهى (٣). وقد اعترض القاضي عياض رحمه الله تعالى على قوله: "إما بدليل الخطاب"، ودونك عبارته، قال: استدلّ به بعضهم على صحّة دليل الخطاب، وفي الاستدلال به ضعفٌ، وهو كلام من لم يُميّز دليل الخطاب؛ إذ لا يدلّ وجوب النار لمن مات على الكفر على وجوب الجنّة لمن كان على ضدّه، وإنما دليل خطابه أنه لا يدخل النار، وأما صحّة قول ابن مسعود ﵁ فمن دليل صحّة التقسيم، لا من دليل الخطاب؛ لأنه لَمّا قال ﷺ : "من مات يُشرك

стр. 1487

بالله شيئًا دخل النار"، وصحّ أنه ليس ثَمَّ منزل ثالث، سوى الجنّة والنار، وتميّز بهذا اللفظ نازل أحدهما، بَقِي الصنف المخالف له للأخرى، فكيف، وقد جاء بنصّه بعد هذا عن النبيّ ﷺ في حديث جابر ﵁، وجاءت النصوص، والظواهر البيّنة، وإجماع أهل السنّة على صحّة ذلك. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنّ القول بدليل الخطاب هنا ليس ببعيد؛ لأن المراد دليل الخطاب الذي تُعَيِّن المرادَ منه هنا الأدلّةُ الأخرى، كما أبداها القاضي نفسه في وجه صحة قول ابن مسعود، ففي الحقيقة لا اختلاف بين ما قاله القاضي، وما سبق عن القرطبيّ، فتأمّله بإنصاف، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: روى الإمام أحمد هذا الحديث في "مسنده" وفي آخره زيادة، ولفظه: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من جعل لله نِدًّا جعله الله في النار"، وقال: وأخرى أقولها، لم أسمعها منه: "من مات لا يجعل لله نِدًّا أدخله الله الجنة، وإن هذه الصلوات كفاراتٌ لما بينهنّ، ما اجتنب المقتل". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٤٢/ ٢٧٥] (٩٢)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٣٨)، و"التفسير" (٤٤٩٧)، و"الأيمان والنذور" (٦٦٨٣)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٧٤ و ٣٨٢ و ٤٠٢ و ٤٠٧ و ٤٢٥ و ٤٤٣ و ٤٦٢ و ٤٦٤)، و (النسائي) في "التفسير" من

стр. 1488

"الكبرى" (١٠٩٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٠)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٦٦ و ٦٧ و ٦٨ و ٦٩ و ٧٠ و ٧١ و ٧٢ و ٧٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن من مات يشرك بالله تعالى شيئًا دخل النار، ومن مات لا يشرك به شيئًا دخل الجنّة، فالإيمان سبب في دخول الجنّة، وهو وجه المطابقة في إيراده في "كتاب الإيمان". ٢ - (منها): أن فيه دلالة على أن ابن مسعود ﵁ كان يقول بدليل الخطاب، ويحتمل أن يكون أخذه من ضرورة انحصار الجزاء في الجنة والنار، كما سبق تحقيقه. ٣ - (ومنها): أن فيه إطلاق الكلمة على الكلام، حيث قال ابن مسعود ﵁ كما في رواية: "كلمتان سمعت إحداهما من رسول الله ﷺ ، والأخرى أنا أقولها" … ثم ذكره، وإطلاق الكلمة على الكلام كثير شائع في كلام العرب، فقد وقع في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، وقولهم: "لا إله إلا الله" كلمة "الإخلاص"، وقوله ﷺ : "أصدق كلمة قالها شاعر" كلمة لبيد: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ (١) وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في "الخلاصة" حيث قال: وَاحِدُهُ كَلِمَةٌ وَالْقَوْلُ عَمْ … وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمْ ٤ - (ومنها): أن حكمه ﷺ بدخول النار على من مات يُشرك بالله شيئًا

стр. 1489

في هذا الحديث، وبدخول من مات لا يُشرك بالله شيئًا الجنة في حديث جابر ﵁ الآتي، مما أجمع عليه المسلمون. فأما دخول المشرك النار فهو على عمومه، فيدخلها، ويُخَلَّد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابيّ اليهوديّ والنصرانيّ وبين عَبَدَة الأوثان، وسائر الكَفَرَة، ولا فرق عند أهل الحقّ بين الكافر عنادًا وغيره، ولا بين مَن خالف ملةَ الإسلام، وبين مَن انتسب إليها، ثم حُكِم بكفره بِجَحْده ما يَكْفُر بجحده، وغير ذلك. وأما دخول من مات غير مشرك الجنة، فهو مقطوع له به، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة، مات مُصِرًّا عليها، دَخَل الجنة أَوّلًا، وإن كان صاحب كبيرة مات مُصِرًّا عليها، فهو تحت المشيئة، فإن عَفَا الله تعالى عنه دَخَل أوّلًا، وإلا عُذِّب ثم أُخرِج من النار، وخُلِّد في الجنة (١). اللهم اجعلنا من أهل الجنّة، ولا تجعلنا من أهل النار بفضلك وجودك وكرمك، يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٦] (٩٣) - (وَحَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أتى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: "مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل باب. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تَقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.

стр. 1490

٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران المذكور في السند الماضي. ٥ - (أَبُو سُفْيَانَ) هو: طلحة بن نافع الواسطيّ الإِسْكَافُ، نزيل مكّة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٦ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، ﵄، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وله فيه شيخان، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه أبا بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وأبي سفيان، فواسطيّ، ثم مكيّ. (ومنها): أن أبا معاية أحفظ من روى عن الأعمش، فهو المقدّم من أصحابه، إلا أن يكون الثوريّ، فإنه إمام مقدّم في شيوخه كلّهم. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي سفيان. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، فقد روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) ﵁ أنه (قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ) وفي رواية أبي عوانة من طريق مالك بن سعيد، عن الأعمش: "جاء أعرابيّ إلى النبيّ ﷺ "، ولا يعرف

стр. 1491

اسم الرجل، كما قاله صاحب "تنبيه المعلم" (١). (فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟) قال الحافظ أبو نعيم رحمه الله تعالى في "مستخرجه": "الموجبتان": الخصلتان اللتان توجبان الجنة والنار. انتهى (٢). و"ما" استفهاميّة مبتدأ خبرها ما بعدها، ويجوز العكس، أي ما هما الخصلتان اللتان توجبان دخول الجنة، ودخول النار؟، وفيه أن التوحيد موجب لدخول الجنّة، والشرك موجب لدخول النار. قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى بعد ذكر نحو ما ذكره الحافظ أبو نُعيم في معنى الموجبتين، ما نصّه: والوجوب في ذلك واقعٌ بالإضافة إلى العبد، لا بالإضافة إلى الله، تعالى الله عن ذلك. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الوجوب المنسوب إلى الله تعالى هنا نظير الحقّ المنسوب إليه في حديث معاذ ﵁ حيث قال له النبيّ ﷺ : "أتدري ما حق الله على العباد؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا"، "أتدري ما حقهم عليه؟ " قال: "الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم" (٤)، فالواجب هو ما أوجبه على نفسه لعباده فضلًا منه وكرمًا، لا أنه يجب عليه شيء، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) ﷺ ("مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ") قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: إن من مات لا يتّخذ مع الله شريكًا في الإلهيّة، ولا في الْخَلْق، ولا في العبادة، فلا بُدّ من دخوله الجنّة، وإن جرت عليه قبل ذلك أنواعٌ من العذاب والمحنة، وأن من مات على الشرك لا يدخل الجنّة، ولا يناله من الله تعالى رحمةٌ، ويُخلّد في النار أبد

стр. 1492

الآباد من غير انقطاع عذاب، ولا تصرّم آباد، وهذا معلوم ضروريّ من الدين، مُجمَعٌ عليه بين المسلمين. انتهى (١). [تنبيه]: حديث جابر ﵁ هذا أورده المصنّف مختصرًا، وهو حديث مطوّل، وقد ساقه الإمام أحمد، وغيره مطوّلًا، ونصه في "مسند أحمد": (١٤٦٧٥) - حدثنا النضر بن إسماعيل، أبو المغيرة، حدثنا ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أتى النبيّ ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله، أيُّ الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت"، قال: يا رسول الله، وأيُّ الجهاد أفضل؟ قال: "مَن عُقِر جَوَاده، وأُريق دمه"، قال: يا رسول الله، أيُّ الهجرة أفضل؟ قال: "مَن هَجَر ما كَرِهَ الله "، قال: يا رسول الله، فأيُّ المسلمين أفضل؟ قال: "مَن سَلِم المسلمون من لسانه ويده"، قال: يا رسول الله، فما الموجبتان؟ قال: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٤٢/ ٢٧٦ و ٢٧٧ و ٢٧٨] (٩٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٢٥ و ٣٤٦ و ٣٧٤ و ٣٩١ و ٣٩٢)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٠٦٠ و ١٠٦٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣١ و ٣٢ و ٣٣ و ٣٤)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٦٧ و ٢٦٨ و ٢٦٩). وأما فوائد الحديث فقد تقدّمت في شرح حديث عبد الله بن مسعود ﵁ الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1493

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٧] ( … ) - (وَحَدَّثَني أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ الله، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، قَالَا: حَدَّثنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثنَا قُرَّةُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، حَدَّثنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ"، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمرو بن جابر المازنيّ البصريّ، ثقةٌ (١) [١١] (ت ٢٤٦) (م س) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٣٠. ٢ - (حَجَّاجُ بْن الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن الحجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقة حافظ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠. [تنبيه]: "الْغَيْلانيّ" - بفتح الغين المعجمة، وسكون التحتانيّة -: نسبة إلى غَيْلان، اسم لبعض أجداده، قاله في "الأنساب" ٤/ ٣٠، و"اللباب" ٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) الْقَيسيّ، أبو عامر الْعَقَديّ - بفتحتين - ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١. ٤ - (قُرَّةُ) بن خالد السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ضابطٌ [٦] (ت ١٥٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٦. ٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. وجابرٌ ﵁ تقدّم في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، وبيان مسألتيه. وقوله: (قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابِرٍ) معناه: أن شيخيه: أبا أيوب سليمان بن عبيد الله، وحَجّاجًا اختلفا في عبارة أبي الزبير، عن جابر، فقال أبو أيوب: "عن جابر"، وقال حجاج: "حدثنا جابر"، فأما "حدثنا" فصريحة في الاتصال، وأما "عن"، فمخْتَلَفٌ فيها، فالجمهور على أنها

стр. 1494

للاتصال، كـ"حدّثنا"، ومن العلماء من قال: هي للانقطاع، ويجيء فيها ما قدّمناه في الاختلاف الواقع بين عبد الله بن نُمير، وبين وكيع قبل حديث، إلا أن هذا على هذا المذهب يكون مرسل تابعيّ، نبّه عليه النوويّ رحمه الله تعالى (١). ومن لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه للمصنّف شيخان قرن بينهما، وأنه مسلسل بالبصريين إلى أبي الزبير، فمكيّ، وغير شيخه حجاج، فبغداديّ، وأما جابر ﵁، فمدنيّ، وقد سكن مكة أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنى أَبِي، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ، بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٢ - (مُعَاذ) بن هشام بن أبي عبد الله الدَّسْتُوَائيّ البصريّ، وقد سَكَن اليمن، صدوقٌ ربما وَهِمَ [٩] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هو: هِشَام بن أبي عبد الله سَنْبَر، أبو بكر البصريّ الدَّسْتُوَائيُّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وله (٧٨) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ) قد تقدّم البحث عن فائدة زيادة لفظ "وهو" قبل باب، فلا تكن من الغافلين. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث قرّة عن أبي الزبير الماضي. [تنبيه]: رواية هشام هذه أخرجها الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "مسنده"، فقال: (١٣٩٦٤) حدثنا أبو عُبيدة الحدّاد، حدثنا هشام، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك به دخل النار".

стр. 1495

وأخرجها أيضًا أبو عوانة في "مسنده"، (١/ ٢٨)، فقال: (٣٤) حدثنا الدَّندَانيّ، واسمه موسى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام الدستوائى، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبيّ ﷺ قال: "مَن لَقِيَ الله لا يشرك به شيئًا أدخله الجنة، ومن لقيه يُشرك به أدخله النار"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٩] (٩٤) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَب، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُويدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇، فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ، لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، دَخَلَ الْجَنَّةَ"، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: "وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ المعروف بالزّمِن المذكور في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار المعروف ببندار المذكور في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدر المذكور قبل باب. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور المذكور في الباب الماضي. ٥ - (وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ) هو: واصل بن حيّان الأحدب الأسديّ الكوفيّ، بيّاع السّابِريّ (١) - بمهملة، وموحّدة - ثقةٌ ثبتٌ [٦]. رَوَى عن أبي وائل، وشُريح القاضي، والمعرور بن سُويد، وإبراهيم النخعيّ، وقَبيصة بن بُرْمة، وعبد الله بن أبي الْهُذيل، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو إسحاق الشيبانيّ، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر، وجرير بن حازم، ومغيرة بن مِقْسم، ومِسْعر، ومَهْديّ بن ميمون، والثوريّ، وشعبة، وآخرون. قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن معين في رواية

стр. 1496

أخرى: ثبتٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، صالح الحديث، وقال العجليّ، ويعقوب بن سفيان، وأبو بكر البزار: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال أبو نعيم: مات سنة عشرين ومائة، وقال ابن حبان: مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقال خليفة: مات في ولاية مَرْوان بن محمد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط: هذا الحديث، وحديث (١٠٥): "لا يدخل الجنة نمام"، و (٢٨٨): "كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ … "، و (٣٧٢): "إن المسلم لا ينجس"، و (٨٢٢): "سمعنا القرائن، وإني لأحفظ القرائن … "، و (٨٦٩): "إن طول صلاة الرجل … "، و (١٦٦١): "إنك امرؤ فيك جاهليّة … "، و (٢٣٨٣): "لو كنت متّخذًا من أهل الأرض خليلًا … ". ٦ - (الْمَعْرُورُ بْنُ سُوَيْدٍ) الأسديّ، أبو أُميّة الكوفيّ، ثقةٌ [٢]. رَوَى عن عُمَر، وأبي ذرّ، وابن مسعود، وخُريم بن فاتك، وأم سلمة. ورَوى عنه واصل الأحدب، وسالم بن أبي الجعد، والأعمش، والمغيرة بن عبد الله الْيَشْكُريّ، وعاصم بن بَهْدلة، وبكر بن الأخنس، وجَوّاب التيميّ، وإسماعيل بن رجاء الزُّبَيديّ. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو حاتم، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ من أصحاب عبد الله، وقال ابن مَهْديّ، عن شعبة، عن واصل: كان المعرور يقول لنا: تَعَلَّمُوا مني يا بَنِي أخي، وكان كثير الحديث، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، وقال الأعمش: رأيته وهو ابن عشرين ومائة سنة أسود الرأس واللحية (١)، وذكره ابن حبان في "الثقات". وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (١٩٠): "إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولًا الجنة … "، و (٩٩٠): "هم الأكثرون أموالًا … "، و (١٦٦١): "إنك امرؤ فيك جاهليّة … "، وأعاده بعده، و (٢٦٦٣): "قد سألتِ الله لآجال مضروبة … "، وأعاده بعده، و (٢٦٨٧) "من جاء بالحسنة، فله عشر أمثالها … ".

стр. 1497

٧ - (أَبُو ذَرٍّ) الغِفَاريّ، واسمه جُندب بن جُنادة على الأصحّ الصحابيّ الشهير ﵁، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه له شيخان قرن بينهما، وفيه من صِيَغ الأداء: التحديث، والعنعنة، والسماع. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخيه من مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، كما مرّ قريبًا. ٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، ونصفه الثاني مسلسل بالكوفيين. ٥ - (ومنها): أن معرورًا من طُرَفِهِ ما سبق آنفًا من قول الأعمش: رأيته وهو ابن (١٢٠) سنة أسود الرأس واللحية. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مناقب جمّة، فإنه من السابقين الأولين في الإسلام، وإن تأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، يقال: إنه قال: أنا رابع أربعة، ويقال: خامس خمسة، أسلم بمكة، ثم رجع إلى بلده، وحديث إسلامه، وإقامته بماء زمزم مشهور في "الصحيحين"، فمناقبه أكثر من أن تُحصَى، وأخبار زهادته، ورفضه الدنيا أشهر من أن يُسْتَقْصَى، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْمَعْرُورِ) بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وبراء مهملة مكرّرة (بْنِ سُويدٍ) بضمّ المهملة، مصغّرًا، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ) ﵁ (يُحَدِّثُ) جملة في محلّ نصب على الحال، وعلى قول من يقول: إن سمع من أخوات "ظنّ" فالجملة في محلّ نصب مفعول ثان له (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ هكذا صرّح في هذه الرواية بأنه جبريل ﵇، ووقع في رواية للبخاريّ في "الجنائز" بلفظ: "أتاني آت"، وزاد الإسماعيليّ من طريق مهدي في أوله قصةً، قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في مَسِير له، فلما كان في بعض

стр. 1498

الليل تَنَحَّى، فَلَبِثَ طويلًا، ثم أتانا، فقال … " فذكر الحديث (فَبَشَّرَنِي) وفي رواية: "فأخبرني" (أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ) أي من أمة الإجابة، ويحتمل أن يكون أعمّ من ذلك، أي أمة الدعوة، وهو مُتَّجِهٌ (لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معناه بحكم أصل الوضع: أن لا يتّخِذ معه شريكًا في الألوهيّة، ولا في الخلق، كما قدّمناه، لكن هذا القول صار بحكم العرف عبارةً عن الإيمان الشرعي، ألا ترى أنّ من وحّد الله تعالى، ولم يؤمن بالنبيّ ﷺ لن ينفعه إيمانه بالله تعالى، ولا توحيده، وكان من الكافرين بالإجماع القطعيّ؟. انتهى (١). (دَخَلَ الْجَنَّةَ") أي صار إليها إما ابتداءً من أول الحال، وإما بعد أن يقع ما يقع عليه من العقاب، قاله العينيّ رحمه الله تعالى (٢). وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: فيه إشارة إلى أن عاقبته دخول الجنّة، وإن كان له ذنوب جمّة، أو ترك من الأركان شيئًا، لكن أمره إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنّة، وإن شاء عذّبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنّة بفضله. انتهى (٣). (قُلْتُ) القائل هو أبو ذرّ ﵁، وفي رواية الترمذيّ: قال أبو ذرّ: يا رسول الله … وقال في "الفتح": ويمكن أن يكون النبيّ ﷺ قاله مُسْتوضحًا، وأبو ذرّ قاله مُستبْعِدًا، وقد جَمَع بينهما في "الرقاق" من طريق زيد بن وهب، عن أبي ذَرّ ﵁. انتهى (٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث الذي أشار إليه الحافظ بأنه جمع بين قولي النبيّ ﷺ وأبي ذرّ ﵁: "وإن زنى، وإن سرق"، هو ما أخرجه البخاريّ في "كتاب الرقاق" من "صحيحه"، وسيأتي لمسلم أيضًا في "كتاب الزكاة"، قال البخاريّ رحمه الله تعالى: (٦٤٤٣) حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذرّ ﵁ قال: خرجت ليلةً من الليالي، فإذا

стр. 1499

رسول الله ﷺ يمشي وحده، وليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يَكْرَه أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظلّ القمر، فالتفت فرآني، فقال: "من هذا؟ " قلت: أبو ذرّ - جعلني الله فداءك - قال: "يا أبا ذرّ تعالَ"، قإل: فمشيت معه ساعةً، فقال: "إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه الله خيرًا، فنَفَحَ فيه يمينَهُ وشمالَهُ، وبين يديه، ووراءه، وعَمِلَ فيه خيرًا"، قال: فمشيت معه ساعةً، فقال لي: "اجلس ها هنا"، قال: فأجلسني في قاعٍ حوله حجارةٌ، فقال لي: "اجلس ها هنا حتى أرجع إليك"، قال: فانطلق في الحرَّة حتى لا أراه، فَلَبِثَ عني، فأطال اللُّبْث، ثم إني سمعته، وهو مُقبل، وهو يقول: "وإن سَرَق، وإن زنى"، قال: فلما جاء لم أصبر حتى قلت: يا نبي الله - جعلني الله فداءك - مَن تُكَلّم في جانب الحرّة؟ ما سمعت أحدًا يَرْجِعُ إليك شيئًا، قال: "ذلك جبريل ﵇ عَرَضَ لي في جانب الحرة، قال: بَشِّر أمتك، أنه من مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قلت: يا جبريل، وإن سَرَق، وإن زنى؟ قال: نعم، قال: قلت: وإن سَرَق وإن زنى؟ قال: نعم، وإن شَرِب الخمر". انتهى. (وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟) قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: حرف الاستفهام فيه مقدّر، وتقديره، أيدخل الجنّة وإن زنى وإن سرق؟، والشرط حال. [فإن قلت]: ليس في الجواب استفهام، فيلزم منه أن من لم يسرق، ولم يَزن لم يدخل الجنّة؛ إذ انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط. [قلت]: هو من باب "نعم العبد صُهيب، لو لم يَخَفِ الله لم يَعْصِه"، والحكم في المسكوت عنه ثابتٌ بالطريق الأولى. انتهى (١). (قَالَ) ﷺ ("وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ") قال الزين ابن الْمُنِّير رحمه الله تعالى: حديث أبي ذرّ ﵁ من أحاديث الرجاء التي أفضى الاتّكال عليها ببعض الْجَهَلَة إلى الإقدام على الموبقات، وليس هو على ظاهره، فإن القواعد استقرّت على أن حقوق الآدميين لا تَسقُط بمجرد الموت على الإيمان، ولكن لا يَلزم من عدم سقوطها أن لا يتكفل الله بها عمن يريد أن يُدخله الجنة، ومن ثَمَّ رَدّ ﷺ على أبي ذر ﵁ استبعاده.

стр. 1500

ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "دخل الجنة" أي صار إليها، إما ابتداءً من أول الحال، وإما بعد أن يَقع ما يقع من العذاب - نسأل الله العفو والعافية - (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذَرّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٤٢/ ٢٧٩ و ٢٨٠] (٩٤)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٣٧ و ١٤٠٨)، و"الاستقراض" (٢٣٨٨)، و"بدء الخلق" (٣٢٢٢)، و"اللباس" (٥٨٢٧)، و"الاستئذان" (٦٢٦٨)، و"الرقاق" (٦٤٤٣ و ٦٤٤٤ و ٧٤٨٧)، و (أبو داود) (٢٦٤٦)، و (الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٤٤)، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (١١١٦ و ١١١٧ و ١١١٨ و ١١١٩ و ١١٢٠)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٤٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٦١ و ١٥٢ و ١٥٩ و ١٦١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٥ و ٣٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٧٠ و ٢٧١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٩ و ١٧٠ و ١٩٥ و ٢١٣)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٧٨ و ٨٠ و ٨١ و ٨٢ و ٨٤ و ٨٥ و ٨٦ و ٨٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٥١ و ٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنّة. ٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الكبائر لا تسلُب اسم الإيمان، فإن غير المؤمن لا يدخل الجنّة، وأن أربابها من المؤمنين لا يخلّدون في النار. ٣ - (ومنها): أنه إنما ذكر من الكبائر نوعين فقط؛ إشارةً إلى أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: حقّ لله تعالى، وأشار إليه بالزنا، وحقٌّ للعباد، وأشار إليه بالسرقة.

стр. 1501

٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: الحديث دليل على شدّة تهمّم النبيّ ﷺ بأمر أمته، وتعلّق قلبه بما يُنجيهم، وخوفه عليهم، ولذلك سكّن جبريل ﵇ قلبه بهذه البشرى، وهذا نحو حديث عمرو بن العاص ﵄ الآتي قريبًا الذي قال فيه: إن النبيّ ﷺ تلا قول إبراهيم ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، فرفع النبيّ ﷺ يديه، وبكى، وقال: "ربّ أمتي أمتي"، فنزل جبريل، فقال له مخبرًا عن الله تعالى: إن الله سيُرضيك في أمتك، ولا يسوؤك، رواه مسلم، وهذا منه ﷺ مُقتضى ما جَبَلَه الله تعالى عليه من الْخُلُق الكريم، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١). ٥ - (ومنها): أن أصحاب الكبائر لا يُخَلَّدون في النار، وأن الكبائر لا تَسلُب اسم الإيمان، وأن غير الموحدين لا يدخلون الجنة، والحكمة في الاقتصار على الزنا والسرقة الإشارة إلى جنس حقّ الله تعالى، وحقّ العباد، وكأن أبا ذرّ ﵁ استحضر قوله ﵃: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن"؛ لأن ظاهره مُعارض لظاهر هذا الخبر، لكن الجمع بينهما على قواعد أهل السنة بحمل هذا على الإيمان الكامل، وبحمل حديث الباب على عدم التخليد في النار. ٦ - (ومنها): أن بعض أهل العلم قال: إن هذا الحديث وأمثاله محمول على ما قبل نزول الفرائض، والأوامر والنواهي، قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى بعد أن أخرج الحديث، ما نصّه: هذا عند الموت، أو قبله إذا تاب، ونَدِمَ، وقال: "لا إله إلا الله" غفر له. انتهى. ٧ - (ومنها): أن فيه المراجعة في العلم بما تقرَّر عند الطالب في مقابلة ما يَسمَعُه مما يخالف ذلك؛ لأنه تقرَّر عند أبي ذرّ ﵁ من الآيات، والآثار الواردة في وعيد أهل الكبائر بالنار وبالعذاب، فلَمّا سَمِع أنَّ مَن مات لا يُشرك بالله تعالى دخل الجنة، استَفْهَم عن ذلك بقوله: "وإن زَنَى، وان سَرَقَ"،

стр. 1502

واقتصر على هاتين الكبيرتين؛ لأنهما كالمثالين فيما يتعلق بحقّ الله تعالى وحق العباد، وأما قوله في الرواية الأخرى: "وإن شَرِب الخمر"، فللإشارة إلى فُحْش تلك الكبيرة؛ لأنها تؤدي إلى خَلَل العقل الذي شُرِّف به الإنسان على البهائم، وبوقوع الخلل فيه قد يزول التوقي الذي يَحْجُز عن ارتكاب بقية الكبائر. ٨ - (ومنها): أن فيه أن الطالب إذا أَلَحَّ في المراجعة، يُزْجَرُ بما من يليق به؛ أخذًا من قوله ﷺ : "وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذرّ". قال في "الفتح" يريد شرح قوله: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة": وحاصل ما أشار إليه أن الحديث محمول على مَن وَحَّد ربه، ومات على ذلك تائبًا من الذنوب التي أشير إليها في الحديث، فإنه موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداءً، وهذا في حقوق الله باتفاق أهل السنة، وأما حقوق العباد فيشترط ردُّها عند الأكثر، وقيل: بل هو كالأول، ويُثيب الله صاحبَ الحق بما شاء، وأما مَن تلبّس بالذنوب المذكورة، ومات من غير توبة، فظاهر الحديث أنه أيضًا داخل في ذلك، لكن مذهب أهل السنة أنه في مشيئة الله تعالى، ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت ﵁ الماضي، فإن فيه: "ومن أتى شيئًا من ذلك، فلم يعاقَب به، فأمره إلى الله تعالى، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه"، وهذا الْمُفَسَّر مقدَّم على المبهم، وكلٌّ منهما يَرُدُّ على المبتدعة من الخوارج، ومن المعتزلة الذين يَدَّعون وجوب خلود من مات من مرتكبي الكبائر من غير توبة في النار - أعاذنا الله من ذلك بمنّه وكرمه -. ونقل ابن التين عن الداوديّ أن كلام البخاري خلاف ظاهر الحديث، فإنه لو كانت التوبة مشترطة، لم يقل: "وإن زَنَى، وإن سرق"، قال: وإنما المراد أنه يدخل الجنة إما ابتداءً، وإما بعد ذلك، والله تعالى أعلم. انتهى (١). وقال في موضع آخر من "الفتح": وقد حمله البخاريّ كما مضى في "اللباس" على من تاب عند الموت، وحمله غيره على أن المراد بدخول الجنة أعمّ من أن يكون ابتداءً، أو بعد المجازاة على المعصية، والأول هو وَفْقَ ما

стр. 1503

فَهِمه أبو ذَرّ ﵁، والثاني أولى للجمع بين الأدلة، ففي الحديث حجةٌ لأهل السنة، ورَدٌّ على مَن زَعَم من الخوارج والمعتزلة أن صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة يُخَلَّد في النار، لكن في الاستدلال به لذلك نظر؛ لِمَا مَرّ من سياق كعب بن ذُهْل عن أبي الدرداء: أنّ ذلك في حقّ مَنْ عَمِل سوءًا، أو ظلم نفسه، ثم استغفر، وسنده جيد عند الطبرانيّ. وحمله بعضهم على ظاهره، وخَصَّ به هذه الأمة؛ لقوله فيه: "بَشِّر أمتك"، و"أن من مات من أمتي". وتعقب بالأخبار الصحيحة الواردة في أن بعض عُصَاة هذه الأمة يُعَذَّبون، ففي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁: "المفلس من أمتي … " الحديث، وفيه تَعَقُّب على من تأوّل في الأحاديث الواردة في أن "مَن شَهِد أن لا إله إلا الله دخل الجنة"، وفي بعضها: "حُرّم على النار" أن ذلك كان قبل نزول الفرائض، والأمر والنهي، وهو مرويّ عن سعيد بن المسيب، والزهريّ. ووجه التعقب ذكر الزنا والسرقة فيه، فذُكِر على خلاف هذا التأويل. وحَمَله الحسن البصريّ على من قال الكلمة، وأَدَّى حقَّها بأداء ما وَجَب، واجتناب ما نُهِي، ورجحه الطيبيّ إلا أن هذا الحديث يَخدِشُ فيه، وأشكل الأحاديث وأصعبها قوله: "لا يَلْقَى الله بهما غير شاكّ فيهما، إلا دخل الجنة"، وفي آخره: "وإن زَنَى، وإن سَرَقَ". وقيل: أشكلها حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم بلفظ: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، إلا حَرَّمه الله على النار"؛ لأنه أَتَى فيه بأداة الحصر، و"مِن" الاستغراقية، وصرح بتحريم النار، بخلاف قوله: "دَخَل الجنّة"، فإنه لا ينفي دخول النار أوّلًا. قال الطيبيّ: لكن الأول يترجح بقوله: "وإن زَنَى، وإن سَرَق"؛ لأنه شَرْطٌ لمجرد التأكيد، ولا سيما وقد كَرَّره ثلاثًا مبالغةً، وخَتَم بقوله: "وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذرّ"؛ تتميمًا للمبالغة، والحديث الآخر مُطْلَقٌ يَقبل التقييد، فلا يقاوم قوله: "وإن زنى، وإن سَرَق". وقال النوويّ بعد أن ذكر المتون في ذلك، والاختلاف في هذا الحكم: مذهب أهل السنة بأجمعهم أن أهل الذنوب في المشيئة، وأن من مات موقنًا

стр. 1504

بالشهادتين يدخل الجنة، فإن كان دَيِّنًا أو سليمًا من المعاصي دخل الجنة برحمة الله، وحُرِّم على النار، وإن كان من المخلطين بتضييع الأوامر أو بعضها، وارتكاب النواهي أو بعضها، ومات من غير توبة فهو في خَطَر المشيئة، وهو بصَدَد أن يَمضي عليه الوعيد، إلا أن يشاء الله أن يعفو عنه، فإن شاء أن يعذبه، فمصيره إلى الجنة بالشفاعة. انتهى. وعلى هذا فتقييد اللفظ الأول تقديره: "وإن زَنى وإن سَرَق" دخل الجنة، لكنه قبل ذلك إن مات مُصِرًّا على المعصية في مشيئة الله، وتقدير الثاني: "حَرَّمه الله على النار" إلا أن يشاء الله، أو حرمه على نار الخلود، والله تعالى أعلم (١). [فائدة]: قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قال بعض المحققين: قد يتخذ من أمثال هذه الأحاديث الْمُبطلة والْمُلاحيّة ذريعةً إلى طرح التكاليف، ودفع الأحكام، وإبطال العمل معتقدين بأنّ الشهادة وعدم الشرك كافٍ، وربّما يتمسّك بها المرجئة، وهذا الاعتقاد يستلزم طَيَّ بساط الشريعة، وإبطال الحدود، والزواجر السمعيّة، ويوجب أن يكون التكليف بالترغيب في الطاعات، والتحذير عن المعاصي والجنايات غير متضمّن طائلًا، وبالأصل باطلًا، بل يقتضي الانخلاع عن رِبْقة الدين والملّة، والانسلال عن قيد الشريعة والسنّة، والخروج عن الضبط، والولوج في الخبط، وترك الناس سُدًى مُهْمَلين، يموج بعضهم في بعض، مُعَطَّلين من غير مانع، ولا دافع، وذلك يُفضي إلى خَرَاب الدنيا، بعد أن أفضَى إلى خراب العُقْبى، والْمُشَبِّث بهذا الحديث، ونظيره ساقطٌ، وعن معارج القدس إلى حضيض النفس لاقط، مع أن قوله في بعض طرق الحديث: "أن يعبدوه" يتضمن جميع أنواع التكاليف الشرعية، وقوله: "ولا يشركوا به شيئًا" يَشْمَل كلا قسمي الشرك: الجلي والخفي. فلا راحة للتمسك به في ترك العمل؛ لأن الأحاديث إذا ثبتت وجب ضَمُّ بعضها إلى بعض، فإنها في حكم الحديث الواحد، فيُحمَل مطلقها على

стр. 1505

مقيدها؛ ليحصل العمل بجميع ما في مضمونها، وبالله التوفيق. انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله تعالى (١) بزيادة من "الفتح" (٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتقرير أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٠] ( … ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِث، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْن الْمُعَلِّمُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ نَائِمٌ، عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَجَلَسْتُ إِلَيْه، فَقَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ"، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: "وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ"، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: "وَإِنْ زَنَى، وَإنْ سَرَقَ" ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: "عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ"، قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ، وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شَدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ) هو: أحمد بن الحسن بن خِرَاش، أبو جعفر البَغداديّ، خُرَاسانيّ الأصل، ثقةٌ (٣) [١١].

стр. 1506

رَوَى عن شَبَابة، وأبي عامر الْعَقَديّ، وابن مهديّ، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وجماعة. ورَوى عنه مسلم، والترمذيّ، وعُبيد العجليّ، وعبد الله بن أحمد، والسرّاج. قال الخطيب: كان ثقةً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال السرّاج: مات سنة (٢٤٣) عن ستين سنة. وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. ٣ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) الْعَنبريّ مولاهم التَّنّوريّ (١)، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢. ٤ - (أَبُوهُ) هو: عبد الوارث بن سعيد بن ذَكْوان الْعَنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التّنُّوريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦. ٥ - (حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ) هو حسين بن ذَكْوان الْمُعَلِّم المكتب الْعَوْذيّ البصريّ، ثقةٌ، ربّما وَهِمَ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٩/ ١٧٩. ٦ - (ابْنُ بُرَيْدَةَ) هو: عبد الله بن بُريدة بن الْحُصَيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ، قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وقيل: (١١٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. ٧ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ) (٢) البصريّ، نزيل مرو وقاضيها، ثقةٌ فصيحٌ، يُرسل [٣] مات قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. ٨ - (أَبُو الْأَسْوَدِ الدِّيلِيُّ) البصريّ، اسمه ظالم بن عَمْرو بن سُفيان، وقيل غير ذلك (٣)، ثقةٌ فاضلٌ، مخضرَمٌ [٢] مات سنة (٦٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤. [تنبيه]: "الدِّيليّ" بكسر المهملة، وسكون التحتانيّة، ويقال: الدُّؤَليّ بالضمّ، بعدها همزة مفتوحة.

стр. 1507

وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": وأما "الدِّيليّ" فكذا وقع هنا بكسر الدال، وإسكان الياء، وقد اختُلِف فيه، فذكر القاضي عياض أن أكثر أهل السنة (١) يقولون فيه، وفي كُلِّ مَن يُنْسَب إلى هذا البطن الذي في كنانة: دِيلِيّ - بكسر الدال، وإسكان الياء - كما ذكرنا، وأن أهل العربية يقولون فيه: الدُّؤَليّ - بضم الدال، وبعدها همزة مفتوحة - وبعضهم يكسرها، وأنكرها النحاة، هذا كلام القاضي. وقد ضَبَطَ الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى هذا، وما يتعلق به ضبطًا حسنًا، وهو معنى ما قاله الإمام أبو عليّ الغسانيّ، قال الشيخ: هو الدِّيليّ، ومنهم من يقول: الدُّؤَليّ على مثال الْجُهَنِيّ، وهو نسبة إلى الدُّئِل - بدال مضمومة، بعدها همزة مكسورة - حَيّ من كنانة، وفَتَحُوا الهمزة في النسب، كما قالوا في النسب إلى نَمِر نَمَريّ - بفتح الميم - قال: وهذا قد حكاه السيرافيّ عن أهل البصرة، قال: ووجدت عن أبي عليّ القاليّ - وهو بالقاف - (٢) في "كتاب البارع" أنه حَكَى ذلك عن الأصمعيّ، وسيبويه، وابن السِّكِّيت، والأخفش، وأبي حاتم، وغيرهم، وأنه حَكَى عن الأصمعيّ، عن عيسى بن عمر أنه كان يقول فيه: أبو الأسود الدُّئِلِيّ - بضم الدال، وكسر الهمزة - على الأصل، وحكاه أيضًا عن يونس وغيره عن العرب، قال: يَدْعُونه في النسب على الأصل، وهو شاذّ في القياس، وذكر السيرافيّ عن أهل الكوفة أنهم يقولون: أبو الأسود الدِّيليّ - بكسر الدال، وياء ساكنة - وهو محكيّ عن الكسائيّ، وأبي عبيد، القاسم بن سلام، وعن صاحب "كتاب العين"، ومحمد بن حَبِيب (٣) كانوا يقولون في هذا الحيّ من كنانة: الدِّيل - بإسكان الياء، وكسر الدال - ويجعلونه مثل الدِّيل الذي هو حيٌّ من عبد القيس، وأما الدُّوْلُ - بضم الدال، وإسكان الواو - فَحَيّ من بني حَنِيفة، والله تعالى أعلم.

стр. 1508

انتهى كلام الشيخ أبي عمرو رحمه الله تعالى (١). وإلى قياس القاعدة في النسب إلى نحو دُئِل، ونَمِر، وإبل أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في "الخلاصة" حيث قال: وَأَوْلِ ذَا الْقَلْبِ انْفِتَاحًا وَفَعِلْ … وَفَعِل عَيْنَهُمَا افْتَحْ وَفِعِلْ وأما الصحابيّ ﵁ فقد تقدّم في السند الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وأن له فيه شيخين، قَرَن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول: ما أخرج له الترمذيّ، والثاني: تفرّد به هو والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه، فبغداديّان، والصحابيّ، فمدنيّ، ثم رَبَذيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره، إلا قوله: "عن ابن بُريدة". ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابنُ بريدة، عن يحيى بن يَعْمُر، عن أبي الأسود الدِّيليّ. ٦ - (ومنها): أن أبا الأسود هو أوّلُ مَن تَكَلَّم في النحو، وولي قضاء البصرة لعليّ بن أبي طالب ﵁، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الإسناد غير "أحمد بن خِرَاش" تقدّم بتمامه في (٢٩/ ٢٢٤) "باب بيان حال إيمان من رَغِب عن أبيه، وهو يَعْلَم"، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) هو عبد الله، أخو سليمان، وكانا توأمين، ويقال: إنهما ماتا في سنة واحدة (أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ) بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه، ويُضمّ (حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ) تقدّم الخلاف في ضبطه (حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا

стр. 1509

ذَرٍّ) ﵁ حَدَّثَهُ، قَالَ أبو ذرّ ﵁ (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ نَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، وقوله: (عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ) حال أيضًا، إما متداخل، أو مترادف، قال الطيبيّ: قال الشارحون: ليس هذا من الزوائد التي لا طائل تحتها، بل قصد الراوي بذلك أن يُقرّر التثبّت والإتقان فيما يرويه في آذان السامعين؛ ليتمكّن في قلوبهم. انتهى (١). وقال في "الفتح": وفائدة وصفه الثوب، وقوله: "أتيته، وهو نائم، ثم أتيته، وقد استيقظ" الإشارة إلى استحضاره القصّة بما فيها؛ ليدلّ ذلك على إتقانه لها. انتهى (٢). (ثُمَّ أَتَيْتُهُ) ﷺ (فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ) "إذا" هي الفجائيّة، أي ففاجأني نومه (ثُمَّ أَتَيْتُهُ، وَقَدِ اسْتَيْقَظَ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَجَلَسْتُ إِلَيْه، فَقَالَ: "مَا) نافيةٌ (مِنْ) زائدة للتوكيد، وقوله: (عَبْدٍ) مبتدأ خبره جملة "إلا دخل الجنّة" (قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ) قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: فيه إشارة إلى الثبات على الإيمان حتى يموت؛ احترازًا عمن ارتدّ، ومات عليه، فحينئذ لا ينفعه إيمانه السابق، قال: "وثُمّ" للتراخي في الرتبة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصّلت: ٣٠]، وقوله ﷺ : "قل: آمنت بالله، ثم استقم"، رواه مسلم. انتهى (٣). (إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ") قال الطيبيّ: الاستثناء مفرّغ، أي ما من عبد آمن، وثبت عليه يكون له حال من الأحوال إلا حال دخول الجنّة. انتهى. قال أبو ذرّ ﵁: (قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟) قال ابن مالك رحمه الله تعالى: حرف الاستفهام في أول الكلام مقدّر، ولا بُدّ من تقديره، وقال غيره: التقدير: أَوَ إن زنى، أَوَ إن سَرَقَ دخل الجنّة، وقال الطيبيّ: أدخل الجنّة، وإن زنى، وإن سَرَق، والشرط حال، ولا يُذكر الجواب مبالغةً وتتميمًا لمعنى الإنكار، قال: وإن زنى، وإن سَرَق.

стр. 1510

قال في "الفتح": ووقع في رواية عبد العزيز بن رُفَيع (١): "قلت: يا جبريل، وإن سَرَقَ، وإن زنى؟ قال: نعم"، وكررها مرتين للأكثر، وثلاثًا للمستملي، وزاد في آخر الثالثة: "وإن شَرِب الخمر"، وكذا وقع التكرار ثلاثًا في رواية أبي الأسود، عن أبي ذرّ في "اللباس"، لكن بتقديم الزنا على السرقة (٢)، كما في رواية الأعمش، ولم يقل: "وإن شرب الخمر"، ولا وقعت في رواية الأعمش، وزاد أبو الأسود: "على رغم أنف أبي ذرّ"، قال: وكان أبو ذر إذا حدث بهذا الحديث يقول: "وإن رَغِمَ أنف أبي ذرّ". انتهى. (قَالَ) ﷺ ("وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ") أي يدخلها، وإن تلبّس بالمعاصي الكبار (قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟، قَالَ) ﷺ ("وَإنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ" ثَلَاثًا) أي كان تكرير أبي ذرّ ﵁ للسؤال، وتكرير النبيّ ﷺ للجواب ثلاث مرّات، قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: أما تكرير أبي ذرّ ﵁، فلاستعظامه شأن الدخول مع مباشرة الكبائر، وتعجّبه منه، وأما تكرير النبيّ ﷺ فللإنكار على استعظامه: أي أتبخل يا أبا ذرّ برحمة الله تعالى؟ فرحمة الله تعالى واسعة على خلقه، وإن كَرِهتَ ذلك، فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، وإنما ذكر من الكبائر نوعين، ولم يقتصر على واحد؛ لأن الذنب إما حقّ الله تعالى، وهو الزنى، أو حقّ العباد، وهو أخذ مالهم بغير حقّ، وفي تكريره أيضًا معنى الاستيعاب والعموم، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]: أي دائمًا. انتهى (٣). قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث فيه حجة لمذهب أهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يُقطَع لهم بالنار، وأنهم إن دخلوها أُخرجوا منها، وخُتِم لهم بالخلود في الجنة، وقد تقدم هذا كله مبسوطًا، والله تعالى أعلم. انتهى (٤). (ثُمَّ قَالَ) ﷺ (فِي) المرّة (الرَّابِعَةِ: "عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ") - بفتح
следующие страницы →