← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

قوله: "فذكرته" ما يدُلّ على أنه قاله ابتداءً قبل تقدُّم علم النبيّ ﷺ به، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ (١). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَقَتَلْتَهُ؟ ") قال ابن التين رحمه الله تعالى: في هذا اللَّوْم تعليم، وإبلاع في الموعظة حتى لا يُقْدِم أحدٌ على قتل مَن تلفظ بالتوحيد. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: في تكراره القول إنكار شديد، وزجرٌ وَكِيدٌ، وإعراضٌ عن قبول عذر أسامة الذي أبداه بقوله: "إنما قالها خوفًا من السلاح". انتهى. (قَالَ) أسامة (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّمَا قَالَهَا) أي كلمة التوحيد (خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ) وفي رواية حصين الآتية: "إنما كان مُتَعَوِّذًا"، وفي رواية ابن أبي عاصم من وجه آخر، عن أسامة: "إنما فَعَلَ ذلك لِيَحْرِز دمه". (قَالَ) ﷺ ("أفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِه، حَتَّى تَعْلَمَ أَقالَهَا أَمْ لَا؟ ") قال النوويّ رحمه الله تعالى: الفاعل في قوله: "أقالها؟ " هو القلب، ومعناه: أنك إنما كُلِّفتَ بالعمل بالظاهر، وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه، فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان، وقال: "أفلا شققت عن قلبه"؛ لتنظر هل قالها القلبُ، واعتقدها، وكانت فيه، أم لم تكن فيه، بل جَرَت على اللسان فحسبُ؟، يعني: وأنت لست بقادر على هذا، فاقتصر على اللسان فحسبُ، يعني: ولا تطلب غيره. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (٢). (فَمَا زَالَ) ﷺ (يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ) أي يُعِيد مقالته المذكورة، وقال القرطبيّ: قوله: "يكرّرها": أي كلمة الإنكار، وظاهر هذه الرواية: أن الذي كرّر عليه إنما هو قوله: "أفلا شَقَقتَ عن قلبه، حتى تعلم أقالها أم لا؟ "، وفي الرواية الأخرى: أن الذي كرّره عليه إنما هو قوله: "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ "، ووجه التوفيق بينهما أن يكون النبيّ ﷺ كرّر الكلمتين

стр. 1542

معًا، غير أن بعض الرواة ذكر إحدى الكلمتين، وذكر آخر الأخرى. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويحتمل أن يكون بعض الرواة رواه بالمعنى، والله تعالى أعلم. (حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ) أي أن إسلامي كان ذلك اليوم؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فتمنى أن يكون ذلك الوقت أَوّلَ دخوله في الإسلام؛ ليأمن من جَرِيرة تلك الْفَعْلة، ولم يُرد أنه تَمَنَّى أن لا يكون مسلمًا قبل ذلك. وقال الخطابي: لعل أسامة تأوّل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]، ولذلك عَذَره النبيّ ﷺ ، فلم يُلزِمه ديةً ولا غيرها. قال الحافظ: كأنه حَمَل نفي النفع على عمومه دنيا وأخرى، وليس ذلك المراد، والفرق بين المقامين أنه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعًا مقيدًا، بأن يَجِبَ الكَفُّ عنه حتى يُخْتَبَر أمره، هل قال ذلك خالصًا من قلبه، أو خشيةً من القتل؟، وهذا بخلاف ما لو هَجَم عليه الموتُ، ووَصَلَ خروج الروح إلى الغرغرة، وانكشف الغطاء، فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة، وهو المراد من الآية. انتهى. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وإنما تمنّى أسامة أن يتأخّر إسلامه إلى يوم المعاتبة ليسلم من تلك الجناية السابقة، وكأنه استصغر ما كان منه من الإسلام، والعمل الصالح قبل ذلك في جنب ما ارتكبه من تلك الجناية؛ لِمَا حَصَلَ في نفسه من شدّة إنكار النبيّ ﷺ لذلك وعِظَمه. [فإن قيل]: إذا استحال أن يكون قتل أسامة لذلك الرجل عمدًا؛ لما ذكرتم، وثَبَتَ أنه خطأ، فلِمَ لم تلزمه الكفّارة، والعاقلةَ الديةُ؟. [فالجواب]: أن ذلك مسكوت عنه، وغير منقول شيءٌ منه في الحديث، ولا في شيء من طرقه، فيَحْتَمِلُ أن يكون النبيّ ﷺ حَكَمَ بلزوم ذلك أسامة وعاقلته، ولم يُنقَل، وفيه بُعدٌ؛ إذ لو وقع شيء من ذلك لنُقِل في طريق من الطرق، مع أن العادة تقتضي التحديث بذلك والإشاعة، ويحتمل أن يقال: إن ذلك كان قبل نزول حكم الكفّارة والدية، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ (٢).

стр. 1543

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (قَالَ) أي أبو ظبيان (فَقَالَ سَعْدٌ) أي ابن أبي وقّاص ﵁ (وَأَنَا وَاللهِ لَا أَقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ) - بضم الباء - تصغير بَطْن، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قيل لأسامة: ذو الْبُطَين؛ لأنه كان له بطن عظيم. انتهى. وقوله: (- يَعْنِي أُسَامَةَ -) العناية من أحد الرواة، المصنّف، أو من فوقه، يعني بقوله: "ذو البطين": أسامة بن زيد صاحب القصّة هنا. (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه أبو ظبيان (قَالَ رَجُلٌ) منكرًا قول سعد ﵁ المذكور (أَلمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]؟)، قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى في "تفسيره" (٢/ ٣٥٣): هذا أمرٌ بالقتال لكل مشرك، في كل موضع، على مَن رآها ناسخةً، ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى: قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ﴾، والأول أظهر، وهو أَمْر بقتالٍ مُطلق، لا بشرطِ أن يبدأ الكفار، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، وقال ﷺ : "أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، فدَلَّت الآية والحديث على أنّ سبب القتال هو الكفر؛ لأنه قال: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: أي كُفْرٌ، فجَعَل الغاية عدمَ الكفر، وهذا ظاهرٌ، قال ابن عباس، وقتادة، والربيع، والسُّدِّيّ، وغيرهم: الفتنة هنا الشرك، وما تابعه من أذى المؤمنين، وأصل الفتنة الاختبار والامتحان، مأخوذ من فَتَنْتُ الفضة: إذا أدخلتها في النار؛ لتميز رديئها من جَيِّدها. انتهى كلام القرطبيّ (١). وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في "تفسيره" (٢/ ٣٠٩): وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني: لا يكون شرك، وكذا قال أبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسُّدّيّ، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير وغيره، من علمائنا: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حتى لا يُفْتَنَ مسلم

стр. 1544

على دينه، وقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، قال الضحاك، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يُخْلَص التوحيد دئه، وقال الحسن، وقتادة، وابن جرير: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، أن يقال: لا إله إلا الله، وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصًا لله، ليس فيه شركٌ، ويُخْلَع ما دونه من الأنداد، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، لا يكون مع دينكم كفرٌ، ويشهد لهذا ما ثَبَتَ في "الصحيحين" من حديث ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله ". وأخرجا من حديث أبي موسى الأشعريّ ﷺ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل حميةً، ويقاتل رياءً، أَيُّ ذلك في سبيل الله ؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله " (١). (فَقَالَ سَعْدٌ) بن أبي وقّاص ﵁ ردًّا على إنكاره (قَدْ قَاتَلْنَا) أي الكفّار (حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي حتى لا يَفْتِن الكفّار المؤمنين (وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ) يريد الذين يتقاتلون بينهم، لا للكفر، بل لأغراض أخرى بتأويل، أو بغير تأويل، فسعد ﵁ ممن لم ير القتال معهم (تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونُ فِتْنَةٌ) أي حتى توجد الفتنة بين المسلمين. [تنبيه]: هذا الذي جرى بين سعد بن أبي وقّاص ﵁ وبين الرجل، قد جرى مثله لعبد الله بن عمر ﵄، وذلك فيما أخرجه الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه"، فقال: (٤١٥٣) حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير، فقالا: إن الناس صَنَعُوا، وأنت ابن عمر، وصاحب النبيّ ﷺ ، فما يمنعك أن تَخْرُج؟ فقال: يمنعني أن الله حَرَّم دم أخي، فقالا: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله.

стр. 1545

وزاد عثمان بن صالح، عن ابن وهب، قال: أخبرني فلان، وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو الْمَعَافريّ، أن بُكير بن عبد الله حدَّثه، عن نافع: أن رجلًا أتَى ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما حَمَلك على أن تَحُجّ عامًا، وتعتمر عامًا، وتترك الجهاد في سبيل الله ، وقد عَلِمت ما رَغَّب الله فيه؟ قال: يا ابن أخي، بُنِي الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت، قال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ قال: فعلنا على عهد رسول الله ﷺ ، وكان الإسلام قليلًا، فكان الرجل يُفْتَن في دينه، إما قتلوه، وإما يعذبونه، حتى كَثُر الإسلام، فلم تكن فتنة، قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن يعفو عنه، وأما عليّ فابن عم رسول الله ﷺ ، وخَتَنه، وأشار بيده، فقال: هذا بيته حيث ترون. و (٤٦٥١) حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا بيان أن ابن وَبَرَة حدثه، قال: حدثني سعيد بن جبير، قال: خَرَج علينا، أو إلينا ابن عمر ﵄، فقال رجلٌ: كيف تَرَى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمد ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك. هذا كله سياق البخاري رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أُسامة بن زيد ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٣/ ٢٨٤ و ٢٨٥] (٩٦)، و (البخاريّ) في "المغازي" (٤٢٦٩)، و"الديات" (٦٨٧٢)، و (أبو داود) في "الجهاد" (٢٦٤٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٠٠)، و (النسائيّ) في "الكبرى" كما في "تحفة الأشراف" (١/ ٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٢ و ١٩٣

стр. 1546

و ١٩٤ و ١٩٥ و ١٩٦)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٧٦ و ٢٧٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٧٥١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم قتل الكافر بعدما قال: "لا إله إلا الله". ٢ - (ومنها): الإنكار على من يتسارع في النيل ممن أظهر إسلامه، بظنّ أنه إنما يريد به غرضًا دنيويًّا؛ لأن الحكم بما ظهر، لا بما استتر. ٣ - (ومنها): بيان قدر "لا إله إلا الله"، فإن النبيّ ﷺ قال لأسامة ﵁: "كيف تصنع بلا إله إلا الله"؟. ٤ - (ومنها): أن "لا إله إلا الله" تُحَاجّ عن صاحبها يوم القيامة؛ لأنه ﷺ قال له: "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ "، وهو نظير ما وقع لأبي طالب، حيث قال له النبيّ ﷺ : "أي عمّ قل: لا إله إلا الله، كلمةً أُحاجّ لك بها عند الله"، متفقّ عليه. ٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على ترتُّب الأحكام على أسبابها الظاهرة دون الباطنة. قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله ﷺ : "أفلا شَقَقت عن قلبه؟ "، فيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول، أن الأحكام يُعْمَل فيها بالظواهر، والله يتولى السرائر. انتهى (١). ٦ - (ومنها): أن في قول أسامة ﵁: "حتى تمنيتُ أني أسلمتُ يومئذ" إشعارًا بأنه ﵁ استصغر ما سَبَقَ له قبل ذلك من عمل صالح، في مقابلة هذه الْفَعْلة لَمّا سَمِع من النبيّ ﷺ ، من الإنكار الشديد، وإنما أورد ذلك على سبيل المبالغة، قاله القرطبيّ. ٧ - (ومنها): أن الإسلام يَجُبّ ما قبله، فإن أسامة ﵁ ما تمنّى إسلامه يومئذ إلا لما عَلِم أنه يزيل عنه التبعات، وقد جاء مصرّحًا به في حديث عمرو بن العاص ﵁ الآتي للمصنّف أنه ﷺ قال له: "أما علمت أن الإسلام يَهْدِم ما كان قبله، وأن الهجرة تَهدِم ما كان قبلها، وأن الحج يَهدِم ما كان قبله؟ ".

стр. 1547

٨ - (ومنها): أنه استدل به النوويّ على رَدّ الفرع الذي ذكره الرافعيّ فيمن رأى كافرًا أسلم، فأُكرِم إكرامًا كثيرًا، فقال: ليتني كنت كافرًا لأكرم، وقال الرافعيّ: يكفر بذلك، وردّه النووي: بأنه لا يَكفُر؛ لأنه جازمُ الإسلام في الحال والاستقبال، وإنما تَمَنَّى ذلك في الحال الماضي مُقَيِّدًا له بالإيمان؛ ليتم له الإكرام، واستَدَلَّ بقصة أسامة ﵁، ثم قال: ويمكن الفرق. انتهى. ٩ - (ومنها): ما قاله ابن بطال رحمه الله تعالى: إن هذه القصة كانت سبب حلف أسامة ﵁ أن لا يقاتل مسلمًا بعد ذلك، ومن ثَمَّ تَخَلَّف عن علي ﵁ في الْجَمَل وصِفِّين. انتهى. ١٠ - (ومنها): أن القرطبي قال: فيه دليلٌ لأهل السنّة على أن حديث النفس كلام وقولٌ، فهو ردّ على من أنكر ذلك من المعتزلة، وأهل البِدَعِ. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال القرطبيّ بهذا الحديث على إثبات الكلام النفسيّ، إن أراد به ما أراده المتكلّمون من أن المراد بكلام الله تعالى هو الكلام النفسيّ، وأما الكلام اللفظيّ فهو عبارة عن النفسيّ، وهو مذهب الأشاعرة وغيرهم من أهل الكلام، فهذا مذهبٌ باطل منابذٌ لنصوص الكتاب والسنّة التي هي صريحة في إثبات الكلام اللفظيّ، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] الآية، وكقوله ﷺ : "من قرأ حرفًا من كتاب الله، فله به حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف " (١)، وغير ذلك من النصوص، وقد استوفيت البحث في هذه المسألة في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها"، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما قاله العلماء في عدم ذكر وجوب القصاص والدية والكفّارة على أسامة ﵁ في هذا الحديث: قال النوويّ رحمه الله تعالى: أما كونه ﷺ لم يوجب على أسامة قصاصًا، ولا ديةً، ولا كفارةً، فقد يُسْتَدل به لإسقاط الجميع، ولكن الكفارة

стр. 1548

واجبةٌ، والقصاص ساقطٌ للشبهة، فإنه ظنّه كافرًا، وظنّ أن إظهاره كلمة التوحيد في هذا الحال لا يجعله مسلمًا، وفي وجوب الدية قولان للشافعي رحمه الله تعالى، وقال بكل واحد منهما بعضٌ من العلماء، ويجاب عن عدم ذكر الكفارة في قصّة أسامة ﵁: بأنها ليست على الفور، بل هي على التراخي، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز على المذهب الصحيح عند أهل الأصول، وأما الدية على قول من أوجبها، فيَحْتَمِل أنّ أسامة كان في ذلك الوقت مُعسِرًا بها، فأُخِّرت إلى يساره. انتهى (١). وقال في "الفتح": وأما كونه ﷺ لم يُلزِمه ديةً، ولا كفارةً فتوقف فيه الداوديّ، وقال: لعله سَكَت عنه؛ لعلم السامع، أو كان ذلك قبل نزول آية الدية والكفارة. وقال المازريّ رحمه الله تعالى: لم يَذكُر في الحديث قصاصًا، ولا عقلًا، فيحتمل أن يكون إنما أَسقَط ذلك عنه؛ لأنه متأوّلٌ، ويكون ذلك حجّةً في إسقاط العقل على إحدى الروايتين عند المالكيّة في خطأ الإمام، ومن أَذِن له في شيء، فأتلفه غلطًا، كالأجير والخاتن. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: لا امتراء أن أسامة ﵁ إنما قتله متأوّلًا، وظانًّا أن الشهادة عند معاينة القتل لا تنفع، كما لا تنفع عند حضور الموت، ولم يَعلَم بعدُ حكم النبيّ ﷺ فيه، ألا تراه كيف قال: إنما قالها متعوّذًا؟، فحكمه حكم الخاطئ، فسقوط القصاص عنه بَيِّنٌ، وأما سقوط الدية، فلكونه من العدوّ، ولعله لم يكن له وليّ من المسلمين تكون له ديته كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية [النساء: ٩٢]، فلم يجعل عليه قصاصًا، ولا ديةً سوى الكفّارة، وهذا مذهب ابن عبّاس، وجماعة في الآية أنها في المؤمن يُقتَلُ خطأ، وقومه كفّار، فليس على عاقلته سوى الكفّارة. وذهب بعضهم إلى أن الآية فيمن كان أولياؤه معاهدين، وذُكر عن مالك،

стр. 1549

والمشهور عنه أنها فيمن لم يُهاجر من المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]. فيكون هذا الحديث ومثله، حُجّةً لهذه المقالات، أو يكون قتله هذا لم يُعلَم إلا بقول أُسامة ﵁، ولم تَقُم بذلك بينةٌ، ولا تعقل العاقلة اعترافًا. قال الجامع: في قوله: "إلا بقول أسامة … إلخ" نظر؛ لأنه سيأتي في الرواية الآتية: أن البشير بَلَّغ بذلك النبيّ ﷺ قبل أسامة، فتبصر، والله تعالى أعلم. قال: ولم يكن لأسامة ﵁ مالٌ، فيكون فيه الدية، أو يكون قد تحقّق النبيّ ﷺ بوحي الله تعالى أن المقتول لم يقل: لا إله إلا الله مخلصًا، بل قالها معتصمًا بها من القتل، غير معتقد لها، فكان كافرًا في الباطن، لكن شدّد النبيّ ﷺ على أسامة الأمر، وعظّمه عليه؛ لئلا يواقعه ثانية في قائلها عن صحّة وحقيقة، وممن يكتم إيمانه، كما قال للمقداد ﵁، فلهذا كان أسامة بعدُ لا يقاتل مسلمًا، وحَلَفَ على ذلك، ولهذا قَعَد عن نصرة عليّ ﵁. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى (١). قال الجامع: قوله: "إن المقتول لم يَقُلْ مخلصًا، بل معتصمًا … إلخ" فيه نظر؛ إذ السياق يدفعه، فتأمله بإنصاف، ولهذا قال القرطبيّ رحمه الله تعالى بعدما ذكر نحو هذه الأجوبة، ما نصّه: وهذه الأوجه لا تَسْلَمُ عن الاعتراض، وتتبّع ذلك يُخرج عن المقصود، ولم أجد لأحد من العلماء اعتذارًا عن سقوط إلزام الكفّارة، فالأولى التمسّك بالاحتمالين المتقدّمين. انتهى كلام القرطبيّ (٢). قال الجامح عفا الله عنه: أراد القرطبيّ بالاحتمالين: احتمال كون النبيّ ﷺ حكم بلزوم ذلك لأسامة وعاقلته، ولكنه لم يُنقَل، واحتمال أن يكون ذلك قبل نزول حكم الكفّارة والدية. والذي يظهر لي أن الاحتمال الثاني هو أوجه الاحتمالين، وأرجحهما، وذلك لأن الاحتمال الأول بُعده ظاهرٌ، كالاحتمالات السابقة؛ لأن كونه ﷺ حكم به، ثم لا ينقله أحد من الرواة، ولا يثبت في طرق من طرق الحديث

стр. 1550

أبعد، وأبعد؛ لأن العادة تقتضي التحدّث بمثل ذلك، وإشاعته. والحاصل أن أقرب الأجوبة هو: أن الواقعة إنما وقعت قبل شرع الكفّارة والدية، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زيدِ بْنِ حَارِثَةَ، يُحَدِّثُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْحُرَقَة، مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ، فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَار، رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا، بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ لِي: "يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، قَالَ: فَقَالَ: "أقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ " قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيوْمِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن أفلح العبديّ مولاهم، أبو يوسف الدورقيّ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩. ٢ - (هُشَيْم) بن بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٣ - (حُصَيْن) بن عبد الرحمن السلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ابن عم منصور بن المعتمر، ثقةٌ تغيّر حفظه في الآخر [٥] (ت ١٣٦) وله (٩٣). رَوَى عن جابر بن سمرة، وعمارة بن رُوَيبة، وعن زيد بن وهب، وعمرو بن ميمون، ومُرّة بن شَرَاحيل، وهلال بن يساف، وأبي وائل، وأبي ظبيان، والشعبي، وغيرهم.

стр. 1551

وروى عنه شعبة، والثوري، وزائدة، وجرير بن حازم، وسليمان التيمي، وهُشيم بن بشير، وخلف بن خليفة، وجرير بن عبد الحميد، وخالد الواسطي، وغيرهم. قال أبو حاتم عن أحمد: حصين بن عبد الرحمن الثقة المأمون، من كبار أصحاب الحديث، وقال ابن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، والواسطيون أروى الناس عنه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فقال: ثقة، قلت: يُحتج بحديثه؟ قال: إي والله، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة في الحديث، وفي آخر عمره ساء حفظه، وقال هشيم: أَتَى عليه (٩٣) سنة، وكان أكبر من الأعمش، وقال علي بن عاصم عن حصين: جاءنا قتل الحسين، فمكثنا ثلاثًا كأن وجوهنا طُلِيت رمادًا، قلت: مثل من أنت يومئذ؟ قال: رجلٌ مُنَاهِد، وقال أسلم بن سهل في "تاريخ واسط": ثنا أحمد بن سنان، سمعت عبد الرحمن يقول: هشيم عن حصين أحب إلي من سفيان، وهشيم أعلم الناس بحديث حصين، وقال علي بن عاصم: قَدِمُت الكوفة يوم مات منصور، فاشتد عليّ، فلقيت حصينًا - يعني: وأنا لا أعرفه - فقال: أدلك على مَنْ يذكر يومَ أُهدِيت أم منصور إلى أبيه؟ قلت: مَنْ هو؟ قال: أنا، قال أسلم: قال هشيم: رَوَى حصين عن ستة من الصحابة، قال أسلم: واتصل بنا أنه رَوَى عن ثمانية وامرأتين، فذكر أبا جحيفة، وعمرو بن حريث، وابن عمر، وأنسًا، وعُمارة بن رُويبة، وجابر بن سمرة، وعُبيد الله بن مُسلم الحضرمي، وأم عاصم امرأة عتبة بن فَرْقد، وأم طارق مولاة سعد، كذا قال، قال الحافظ: وفيه بعض ما فيه. وقال النسائي: تغير، وذكره الْعُقيليّ، ولم يذكر إلا قول يزيد بن هارون: إنه نَسِيَ. وقال الحسن - يعني: الحلواني - عن يزيد بن هارون: اختلط، وأنكر ذلك ابن المديني في "علوم الحديث"، فقال: ما اختلط، ولكن تغير، وقال ابن عدي: له أحاديث، وأرجو أنه لا باس به، وذكر ابن أبي خيثمة عن يزيد بن هارون قال: طلبت الحديث، وحصين حَيّ يُقرأ عليه بالْمُبَارك (١)، وقد نَسِي،

стр. 1552

وقال ابن حبان في أتباع التابعين من "الثقات" له: يقال: إنه سمع من عُمارة بن رُوَيبة، فإن صحّ ذلك فهو من التابعين، وكان قد ذكر في التابعين: حُصين بن عبد الرحمن السُّلَميّ، سَمِع عمارة بن رُويبة، رَوَى عنه أهل العراق، مات سنة (١٦٣). قال الحافظ: فكأنه ظنّ غيرَ هذا، وهو هو، وإنما لَمّا وقع له الغلط في تاريخ وفاته ظنه آخرَ، والصواب في سنة وفاته - كما قاله مطيّن - أنه سنة (١٣٦). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثًا، والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنصَارِ) قال في "الفتح": "لم أقف على اسم الأنصاريّ المذكور في هذه القصّة"، وكذا قال صاحب "التنبيه " (١): لا أعرف الأنصاريّ، وقال في "هدي الساريّ": لم أعرف اسم الأنصاريّ، ويحتمل أن يكون أبا الدرداء ﵁، ففي تفسير عبد الرحمن بن زيد ما يُرشد إليه. انتهى (٢). وقوله: (رَجُلًا مِنْهُمْ) قد تقدّم أنه مِرداس بن نَهِيك، أو ابن عمرو بن نَهِيك. وقوله: (فَلَمَّا غَشِينَاهُ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، معجمتين، من باب تَعِبَ، أي: لَحِقنا به، حتى تَغَطَّى بنا. وقوله: (فَلَمَّا قَدِمْنَا) أي المدينة النبويّة. وقوله: (بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ) وفي رواية الأعمش الماضية: "فوقع في نفسي من ذلك شيء، فذكرته للنبيّ ﷺ "، وفي حديث جندب بن عبد الله ﵁ الآتي: "فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ " فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ … "، وتقدّم وجه التوفيق بين هذه الروايات في الحديث الماضي، فلا تغفُل. وقوله: (إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا) أي متحصّنًا ومعتصمًا بهذه الكلمة، وتمام شرح

стр. 1553

الحديث، وبيان المسائل المتعلّقة به، قد استوفيتهما في الحديث الماضي، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٦] (٩٧) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، أَنَّ خَالِدًا الْأَثْبَجَ، ابْنَ أَخِي صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، حَدَّثَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ، أَنَّ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيَّ، بَعَثَ إِلَى عَسْعَسِ بْنِ سَلَامَةَ، زَمَنَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْر، فَقَالَ: اجْمَعْ لِي نَفَرًا مِنْ إِخْوَانِكَ، حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ، فَبَعَثَ رَسُولًا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَ جُنْدَبٌ، وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ أَصْفَرُ، فَقَالَ: تَحَدَّثُوا بِمَا كُنْتُمْ تَحَدَّثُونَ بِه، حَتَّى دَارَ الْحَدِيثُ، فَلَمَّا دَارَ الْحَدِيثُ إِلَيْه، حَسَرَ الْبُرْنُسَ عَنْ رَأْسِه، فَقَالَ: إِنِّي أَتيْتُكُمْ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّهُمُ الْتَقَوْا، فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ، قَالَ: وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ، فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُل، كَيْفَ صَنَعَ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "لِمَ قَتَلْتَهُ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا، وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا، وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْه، فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَقَتَلْتَهُ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ الله، اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: "وَكيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا الله، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ " قَالَ: فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ: "كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ "). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ) أبو جعفر البغداديّ المذكور في الباب الماضي.

стр. 1554

٢ - (عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) بن عُبيد الله بن الوازع الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ في حفظه شيء، من صغار [٩]. رَوَى عن جدّه، وشعبة، وحمّاد بن سلمة، وهمام بن يحيى، وجرير بن حازم، وسليمان بن المغيرة، وعمران القطان، ومعتمر بن سليمان، وعدة. ورَوَى عنه البخاريّ، وروى هو والباقون له بواسطة أحمد بن إسحاق السُّرْماريّ، والحسن بن علي الخلال، وأحمد بن الحسن بن خِرَاش، وأبو خيثمة، وأبو موسى محمد بن المثنى، وبندار، وعُقبة بن مُكْرَم، وإبراهيم الْجُوزجانيّ، وعبد بن حميد، والدارميّ، وأبو داود الحراني، ومحمد بن يونس الْكُديميّ، وآخرون. قال ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن سعد: صالح، وقال الآجريّ، عن أبي داود: لا أنشط لحديثه، قال: وسألته عنه، وعن الحوضيّ في همام، فقَدَّم الحوضيّ، قال: وقال بندار: لولا فَرَقي من آل عمرو بن عاصم، لتركت حديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال إسحاق بن سيار: سمعته يقول: كتبت عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألفًا. ولَمّا ذكر الذهبي قول بندار عَبّر بقوله: لولا شيءٌ لتركته، ثم قال: وكذا قال أبو داود: يا بُندار، قال: لولا سلامةٌ في بندار لتركته. قال البخاري وغيره: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، وكذا ذكر ابن حبان، وزاد: في غرة جمادى الأولى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا الحديث، و (٦٣٥): "من صلّى البردين دخل الجنة"، و (٢٤٥٤): "كان رسول الله ﷺ يزورها … "، و (٢٤٥٥): "إني أرحمها، قُتل أخوها معي"، و (٢١٤٤): "بارك الله لكما في غابر ليلتكما"، و (٢٤٦٥): "من جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ "، و (٢٧٦٤): "هل حضرت الصلاة معنا … ". ٣ - (مُعْتَمِر) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، الملقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥. ٤ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخَان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣)، وهو ابن (٩٧) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.

стр. 1555

٥ - (خَالِدٌ الْأَثْبَجُ، ابْنُ أَخِي صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) هو: خالد بن عبد الله بن مُحْرِز المازنيّ البصريّ، صدوقٌ [٧]. رَوَى عن عمه صفوان، وعن عبد الله بن عمر، والصحيح عن عمه عنه، وعن زُرارة بن أوفى، والحسن البصريّ، وسِنَان بن سَلَمة بن الْمُحَبِّق، وغيرهم. ورَوى عنه سليمان التيميّ، وعاصم الأحول، وعوف الأعرابيّ، وإبراهيم بن طَهْمان، وغيرهم. قال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له المصنّف، هذا الحديث فقط، والنسائيّ. ٦ - (صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ) بن زياد المازنيّ، وقيل: الباهليّ، وقال الأصمعيّ: كان نازلًا في بني مازن، وليس منهم، ثقةٌ، عابدٌ [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وابن مسعود، وعمران بن حُصين، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، وحكيم بن حزام، وجندب بن عبد الله. ورَوى عنه أبو صَخْرة جامع بن شداد، وخالد بن عبد الله الأثبج، وعاصم الأحول، وقتادة، ومحمد بن واسع، وعلي بن زيد بن جُدْعان، وغيرهم. قال أبو حاتم: جليل، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله فَضْلٌ وورَعٌ، قال الواقديّ: تُوُفّي في ولاية بشر بن مروان، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (٧٤) في ولاية عبد الملك، وكان من العباد، اتَّخَذ لنفسه سَرَبًا يبكي فيه، ورَوَى محمد بن نصر في "قيام الليل" من طريق يزيد الرَّقَاشيّ: أن صفوان بن مُحرز كان إذا قام إلى التهجد قام معه سكان داره من الجنّ، فصَلَّوْا بصلاته، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي، ما نصّه: قتادةُ، ومحمد بن واسع، وعلي بن زيد بن جُدْعان إنما طلبوا العلم قبل التسعين وبعدها، فهذا يدل على أن الواقديّ وَهِمَ في تاريخ موته، وتَبِعَهُ ابنُ حبان. قلت (١): ما وَهِمَ الواقديّ، فقد قال خليفة في "الطبقات": مات بعد

стр. 1556

انقضاء أمر ابن الزبير بقليل، ومن هنا أخذ ابن حبان قولَهُ: مات سنة أربع؛ لأن قتل ابن الزبير كان آخر سنة ثلاث، وما ذكره الحافظ أبو عبد الله الذهبي من أن الذين سماهم لم يطلبوا العلم إلا بعد ذلك لا يمنع سماعهم من صفوان، فكم ممن سَمِعَ حديثًا أو أحاديث قديمًا، ثم اشتغل بعد مُدّة وطَلَبَ، والله أعلم. انتهى (١). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا الحديث، وحديث (١٠٤): "أنا بريء ممن حَلَق، وسَلَق، وخَرَق"، و (٢٧٦٨): "يُدنَى المؤمن يوم القيامة من ربه … ". ٧ - (جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ) هو: جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن سفيان الْبَجَليّ، ثمّ الْعَلَقيّ - بفتحتين، ثم قاف - أبو عبد الله، وقد يُنسَب إلى جدّه، فيقال: جندب بن سفيان، سَكَن الكوفة، ثم البصرة، قَدِمها مع مصعب بن الزبير، وروى عنه أهل المصرين، قلت: وروى عنه من أهل الشام شهر بن حوشب، فقال: حدثني جندب بن سفيان، قال ابن السكن: وأهل البصرة يقولون: جندب بن عبد الله، وأهل الكوفة يقولون: جندب بن سفيان، غير شريك وحده، ويقال له: جندب الخير، وأنكره ابن الكلبيّ، وقال البغويّ: يقال له: جندب الخير، وجندب الفاروق، وجندب ابن أم جندب، وقال ابن حبان: هو جندب بن عبد الله بن سفيان، ومن قال: ابن سفيان نسبه إلى جده، وقد قيل: إنه جندب بن خالد بن سفيان، والأول أصحّ، وحَكَى الطبرانيّ نحو ذلك، وفي الطبرانيّ من طريق أبي عمران الْجَوْنيّ قال: قال لي جندب: كنت على عهد رسول الله ﷺ غلامًا حَزَوَّرًا (٢). رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن حذيفة، وروى عنه الأسود بن قيس، وأنس بن سيرين، والحسن البصري، وأبو مِجْلَز، وأبو عمران الْجَونيّ، وأبو تميمة الْهُجَيميّ، وصفوان بن مُحرِز، وغيرهم. وقال البغوي عن أحمد: جُنْدب ليست له صحبة قديمة، قال البغوي:

стр. 1557

وهو جندب ابن أم جندب، وقال ابن حبان: هو جندب الخير، وقال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير، وذكره البخاري في "التاريخ" فيمن توفي من الستين إلى السبعين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا (١)، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فتفرّد به هو، والترمذيّ، وخالدًا الأثبج، فتفرّد به هو والنسائيّ، وصفوان بن محرز، فما أخرج له أبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، وبالبصريين، إلا شيخه، فبغداديّ، والصحابيّ سكن الكوفة، ثم البصرة، وروى عنه أهل البلدتين (٢). ٤ - (ومنها): أن من شيخه، ومعتمرًا، وأباه، هذا أول محلّ ذكرهم في هذا الكتاب، وقد تقدّم عدد مروياتهم آنفًا، فلا تغفل. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، والراوي عن عمه. ٦ - (ومنها): أن رواية سليمان بن طرخان عن خالد الأثبج من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن سليمان تابعيّ، وخالد من تابعي التابعين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن سليمان التيميّ (أَنَّ خَالِدًا الْأَثْبَجَ) - بفتح الهمزة، وبعدها ثاء مثلثة ساكنة، ثم باء موحدة مفتوحة، ثم جيم - قال أهل اللغة: "الأَثْبَجُ": هو عَرِيضُ

стр. 1558

الثَّبَج - بفتح الثاء والباء - وقيل: ناتئ الثَّبَج، والثَّبَج: ما بين الكاهل والظهر، و"الكاهل": مقدَّم أعلى الظهر مما يلي الْعُنُق، كما في "المصباح" (ابْنَ أَخِي صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) - بإسكان الحاء المهملة، وبراء، ثم زاي (حَدَّثَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أَنَّهُ) أي صفوان (حَدَّثَ، أَنَّ جُنْدَبَ) بضم الجيم، والدال وتفتح (ابْنَ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ) - بفتحتين - نسبة إلى قَبيلة بَجِيلة - بفتح، فكسر - وهو ابن أنمار بن أراش بن عمرو بن الْغَوْث، أَخي الأسد بن الْغَوث، وقيل: "إن بَجِلة اسم أمهم، وهي من سَعْد الْعَشِيرة، وأختها باهلة ولدتا قبيلتين عظيمتين، نزلت الكوفة"، قاله في الأنساب (١). (بَعَثَ) أي أرسل (إِلَى عَسْعَسِ) - بعينين، وسينين مهملات، والعينان مفتوحتان، والسين بينهما ساكنة - (ابْنِ سَلَامَةَ) - بتخفيف اللام - قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى في "الاستيعاب": هو بصريّ رَوَى عن النبيّ ﷺ ، يقولون: إن حديثه مرسلٌ، وإنه لم يسمع النبيّ ﷺ ، وكذا قال البخاريّ في "تاريخه": حديثه مرسل، وكذا ذكره ابن أبي حاتم وغيره في التابعين، قال البخاريّ وغيره: كنية عَسْعَس أبو صفرة، وهو تميميّ بصريّ، وهو من الأسماء المفردة، لا يُعْرَف له نظير، قاله النوويّ في "شرحه" (٢). وقال في "الإصابة" (٤/ ٤٩٩): عَسْعَس بن سلامة، أبو صفرة التميميّ البصريّ، له ذكر في "الصحيح" في حديث جندب، وذكره ابن أبي حاتم بين صحابيين في الأفراد، من حرف العين، ولم يُفْصِح البخاريّ بشيء، بل رَسَمَ الترجمة، وقال: نسبه شعبة عن الأزرق، وكذا صنع مسلم، وقال ابن منده: ذُكِر في الصحابة، ولا يثبت، وقال ابن عبد البر: يقولون: إن حديثه مرسل، وبذلك جزم العسكريّ، وابن حبّان، وقد رَوَى حديثه أبو داود الطيالسيّ، عن شعبة، عن الأزرق، عنه: أن النبيّ ﷺ قال: "صبر ساعة في بعض المواطن، خير من عبادة أربعين عامًا … " الحديث، وله حديث آخر، أخرجه الدارقطنيّ، وقال ابن المبارك في "الزهد": أنبأنا محمد بن ثابت العبديّ، حدثنا هارون بن رئاب، سَمِعت

стр. 1559

عسعس بن سلامة يقول لأصحابه: سأحدثكم ببيت من شعرٍ، فتعجبوا، فقال [من الطويل] إِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ … وَإِلَّا فَإِنِّي لَا إِخَالُكَ مَاضِيَا أي إن تنج من مسألة القبر، فأخذ القوم يبكون بكاءً ما رأيتهم بَكَوا من شيء ما بَكَوا يومئذ. انتهى (١). (زَمَنَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ) أي أيام حربه مع بني أميّة، وهي قصّة مشهورة، وذلك أن ابن الزبير حين مات معاوية ﵁ امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية، وأَصَرَّ على ذلك حتى أغرى يزيد بن معاوية مسلمَ بن عقبة بالمدينة، فكانت وقعة الْحَرَّة، ثم توجه الجيش إلى مكة، فمات أميرهم مسلم بن عقبة، وقام بأمر الجيش الشاميِّ حُصَين بن نُمَير، فحصر ابن الزبير بمكة، ورَمَوا الكعبة بالْمَنْجَنِيق حتى احتَرَقَت، ففجأهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، فرجعوا إلى الشام، وقام ابن الزبير في بناء الكعبة، ثم دعا إلى نفسه، فبويع بالخلافة، وأطاعه أهل الحجاز، ومصر، والعراق، وخُراسان، وكثير من أهل الشام، ثم غَلَب مروان على الشام، وقَتَلَ الضحاك بن قيس الأمير من قبل ابن الزبير بِمَرْج راهط، ومضى مروان إلى مصر، وغَلَب عليها، وذلك كلُّه في سنة أربع وستين، وكَمُل بناء الكعبة في سنة خمس، ثم مات مروان في سنة خمس وستين، وقام عبد الملك بن مروان مَقَامه، وغَلَب المختار بن أبي عُبيد على الكوفة، ففَرَّ منه من كان من قبل ابن الزبير، وكان محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية، وعبد الله بن عباس مقيمين بمكة، منذ قُتِل الحسين، فدعاهما ابن الزبير إلى البيعة له، فامتنعا، وقالا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على خليفة، وتبعهما جماعة على ذلك، فشَدَّد عليهم ابن الزبير، وحَصَرهم، فبلغ المختارَ، فجهز إليهم جيشًا، فأخرجوهما، واستأذنوهما في قتال ابن الزبير، فامتنعا، وخرجا إلى الطائف، فأقاما بها حتى مات ابن عباس سنة ثمان وستين، ورحل ابن الحنفية بعده إلى جهة رَضْوَى جبل بينبع، فأقام هناك، ثم أراد دخول الشام، فتوجه إلى نحو أيلة، فمات في آخر سنة ثلاث،

стр. 1560

أو أول سنة أربع وسبعين، وذلك عقب قتل ابن الزبير على الصحيح، وقيل: عاش إلى سنة ثمانين أو بعد ذلك، وعند الواقديّ: أنه مات بالمدينة سنة إحدى وثمانين، وزَعَمت الكيسانية أنه حيّ لم يَمُت، وأنه المهديّ، وأنه لا يموت حتى يملك الأرض، في خُرَافات لهم كثيرة، ليس هذا موضعها، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (١). (فَقَالَ) جُندب ﵁ (اجْمَعْ لِي نَفَرًا) بفتحتين: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة، قاله الفتوميّ (٢). (مِنْ إِخْوَانِكَ) الظاهر أنه أراد بالإخوان ما يعمّ النسب والدين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية (حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ) بالنصب بـ "أن" مضمرة بعد "حتى"، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ "حَتَّى" هَكَذَا إِضْمَارُ "أَنْ" … حَتْمٌ كـ "جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ" ومعنى "حتى" هنا التعليل، بمعنى "كي"، أي كي أُحدّثهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]، وقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ الآية (٣) [المناففون: ٧] (فَبَعَثَ) عسعسٌ (رَسُولًا إِلَيْهِمْ) أي إلى إخوانه، قال صاحب "التنبيه": لا أعرف هذا الرسول. انتهى (٤). (فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَ جُنْدَبٌ) ﵁ (وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ) جملةٌ في محلّ نصب على الحال، و"الْبُرْنُسُ" - بضم الباء، وسكون الراء، وضمّ النون - قال ابن الأثير: هو كلُّ ثوب رأسُهُ منه، مُلْتزِقٌ به، دُرَّاعَةً كان، أو جُبَّةً، أو مِمْطَرةً، أو غيرها، وقال الجوهريّ: هو قَلَنْسُوَةٌ طويلةٌ كان النُّسّاك يَلبسُونها في صدر الإسلام، وهو من الْبِرْسِ - بكسر الباء - القطن، والنون زائدة، وقيل: إنه غير عربيّ. انتهى (٥). وقوله: (أَصْفَرُ) صفة لبُرْنُس، "والصُّفْرة": لونٌ دون الْحُمْرة، والأصفر:

стр. 1561

أيضًا الأسود (١). (فَقَالَ) جندب ﵁ (تَحَدَّثُوا) فعل أمر من التحدُّث، وإنما أمرهم؛ لئلا يستوحشوا، فيقطعوا حديثهم بسبب حضوره حياءً منه (بِمَا كُنْتُمْ تَحَدَّثُونَ بِهِ) بفتح التاء، أصله تتحدّثون، فحُذفت منه إحدى التاءين تخفيفًا، كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقوله: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾ [عبس: ٦]، قال في "الخلاصة": وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كـ"تَبَيَّنُ الْعِبَرْ" (حَتَّى دَارَ الْحَدِيثُ) أي انتقل الحديث بين الحاضرين من شخص إلى آخر (فَلَمَّا دَارَ الْحَدِيثُ إِلَيْهِ) أي إلى جندب ﵁ (حَسَرَ) بفتح السين المهملة، من بابي نصر وضرب: أي كشف، وأزال (الْبُرْنُسَ عَنْ رَأْسِهِ) أي ليمكنه مواجهتهم، ويمكنهم مواجهته بلا مانع يمنع من رؤيته. قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما ما فعله جُنْدب بن عبد الله ﵁ من جمع النفر، ووعظهم، ففيه: أنه ينبغي للعالم، والرجل العظيم المطاع، وذي الشُّهْرة أن يُسَكِّن الناس عند الْفِتَن، ويَعِظهم، ويُوَضِّح لهم الدلائل. انتهى (٢). (فَقَالَ: إِنِّي أَتَيْتُكُمْ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ) ﷺ ، قال النوويّ رحمه الله تعالى: كذا وقع في جميع الأصول - أي بزيادة "لا" - وفيه إشكال من حيث إنه قال في أول الحديث: "بَعَثَ إلى عسعس، فقال: اجمع لي نفرًا من إخوانك حتى أحدثهم"، ثم يقول: بعده: "أتيتكم، ولا أريد أن أخبركم"، فيحتمل هذا الكلام وجهين: [أحدهما]: أن تكون "لا" زائدة، كما في قول الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]. [والثاني]: أن يكون على ظاهره، أتيتكم، ولا أريد أن أخبركم عن نبيكم ﷺ ، بل أَعِظُكم، وأحدثكم بكلام من عند نفسي، لكني الآن أزيدكم على ما كنت نويته، فأخبركم أن رسول الله ﷺ بَعَثَ بَعْثًا، وذكر الحديث، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (٣).

стр. 1562

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول أقرب عندي؛ لأن زيادة "لا" كثير في كلام العرب. ثم إني وجدت في هامش بعض النسخ، ما نصّه: "إني أتيتكم، ولا أريد أن أخبركم إلا عن نبيّكم"، وعلى هذا فقد زال الإشكال، والله تعالى أعلم. (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا) من باب منع أي أرسل سريّة، قال الفيّوميّ: بَعَثْتُ رسولًا بَعْثًا: أوصلته، وابتعثه كذلك، وفي المطاوع: فانبعث، مثلُ كسرته فانكسر، وكل شيء ينبعث بنفسه، فإن الفعل يتعدّى إليه بنفسه، فيقال: بعثته، وكلُّ شيء لا ينبعث بنفسه، كالكتاب، والهديّة، فإن الفعل يتعدّى إليه بالباء، فيقال: بَعَثتُ به، وأوجز الفارابيّ، فقال: بَعَثَهُ: أي أَهَبَّهُ، وبَعَثَ به: وَجّهَهُ. انتهى (١). (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) هم السريّة الذين تقدّموا في قصّة أسامة ﵁ (إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) هم الْحُرقات من جُهينة (وَإِنَّهُمُ الْتَقَوْا) بفتح القاء، أصله التقيوا، قُلبت الياء ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حُذفت لالتقاء الساكنين، فصار التقوا بفتح التاء؛ لأنها ليست ما قبل الواو (فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) هو الذي قتله أسامة ﵁، كما تقدّم (إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ) بكسر الصاد، من باب ضرب (إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ) يقال: قصدت الشيءَ، وله، وإليه قَصْدًا، من باب ضرب: إذا طلبته بعينه (٢). (فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ) أي غفلة ذلك الرجل المشرك الذي أكثر القتل في المسلمين (قَالَ) جندب ﵁ (وَكُنَّا نُحَدَّثُ) بضمّ النون، وفتح الدال المشدّدة: أي نُخْبَر (أَنَّهُ) أي الرجل الذي قصد غفلة ذلك المشرك (أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ) ﵄، هذا مخالف لما سيأتي من رواية الطبرانيّ في "الكبير" من طريق شهر بن حوشب، عن جندب ﵁، فإن فيه: أن ذلك الرجل لما مات لَفَظَتْهُ الأرض ثلاث مرّات، وهذا بيقين أنه ليس أسامة ﵁، إلا أن في شَهْرٍ، والراوي عنه عبد الحميد بن بَهْرام، كلامًا في الاحتجاج بهما، وقد سبق في "شرح المقدّمة" أن رجّحت كون شهرٍ حسن الحديث، لكن إذا خالفت روايته ما في "الصحيح"، فما في "الصحيح" يقدّم بلا شكّ، فليُتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 1563

(فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ) هكذا وقع في بعض النسخ: "رفع" بالفاء، ووقع في بعضها: "رجع" بالجيم، قال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": قوله: "فلما رجع عليه السيفَ"، كذا في بعض الأصول المعتمدة: "رَجَعَ" بالجيم، وفي بعضها: "رَفَعَ" بالفاء، وكلاهما صحيح، و"السيفَ" منصوبٌ على الروايتين، فـ "رَفَعَ"؛ لتعديه، و"رَجَعَ" بمعناه، فإن "رَجَعَ" يُستَعمل لازمًا، ومتعديًا، والمراد هنا المتعدي، ومنه قول الله : ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ﴾ [التوبة: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، والله تعالى أعلم. انتهى (١). (قَالَ) ذلك المشرك (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ البَشِيرُ) أي الذي يَحمل البشارة بنصر المسلمين، وهزيمة الكفّار، وهو اسم فاعل من بَشَرَ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ) أي عن خبر الحرب (فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ) يعني الذي قيل: إنه أسامة (كَيْفَ صَنَعَ) أي بالرجل المشرك الذي قتله بعد قوله: لا إله إلا الله (فَدَعَاهُ) أي دعا النبيّ ﷺ ذلك الرجل (فَسَأَلَهُ، فَقَالَ) هذا تفسير لسؤاله ("لِمَ قَتَلْتَهُ؟ ") أي بعد قوله: لا إله إلا الله، وقد تعلم أني قلت: أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ) أي ألحق بهم الضرر، وآلمهم بالضرب والقتل (وَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا، وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا) لكنهم لا يُعرفون، كما قال صاحب "التنبيه" (٢). (وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ) أي شددتُ عليه، واجتهدتُ في قتله (فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَقَتَلْتَهُ؟ ") كرّر عليه تشديدًا للإنكار (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ") أي ليُخاصمك بها صاحبها (قَالَ: يَا رَسُولَ الله، اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ) ﷺ ("وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ") كرّره أيضًا للتشديد (قَالَ: فَجَعَلَ) ﷺ (لَا يَزِيدُهُ) أي الرجل القاتل (عَلَى أَنْ يَقُولَ: "كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ")، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث جندب بن عبد الله ﵁ هذا تفرّد

стр. 1564

به المصنّف رحمه الله تعالى، ولم يُخرجه أحد من أصحاب الأصول غيره، وقد أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٣/ ٩١) بنحوه، فقال: (١٥٢٢) حدثنا عبيد الله بن عمر القواريريّ، حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، حدّثني عبد الحميد بن بَهْرام، حدّثنا شَهْر بن حوشب، قال: حدثني جندب بن سفيان، رجل من بَجِيلة قال: إني عند رسول الله ﷺ حين جاءه بشير من سَرِيّة بعَثَها، فأَخبره بالنصر الذي نَصَرَ الله سريته، وبفتح الله الذي فَتَح لهم، قال: يا رسول الله، بينما نحن بطلب العدوّ، وقد هَزَمهم الله، إذ لَحِقت رجلًا بالسيف، فلما أَحَسّ أن السيف قد واقعه، التفت، وهو يَسْعَى، فقال: إني مسلم، إني مسلم، فقتلته، وإنما كان يا نبيّ الله مُتَعَوّذًا، قال ﷺ : "فهلا شَقَقت عن قلبه، فنَظَرت، صادقٌ هو، أم كاذبٌ؟ " قال: لو شققتُ عن قلبه ما كان يُعْلِمني القلبُ؟، هل قلبه إلا مُضْغَةٌ من لحم؟ قال ﷺ : "فأنت قتلته لا ما في قلبه علمتَ، ولا لسانه صدَّقتَ"، قال: يما رسول الله، استغفر لي، قال ﷺ : "لا أستغفر لك"، فدفنوه (١)، فأصبح على وجه الأرض، ثلاث مرات، فلما رأى ذلك قومه استَحْيَوا، وخَزُوا مما لَقِي، فاحتملوه، فألقَوْه في شِعْب من تلك الشعاب. انتهى. وأخرجه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" (٢/ ١٧٦) رقم (١٧٢٣). قال الحافظ الهيثميّ رحمه الله تعالى في "المجمع": وفي إسناده عبد الحميد بن بَهْرام، وشَهْر بن حَوْشَب، وقد اختُلف في الاحتجاج بهما. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما شهر فقد روى عنه جماعة، وأثنى عليه أحمد، ووثقه ابن معين، وفي رواية عنه أنه قال: ثَبْت، ووثقه العجليّ، وغيرهم، وقد حقّقت الكلام فيه في "شرح المقدّمة"، وتوصّلتُ فيه إلى أنه حسن الحديث. وأما عبد الحميد فقد وثّقه أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، وأبو

стр. 1565

داود، وغيرهم، وقال شعبة: صدوقٌ، وقال أحمد: أحاديثه عن شهر مُقاربُ، كان يحفظها كأنه يقرأ سورة من القرآن، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، أحاديثه عن شهر صحاح، لا أعلم رُوي عن شهر أحاديث أحسن منها، وقال أحمد بن صالح المصريّ: عبد الحميد بن بَهرام ثقةٌ، يُعجبني حديثه، أحاديثه عن شهر صحيحة. انتهى (١). وخلاصة القول فيهما أن حديثهما حسنٌ، يصلح للاحتجاج به، وما تكلّم فيهما إلا المتشدّد، كشعبة، فلا تلتفت إليه، وتبصّر بإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٤) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا") وبالسند المتّصل إلى الإمام الحافظ الحجة أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيريّ النيسابوريّ رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٧] (٩٨) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثنا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا"). رجال الإسناد: تسعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) المذكور قبل باب أيضًا. ٣ - (يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فرُّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.

стр. 1566

٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب الماضي. ٥ - (أَبُو أُسَامَةَ) هو: حماد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٦ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير المذكور قبل باب. ٧ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبت، قدّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم في عائشة على الزهريّ عن عروة عنها [٥] (مات سنة بضع و ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٨ - (مَالِك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه، إمام دار الهجرة [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٩ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه الثقة الثبت [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ١٠ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف بالنسبة للإسنادين الأولين، ومن رباعيّاته بالنسبة للثالث، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد في هذا الكتاب، كما تقدم بيانه في "شرح المقدّمة"، وهذا هو (٨) من رباعيات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه: زهير، وابن أبي شيبة، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالفقهاء المدنيين من عبيد الله، ومالك، والباقون كوفيون، سوى القطان، فبصريّ، وزهير فنسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): كتابة (ح) مرتين إشارة إلى التحويل، وقد مرّ تمام البحث فيها غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن إسناد مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أصحّ الأسانيد على الإطلاق عند البخاريّ رحمه الله تعالى، وزاد بعضهم الشافعيّ،

стр. 1567

وأحمد، فقال: أصحّ الأسانيد: أحمدُ، عن الشافعيّ، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفية الحديث" بقوله: فَمَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَيِّدِهْ … وَزِيدَ مَا لِلشَّافِعِيْ فَأَحْمَدِهْ ٦ - (ومنها): قوله: "وهو القطّان" إنما زاد "وهو"؛ لأن شيخه لم يذكر لفظ القطّان، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى غير مرّة. ٧ - (ومنها): قوله: "واللفظ له"، يعني: أن متن الحديث المذكور هنا لشيخه يحيى بن يحيى، وأما الشيوخ الثلاثة الآخرون فرووه بمعناه، وهذا من تدقيق المصنّف رحمه الله تعالى، وشدّة احتياطه في التنبيه على دقائق الرواية مع أن هذا من المستحسنات، لا من الواجبات، كما أشار إليه السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله: وَمَنْ رَوَى مَتْنًا عَنَ اشْيَاخٍ وَقَدْ … تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ مُقْتَصرًا بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَلَمْ … يُبَيِّنِ اخْتِصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ أَوْ قَالَ قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ … وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا وَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ … مَعْ قَالَ أَوْ قَالَا فَذَاكَ أَحْسَنُ ٨ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة ﵃، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن) عبد الله (ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا) أي معاشر المسلمين، وترك ذكر الذمّيين، والمستأمنين للمقايسة، أو المراد بـ "علينا": كلُّ من كان أهلَ أمنٍ، أو حرام الدم بالإيمان، أو الذمّة، أو الاستئمان، قاله السنديّ (١). (السِّلَاحَ) وفي حديث سلمة بن الأكوع ﵁ الآتي: "من سلّ علينا السيف"، قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني بذلك: النبيَّ ﷺ نفسه وغيره من المسلمين، ولا شكّ في كفر من حارب النبيّ ﷺ ، وعلى هذا

стр. 1568

فيكون قوله ﷺ : "فليس منّا": أي ليس بمسلم، بل هو كافر، وأما مَن حارب غيره من المسلمين، متعمّدًا، مستحلًّا من غير تأويل، فهو أيضًا كافرٌ كالأول، وأما من لم يكن كذلك، فهو صاحب كبيرة إن لم يكن متأوّلًا تأويلًا مسوّغًا بوجه. انتهى (١). وقال في "الفتح": معنى الحديث: حملُ السلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حقّ؛ لما في ذلك من تخويفهم، وإدخال الرُّعْب عليهم، لا من حَمَله لحراستهم مثلًا، فإنه يحمله لهم، لا عليهم (٢)، قال: وكأنه كَنَى بالحمل عن المقاتلة، أو القتل للملازمة الغالبة. وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: يحتمل أن يراد بالحمل ما يُضادّ الوضع، ويكون كنايةً عن القتال به، ويحتمل أن يُراد بالحمل: حملها؛ إرادة القتال به لقرينة قوله: "علينا"، ويحتمل أن يكون المراد حمله للضرب به، وعلى كلّ حال، ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين، والتشديد فيه. وقال الحافظ رحمه الله تعالى: جاء الحديث بلفظ: "مَنْ حَمَل علينا السلاح"، أخرجه البزّار، من حديث أبي بكرة، ومن حديث سمُرة، ومن حديث عمرو بن عوف ﵃، وفي سند كلّ منها لينٌ، لكنّها يَعضِدُ بعضها بعضًا، وعند أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "من رمانا بالنَّبْل، فليس منّا"، وهو عند الطبرانيّ في "الأوسط"، بلفظ: "الليل" بدل "النبل"، وعند البزّار من حديث بُريدة ﵁ مثله. انتهى (٣). (فَلَيْسَ مِنَّا") قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: مذهب أهل الحقّ أنه لا يُكفّر أحدٌ من المسلمين بارتكاب كبيرة ما عدا الشركَ، وعلى هذا فيُحمل قوله ﷺ : "ليس منّا" في حَقِّ مثلِ هذا على معنى: ليس على طريقتنا، ولا على شريعتنا، إذ سنّة المسلمين، وشريعتهم التواصلُ، والتراحمُ، لا التقاطع، والتقاتل، ويَجري هذا مَجرى قوله ﷺ : "من غشّنا، "فليس منّا"، ونظائرِه، وتكون فائدته

стр. 1569

الرَّدْعَ، والزَّجْرَ عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الوالد لولده إذا سلك غير سبيله: لستُ منك، ولستَ منّي، كما قال الشاعر [من الوافر]: إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُورًا … فإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": مذهب أهل السنّة والفقهاء: أن مَن حَمَل السلاح على المسلمين بغير حقّ، ولا تأويل، ولم يستحلّه، فهو عاص، ولا يكفر بذلك، فإن استحلّه فهو كافر، فأما تأويل الحديث، فقيل: هو محمولٌ على المستحلّ بغير تأويل، فيكفر، ويخرُج من الملّة، وقيل: معناه ليس على سيرتنا الكاملة، وهدينا، وكان سفيان بن عُيينة رحمه الله تعالى يَكرَه قول من يُفسّره بـ "ليس على هدينا"، ويقول: بئس هذا القول، يعني: بل يُمْسَكُ عن تأويله؛ ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر. انتهى (٢). وقال في "الفتح": قوله: "فليس منّا": أي ليس على طريقتنا، أو ليس متّبعًا لطريقتنا؛ لأن من حقّ المسلم على المسلم أن ينصُره، ويُقاتل دونه، لا أن يُرْعِبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله، أو قتله، ونظيره: "من غشّنا فليس منّا"، و"ليس منّا من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب"، وهذا في حقّ من لا يَستحلّ ذلك، فأما من يستحلّه، فإنه يكفر باستحلال المحرّم بشرطه، لا مُجرّد حمل السلاح. والأولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرّض لتأويله؛ ليكون أبلغ في الزجر، وكان سفيان بن عُيينة يُنكِر على من يَصرفه عن ظاهره، فيقول: معناه ليس على طريقتنا، وَيرَى أن الإمساك عن تأويله أولى لما ذكرناه. والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل الْبُغَاة من أهل الحقّ، فيُحْمَل على البغاة، وعلى من بدأ بالقتال ظالمًا، قاله في "الفتح" (٣).

стр. 1570

وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وإذا قلنا في مثل قول النبيّ ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق، وهو مؤمن"، وقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له"، وقوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] الآية، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١٥]، وقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. إذا قال القائل في مثل هذا: ليس بمؤمن كامل الإيمان، أو نَفَى عنه كمال الإيمان لا أصله، فالمراد به كمال الإيمان الواجب، ليس بكمال الإيمان المستحبّ، كمن ترك رميَ الجمار، أو ارتكب محظورات الإحرام، غير الوطء، ليس هذا مثل قولنا: غسلٌ كاملٌ، ووضوءٌ كاملٌ، وأن المجزئ منه ليس بكامل، ذاك نفي الكمال المستحب، وكذا المؤمن المطلقُ هو المؤدِّي للإيمان الواجب، ولا يلزم من كون إيمانه ناقصًا عن الواجب أن يكون باطلًا حابطًا كما في الحج، ولا أن يكون معه الإيمان الكامل، كما تقوله المرجئة، ولا أن يقال: ولو أَدَّى الواجب لم يكن إيمانه كاملًا، فإن الكمال المنفيّ هنا الكمال المستحب. فهذا فُرقانٌ يُزيل الشبهة في هذا المقام، ويُقَرِّر النصوص كما جاءت. وكذلك قوله ﷺ : "مَن غَشَّنا فليس منا"، ونحو ذلك، لا يجوز أن يقال فيه: ليس من خيارنا، كما تقوله المرجئة، ولا أن يقال: صار من غير المسلمين، فيكون كافرًا، كما تقوله الخوارج، بل الصواب أن هذا الاسم الْمُضْمَر ينصرف إطلاقه إلى المؤمنين الإيمان الواجب الذي به يستحقون الثواب بلا عقاب، ولهم الموالاة المطلقة، والمحبة المطلقة، وإن كان لبعضهم درجات في ذلك بما فعله من المستحب، فإذا غَشَّهم لم يكن منهم حقيقةً؛ لنقص إيمانه الواجب الذي به يستحقون الثواب المطلق بلا عقاب، ولا يجب أن يكون من غيرهم مطلقًا، بل معه من الإيمان ما يَستحقّ به مشاركتهم في بعض الثواب، ومعه من الكبيرة ما يَستحقُّ به العقاب، كما يقول مَن استأجر قومًا ليعملوا عملًا، فعَمِلَ بعضهم بعض الوقت، فعند التوفية يصلَح أن يقال:

стр. 1571

هذا ليس منّا، فلا يستحقّ الأجر الكامل، وإن استحقَّ بعضه. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٤/ ٢٨٧] (٩٨)، و (البخاريّ) في "الديات" (٦٨٧٤)، و"الفتن" (٧٠٧٠)، و (النسائيّ) في "المحاربة" (٤١٠٢)، وفي "الكبرى" (٣٥٦٣)، و (ابن ماجه) في "الحدود" (٢٥٧٦)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٨٢٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣ و ١٦ و ٥٣ و ١٤٢ و ١٥٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٠)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٧٩ و ٢٨٠)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ١٣٢ - ١٣٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ٢٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم حمل السلاح على المسلمين من غير حقّ؛ لما فيه من ترويعهم، وتخويفهم، بغير سبب شرعيّ. ٢ - (ومنها): بيان عِظَم حرمة المسلمين عند الله تعالى، فلا يحلّ لأحد أن يتعرّض لهم بأذى؛ إلا بما شرعه الله تعالى عليهم، من الحدود. ٣ - (ومنها): أن مَن حَمَل سيفه على المسلمين من غير مُبيح لذلك، فليس له حرمتهم، بل يؤخذ على يديه، ويعاقب بما يكفّ شرّه عنهم. ٤ - (ومنها): بيان خطر حمل السلاح على من لا يستحقّه، فقد حَكَم الشارع عليه بأنه ليس من المسلمين، وهذا وإن كان فيه التفصيل السابق، إلا أنه خطر عظيم، أعاذنا الله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، إنه جواد

стр. 1572

كريم، رؤوفٌ رحيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام الحافظ الحجة أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيريّ النيسابوريّ رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٨] (٩٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ، وَهُوَ ابْنُ الْمِقْدَام، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ، فَلَيْسَ مِنَّا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور قريبًا. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٣ - (مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ) الْخَثْعميّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٩]. رَوَى عن فِطْر بن خَلِيفة، وزائدة، وعكرمة بن عمار، ومبارك بن فَضالة، ومِسْعر، وأبي حنيفة، والثوريّ، وداود بن نُصير، وإسرائيل، والحسن بن صالح، وغيرهم. ورَوَى عنه إسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وابن نمير، والقاسم بن زكريا بن دينار، وعبد الرحمن بن دينار، ومحمد بن رافع، وغيرهم. قال الغلابيّ، عن ابن معين: ثقة، وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ما أرى به بأسًا، وقال أبو داود: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالح، وقال عبد الله بن علي ابن المدينيّ، عن أبيه: ضعيف، وقال العجليّ: كوفيّ متعبدٌ، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال يحيى بن معين: صالح، وقال ابن قانع: كوفيّ صالح، وقال الساجيّ: ضعيفُ الحديث، كان من العُبّاد، وقال أحمد بن حنبل: كان رجلًا صالحًا، رأيت له كتابًا، فإذا هو كثير الخطأ، ثم نظرت في حديثه، فإذا أحاديثه متقاربة عن الثوريّ، وقال ابن المنادي: كتبت

стр. 1573

عنه أيام ابن رُفَيدة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال علي بن حكيم الأوديّ عنه: كنت أرى رأي الإرجاء، فرأيت في المنام كأنّ في عنقي صَلِيبًا، فتركته. قال محمد بن عبد الله الحضرميّ وغيره: مات سنة ثلاث ومائتين. أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (٩١٥): "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله … "، و (١٨٥٢): "إنه ستكون هناتٌ وهناتٌ … "، و (٢٥٧٠): "ما رأيت رجلًا أشدّ عليه الوجع من رسول الله ﷺ ". ٤ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فيُضعّف؛ لاضطرابه فيه [٥] (مات قبيل ١٦٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥. ٥ - (إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ) بن الأكوع الأسلميّ، أبو سلمة، ويقال: أبو بكر المدنيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وابن لعمار بن ياسر، وعنه ابناه: سعيد ومحمد، وأبو الْعُمَيس، وعكرمة بن عَمّار، وعُمَر بن راشد، وابن أبي ذئب، ويعلى بن الحارث، وغيرهم. قال ابن معين، والعجليّ، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: توفي بالمدينة سنة (١١٩)، وهو ابن (٧٧) سنة، وكان ثقةً، وله أحاديث كثيرةٌ، وهكذا قال ابن المديني في تاريخ وفاته، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا. ٦ - (أَبُوهُ) سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع: سِنَانُ بن عبد الله بن بَشِير بن يَقَظَة بن خُزيمة بن مالك بن سَلامان بن أسلم الأسلميّ، أبو مُسلم، ويقال: أبو إياس، ويقال: أبو عامر، وقيل: اسم أبيه وهب، وقيل: اسم بشير قُشَير، وقيل: قيس. شَهِدَ بيعة الرضوان، وروى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة. وروى عنه ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عُبيد، وعبد الرحمن بن

стр. 1574

عبد الله بن كعب بن مالك، والحسن بن محمد بن الحنفية، وزيد بن أسلم، وموسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ، وغيرهم. كان شجاعًا راميًا، ويقال: كان يَسْبِق الفرس شدًّا على قدميه، وكان يَسْكُن الرَّبَذَة. قال يحيى بن بكير، وغير واحد: مات سنة أربع وسبعين، وهو ابن ثمانين سنة. وفي "صحيح البخاري": عن يزيد بن أبي عُبيد قال: لَمّا قُتل عثمان خَرج سلمة إلى الرَّبَذَة، وتزوج بها امرأة، وولدت له أولادًا، فلم يَزَل بها حتى قبل أن يموت بليال، فنزل المدينة، قال أبو نعيم: استوطن الرَّبَذة بعد قتل عثمان، توفي سنة (٧٤)، وقيل: ستين، وذكر إبراهيم بن المنذر أنه توفي سنة (٦٤)، وذكر الكلاباذي عن الهيثم بن عَدِيّ أنه مات في آخر خلافة معاوية. قال الحافظ: وهو غلطٌ؛ فإن له قصة مع الحجاج بن يوسف الثقفيّ في إنكاره عليه اختيار البدو، واعتذار سلمة بأن النبيّ ﷺ أذن له في البدو، والقصة مشهورة، ذكرها البخاري في "صحيحه"، وغيره، ولم يكن الحجاج في زمن معاوية، ولا ابنه يزيد صاحب أمر، ولا ولاية، وهذا يُرَجِّح قول مَن قال: مات سنة (٧٤)، لكن في تقدير سِنِّه على هذا نظرًا؛ فإنه غَلَطٌ مَحْضٌ؛ إذ يلزم منه أنه شَهِد بيعة الرضوان، وعمره اثنتا عشرة سنة، وقد قال هو فيما صحَّ عنه: بايعت النبيّ ﷺ يومئذ على الموت، ومن كان بهذا السنّ لا يتهيأ منه هذا، فيُحَرَّر هذا، ثم رأيت مَدَار مِقْدَار سنِّهِ على الواقديّ، وهو من تخليطه، والمزيّ تَبعَ فيه صاحب "الكمال"، وكذا النوويّ في "تهذيبه" تَبعَ صاحب "الكمال"، وصاحب "الكمال" تَبعَ ابن طاهر، والصواب خلاف هذا. ثم رجّح الحافظ تاريخ وفاته سنة (٧٤)، وصحّحه في "الإصابة" أيضًا (١).

стр. 1575

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٥) حديثًا (١)، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والعنعنة، من صيغ الأداء، وفيه للمصنّف شيخان، قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وغير مصعب، فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عكرمة، عن إياس، والابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو من الشجعان، يسبق الفرس عدوًا، وقصّته حين أغارت غطفان على لقاح رسول الله ﷺ ، وهي ترعى بذي قَرَد مشهورة في "الصحيحين" وغيرهما، وهذا أول محلّ ذكره من هذا الكتاب، وكذا ولده إياس، ومصعب بن المقدام، وقد مرّ آنفًا عدد ما رواه المصنّف لجميعهم، والله تعالى أعلم. وقوله: ("مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ") وفي رواية أبي عوانة في "مسنده" بلفظ: "من سلّ علينا السلاح"، ورواية ابن حبّان في "صحيحه" بلفظ: "من حمل علينا السلاح". والسّلّ: انتزاعك الشيءَ، وإخراجه في رفق، قال في "القاموس" (٢)، وفي "المصباح": سَلَلْتُ السيفَ سَلًّا، من باب قَتَلَ، وسَلَلْتُ الشيءَ: أخذتُهُ، ومنه قيل: يُسَلُّ الميتُ من قبل رأسه إلى القبر: أي يُؤخذ. انتهى (٣). وتمام شرح الحديث، وفوائده تقدّمت في شرح الحديث الماضي.

стр. 1576

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع ﵁ هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، فلم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٤/ ٢٨٨] (٩٩)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٦٢٤٢)، و (أحمد) في "مسنده" ٤/ ٤٦ و ٥٤، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣١٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٩)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٨١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٥٨٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٦٢٤٢ و ٦٢٤٩ و ٦٢٥١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٥٦٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٩] (١٠٠) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنَ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور قريبًا. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ، أبو عامر الكوفيّ، وهو عَمُّ عبد الله بن عامر بن بَرّاد، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خت م) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ١٤٨.

стр. 1577

[تنبيه]: روى ابن ماجه في "سننه" أحاديث عن عبد الله بن عامر بن بَرّاد، نسبه في بعضها إلى جدّه، فيَظُنُّ الظانُّ أنه هذا، وليس به، فليُتنبّه (١)، والله تعالى أعلم. ٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة المذكور قبل حديث. ٥ - (بُرَيْد) بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، يُكنى أبا بردة، ثقة يُخطئ قليلًا [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١. ٦ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقة [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ١٦/ ١٧١. ٧ - (أَبُو مُوسَى) الأشعريّ، عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ الشهير، مات ﵁ (٥٠) وقيل بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، وأبو كريب أحد مشايخ الستة بلا واسطة، كما مرّ بيان ذلك قريبًا. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه: أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وابن بَرّاد، فتفرّد به هو، وعلّق له البخاريّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، ومسلسل بالكُنى، غير بريد، وأما عبد الله بن برّاد، فمعه أبو بكر، وأبو كريب. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جدّه، عن أبيه، فأبو بردة جدّ

стр. 1578

لبريد بن عبد الله، والله تعالى أعلم، وشرح الحديث وفوائده تقدّمت في حديث ابن عمر ﵄، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٤/ ٢٨٩] (١٠٠)، و (البخاريّ) في "الفتن" (٧٠٧١)، وفي "الأدب المفرد" له (١٢٨١)، و (الترمذيّ) في "الحدود" (١٤٥٩)، و (ابن ماجه) في "الحدود" (٢٥٧٧)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٨٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٥) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا") وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٠] (١٠١) - (حَدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا الَسِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور قبل باب. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن

стр. 1579

محمد بن عبد الله بن عَبْدٍ القاريّ (١) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥. ٣ - (أَبُو الْأَحْوَص، مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّانَ) - بالمثنّاة التحتانيّة - البغويّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن هشيم، وعبد العزيز بن أبي حازم، وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسيّ، وابن علية، ومسلم بن خالد الزنجيّ، ومعاذ بن معاذ، ووكيع، وجماعة. ورَوَى عنه مسلم حديثًا واحدًا، وأحمد بن حنبل، والذهليّ، وأحمد بن منيع، وعثمان بن خُرَّزَاذ، وحاتم بن الليث الجوهري، وعباس الدُّوريّ، وصالح بن محمد، وجماعة. قال عبد الخالق بن منصور: سألت ابن معين عنه، فقال: ليته حَدَّث بما سمع، فكيف يكذب؟، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثبتًا، وقال صالح بن محمد الأسديّ: صدوقٌ، وقال ابن سعد: سَمِع سماعًا كثيرًا، وكان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو، وغيره: مات سنة سبع وعشرين ومائتين. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط (٢). ٤ - (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هو: عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار المخزوميّ مولاهم، أبو تَمّام المدنيّ، صدوق فقيةٌ [٨]. رَوَى عن أبيه، وسُهيل بن أبي صالح، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة، ويزيد بن الهاد، والعلاء بن عبد الرحمن، وكثير بن زيد بن أسلم، وغيهم.

стр. 1580

ورَوَى عنه عبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب، والقعنبي، وإبراهيم بن حمزة الزبيري، وعلي بن المديني، وإسماعيل بن أبي أويس، وسعيد بن أبي مريم، وهشام بن عمار، ومحمد بن الصبّاح الجرجرائيّ، وغيرهم. قال أحمد: لم يكن يُعْرَف بطلب الحديث، إلا كتب أبيه، فإنهم يقولون: إنه سمعها، وكان يتفقه، لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه، ويقال: إن كتب سليمان بن بلال وقعت إليه ولم يسمعها، وقد رَوَى عن أقوام لم يكن يُعرف أنه سمع منهم، وقال ابن معين: ثقة صدوق، ليس به بأس، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عبد العزيز بن أبي حازم، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: متقاربون، قيل له: فعبد العزيز؟ قال: صالح الحديث، وقال هو، وأبو زرعة: عبد العزيز أفقه من الدَّرَاوردي، وأوسع حديثًا منه، وقال النسائي: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس، وذكره ابن عبد البر فيمن كان مدار الفتوى عليه في آخر زمان مالك وبعده، وقال أحمد بن عليّ الأَبّار: ثنا أبو إبراهيم التَّرْجُمانيّ قال: قال مالك: قومٌ يكون فيهم ابن أبي حازم لا يُصيبهم العذاب، قال أبو إبراهيم: مات وهو ساجد، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (١٨٤)، وله ثنتان وثمانون سنة، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، دون الدَّرَاوردي، وقال مصعب الزبيري: كان فقيهًا، وقد سمع مع سليمان بن بلال، فلما مات سليمان أوصى له بكتبه. وقال العجليّ، وابن نمير: ثقة. وقال ابن سعد: وُلد سنة (١٠٧)، وقال عبد الرحمن بن شيبة: مات سنة أربع وثمانين ومائة، وهو ساجد، وكذا أَرّخه مُطَيَّن، وزاد: ويقال: سنة (١٨٢). أخرج الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا. ٥ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر حفظه بآخره [٦] مات في خلافة المنصور (ع) تقَدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١. ٦ - (أَبُوهُ) هو: أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →