وهي نور للمؤمنين، ولاسيما صلاة الليل، كما قال أبو الدرداء ﵁: "صَلُّوا ركعتين في ظُلَم الليل لظلمة القبور"، وكانت رابعة قد فَتَرَت عن وردها بالليل مُدّةً، فأتاها آتٍ في منامها، فأنشدها:
صَلَاتُكِ نُورٌ وَالْعِبَادُ رُقُودُ … وَنَوْمُكِ ضِدٌّ لِلصلَاةِ عَنِيدُ
وهي في الآخرة نور للمؤمنين في ظلمات القيامة، وعلى الصراط، فإن الأنوار تُقْسَم لهم على حسب أعمالهم.
وفي "المسند" (١)، و"صحيح ابن حبان" (٢) عن عبد الله بن عَمرو ﵄، عن النبيّ ﷺ أنه ذكر الصلاة، فقال: "من حافظ عليها كانت له نورًا، وبرهانًا، ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا، ولا برهانًا، ولا نجاةً".
وأخرج الطبراني بإسناد فيه نظرٌ، من حديث ابن عباس، وأبي هريرة ﵃، عن النبيّ ﷺ : "من صلى الصلوات الخمس في جماعة، جاز على الصراط كالبرق اللامع، في أول زمرة من السابقين، وجاء يوم القيامة، ووجهه كالقمر ليلة البدر" (٣).
(المسألة السابعة): في قوله ﷺ : "والصدقة برهان"، و"البرهان": هو الشعاع الذي يلي وجه الشمس، ومنه حديث أبي موسى ﵁: "أن روح المؤمن تخرج من جسده لها برهان، كبرهان الشمس"، ومنه سُمِّيت الحجة القاطعة برهانًا، لوضوح دلالتها على ما دَلَّت عليه، فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان، وطيبُ النفس بها علامةٌ على وجود حلاوة الإيمان وطعمه، كما في حديث عبد الله بن معاوية العامريّ ﵁، عن النبيّ ﷺ : "ثلاثٌ من فَعَلهنّ، فقد طَعِم طَعْمَ الإيمان: مَن عَبَد الله وحده، وأنه لا إله إلا الله، وأَدَّى زكاةَ
стр. 3257
ماله، طيبةً بها نفسه، رافدةً عليه في كل عام"، وذكر الحديث، أخرجه أبو داود (١).
وقد تقدّم قريبًا حديث أبي الدرداء ﵁ فيمن أَدَّى زكاة ماله طَيِّبَةً بها نفسه، قال: وكان يقول: لا يفعل ذلك إلا مؤمنٌ.
وسبب هذا أن المال تُحِته النفوس، وتَبْخَل به، فإذا سَمَحَت بإخراجه لله دَلَّ ذلك على صحة إيمانها بالله، ووعده ووعيده، ولهذا مَنَعَت العربُ الزكاةَ بعد النبيّ ﷺ ، وقاتلهم الصديق ﵁ على منعها، والصلاة أيضًا برهان على صحة الإسلام.
وأخرج الإمام أحمد (٢)، والترمذيّ من حديث كعب بن عُجْرَة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "الصلاة برهان" (٣).
وقد تقدّم في شرح حديث: "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" متّفق عليه، أن الصلاة هي الفارقة بين الكفر والإسلام والإيمان، وهي أيضًا أولُ ما يُحاسب به المرء يوم القيامة، فإن تمّت صلاته فقد أفلح وأنجح، وقد سبق حديث عبد الله بن عمرو ﵁ فيمن حافظ عليها أنها تكون له نورًا، وبرهانًا، ونجاةً يوم القيامة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في قوله ﷺ : "والصبر ضياء"، والضياء هو النور الذي يَحصل فيه نوع حرارة وإحراق، كضياء الشمس، بخلاف القمر، فإنه نورٌ محضٌ، فيه إشراق بغير إحراق، قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً
стр. 3258
وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]، ومن هنا وَصَف الله شريعة موسى؛ بأنها ضياء، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ [الأنبياء: ٤٨]، وإن كان قد ذَكَر أن في التوراة نورًا، كما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، لكن الغالب على شريعتهم الضياء؛ لما فيها من الآصار والأغلال والأثقال.
ووَصَفَ شريعة محمد ﷺ بأنها نورٌ؛ لما فيها من الحنيفية السمحة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، وقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].
ولما كان الصبر شاقًّا على النفوس يَحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها، وكفّها عما تهواه، كان ضياءً، فإن معنى الصبر في اللغة الحبس، ومنه قتل الصبر، وهو أن يُحْبَس الرجل حتى يُقْتَل، والصبر المحمود أنواع: منه صبر على طاعة الله ، ومنه صبر عن معاصي الله ، ومنه صبر على أقدار الله ، والصبر على الطاعات، وعن المحرمات أفضل من الصبر على الأقدار المؤلمة، صَرَّح بذلك السلف، منهم سعيد بن جبير، وميمون بن مِهْران، وغيرهما، وقد رُوي بإسناد ضعيف من حديث عليّ ﵁ مرفوعًا: "إن الصبر على المعصية يُكتب به للعبد ثلاثُمائة درجة، وإن الصبر على الطاعة يُكتب به ستمائة درجة، وإن الصبر عن المعاصي يُكتب له به تسعمائة درجة"، وقد أخرجه ابن أبي الدنيا، وابن جرير الطبريّ (١).
وأفضل أنواع الصبر الصيامُ، فإنه يَجمَع الصبر على الأنواع الثلاثة؛ لأنه صبر على طاعة الله ، وصبر عن معاصي الله؛ لأن العبد يترك شهواته لله،
стр. 3259
ونفسه قد تنازعه إليها، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: "إن الله يقول: كلُّ عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به، لأنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي" (١)، وفيه أيضًا صبر على الأقدار المؤلمة، بما قد يَحصُل للصائم من الجوع والعطش، وكان النبيّ ﷺ يُسَمِّي شهر الصيام شهر الصبر، وقد جاء في حديث الرجل من بني سُليم، عن النبيّ ﷺ أن الصوم نصف الصبر، وربما عَسُر الوقوف على سِرّ كونه نصف الصبر أكثر من عُسْر الوقوف على سرّ كون الطهور شطر الإيمان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في قوله ﷺ : "والقرآن حجةٌ لك، أو عليك"، قال الله : (﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]، قال بعض السلف: ما جالس أحدٌ القرآن، فقام عنه سالِمًا، بل إما أن يَرْبَح، أو أن يَخسر، ثم تلا هذه الآية.
ورُوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ ﷺ قال: "يُمَثَّل القرآن يوم القيامة رجلًا، فيؤتى بالرجل، قد حمله، فخالف أمره، فيتمثل له خصمًا، فيقول: يا رب حَمّلته إياي، فشرّ حامل، تعدَّى حدودي، وضَيّع فرائضي، ورَكِب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يَقْذِف عليه بالحجج، حتى يقال: شأنَكَ به، فيأخذه بيده فما يرسله حتى يَكُبّه على مَنخِره في النار، ويؤتى بالرجل الصالح، كان قد حَمَله، فيَتَمَثّل خصمًا دونه، فيقول: يا رب حَمّلته إياي، فخير حامل، حَفِظَ حدودي، واجتنب معصيتي، واتَّبَع طاعتي، فما يزال يَقْذِف له بالحجج، حتى يقال: شأنَك به، فيأخذه بيده، فما يرسله حتى يُلْبِسه حُلَّة الإستبرق، ويَعْقِد عليه تاج الملك، ويسقيه كأس الخمر" (٢).
стр. 3260
وقال ابن مسعود ﵁: "القرآن شافع مشفَّع، وماحلٌ مُصَدَّق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره قاده إلى النار" (١).
وعنه ﵁ قال: "يجيء القرآن يوم القيامة، فيَشْفَع لصاحبه، فيكون قائدًا إلى الجنة، أو يشهد عليه، فيكون سائقًا إلى النار".
وقال أبو موسى الأشعريّ ﵁: "إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا، وكائن عليكم وزرًا، فاتبعوا القرآن، ولا يتبعكم القرآن، فإنه من اتَّبَع القرآن هَبَط به على رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زَخّ في قفاه، فقذفه في النار" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): في قوله ﷺ : "كلُّ الناس يَغْدُو، فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها".
وأخرج الإمام أحمد، وابن حبان من حديث كعب بن عجرة ﵁ (٣) عن النبيّ ﷺ قال: "الناس غاديان: فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها"، وفي رواية أخرى، أخرجها الطبرانيّ: "الناس غاديان: فبائع نفسه فموبقها، وقائد نفسه فمعتقها"، وقال الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا
стр. 3261
(٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
والمعنى قد أفلح من زَكَّى نفسه بطاعة الله، وخاب من دسّاها بالمعاصي، فالطاعة تُزكي النفس، وتطهرها، فترتفع بها، والمعاصي تُدَسِّي النفس، وتقمعها، فتنخفض، وتصير كالذي يُدَسّ في التراب.
ودَلّ الحديث على أن كل إنسان إما ساعٍ في هلاك نفسه، أو في فَكاكها، فمن سعى في طاعة الله، فقد باع نفسه لله، وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصية الله تعالى، فقد باع نفسه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه، قال الله تعالى: (﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]، وفي "الصحيحين"، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل الله عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]: "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئًا"، وفي رواية البخاريّ: "يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله، يابني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عمة رسول الله، يا فاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئًا"، وفي رواية لمسلم: أنه دعا قريشًا فاجتمعوا، فعَمّ وخَصّ، فقال: "يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا".
وأخرج الطبرانيّ، والخرائطيّ، من حديث ابن عباس ﵁ مرفوعًا: "مَن قال إذا أصبح: سبحان الله وبحمده، ألف مرة، فقد اشترى نفسه من الله،
стр. 3262
وكان من آخر يومه عتيقًا من النار" (١).
وقد اشترى جماعة من السلف أنفسهم من الله بأموالهم، فمنهم من تصدّق بماله كله، كحبيب بن أبي محمد، ومنهم من تصدق بوزنه فضةً ثلاث مرات، أو أربعًا، كخالد الطحان، ومنهم من كان يجتهد في الأعمال الصالحة، ويقول: إنما أنا أسير، أسعى في فَكاك رقبتي، منهم عمرو بن عُتبة، وكان بعضهم يسبّح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة بقدر ديته، كأنه قد قَتَل نفسه، فهو يفتكّها بديتها.
قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله ، وقال: ابنَ آدم، إنك تغدو وتروح في طلب الأرباح، فليكن همك نفسك، فإنك لن تربح مثلها أبدًا.
قال أبو بكر بن عياش: قال لي رجل مرةً، وأنا شابّ: خَلِّص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة، فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبدًا، قال: فوالله ما نسيتها بعدُ.
وكان بعض السلف يبكي، ويقول: ليس لي نفسان، إنما لي نفس واحدة، إذا ذهبت لم أجد أخرى.
وقال محمد ابن الحنفية: إن الله جعل الجنة ثمنًا لأنفسكم، فلا تبيعوها بغيرها، وقال أيضًا: من كَرُمت نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدر، وقيل له: من أعظم الناس قدرًا؟ قال: من لم ير الدنيا كلها لنفسه خطرًا.
وأنشد بعض المتقدمين [من الطويل]:
أُثَامِنُ بِالنَّفْسِ النَّفِيسَةِ رَبَّهَا … وَلَيْسَ لَهَا فِي الْخَلْقِ كُلِّهِمُ ثَمَنْ
بِهَا تُمْلَكُ الأُخْرَى فَإِنْ أَنَا بِعْتُهَا … بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا فَذَاكَ هُوَ الْغَبَنْ
لَئِنْ ذَهَبَتْ نَفْسِي بِدُنْيَا أُصِيبُهَا … لَقَدْ ذَهَبَتْ نَفْسِي وَقَدْ ذَهَبَ الثَّمَنْ
انتهى ما كتبه الحافظ ابن رجب ﵀ ببعض تصرّف (٢). وهو تحقيقٌ
стр. 3263
نفيسٌ، وبحث أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم: هل توزن الأعمال، أم ثوابها؟:
ذكر الإمام ابن كثير ﵀ في "تفسيره" ٢/ ٢٠٣ اختلافهم في ذلك، فقال ﵀ عند قوله : ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ الآية [الأعراف: ٨] ما نصّه:
والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال، وإن كانت أعراضًا، إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجسامًا، قال البغوي: يُرْوَى نحو هذا عن ابن عباس ﵄، كما جاء في "الصحيح" من "أن البقرة، وآل عمران، يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيابتان، أو فرقان من طير صواف".
ومن ذلك في "الصحيح" قصة القرآن، وأنه "يأتي على صاحبه في صورة شابّ شاحبِ اللون، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك، وأظمأت نهارك".
وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر: "فيأتي المؤمن شابٌّ، حسنُ اللون طيب الريح، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح"، وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق. وقيل: يوزن كتاب الأعمال، كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به، ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سِجِلًّا، كل سِجِلّ مدّ البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها لا إله إلا الله، فيقول: يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم، فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان، قال رسول الله ﷺ : "فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة"، رواه الترمذي بنحو من هذا، وصححه.
وقيل: يوزن صاحب العمل، كما في الحديث: "يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين، فلا يَزِن عند الله جناح بعوضة، ثم قرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾، وفي مناقب عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: "أتعجبون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أُحد".
وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحًا، فتارةً توزن الأعمال، وتارةً توزن مَحَالّها، وتارة يوزن فاعلها، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى.
стр. 3264
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الوجه الذي ذكره الإمام ابن كثير ﵀ في وجه الجمع حسنٌ جدًّا؛ إذ به تجتمع النصوص المذكورة ونحوها، دون تعارض، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢) - (بَابُ وَجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٤١] (٢٢٤) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَلَى ابْنِ عَامِرٍ يَعُودُهُ، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقَالَ: أَلا تَدْعُو اللهَ لِي يَا ابْنَ عُمَرَ؟، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ"، وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) الخراسانيّ، نزيل مكة، تقدّم قريبًا.
٢ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) (١) فُضيل بن حُسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م دت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٤ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٥ - (سِمَاك بْنُ حَرْبِ) بن أوس بن خالد الذّهْليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، مضطرب في عكَرمة خاصّةً، وتغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
стр. 3265
٦ - (مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقاص الزهريّ، أبو زُرارة المدنيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وعليّ، وطلحة، وعكرمة بن أبي جهل، وعديّ بن حاتم، وابن عمر.
وروى عنه مجاهدٌ، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وسماك بن حرب، وعبد الملك بن عُمير، وعاصم بن بَهدلة، والزبير بن عديّ، والحكم بن عتيبة، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان ثقةً كثيرَ الحديث، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال البخاري في "التاريخ الصغير": لم يسمع من عكرمة بن أبي جهل، وقال البيهقيّ في "المدخل": حديثه عن عثمان منقطع، قال الحافظ: ووقفت في "كتاب المصاحف" لابن أبي داود على ما يدلّ على صحة سماعه منه. انتهى.
وقال عمرو بن عليّ وغير واحد: مات سنة ثلاث ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄ الصحابيّ الشهير تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، وأبو كامل، وسماك بن حرب علّق لهما البخاريّ، وأخرج لهما الباقون.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سماكٌ، عن مصعب.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ) بن أبي وقّاص، أنه (قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄ (عَلَى ابْنِ عَامِرٍ) هو: عبد الله بن عامر بن كُرَيز
стр. 3266
- بالتصغير - ابن رَبيعة بن حَبيب بن عبد شمس بن عبد مناف الْقُرشيّ الْعَبْشميّ، ابن خال عثمان ﵁؛ لأنّ أمّ عثمان هي أَرْوَى بنت كُرَيز، واسمُ أم عبد الله بن عامر: دَجَاجة بنت أسماء بن الصَّلْت السُّلَميّة.
ذكره ابن مَنْدَهْ في "الصحابة"، وقال: مات النبيّ ﷺ ، وله ثلاث عشرة.
وتعقّبه الحافظ، قال: هو غلط، فقد ذكر عُمَر بن شَبَّة في أخبار البصرة، أن النبيّ ﷺ لَمّا فَتَحَ مكة وَجَد عند عُمير بن قتادة الليثيّ خمس نسوة، فقال: فارق إحداهنّ، ففارق دَجاجة بنت الصَّلْت، فتزوجها عامر بن كُرَيز، فوَلَدت له عبد الله، فعلى هذا كان له عند الوفاة النبوية دون السنتين.
وأثبت ابنُ حبان له الرُّويَة، وأورد له ابن مندهْ حديثًا، من طريق حنظلة بن قيس، عن عبد الله بن الزبير، وعبدِ الله بنِ عامر أنّ رسول الله ﷺ قال: "مَن قُتِل دون ماله، فهو شهيد".
وذَكَرَ غير واحدٍ أنه أُتِيَ به النبيُّ ﷺ لَمّا وُلد، فقال: "هذا يُشْبِهُنا"، وجَعَل يَتْفُل في فيه، ويعود، فَجَعَلَ يتبلع ريق النبيّ ﷺ ، فقال النبيّ ﷺ : "إنه لَمَسْقِيٌّ"، فكان لا يُعَالج أرضًا إلا ظَهَر له الماء، وهو صاحب نهر ابن عامر، وكان ابن عامر جوادًا، شُجاعًا، ولاه عثمان البصرةَ بعد أبي موسى الأشعريّ سنة تسع وعشرين، وضمّ إليه فارس بعد عثمان بن أبي العاص، فافْتَتَحَ في إمارته خُرَاسان كلَّها، وسجِسْتان، وكِرْمان، حتى بلغ طَرَفَ غَزْنَةَ، وفي إمارته قُتِلَ يَزْدَجْرِد آخر ملوك الفرس، وأحرم ابن عامر من خُراسان، فَقَدِم على عثمان ﵁ فلامه، وقال: غَرَّرتَ بنفسك.
وقال البخاريّ في "صحيحه": وكره عثمان أن يُحرِم من خُراسان، وكِرْمان.
فذكر الحافظ في "تغليق التعليق" أن سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، أَخرجا من طريق الحسن، وعبد الرزاق من طريق ابن سيرين جميعًا: أن عبد الله بن عامر أَحْرَم من خُراسان، فلما قَدِمَ على عثمان لامَهُ فيما صَنَعَ، وكرهه، زاد ابن سيرين: وقال له: غَرَّرْتَ بنفسك.
وأخرج حديثه البيهقيّ من طريق داود بن أبي هند، لَمّا فَتَحَ خراسان قال: لأَجْعَلَنّ شُكري أن أُحْرِم من موضعي، فأَحْرَم من نيسابور، فلما قَدِمَ على عثمان لامه.
стр. 3267
وقال أبو عمر: قَدِم ابنُ عامر بأموال عظيمة، فَفَرَّقها في قريش والأنصار، قال: وهو أول مَن اتَّخَذ الحياض بِعَرَفَةَ، وأجرى إلى عرفة العين، وشَهِدَ الجمل مع عائشة ﵄، ثم اعتَزَل الحرب بصفين، ثم ولاه معاوية البصرة، ثم صرفه بعد ثلاث سنين، فتَحَوَّل إلى المدينة، حتى مات بها سنة سبع، أو ثمان وخمسين.
وليس له في الكتب الستة رواية، وإنما ذكره الحافظ في "تهذيب التهذيب" للتمييز، ولأن البخاري أشار إلى قصته المذكورة (١)، والله تعالى أعلم.
(يَعُودُهُ) أي يزوره، قال الفيّوميّ ﵀: وعُدتُ المريضَ عِيَادةً: زُرْتُهُ، فالرجلُ عائدٌ، وجمعه عُوّاد، والمرأة عائدةٌ، وجمعها عُوَّدٌ بغير ألف، قال الأزهريّ: هكذا كلام العرب. انتهى (٢). وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
وِمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا … وَذَانِ فِي الْمُعَلّ لَامًا نَدَرَا
وجملة "يعوده" في محلّ نصب حالٌ من "عبد الله"، وقوله: (وَهُوَ مَرِيضٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من ضمير النصب في "يعوده" (فَقَالَ) ابن عامر (أَلا) أداة تحضيض (تَدْعُو اللهَ لِي يَا ابْنَ عُمَرَ؟) أي بأن يشفيه من مرضه (قَالَ) عبد الله بن عمر ﵄ (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) وفي رواية أبي عوانة في "مسنده" من طريق شعبة، عن سماك: "جعل الناسُ يُثنون على ابن عامر عند موته، فقال ابن عمر: أما إني لستُ بأغشّهم لك، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا يقبل صلاةً. . ."، فذكره (٣).
وعند أبي نعيم في "مستخرجه": "قال: دخل ابن عمر على عبد الله بن عامر يعوده، فجعل الناس يُثنون على ابن عامر، وابن عمر ساكتٌ، فقال ابن
стр. 3268
عامر: يا أبا عبد الرحمن ما يَمنعُك أن تقول؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ . . .، فذكره.
(يَقُولُ: "لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها، وهو قوله: (تُقْبَلُ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (صَلَاةٌ) إنما نكّرها؛ ليعمّ الفرض والنفل، قال السنديّ: قبول الله تعالى رضاه به، وثوابه عليه، وعدم القبول أن لا يُثيبه عليه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير القبول بالرضا تفسير باللازم، وهو غير صحيح، بل الصواب أن القبول، كالرضا، والمحبّة، وسائر صفات الله تعالى على ظاهر معناه المعروف من لغة العرب، فهي صفات لله تعالى ثابتة له كما أثبتتها النصوص الصحيحة، على ما يليق بجلاله ، فنُثبتها له إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال العلامة ابن الملقّن ﵀: القبول يراد في الشرع: حصول الثواب، وقد تتخلّف الصحّة عن الثواب، بدليل صحّة صلاة العبد الآبق، ومن أتى عرّافًا، وشارب الخمر إذا لم يَسكَر ما دام في جسده شيء منها، وكذا الصلاة في الدار المغصوبة على الصحيح عندنا - يعني الشافعيّة -.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: بدليل صحّة صلاة العبد الآبق. . إلخ فيه نظر لا يخفى، فأين في ليل صحّة صلاة هؤلاء؟، وكذا قوله: "بصحّة الصلاة في الدار المغصوبة"، فالراجح عندي ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ من عدم صحّتها، وقد حقّقت هذا في شرح "التحفة المرضيّة" في الأصول، فراجعه تستفد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: فأما ملازمة القبول للصحّة، ففي قوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار"، صححه الأئمة: ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم.
والمراد بها مَنْ بَلَغت سنّ الحيض، فإنه لا تُقبل صلاتها إلا بسترتها، ولا تصحّ، ولا تُقبل مع الكشاف عورتها.
стр. 3269
والقبول مفسّر بترتّب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، يقال: قَبِلَ فلان عذر فلان: إذا رتّب على عذره الغرض المطلوب منه، وهو محو الجناية والذنب، فقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضّأ" هو عامّ في عدم القبول من جميع الْمُحْدِثين في جميع أنواع الصلاة.
والمراد بالقبول وقوعُ الصلاة مُجزئةً بمطابقتها للأمر، فعلى هذا يلزم من القبول الصحّة في الظاهر والباطن، ومتى ترتّب القبول ثبتت الصحّة، ومتى ثبتت الصحّة ثبت القبول.
ونُقِل عن بعض المتأخّرين أن القبول عبارة عن ترتّب الثواب والدرجات العلى على العبادة، والإجزاءَ عبارة عن مطابقة الأمر، فهما متغايران، أحدهما أخصّ من الآخر، ولا يلزم من نفي الأخصّ نفي الأعمّ، فالقبول على هذا التفسير أخصّ من الصحّة، فكلّ مقبول صحيح، ولا عكس، وهذا إن نفع في نفي القبول مع بقاء الصحّة فيما سَلَف ضرّ في نفي القبول مع نفي الصحّة، كما هو محكيّ عن الأقدمين، إلا أن يقال: دلّ الدليل على كون القبول من لوازم الصحّة، فإن انتفى انتفت، فيصحّ الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحّة، ويُحتاج في نفيه مع بقائها في تلك الأحاديث إلى تأويل، أو تخريج جواب، وَيرُدّ على من فسّر القبول بكون العبادة مثابًا عليها، أو مرضيّةً، مع أن قواعد الشرع تقتضي أن العبادة إذا أتى بها مطابقةً للأمر كانت سببًا للثواب في ظواهر لا تُحصى. انتهى (١).
قال الجامع: قد سبق أن نبّهت أن عدم ثبوت الصحّة مع القبول مما لا دليل عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(بِغَيْرِ طُهُورٍ) بضمّ الطاء؛ لأن المراد به فعل الطهارة، وأما بفتحها فهو اسم لما يُتطهّر به من الماء، والتراب، وقيل: بالفتح يُطلق على الفعل والماء، فيجوز هنا الوجهان، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في المسألة الخامسة من المسائل المتقدّمة أول "كتاب الطهارة"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
قيل: المعنى: لا تُقبل صلاةٌ بلا طُهُور، وليس المعنى صلاة ملتبسةً
стр. 3270
بشيء مغاير للطُهُور؛ إذ لا بدّ من ملابسة الصلاة بما يُغاير الطهور، بل المراد ضدّ الطهور؛ حملًا لمطلق المغايرة على الكامل، وهو الحدث (١).
والمراد بالطهور ما هو أعمّ من الوضوء والغسل، قاله في "الفتح" (٢).
(وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ) أي ولا تُقبل صدقة من مالٍ حرام، و"الصدقة": هي العطيّة التي يريد صاحبها الثواب من الله تعالى، وهي نكر في سياق النفي، فتعمّ الفرض والنفل، والغرض منها طهارة النفس من رَذِيلة البخل والقسوة، وعودُ البركة على المال، كما قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] (٣).
و"الْغُلُول" - بضم الغين المعجمة - مصدر غَلَّ يَغُلّ، من باب قَعَد، وأغلّ بالألف لغةٌ: إذا خان في المغنم وغيره، وقال ابن السّكّيت: لم نسمع في المغنم إلا غَلَّ ثلاثِيًّا، وهو متعدّ في الأصل، لكن أُميت مفعوله، فلم يُنطَق به. انتهى (٤).
وقال بعضهم: "الغلول": السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة، ويُطلق أيضًا على أخذ مال الغير خُفْيةً مُطلقًا، من غنيمة، أو غيرها، والمراد هنا مطلق المال الحرام، أُخذ خُفيةً أم لا؟، وسُمّي غُلُولًا؛ لأن الأيدي يُجعَل فيها الغلّ بسببه، و"الغُلُّ": الحديدة التي تَجمَع يد الأسير إلى عنقه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد أن كلّ مال يأخذه الشخص من غير حلّه، ثم يتصدّق به لا تُقبل منه تلك الصدقة، ولو نوى التصدّق عن صاحبها، ولا تسقط عنه تبعته - اللهم إلا إذا رَضي صاحبه، وجعله في حلّ من ذلك (٥).
(وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ) أي كنت واليًا عليها، ومعنى كلام ابن عمر ﵁ هذا أنك لست بسالم من الغلول، فقد كنتَ واليًا على البصرة، وتعَلَّقت بك تَبِعاتٌ من حقوق الله تعالى، وحقوق العباد، ولا يُقْبَل الدعاء لمن هذه صفته، كما لا تقبل الصلاة والصدقة إلا من مُتَصَوِّن.
стр. 3271
قال النوويّ ﵀: والظاهر - والله أعلم - أن ابن عمر ﵄ قَصَدَ زجر ابن عامر، وحَثَّه على التوبة، وتحريضه على الإقلاع عن المخالفات، ولم يُرِد القطع حقيقةً بأن الدعاء للفساق لا يَنفع، فلم يزل النبيّ ﷺ ، والسلف والخلف، يدعون للكفار، وأصحاب المعاصي بالهداية والتوبة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٢/ ٥٤١ و ٥٤٢] (٢٢٤)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٢٧٢)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٨٧٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٤ - ٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٩ - ٢٠ و ٣٧ و ٣٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٣٥ و ٦٣٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٣٥ و ٥٣٦ و ٥٣٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣٦٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤٢) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عدم قبول الصلاة بلا طهارة.
٢ - (ومنها): وجوب الطهارة للصلاة مطلقًا، فرضًا كانت أو نفلًا، ولا فرق بين صلاة الجنازة وغيرها؛ خلافًا لما حُكي عن الشعبيّ، والطبري، من إجازتهما صلاة الجنازة بلا طهارة، وهو مذهب باطلٌ؛ لأحاديث الباب، وإجماع أهل العلم على خلافه.
وقال الكرمانيّ ﵀: فيه أن الطواف لا يُجزئ بغير طُهُور؛ لأن النبيّ ﷺ سمّاه صلاةً، فقال: "الطواف صلاة، فأقفوا فيه من الكلام" (٢)، وتعقّبه العينيّ،
стр. 3272
وحمل الحديث على التشبيه، وقال: الطواف كالصلاة في الثواب دون الحكم، ثم قال: ألا ترى أن الانحراف، والمشي في الطواف لا يُفسده. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الكرمانيّ من الاستدلال بهذا الحديث على وجوب الطهارة للطواف هو الحقّ عندي؛ لوضوحه، وأما ردّ العينيّ عليه، ففيه نظر لا يخفى؛ إذ لا دليل على حمله على الثواب، بل الظاهر حمله على الحكم والثواب معًا، بل حمله على الحكم أوضح؛ لقوله: "إلا أنكم تتكلمون"، فاستثناؤه إباحة الكلام من أحكامه دليل على أنه أراد الحكم، وأما قوله: "ألا ترى أن الانحراف. . إلخ"، فليس بشيء؛ لأن الانحراف والمشي يجوز في الصلاة في بعض حالاتها، مثل حالة الخوف، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أنه يدلّ على بطلان الصلاة بالحدث، سواء كان خروجه اختيارًا، أم اضطرارًا؛ لعدم تفريقه ﷺ بين حالة وحالة، وقد حُكي عن مالك، والشافعيّ في القديم، وغيرهما أنه إذا سبقه الحدث يتوضّأُ، ويَبني على صلاته، لكن إطلاق الحديث يردّه (١)، فتأمله، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): بطلان الصدقة من الغلول، وعدم قبولها، فإذا بطلت الصدقة بسبب ما يقارنها من المعاصي بنصّ قوله : ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فلأن تبطل بكونها مالًا حرامًا من بابٍ أولى؛ إذ التصدّق من غُلول يجعل الصدقة عين المعصية؛ لأن الغالّ في دفعه المال للفقير غاصبٌ معتدٍ بتصرّفه في ملك الغير بغير إذنه، فهو آثم باستيلائه على المال، وآثم بتصرّفه بالتصدّق؛ لأن الواجب على من أخذ مال غيره بغير إذن شرعيّ أن يردّه إليه، أو إلى ورثته، ولا يُغني عنه التصدّق به شيئًا، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): تحريم الطاعة بالمال الحرام مطلقًا، وهو كلّ ما أخذ من
стр. 3273
غير وجه شرعيّ، قيل: ويدخل فيه صدقة المرأة من مال زوجها بغير رضاه، وصدقة العبد من مال سيّده بغير إذنه.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا فيما إذا كان على وجه الإفساد، بأن كان كثيرًا، لا يُتسامح فيه، أو كان الزوج والسيّد محتاجًا إليه؛ لفقره، ونحوه، وإلا فلا يحرم؛ لما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها عن غير أمره، فلها نصف أجره".
وأخرجا أيضًا من حديث عائشة ﵂، مرفوعًا: "إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها، غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا يَنقُص بعضهم من أجر بعض"، والله تعالى أعلم.
ويدخل أيضًا صدقة الوكيل من مال موكّله، والشريك من مال شريكه، والوصيّ الذي وُكِل إليه التصدّق بمال، فأنفقه على نفسه، أو أخرجه في غير مصرفه، ونُظّار الأوقاف الذين يتناولون من رَيعِها من غير استحقاق، ثم يتصدّقون بها، أو يَصرِفون رَيعها في غير مصرفه.
ومن هذا قالوا: إن من أخذ مال غيره بلا وجه شرعيّ لزمه ردّه لصاحبه إن كان حيًّا، وإلا ردّه على ورئته، فإن لم يكن له ورثةٌ يتصدّق به عنه، ويُرجَى له الخلاص يوم القيامة، وكذا إذا لم يَدْرِ صاحبه، أو استولى عليه بعقد فاسد، ولم يتمكّن من فسخه، فإنه يتصدّق به على الفقراء تخلّصًا من الحرام، لا طمعًا في الثواب؛ إذ لا ثواب فيه؛ لهذا الحديث، ولقوله : ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] (١).
٦ - (ومنها): ما قيل: الحكمةُ في جمعه ﷺ بين الصلاة والصدقة في هذا الحديث أن العبادة نوعان: بدنيّ، وماليّ، فاختار من البدنيّ الصلاةَ؛ لكونها تالية الإيمان في الكتاب والسنّة، ولكونها عماد الدين، والفارقة بين الإسلام والكفر، واختار من الماليّ الصدقة؛ لكثرة نفعها، وعموم خيرها، ولكون كلّ منهما محتاجًا إلى الطهارة، أما الصلاة فلاحتياجها إلى طهارة
стр. 3274
الثوب والبدن والمكان، وأما الصدقة فلاحتياجها إلى طهارة القلب عن الرياء ونحوه، والمال عن الغلول ونحوه (١).
٧ - (ومنها): طلب الدعاء من أهل الصلاح والخير؛ إذ لم يُنكر ابن عمر، ولا غيره في طلب ابن عامر من ابن عمر أن يدعو له، وإنما لم يدع له؛ لما ذكره من الموانع، والله تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): شدّة ابن عمر ﵄ في الدين، وقيامه بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر خير قيام، دون مجاملة، أو مداراة، فقد قام بتخويف ابن عامر بأن مظالمه التي ارتكبها قد تمنع من قبول الدعاء، والظاهر أنه أراد بذلك زجره، وحثّه على التوبة منها، والإقلاع عن المخالفات كلها لا إقناطه عن رحمة الله تعالى.
وقال الأبيّ: لعل مذهب ابن عمر ﵄ أنه لا يُدعى للمتلبّس بالمخالفة، وإلا فهو جائز. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قدّمته من أنه أراد الزجر، لا الإقناط، هو الظاهر؛ لأن فقه ابن عمر ﵄، وفهمه يدلّ عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): أن فيه إشارة إلى أن تناول الحرام مما يمنع قبول الدعاء، وهو ما دلّ عليه حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس إن الله طَيِّبٌ، لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذَكَر الرجلَ، يُطيل السفرَ، أشعثَ، أغبرَ، يَمُدّ يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ "، أخرجه المصنّف ﵀ (٣).
١٠ - (ومنها): تحريم الغلول، وأن ما أُخذ به من المال مال خبيثٌ،
стр. 3275
قال : ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية، وقد وردت أحاديث في النهي عن الغلول:
(فمنها): ما أخرجه الإمام أحمد، والشيخان من حديث أبي حُميد الساعدي ﵁ قال: استَعْمَل رسول الله ﷺ رجلًا من الأزد، يقال له: ابن اللُّتَبِيّة على الصدقة، فجاء، فقال: هذا لكم، وهذا أُهدي لي، فقام رسول الله ﷺ على المنبر، فقال: "ما بال العامل نبعثه على عمل، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا جَلَس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيُهْدَى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده، لا يأتي أحدكم منها بشيء، إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، وإن بعيرًا، له رُغَاء، أو بقرةً لها خُوَار، أو شاةً تَيْعَر"، ثم رفع يديه حتى رأينا عُفْرة إبطيه، ثم قال: "اللهم هل بلّغت" - ثلاثًا -.
(ومنها): "ما أخرجوه أيضًا من حديث أبي هريرة ﷺ ، قال: قام فينا رسول الله ﷺ يومًا، فذكر الغُلُول، فعظمه، وعَظّم أمره، ثم قال: "لا أُلْفِيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته بعير له رُغَاء، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلّغتك، لا أُلفِيَن أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته فرسٌ لها حمحمة، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك، لا أُلفين أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته صامتٌ، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك".
(ومنها): ما أخرجه الإمام أحمد ﵀ بسند حسن، عن أبي رافع ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل، فيتحدث معهم، حتى يَنْحَدِر إلى المغرب، قال أبو رافع: فبينما رسول الله ﷺ مسرعًا إلى المغرب، إذ مر بالبقيع، فقال: "أُفّ لك، أُفّ لك" مرتين، فَكَبُر في ذَرْعِي، وتأخرت، وظننت أنه يُريدني، فقال: "ما لك؟ امْشِ". قال: قلتُ: أحدثتُ حدثًا يا رسول الله؟، قال: "وما ذاك؟ " قلت: أَفّفْتَ بني، قال: "لا، ولكن هذا قبر فلان، بعثته ساعيًا علي بني فلان، فَغَلَّ نَمِرَةً، فَدُرِّعَ الآن مثلها من نار".
(ومنها): ما أخرج الإمام أحمد، ومسلم من حديث عمر بن
стр. 3276
الخطاب ﵁، قال: لما كان يومُ خيبر أقبل نفرٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى أَتَوْا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله ﷺ : "كلا، إني رأيته في النار، في بُرْدَة غَلّها، أو عباءة"، ثم قال رسول الله ﷺ : "اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون"، قال: فناديت: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في مذاهب أهل العلم في حكم الطهارة للصلاة:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث نَصٌّ في وجوب الطهارة للصلاة، وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة.
قال القاضي عياض: واختلفوا متى فُرضت الطهارة للصلاة، فذهب ابن الجهم إلى أن الوضوء في أول الإسلام كان سنةً، ثم نزل فرضه في آية التيمم، وقال الجمهور: بل كان قبل ذلك فرضًا.
قال: واختلفوا في أن الوضوء فرض على كل قائم إلى الصلاة، أم على المحدث خاصة؟ فذهب ذاهبون من السلف إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض، بدليل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦].
وذهب قوم إلى أن ذلك قد كان، ثم نُسِخ، وقيل: الأمر به لكل صلاة على الندب، وقيل: بل لم يُشرَع إلا لمن أَحدث، ولكن تجديده لكل صلاة مستحبّ، وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك، ولم يَبْقَ بينهم فيه خلاف.
ومعنى الآية عندهم: إذا كنتم مُحدِثين. هذا كلام القاضي رحمه الله تعالى.
واختَلَفَ أصحابنا - يعني الشافعيّة - في الموجب للوضوء على ثلاثة أوجه:
[أحدها]: أنه يجب بالحدث وجوبًا موسعًا.
[والثاني]: لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة.
стр. 3277
[والثالث]: يجب بالأمرين، وهو الراجح عند أصحابنا.
وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة، من ماء، أو تراب، ولا فرق بين الصلاة المفروضة، والنافلة، وسجود التلاوة، والشكر، وصلاة الجنازة، إلا ما حُكِيَ عن الشعبي، ومحمد بن جرير الطبريّ، من قولهما: تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة، وهذا مذهب باطل، وأجمع العلماء على خلافه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بطلان هذا المذهب واضح؛ فإنه مخالف للنصوص الكثيرة، التي أوجبت الطهارة للصلاة، كحديث الباب، فإن صلاة الجنازة صلاة من غير شكّ، فقد سماها النبيّ ﷺ صلاةً في أحاديث كثيرة، كقوله ﷺ : "من صلى على الجنازة"، متّفقٌ عليه، وقال: "صَلُّوا على صاحبكم"، وقال: "صَلُّوا على النجاشي"، وكلها في "الصحيح"، وغير ذلك من الأحاديث، فقد سماها النبيّ ﷺ صلاةً، فتشملها نصوص إيجاب الطهارة للصلاة.
والحاصل أنه لا يجوز أن يصلى على الجنازة إلا على طهارة، والله تعالى أعلم.
قال: ولو صَلَّى محدثًا متعمدًا بلا عذر أَثِمَ، ولا يكفر عندنا، وعند الجماهير، وحُكِي عن أبي حنيفة ﵀ أنه يَكْفُر؛ لتلاعبه، ودليلنا أن الكفر للاعتقاد، وهذا المصلي اعتقاده صحيح.
قال ابن الملقّن ﵀: وأبدى بعضهم في هذا الاستدلال نظرًا؛ للاتّفاق على تكفير من استهان بالمصحف استهانةً مخصوصة في الصورة المخصوصة. انتهى (١).
وسئل شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀: هل غسل الجنابة فرض، أو لا؟ وهل يجوز لأحد أن يصلي جنبًا، ولا يعيد؟.
فأجاب بأن الطهارة من الجنابة فرض، وليس لأحد أن يصلي جنبًا، ولا محدثًا حتى يتطهّر، ومن صلّى بغير طهارة شرعيّة مستحلًّا لذلك فهو كَافر، ولو
стр. 3278
لم يستحلّ ذلك، فقد اختُلف في كفره، وهو مستحقّ للعقوبة الغليظة، لكن إن كان قادرًا على الاغتسال بالماء اغتسل، وإن كان عادمًا للماء، أو يخاف الضرر باستعماله لمرض، أو خوف برد تيمّم وصلّى، وإن تعذّر الغسل والتيمم صلّى بلا غسل، ولا تيمّم في أظهر أقوال العلماء، ولا إعادة عليه. انتهى كلامه (١)، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ بعد كلامه السابق: وهذا كله إذا لم يكن للمصلي محدثًا عذرٌ، أما المعذور، كمن لم يجد ماءً، ولا ترابًا، ففيه أربعة أقوال للشافعي رحمه الله تعالى، وهي مذاهب للعلماء، قال بكل واحدة منها قائلون، أصحها عند أصحابنا يجب عليه أن يصلي على حاله، ويجب أن يعيد إذا تمكّن من الطهارة. والثاني: يحرم عليه أن يصلي ويجب القضاء. والثالث: يستحبّ أن يصلي، ويجب القضاء، والرابع: يجب أن يصلي، ولا يجب القضاء، وهذا القول اختيار المزنيّ، وهو أقوى الأقوال دليلًا.
فأما وجوب الصلاة، فلقوله ﷺ : "وإذا أمرتكم بأمر، فافعلوا منه ما استطعتم"، متّفقٌ عليه.
وأما الإعادة فإنما تجب بأمر مُجَدَّد، والأصل عدمه، وكذا يقول المزني: كُلُّ صلاةٍ أُمِرَ بفعلها في الوقت على نوع من الخلل، لا يجب قضاؤها، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذهب إليه المزنيّ، وقوّاه النوويّ رحمهما الله دليلًا من أن كلّ صلاة أُمر بها الشخص بفعلها في الوقت، فأدّاها بنوع من الخلل لعذر، فإنها مجزئة، لا يلزمه قضاؤها، هو الحقّ عندي؛ لأنه أدّى ما وجب عليه على قدر استطاعته، وقد قال الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وللحديث المتّفق عليه المذكور آنفًا، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اختُلف في موجب الوضوء ما هو؟ على ثلاثة أوجه:
стр. 3279
[أحدها]: أنه يجب بالحدث وجوبًا موسّعًا.
[الثاني]: أنه يجب بالقيام إلى الصلاة؛ لقوله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦].
[الثالث]: أنه يجب بالأمرين جميعًا، وهذا هو الأرجح؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[٥٤٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثنَا وَكيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، كُلُّهُمْ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان".
٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْتِ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب سنّة [٧] (١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٣ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن جدّه، وزَياد بن عِلاقة، وزيد بن جُبَير، وعاصم بن بَهْدَلة، وعاصم الأحول، وسِمَاك بن حرب، والأعمش، وإسماعيل السُّدّيّ، ومَجْزأة بن زاهر الأسلميّ، وهشام بن عروة، ويوسف بن أبي بردة، وخلق كثير.
ورَوَى عنه ابنه مهديّ، وأبو أحمد الزبيريّ، والنضر بن شُمَيل، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيّان، وعبد الرزاق، ووكيع، ويحيى بن آدم، ومحمد بن سابق، وأبو غَسّان النَّهْديّ، وأبو نعيم، وعليّ بن الجعد، وجماعة.
قال ابن مهديّ، عن عيسى بن يونس: قال لي إسرائيل: كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة في القرآن، وقال عليّ بن المديني، عن يحيى القطان: إسرائيل فوق أبي بكر بن عَيّاش، وقال حرب، عن أحمد بن حنبل: كان شيخًا ثقةً، وجَعَل يتعجب من حفظه، وقال صالح بن أحمد، عن
стр. 3280
أبيه: إسرائيل، عن أبي إسحاق فيه لِين، سمع منه بأَخَرةٍ، وقال أبو طالب: سئل أحمد: أَيُّما أثبت: شريك، أو إسرائيل؟ قال: إسرائيل، كان يؤدي ما سمع، كان أثبت من شريك، قلت: مَن أحب إليك: يونس، أو إسرائيل، في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل؛ لأنه كان صاحب كتاب، وقال أبو داود: قِلت لأحمد بن حنبل: إسرائيل إذا انفرد بحديث، يُحتَجّ به؟ قال: إسرائيل ثبت الحديث، كان يحيى - يعني القطان - يَحْمِل عليه في حال أبي يحيى القَتّات، وقال: رَوَى عنه مناكير، قال أحمد: ما حدث عنه يحيى بشيء، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: كان القطان لا يُحدث عن إسرائيل، ولا عن شريك، وقال الدوريّ أيضًا: سئل يحيى بن معين عن إسرائيل، فقال: قال يحيى بن آدم: كُنّا نكتب عنده من حفظه، قال يحيى: كان إسرائيل لا يحفظ، ثم حَفِظَ بعدُ، وقال أيضًا: إسرائيل أثبت في أبي إسحاق من شيبان، وقال أيضًا: إسرائيل أثبت حديثًا من شريك، وقال أبو حاتم: ثقةٌ صدوقٌ، من أتقن أصحاب أبي إسحاق، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: صالح الحديث، وفي حديثه لِينٌ، وقال في موضع آخر: ثقةٌ صدوقٌ، وليس في الحديث بالقويّ، ولا بالساقط، وقال عيسى بن يونس: كان أصحابنا سفيان، وشريكٌ - وعَدّ قومًا - إذا اختلفوا في حديث أبي إسحاق يجيئون إلى أبي، فيقول: اذهبوا إلى ابني إسرائيل، فهو أروى عنه مني، وأتقن لها مني، هو كان قائد جدّه، وقال شَبَابة بن سَوّار: قلت ليونس بن أبي إسحاق: أَمْلِ عليّ حديث أبيك، قال: اكتب عن ابني إسرائيل، فإن أبي أملاه عليه، وقال محمد بن الحسين بن أبي الْحُنَين: سمعت أبا نعيم، سئل: أَيُّهما أثبت: إسرائيل، أو أبو عوانة؟ فقال: إسرائيل، وقال أبو داود: إسرائيل أصحّ حديثًا من شريك، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وروى ابن البراء، عن عليّ بن المديني: إسرائيل ضعيف، وقال ابن أبي خيثمة: قيل ليحيى - يعني ابن معين -: رَوَى عن إبراهيم بن المهاجر ثلاثمائة، وعن أبي يحيى القَتّات ثلاثمائة، فقال: لم يُؤْتَ منه، أُتِي منهما جميعًا. انتهى.
قال الحافظ: فهذا رَدّ لتضعيف القطان له بذلك، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وحَدَّث عنه الناس حديثًا
стр. 3281
كثيرًا، ومنهم من يستضعفه، وقال ابن معين: زكريا، وزهير، وإسرائيل، حديثهم في أبي إسحاق قريب من السواء، إنما أصحاب أبي إسحاق سفيان، وشعبة، وقال حجاج الأعور: قلنا لشعبة: حَدِّثنا حديث أبي إسحاق، قال: سلوا عنها إسرائيل، فإنه أثبت فيها مني، وقال ابن مهديّ: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة والثوري، وقال أبو عيسى الترمذيّ: إسرائيل ثَبْتٌ في أبي إسحاق، حَدَّثني محمد بن المثنى، سمعت ابن مهديّ يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوريّ، عن أبي إسحاق إلا لِمَا اتَّكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتمّ، وطَوَّل ابن عديّ ترجمته، وسرد له أحاديث أفرادًا، وقال: هو ممن يُحْتَجّ به، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وأطلق ابن حزم ضعف إسرائيل، ورَدَّ به أحاديث من حديثه، فما صنع شيئًا (١).
وقد تكلّم بعض أهل العلم في إسرائيل، منهم ابن المدينيّ، كما سبق بيانه، ومنهم ابن حزم، وغيرهما، قال الإمام الذهبيّ ﵀ في "الميزان": إسرائيل اعتمده البخاريّ ومسلم في الأصول، وهو في الثبت كالأسطوانة، فلا يُلتفتُ إلى تضعيف من ضعّفه، وقد طوّل ابن عديّ ترجمته، وسَرَد له جملة أحاديث أفراد، لكنه قال: ولإسرائيل أخبار كثيرة غير ما ذكرته، وأضعافها عن الشيوخ، يروي عنهم، وحديثه الغالب عليه الاستقامة، وهو ممن يُكتَب حديثه، ويُحتجّ به، وقال الذهبيّ في "الميزان" أيضًا: وكان إسرائيل مع حفظه وعلمه صالحًا خاشعًا لله، كبير القدر. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ أن إسرائيل ثقة ثبتٌ، كما قال به جلّ الأئمة، ولا حجة لمن ضعّفه، فلا يُلتفت إليه، والله تعالى أعلم.
وقال دُبَيس بن حُميد: وُلد سنة مائة، ومات سنة (١٦١)، وقال أبو نعيم وغيره: مات سنة (١٦٠)، وقال خليفة، وابن سعد: مات سنة (١٦٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
والباقون تقدّموا قريبًا.
стр. 3282
وقوله: (كُلُّهُمْ) أي كلٌّ من شعبةَ، وزائدةَ، وإسرائيلَ.
وقوله: (قال أبو بكر: وحدّثنا وكيع) هكذا في بعض النسخ، وقع في نسخة شرح النوويّ ما نصّه: "قال أبو بكر: ووكيع حدّثنا"، فقال النوويّ: معناه: أن أبا بكر بن أبي شيبة رواه، عن حسين بن عليّ، عن زائدة، ورواه أبو بكر أيضًا عن وكيع، عن إسرائيل، فقال أبو بكر، ووكيعٌ: حَدَّثنا، وهو بمعنى قوله: حدّثنا وكيع، وسقط في بعض الأصول لفظة "حدّثنا"، وبقي قوله: قال أبو بكر: ووكيع، عن إسرائيل، وهو صحيح أيضًا، ويكون معطوفًا على قول أبي بكر أوّلًا: "حَدَّثنا حسين"؛ أي: وحدَّثنا وكيع، عن إسرائيل، ووقع في بعض الأصول هكذا: قال أبو بكر: وحدّثنا وكيعٌ، وكله صحيح. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه أن أبا بكر بن أبي شيبة سمع هذا الحديث عن حسين بن عليّ، عن زائدة، وسمعه أيضًا عن وكيع، عن إسرائيل.
فعلى النسخة التي فيها: قال أبو بكر: ووكيع عن إسرائيل، يكون قوله: "ووكيع" معطوفًا على "حُسينٌ"، وقوله: "عن إسرائيل" على قوله: "عن زائدة" عطف معمولين على معمولي عامل واحد، وهو "حدّثنا"، فـ "حسين" فاعله، و"عن زائدة" متعلّق به، وهذا العطف جائز بلا خلاف بين النحاة.
وأما على نسخة شرح النوويّ، فيكون "وكيع" مبتدأً، وجملة قوله: "حدّثنا" خبره، فالجملة اسميّة، و"عن إسرائيل" متعلّق به، وهو واضح.
وعلى النسخة التي اعتمدت عليها؛ لوضوحها يكون قوله: "وحدّثنا وكيعٌ"، فعلًا وفاعلًا في محلّ نصب مقول "قال أبو بكر"، فتنبّه لهذه الدقائق، والله تعالى وليّ التوفيق.
[تنبيه]: يوجد في بعض النسخ (٢) كتابة (ح) قبل قوله: "قال أبو بكر: ووكيع عن إسرائيل"، وهؤ غلطٌ، فليُتَنَبّه، والله تعالى أعلم.
стр. 3283
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أي بالإسناد الماضي، وهو: عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر ﵁ عَنِ النَبِيِّ ﷺ .
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن رواية هؤلاء الثلاثة: شعبة، وزائدة، وإسرائيل بمثل رواية أبي عوانة المذكورة.
[تنبيه]: في ذكر هذه الروايات التي أحالها المصنّف هنا على رواية أبي عوانة:
فأما رواية شعبة، فقد أخرجها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٤٨٧٧) حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك، عن مصعب بن سعد، قال: مَرِضَ ابن عامر، فجعلوا يُثْنُون عليه، وابن عمر ساكتٌ، فقال: أما إني لستُ بأَغَشِّهم لك، ولكن رسول الله ﷺ قال: "إن الله لا يقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غُلُول".
وأما رواية زائدة، فقد أخرجها الإمام البيهقيّ ﵀ في "سننه الكبرى" (١/ ٤٢)، فقال:
(١٨٧) أخبرنا أبو عبد الله، محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن عليّ بن عفان العامريّ، ثنا حسين بن عليّ الجعفيّ، عن زائدة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صدقة من غُلول، ولا صلاة بغير طهور". انتهى.
وأما رواية إسرائيل فقد أخرجها الإمام الترمذيّ، فقال:
(١) حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب (ح) وحدثنا هناد، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ قال: "لا تُقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول"، قال هناد في حديثه: "إلا بطهور"، قال أبو عيسى: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب، وأحسن. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
стр. 3284
[٥٤٣] (٢٢٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) بن سابور القُشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقة عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ) بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ شهيرٌ، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ) الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁، مات سنة (٥٧) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن هذا الإسناد هو إسناد "صحيفة همّام بن منبّه" المشهورة التي أخرج الشيخان منها أحاديث كثيرة، اشتركا في بعضها، وانفرد كلّ منهما بأحاديث.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل باليمانيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، إلا أنه دخل اليمن أيضًا للأخذ عن عبد الرزاق.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
стр. 3285
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) - بضمّ الميم، وفتح النون، وكسر الباء الموحّدة المشدّدة -، وقوله: (أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنبِّهٍ) بالجرّ صفة لـ"همّام"، أو بدل منه، أو عطف بيان (قَالَ) أي همّام (هَذَا) إشارة إلى ما جُمِع في الصحيفة المذكورة من الأحاديث، فاسم الإشارة مبتدأ، خبره قوله: (مَا) موصولة، صلتها قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) فيه حذف عائد الصلة، لكونه فضلةً، كما أشار إليه في "الخلاصة" بقوله:
........................ وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
في عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ اوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
(عَنْ مُحَمَّدٍ) متعلّق بـ "حدّثنا" (رَسُولِ اللهِ ﷺ ) بالجرّ بدلًا عن "محمد" (فَذَكَرَ أَحَادِيثَ) ببناء الفعل للفاعل، والفاعل ضمير أبي هريرة ﵁، ويحتمل كونه لـ"همّام"، وقوله: (مِنْهَا) خبر مقدّم لقوله (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) فهو محكيّ؛ لقصد لفظه ("لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ) ببناء الفعل للمفعول، وكذا وقع عند البخاريّ عن إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق في "كتاب الوضوء"، ووقع عنده في "كتاب ترك الْحِيَل" عن إسحاق بن نصر، وعند أبي داود في "سننه" عن أحمد بن حنبل، كلاهما عن عبد الرزاق بلفظ: "لا يَقْبَل الله".
والخطاب في قوله: "أحدكم"، وإن كان موجهًا إلى الحاضرين، إلا أن المقصود به هم، والأمة جميعًا؛ أي لا تُقبل صلاة أحدكم يا معشر الأمة.
قال في "الفتح": والمراد بالقبول هنا ما يُرادف الصحة، وهو الإجزاء، وحقيقة القبول وقوعُ الطاعه مجزئةً رافعةً لما في الذمّة، ولَمّا كان الإتيان بشروطها مظنةَ الإجزاء الذي القبولُ ثمرتُهُ عَبَّر عنه بالقبول مجازًا، وأما القبول المنفي في مثل قوله ﷺ : "من أَتَى عَرّافًا لم تُقْبَل له صلاةٌ"، فهو الحقيقيّ؛ لأنه قد يَصِحّ العمل، ويتخلف القبول، لمانع، ولهذا كان بعض السلف يقول: لأن تُقْبَل لي صلاةٌ واحدةٌ أحبّ إليّ من جميع الدنيا، قاله ابن عمر ﵄، قال: لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق لك أن القول بأن صلاة من أتى عرّافًا مقبولة، دون صلاة من صلّى بلا طهارة محلّ نظر، فأين الدليل الذي يدلّ على
стр. 3286
الفرق بينهما؟ فالظاهر أن كلتيهما غير مجزئتين، فتبصر، والله تعالى أعلم.
(إِذَا أَحْدَثَ) أي وُجِد منه الحدث، فهو من الحدوث، وهو وجود شيء لم يكن، يقال: أحدث: أي وُجد منه الحدث، أو قام به الحدث، والمراد به: الخارج من أحد السبيلين، ووقع في رواية البخاريّ تفسير أبي هريرة له، ولفظه: "قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُسَاءٌ، أو ضُرَاط"، وإنما فسره أبو هريرة ﵁ بأخص مما ذُكر؛ تنبيهًا بالأخف على الأغلظ، ولأنهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما، وأما باقي الأحداث المختَلَف فيها بين العلماء، كمس الذكر، ولمس المرأة، والقيء ملء الفم، والحجامة، فلعل أبا هريرة كان لا يرى النقض بشيء منها، وعليه مشى البخاريّ ﵀ حيث يقول: "باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين، من القبل والدبر"، ثم أورد آثارًا تدلّ على هذا.
وقيل: إن أبا هريرة ﵁ اقتصر في الجواب على ما ذُكِر لعلمه أن السائل كان يعلم ما عدا ذلك، وفيه بُعْدٌ.
واستُدِلّ بالحديث على بطلان الصلاة بالحدث، سواء كان خروجه اختياريًّا أم اضطراريًّا، وعلى أن الوضوء لا يجب لكل صلاة؛ لأن القبول انْتَفَى إلى غاية الوضوء، وما بعدها مخالف لما قبلها، فاقتضى ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا، قاله في "الفتح" (١).
وقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: الحدث يُطلق بإزاء معانٍ ثلاثة:
[أحدها]: الخارج المخصوص الذي يذكره الفقهاء في "باب نواقض الوضوء"، ويقولون: الأحداث كذا وكذا.
[الثاني]: نفس خروج ذلك الخارج.
[الثالث]: المنع المرتَّب على ذلك الخروج، وبهذا المعنى يصحّ قولنا: رَفَعتُ الحدث، ونويتُ رفع الحدث، فإن كلّ واحد من الخارج والخروج قد وقع، وما وقع يستحيل رفعه، بمعنى أن لا يكون واقعًا، وأما المنع المرتَّب على الخروج، فإن الشارع حَكَم به، ومَدَّ غايته إلى استعمال المكلَّف الظهُورَ
стр. 3287
فباستعماله يرتفع المنع، فيصحّ قولنا: رَفَعتُ الحدثَ، وارتفع الحدث؛ أي ارتفع المنع الذي كان ممدودًا إلى استعمال المطهِّر.
وبهذا التحقيق يَقْوى قولُ من يرى أن التيمّم يرفع الحدث؛ لأنا لَمّا بيّنّا أن المرتفع هو المنع من الأمور المخصوصة، وذلك المنع مرتفعٌ بالتيمّم، فالتيمّم يرفع الحدث، غاية ما في الباب أن رفعه للحدث مخصوص بوقتٍ ما، أو بحالةٍ ما، وهي عدم الماء، وليس ذلك بِبِدْع، فإن الأحكام قد تختلف باختلاف محالّها.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بأن التيمّم رافع للحدث هو الأرجح، وسيأتي تحقيق ذلك في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
قال: وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبًا لكلّ صلاة على ما حكوه، ولا شكّ أنه كان رافعًا للحدث في وقت مخصوص، وهو وقت الصلاة، ولم يلزم من انتهائه بانتهاء وقت الصلاة في ذلك الزمن أن لا يكون رافعًا للحدث، ثم نُسخ ذلك الحكم عند الأكثرين، ونُقل عن بعضهم أنه مستمرّ، ولا شكّ أنه لا يقول: إن الوضوء لا يرفع الحدث.
نعم هنا معنى رابعٌ يدّعيه كثير من الفقهاء، وهو أن الحدث وصفٌ حُكميّ، مقدَّرٌ قيامه بالأعضاء على مقتضى الأوصاف الحسّيّة، ويُنزلون ذلك الحكميّ منزلة الحسّيّ في قيامه بالأعضاء، فما نقول فيه: إنه يرفع الحدث، كالوضوء والغسل، يُزيل ذلك الأمر الحكميّ، فيزول المنع المرتّب على ذلك الأمر المقدَّر الحكميّ، وما نقول بأنه لا يرفع الحدث، فذلك المعنى المقدَّر القائم بالأعضاء حكمًا باقٍ لم يزل، والمنع المرتَّب عليه زائلٌ، فبهذا الاعتبار نقول: إن التيمّم لا يرفع الحدث، بمعنى أنه لم يزل ذلك الوصف الحكميّ المقدَّر، وإن كان المنع زائلًا.
وأقرب ما يُذكر فيه أن الماء المستعمل قد انتقل إليه المانع، كما يقال، والمسألة متنازع فيها، فقد قال جماعة بطهوريّة الماء المستعمل، ولو قيل: بعدم طهوريّته، أو بنجاسته لم يلزم منه انتقال مانع إليه، فلا يتمّ الدليل، والله أعلم (١).
стр. 3288
قال الجامع عفا الله عنه: قد اختُلف في حكم الماء المستعمل على أقوال:
فذهب الحسن البصريّ، والزهريّ، والنخعيّ، وداود، ومالك إلى أنه طاهر مطهّر؛ لبقائه على أصله، وهو الطهوريّة الثابتة له بنصّ قوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨].
وذهبت الشافعيّة، وغيرهم إلى أنه طاهر غير مطهّر.
وذهبت بعض الحنفيّة إلى أنه نجس، والصحيح المذهب الأول؛ لوضوح حجته. وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
وقال ابن دقيق العيد ﵀ أيضًا: استَعْمَلَ الفقهاء الحدث عامًّا فيما يوجب الطهارة، فإذا حُمل الحديثُ عليه - أعني قوله: "إذا أحدث" - جَمَع أنواع النواقض على مقتضى الاستعمال، لكنْ أبو هريرة ﵁ راويه فَسَّرَ الحديث في بعض الروايات لَمّا سُئل عنه بأخصّ من هذا الاصطلاح، وهو الريح، إما بصوت، أو بغير صوت، فقيل له: "ما الحدث يا أبا هريرة؟ " فقال: "فُسَاءٌ أو ضُرَاطٌ"، ولعلّه قامت له قرائن حاليّة اقتضت هذا التخصيص. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ (١)، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم.
وقوله: (حَتَّى يَتَوَضَّأَ) غاية لنفي القبول، والمعنى: حتى يتوضّأ بالماء، أو ما يقوم مقامه، وقد رَوَى النسائي بإسناد قويّ، عن أبي ذرّ ﵁ مرفوعًا: "الصعيد الطيب وَضُوء المسلم"، فأطلق الشارع على التيمم أنه وُضوءٌ؛ لكونه قام مقامه، ولا يخفى أن المراد بقبول صلاة مَن كان محدثًا، فتوضأ؛ أي مع باقي شروط الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 3289
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٢/ ٥٤٣] (٢٢٥)، و (البخاريُّ) في "الوضوء" (١٣٥)، وفي "ترك الْحِيَل" (٦٩٥٤)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٦٥)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٧٦)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٥٣٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٣٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٣٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه استُدلّ به على أن الوضوء لا يجب لكل صلاة؛ ووجه الاستدلال به أنه ﷺ نفى القبول ممتدًّا إلى غاية الوضوء، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فيقتضي ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا، وتدخل تحته الصلاة قبل الوضوء لها ثانيًا؛ قاله ابن دقيق العيد ﵀.
٢ - (ومنها): أنه استُدلّ به أيضًا على بطلان الصلاة بالحدث، سواء كان خروجه اختياريًّا، أو اضطراريًّا؛ لعدم التفرقة في الحديث بين حدث وحدث.
٣ - (ومنها): بيان أن الصلوات كلّها، فرضها ونفلها مفتقرة إلى الطهارة.
٤ - (ومنها): أن فيه الردّ على الحنفيّة القائلين: إذا سبقه الحدث في الصلاة يتوضّأ، ويبني على صلاته، ووجه ذلك أنه لا يخلو حال انصرافه أن يكون مصلّيًا، أو غير مصل، فإن قيل: هو مصلّ، فالصلاة بطلت؛ لأنها لا تُقبل مع الحدث، وإن قيل: غير مصلّ، لم يجز أن يبني على ما سبق؛ لانقطاعه، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن فيه الردّ أيضًا على الحنفيّة في قولهم: إن من أحدث في القعدة الأخيرة من غير تعمّد بعد التشهّد توضّأ، وسلّم، وإن تعمّده فصلاته صحيحةٌ، ويكون حدثه كسلامه، ووجه الرّدّ أن التحلّل من الصلاة ركنٌ من أركانها، فلا يصحّ مع الحدث؛ إذ الحديث صريحٌ في أن صلاة المحدث لا تُقبل، أحدث قبل الصلاة، أم في أثنائها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
وقيل: أكثر، وقيل: أَقلّ، ومدّة خلافته (١٢) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
والباقون تقدّموا قبل أربعة أبواب، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ، والثاني تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن عطاء، عن حُمْرَان.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مزايا عظيمة، ومناقب جسيمة، فقد كان إسلامه في أول الإسلام على يد الصدّيق ﵁، وهاجر الهجرتين، وتزوّج بنتي رسول الله ﷺ : رقيّة وأم كلثوم، زوّجه الله تعالى أم كلثوم بمثل صداق رُقيّة، وعلى مثل صحبتها، ولهذا لُقِّب بذي النورين، ولم يُعرف أحد من لدن آدم ﵇ تزوّج ابنتي نبيّ غيره، وهو أول من خرج إلى الحبشة، وهاجر إليها، وسائر من هاجر إليها تَبَعٌ له، وكان النبيّ ﷺ يستحيي منه أكثر من غيره، وهو أكثر منه حياءً، وأخبر أن الملائكة تستحيي منه، وقد تقدم بعض مناقبه في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ) ثم الْجُنْدَعيّ، المدنيّ، ثم الشاميّ (أَخْبَرَهُ، أَنَّ حُمْرَانَ) - بضم المهملة، وسكون الميم - ابن أبان (مَوْلَى عُثْمَانَ) بن عفّان ﵁، كان من النَّمِر بن قاسط، سُبِيَ بعين التمر، فابتاعه عثمان ﵁ من الْمُسَيَّب بن نَجَبَةَ، فأعتقه (أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ دَعَا بِوَضُوءٍ) وفي نسخة: "دعا بوضوئه"، و"الوضوء" هنا بفتح الواو على الأكثر: اسم للماء الْمُعَدّ للوضوء، وأما بالضم فهو الحدث الذي هو الفعل (١).
стр. 3292
(فَتَوَضَّأَ) وقوله: (فَغَسَلَ كَفَّيْهِ) بيان وتفصيل لمعنى "توضّأ"، ثم الظاهر أنه غسلهما معًا، ويَحْتَمل أنه غسل كلّ واحدة منهما على حِدَتها، وقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: قوله: "غَسَلهما" قدرٌ مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين، أو متفرّقتين، والفقهاء اختَلَفوا أيُّهما أفضل. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأولى غسلهما معًا، كما هو الظاهر من النصّ؛ لأنه أعون على إذهاب ما عساه يَعْلَقُ فيهما؛ لقوّة الدلك، وغسل كلّ واحدة على حدة فيه زيادة عَمَل بإفراد كلّ واحدة بطهارة، والله تعالى أعلم.
(ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف: أي غَسلًا ثلاث مرّات، وهذا التثليث مستحبّ بالإجماع (ثُمَّ مَضْمَضَ) المضمضة: تحريك الماء في الفم، قال في "اللسان": ومَضْمَضَ إناءه - بالضاد المعجمة - ومَصْمَصَه - بالصاد المهملة -: إذا حرّكه، وقيل: إذا غسله، والمضمضة: تحريك الماء في الفم، ومضمض الماء في فيه: حرّكه، وتمضمض به. انتهى.
وقال في "المصباح": ومَضْمَضتُ الماء في فمي: حرّكته بالإدارة فيه، وتمضمضتُ بالماء: فعلتُ ذلك، قال الفارابيّ: والمضمضة: صوت الحيّة ونحوها، ويقال: هو تحريكها لسانها. انتهى (٢).
وقال ابن دقيق العيد ﵀: أصل هذه اللفظة - يعني المضمضة - مشعر بالتحريك، ومنه مضمض النعاس في عينيه، واستُعملت في هذه السنّة - أعني المضمضة في الوضوء - لتحريك الماء في الفم، وقال بعض الفقهاء: المضمضة أن يجعل الماء في فيه، ثم يَمُجّه، هذا أو معناه، فأدخل المجّ في حقيقة المضمضة، فعلى هذا لو ابتلعه لم يكن مؤدّيًا للسنّة، وهذا الذي يكثُر في أفعال المتوضّئين - أعني الجعل والمجّ - ويمكن أن يكون ذكر ذلك بناء على أنه الأغلب والعادة، لا أنه يتوقّف تأدّي السنّة على مجّه، والله تعالى أعلم. انتهى (٣).
وقال في "الفتح": أصل المضمضة في اللغة: التحريك، ثم اشتهر
стр. 3293
استعماله في وضع الماء في الفم، وتحريكه، وأما معناه في الوضوء الشرعيّ، فأكمله أن يضع الماء في الفم، ثم يُديره، ثم يمُجّه، والمشهور عند الشافعيّة أنه لا يُشترط تحريكه، ولا مَجّه، وهو عجيبٌ، ولعلّ المراد أنه لا يتعيّن المجّ، بل لو ابتلعه، أو تركه حتى يسيل أجزأ. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن المضمضة لا تحصل إلا بجعل الماء في الفم، ثم تحريكه؛ لأن هذا هو الذي يقتضيه المعنى اللغويّ لها، وأما المجّ، فليس من معناها، فلا يلزم، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: قُدّمت المضمضة على الاستنشاق؛ لشرف منافع الفم على منافع الأنف؛ فإنه مدخل الطعام والشراب اللذين بهما قوام الحياة، وهو محلّ الأذكار الواجبة والمندوبة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. انتهى (٢).
(وَاسْتَنْثَرَ) قال النوويّ ﵀: قال جمهور أهل اللغة، والفقهاء، والمحدثون: الاستنثار: هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وقال ابن الأعرابيّ، وابن قتيبة: الاستنثار الاستنشاق، والصواب الأوّل، وتدلّ عليه الرواية الأخرى بلفظ: "استنشق، واستنثر"، فجمع بينهما، قال أهل اللغة هو مأخوذ من النَّثْرة، وهي طرف الأنف، وقال الخطابيّ وغيره: هي الأنف، والمشهور الأول، قال الأزهريّ: رَوَى سلمة عن الفراء، أنه يقال: نَثَرَ الرجلُ، وانتَثَرَ، واستنثر: إذا حَرَّك النَّثْرَة في الطهارة، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٣). وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -.
ووقع عند البخاريّ في رواية الكشمهينيّ: "واستنشق"، بدل "واستنثر"، قال في "الفتح": والأول أعمّ، وثبتت الثلاثة في رواية البخاريّ من طريق شُعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ. قال الحافظ ﵀: ولم أر في شيء من طُرُق هذا الحديث تقييد ذلك بعدد، نعم ذكره ابن المنذر من طريق يونس، عن
стр. 3294
الزهريّ، وكذا ذكره أبو داود، من وجهين آخرين، عن عثمان ﵁، واتفقت الروايات على تقديم المضمضة على الاستنشاق. انتهى (١).
(ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وهذا التثليث أيضًا مستحبّ، وفيه تأخير غسل الوجه عن المضمضة والاستنشاق، وقد ذَكَرُوا أن حكمة ذلك باعتبار أوصاف الماء؛ لأن اللون يُدْرَك بالبصر، والطعم يدرك بالفم، والريح يدرك بالأنف، فقدمت المضمضة والاستنشاق، وهما مسنونان قبل الوجه؛ لاختبار حال الماء قبل فعل الفرض به، أفاده القاضي عياض ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وهما مسنونتان" الراجح أن المضمضة والاستنشاق في الوضوء واجبتان؛ لأن النبيّ ﷺ لم يترك واحدًا منهما في وُضوئه، فكل من وصف وضوءه ﷺ وصفه بهما، وفعلُهُ بيانٌ لِمُجْمَل الآية، والآية بصيغة الأمر ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، وكذلك النبيّ ﷺ أمر بهما. وسيأتي تمام البحث في ذلك قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
(ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ) تعبيره بـ "ثُمّ" يدلّ على تقديم اليمنى على اليسرى، وكذا القول في الرجلين أيضًا (الْيُمْنَى) مؤنّث اليمين، ضدّ اليسار، وأنّثه؛ لأن اليد مؤنّثةٌ (إِلَى الْمِرْفَقِ) - بفتح الميم، وكسر الفاء، وعكسه، لغتان - وهو مَوْصِلُ الذراع بالعضد (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي غسلًا ثلاث مرّات (ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى) تأنيث اليسار، أنّثه؛ لما مرّ (مِثْلَ ذَلِكَ) أي ثلاث مرّات، ولا خلاف في وجوب غسل اليدين؛ للنّصّ، والجمهور على وجوب غسل المرفقين، وخالف في ذلك زفر من الحنفيّة، وداود الظاهريّ. وسيأتي ترجيح مذهب الجمهور في وجوب دخولهما في الغسل - إن شاء الله تعالى - (ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) وفي رواية البخاريّ: "برأسه"، قال القرطبيّ ﵀: الباء للتعدية يجوز حذفها وإثباتها، وقال في "الفتح": دخلت الباء لتفيد معنى آخر، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولًا به، والمسح لغةً لا يقتضي ممسوحًا به، فلو قال: "وامسحوا رؤوسكم"
стр. 3295
لأجزأ المسح باليد بغير ماء، فكأنه قال: وامسحوا برؤوسكم الماء، فهو على القلب، والتقدير: امسحوا رؤوسكم بالماء. انتهى.
والمسح لغة: إمرار اليد على الشيء، يقال: مسحتُ الشيءَ بالماء مَسْحًا: أمررتُ اليدَ عليه، قال أبو زيد: المسح في كلام العرب يكون مسحًا، وهو إصابة الماء، ويكون غسلًا، يقال: مسحتُ يدي بالماء: إذا غسلتها، وتمسّحتُ بالماء: إذا اغتسلتَ، فالمسح مشتركٌ بين معنيين. انتهى (١).
ثم إن ظاهر الحديث يدلّ على أنه مسح جميع الرأس؛ لأن اسم الرأس حقيقةٌ في العضو كلّه. وسيأتي تحقيق المسألة في المسائل الآتية - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: قال في "الفتح": وليس في شيء من طرق الحديث في "الصحيحين" ذكر عدد للمسح، وبه قال أكثر العلماء، وقال الشافعيّ ﵀: يستحب التثليث في المسح، كما في الغسل، واستُدِلّ له بظاهر رواية لمسلم: "أن النبيّ ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا".
وأُجيب بأنه مُجْمَل تَبَيَّن في الروايات الصحيحة أن المسح لم يَتَكَرَّر، فَيُحْمَل على الغالب، أو يَختصّ بالمغسول، قال أبو داود ﵀ في "سننه": أحاديث عثمان الصحاح كلُّها تدل على أن مسح الرأس مرةً واحدةً، وكذا قال ابن المنذر أن الثابت عن النبيّ ﷺ في المسح مرةً واحدةً، وبأن المسح مَبْنِيّ على التخفيف، فلا يقاس على الغسلِ المرادِ منه المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعْتُبِر في المسح لصار في صورة الغسل؛ إذ حقيقة الغسل جَرَيَان الماء، والدلكُ ليس بِمُشْتَرَط على الصحيح عند أكثر العلماء، وبالغ أبو عبيد، فقال: لا نعلم أحدًا من السلف استَحَبَّ تثليث مسح الرأس إلا إبراهيم التيميّ، وفيما قال نظرٌ، فقد نقله ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أنس، وعطاء، وغيرهما، وقد رَوَى أبو داود من وجهين، صَحّحَ أحدهما ابن خزيمة وغيره، في حديث عثمان تثليث مسح الرأس، والزيادة من الثقة مقبولة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في "الفتح" في هذا الموضع أن هذه