علقمة الْفَرْويّ المدنيّ، صدوقٌ [٨] (ت ١٩٠) وله (١٠٠) سنة (بخ م د س) تقدم في "المقدمة" ٥٣/ ٣١٩.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن خُصَيفة -بضم الخاء المعجمة، وفتح الصاد المهملة، مصغًّرا- ابن عبد اللَّه بن يزيد، نُسِب إلى جدّه الكنديّ المدنيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أبيه، والسائب بن يزيد، ويزيد بن عبد اللَّه بن قُسَيط، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وعمرو بن عبد اللَّه بن كعب، وبُسْر بن سعيد، وغيرهم.
ورَوَى عنه الجعيد بن عبد الرحمن، ومالك، وأبو علقمة الْفَرْويّ، وسليمان بن بلال، وإسماعيل بن جعفر، والسفيانان، والدراورديّ، وآخرون.
قال الأثرم، عن أحمد، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: قال أحمد: منكر الحديث، وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ حجةٌ، وقال ابن سعد: كان عابدًا ناسكًا كثير الحديث ثبتًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وزَعَم ابن عبد البر أنه ابن أخي السائب بن يزيد، وكان ثقةً مأمونًا.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٤٤)، وحديث زيد بن ثابت ﵁ (٥٧٧): "أنه قرأ على رسول اللَّه ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] ".
٥ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور قبله.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قَرَن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، وعبد اللَّه بن محمد، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه، كما أسلفته آنفًا أيضًا.
стр. 5707
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يزيد، عن بُسر.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ) "أيّما" شرطيّة، جوابها قوله: "فلا تشهد" (أَصَابَتْ بَخُورًا) بفتح الباء الموحّدة، وضمّ الخاء المعجمة، وزان صَبُور: ما يُتبخّر به، والمراد به هنا ما ظهر ريحه (فَلَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (تَشْهَدْ) أي لا تحضر (مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ") أي لأن الليل مظنّة الفتنة، فالتخصيص بالعشاء الآخرة بمزيد التأكيد، أو لأن النساء يخرجن في العشاء الآخرة إلى المسجد، فنهاهنّ عن الحضور متطيّبات.
وقال الطيبيّ ﵀: وخصّها بالذكر لأنها وقت الظَّلام وخلوّ الطرق، والعطر مُهيّج للشهوة، فلا يؤمن من المرأة حينئذ الفتنة، بخلاف الصبح عند إدبار الليل، وإقبال النهار، فحينئذ تنعكس القضية. انتهى (١).
وقال السنديّ ﵀: لعلّ التخصيص به؛ لأن الخوف عليهنّ في الليل أكثر، أو لأن عادتهنّ استعمال الْبَخُور في الليل لأزواجهنّ. انتهى.
وقال النوويّ ﵀: فيه دليل على جواز قول الإنسان: العشاء الآخرة، وأما ما نُقِل عن الأصمعيّ أنه قال: من المحال قول العامّة: العشاء الآخرة؛ لأنه ليس لنا إلا عشاء واحدة، فلا توصف بالآخرة، فهذا القول غلطٌ؛ لهذا الحديث، وقد ثبت في "صحيح مسلم"، عن جماعات من الصحابة وصفها بالعشاء الآخرة، وألفاظهم بهذا مشهورة في هذه الأبواب التي بعد هذا. انتهى (٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 5708
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه]: هذا الإسناد تكلّم فيه النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال -بعد إخراجه عن محمد بن هشام بن عيسى البغداديّ، عن أبي علقمة عبد اللَّه بن محمد الفرويّ، بسند المصنف- ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحدًا تابع يزيد بن خُصيفة، عن بُسر بن سعيد على قوله: "عن أبي هريرة"، وقد خالفه يعقوب بن عبد اللَّه بن الأشجّ، رواه عن زينب الثقفيّة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد استوفى النسائيّ ﵀ طرقه المختلفة، وتكلّم في تلك الأسانيد المختلفة، فأفاد وأجاد، فراجع ما كتبته في شرحي عليه (١).
وحاصل ما أعلّ به رواية يزيد هذه أنه تفرّد عن بسر بن سعيد بقوله: "عن أبي هريرة"، وقد خالفه يعقوب بن عبد اللَّه بن الأشجّ، فرواه عن بسر، عن زينب الثقفيّة، ووافقه عليه أخوه بكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، كما في الرواية التي قبل هذا.
والظاهر أن إعلال النسائيّ ﵀ قويّ، ووجيه، إلا أن المصنّف ﵀ يرى صحّة الطريقين، كونه من مسند زينب ﵂، ومن مسند أبي هريرة ﵁؛ لأن يزيد بن خُصيفة ثقةٌ، فلا تضرٌ مخالفتهما، هذا هو الظاهر من صنيعه، لكن ما قاله النسائيّ، أظهر منه، وأرجح؛ لأن يزيد بن خُصيفة، وإن وثّقه الأكثرون، فقد تقدّم عن الإمام أحمد ﵀ في رواية أبي داود عنه أنه قال: منكر الحديث، فتفرّد مثله مع هذه المخالفة مما يوهن حديثه، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٠٠٣] (٤٤٤)، و (أبو داود) في "الترجّل" (٤١٧٥)، و (النسائيّ) في "الزينة" (٨/ ١٥٤) و"الكبرى" (٥/ ٤٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٠٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٩١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٠٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٨٩)، و (البغويّ) في "شرح
стр. 5709
السنّة" (٣/ ٤٣٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٠٤] (٤٤٥) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ -يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ، لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ، كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: فَقُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَنِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُنِعْنَ الْمَسْجِدَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، ثقة عابد، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (ع) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنَ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقة [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ القاضي، أبو سعيد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٤ - (عَمْرَة بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زُرارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ [٣] (ت قبل ١٠٠) وقيل: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٧.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين، ماتت ﵂ سنة (٥٧) (ع) تقدمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بصريًّا إلا أنه مدنيّ الأصل، وسكنها مدّةً.
стр. 5710
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة: يحيى عن عمرة.
٥ - (ومنها): أن عمرة ممن لازم عائشة ﵂، وأكثرت الرواية عنها.
٦ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت من الحديث (٢٢١٠).
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ) بنصب "زوج" على أنه بدلٌ، أو عطف بيان لـ "عائشة"، والزوج بلا هاء أفصح من الهاء، وهو الذي جاء في التنزيل، قال اللَّه : ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقد تقدّم تمام البحث فيه. (تَقُولُ: لَوْ) شرطيّة، وجوابها قوله: "لمنعهنّ المساجد" (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلي اللَّه عليه وسلم- رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ) "ما" موصولة، في محلّ نصب على أنها مفعول "رأى"، و"رأى" هنا بصريّة، أي ما أحدثنه من الزينة، وحسن الثياب، والتزاحم والاختلاط بالرجال (لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ) أي حضور المسجد للصلاة فيه (كَمَا مُنِعَتْ) بالبناء للمفعول (نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) هم أولاد يعقوب ﵇، قال في "العمدة": يَحْتَمل أن تكون شريعتهم المنع، ويَحْتَمل أن يكون منعهنّ بعد الإباحة، ويَحتمل غير ذلك مما لا طرق لنا إلى معرفته إلا بالخبر. انتهى (١).
قال الكرمانيّ ﵀: [فإن قلت]: من أين علمت عائشة هذه الملازمة، والحكمُ بالمنع وعدمه ليس إلا للَّه تعالى؟.
[قلت]: مما شاهدت من القواعد الدينية المقتضية لحسم موادّ الفساد، والأَولى في هذا الباب أن يُنظَر إلى ما يُخشَى منه الفساد، فيُجتَنَبَ لإشارته ﷺ إلى ذلك بمنع الطيب والتزين، حيث قال: "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمسّ طيبًا"، رواه مسلم، ورَوَى أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه، ولكن لِيَخْرُجن، وهنّ تَفِلات (٢) "، وكذلك قَيّد ذلك
стр. 5711
في بعض المواضع بالليل؛ ليتحقق الأمن فيه من الفتنة والفساد، كما تقدّم في بعض روايات ابن عمر ﵄.
وبهذا يمنع استدلال بعضهم في المنع مطلقًا في قول عائشة ﵂؛ لأنها علّقته على شرط لم يوجد، فقالت: "لو رأى لمنع"، فيقال عليه: لم ير، ولم يمنع، على أن عائشة ﵂ لم تُصَرِّح بالمنع، وإن كان ظاهرُ كلامها يقتضي أنها ترى المنع.
وأيضًا فالإحداث لم يقع من الكلّ، بل من بعضهم، فإن تعيّن المنع فيكون في حقّ مَن أحدثت، لا في حق الكلّ.
والحاصل أن الإحداث وإن وقع لم يقع في جميع النساء، فلا ينبغي تعميم المنع، بل يُقتصر في اللاتي أحدثن، فيمنعن من الخروج إلى المساجد، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الشوكانيّ ﵀: وقد تمسك بعضهم في منع النساء من المساجد مطلقًا بقول عائشة هذا، وفيه نظر؛ إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم؛ لأنها علّقته على شرط لم يوجد في زمانه ﷺ ، بل قالت ذلك بناءً على ظنّ ظنته، فقالت: "لو رأى لمنع"، فيقال عليه: لم ير، ولم يمنع، وظنها ليس بحجة. انتهى (١).
(قَالَ) يحيى بن سعيد الأنصاريّ الراوي عنها (فَقُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَنِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُنِعْنَ الْمَسْجِدَ؟) بهمزة الاستفهام، وبناء الفعل للمفعول (قَالَتْ) عمرة (نَعَمْ) أي منُعن منه.
قال في "الفتح": قول عمرة "نعم" في جواب سؤال يحيى بن سعيد لها يظهر أنها نقلته عن عائشة ﵂، ويَحْتَمِل أن يكون عن غيرها، وقد ثبت ذلك من حديث عروة، عن عائشة ﵂ موقوفًا، أخرجه عبد الرزّاق بإسناد صحيح، ولفظه: "قالت: كان نساء بني إسرائيل يتّخِذن أرجلًا من خشب، يتشرّفن للرجال في المساجد، فحرّم اللَّه عليهنّ المساجد، وسُلّطَت عليهنّ الحيضة".
стр. 5712
وأخرج عبد الرزّاق أيضًا بإسناد صحيح، عن ابن مسعود ﵁ قال: "كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلّون جميعًا، فكانت المرأة تتشرّف للرجل، فألقى اللَّه عليهنّ الحيض، ومنعهنّ المساجد".
وهذان الأثران، وإن كانا موقوفين، إلا أن لهما حكم الرفع؛ لأنهما مما لا يقال من قبل الرأي (١).
ولا يقال: إن هذا يعارضه ما أخرجه الشيخان عن عائشة ﵂ أن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- قال لها حين حاضت في حجة الوداع: "إن هذا أمر كتبه اللَّه على بنات آدم. . . " الحديث؛ لإمكان الجمع بأن أصله على أول بنات آدم، والذي أُرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهنّ عقوبةَّ لَهنّ لا ابتداء وجوده، وقد تقدّم تمام البحث في هذا أول "كتاب الحيض"، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ١٠٥٤ و ١٠٠٥] (٤٤٥)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٨٦٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٦٩)، و (الترمذيّ) فيها (٢/ ٤٢٠)، (ومالك) في "الموطّأ" (١/ ١٩٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٧٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢١٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٥٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٩٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٩٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣/ ٤٤٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز خروج النساء إلى المساجد إذا التزمن بآداب الخروج.
стр. 5713
٢ - (ومنها): منعهنّ من الخروج إذا لم يلتزمن بها، بأن خرجن متبرّجات، أو متطيّبات، أو نحو ذلك.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابيّات في عهد النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- من التزامهنّ بالتعليمات النبويّة، ولذا نهى النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- أولياء النساء أن يمنعوهنّ من الخروج إلى المساجد.
٤ - (ومنها): أن عائشة ﵂ أشارت بهذا الكلام إلى أن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- كان يُرخّص في بعض ما يُرخِّص فيه حيث لم يكن في زمنه فساد، فلو أدرك ما حدث بعده لَمَا استمرّ على الرخصة، بل نهى عنه، فإنه إنما يأمر بالصلاح، وينهى عن الفساد (١).
٥ - (ومنها): بيان أن التغير، والانحراف في النساء وُجد في العصر المبكّر، في عصر الصحابة ﵃، فقد بيّنت ذلك عائشة ﵂ في هذا الحديث أن النساء أحدثن ما لم يكن في عهده ﷺ ، ولكن الإحداث قليلٌ بالنسبة إلى ما حصل بعد ذلك، فلو شاهدت عائشة ﵂ ما أحدث نساء هذا الزمان من أنواع البدع والمنكرات، لكانت أشدّ إنكارًا، وإلى اللَّه تعالى المشتكى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٠٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ -يَعْنِي الثَّقَفِيَّ- قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرُو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: (ح) (٢) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسنادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعنزيّ، تقدّم قبل باب.
стр. 5714
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد بن الصّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٨] (ت ١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٣ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوق يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
والباقون كلهم تقدّموا في هذا الباب، و"إسحاق بن إبراهيم" هو: ابن راهويه، و"يحيى بن سعيد" هو: الأنصاريّ.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ) الإشارة إلى إسناد يحيى بن سعيد الماضي، وهو: عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂.
[تنبيه]: رواية ابن عيينة هذه أخرجها أبو عوأنة في "مسنده" (١/ ٣٩٧)، فقال:
(١٤٥٠) حدّثنا يوثس بن عبد الأعلى، وسعدان بن نصر، وشعيب بن عمرو، قالوا: ثنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: لو رأى رسول اللَّه ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهنّ المسجد، كما مُنِعت نساء بني إسرائيل، قال: قلت: يا هذه، ومُنعت نساء بني إسرائيل؟ قالت: نعم. انتهى.
وأما رواية عيسى بن يونس، فأخرجها الإمام إسحاق ابن راهويه ﵀، في "مسنده" (٢/ ١٤٨)، فقال:
(٦٣٩) أخبرنا عيسى بن يونس، نا يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: لو أن رسول اللَّه ﷺ رأى ما أحدث النساء بعده لمنعهن المسجد، كما مُنعته نساء بني إسرائيل، فقلت لعمرة: وهل كُنّ منعن المساجد؟ فقالت: نعم. انتهى.
وأما رواية عبد المجيد الثقفيّ، فأخرجها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٦٥)، فقال:
(٩٩٠) حدّثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا عبد الوهاب الثقفيّ، سمع يحيى بن سعيد يقول (ح) حدثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عُبيد بن غَنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة (ح) وحدثنا إبراهيم بن عبد اللَّه، ثنا محمد بن
стр. 5715
إسحاق، أنبا عيسى بن يوسف (١) ثنا يحيى بن سعيد، عن عمرة (ح) وحدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا حامد بن شعيب، ثنا شريح بن يونس (٢) ثنا سفيان بن عيينة، سمعت يحيى بن سعيد (ح) وحدّثنا محمد بن بدر، ثنا بكر بن سهل، ثنا عبد اللَّه بن يوسف، ثنا مالك (ح) وحدّثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا حماد بن زيد، وحدّثنا أبو علي الصوّاف، ثنا محمد بن نصر الصايغ، ثنا خالد بن خِدَاش، ثنا عبد اللَّه بن وهب، عن عمرو بن الحارث، قالوا: عن يحيى بن سعيد، أخبرتني عمرة، قالت: سمعت عائشة تقول: لو أن رسول اللَّه ﷺ رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد، كما مُنِع نساء بني إسرائيل، قلت لعمرة: كأن نساء بني إسرائيل مُنِعْنَ المسجد؟ قالت: نعم. لفظ عبد الوهاب. انتهى.
وأما رواية أبي خالد الأحمر، فلم أجد من أخرجها بمفردها، إلا ما سبق عن أبي نعيم، في ضمن الرواية المذكورة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٢) - (بَابُ التَّوَسُّطِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالإِسْرَارِ إِذَا خَافَ مِنَ الْجَهْرِ مَفْسَدَةً)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٠٦] (٤٤٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّباحِ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
стр. 5716
جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلهِ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قَالَ: نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ، وَمَنْ أَنْزَلَهُ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾، فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ قِرَاءَتَكَ، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ، أَسْمِعْهُمُ الْقُرْآنَ، وَلَا تَجْهَرْ ذَلِكَ الْجَهْرَ، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، يَقُولُ (١): بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (هُشَيْم) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السّلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٤ - (أَبُو بِشْرٍ) بن أبي وحشيّة، جعفر بن إياس الواسطيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ، من أثبت الناس في سعيد بن جبير [٥] (ت ٥ أو ١٢٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٨.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه الحبر البحر ﵄، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
стр. 5717
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه عمرو، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال ابن الصبّاح. . . إلخ" إشارة إلى اختلاف شيخيه في صيغ الأداء، وفيه بيان تصريح هشيم بالإخبار؛ لأنه مدلّس.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو بشر، عن سعيد.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وقد مرّ هذا غير مرّة.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، كذا وصله هُشيم بذكر ابن عبّاس، وأرسله شعبة، كما أخرجه الترمذيّ من طريق الطيالسيّ، عن شعبة، وهشيم، مفصّلًا، قاله في "الفتح" (١). (فِي قَوْلِهِ ) أي في بيان سبب نزول قوله ، وتوضيح معناه ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قَالَ) ابن عبّاس ﵄ (نَزَلَتْ) أي هذه الآية (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَارٍ) بالضمّ: اسم فاعل، من توارى يتوارى: إذا اختفى، أي مختف ومتستّر عن المشركين؛ لئلا يعتدوا عليه، يعني أنها نزلت في أول الإسلام في وقت اشتداد أذى المشركين له ﷺ ، والجملة في محلّ نصب على الحال، من فاعل "نزلت"، والرابط الواو، كما أشار إليه في "الخلاصة" بقوله:
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدّمَا … بِوَاوٍ أَوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا
وقوله: (بِمَكَّةَ) متعلّق بـ"متوار" (فَكَانَ) ﷺ (إِذَا صَلَى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ) أي بقراءة القرآن؛ ليسمعوه، ويعوه، ويبلّغوه من بعدهم.
وفي رواية الطبريّ من وجه آخر عن ابن عبّاس ﵄: "فكان إذا صلّى بأصحابه، أسمع المشركين، فآذوه"، وفَسَّرت رواية الباب الأذى، حيث قال: "سَبُّوا القرآن"، وأخرج الطبريّ أيضًا بسنده عن الضحاك، عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا جهر بالصلاة بالمسلمين بالقرآن شقّ ذلك على
стр. 5718
المشركين إذا سمعوه، فيؤذون رسول اللَّه ﷺ بالشتم والعيب به، وذلك بمكة، فأنزل اللَّه: يا محمد ﴿لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ ويقول: لا تُعْلِن بالقراءة بالقرآن إعلانًا شديدًا، يسمعه المشركون، فيؤذونك، ولا تخافت بالقراءة بالقرآن، يقول: لا خفض صوتك حتى لا تُسْمِع أذنيك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ يقول: اطلب بين الإعلان والجهر، وبين التخافت والخفض طريقًا لا جهرًا شديدًا ولا خفضًا لا تسمع أذنيك، فلما هاجر رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة سقط هذا كله، فيفعل أيّ ذلك شاء.
(فَإِذَا سَمِعَ دلِكَ الْمُشْرِكُونَ) أي قراءته ﷺ للقرآن (سَبُّوا الْقُرْآنَ) قال الراغب: السبّ: الشتم الوجيع (وَمَنْ أَنْزَلَهُ) أي وسبّوا من أنزله، وهو اللَّه، كما قال : ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان: ٦].
قال الراغب: وسبّهم للَّه تعالى ليس على أنهم يسبّونه صريحًا، ولكن يخوضون في ذكره، فيذكرونه بما لا يليق به، ويتمادون في ذلك بالمجادلة، فيزدادون في ذكره بما تنزّه تعالى عنه. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا مانع من أن يكون سبّهم صريحًا، فإنهم جُرَآء على اللَّه تعالى، فلا يُستبعد أن يصرّحوا بسبّه.
والحاصل أنهم يسبّونه بما استطاعوا من صريح، أو كناية، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
(وَمَنْ جَاءَ بِهِ) أي وسبّوا أيضًا من جاء بالقرآن، وهو النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، أو الملك الذي جاء به إليه من عند ربّه ﵎، وهو جبريل ﵇ (فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾) أي بقراءتك، هكذا وقع التفسير عند البخاريّ، والنسائيّ، وهو تفسير من ابن عبّاس ﵄، وفي رواية الطبريّ: ﴿لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي لا تُعلن بقراءة القرآن إعلانًا شديدًا، فيسمعك المشركون، فيؤذونك، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ وأي لا تخفض صوتك حتى
стр. 5719
لا تُسمع أذنيك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي طريقًا وسطًا. انتهى.
وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ ﵀ في "تفسيره": عبّر بالصلاة هنا عن القراءة كما عبّر بالقراءة عن الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] لأن كل واحد منهما مرتبط بالآخر؛ لأن الصلاة تشتمل على قراءة، وركوع، وسجود، فهي من جملة أجزائها، فعبّر بالجزء عن الجملة، وبالجملة عن الجزء، على عادة العرب في المجاز، وهو كثير، ومنه الحديث الصحيح: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي"، أي قراءة الفاتحة، كما تقدّم. انتهى (١).
(فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ قِرَاءَتَكَ) بنصب "يسمع" مبنيًّا للفاعل، ونصبه بـ "أن" مضمرةً وجوبًا بعد الفاء المجاب بها طلبٌ محضٌ، وهو النهي في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ﴾، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
ومفعول "يسمع" محذوف، تقديره: قراءتك، زاد في رواية البخاريّ، والنسائيّ: "فيسبُّوا القرآن".
(﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾) أي بصلاتك، بمعنى قراءتك، كما أسلفنا تقريره، أي لا تُسِرّ بقراءتك، يقال: خَفَتَ الصوتُ، من بابي: ضَرَبَ، وجَلَس: إذا سكن، ويُعدَّى بالباء، فيقال: خَفَتَ الرجل بصوته: إذا لم يرفعه، وخافت بقراءته مخافتةً: إذا لم يرفع صوته بها، أفاده في "المصباح"، و"المختار"، وقال السمين الحلبيّ ﵀: المخافتة: المسارّة، بحيث لا يسمع الكلام، وضربته حتى خَفَتَ: أي لم يُسمَع له صوت. انتهى (٢).
وقوله: (عَنْ أَصْحَابِكَ) متعلّق بـ "تُخافت"، وقوله: (أَسْمِعْهُمُ الْقُرْآنَ) توضيح وبيان لمعنى ﴿وَلَا تُخَافِتْ﴾. . . إلخ، وفي رواية البخاريّ: "فلا تُسمعهم"، وللنسائيّ: "فلا يسمعوا"، أي قراءتك (وَلَا تَجْهَرْ) أي بصلاتك،
стр. 5720
بمعنى قراءتك (ذَلِكَ الْجَهْرَ) أي البالغ حدّه (﴿وَابْتَغِ) أي اطلب (بَيْنَ ذَلِكَ) أي بين الجهر والمخافتة (سَبِيلًا﴾) أي طريقًا وسطًا، وقوله: (يَقُولُ) وفي نسخة: قال: يقول بزيادة "قال" أي قال ابن عبّاس ﵄: يقول اللَّه تعالى، يعني أنه يريد بقوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ) يعني أن قوله تعالى: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ وبين المخافتة والجهر.
وحاصل المعنى: أن اللَّه أمر نبيّه ﷺ أن يطلب بين ما ذُكر من الجهر والمخافتة ما يحصل به الأمران جميعًا، وهو عدم الإخلال بسماع الحاضرين، والاحتراز عن سبّ أعداء الدين.
وأخرج ابن جرير ﵀ في "تفسيره" عن محمد بن إسحاق قال: حدّثني داود بن الحصين (١)، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا جهر بالقرآن، وهو يصلي تفرقوا عنه، وأَبَوا أن يسمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول اللَّه ﷺ بعض ما يتلو، وهو يصلي استرق السمع دونهم فَرَقًا منهم، فإذا رأى أنهم قد عَرَفُوا أنه يستمع ذهب خشيةَ أذاهم، فلم يسمع، فإن خفض صوته ﷺ لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئًا، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيتفرقوا عنك ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا يَسمَع من أراد أن يسمع ممن يسترق ذلك منهم، فلعله يَرْعَوي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، وهكذا قال عكرمة، والحسن البصريّ، وقتادة: نزلت هذه الآية في القراءة في الصلاة، وقال شعبة، عن أشعث بن سليم، عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود: لم يُخافت من أسمع أذنيه. انتهى (٢).
وقال ابن جرير أيضًا بعد ذكر الأقوال في الآية ما نصّه: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة ما ذكرنا عن ابن عباس ﵄ في الخبر الذي رواه أبو جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس؛ لأن ذلك أصحّ الأسانيد التي رُوِي عن صحابيّ فيه
стр. 5721
قول مُخَرّج، وأشبه الأقوال بما دَلّ عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عقيب قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وعقيب تقريع الكفار بكفرهم بالقرآن، وذلك بُعْدُهم منه، ومن الإيمان، فماذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى وأشبه بقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أن يكون من سبب ما هو في سياقه من الكلام، ما لم يأت بمعنى يوجب صرفه عنه، أو يكون على انصرافه عنه دليل يُعْلَم به الانصراف عما هو في سياقه.
فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: قل: ادعوا اللَّه أو ادعوا الرحمن أيًّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى، ولا تجهر يا محمد بقراءتك في صلاتك، ودعائك فيها ربَّك، ومسألتك إياه، وذكرك فيها، فيؤذيك بجهرك بذلك المشركون، ولا تخافت بها، فلا يسمعها أصحابك، وابتغ بين ذلك سبيلًا، ولكن التمس بين الجهر والمخافتة طريقًا إلى أن تُسْمِع أصحابك، ولا يسمعه المشركون، فيؤذوك.
قال: ولولا أن أقوال أهل التأويل مَضَت بما ذكرتُ عنهم من التأويل، وإنّا لا نستجيز خلافهم فيما جاء عنهم، لكان وجهًا يَحْتَمِلُه التأويل أن يقال: ولا تجهر بصلاتك التي أمرناك بالمخافتة بها، وهي صلاة النهار؛ لأنها عجماء، لا يُجْهَر بها، ولا تخافت بصلاتك التي أمرناك بالجهر بها، وهي صلاة الليل، فإنها يُجهَر بها، وابتغ بين ذلك سبيلًا، بأن تجهر بالتي أمرناك بالجهر بها، وتخافت بالتي أمرناك بالمخافتة بها، لا تجهر بجميعها، ولا تخافت بكلها، فكان ذلك وجهًا غير بعيد من الصحة، ولكنا لا نَرَى ذلك صحيحًا؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على خلافه.
فإن قال قائل: فأية قراءة هذه التي بين الجهر والمخافتة؟.
قيل: حدَّثني مطر بن محمد، قال: ثنا قتيبة، ووهب بن جرير، قالا: ثنا شعبة، عن الأشعث بن سُلَيم، عن الأسود بن هلال، قال: قال عبد اللَّه: لم يُخافِتْ من أسمع أذنيه.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن الأشعث،
стр. 5722
عن الأسود بن هلال، عن عبد اللَّه مثله. انتهى كلام ابن جرير ﵀ (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ١٠٠٦] (٤٤٦)، و (البخاريّ) في "التفسير" (٤٧٢٢) و"التوحيد" (٧٤٩٠ و ٧٥٢٥ و ٧٥٤٧)، و (الترمذيّ) في (التفسير) (٣١٤٥ و ٣١٤٦)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ١٧٧ - ١٧٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٨٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٩٦)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (١٥/ ١٨٤ و ١٨٥ - ١٨٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٩٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٦١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٩١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في سبب نزول هذه الآية الكريمة:
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال:
(الأول): هذا الذي ذُكر في حديث ابن عبّاس ﵄ هذا، وهو متّفق عليه.
(الثاني): ما يأتي في حديث عائشة ﵂ أنها نزلت في الدعاء، متّفقٌ عليه، وروي عن ابن عبّاس أيضًا.
وقال ابن كثير في تفسيره: قال أشعث بن سوّار، عن عكرمة، عن ابن عباس: نزلت في الدعاء، وهكذا روى الثوريّ، ومالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها نزلت في الدعاء، وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو عياض، ومكحول، وعروة بن الزبير.
وقال الثوريّ، عن ابن عياش العامريّ، عن عبد اللَّه بن شدّاد، قال: كان
стр. 5723
أعرابيّ من بني تميم، إذا سَلَّم النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- قال: اللهم ارزقني إبلًا وولدًا، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. انتهى.
ورَوَى سعيد بن منصور من طريق صحابيّ لم يُسَمّ رَفَعَه في هذه الآية: "لا ترفع صوتك في دعائك، فتذكُرَ ذنوبك، فتُعَيَّر بها" (١).
(الثالث): قول ابن سيرين ﵀: كان الأعراب يجهرون بتشهّدهم، فنزلت الآية في ذلك.
قال ابن جرير ﵀: حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: نزلت هذه الآية في التشهد، ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، وبه قال حفص، عن أشعث بن سوّار، عن محمد بن سيرين مثله.
(الرابع): ما رُوي عن ابن سيرين أيضًا أن أبا بكر ﵁ كان يُسرّ قراءته، وكان عمر ﵁ يجهر بها، فقيل لهما في ذلك؟ فقال أبو بكر: إنما أناجي ربي، وهو يعلم حاجتي إليه، وقال عمر: أنا أطرُد الشيطان، وأوقظ الوسنان، فلما نزلت هذه الآية، قيل لأبي بكر: ارفع قليلًا، وقيل لعمر: اخفض قليلًا.
وقال ابن جرير الطبريّ: حدّثنا يعقوب، حدّثنا ابن عُلَيّة، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: نُبِّئت أن أبا بكر كان إذا صلى، فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي ، وقد عَلِم حاجتي، فقيل: أحسنت، وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان، وأوقظ الْوَسْنان، قيل: أحسنت، فلما نزلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، قيل لأبي بكر: ارفع شيئًا، وقيل لعمر: اخفض شيئًا. انتهى.
(الخامس): ما رُوي عن ابن عبّاس ﵄ أيضًا أن معناها: ولا تجهر بصلاة النهار، ولا تخافت بصلاة الليل، ذكره يحيى بن سلّام وغيره.
وقال في "الفتح": قال الطبريّ ﵀: لولا أننا لا نستجيز مخالفة أهل التفسير فيما جاء عنهم، لاحْتَمَل أن يكون المراد لا تجهر بصلاتك، أي
стр. 5724
بقراءتك نهارًا ولا تخافت بها أي ليلًا، وكان ذلك وجهًا لا يبعد من الصحة. انتهى. وقد أثبته بعض المتأخرين قولًا. انتهى (١).
(السادس): قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ وقال: لا تُصَلّ مراءاةً للناس، ولا تَدَعها مخافةَ الناس، وقال الثوريّ عن منصور، عن الحسن البصريّ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قال: لا تُحْسن علانيتها، وتسيء سريرتها، وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن به، وهشام، عن عوف عنه به، وسعيد عن قتادة عنه كذلك.
(السابع): قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ وقال: أهل الكتاب يخافتون، ثم يجهر أحدهم بالحرف، فيصيح به، ويصيحون هم به وراءه، فنهاه أن يصيح كما يصيح هؤلاء، وأن يخافت كما يخافت القوم، ثم كان السبيل الذي بين ذلك الذي سَنّ له جبريل من الصلاة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أرجح هذه الأقوال هو الأول والثاني؛ لقوتهما صحّةً، ولا تنافي بينهما؛ إذ يُحمل الدعاء على الدعاء الذي يكون في الصلاة، ويؤيّده ما رَوَاه ابن مردويه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا صلى عند البيت رفع صوته بالدعاء، فنَزَلت. انتهى (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التوسّط في القراءة في الصلاة الجهريّة، فينبغي للقارئ أن يكون رفعه لصوته وسطًا، بحيث لا يحصل منه ضرر لأيّ أحد، لا له، ولا لمن يستمع منه.
стр. 5725
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- في بداية أمره من إيذاء قومه له، حتى كان يعبد ربّه خفيةً، ولكنه مع ذلك يواصل في الدعوة إلى اللَّه ، لا يفتر عن ذلك لا ليلًا ولا نهارًا، لا سرًّا، ولا علانيةً، حتى أتاه النصر من اللَّه العزيز الحكيم، وكذلك ينبغي للداعي أن يأخذ أسباب الوقاية من أعدائه، ويدعو ما استطاع، ولا ييأس، ولا ينقطع، ويصبر على ذلك حتى يأتيه النصر من عند اللَّه العزيز الحكيم.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه المشركون من شدّة عنادهم، وهجرهم للحقّ، ومبارزتهم بكلّ قواهم حتى يصدّوا عنه، ولكنّ اللَّه غالب على أمره، فحفظ نبيّه ﷺ ، ونصر دينه، ورفع قدر كتابه.
٤ - (ومنها): بيان أنه يجب على الداعي في حال الدعوة أن يبتعد عن كلّ ما يؤدّي إلى الطعن في اللَّه، أو في كتابه، أو نبيّه ﷺ ، وذلك بأن تكون دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، كما أوضح اللَّه تعالى ذلك في محكم كتابه، حيث قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
فينبغي له أن لا يجهر، ولا يُعلن في مجمع الجهلاء بما يدعوهم إلى أن يتجرّءوا على اللَّه تعالى، أو على رسوله ﷺ ، أو كتابه، أو دينه بالسبّ والطعن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٠٧] (٤٤٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا (١) يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قَالَتْ: أُنْزِلَ هَذَا في الدُّعَاءِ) (٢).
стр. 5726
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) عن (٩٣) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ربما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) عن (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه عابدٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵄، تقدّمت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وشيخ شيخه، فكوفيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن، عن أبيه، عن خالته: هشام عن أبيه، عن عائشة ﵂.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂، وهكذا أخرجه البخاريّ عن شيخه طَلْق بن غَنّام، عن زائدة بن قُدامة، عن هشام، عن أبيه، قال في "الفتح": قوله: "عن عائشة" تابعه (١) الثوريّ، عن هشام، وأرسله سعيد بن منصور، عن يعقوب بن عبد الرحيم (٢) الإسكندرانيّ، عن هشام، وكذلك أرسله مالك. انتهى (٣).
стр. 5727
(فِي قَوْلِهِ ) أي في بيان سبب نزول قوله (﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قَالَتْ) عائشة ﵂ (أُنْزِلَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (هَذَا فِي الدُّعَاءِ) وفي نسخة: "أُنزلت هذه في الدعاء".
قال في "الفتح": هكذا أطلقت عائشة ﵂، وهو أعمّ من أن يكون ذلك داخل الصلاة، أو خارجها، وقد أخرجه الطبريّ، وابن خزيمة، والعمريّ، والحاكم، من طريق حفص بن غياث، عن هشام، نزلت: "في التشهد"، ومن طريق عبد اللَّه بن شدّاد، قال: كان أعرابيّ من بني تميم إذا سَلَّم النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- قال: اللهم ارزقنا مالًا وولدًا، ورَجّح الطبريّ حديث ابن عباس ﵄، قال: لأنه أصحّ مخرجًا، ثم أسند عن عطاء، قال: يقول قوم: إنها في الصلاة، وقوم: إنها في الدعاء.
وقد جاء عن ابن عباس نحو تأويل عائشة، أخرجه الطبريّ من طريق أشعث بن سَوّار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت في الدعاء.
ومن وجه آخر، عن ابن عباس ﵄ مثله، ومن طريق عطاء، ومجاهد، وسعيد، ومكحول مثله، ورَجّح النوويّ وغيره قول ابن عباس، كما رجّحه الطبريّ (١).
قال الحافظ ﵀: لكن يَحْتَمِل الجمع بينهما بأنها نزلت في الدعاء داخل الصلاة، وقد رَوَى ابن مردويه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا صلّى عند البيت رفع صوته بالدعاء، فنَزَلت. انتهى (٢).
وقيل: الآية في الدعاء، وهي منسوخة بقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]. انتهى (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 5728
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ١٠٠٧ و ١٠٠٨] (٤٤٧)، و (البخاريّ) في "التفسير" (٤٧٢٣)، و"الدعوات" (٦٣٢٧)، و"التوحيد" (٧٥٢٦)، و (النسائيّ) في "التفسير" من "الكبرى" (٦/ ٣٨٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٠٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٦٢ و ١٦٦٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٩٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٠٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ- (ح) قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَوَكِيعٌ (ح) قَالَ: وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٤ - (وَكِيع) بن الجرّاح تقدّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بإسناد هشام السابق، وهو: عن أبيه، عن عائشة ﵂.
[تنبيه]: أما رواية حماد بن زيد، فلم أجد من أخرجها، فليُنظر.
وأما رواية أبي أسامة، فأخرجها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
стр. 5729
(٧٥٢٦) حدّثنا عُبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ في الدعاء. انتهى.
وأما رواية وكيع، فأخرجها ابن أبي شيبة في "مصنّفه" (٦/ ٩٦) فقال:
(٢٩٧٦٠) حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قالت: في الدعاء. انتهى.
وأما رواية أبي معاوية، فأخرجها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٤٥٠) فقال:
(١٦٦٣) حدثنا الصومعيّ، قال: ثنا النُّفَيليّ، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قالت: في الدعاء. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٣) - (بَابُ الاسْتِمَاعِ لِلْقِرَاءَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٠٩] (٤٤٨) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلهِ : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بالْوَحْي، كَانَ مِمَّا يُحَرَّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ، فَيَشْتَدُ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ بُعْرَفُ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾، أَخْذَهُ، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾، إِن عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ، وَقُرْآنهُ فَتَقْرَؤُهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ
стр. 5730
قُرْآنَهُ (١٨)﴾، قَالَ: أَنْزَلْنَاهُ، فَاسْتَمِعْ لَهُ، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ، فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كمَا وَعَدَهُ اللَّهُ) (١).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ) بن قُرْط الضّبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) الْهَمْدَانيّ مولاهم، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، كان يُرسل [٥] (ع) تقدم في "الصلاة" ٢٢/ ٩٤١.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال أبو بكر. . . إلخ"، وذلك لبيان اختلاف شيوخه في صيغ الأداء، فقد صرّح أبو بكر بن أبي شيبة، بتحديث شيخه له، وذكر شيخه باسمه، واسم أبيه، بخلاف الآخرين، فلم يفعلا ذلك.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وإسحاق، فما أخرج له ابن ماجه.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، إلا قتيبة، فبغلانيّ، وإسحاق، فمروزيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: موسى، عن سعيد.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه كان يقال له: الحبر والبحر؛ لكثرة علمه، وترجمان القرآن، وهو والد الخلفاء، وأحد العبادلة الأربعة، وهم: عبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن الزبير، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵃، وقول الجوهريّ في "الصحاح" بدل ابن العاص: ابن مسعود
стр. 5731
مردود عليه؛ لأنه منابذ لما قال أعلام المحدثين، كالإمام أحمد وغيره (١)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) قال في "الفتح": لا يُعرف اسم أبيه، وقد تابعه على بعضه عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير. انتهى. (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (فِي قَوْلِهِ ) أي في توضيح معانيه، وبيان سبب نزوله (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾).
قال الإمام ابن كثير ﵀ في "تفسيره": هذا تعليم من اللَّه لرسوله ﷺ في كيفية تَلَقِّيه الوحيَ من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره اللَّه إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتَكَفَّل اللَّه له أن يَجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يُبَيِّنه له، ويفسره، ويوضحه، فالحالة الأولى جمعُه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة: ١٦] أي بالقرآن، كما قال تعالى ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي في صدرك، ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي أن تقرأه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي إذا تلاه عليك الملك عن اللَّه تعالى، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ي فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ أي بعد حفظه وتلاوته نُبَيِّنه لك، ونوضِّحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا. انتهى (٢).
(قَالَ) ابن عبّاس ﵄ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ) لفظة "كان" في مثل هذا التركيب تفيد الاستمرار (إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ) ﵇، هو ملك الوحي إلى الرسل -عليهم الصلاة والسلام- الموكل بإنزال العذاب والزلازل والدَّمَادِم، ومعناه: عبد اللَّه بالسريانية؛ لأن "جبر" عبد بالسريانية، و"إيل" اسم من أسماء اللَّه تعالى.
стр. 5732
ورَوَى عبد بن حميد في "تفسيره" عن عكرمة أن اسم جبريل: عبد اللَّه، واسم ميكائيل: عبيد اللَّه.
وقال السهيليّ: جبريل سريانيّ، ومعناه: عبد الرحمن، أو عبد العزيز، كما جاء عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصحّ.
وذهبت طائفة إلى أن الإضافة في هذه الأسماء مقلوبة، فـ "إيل" هو العبد، وأوله اسم من أسماء اللَّه تعالى، والجبر عند العجم هو إصلاح ما فسد، وهي توافق معناه من جهة العربية، فإن في الوحي إصلاحَ ما فسد، وجَبْرَ ما وَهَى من الدين.
ولم يكن هذا الاسم معروفًا بمكة، ولا بأرض العرب، ولهذا لما ذكره النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- لخديجة ﵂ انطلقت لتسأل مَن عنده علم من الكتاب، كعَدّاس، ونَسطُور الراهب، فقالا: قدوس قدوس، ومن أين هذا الاسم بهذه البلاد؟ (١).
(بِالْوَحْي) أي بالقرآن الذي أوحاه اللَّه إليه (كَانَ) قال النوويّ ﵀: إنما كرّر "كان" لطول الكلام، وقد قال العلماء: إذا طال الكلام جاز إعادة اللفظ ونحوه، كقوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، فأعاد "أنكم" لطول الكلام، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] إلى قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، وقد سبق بيان هذه المسألة مبسوطًا في أوائل "كتاب الإيمان". انتهى (٢).
(مِمَّا يُحَرِّكُ بهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ) اختلفوا في معنى هذا الكلام وتقديره، فقال القاضي عياض ﵀: معناه: كثيرًا ما كان يفعل ذلك، قال: وقيل: معناه: هذا من شأنه ودأبِهِ، فجعل "ما" كنايةً عن ذلك، وأدغمت نون "من" في ميم "ما".
ومنه قوله في حديث سمرة ﵁: كان رسول اللَّه ﷺ إذا صلّى الصبح مما يقول لأصحابه: "مَن رأى منكم رؤيا" أي هذا من شأنه.
وحديث البراء ﵁: "كُنّا إذا صلّينا خلف النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- مما نُحبّ أن نكون عن يمينه"، أي هذا شأننا.
стр. 5733
وقال بعضهم: معناه: "رُبَّما"؛ لأن "من" إذا وقع بعدها "ما" كانت بمعنى "ربما"، قاله الشّيرازيّ، وابن خروف، وابن طاهر، والأعلم، وخَرّجوا عليه قول سيبويه: "واعلم أنهم مما يحذفون كذا"، وأنشدوا قول الشاعر [من الطويل]:
وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً … عَلَى رَأْسِهِ نُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الْفَمِ
وقال الكرمانيّ: أي كان العلاج ناشئًا من تحريك الشفتين، أي مبدأ العلاج منه، أو بمعنى "مَنْ"؛ إذ قد تجيء للعقلاء أيضًا، أي وكان ممن يحرك شفتيه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كون "ما" هنا بمعنى "مَن" هو التوجيه الوجيه، وأما قوله ﵀: "كان العلاج. . . إلخ"، فلا يخفى بُعده، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
زاد في الرواية التالية: "فقال لي ابن عباس: أنا أُحَرِّكهما كما كان رسول اللَّه ﷺ يُحَرِّكهما، فقال سعيد: أنا أُحَرِّكهما كما كان ابن عباس يُحَرّكهما، فحَرَّك شفتيه"، وسيأتي شرحه هنا -إن شاء اللَّه تعالى-.
(فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير التحريك المفهوم، أي يشقّ عليه ﷺ تحريكه شفتيه (فَكَانَ ذَلِكَ) أي كونه يشتدّ عليه التحريك (يُعْرَفُ مِنْهُ) ببناء الفعل للمفعول، يعني أنه يعرفه من رآه؛ لِما يظهر على وجهه وبدنه من آثاره، كما قالت عائشة ﵂: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عَرَقًا" (١).
(فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾) الضمير عائد على القرآن، وإن لم يَجْرِ له ذكرٌ، لكن القرآن يُرشد إليه، بل دلّ عليه سياق الآية، أي لا تعجل بقراءة القرآن ما دام جبريل يقرؤه.
(﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أَخْذَهُ) أي لتأخذه على عَجَلة، يقال: عَجِلَ عَجَلًا، من باب تَعِبَ، وعَجَلَةً: إذا أسرع، وحَضَر، فيكون قوله: "أخذه" منصوبًا بنزع الخافض، أي في أخذه، ويَحْتَمِل أن يكون من عَجِلَ إلى الشيء، من باب
стр. 5734
تَعِبَ أيضًا: إذا سبق إليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]، فيكون التقدير: إلى أخذه، واللَّه تعالى أعلم.
ثم عَلَّلَ النهي عن الْعَجَلَة بقوله: (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾) ثم فسّره بقوله: (إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ، وَقُرْآنَهُ) بالنصب عطفًا على "أن نجمعه؛ لأنه في تأويل المصدر، أي إن علينا جمعه في صدرك، وقرآنه، والمراد بالقرآن هنا معناه المصدريّ، أي القراءة، ولذا فسّره بقوله: (فَتَقْرَؤُهُ) أي إن علينا قراءته.
(﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ قَالَ) ابن عبّاس ﵄، موضّحًا معناه: (أَنْزَلْنَاهُ) يعني أن معنى ﴿قُرْآنَهُ﴾ أنزلناه على لسان جبريل ﵇، فقرأه عليك (فَاسْتَمِعْ لَهُ) أي ومعنى: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ استمع إلى قراءة جبريل ﵇، فالقرآن هنا أيضًا بمعنى القراءة.
قال ابن كثير ﵀: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي إذا تلاه جبريل ﵇، ففيه إضافة ما يكون عن أمر اللَّه تعالى إليه ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك. انتهى.
(﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾) أي ثمّ إن علينا (أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ) وقيل: معناه: إن علينا تفسير ما فيه من الحدود، والحلال والحرام، قاله قتادة، وقيل: إن علينا بيان ما فيه من الوعد، والوعيد، وتحقيقهما، ذكره القرطبيّ (١).
والأَولى تفسير البيان بما يعمّ هذا كلّه، وقد ذكرت في "المنحة الرضيّة شرح التحفة المرضيّة" توضيح ذلك، وحاصله أن البيان يُطلق على التبيين الذي هو مصدر بَيّن، وهو فعل المبيِّن، ويُطلق أيضًا على ما حصل به التبيين، وهو الدليل، والمراد به كلُّ ما يُزيل الإشكال، فيدخل فيه التقييد، والتخصيص، والنسخ، والتأويل، ويُطلق أيضًا على متعلَّق التبيين، وهو المدلول، أي المبَيَّنُ -بالفتح- وعلى محلّه أيضًا، ويُطلق البيان على كلّ إيضاح، سواء تقدّمه خفاء وإجمالٌ أم لا، فالبيان تارةً يكون ابتداءً، وتارةً يكون بعد إجمال. انتهى.
وكلّ هذه المعاني تشملها هذه الآية، وإلى هذا أشرت في "التحفة المرضيّة"، حيث قلت:
стр. 5735
إِخْرَاجُهُ مِنْ حَيِّزِ الإِشْكَالِ … إِلَى تَجَلِّيهِ الْبَيَانُ الْغَالِي
وَهْوَ الْمُبَيِّنُ وَيُطْلَقُ عَلَى … مَا حَصَّلَ الْبَيَانَ عِنْدَ النُّبَلَا
فَهُوَ كُلُّ مَا أَزَالَ مُشْكِلَا … تَقْيِيدًا أَوْ تَخْصِيصًا أَوْ نَسْخًا جَلَا
كَذَلِكَ التَّأْوِيلُ وَالْبَيَانُ قَدْ … يُطْلَقُ لِلإِيضَاحِ مُطْلَقًا وَرَدْ
سَبَقَهُ الإِجْمَالُ أَمْ لَا فَالْبَيَانْ … يَأْتِي ابْتِدًا أَوْ بَعْدَ إِجْمَالٍ يُبَانْ
(فَكَانَ) ﷺ (إِذَا أتَاهُ جِبْرِيلُ) ﵇ بعد نزول هذه الآية (أَطْرَقَ) أي سكت ﷺ ، أو نظر إلى الأرض ساكتًا، من الإطراق، وهو السكوت، أو النظر إلى الأرض، قال في "اللسان": الإطراق: السكوت عامّةً، وقيل: السكوت من فَرَق، أي خَوْف، ورجلٌ مُطْرِقٌ، ومِطْرَاقٌ، وطِرِّيقٌ: كثير السكوت، وأطرق الرجلُ: إذا سكت، فلم يتكلّم، وأطرق أيضًا: أي أرخى عينيه ينظر إلى الأرض، وفي حديث نظر الفَجْأة: "أَطْرِق بصرك" (١)، والإطراق: أن يُقْبِل ببصره إلى صدره، ويسكُت ساكنًا. انتهى (٢).
(فَإِذَا ذَهَبَ) جبريل ﵇ من عنده بعد القراءة عليه، وفي الرواية التالية: "فإذا انطلق جبريل" (قَرَأَهُ) ﷺ (كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ) زاد في نسخة: "﵎"، وفي الرواية التالية: "قرأه النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، كما قرأه"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ١٠٠٩ و ١٠١٠] (٤٤٨)، و (البخاريّ) في "بدء الوحي" (٥)، و"التفسير" (٤٩٢٧ و ٤٩٢٨ و ٤٩٢٩)، و"الفضائل" (٥٠٤٤)، و"التوحيد" (٧٥٢٤)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٣٢٩)،
стр. 5736
و (النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ١٤٩)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٦٢٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٥٢٧)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٤٣)، و (ابن سعد) في "الطبقات" (١/ ١٩٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢٢٩٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٩٣ و ٩٩٤)، و"دلائل النبوّة" (١/ ٢٧٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (١):
١ - (منها): بيان استحباب الاستماع لقراءة القارئ، والتأدّب معه بالإطراق، والإنصات.
٢ - (ومنها): بيان ما كان النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- يلقاه من معالجة الشدّة عند نزول الوحي عليه، وذلك لثقل الوحي، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥].
٣ - (ومنها): معاناته ﷺ من تلقّي الوحي عن الملك، بحيث إنه كان يُحرّك شفتيه؛ لئلا ينسى، وقيل: إنما كان يفعل ذلك من حبّه له، وحلاوته في لسانه، والأول أظهر، فنُهي عن ذلك حتى يَجتمع له كلّه؛ لأن بعضه مرتبط ببعضه.
٤ - (ومنها): أن فيه النوع المسمّى في فنّ "مصطلح الحديث" بـ "المسلسل بتحريك الشفتين" (٢)، فقد تسلسل بتحريك النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- لابن عبّاس ﵄، ففي رواية أبي داود الطيالسيّ: أنه رآه يُحرّك شفتيه، ثم بتحريك ابن عبّاس ﵄ لسعيد بن جبير، ثم بتحريك سعيد، لموسى بن أبي عائشة، وهلُمّ جرّا، حتى وصل إلينا من بعض شيوخنا (٣).
وفائدة التسلسل اشتماله على زيادة الضبط، واتّصال السماع، والأمن من التدليس، لكن غالب المسلسلات لا يصحّ تسلسلها، كحديث الرحمة المسلسل بالأوليّة، فإن تسلسله انقطع على سفيان بن عيينة، فمن رواه مسلسلًا إلى آخره فقد وَهِمَ.
стр. 5737
وقد بيّن السيوطيّ ﵀ النوع المسلسل مع بيان أنواعه، وفائدته في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
هُوَ الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ … قَدْ تَابَعُوا فِي صِفَةٍ أَوْ حَالَهْ
قَوْلِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ كِلَيْهِمَا … لَهُمْ أَوِ الإِسْنَادِ فِيمَا قُسِّمَا
وَخَيْرُهُ الدَّالُ (١) عَلَى الْوَصْفِ وَمِنْ … مُفَادِهِ زِيَادَةُ الضَّبْطِ زُكِنْ
وَقَلَّمَا يَسْلَمُ فِي التَّسَلْسُلِ … مِنْ خَلَلٍ وَرُبَّمَا لَمْ يُوصَلِ
كَأَوَّليَّةٍ لِسُفْيَانَ انْتَهَى … وَخَيْرُهُ مُسَلْسَلٌ بِالْفُقَهَا
٥ - (ومنها): بيان أن اللَّه تعالى تكفّل لرسوله ﷺ أن لا ينسى القرآن، وأنه كان بعد نزول هذه الآية يستمع ويُنصت لقراءة جبريل ﵇، فإذا انتهى جبريل من قراءته، وذهب من عنده قرأه النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- على أصحابه كما قرأه جبريل ﵇ من غير زيادة، ولا نقص، كما قال اللَّه تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦].
٦ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أنّ أحدًا لا يحفظ القرآن إلا بعون اللَّه تعالى وفضله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)﴾ [القمر: ٣٢].
٧ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: اختلف السلف والخلف في الْهَذّ -أي الإسراع في القراءة- أو الترتيل، فمن رأى الْهَذّ أراد استكثار الأجر، وحَوْز الحسنات بعدد الكلمات، ومن رأى الترتيل -وهم الأكثرون- ذهبوا إلى تفهّم معانيه، والوقوف عند حدوده، وتدبّر آياته، وتحسين تلاوته، كما أمر اللَّه تعالى نبيّه ﷺ ، حيث قال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، ولا خلاف أن الْهَذّ المفضي إلى لفّ كلماته، وترك إقامة حروفه غير جائز، وقال مالك ﵀: مِن الناس مَنْ إذا هَذّ كان أخفّ عليه، وإذا رتّل أخطأ، ومنهم من لا يُحسن الْهَذّ، والناس في ذلك على قدر حالاتهم، وما يَخفّ عليهم، وكلّ واسع. قال: وما قاله مالكٌ ﵀ وغيره ممن أجاز الهذّ، فإنما هو لمن لم يكن حظّه غير مجرّد التلاوة، وفضل القراءة، فأما من فتح اللَّه عليه بعلمه، وتلاه
стр. 5738
بالتفكّر والاعتبار، وتفهّم معانيه، واستثارة أحكامه، فلا مرية أن تلاوة هذا على مكث وإن قلّ ما يتلوه أفضل من ختمات غيره، وقد جاء للعلماء في ذلك أخبار، واختيار معلوم. انتهى كلام القاضي ﵀ ببعض تصرّف (١).
٨ - (ومنها): أنه استدلّ بهذا من جوّز اجتهاد النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، حيث إنه كان يعجل بالقراءة، وجوّز الفخر الرازيّ أن يكون أذن له في الاستعجال إلى وقت ورود النهي عن ذلك، فلا يلزم وقوع الاجتهاد في ذلك (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما جوّزه الرازيّ لا يخفى بُعده، والحقّ أن اجتهاد النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- جائز، وواقع، وقد أوضحت ذلك في "التحفة المرضيّة" حيث قلت:
اخْتَلفُوا هَلِ الرَّسُولُ يَجْتَهِدْ … فَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُوهُ وَوُجِدْ
وَبَعْضُهُمْ مَنَعَهُ وَالْبَعْضُ فِي … حَرْبٍ رَأَى وَالْبَعْضُ ذُو تَوَقُّفِ
وَالْحَقُّ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ فَقَدْ … جَاءَتْ وَقَائِعُ لَهَا قَدِ اجْتَهَدْ
وَالْخُلْفُ فِي خَطَئِهِ وَصُوِّبَا … وَقُوعُهُ بِلَا تَمَادٍ صَاحَبَا
فَاللَّه لَا يُقِرُّهُ عَلَيْهِ بَلْ … يُنْزِلُ وَحْيَهُ إِزَالَةَ الْخَلَلْ
ثُمَّةَ ذَا الْخُلْفُ لأَمْرٍ نُسِبَا … لِلدِّينِ لَا غَيْرُ فَخُذْهُ رَاغِبَا
أَمَّا الأُمُورُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَقَدْ … اتَّفَقُوا فِي كَوْنِهِ فِيهَا اجْتَهَدْ
فإن أردت إيضاح معاني الأبيات، فارجع إلى الشرح (٣)، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
٩ - (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، كما هو مذهب الجمهور من أهل السنّة، وهو الصحيح في كتب الأصول، ونصّ عليه الشافعيّ ﵀ لما تقتضيه "ثمّ" من التراخي.
قال في "الفتح": أولُ من استدلّ لذلك بهذه الآية القاضي أبو بكر بن الخطيب وتبعوه، وهذا لا يتمّ إلا على تأويل البيان بتبيين المعنى، وإلا فإذا حُمِل على أن المراد استمرار حفظه له، وظهوره على لسانه فلا.
стр. 5739
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حمل البيان على معنى استمرار حفظه فقط بعيد، فالأولى حمله على ما يعمّه، وجميع أنواع البيان، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الآمديّ: يجوز أن يراد بالبيان الإظهار، لا بيان المجمل، يقال: بيان الكوكب: إذا ظهر. قال: ويؤيّد ذلك أن المراد جميع القرآن، والمجمل إنما هو بعضه، ولا اختصاص لبعض بالأمر المذكور دون بعض.
وقال أبو الحسين البصريّ: يجوز أن يراد البيان التفصيليّ، ولا يلزم منه جواز تأخير البيان الإجماليّ، فلا يتمّ الاستدلال.
وتُعُقّب باحتمال إرادة المعنيين: الإظهار، والتفصيل، وغير ذلك؛ لأن قوله: ﴿بَيَانَهُ﴾ جنس مضاف، فيعُمّ جميع أصناف البيان، من إظهاره، وتبيين أحكامه، وما يتعلّق بها، من تخصيص، وتقييد، ونسخ، وغير ذلك. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حققه في "الفتح" أخيرًا هو الحقّ.
وحاصله أن المراد بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ جميع أنواع البيان، من جهة لفظه، ومن جهة معناه، وحمل الآية على بعض أنواع البيان دون بعض تحكّم، لا دليل عليه، فيكون لفظه محفوظًا لديه لا يغيب عنه شيء حتى يبلّغه، فمتى أراد تبليغه استطاع أداءه كما سمعه من جبريل ﵇، كما يكون معناه ظاهرًا لديه ظهورًا لا خفاء فيه، وإذا أراد بيان أحكامه أراه اللَّه تعالى ما أراد منه، وتكون دلالاته كلها ظاهرة لديه متى أراد بيانها للناس استطاع، فهو يعلم تفصيل مجمله، وتقييد مطلقه، وتخصيص عامّه، وناسخه من منسوخه، وغير ذلك من أنواع الدلالات.
وأما مسألة تأخير البيان، فقد وقع فيها اختلاف بين العلماء، والصحيح ما عليه الجمهور، من أن تأخير البيان عن وقت الخطاب، لا عن وقت الحاجة جائز، وواقع، وهذا هو الصواب؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ فقد عبّر بـ "ثم" المقتضية للتأخير، وإلى هذا قد أشرت في "التحفة المرضيّة"، حيث قلت:
١ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (فِي قَوْله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾، قَالَ) ابن عبّاس ﵄ (كَانَ النَّبِيُّ -صلي اللَّه عليه وسلم- يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ) المعالجة: محاولة الشيء بمشقّة، وقوله: "شدّةً" منصوب على المفعوليّة لـ "يُعالج"، وقال في "العمدة": أي يحاول من تنزيل القرآن عليه شِدّةً، ومنه ما جاء في حديث آخر: "وَلي حرَّه، وعِلاجه": أي عَمَله وتَعَبَهُ، ومنه قوله: "من كسبه وعلاجه": أي من محاولته وملاطفته في اكتسابه، ومنه معالجة المريض، وهي ملاطفته بالدواء حتى يُقْبِل عليه، والمعالجة: الملاطفة في المراودة بالقول والفعل، ويقال: محاولةُ الشيء بمشقة. انتهى.
وجملة: "يعالج" في محلّ نصب خبر "كان".
وقوله: (شِدَّةً) بالنصب مفعول "يعالج"، وقال الكرمانيّ: يجوز أن يكون مفعولًا مطلقًا له، أي يعالج معالجةً شديدةً، فعلى هذا يحتاج إلى شيئين: أحدهما تقدير المفعول به لـ "يعالج"، والثاني تأويل الشّدّة بالشديدة، وتقدير الموصوف لها، فافهم، قاله في "العمدة" (١).
وقال النوويّ ﵀: سبب الشدّة هيبة الملك، وما جاء به، وثقل الوحي، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥]، والمعالجة: المحاولة للشيء، والمشقّة في تحصيله. انتهى (٢).
(كَانَ) ﷺ (يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ) ببناء الفعل للفاعل، وفي الرواية السابقة: "وكان مما يُحرّك شفتيه"، وقد تقدّم الكلام عليها، قال سعيد: (فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَا أُحَرِّكهُمَا) أي الشفتين، وفي رواية البخاريّ: "فقال ابن عبّاس: فأنا أحرّكهما"، قال في "العمدة": تقديم فاعل الفعل يُشعر بتقوية الفعل، ووقوعه لا محالة، قال: وقوله: فقال لي ابن عبّاس ﵄ إلى قوله:
стр. 5742
"فأنزل اللَّه" جملة معترضةٌ بالفاء، وذلك جائزٌ، كما في قول الشاعر [من الكامل]:
وَاعْلَمْ فَعِلْمُ الْمَرْءِ يَنْفَعُهُ … أَنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ مَا قُدِّرَا
وفائدة الاعتراض زيادة البيان بالوصف على القول.
(كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا) زاد في نسخة: "فحرّك شفتيه" (فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا (١) كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكهُمَا) ووقع عند البخاريّ: "وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عبّاس يحرّكهما"، فقال الكرمانيّ: فإن قلت: كيف قال في الأول: "كان يحركهما"، وفي الثاني بلفظ: "رأيت"؟ قلت: العبارة الأولى أعمّ من أنه رأى بنفسه تحريك رسول اللَّه ﷺ أم سمع أنه حركهما.
وتعقّبه في "العمدة"، فقال: ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن ابن عباس ﵄ لم ير النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- في تلك الحالة؛ لأن سورة القيامة مكية باتفاق، ولم يكن ابن عباس إذ ذاك وُلد؛ لأنه وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، والظاهر أن نزول هذه الآيات كان في أول الأمر، ولكن يجوز أن يكون النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- أخبره بذلك بعدُ أو أخبره بعض الصحابة أنه شاهد النبي ﷺ .
قال في "الفتح": والأول هو الصواب، فقد ثبت ذلك صريحًا عن أبي داود الطيالسيّ في "مسنده" عن أبي عوانة بلفظ: "قال ابن عبّاس: فأنا أحرّك لك شفتي كما رأيت رسول اللَّه ﷺ " (٢).
وأما سعيد بن جبير فرأى ذلك من ابن عباس بلا نزاع.
(فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ) لا تنافي بين هذا حيث ذكر الشفتين، وبين قوله (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾) حيث ذكر اللسان؛ لأن تحريك الشفتين بالكلام
стр. 5743
المشتمل على الحروف التي لا ينطق بها إلا اللسان يلزم منه تحريك اللسان، أو اكتَفَى بالشفتين، وحذَفَ اللسان؛ لوضوحه؛ لأنه الأصل في النطق؛ إذ الأصل حركة الفم، وكلٌّ من الحركتين ناشئ عن ذلك، وتدلّ عليه رواية البخاريّ من طريق جرير في "التفسير": "يحرّك به لسانه وشفتيه"، فجَمَع بينهما.
وكان النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- في ابتداء الأمر إذا لُقِّن القرآن نازع جبريل القراءة، ولم يَصْبِر حتى يتمها؛ مسارعة إلى الحفظ؛ لئلا ينفلت منه شيء، قاله الحسن وغيره.
ووقع في رواية للترمذيّ: "يحرّك به لسانه" يريد أن يحفظه، وللنسائيّ: "يَعْجَلُ بقراءته ليحفظه"، ولابن أبي حاتم: "يتلقى أوله، ويحرك به شفتيه؛ خشيةَ أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره".
وفي رواية الطبريّ، عن الشعبيّ: "عَجِلَ يتكلم به من حبه إياه"، وكلا الأمرين مراد.
ولا تنافي بين محبته إياه، والشدّة التي تلحقه في ذلك، فأمر بأن يُنْصِت حتى يُقْضَى إليه وحيه، ووَعَدَ بأنه آمن من تفلّته منه بالنسيان أو غيره.
ونحوه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]، أي بالقراءة، قاله في "الفتح" (١).
(لِتَعْجَلَ بِهِ) أي لتأخذه على عجلة ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ قَالَ: جَمْعَهُ فِي صَدْرِكَ، ثُمَّ تَقْرَأَهُ) بالنصب بـ "أن" مضمرة؛ لكونه معطوفًا على اسم خالص، وهو "جمعه"، كما في قول الشاعر [من البسيط]:
إِنِّي وَقَتْلِي سُلَيْكًا ثُمَّ أَعْقِلَهُ … كَالثَّوْرِ يُضْرَبُ لَمَّا عَافَتِ الْبَقَرُ
فـ "أعقله" منصوب لعطفه على "قتلي"، وهو اسم صريح، وإلى هذه القاعدة أشار في "الخلاصة" بقوله:
وَإِنْ عَلَى اسْمٍ خَالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ … تَنْصِبُهُ "أَنْ" ثَابِتًا أَوْ مُنْحَذِفْ
والتقدير هنا: "ثم قراءتَكَ".
стр. 5744
ووقع في بعض النسخ: "ثُمّ تَقْرَؤُهُ" بالرفع، وعليه فيكون مستأنفًا، أي ثم أنت تقرؤه.
(﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾، قَالَ) ابن عبّاس ﵄ مفسّرًا هذه الجملة (فَاسْتَمِعْ، وَأَنْصِتْ) فيه لغتان: قطع همزته، ووصلها، يقال: أنصت إنصاتًا: استمع، يتعدّى بالحرف، فيقال: أنصت الرجل للقارئ، وقد يُحذف الحرف، فينصبُ المفعولُ، فيقال: أنصت الرجل القارئَ، ضُمِّن سَمِعَهُ، ونَصَتَ له يَنْصِتُ، من باب ضرب لغة: أي سَكَت مستمعًا، وهذا يتعدَّى بالهمزة، فيقال: أنصته: أي أسكته، قاله في "المصباح" (١).
وقال النوويّ في "شرحه": الاستماع: الإصغاء، والإنصات: السكوت، فقد يَستمع، ولا يُنصتُ، فلهذا جمع بينهما، كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال الأزهريّ: يقال: أَنْصَتَ، ونَصَتَ، وانتصتَ، ثلاث لغات، أفصحهنّ: أنصت، وبها جاء القرآن العزيز. انتهى (٢).
(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ) هكذا رواية المصنّف، وهو بيان لمعنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾، وقد صُرّح به في رواية البخاريّ، ولفظه: " ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ ثم إن علينا أن تقرأه"، وفي رواية له: "علينا أن نبيّنه بلسانك"، وفي رواية: "على لسانك".
والمعنى: أن اللَّه ضمِنَ له ﷺ أن يُيسّر له قراءة القرآن متى شاء، سواء كان لنفسه تدبّرًا، وتعبّدًا بتلاوته، أو للناس تبليغًا، وأن يُبيّن له ما يراد منه من المعاني والأحكام، وهذا فضل من اللَّه تعالى الكريم عليه، ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
(قَالَ) ابن عبّاس ﵄ (فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) بعد نزول هذه الآية (إِذَا إتاهُ جِبْرِيلُ) ﵇ (اسْتَمَعَ) لقراءته (فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ) ﵇ أي ذهب، وانصرف من عنده ﷺ (قَرَأَهُ النَّبِيُّ -صلي اللَّه عليه وسلم- كَمَا أَقْرَأَهُ) فاعل "قرأ" الأول ضمير النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، وفاعل "قرأ" الثاني ضمير جبريل ﵇.
والمعنى: أن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- كان بعد نزول هذه الآية إذا أتاه جبريل ﵇