قال القرطبيّ ﵀: مذهب الجمهور كراهة القراءة والدعاء في الركوع، وقال الشافعيّ والكوفيّون: يقول في الركوع: "سبحان ربي العظيم"، وفي السجود: "سبحان ربي الأعلى"؛ اتّباعًا لحديث عقبة ﵁ (١)، وكلُّهم على استحباب ذلك، وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الركوع والسجود، وذهب إسحاق، وأهل الظاهر إلى وجوب الذكر فيهما دون تعيين، وأنه يعيد الصلاة من تركه.
وفي "المبسوط" عن يحيى بن يحيى، وعيسى بن دينار، من أئمتنا -يعني المالكيّة- فيمن لم يذكر اللَّه في ركوعه، ولا سجوده أنه يُعيد الصلاة أبدًا، وقد تأولّ المتأخّرون من أصحابنا ذلك عليهما تأويلات بعيدة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد عرفت فيما سبق أن الحقّ وجوب أذكار الركوع والسجود، فما ذهب إليه إسحاق، وأهل الظاهر، ونقل عن يحيى بن يحيى، وعيسى بن دينار هو الصحيح، فتبصّر.
وقال النوويّ ﵀: التسبيح في الركوع والسجود سنةٌ غير واجب، هذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعيّ -رحمهم اللَّه تعالى- والجمهور، وأوجبه أحمد ﵀، وطائفة من أئمة الحديث؛ لظاهر الحديث في الأمر به، ولقوله ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي"، وهو في "صحيح البخاريّ".
وأجاب الجمهور بأنه محمول على الاستحباب، واحتَجُّوا بحديث المسيء صلاته، فإن النبيّ ﷺ لم يأمره به، ولو وَجَب لأمره به. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٣).
وقال الحافظ رجب ﵀: ولو لم يسبّح في ركوعه، ولا سجوده، فقال أكثر الفقهاء: تجزئ صلاته، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والثوريّ، والشافعيّ وغيرهم.
стр. 6022
وقال أحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق: إن تركه عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا وجب عليه أن يَجبُره بسجدتي السهو.
وقالت طائفة: هو فرض لا يسقط في عمد، ولا سهو، وحُكي روايةً عن أحمد، وهو قول داود، ورجّحه الخطابيّ، وقد روى الحسن، والنخعيّ ما يدلّ عليه.
قال: ويُستدلّ له بقول النبيّ ﷺ في الصلاة: "إنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن"، رواه مسلم، ولذلك سمّى اللَّه تعالى الصلاة تسبيحًا، كما سمّاها قرآنًا، فدلّ على أن الصلاة لا تخلو عن القرآن والتسبيح.
قال: وعلى القول بالوجوب، فقال أصحابنا: الواجب في الركوع: "سبحان ربي العظيم"، وفي السجود: "سبحان ربي الأعلى" لا يُجزئ غير ذلك؛ لحديث ابن مسعود، وعقبة بن عامر ﵁، وقد سبقا (١).
وقال إسحاق: يُجزئ كلُّ ما رُوي عن النبيّ ﷺ ، من تسبيح، وذكر، ودعاء، وثناء. انتهى كلام ابن رجب ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحث أنيس.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر أقوال العلماء، وأدلّتهم أن مذهب من أوجب التسبيح في الركوع والسجود، هو الحقّ؛ لأنه ﷺ أمر به، والأمر للوجوب، فقد أمر ﷺ بالتسبيح في الركوع والسجود، كما سبق في حديث عقبة ﵁ المتقدّم: "اجعلوها في ركوعكم. . . اجعلوها في سجودكم"، وكذا حديث الباب قال: "فعظّموا فيه الربّ"، وقال: "فاجتهدوا في الدعاء"، وقد صحّ عنه ﷺ فعلًا، كما صحّ قولًا، وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي"، وقال أيضًا: "إنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن".
فإذا لم تفد هذه النصوص الوجوب، فما الذي يفيده؟ إن هذا لهو العجب العُجاب!!!.
وأما الاحتجاج بحديث المسيء صلاته، فليس بصواب؛ لأن الأرجح -كما أسلفناه في محلّه- أن الواجبات ليست مقصورة على حديثه، بل غاية ما
стр. 6023
فيه أن كلّ ما ذُكر فيه فهو واجب، وما زاد على ذلك ينظر إلى دليله، فإن اقتضى الوجوب كما هنا عُمل به، وإلا حُمِل على الاستحباب.
والحاصل أن قول من قال بوجوب أذكار الركوع والسجود هو الحقّ، فمن ترك التسبيح في الركوع، أو التسبيح والدعاء في السجود بالكلّية أعاد الصلاة، عمدًا كان، أو سهوًا؛ لما سبق من الأدلّة الصحيحة الصريحة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد تسبيح الركوع والسجود:
(اعلم): أنهم قد اختَلَفوا في ذلك، فذهب الجمهور إلى أن أدنى الكمال ثلاث تسبيحات، وتُجزئ واحدة، وروي عن الحسن، وإبراهيم أن المجزئ ثلاثٌ، قال ابن رجب: وقد يتأول على أنهما أرادا المجزئ من الكمال، كما تأوّل الشافعيّ وغيره، حديث ابن مسعود ﵁ المذكور على أدنى الكمال، وروي عن عمر ﵁ أنه كان يقول في ركوعه وسجوده قدر خمس تسبيحات، وعن الحسن قال: التامّ من ذلك قدر سبع تسبيحات، وعنه قال: سبع أفضل من ثلاث، وخمس وسط بين ذلك، وكذا قال إسحاق: يسبّح من ثلاث إلى سبع.
وقالت طائفة: يستحبّ للإمام أن يسبّح خمسًا ليُدرك من خلفه ثلاثًا، هكذا قال ابن المبارك، وسفيان الثوريّ، وإسحاق، وبعض الحنابلة، ومنهم من قال: يسبّح من خمس إلى عشر، وقال بعض الحنابلة: يكره للإمام أن ينقص عن أدنى الكمال في الركوع والسجود، ولا يكره للمنفرد؛ ليتمكّن المأموم من سنّة المتابعة.
وقال أصحاب الشافعيّ: لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات، ومنهم من قال: خمس إلا أن يرضى المأمومون بالتطويل، ويكونون محصورين.
قال ابن رجب: وهذا خلاف نصّ الشافعيّ في "الأُمّ"، فإنه نصّ على أنه يسبّح ثلاثًا، ويقول مع ذلك ما قاله النبيّ ﷺ في حديث عليّ ﵁، قال: وكلُّ ما قال رسول اللَّه ﷺ في ركوع أو سجود أحببت أن لا يُقصِّر عنه، إمامًا كان، أو منفردًا، وهو تخفيف لا تثقيل.
стр. 6024
قال: واختلف أصحابنا -يعني الحنابلة- في الكمال في التسبيح، هل هو عشر تسبيحات، أو سبع؟ ولهم وجهان آخران في حقّ المنفرد، أحدهما يسبّح بقدر قيامه، والثاني ما لم يَخَف سهوًا، ذكر هذا كلّه الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح البخاريّ" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح عندي أن المصلّي مطلقًا يسبّح بلا عدد معيّن، وكلما زاد كان أفضل، إلا أن يكون إمامًا، فيخفّف للأمر بذلك، وأقوى ما ثبت في ذلك ما أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ بإسناد حسن، عن أنس بن مالك ﵁ قال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة بصلاة رسول اللَّه ﷺ من هذا الفتى -يعني عمر بن عبد العزيز- فحزَرْنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات.
وأما ما أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي، عن عون بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم، وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وذلك أدناه"، فإنه حديث ضعيف؛ للانقطاع، كما قاله أبو داود والترمذيّ؛ لأن عون بن عبد اللَّه لم يدرك ابن مسعود ﵁.
والحاصل أنه لا حدّ للتسبيح في الركوع والسجود بالثلاث، ولا بغيرها، بل يسبّح ما شاء، وكلّما زاد كان حسنًا، وإنما الواجب الطمأنينة مع الذكر، لكن إن كان إمامًا فالأولى له أن يراعي حال المأمومين، فلا يشقّ عليهم بالتطويل، ولا يفوّت عليهم سنة التسبيح بالاستعجال، بل يعطي كلّ ذي حقّ حقه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٨٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ
стр. 6025
أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١) السِّتْرَ، وَرَأْسُهُ مَعْصُوبٌ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا، يَرَاهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ"، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (السِّتْرَ) تقدّم أنه بكسر السين، وسكون التاء بمعنى الساتر.
وقوله: (وَرَأْسُهُ مَعْصُوبٌ) اسم مفعول من عَصَبَ، يقال: عَصَب رأسه يَعْصِبه، من باب ضرب: إذا شدّه بالعصابة، وهي بالكسر: كلّ ما عَصَبْتَ به رأسَك، من عِمَامةٍ، أو منديل، أو خِرقة (٢).
والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي حال كونه مشدود الرأس بالعمامة؛ لشدّة مرضه.
وقوله: (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) قدّم "اللهم" تأكيدًا للأمر، كما أكّده بتكريره ثلاثًا، فهو ﷺ يُشهد اللَّه تعالى على تبليغه، وأنه لم يقصِّر في تبليغ الدعوة إلى اللَّه تعالى، وتبليغ ما أمره بتبليغه إلى الأمة، ولذلك ثبت عنه في حديث آخر: "اللهم اشهَد" (٣).
стр. 6026
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير إسماعيل بن جعفر، يعني أن إسماعيل بن جعفر أتّم سياق الحديث بعد قوله: "أو تُرى له" بمثل حديث سفيان بن عيينة الماضي.
[تنبيه]: رواية إسماعيل بن جعفر هذه، ساقها النسائيّ في "سننه"، فقال:
(١١٢٠) أخبرنا عليّ بن حُجْر المروزيّ، قال: أنبأنا إسماعيل، هو ابن جعفر، قال: حدّثنا سليمان بن سُحَيم، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن مَعْبد بن عباس، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عباس، قال: كَشَف رسول اللَّه ﷺ السِّتْر، ورأسه معصوب في مرضه، الذي مات فيه، فقال: "اللَّهمّ قد بلغت، ثلاث مرات، إنه لم يبق من مبشرات النبوة، إلا الرؤيا الصالحة، يراها العبد، أو تُرَى له، ألا وإني قد نُهيت عن القراءة في الركوع والسجود، فإذا ركعتم فعظموا ربكم، وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء، فإنه قَمَنٌ أن يستجاب لكم". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٨١] (٤٨٠) - (حَدَّثَنِي (١) أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
стр. 6027
٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه بن وهب بن مسلم القُرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح، وقيل: (١٦٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة فقيه، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) وقيل: قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٤٨.
٦ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ) الهاشميّ مولاهم، أبو إسحاق المدنيّ، ثقة [٣].
روى عن أبيه، وأبي هريرة، وأبي مُرّة، مولى عَقِيل، وأرسل عن عليّ بن أبي طالب ﵁.
وروى عنه الزهريّ، وشريك بن أبي نَمِر، ونافع، وابن عجلان، وابن إسحاق، وغيرهم.
قال محمد بن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قيل: إنه توفي سنة بضع ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث، هذا برقم (٤٨٠) كرّره أربع مرّات، وحديث رقم (٧٢٢) و (١٢٠٥) و (٢٠٧٨) وكرّره ثلاث مرات.
٧ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن حُنين الهاشميّ، مولى العباس، ويقال: مولى عليّ المدنيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن عليّ، وابن عباس، وأبي أيوب، وابن عمر، والْمِسْوَر بن مَخْرَمة.
وروى عنه ابنه إبراهيم، ومحمد بن المنكدر، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وأسامة بن زيد الليثيّ، ونافع مولى ابن عمر، وأبو بكر بن حفص بن عمر بن
стр. 6028
سعد بن أبي وقاص، وشريك بن عبد اللَّه بن أبي نَمِر، وغيرهم.
قال العجليّ: مدنيّ، تابعيّ، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أسامة بن زيد الليثيّ: دخلت عليه ليالي استُخْلِف يزيد بن عبد الملك، وكان موته قريبًا من ذلك، وكذا قال ابن حبان: مات في ولاية يزيد بن عبد الملك.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٤٨٠)، وكرّره أربع مرّات، و (٤٨١)، وحديث (١٢٠٥): "يغسل رأسه، وهو محرم. . . "، و (٢٠٧٨): "نهى عن لبس القسيّ. . . "، وكرّره ثلاث مرّات.
٨ - (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) الهاشميّ، ابن عمّ النبيّ ﷺ ، أبو الحسن ﵀، مات سنة (٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قَرَن بينهما.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب، ومن قبله مصريّون.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن إبراهيم، عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مناقب جمّة، فهو أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنة، وصهر النبيّ ﷺ ، وابن عمّه، وأنه مات يوم مات، وهو أفضل من في الأرض من الأحياء من بني آدم، بإجماع المسلمين، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، أَنَّ أَباهُ) عبد اللَّه بن حُنين (حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ) أي القرآن، حال كوني (رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا) وفي الرواية التالية: "نهاني رسول اللَّه ﷺ عن قراءة القرآن، وأنا راكع، أو ساجد"، وفي الرواية التي بعدها: "نهاني رسول اللَّه ﷺ عن القراءة في الركوع، والسجود، ولا أقول: نهاكم".
стр. 6029
قال النوويّ ﵀: ليس معناه: أن النهي مُخْتَصٌّ به، وإنما معناه: أن اللفظ الذي سمعته بصيغة الخطاب لي، فأنا أنقله كما سمعته، وإن كان الحكم يتناول الناس. انتهى (١).
وقال ابن العربيّ ﵀: هذا دليلٌ على منع الرواية بالمعنى، واتّباع اللفظ، قال: ولا شكّ في أن نهيه ﷺ لعليّ ﵁ نَهْيٌ لسواه؛ لأنه ﷺ كان يُخاطب الواحد، ويريد الجماعة في بيان الشرع. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "دليلٌ على منع الرواية بالمعنى"، فيه نظر لا يخفى؛ إذ الحديث لا يدلّ على المنع، وغايته أن يدلّ على الأولويّة، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: هذا لا يدلّ على خصوصيّته بهذا الحكم، وإنما أخبر بكيفيّة توجّه صيغة النهي الذي سمعه، فكأن صيغة النهي التي سمع: "لا تقرأ القرآن في الركوع"، فحافظ حالة التبليغ على كيفيّة ما سَمِع حالة التحمّل، وهذا من باب نقل الحديث بلفظه كما سُمِعَ، ولا شكّ أن مثل هذا اللفظ مقصور على المخاطب من حيث اللغة، ولا يُعدَّى إلى غيره إلا بدليل من خارج، إما عامّ، كقوله ﷺ : "حُكْمي على الواحد حكمي على الجميع" (٢)، أو خاصّ في ذلك، كقوله ﷺ : "نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعًا، أو ساجدًا". انتهى (٣).
[تنبيه]: هذا الحديث سيأتي بأتمّ مما هنا في "كتاب اللباس والزينة" برقم (٢٠٧٨) عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن
стр. 6030
حنين، عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب، أن رسول اللَّه ﷺ نَهَى عن لُبْس الْقَسِيّ، والْمُعَصفَر، وعن تختم الذهب، وعن قراءة القرآن في الركوع، وسيأتي شرحه هناك -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ١٠٨١ و ١٠٨٢ و ١٠٨٣ و ١٠٨٤ و ١٠٨٥ و ١٠٨٦] (٤٨٠) و [٤٢/ ١٠٨٧] (٤٨١)، وسيأتي في "اللباس" (٢٠٧٨)، و (أبو داود) في "اللباس" (٤٠٤٤ و ٤٠٤٥ و ٤٠٤٦)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٢٦٤) و"اللباس" (١٧٣٧)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ١٨٩) و"الزينة" (٨/ ١٩١ و ٢٠٤)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٨٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٨٣٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٤٩)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٨٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٩٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٢٥ و ١٨٢٦ و ١٨٢٧ و ١٨٢٨ و ١٨٢٩ و ١٨٣٠ و ١٨٣١ و ١٨٣٢ و ١٨٣٣ و ١٨٣٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٦٠ و ١٠٦١ و ١٠٦٢ و ١٠٦٣ و ١٠٦٤ و ١٠٦٥ و ١٠٦٦ و ١٠٦٧ و ١٠٦٨ و ١٠٦٩ و ١٠٧٠ و ١٠٧١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٨٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٢٧).
وفوائد الحديث، تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٨٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ، يَعْنِي ابْنَ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، يَقُولُ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَأَنَا رَاكِعٌ، أَوْ سَاجِدٌ).
стр. 6031
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، مشهور بكنيته [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) أحد مشايخ الستّة تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ كَثِير) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ عارف بالمغازي، ورُمي برأي الخوارج [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
والباقون تقدّموا قبله، والإسناد مسلسلٌ بالمدنيين من الوليد، والباقيان كوفيّان، وقد تقدّم شرح الحديث، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٨٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ، أَنَّهُ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَلَا أَقُولُ: نَهَاكُمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصاغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦.
٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٤) عن (٨٠) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٨.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٩.
٤ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولى عمر بن الخطّاب ﵁، أبو عبد اللَّه، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، كان يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
стр. 6032
والباقون تقدّموا قبله، والإسناد مسلسلٌ بالمدنيين من محمد بن جعفر.
وقوله: (وَلَا أَقُولُ: نَهَاكُمْ) تقدّم أن معناه أنه سمع منه ﷺ خطابًا خاصًّا به ﵁، ولا يريد بذلك أن النهي مختصّ به، بل هو من باب أداء ما سمعه كما سمعه؛ ليؤدّي ما سمعه على الوجه الذي سمعه، وإن كان يجوز أداؤه بالمعنى، لكن الأول هو الأولى، فقد أخرج الترمذيّ ﵀ عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "نضر اللَّه امرأً سَمِع منا شيئًا، فبلَّغه كما سمع، فرُبّ مُبَلَّغ أوعى من سامع"، وقال: حديث حسن صحيح، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٨٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهَيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: نَهَانِي حِبِّي ﷺ أَنْ أَقْرَأَ (٢) رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم أول الباب.
٢ - (إِسْحَاقُ) بن إبراهيم بن مخلَد المعروف بابن راهويه، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عمرو الْقَيسيّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٤ - (دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ) الفَرّاءُ الدبّاغ، أبو سليمان القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٥].
رَوَى عن السائب بن يزيد الكِنْديّ، وزيد بن أسلم، وعبيد اللَّه بن مِقْسَم،
стр. 6033
وعِيَاض بن عبد اللَّه بن سعد بن أبي سَرْح، وموسى بن يسار، ونافع مولى ابن عمر، ونافع بن جبير بن مُطْعِم، ونعيم الْمُجمِر، وغيرهم.
وروى عنه السفيانان، وإسماعيل بن جعفر، وأبو داود الطيالسيّ، وابن مهديّ، وابن المبارك، وابن وهب، وعبد الرزاق، وابن أبي فُديك، ويحيى القطان، ووكيع، والوليد بن مسلم، والدّرَاورديّ، والعَقَديّ، وأبو نعيم، والقعنبيّ.
قال البخاريّ، عن عليّ ابن المدينيّ: له نحو ثلاثين حديثًا، وقال الشافعيّ: ثقةٌ حافظٌ، وقال أبو طالب، عن أحمد: ثقةٌ، وهو أكبر من هشام بن سعد، وقال ابن معين: كان صالح الحديث، وهو أحبّ إلي من هشام، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، زاد أبو حاتم: وهو أحب إلينا من هشام بن سعد، كان القعنبيّ يُثْنِي عليه، وقال ابن سعد، عن القعنبيّ: ما رأيت بالمدينة رجلين كانا أفضل من داود بن قيس، ومن الحجاج بن صفوان، وقال ابن سعد: مات بالمدينة، وكان ثقةً، وله أحاديث صالحةٌ، وقال عليّ ابن المدينيّ: داود بن قيس الفَرّاء ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في ولاية أبي جعفر، وقال الساجيّ: ثقةٌ.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط، برقم (٤٨٠) و (٥٧١) و (٨٨٩) و (٩٨٥) و (١٥٢٤) و (١٦٦٣) و (١٩٣٥) و (٢٥٦٤) و (٢٥٧٨).
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (نَهَانِي حِبِّي ﷺ ) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة: بمعنى محبوبي، قال الفيّوميّ ﵀: أحببتُ الشيءَ بالألف، فهو مُحَبٌّ، واستحببته مثله، ويكون الاستحباب بمعنى الاستحسان، وحَبَبْتُهُ أَحِبُّهُ، من باب ضرب، والقياس أَحُبُّهُ بالضم، لكنه غير مُستعمل، وحَبِبْتُهُ أَحَبُّهُ، من باب تَعِبَ لغةٌ، وفيه لغة لهذيل: حاببته حِبَابًا، من باب قاتل، والْحُبُّ اسم منه، فهو محبوبٌ وحَبِيبٌ، وحِبٌّ، بالكسر، والأنثى حَبِيبةٌ، وجمعها: حَبَائِب، وجمع المذكر أَحِبّاءُ، وكان القياس أن يُجْمَع جمع شُرَفَاءَ، ولكن استُكْرِهَ لاجتماع المثلين، قالوا: كلُّ ما كان على فَعِيل من الصفات، فإن كان غير مضاعَفٍ، فبابه فُعَلاءُ،
стр. 6034
مثل شَرِيف وشُرَفاء، وإن كان مضاعَفًا، فبابه أَفْعِلاءُ، مثلُ حَبِيبٍ، وطَبِيبٍ، وخَلِيل. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٨٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ (ح) وَحَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: (ح) (٣) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا (٤) الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، إِلَّا الضَّحَّاكَ، وَابْنَ عَجْلَانَ، فَإِنَّهُمَا زَادَا (٥): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ، قَالُوا: نَهَانِي عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَأَنَا رَاكِعٌ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي رِوَايَتِهِمُ النَّهْيَ عَنْهَا فِي السُّجُودِ، كَمَا ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ وَزيدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ، وَدَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة وعشرون:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) النيسابوريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (مَالِك) بن أنس، الإمام العلم المشهور، إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا.
٣ - (نَافِع) مولى ابن عمر المدنيّ، أبو عبد اللَّه، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
стр. 6035
٤ - (عِيسَى بنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ) أبو موسى التجيبيّ، الملقّب زُغْبة، ثقة [١٠] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٢.
٥ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المشهور، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ يرسل [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٧ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الحمّال البزاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٨ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الديليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٥.
٩ - (الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزام الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤.
١٠ - (الْمُقَدَّمِيُّ) -بتشديد الدال المفتوحة- هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم الْمُقَدَّميّ، أبو عبد اللَّه الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
١١ - (يَحْيَى القَطَّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير، من كبار [٩] (ت ٢٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
١٢ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: حمد بن عجلان، مولى فاطمة بنت الوليد، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] (ت ١٤٨) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠.
١٣ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) -بفتح الهمزة- السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) عن (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
١٤ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) الليثيّ مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧].
رَوَى عن الزهريّ، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رَبَاح، ومحمد بن المنكدر، وصالح بن كيسان، وعبد اللَّه بن رافع مولى أم سلمة، وعمرو بن شعيب، وجماعة.
стр. 6036
وروى عنه يحيى القطان، وابن المبارك، والثوريّ، وابن وهب، والأوزاعيّ، والدّراورديّ، ووكيع، وأبو نعيم، وغيرهم.
قال أحمد: تركه القطان بآخرةٍ، وقال الأثرم، عن أحمد: ليس بشيء، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: رَوَى عن نافع أحاديث مناكير، فقلت له: أراه حسن الحديث، فقال: إن تدبرت حديثه، فستعرف فيه النُّكْرة، وقال ابن معين في رواية أبي بكر بن أبي خيثمة: كان يحيى بن سعيد يُضَعِّفه، وقال أبو يعلى الموصليّ عنه: ثقةٌ صالحٌ، وقال عثمان الدارميّ عنه: ليس به بأسٌ، وقال الدُّوريّ وغيره عنه: ثقةٌ، زاد غيره: حجةٌ، وقال أبو حاتم: يُكْتَب حديثه، ولا يُحْتَجّ به، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال أبو أحمد بن عديّ: يروي عنه الثوريّ وجماعة من الثقات، وبروي عنه ابن وهب نسخةً صالحةً، وهو كما قال ابن معين: ليس بحديثه بأس، وهو خير من أسامة بن زيد بن أسلم، وقال الْبَرْقيّ، عن ابن معين: أنكروا عليه أحاديث، وقال ابن نُمير: مدنيّ مشهورٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: صالحٌ إلا أن يحيى، يعني ابن سعيد أمسك عنه بآخرةٍ، وذكره ابن المدينيّ في الطبقة الخامسة من أصحاب نافع، وقال الدارقطنيّ: لَمّا سمع يحيى القطان أنه حدَّث عن عطاء، عن جابر، رفعه: "أيامُ منًى كلُّها مَنْحَر"، قال: اشهدوا أني قد تركت حديثه، قال الدارقطنيّ: فمن أجل هذا تركه البخاريّ، وقال الحاكم في "المدخل": رَوَى له مسلم، واستدللت بكثرة روايته له على أنه عنده صحيح الكتاب، على أن أكثر تلك الأحاديث مُسْتَشْهَدٌ بها، أو هو مقرون في الإسناد، وقال ابن حبان في "الثقات": يخطئ، وهو مستقيم الأمر، صحيح الكتاب، وأسامة بن زيد بن أسلم مدنيّ وَاهٍ، وكانا في زمن واحد، إلا أن الليثيّ أقدم.
وقال ابن القطان الفاسيّ: لم يحتجّ به مسلم، إنما أخرج له استشهادًا، قال: وقال عمرو بن عليّ الفلاس: حدثنا عنه يحيى بن سعيد، ثم تركه، قال: يقول: سمعت سعيد بن المسيِّب، قال ابن القطان: هذا أمر منكَرٌ؛ لأنه بذلك يساوي نسخة الزهريّ. انتهى كلام ابن القطان.
قال الحافظ: ولم يرد يحيى بذلك ما فَهِمَه عنه، بل أراد ذلك في حديث مخصوص، يتبيّن من سياقه، اتَّفَقَ أصحاب الزهريّ على روايته عنه، عن
стр. 6037
سعيد بن المسيِّب بالعنعنة، وشذَّ أسامة، فقال: عن الزهريّ، سمعت سعيد بن المسيِّب، فأَنْكَر عليه القطان هذا لا غير. انتهى (١).
مات سنة (١٥٣) وكان له يوم مات بضع وسبعون سنةً.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٢٥) حديثًا.
١٥ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم قريبًا.
١٦ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
١٧ - (محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقّاص، أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو الحسن الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٦].
رَوَى عن أبيه، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعَبيدة بن سفيان، وسعيد بن الحارث، وإبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، ودينار أبي عبد اللَّه القراظ، وغيرهم.
ورَوَى عنه موسى بن عقبة، ومات قبله، وابن عمه عمر بن طلحة بن علقمة بن وقاص، وشعبة، والثوري، وحماد بن سلمة، وأبو معشر المدني، ويزيد بن زريع، وغيرهم.
قال علي ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد، وسئل عن سهيل، ومحمد بن عمرو، فقال: محمد أعلى منه، قال علي: قلت ليحيى: محمد بن عمرو كيف هو؟ قال: تريد العفو، أو تَشَدَّد؟ قال: لا، بل أُشَدّد، قال: ليس هو ممن تريد، وكان يقول: حدثنا أشياخنا: أبو سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال يحيى: وسألت مالكًا عنه، فقال فيه نحو ما قلت لك، قال علي: وسمعت يحيى يقول: محمد بن عمرو أحب إلي من ابن أبي حرملة. وقال إسحاق بن حكيم عن يحيى القطان: محمد بن عمرو رجل صالح، ليس باحفظ الناس للحديث. وقال إسحاق بن منصور: سئل يحيى بن معين عن محمد بن عمرو، ومحمد بن إسحاق، أيهما يُقَدَّم؟ فقال: محمد بن عمرو. وقال ابن خيثمة: سئل ابن معين عن محمد بن عمرو، فقال: ما زال
стр. 6038
الناس يتّقون حديثه، قيل له: وما عِلّة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وقال الجوزجاني: ليس بقوي الحديث، ويُشتَهَى حديثه. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه، وهو شيخ. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال مرة: ثقة. وقال أحمد بن أبي مريم عن ابن معين: ثقة. وقال عبد اللَّه بن أحمد عن ابن معين: سهيل، والعلاء، وابن عَقِيل حديثهم ليس بحجة، ومحمد بن عمرو فوقهم. وقال يعقوب بن شيبة: هو وسط، وإلى الضعف ما هو. وقال الحاكم: قال ابن المبارك: لم يكن به بأس. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، يُسْتَضعف. وقال ابن معين: ابن عجلان أوثق من محمد بن عمرو، ومحمد بن عمرو أحب إلي من محمد بن إسحاق. حكاه العقيلي. وقال ابن عدي: له حديث صالح، وقد حدّث عنه جماعة من الثقات، كل واحد يتفرد عنه بنسخة، وُيغْرِب بعضهم على بعض. وروى عنه مالك في "الموطأ"، وأرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ. قال الواقدي: توفي سنة أربع وأربعين ومائة. وقال عمرو بن علي: مات سنة خمس وأربعين.
روى له البخاري مقرونًا بغيره، ومسلم في المتابعات، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٤٨٠)، و (٦٧٩) و (٧٣١) و (١٣٨٦) و (١٤٨٠) و (١٩٧٧) و (٢٢٦١).
١٨ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) بن مُصعب التميميّ، أبو السّرِيّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
١٩ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
٢٠ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن يَسَار بن خِيَار، ويقال: كومان، أبو بكر المدنيّ، ويقال: أبو عبد اللَّه المطلبيّ مولاهم، نزيل العراق، إمام المغازي، صدوقٌ يُدلّس، ورُمي بالتشيّع والقدر، من صغار [٥].
رأى أنسًا، وابن المسيب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، ورَوَى عن أبيه، وعمّيه عبد الرحمن، وموسى، والأعرج، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، وغيرهم.
стр. 6039
ورَوَى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن أبي حبيب، وهما من شيوخه، وجرير بن حازم، وعبد اللَّه بن سعيد بن أبي هند، وابن عون، وإبراهيم بن سعيد، والحمادان، وشعبة، والسفيانان، وغيرهم.
قال سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق: رأيت أنس بن مالك عليه عمامة سوداء. وقال المفضل الغلابي: سألت ابن معين عنه، فقال: كان ثقة، وكان حسن الحديث، فقلت: إنهم يزعمون أنه رأى ابن المسيب، فقال: إنه لقديم، وقال الدُّوري عن ابن معين: قد سمع محمد بن إسحاق من أبان بن عثمان، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وعطاء، وقال علي ابن المديني: مدار حديث رسول اللَّه ﷺ على ستة فذكرهم، ثم قال: فصار عِلمُ الستة عند اثني عشر، فذكر ابن إسحاق فيهم. وقال ابن عيينة: رأيت الزهري قال لمحمد بن إسحاق: أين كنت؟ فقال: هل يَصِلُ إليك أحد؟ قال: فدعا حاجبه، وقال: لا تحجبه إذا جاء. وقال ابن المديني: سمعت سفيان قال: قال ابن شهاب -وسئل عن مفاريده-: فقال: هذا أعلم الناس بها. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: قال عاصم بن عمر بن قتادة: لا يزال في الناس علم ما بقي ابن إسحاق. وقال ابن أبي خيثمة عن هارون بن معروف: سمعت أبا معاوية يقول: كان ابن إسحاق من أحفظ الناس، فكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر جاء، فاستودعها ابن إسحاق. وقال النُّفَيليّ عن عبد اللَّه بن فائد: كنا إذا جلسنا إلى ابن إسحاق، فأخذ في فنّ من العلم قَضَى مجلسه في ذلك الفنّ. وقال الميموني: ثنا أبو عبد اللَّه بحديث استحسنته عن ابن إسحاق، فقلت له: يا أبا عبد اللَّه ما أحسن هذه القصص التي يجيء بها ابن إسحاق، فتبسم إليّ متعجبًا. وقال صالح بن أحمد عن عليّ ابن المدينيّ، عن ابن عيينة قال: جالست ابن إسحاق منذ بضع وسبعين سنة، وما يتَّهِمه أحد من أهل المدينة، ولا يقول فيه شيئًا، قلت لسفيان: كان ابن إسحاق جالس فاطمة بنت المنذر، فقال أخبرني: ابن إسحاق أنها حدثته، وأنه دخل عليها. وقال عبد اللَّه بن أحمد: ثنا أبو بكر بن خلاد الباهليّ، سمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت هشام بن عروة يقول: يحدث ابن إسحاق عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، واللَّه إن رآها قطّ، قال عبد اللَّه: فحدَّثْنَا أبي بذلك، فقال: ولِمَ يُنكِرُ
стр. 6040
هشام؟ لعله جاء فاستأذن عليها، فأذنت له أحسبه قال: ولم يعلم.
وذكر في "الميزان" عن أبي قلابة الرقاشيّ، حدّثني أبو داود سليمان بن داود، قال: قال يحيى القطّان: أشهد أن محمد بن إسحاق كذّاب، قلت: وما يُدريك؟ قال: قال لي وُهيب، فقلت لوهيب: وما يُدريك؟ قال: قال لي مالك بن أنس، فقلت لمالك: وما يُدريك؟ قال: قال لي هشام بن عروة، قال: قلت لهشام بن عروة: وما يدريك؟ قال: حدّث عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، وأُدخِلَت عليّ وهي بنت تسع، وما رآها رجلٌ حتى لقيت اللَّه تعالى.
قال الحافظ الذهبيّ: قد أجبنا عن هذا، والرجل فما قال: إنه رآها، أفبمثل هذا يُعتَمد على تكذيب رجل من أهل العلم؟ هذا مردود، ثم قد روى عنها محمد بن سُوقة، ولها رواية عن أم سلمة، وجدّتها أسماء، ثم ما قيل من أنها أُدخلت عليه وهي بنت تسع غلطٌ بَيِّنٌ، ما أدري ممن وقع من رواة الحكاية، فإنها أكبر من هشام بثلاث عشرة سنة، ولعلها ما زُفّت إليه إلا وقد قاربت بضعًا وعشرين سنة، وأخذ عنها ابن إسحاق، وهي بنت بضع وخمسين سنة، أو أكثر. انتهى (١).
وقال في "سير أعلام النبلاء" بعد ذكره الحكاية ما نصّه: قلت: معاذ اللَّه أن يكون يحيى وهؤلاء بَدَا منهم هذا بناءً على أصل فاسد واهٍ، ولكنّ هذه الخرافة من صَنْعَة سليمان، وهو الشاذكونيّ -لا صبّحه اللَّه بخير- فإنه مع تقدّمه في الحفظ متّهمٌ بالكذب، وانظر كيف قد سلسل الحكاية، ويُبيّن لك بطلانها أن فاطمة بنت المنذر لما كانت بنت تسع سنين لم يكن زوجها هشام خُلِق بعدُ، فهي أكبر منه ببضع عشرة سنة، وأسند منه، فإنها روت كما ذكرنا عن أسماء بنت أبي بكر، وصحّ أن ابن إسحاق سمع منها، وما عَرَف بذلك هشام، أفبمثل هذا القول الواهي يُكذّب الصادق؟ كلّا واللَّه، نعوذ باللَّه من الهوى والمكابرة، ولكن صَدَق القاضي أبو يوسف إذ يقول: من تتبّع غريب الحديث كُذِّب، وهذا من أكبر ذنوب ابن إسحاق، فإنه كان يكتب عن كلّ أحد، ولا يتورّع سامحه اللَّه. انتهى كلام الذهبيّ (٢).
стр. 6041
وقال الأثرم عن أحمد: هو حسن الحديث. وقال مالك: دجال من الدجاجلة. وقال البخاري: رأيت علي بن عبد اللَّه يحتج بحديث بن إسحاق، قال: وقال علي: ما رأيت أحدًا يَتَّهِم ابن إسحاق، قال: وقال لي إبراهيم بن المنذر: ثنا عمر بن عثمان أن الزهري كان يتلقف المغازي من ابن إسحاق فيما يحدثه عن عاصم بن عمر بن قتادة، والذي يُذكَر عن مالك في ابن إسحاق لا يكاد يَتَبَيَّنُ، وكان إسماعيل بن أبي أويس من أتبع من رأينا لمالك، أخرج إليّ كتب ابن إسحاق عن أبيه في المغازي وغيرها، فانتخبت منها كثيرًا، قال: وقال لي إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام سوى المغازي، وإبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثًا في زمانه، قال: ولو صحّ عن مالك تناوله من ابن إسحاق، فلربما تكلم الإنسان، فيرمي صاحبه بشيء، ولا يتَّهمه في الأمور كلها، قال: وقال إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فُليح: نهاني مالك عن شيخين من قريش، وقد أكثر عنهما في "الموطأ"، وهما ممن يحتج بهما، قال: ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم، نحو ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة، ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة، ولم تَسقُط عدالتهم إلا ببرهان وحجة، قال: وقال عبيد بن يعيش: ثنا يونس بن بكير، سمعت شعبة يقول: ابن إسحاق أمير المؤمنين لحفظه، قال: وقال لي علي بن عبد اللَّه: نظرت في كتب ابن إسحاق، فما وجدت عليه إلا في حديثين، ويمكن أن يكونا صحيحين، قال: وقال لي بعض أهل المدينة: إن الذي يُذكَر عن هشام بن عروة قال: كيف يدخل ابن إسحاق على امرأتي، لو صح عن هشام جائز أن تكتب إليه، فإن أهل المدينة يَرَون الكتاب جائزًا، وجائز أن يكون سمع منها وبينهما حجاب. إلى هنا عن البخاري.
وقال البخاري أيضًا: محمد بن إسحاق ينبغي أن يكون له ألف حديث ينفرد بها. وقال إبراهيم الحربي: حدثني مصعب قال: كانوا يطعنون عليه بشيء من غير جنس الحديث. وقال أبو زرعة الدمشقي: وابن إسحاق رجلٌ قد أجمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه، وقد اختبره أهل الحديث، فرأوا صدقًا
стр. 6042
وخيرًا مع مِدْحَة ابن شهاب له، وقد ذاكرت دُحيمًا قولَ مالك فيه، فرأى أن ذلك ليس للحديث، إنما هو لأنه اتّهمه بالقدر. وقال الزبيري عن الدراوردي: وجُلِد ابن إسحاق -يعني في القدر-. وقال الجوزجاني: الناس يشتهون حديثه، وكان يُرمَى بغير نوع من البدع. وقال موسى بن هارون: سمعت محمد بن عبد اللَّه بن نمير يقول: كان محمد بن إسحاق يُرمَى بالقدر، وكان أبعد الناس منه. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت ابن نمير يقول: إذا حدث عمن سمع منه من المعروفين، فهو حسن الحديث صدوق، وإنما أُتِي من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة. قال يعقوب: وسألت ابن المديني: كيف حديث ابن إسحاق عندك؟ فقال: صحيح، قلت له: فكلام مالك فيه؟ قال: مالك لم يجالسه، ثم قال عليّ: أَيَّ شيء حدث بالمدينة، قلت له: وهشام ابن عروة قد تكلم فيه، قال عليّ: الذي قال هشام ليس بحجة، لعله دخل على امرأته وهو غلام فسمع منها، قال: وسمعت عليًّا يقول: إن حديث ابن إسحاق لَيَتَبَيَّنُ فيه الصدق، يروي مرة حدثني أبو الزناد، ومرة ذكر أبو الزناد، وهو من أروى الناس عن سالم أبي النضر، ورَوَى عن رجل عنه، وهو من أروى الناس عن عمرو بن شعيب، وروى عن رجل عن أيوب عنه. وقال يعقوب بن سفيان: قال علي: لم أجد لابن إسحاق إلا حديثين منكرين: نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "إذا نَعَس أحدكم يوم الجمعة"، والزهري عن عروة عن زيد بن خالد: "إذا مسّ أحدكم فرجه"، والباقي يعني المناكير في حديثه يقول: ذَكَرَ فلان، ولكن هذا فيه حَدَّثَنَا، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سألت عليًّا عنه، فقال: صالح وسط. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال العجلي: مدني ثقة. وقال ابن يونس: قَدِم الإسكندرية سنة (١٩٩) ورَوَى عن جماعة من أهل مصر أحاديث لم يروها عنهم غيره فيما علمت. وقال ابن عيينة: سمعت شعبة يقول: محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث، وفي رواية عن شعبة: فقيل له: لِمَ؟ قال: لحفظه. وفي رواية عنه: لو سُوِّد أحدٌ في الحديث لسُوِّد محمد بن إسحاق. وقال ابن سعد: كان ثقة، ومن الناس من يتكلم فيه، وكان خرج من المدينة قديمًا، فأتى الكوفة، والجزيرة، والريّ، وبغداد، فأقام بها حتى مات بها سنة (١٥١)، وقال في موضع آخر: ورواته من أهل البلدان أكثر
стр. 6043
من رواته من أهل المدينة، لم يرو عنه منهم غير إبراهيم بن سعد. وقال ابن عدي: ولمحمد بن إسحاق حديث كثير، وقد رَوَى عنه أئمة الناس، ولو لم يكن له من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن الاشتغال بكُتُب لا يحصل منها شيء إلى الاشتغال بمغازي رسول اللَّه ﷺ ، ومبعثه، ومبدأ الخلق لكانت هذه فضيلةً سَبَق إليها، وقد صنفها بعده قوم، فلم يبلغوا مبلغه، وقد فتشت أحاديثه الكثيرة فلم أجد فيها ما يتهيأُ أن يُقطع عليه بالضعف، وربما أخطأ أو يَهِمُ في الشيء بعد الشيء كما يخطئ غيره، وهو لا بأس به. وذكره النسائي في الطبقة الخامسة من أصحاب الزهري. وقال ابن المديني: ثقة لم يَضَعْه عندي إلا روايته عن أهل الكتاب.
قال الحافظ: وكذبه سليمان التيمي، ويحيى القطان، ووهيب بن خالد، فأما وهيب والقطان فقلَّدا فيه هشام بن عروة ومالكًا، وأما سليمان التيمي فلم يتبيّن لي لأيّ شيء تكلم فيه، والظاهر أنه لأمر غير الحديث؛ لأن سليمان ليس من أهل الجرح والتعديل. قال ابن حبان في "الثقات": تكلّم فيه رجلان: هشام ومالك، فأما قول هشام فليس مما يجرح به الإنسان، وذلك أن التابعين سمعوا من عائشة من غير أن ينظروا إليها، وكذلك ابن إسحاق كان سمع من فاطمة، والستر بينهما مُسْبَل، وأما مالك فإن ذلك كان منه مرة واحدة، ثم عاد لَهُ إلى ما يُحبّ، ولم يكن يقدح فيه من أجل الحديث، إنما كان ينكر تتبعه غزوات النبي ﷺ من أولاد اليهود الذين أسلموا، وحفظوا قصة خيبر وغيرها، وكان ابن إسحاق يتتبع هذا منهم من غير أن يحتجّ بهم، وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن متقن. ولما سئل ابن المبارك قال: إنا وجدناه صدوقًا ثلاث مرات. قال ابن حبان: ولم يكُن أحدٌ بالمدينة يقارب ابن إسحاق في علمه، ولا يوازيه في جمعه، وهو من أحسن الناس سياقًا للأخبار إلى أن قال: وكان يكتب عمن فوقه ومثله ودونه، فلو كان ممن يستحل الكذب لم يحتج إلى النزول، فهذا يدلك على صدقه، سمعت محمد بن نصر الفراء يقول: سمعت يحيى بن يحيى، وذُكِرَ عنده محمد بن إسحاق فوثقه. وقال الدارقطني: اختَلَف الأئمة فيه، وليس بحجة إنما يُعتَبر به. وقال أبو يعلى الخليلي: محمد بن إسحاق عالم كبير، وإنما لم يخرج له البخاري من أجل روايته المطوّلات، وقد
стр. 6044
استَشْهَد به، وأكثر عنه فيما يَحكِي في أيام النبي ﷺ وفي أحواله وفي التواريخ، وهو عالم واسع الرواية والعلم ثقة. وقال ابن الْبَرْقِيّ: لم أر أهل الحديث يختلفون في ثقته وحسن حديثه وروايته، وفي حديثه عن نافع بعض الشيء. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال الحاكم: قال محمد بن يحيى: هو حسن الحديث، عنده غرائب. ورَوَى عن الزهري، فأحسن الرواية. قال الحاكم: وذُكِر عن البوشنجي أنه قال: هو عندنا ثقة ثقة.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول الوسط في ابن إسحاق، هو ما قاله الإمام الذهبيّ ﵀ تعالى في "الميزان" -بعدما ساق أقوال المعدّلين والجارحين له-: فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوقٌ، وما انفرد به ففيه نكارة؛ فإن في حفظه شيئًا، وقد احتجّ به أئمة، فاللَّه تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع: ويزاد على قوله: "حسن الحديث": "إن صرّح بالتحديث؛ لكونه مدلّسًا"، وإنما أطلت في ترجمته؛ لكثرة كلام الناس فيه، فأحببت أن أستقصي ما قاله علماء الجرح والتعديل، فإنهم القدوة في هذا الباب، ولا عبرة بغيرهم، فتفطّن، واللَّه تعالى أعلم.
قال عمرو بن علي: مات سنة خمسين. وقال الهيثم بن عدي: مات سنة إحدى. وقال ابن معين وابن المديني: مات سنة اثنتين. وقال خليفة بن خياط: مات سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومائة.
عَلَّق له البخاريّ، وأخرج له المصنّف في المتابعات، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط (٢)، هذا برقم (٤٨٠) و (٨٣٠) و (٨٧٣) و (١١٧٣) و (١١٩٩) و (١٦٥٦) و (١٧٠٣).
стр. 6045
والباقون تقدّموا في هذا الباب.
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ) إشارة إلى السبعة، وهم: نافع، ويزيد بن أبي حبيب، والضحّاك بن عثمان، وابن عجلان، وأسامة بن زيد، ومحمد بن عمرو، ومحمد بن إسحاق، هؤلاء السبعة رووه عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حُنين، عن أبيه، عن عليّ ﵁، إلا الضحّاك بن عثمان، ومحمد بن عجلان، فزادا بين عبد اللَّه بن حُنين، وعليّ ﵁ ابنَ عبّاس ﵄.
وقوله: (كُلُّهُمْ، قَالُوا: نَهَانِي عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَأَنَا رَاكِعٌ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي رِوَايَتِهِمُ النَّهْيَ عَنْهَا فِي السُّجُودِ) يعني أن هولاء السبعة اقتصروا في الحديث على قوله: "نهاني عن قرءاة القرآن، وأنا راكع"، ولم يذكروا النهي عن القراءة في السجود، الزهريّ، وزيد بن أسلم، والوليد بن كثير، وداود بن قيس في رواياتهم التي سبقت قبل رواية هؤلاء السبعة.
والحاصل ما أشار إليه المصنّف ﵀ في هذا الكلام أن خمسةً ممن ذُكروا في السند، وهم: نافع، ويزيد بن أبي حبيب، وأسامة بن زيد، ومحمد بن عمرو، ومحمد بن إسحاق، رووه عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، عن أبيه، عن عليّ ﵁، دون واسطة ابن عبّاس ﵄.
وأن اثنين منهم، وهما: الضحّاك بن عثمان، وابن عجلان روياه، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حُنين، عن ابن عبّاس، عن عليّ ﵃، فأدخلا الواسطة.
ثم إن سبعتهم رووا الحديث بذكر النهي عن القراءة في الركوع فقط، ولم يذكروا النهي عنها في السجود، وإنما ذكره الأربعة المتقدِّمون، وهم الزهريّ، وزيد بن أسلم، والوليد بن كثير، وداود بن قيس، فإنهم ساقوه بذكر النهي عن القراءة في الركوع والسجود، وقد سبق بيان رواياتهم قبل هذا الحديث، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: ذكر المصنّف ﵀ هنا الاختلاف على إبراهيم بن حنين في ذكر ابن عبّاس ﵄ بين عليّ ﵁، وعبد اللَّه بن حنين، وإسقاطه، فأسقطه الأكثرون، وأثبته اثنان: الضحّاك، وابن عجلان، وقال الدارقطنيّ: من أسقط أكثر وأحفظ، قال النوويّ: هذا الاختلاف لا يؤثّر في صحّة الحديث، فقد
стр. 6046
يكون عبد اللَّه بن حنين سمعه من ابن عبّاس، عن عليّ، ثم سمعه من عليّ نفسه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحديث وإن كان صحيحًا في نفسه، إلا أن ترجيح الأكثرين والأحفظين من المختلفين في إسناده، وهم الذين أسقطوا ذكر ابن عبّاس ﵄ هو الذي يظهر، كما أشار إليه الدارقطنيّ ﵀، وقد حقّق ﵀ هذا البحث في "علله"، وفصّله تفصيلًا مستوعبًا، أحببت إيراده هنا؛ تكميلًا للفائدة، ونشرًا للعائدة، ودونك نصّ "العلل":
وسئل عن حديث ابن عباس، عن عليّ عن النبيّ ﷺ "أنه نهاه عن القراءة في الركوع والسجود، وعن خاتم الذهب، ولبس المعصفر".
فقال: هو حديث يرويه ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن ابن عباس، عن عليّ.
ورواه أيضًا إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، واختلف عنه، فرواه محمد بن عجلان، وداود بن قيس، والضحاك بن عثمان، وعبد الحكيم بن عبد اللَّه بن أبي فَرْوة، فاتفق هؤلاء الأربعة عن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن عباس، عن عليّ بن أبي طالب.
واختُلِف عن داود بن قيس من بينهم، فقال القعنبيّ: عنه، عن إبراهيم، عن ابن عباس، عن عليّ، ولم يذكر أباه، وقال يحيى القطان، ووكيع، وابن وهب: عن داود بن قيس، عن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن عباس، عن علي.
وخالفهم جماعة أكثر منهم عددًا، فرووه عن إبراهيم بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن عليّ، ولم يذكروا فيه ابن عباس، على الاختلاف منهم على إبراهيم، رواه الزهريّ، عن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ، وتابعه الوليد بن كثير، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وإسحاق بن أبي بكر، ومحمد بن إسحاق، ويزيد بن أبي حبيب، والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، وزيد بن أسلم، فرووه عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، عن أبيه، أنه سمعه من عليّ، ولم يذكروا فيه ابن عباس، وزاد الوليد بن كثير، ومحمد بن إسحاق، ويزيد بن أبي حبيب فيه حديثًا آخر بهذا الإسناد، أن النبيّ ﷺ كَسَى عليًّا حُلّة سِيَرَاء.
ورواه زيد بن أسلم، واختُلِف عنه، فرواه إسماعيل بن عياش، ومحمد بن
стр. 6047
جعفر بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ، وخالفه عمر بن عبد الرحمن شيخ لأبي أحمد الزبيريّ، فرواه عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عليّ، والقول قول ابن عياش.
واختُلِف عن شريك بن أبي نَمِر، فرواه الدّراورديّ، عن شريك، عن إبراهيم بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن عليّ.
وخالفه إسماعيل بن جعفر، فرواه عن شريك، عن عبد اللَّه بن حُنين، عن عليّ.
واختُلِف عن أسامة بن زيد، فرواه ابن وهب، عن أسامة، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، عن أبيه، عن عليّ، وذكر فيه أن أسامة دَخَل على عبد اللَّه بن حنين، فسمعه.
ورواه وكيع، وعثمان بن عمر، ومحبوب بن محرز، عن أسامة، عن عبداللَّه بن حنين، عن عليّ.
ورواه نافع مولى ابن عمر، عن إبراهيم، واختُلف عن نافع، فرواه مالك بن أنس، عن نافع، وضَبَط إسناده، فقال: عن نافع، عن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ.
ورواه الليث بن سعد، عن نافع، عن إبراهيم، عن بعض موالي آل عباس، عن عليّ.
ورواه أيوب السخيتانيّ، عن نافع، واختُلف عنه، فقال وُهيب، والحارث بن نَبْهان: عن أيوب، عن نافع، عن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ، وقال حماد بن زيد: عن أيوب، عن نافع، عن إبراهيم بن حنين، عن عليّ، وكذلك قاله الحسن بن أبي جعفر، عن أيوب، وقال ابن عُلَيّة: عن أيوب، عن نافع، عن إبراهيم بن فلان بن حنين، عن جدّه حنين، عن عليّ، وقال عبد الوارث: عن أيوب، عن نافع، عن عليّ.
ورواه عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، واختُلِف عنه، فقال بشر بن المفضَّل، والمعتمر بن سليمان، وعبد الوهاب الثقفيّ، وابن نمير: عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن حنين، عن عليّ.
стр. 6048
وقال زائدة، وإسماعيل بن عياش، وعبدة بن سليمان: عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن إبراهيم، عن عليّ.
وقال حماد بن سلمة: عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن حنين، عن عليّ.
ورواه عمرو بن سعد، عن نافع، عن ابن حنين، عن عليّ، ورواه بُرد بن سِنان، عن نافع، عن إبراهيم، عن عليّ، وكذلك قال زيد بن واقد: عن نافع.
ورُوي عن الثوري، عن عبد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن حنين، عن عليّ.
وقال همام: عن نافع، عن رجل لم يسمه، عن عليّ.
ورواه عبد اللَّه بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، عن عليّ، قاله شريك، عنه.
ورواه أبو بكر بن حفص، عن عبد اللَّه بن حنين، واختُلِف عنه، فرواه شعبة، فقال غندر، والنضر بن شُميل، وغيرهما: عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد اللَّه بن حنين، عن ابن عباس، ولم يذكروا فيه عليًّا.
وخالفهم أبو قَطَن، فرواه عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد اللَّه بن حنين، عن عليّ، ولم يذكر ابن عباس.
ورواه يحيى بن أبي كثير، ومحمد بن المنكدر، عن عبد اللَّه بن حنين، عن عليّ.
ورواه سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نَمِر، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، عن أبيه، عن عليّ، عن النبيّ ﷺ حديثًا آخر، هو أنه كان يتختم بيمينه، تفرد به سليمان بن بلال عنه، بهذا الإسناد.
وخالفه إبراهيم بن أبي يحيى، فرواه عن شريك بن أبي نمر، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، عن أبيه، عن ابن عباس، عن عليّ: "أن النبيّ ﷺ كان يتختم في يمينه".
ورواه إسحاق بن أبي فَرْوَة، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، عن أبيه، عن ابن عباس، عن عليّ، أن النبيّ ﷺ حديثًا آخر، وهو قوله: "إذا كان الإزار واسعًا، فاتَّشِح به، وإذا كان ضَيِّقًا، فاتَّزِر به"، وإسحاق بن أبي فروة متروك الحديث.
стр. 6049
وروى إسحاق بن أبي فروة أيضًا، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، عن أبيه، عن عليّ: "أتي النبيّ ﷺ برجل قَتَل عبده، فجُلِد مائةً، ونفاه سنةً"، ولم يتابع عليه.
حدّثنا أبو عبيد، القاسم بن إسماعيل المحامليّ، ثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، ثنا إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، عن أبيه، عن ابن عباس، عن علي.
وحدّثنا علي بن عبد اللَّه بن مبشر، قال: ثنا أحمد بن سنان، وثنا أحمد بن الوكيل، ثنا عمر بن شَبّة، وحدثنا إبراهيم بن حماد، ويعقوب بن إبراهيم، قالا: ثنا عمر بن شبة، قالوا: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، عن أبيه، عن ابن عباس، عن عليّ، قال: "نهاني رسول اللَّه ﷺ عن خاتم الذهب، وعن القراءة راكعًا، وعن الْقَسِيّ، والمعصفر"، وقال ابن شبة: "نهاني رسول اللَّه ﷺ أن ألبس خاتم الذهب، وأن أقرأ وأنا راكع"، ولم يذكر القَسِيّ والمعصفر.
وقال الدَّوْرقيّ مثل ابن سِنان، إلا أنه قال: "وأن أقرأ وأنا راكع".
حدثنا محمد بن جعفر بن رميس، ومحمد بن مخلد، قالا: حدثنا إبراهيم بن راشد، حدّثنا مُعَلَّى بن أسد، أخو بَهْز بن أسد، ثنا وهيب، عن أيوب، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، عن أبيه، عن عليّ: "نهاني رسول اللَّه ﷺ عن لبس المعصفر، وخاتم الذهب"، زاد ابن رميس: "وعن لباس القَسِيّ، وأن أقرأ وأنا راكع".
حدثنا حمزة بن الحسين بن عمر السمسار، قال: ثنا عبيد اللَّه بن محمد بن مالك، قال: ثنا كثير بن يحيى، قال: ثنا الحارث بن نَبْهان، قال: ثنا أيوب السختيانيّ، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، عن أبيه، عن عليّ مثل قول ابن رميس.
حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسيّ، قال: ثنا أبو زيد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن حباب المؤذن بصنعاء، قال: ثنا إسحاق بن يوسف الحذافي، ثنا عبد الملك بن الصباح، ثنا سفيان، عن عبد اللَّه، عن نافع، عن ابن حنين، عن عليّ قال: "نهاني النبيّ ﷺ أن أقرأ، وأنا راكع، وأن أتختم بالذهب، وأن
стр. 6050
ألبس المعصفر". انتهى كلام الدارقطنيّ ﵀ (١)، وإنما سقته بطوله تكميلًا لما أشار إليه المصنّف ﵀ من الاختلاف الواقع فيه سندًا ومتنًا، فقد فصّل الدارقطنيّ ﵀ ما أجمله، وأوضح ما أبهمه أتمّ إيضاح، رحم اللَّه تعالى الجميع رحمة واسعة، إنه أرحم الراحمين.
[تنبيه آخر]: أما رواية نافع التي أشار إليها المصنف هنا فساقها هو في "كتاب اللباس والزينة"، فقال:
(٢٠٧٨) حدّثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب، أن رسول اللَّه ﷺ نَهَى عن لُبْس الْقَسِيّ، والْمُعَصْفَر، وعن تختم الذهب، وعن قراءة القرآن في الركوع. انتهى (٢).
وأما رواية يزيد بن أبي حبيب، فأخرجها النسائيّ ﵀ في "سننه" بسند المصنّف، فقال:
(١٠٤٣) أخبرنا عيسى بن حماد زُغْبة، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حُنين حدّثه، أن أباه حدّثه، أنه سمع عليًّا يقول: "نهاني رسول اللَّه ﷺ عن خاتم الذهب، وعن لَبُوس القسيّ، والْمُعَصْفَر، وقراءة القرآن، وأنا راكع". انتهى.
وأما رواية الضحّاك بن عثمان، فأخرجها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٩٥) فقال:
(١٠٦٦) حدّثنا إبراهيم بن عبد اللَّه، ثنا محمد بن سليمان بن فارس، ثنا محمد بن رافع، ثنا ابن أبي فُديك، أنبا الضحاك بن عثمان (ح)، وحدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا إبراهيم بن محمد بن عليّ الرازيّ، ثنا سليمان بن داود الفزاريّ، ثنا ابن أبي فُديك، عن الضحاك بن عثمان، حدّثني إبراهيم بن عبد اللَّه بن حُنين، عن أبيه، عن ابن عباس، عن عليّ بن أبي
стр. 6051
طالب، أنه قال: "نَهاني رسول اللَّه ﷺ ، ولا أقول: نهاكم عن التختم بالذهب، وعن لبس القَسِيّ، ولبس الْمُفَدَّم" (١). انتهى.
وأما رواية ابن عجلان، فأخرجها النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال:
(٥٢٦٧) أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى، عن ابن عجلان، قال: أخبرني إبراهيم بن عبد اللَّه بن حُنين، عن أبيه، عن ابن عباس، عن عليّ، قال: "نهاني النبيّ ﷺ عن خاتم الذهب، وأن أقرأ القرآن، وأنا راكع، وعن القسيّ، وعن المعصفر". انتهى.
وأخرجها أيضًا أبو نعيم ﵀، في "مستخرجه" (٢/ ٩٦) فقال:
(١٠٦٧) حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد اللَّه بن أحمد، حدثني أبي (ح) وحدّثنا حبيب، ثنا يوسف، ثنا ابن أبي بكر، قالا: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، حدّثني إبراهيم بن عبد اللَّه بن حُنين، عن أبيه، عن ابن عباس، عن عليّ، قال: "نَهاني رسول اللَّه ﷺ أن أقرأ، وأنا راكع". انتهى.
وأما رواية أسامة بن زيد، فأخرجها أيضًا أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٩٦) فقال:
(١٠٦٨) حدّثنا محمد بن إبراهيم بن عليّ، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني أسامة، أن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حُنين حدّثه، عن أبيه، عن عليّ، أنه سمعه يقول: "نَهاني رسول اللَّه ﷺ عن قراءة القرآن، وأنا راكع". انتهى.
وأما رواية محمد بن عمرو، فأخرجها أيضًا أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٩٦) فقال:
(١٠٦٩) حدّثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، ثنا عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن بِشْر الْعَبْديّ، عن محمد بن عمر (ح) وحدّثنا إبراهيم بن
стр. 6052
محمد العسال، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا أبو الربيع، ثنا إسماعيل بن جعفر، ثنا محمد بن عمرو بن علقمة (ح) وحدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن عليّ، ثنا يحيى بن أيوب، ثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني محمد بن عمرو (ح) وحدّثنا إبراهيم بن عبد اللَّه، ثنا أبو بكر بن خزيمة، ثنا عليّ بن حُجْر، ثنا إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن عمرو، حدّثني إبراهيم بن عبد اللَّه بن حُنين، عن أبيه، سمعت عليّ بن أبي طالب، برَحْبَة الكوفة، وهو يقول للناس: "نَهاني رسول اللَّه ﷺ ، ولا أقول: نهاكم، عن قراءة القرآن، وأنا راكع". انتهى.
وأما رواية محمد بن إسحاق، فأخرجها أبو نعيم ﵀ أيضًا في "مستخرجه" (٢/ ٩٦) فقال:
(١٠٧٠) حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد اللَّه بن أحمد، حدّثني أبي، ثنا يعقوب، يعني ابن إبراهيم، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدّثني إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين (ح) وحدّثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن عليّ، ثنا عبيد اللَّه، ثنا يزيد بن زُريع، ثنا محمد بن إسحاق، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حُنين، عن أبيه: سمعت عليّ بن أبي طالب، يقول: "نَهاني رسول اللَّه ﷺ عن قراءة القرآن، وأنا راكع". انتهى.
وقد أخرجها أيضًا الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، مطوّلة، فقال:
(٦٧٢) حدّثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدّثني إبراهيم بن عبد اللَّه بن حُنين، عن أبيه، قال: سمعت عليّ بن أبي طالب ﵁ يقول: "نَهاني رسول اللَّه ﷺ ، لا أقول: نهاكم، عن تختم الذهب، وعن لبس الْقَسِيّ، والْمُعَصْفَر، وقراءة القرآن، وأنا راكع، وكَسَاني حُلّة من سِيَرَاء، فخرجت فيها، فقال: يا عليّ إني لم أكسُكَها لتلبسها، قال: فرجحت بها إلى فاطمة ﵂، فأعطيتها ناحيتها، فأخذت بها لِتَطْوِيها معي، فَشَقَقتها بثنتين، قال: فقالت: تَرِبَت يداك يا ابن أبي طالب، ماذا صنعت؟ قال: فقلت لها: نهاني رسول اللَّه ﷺ عن لبسها، فالبسي، واكسي نساءك". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 6053
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٨٦] (. . .) (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ، عَنْ حَاتِم بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ عَلِيٍّ، وَلَمْ يَذْكُرْ: فِي السُّجُودِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِم، صحيح الكتاب [٨].
رَوَى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن أبي عبيد، وهشام بن عروة، والجعيد بن عبد الرحمن، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن مهدي، وابنا أبي شيبة، وسعيد بن عمرو الأشعثيّ، وقتيبة، وإسحاق ابن راهويه، وإبراهيم بن موسى الرازيّ، وهناد بن السريّ، ويحيى بن معين، وأبو كريب، وجماعة.
قال أحمد: هو أحب إلي من الدَّرَاوَرْديّ، وزعموا أن حاتِمًا كان فيه غفلة، إلا أن كتابه صالح. وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من سعيد بن سالم. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان أصله من الكوفة، ولكنه انتقل إلى المدينة فنزلها، ومات بها سنة (١٨٦)، وكان ثقةً مأمونًا كثير الحديث. وقال البخاري، عن أبي ثابت المديني: مات سنة (٨٧)، وكذا قال ابن حبان، وزاد: ليلة الجمعة لتسع ليال مضين من جمادى الأولى، كذا قال في "الثقات"، وكذا عند البخاري أيضًا في "التاريخ الكبير"، وفي "الأوسط" أيضًا. وقال العجلي: ثقة. وكذا قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين. وقال ابن المديني: روى عن جعفر، عن أبيه، أحاديث مراسيل أسندها.
وذكر الذهبي في "الميزان" أن النسائي قال: ليس بالقوي. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لعل للنسائيّ فيه قولين، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6054
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٦) حديثًا.
٢ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّد) بن عليّ بن الحسين المعروف بالصادق، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ، فقيهٌ إمامٌ [٦] (ت ١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ١٠/ ٧٤٩.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِر) بن عبد اللَّه بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
[تنبيه]: رواية محمد بن المنكدر هذه أخرجها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٢٩٢) فقال:
(١٨٣٣) حدّثنا محمد بن كثير الحرّانيّ، قال: ثنا النُّفَيليّ، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، قال: ثنا جعفر بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن ابن حُنين، عن عليّ، قال: "نهاني النبيّ ﷺ ، ولا أقول: نهاكم، عن تختم الذهب، وأن أقرأ، وأنا راكع". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٨٧] (٤٨١) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ، وَأَنَا رَاكِعٌ، لَا يَذْكُرُ فِي الْإِسْنَادِ عَلِيًّا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرُو بْنُ عَلِيّ) بن بَحْر بن كَنِيز الفلّاس الصيرفيّ الباهليّ، أبو حفص البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٤٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ) هو: عبد اللَّه بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في "الحيض" ٩/ ٧٣٤.
والباقيان تقدّما قبله.
стр. 6055
قال الجامع عفا اللَّه عنه: رواية أبي بكر بن حفص، عن عبد اللَّه بن حنين، عن ابن عبّاس ﵄ هذه ضعيفة؛ لمخالفتها رواية الأكثرين، فقد خالفه إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين، ومحمد بن المنكدر، عند المصنّف في هذا الباب، ويحيى بن أبي كثير، عند النسائيّ في "سننه" (١)، فكلّهم رووه عن عبد اللَّه بن حنين، عن عليّ ﵁، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٣) - (بَابُ مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٨٨] (٤٨٢) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبي بَكْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (٢٣١) عن (٧٤) سنة (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠.
٢ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيّوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه حافظ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٥ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ) بن الحارث الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [٦] (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٢/ ٥٨٥.
стр. 6056
٦ - (سُمَيٌّ مَوْلَى أَبِي بَكْر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ١٨/ ٩١٨.
٧ - (أَبُو صالِحٍ ذَكْوَانُ) السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁ مات (٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سبُاعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قَرَن بينهما.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عمارة، والباقون مصريّون، سوى شيخه هارون بن معروف، فمروزيّ، ثم بغداديّ.
٣ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، وهو رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ) ، الأقرب أن "ما" مصدريّة، و"كان" تامّةٌ، والجارّ والمجرور متعلّقٌ بـ "أقرب"، وليست "من" تفضيليّةً، فلا يَرِد أن اسم التفضيل لا يُستعمَل إلا بأحد أمور ثلاثة، لا بأمرين، كالإضافة، و"من"، فكيف يُستعمل هنا بأمرين؟ فافهم.
وأمور الثلاثة هي كونه بـ "من"، أو بـ "أل"، أو بالإضافة، وإلى هذه الأحوال أشار ابن مالك في "الخلاصة"، فقال:
وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا … تَقْدِيرًا أَوْ لَفْظًا بِـ "مِنْ" إِنْ جُرِّدَا
وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا … أُلْزِمَ تَذْكِيرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا
وَتِلْوَ "أَلْ" طِبْقٌ وَمَا لِمَعْرِفَهْ … أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ
وخبر "أقرب" محذوف وجوبًا؛ لسدّ الحال بعده مسدّه، كما قال في "الخلاصة" عند ذكر مواضع حذف الخبر وجوبًا:
وَقَبْلَ حَالٍ لَا يَكُونُ خَبَرَا … عَنِ الَّذِي خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرَا
كَضَرْبِيَ الْعَبْدَ مُسِيئًا وَأَتَمْ … تَبْيِينِيَ الْحَقَّ مَنُوطًا بِالْحِكَمْ
стр. 6057
والتقدير: حاصل له.
وقوله: (وَهُوَ سَاجِدٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من ضمير "حاصلٌ"، أو من ضمير "له".
والمعنى: أقرب أكوان العبد من ربّه ﵎ حاصل له حين كونه ساجدًا.
ولا يَرِدُ على الأول أن الحال لا بُدّ أن يرتبط بصاحبه، ولا ارتباط هنا؛ لأن ضمير "وهو ساجد" لـ "العبد"؛ لا لـ "أقرب"؛ لأنا نقول: يكفي في الارتباط وجود الواو من غير حاجة إلى الضمير، مثلُ "جاء زيد والشمس طالعةٌ"، أفاده السنديّ ﵀.
وقال ابن مالك ﵀: قوله: "وهو ساجد" جملةٌ حاليّة سدّت مسدّ خبر المبتدأ، ونظيره: "ضربي زيدًا قائمًا"، التزمت العرب حذف خبر المبتدأ، وتنكير قائمًا، وجَعَلت المبتدأ عاملًا في ضمير صاحب الحال، ويشهد بأنّ "كان" المقدّرة تامّةٌ، و"قائمًا" حال من فاعلها التزام العرب تنكير "قائمًا"، وإيقاع الجملة الاسميّة المقرونة بواو الحال مَوْقِعه في هذا الحديث، والمبتدأُ فيه مؤوَّلٌ يُفسِّرُ صاحبَ الحال، يعني بالمصدر المقدّر؛ لأن لفظ "ما يكون" مؤوَّلٌ بـ "الكون"، والتقدير: أقرب الكون كونُ العبد ساجدًا. انتهى (١).
وقد ذكرت هذا البحث في "شرح النسائيّ" بأتمّ مما هنا، فراجعه تستفد (٢)، وباللَّه تعالى التوفيق.
وإنما كان العبد أقرب إليه تعالى في حال سجوده من سائر أحوال الصلاة وغيرها؛ لأن العبد بقدر ما يَبْعُد عن حظوظ نفسه بمخالفتها يقرب من ربّه ، والسجودُ فيه غاية التواضع، وترك الكبر، وكسر النفس؛ لأنها لا تأمر صاحبها بالمذلّة، ولا ترضى بها، ولا بالتواضع، فإذا سجد فقد خالف نفسه، وبَعُد عنها، فإذا بعُد عنها قرُب من ربّه .
وقيل: وجه أقربيّته من ربّه في السجود أن العبد داع لربّه فيه؛ لكونه مأمورًا به، واللَّه تعالى قريب من السائلين، كما قال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ
стр. 6058
عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]، ولأن السجود غاية في الذلّ والانكسار، وتعفير الوجه، وهذه الحالة أحبّ أحوال العبد، كما رواه الطبرانيّ في "الكبير" بإسناد حسن، عن ابن مسعود ﵁، ولأن السجود أول عبادة أَمَرَ اللَّهُ تعالى بها بعد خلق آدم ﵇، فالمتقرّب بها أقرب، ولأن فيه مخالفة إبليس في أول ذنب عَصَى اللَّه تعالى به، وللبحث تمام في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد (١)، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ") متعلِّقه محذوف، أي فيه، أي السجود.
قال في "الفتح": والأمر بإكثار الدعاء في السجود، يَشْمَل الحثَّ على تكثير الطلب لكل حاجة، كما جاء في حديث أنس ﵁: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى شِسْعَ نعله"، أخرجه الترمذيّ (٢)، ويَشْمَل التكرار للسؤال الواحد، والاستجابةُ تَشْمَل استجابة الداعي بإعطاء سؤله، واستجابة الْمُثْنِي بتعظيم ثوابه. انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٠٨٨] (٤٨٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٧٥)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٢٢٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٢١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٢٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٦ و ١٨٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٧٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١١٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٥٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
стр. 6059
١ - (منها): بيان فضل السجود؛ لأنه أقرب أحوال العبد من اللَّه .
٢ - (ومنها): الإشارة إلى أن أفضل أحوال العبد التواضع؛ إذ به القرب من اللَّه .
٣ - (ومنها): الأمر بالإكثار من الدعاء في حال السجود؛ لكون العبد فيه أقرب من ربّه ، فيكون جديرًا بالإجابة، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]، وقد تقدّم حديث ابن عبّاس ﵄، مرفوعًا: "وأما السجود، فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم".
٤ - (ومنها): أن فيه حجةً لمن يقول: إن كثرة السجود أفضل من طول القيام، وسائر الأركان، وفيه خلاف، والراجح أن طول القيام أفضل؛ لقوّة حجته، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم، هل السجود أفضل من القيام، أم العكس؟:
قال النوويّ ﵀: في هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
[أحدها]: أن تطويل السجود، وتكثير الركوع والسجود، أفضل، حكاه الترمذيّ، والبغويّ، عن جماعة، وممن قال بتفضيل تطويل السجود ابنُ عمر ﵄.
[والمذهب الثاني]: مذهب الشافعيّ ﵀، وجماعة، أن تطويل القيام أفضل؛ لحديث جابر ﵁ في "صحيح مسلم": أن النبيّ ﷺ قال: "أفضل الصلاة طول القنوت"، والمراد بالقنوت القيام، ولأن ذكر القيام القراءةُ، وذكر السجود التسبيح، والقراءة أفضل، ولأن المنقول عن النبيّ ﷺ أنه كان يُطَوِّل القيام أكثر من تطويل السجود.
[والمذهب الثالث]: أنهما سواء، وتوقّف أحمد بن حنبل ﵀ في المسألة، ولم يَقْضِ فيها بشيء، وقال إسحاق ابن راهويه: أما في النهار، فتكثير الركوع والسجود أفضل، وأما في الليل فتطويل القيام، إلا أن يكون
стр. 6060
للرجل جزء بالليل يأتي عليه، فتكثير الركوع والسجود أفضل؛ لأنه يقرأ جزأه، ويَرْبَح كثرة الركوع والسجود.
وقال الترمذيّ ﵀: إنما قال إسحاق هذا؛ لأنهم وَصَفُوا صلاة النبيّ ﷺ بالليل بطول القيام، ولم يوصف من تطويله بالنهار ما وُصِف بالليل، واللَّه أعلم. انتهى.
وقال العلامة الشوكانيّ في شرح حديث: "أفضل الصلاة طول القنوت" -أي القيام- ما نصُّهُ: والحديث يدلّ على أن القيام أفضل من السجود والركوع وغيرهما، وإلى ذلك ذهب جماعة، منهم: الشافعي كما تقدم، وهو الظاهر، ولا يعارض حديثُ الباب، وما في معناه الأحاديثَ المتقدمة في فضل السجود؛ لأن صيغة أفعل الدالّة على التفضيل، إنما وردت في فضل طول القيام، ولا يلزم من فضل الركوع والسجود أفضليتهما على طول القيام.
وأما حديث: "ما تقرَّب العبد إلى اللَّه بأفضل من سجود خَفِيّ"، فإنه لا يصحّ؛ لإرساله، كما قال الحافظ العراقيّ ﵀، ولأن في إسناده أبا بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف، وكذلك أيضًا لا يلزم من كون العبد أقرب إلى ربه حال سجوده أفضليته على القيام؛ لأن ذلك إنما هو باعتبار إجابة الدعاء.
وقال الحافظ العراقيّ ﵀: الظاهر أن أحاديث أفضلية طول القيام محمولة على صلاة النفل التي لا تُشْرَع فيها الجماعة، وعلى صلاة المنفرد، فأما الإمام في الفرائض والنوافل، فهو مأمور بالتخفيف المشروع، إلا إذا عَلِمَ من حال المأمومين المحصورين إيثار التطويل، ولم يَحْدُث ما يقتضي التخفيف، من بكاء صبيّ ونحوه، فلا بأس بالتطويل، وعليه يُحْمَل صلاته ﷺ في المغرب بـ "الأعراف"، كما تقدم. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح قول من قال بأفضليّة القيام، كما هو مذهب الإمام الشافعيّ ﵀؛ لقوّة دليله، فقد صرّح ﷺ بقوله: "أفضل الصلاة القنوت"، ولأن صلاته ﷺ موصوفة بطول القيام، لا بكثرة السجود، فقد ثبت في "الصحيحين"، وغيرهما أنه كان يصلّي إحدى عشرة ركعةً، وثلاث