← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

بالجنة"، قال: أو يكون معناه: بلغه بعد ذلك أمرُ النبيّ ﷺ لأبي هريرة ﵁، وخاف أن يكتم علمًا عَلِمَه، فيأثم، أو يكون حَمَلَ النهي على إذاعته. قال النوويّ: وهذا الوجه ظاهرٌ، وقد اختاره الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى، فقال: مَنْعُهُ من التبشير العامّ؛ خوفًا من أن يَسْمَعَ ذلك مَن لا خِبْرَة له، ولا علم، فيغترّ، وَيتَّكِل، وأخبر به ﷺ على الخصوص من أَمِنَ عليه الإغترار والإتكال، من أهل المعرفة، فإنه أخبر به معاذًا، فسلك معاذٌ هذا المسلك، فأخبر به من الخاصة مَن رآه أهلًا لذلك، انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي اختاره ابن الصلاح رحمه الله تعالى، سيأتي قريبًا ما يضعفه - إن شاء الله تعالى -. وقال في "الفتح": قوله: "تأثّمًا": أي خشيةَ الوقوع في الإثم، والمراد بالإثم هو الحاصلُ من كتمان العلم، ودَلَّ صنيع معاذ ﵁ على أنه عَرَفَ أن النهي عن التبشير، كان على التَّنْزِيه، لا على التحريم، وإلا لَمَا كان يخبر به أصلًا، أو عَرَفَ أن النهي مُقَيَّدٌ بالإتكال، فأخبر به من لا يَخْشَى عليه ذلك، وإذا زال القيد زال المقيد، والأول أوجه؛ لكونه أخَّر ذلك إلى وقت موته انتهى (٢). وقال في محلّ آخر: قوله: "فأخبر بها معاذ عند موته تَأَثّمًا": معنى التأثم: التحرُّج من الوقوع في الإثم، وهو كالتحنُّث، وإنما خشي معاذ ﵁ من الإثم المرتب على كتمان العلم، وكأنه فَهِمَ من منع النبيّ ﷺ أن يخبر بها إخبارًا عامًّا؛ لقوله: "أفلا أبشر الناس؟ "، فأخذ هو أوّلًا بعموم المنع، فلم يخبر بها أحدًا، ثم ظَهَرَ له أن المنع إنما هو من الإخبار عمومًا، فبادر قبل موته، فأخبر بها خاصًّا من الناس، فجمع بين الحكمين، ويُقَوِّي ذلك أن المنع لو كان على عمومه في الأشخاص، لَمَا أخبر هو بذلك، وأخذ منه أن من كان في مثل مقامه في الفهم، أنه لم يُمنَع من إخباره. وقد تُعُقِّب هذا الجواب بما أخرجه أحمد من وجه آخر، فيه انقطاع، عن معاذ ﵁ أنه لَمّا حضرته الوفاة قال: أَدْخِلوا عليّ الناس، فأُدخِلوا عليه،

стр. 667

فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات لا يشرك بالله شيئًا، جعله الله في الجنة"، وما كنت أحدثكموه إلا عند الموت، وشاهدي على ذلك أبو الدرداء، فقال: صَدَقَ أخي، وما كان يحدثكم به إلا عند موته. وقد وقع لأبي أيوب ﵁ مثل ذلك، ففي "المسند" من طريق أبي ظَبْيان، أن أبا أيوب ﵁ غزا الروم، فمَرِض، فلما حُضِرَ، قال: سأحدثكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ، لولا حالي هذه ما حدثتكموه، سمعته يقول: "من مات لا يشرك بالله شيئًا، دخل الجنة". وإذا عُورِضَ هذا الجواب، فأُجيب عن أصل الإشكال بأن معاذًا اطّلَعَ على أنه لم يكن المقصود من المنع التحريمَ، بدليل أن النبيّ ﷺ أَمَرَ أَبا هريرة ﵁ أن يبشر بذلك الناس، فلقيه عمر ﵁، فدفعه … " الحديث. فكأنّ قوله ﷺ لمعاذ ﵁: "أخاف أن يَتّكِلوا"، كان بعد قصة أبي هريرة ﵁، فكان النهي للمصلحة، لا للتحريم، فلذلك أخبَرَ به معاذ ﵁ لعموم الآية بالتبليغ، انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تلخّص مما سبق أن أقرب الأجوبة عن الإستشكال المذكور أنّ معاذًا ﵁ فهم أن النهي من باب رعاية المصلحة والأولويّة، لا من باب التحريم، فترك الإخبار به حياته عملًا بظاهر النهي، فلمّا دنا أجله، وخشي موته دون أن يبلّغ ما تحمّله رأى المصلحة في إخباره به؛ إبقاءً للعلم، وهذا توجيه حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" (١١/ ١٥٥) عن إسحاق بن منصور، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عنه.

стр. 668

و (البخاريّ) في "العلم" ١/ ٤٤ (١٢٨) عن إسحاق بن إبراهيم، عن معاذ بن هشام به. و (أبو نعيم) في "مستخرجهِ (١٤٢) و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٩). [تنبيه]: أخرج البخاريّ رحمه الله تعالى من طريق سليمان التَّيْمِيّ، قال: سمعت أنس بن مالك، قال ذُكِرَ لي أن النبيّ ﷺ قال لمعاذ بن جبل: "من لَقِيَ الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة"، قال: ألا أُبَشِّرُ الناسَ؟ قال: "لا، إني أخاف أن يتكلوا". قال في "الفتح": قوله: "ذُكِرَ لي" هو بالضم على البناء لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُه، ولم يُسَمِّ أنس مَن ذَكر له ذلك في جميع ما وقفتُ عليه من الطرق، وكذلك جابر بن عبد الله، كما قدمناه من عند أحمد؛ لأن معاذًا إنما حَدَّث به عند موته بالشام، وجابر وأنس إذ ذاك بالمدينة، فلم يشهداه، وقد حَضَرَ ذلك من معاذ عمرُو بن ميمون الأوديّ، أحدُ المخضرمين، كما جاء ذلك في رواية البخاريّ في "كتاب الجهاد"، ورواه النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن سَمُرَة الصحابي المشهور ﵁ أنه سمع ذلك من معاذ أيضًا، فيحتمل أن يُفَسَّر المبهم بأحدهما، والله تعالى أعلم. ثم قال: أورد الْمِزّيّ في "الأطراف" هذا الحديث في مسند أنس، وهو من مراسيل أنس، وكان حقه أن يذكره في المبهمات. وقوله: "من لَقِيَ الله"، أي من لقي الأجل الذي قدّره الله - يعني الموت - كذا قاله جماعة، ويحتمل أن يكون المراد البعثَ، أو رؤية الله تعالى في الآخرة. وقوله: "لا يشرك به"، اقتصر على نفي الإشراك؛ لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم؛ إذ مَن كَذَّب رسول الله ﷺ ، فقد كَذَّب الله تعالى، ومن كذب الله تعالى، فهو مشرك، أو هو مثل قول القائل: "من توضأ صحت صلاته"، أي مع سائر الشرائط، فالمراد من مات حال كونه مؤمنًا بجميع ما يجب الإيمان به، وليس في قوله: "دخل الجنة" من الإشكال ما تقدم في سياق الحديث الماضي؛ لأنه أعمّ من أن يكون قبل التعذيب أو بعده.

стр. 669

وقوله: "لا" هي للنهي، وليست داخلة على "أخاف"، بل المعنى: لا تبشر، ثم استأنف، فقال: "أخاف"، وفي رواية كريمة: "إني إخاف" بإثبات التعليل، وللحسن بن سفيان في "مسنده" عن عبيد الله بن معاذ عن معتمر: "قال: لا، دَعْهُمْ، فليتنافسوا في الأعمال، فإني أخاف أن يتكلوا"، انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو تحقيق نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٥٦] (٣٣) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ - قَالَ: حَدَّثنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَني مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيع، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيتُ عِتْبَانَ، فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ، قَالَ: أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْء، فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأَتِيَنِي، فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ ، وَمَنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِه، فَدَخَلَ، وَهُوَ يُصَلِّي فِي مَنْزِلِي، وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ وَكُبْرَهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ دُخْشُم، قَالُوا: وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، وَوَدُّوا أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرٌّ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: "أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ "، قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ، وَمَا هُوَ فِي قَلْبِه، قَالَ: "لَا يَشْهدُ أَحَدٌ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَيَدْخُلَ النَّارَ - أَوْ - تَطْعَمَهُ"، قَالَ أَنَسٌ: فَأَعْجَبَنِي هَذَا الْحَدِيثُ، فَقُلْتُ لِابْنِي: اكْتُبْهُ، فَكَتَبَهُ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) هو: شَيْبان بن أبي شَيْبَة الْحَبَطِيّ - بمهملة، وموحّدة مفتوحتين - مولاهم، أبو محمد الأُبُلّيّ - بضم الهمزة، والموحّدة، وتشديد اللام - صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩]. روى عن جرير بن حازم، وأبي الأشهب الْعُطَارديّ، وأبان بن يزيد

стр. 670

العطار، وحماد بن سلمة، وسلام بن مسكين، وعبد الوارث عن سعيد، وسليمان بن المغيرة، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى له أبو داود والنسائي بواسطة أبي بكر الأحمدين: ابنِ إبراهيم العطار، وابنِ علي بن سعيد المروزيّ، وزكرياء بن يحيى السِّجْزيّ، وأبو يعلى، والحسن بن سفيان، وَبَقِيّ بن مَخْلَد، وجعفر بن محمد الفريابيّ، وعبد الله بن أحمد، وعبدان الأهوازي، وعثمان الدارميّ، وموسى بن هارون، وغيرهم. قال أحمد بن سعد بن إبراهيم، عن أحمد بن حنبل: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: صدوقٌ، وقال أبو حاتم: كان يَرَى الْقَدَر، واضطَرَّ الناس إليه بأَخَرَة، وقال ابنُ قانع: صالحٌ، وقال مسلمة: ثقةٌ، وقال الساجيّ: قَدَريّ، إلا أنه كان صدوقًا. وقال أبو الشيخ، عن عبدان الأهوازيّ، كان شيبان أثبت عندهم من هُدْبة، مولده في حدود سنة (١٤٠)، ومات سنة (٢٣٦)، وقيل: سنة خمس وثلاثين ومائتين، وأَرَّخَها ابن قانع سنة (٦). تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٩٣) حديثًا. [تنبيه]: قوله: "ابن فَرُّوخ" هو بفتح الراء، وضم الراء المشدّدة، وبالخاء المعجمة، غير مصروف؛ للعجمة والعلمية، قال صاحب "كتاب العين": فَرُّوخ اسم ابن لإبراهيم الخليل ﵇، هو أبو العجم، وكذا نقل صاحب "المطالع" وغيره أن فَرُّوخ ابن لإبراهيم ﵇، وأنه أبو العجم، وقد نص جماعة من الأئمة على أنه لا يَنصرف لما ذكرناه، قاله النوويّ (١). ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنَ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة، أخرج له البخاريّ مقرونًا، وتعليقًا [٧] (ت ١٦٥) (ع) ٣/ ١١٠. ٣ - (ثَابِتٌ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت سنة بضع و ١٢٠) (ع) ٣/ ١١٠.

стр. 671

٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ المذكور في السند الماضي. ٥ - (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) بن سُرَاقة بن عمرو بن زيد بن عبدة بن عامر بن عديّ بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاريّ الْخَزْرَجي، أبو نعيم، ويقال: أبو محمد المدنيّ، ويقال في نسبه غير ذلك، كان خَتَنَ عبادةَ بن الصامت. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن عِتْبان بن مالك، وعُبادة، وأبي أيوب، وروى عنه أنس بن مالك، والزهريّ، ورَجَاء بن حَيْوَة، ومكحول الشاميّ، وهانئ بن كُلْثوم، وأبو بكر بن أنس، نزيلُ بيت المقدس. قال البغويّ: سكن المدينة، وروى أنه عَقَل من رسول الله ﷺ مَجَّةً مَجَّها من دلو في دارهم، أخرجه البخاريّ من طرُق عن الزهريّ عنه، وهو عند مسلم في أثناء حديث، وأخرجه البغويّ من طريق الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن محمود، قال: ما أنسى مجّةً مجّها رسول الله ﷺ من بئر في دارنا في وجهي، ووقع في بعض طرقه: وأنا ابن خمس سنين (١). قال الواقديّ: وإبراهيم بن المنذر: مات سنة تسع وتسعين، وهو ابن ثلاث وتسعين. قال الحافظ: فعلى هذا يكون مولده سنة ست، فيكون له عن عند موت النبيّ ﷺ أربع سنين، أو يكون دخل في الخامسة، فقد رَوَى الطبراني بسند صحيح عنه أنه قال: تُوُفّي النبيّ ﷺ ، وأنا ابن خمس سنين، وقال ابن حبان في "الصحابة": مات سنة تسع، وهو ابن أربع وتسعين، وأكثر رواياته عن الصحابة وأمه جميلة بنت صَعْصَعَة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: له رؤية، وليست له صحبة، وقال العجليّ: ثقةٌ، من كبار التابعين (٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (٣) (٣٣) و (٨٧٤) وكرّره ثلاث مرّات، (و ١٤٩٦).

стр. 672

٦ - (عِتْبَانُ بْنُ مَالِك) بن عمرو بن الْعَجْلان بن زيد بن غَنْم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاريّ السَّالِمِيّ البدريّ. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه أنس، ومحمود بن الربيع، والحصين بن محمد السالميّ، وأبو بكر بن أنس بن مالك، قال ابن عبد البر: لم يذكره ابن إسحاق في البدريين، وذكره غيره، ومات في خلافة معاوية، وذكر ابن سعد أن النبيّ ﷺ ، آخى بينه وبين عمر بن الخطاب ﵄. أخرج له البخاريّ، والمصنف، وأبو داود في "مسند مالك"، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث رقم (٨٧٤)، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن شيخه، ومحمود بن الربيع، وعتبان بن مالك هذا أول محلّ ذكرهم في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لشيخه (٩٣) حديثًا، ولمحمود ﵁ ثلاثةٌ، ولعتبان ﵁ حديثان فقط، كما أسلفناه آنفًا. ٣ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى بشيبان في الكتب الستة أربعة: [الأول]: شيبان بن أُميّة القتبانيّ المصريّ، مجهول من الطبقة الثالثة، عند أبي داود. [الثاني]: شيبان بن عبد الرحمن النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة من السابعة، عند الجماعة. [الثالث]: شيخ المصنّف هذا المترجم هنا. [الرابع]: شيبان بن مُحَزِّم - بفتح المهملة، وكسر الزاي المثقّلة، ضبطه هكذا ابن ماكولا، مقبول من الطبقة الثالثة، عند النسائيّ في "مسند عليّ ﵁". ٤ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ، وغير عتبان ﵁، فلم يُخرج له الترمذيّ أصلًا، وأبو داود في "سننه".

стр. 673

٥ - (ومنها): أنه اجتمع فيه ثلاثة صحابيون، روى بعضهم عن بعض، وهم: أنسٌ، ومحمود، وعتبان ﵃. ٦ - (ومنها): أن رواية أنس عن محمود من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإنه أكبر منه سنًّا وعلمًا ومرتبةً ﵃ أجمعين. ٧ - (ومنها): أن قوله: "حدثني ثابت، عن أنس بن مالك ﵁، قال: حدثني محمود بن الربيع، عن عِتْبَانَ بن مالك، قال: قدمت المدينة، فلقيت عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك"، هذا اللفظ شبيه بما تقدَّم في الباب الماضي من قوله: "عن ابن محيريز، عن الصُّنابحيّ، عن عبادة بن الصامت ﵁"، وقد قدَّمنا بيانه واضحًا، وتقرير هذا الذي نحن فيه: حدثني محمود بن الربيع، عن عتبان بحديثٍ قال فيه محمود: قَدِمتُ المدينة، فلقيتُ عتبان، وقد قال في الرواية الثانية: عن ثابت، عن أنس، قال: حدثني عتبان بن مالك، وهذا لا يُخالف الأول؛ فإن أنسًا سمعه أوّلًا من محمود، عن عتبان ﵃، ثم اجتمع أنس بعتبان، فسمعه منه، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): أن محمودًا، وعتبان ﵄ من المقلّين من الرواية، فليس لعتبان ﵁ إلا هذا الحديث عندهم إلا أبا أبا داود، والترمذيّ (١)، ولا لمحمود ﵁ غير هذا الحديث عند الشيخين، والنسائيّ، وابن ماجه، وحديث عبادة بن الصامت ﵁ في قراءة الفاتحة في الصلاة عندهم (٢)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ) ﵁ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الراء، مكبّرًا (عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ) بكسر العين المهملة، وبعدها تاء مثنّاة من فوقُ ساكنة، ثم باء موحدة، قال النوويّ: وهذا الذي ذكرناه من كسر العين، هو الصحيح المشهور الذي لم يَذْكُر الجمهور سواه، وقال صاحب "المطالع": وقد ضبطناه من طريق ابن سَهْل بالضم أيضًا، انتهى (٣).

стр. 674

(قَالَ) أي محمود (قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ) النبويّة، أي راجعًا من غزوة الروم، كما بُيِّن في رواية أخرى، فإن الحديث مختصرٌ، وقد ساقه النسائيّ رحمه الله تعالى مطوّلًا في "السنن الكبرى" ٦/ ٢٧٢ فقال: (١٠٩٤٧) - أخبرنا سُويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله - يعني ابن المبارك - عن معمر، عن الزهريّ، قال: أخبرني محمود بن الربيع، زعم أنه عقل رسول الله ﷺ ، وعَقَلَ مَجَّةً مَجَّها من دلو كانت في دارهم، قال: سمعت عِتْبان بن مالك الأنصاريّ، ثم أحدَ بني سالم يقول: كنت أصلي لقومي بني سالم، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت له: إني قد أنكرت بصري، وإن السيول تَحُول بيني وبين مسجد قومي، فلَوَدِدْتُ أنك جئت، فصليت في بيتي مكانًا أتَّخِذُه مسجدًا، فقال النبي ﷺ : "أَفْعَلُ - إن شاء الله تعالى -"، فغدا عليّ رسول الله ﷺ ، وأبو بكر معه، بَعْدَمَا اشتدّ النهارُ، فاستأذن النبيّ ﷺ ، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: "أين تُحِبُّ أن أصلي من بيتك"، فأشرت له إلى المكان الذي أُحِبّ أن يصلي فيه، فقام رسول الله ﷺ ، وَصَفَفْنا خلفه، ثم سَلَّم، وسَلَّمنا حين يسلم، فحَبَسْنَاه على خَزِيرٍ صُنِع له، فسمع به أهل الدار، فثابوا حتى امتلأ البيت، فقال رجل: أين مالك بن الدخشم؟ فقال رجل منا: ذاك رجل منافقٌ، لا يحب الله ورسوله، فقال النبيّ ﷺ : "ألا تقولونه (١) يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله؟ "، قال: أما نحن فَنَرَى وجهه وحديثه إلى المنافقين، فقال رسول الله ﷺ أيضًا: "ألا تقولونه يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله؟ "، قال: بلى، أُرَى يا رسول الله، فقال النبيّ ﷺ : "لن يوافي عبدٌ يومَ القيامة، وهو يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله، إلا حَرَّم الله عليه النار". قال محمود: فحَدَّثتُ قومًا، فيهم أبو أيوب، صاحب رسول الله ﷺ في غزوته التي تُوُفّي فيها، مع يزيد بن معاوية، فأَنْكَر ذلك عليَّ، وقال: ما أظن أن رسول الله ﷺ قال: ما قلتَ قط، فَكَبُرَ ذلك عليَّ، فجعلت لله عليّ إن سَلَّمني، حتى أَقْفُلَ من غزوتي، أن أسأل عنها عتبان بن مالك إن وجدته حيًّا،

стр. 675

فأهللتُ من إيلياء بحج وعمرة (١)، حتى قَدِمْتُ المدينة، فأتيتُ بني سالم، فإذا عتبان بن مالك شيخ كبير، قد ذهب بصره، وهو إمام قومه، فلما سَلَّم من صلاته جئته، فسلمتُ عليه، وأخبرته مَنْ أنا، فحدثني كما حدثني به أولَ مَرَّةٍ، انتهى (٢). (فَلَقِيتُ عِتْبَانَ) بن مالك ﵁ (فَقُلْتُ: حَدِيثٌ) التنوين للتعظيم، أي حديث عظيم، وهو مبتدأ، سوّغه كونه فاعلًا في المعنى، أو الوصف المقدّر، وخبره جملة قوله: (بَلَغَنِي عَنكَ) ومراده بهذه الجملة السؤال عن الحديث، كأنه قال: حَدَّثني به. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "بلغني عنك" هذا لا يُخالف ما تقدّم في رواية النسائيّ المطولة مما يقتضي أنه سمعه منه أوّلًا؛ لاحتمال أن يكون قوله: "بلغني عنك"؛ لأجل أن يعتني عتبان بتحديثه الحديثَ على الوجه؛ إذ لو علم أنه سمعه منه قبل هذا ربّما اختصر الحديث، ولم يُحدّثه مفصّلًا؛ لعلمه أنه سمعه منه قبل هذا، وأما إذا علم أنه لم يسمعه منه أصلًا، فيعتني بتحديثه مستوعبًا مفصّلًا، ويحتمل أن يكون سمعه منه ومن غيره، ثم لَمّا أراد الآن أن يُحدّثه لإزالة إنكار أبي أيوب ﵁ عليه، ترك سماعه منه؛ لما ذكرناه، وذكر سماعه من غيره، والله تعالى أعلم. (قَالَ) عتبان ﵁ (أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ) وقال في الرواية الأخرى: "عَمًى"، فَيحْتَمِل أنه أراد ببعض الشيء العمى، وهو ذهاب البصر جميعه، ويَحتمل أنه أراد ضعف البصر، وذهاب معظمه، وسَمّاه عَمًى في الرواية الأخرى؛ لقربه منه، ومشاركته إيّاه في فوات بعض ما كان حاصلًا في حال السلامة. قاله النوويّ. وفي الرواية الآتية في "الصلاة" من طريق الزهريّ، عن محمود، وهي رواية البخاريّ: "أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري … ".

стр. 676

قال في "الفتح": قوله: "قد أنكرت بصري"، كذا ذكره جمهور أصحاب ابن شهاب كما للمصنف من طريق إبراهيم بن سَعْد ومعمر، ولمسلم من طريق يونس، وللطبرانيّ من طريق الزُّبَيْديّ، والأوزاعيّ، وله من طريق أبي أويس: "لَمّا ساء بصري"، وللإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن نَمِر: "جَعَلَ بصري يَكِلُّ"، ولمسلم من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت: "أصابني في بصري بعض الشيء"، وكل ذلك ظاهرٌ في أنه لم يكن بَلَغَ العمى إذ ذاك. لكن أخرجه البخاريّ في "باب الرخصة في المطر" من طريق مالك، عن ابن شهاب، فقال فيه: "إنّ عتبان كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله ﷺ : إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر … " الحديث. وقد قيل: إن رواية مالك هذه معارِضَةٌ لغيره، قال الحافظ: وليست عندي كذلك، بل قول محمود: "إن عتبان كان يؤم قومه، وهو أعمى"، أي حين لقيه محمود، وسمع منه الحديث، لا حين سؤاله للنبيّ ﷺ ، ويبينه قوله في رواية يعقوب: "فجئت إلى عتبان، وهو شيخ أعمى، يؤمّ قومه"، وأما قوله: "وأنا رجل ضرير البصر": أي أصابني فيه ضُرّ، كقوله: "أنكرت بصري"، ويؤيد هذا الحمل قوله في رواية ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد أيضًا: "لَمّا أنكرت من بصري"، وقوله في رواية مسلم: "أصابني في بصري بعض الشيء"، فإنه ظاهر في أنه لم يَكْمُل عماه، لكن رواية مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، بلفظ: "إنه عَمِيَ، فأرسل". وقد جمع ابنُ خزيمة بين رواية مالك وغيره، من أصحاب ابن شهاب، فقال: قوله: "أنكرت بصري"، هذا اللفظ يُطْلَق على من في بصره سُوء، وإن كان يُبْصر بَصَرًا ما، وعلى من صار أعمى لا يُبصر شيئًا، انتهى. والأَوْلَى أن يقال: أَطْلَق عليه "عَمِيَ"؛ لقربه منه، ومشاركته له في فوات بعض ما كان يَعْهَدُه في حال الصحة، وبهذا تأتلف الروايات، انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.

стр. 677

(فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ )، وفي الرواية الآتية في "الصلاة": "إنه أَتَى رسول الله ﷺ … "، فيَحتَمِل أن يكون في هذه الرواية نَسَبَ إتيان رسوله إلى نفسه مجازًا، وَيحتَمِل أن يكون أتاه مرةً، وبَعَث إليه أخرى، إمّا متقاضيًا، وإما مُذَكِّرًا، وفي الطبرانيّ من طريق أبي أُويس، عن ابن شهاب بسنده أنه قال للنبيّ ﷺ يومَ جمعة: لو أتيتني يا رسول الله"، وفيه أنه أتاه يوم السبت، وظاهره إن مخاطبة عتبان بذلك كانت حقيقةً لا مجازًا، قاله في "الفتح" (١). (أَنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي) وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج": "فقلت: يا رسول الله، إنه قد أصابني في بصري بعض الشيء، فأنا أُحبّ أن تأتيني، فَتُصَلِّيَ … "، (فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِي، فَأَتِّخِذَهُ مُصَلَّى) بصيغة اسم المفعول، أي مكان صلاة، زاد في رواية ابن شهاب: "فقال رسول الله ﷺ : سأفعل إن شاء الله" (قَالَ) عتبان ﵁ (فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ )، وفي رواية أبي نُعيم: "فأقبل النبيّ ﷺ فيمن شاء من أصحابه، حتى أتاني … " (وَ) أتى معه (مَنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِهِ) فيه إشارة إلى أن جماعة من الصحابة جاؤوا معه، وفي رواية ابن شهاب الآتية في "الصلاة": "قال عتبان: فغدا رسول الله ﷺ وأبو بكر الصدّيق حين ارتفع النهار"، قال في "الفتح": ولم يذكر جمهور الرواة عن ابن شهاب غير أبي بكر ﵁، حتى إن رواية الأوزاعيّ: "فاستأذنا، فأذنت لهما"، لكن في رواية أبي أويس: "ومعه أبو بكر وعمر"، وللطبراني من وجه آخر عن أنس: "في نفر من أصحابه". فيَحْتَمِل الجمع بأن أبا بكر ﵁ صَحِبَهُ وحده في ابتداء التوجه، ثم عند الدخول، أو قبله اجتمع عمر وغيره من الصحابة، فدخلوا معه، انتهى. (فَدَخَلَ) أي البيت، وقوله: (وَهُوَ يُصَلِّي فِي مَنْزِلي) جملة حاليّة من مقدّر، توضّحه الروايات الأخرى، تقديره: فلما دخل البيت، سأل عن المكان الذي أُحبّ أن يُصلي فيه، فأريته المكان، فقام، فقوله: "وهو يُصَلِّي"، حال من فاعل "قام"، يوضّح ذلك رواية ابن شهاب الآتية في "الصلاة" بلفظ: "فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: أين تُحبّ أن أصلي من بيتك، قال: فأشرت

стр. 678

له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله ﷺ ، فكبّر … "، وفي رواية أبي نعيم: "فأقبل النبيّ ﷺ يُصلّي، وأصحابه يتحدّثون … " (وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ) جملة حاليّة أيضًا، أي والحال أن أصحابه ﷺ يتحدّثون (ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ) - بضم العين، وإسكان الظاء - أي معظمه، والإشارة إلى تحديثهم (وَكُبْرَهُ) - بضم الكاف، وكسرها - لغتان فصيحتان مشهورتان، وذكرهما في هذا الحديث القاضي عياض وغيره، لكنهم رَجّحوا الضم، وقُرئ قول الله : ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١] بكسر الكاف وضمها، والكسر قراءة القراء السبعة، والضم في الشواذ (١)، قال الإمام أبو إسحاق الثعلبي المفسر رحمه الله تعالى: قراءة العامة بالكسر، وقراءة حُميد الأعرج، ويعقوب الحضرميّ بالضم، قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأٌ، وقال الكسائيّ: هما لغتان، ومعنى قوله: "أسندوا عظم ذلك وكبره": أنهم تحدَّثُوا، وذكروا شأن المنافقين وأفعالهم القبيحة، وما يَلْقَون منهم، ونَسَبُوا مُعْظَم ذلك إلى مالك بن دُخْشُم". وفي رواية أبي نعيم: "وأصحابه يتحدّثون، ويذكرون المنافقين، وما يَلْقَونه منهم، حتى ارتفعت أصواتهم، واشتدّت، فذكروا مالك بن الدخشم، ويرون أن النبيّ ﷺ دعا عليه، فأصابه بعض الشيء". وقوله: (إِلَى مَالِكِ بْنِ دُخْشُمٍ) متعلّق بـ "أسندوا"، و"دُخْشُم" - بضم الدال المهملة، وإسكان الخاء المعجمة، وبعدها ميم -. قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه في الرواية الأولى، وضبطناه في الثانية بزيادة ياء بعد الخاء، على التصغير، وهكذا هو في معظم الأصول، وفي بعضها في الثانية مكبرٌ أيضًا، ثم إنه في الأولى بغير ألف ولام، وفي الثانية بالألف واللام. وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: رَوَيناه "دُخْشُم" مكبرًا، و"دُخَيْشِم" مصغرًا، قال: ورويناه في غير مسلم بالنون، بدلَ الميم، مكبرًا ومصغرًا. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: "دخشم" بدال مهملة

стр. 679

مضمومة، ثم خاء معجمة ساكنة، ثم شين مثلثة مضمومة، ثم ميم، وقيل فيه: "الدُّخْشُن" بالنون، ويقال أيضًا: "الدِّخْشِن - بكسر الدال والشين -، وجاء مصغّرًا ومكبّرًا فيهما، غير أن الواقع فيه في روايتنا في "كتاب مسلم"، وفي أصولنا به في رواية مسلم الأولى بالميم مكبّرًا، وهو في أكثرها بغير ألف ولام في الرواية، وهو في الرواية الثانية مصغّر، وبالميم أيضًا، وبالألف واللام، إلا في أصل أبي حازم الحافظ بخطّه، فإنه مكبّر فيه في الثانية أيضًا، والله تعالى أعلم (١). [تنبيه]: (اعلم): أن مالك بن دُخْشُم هذا من الأنصار، ذكر أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى اختلافًا بين العلماء في شهوده العقبة، قال: ولم يختلفوا أنه شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، قال: ولا يصح عنه النفاق، فقد ظَهَر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه، انتهى. قال النوويّ: وقد نَصّ النبيّ ﷺ على إيمانه باطنًا، وبراءته من النفاق بقوله ﷺ في رواية البخاريّ (٢) رحمه الله تعالى: "ألا تَرَاه قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله تعالى"، فهذه شهادة من رسول الله ﷺ له بأنه قالها مُصَدِّقًا بها، مُعْتَقِدًا صدقها، مُتقرِّبًا بها إلى الله تعالى، وشَهِد له في شهادته لأهل بدر بما هو معروف، فلا ينبغي أن يُشَكَّ في صدق إيمانه ﵁، انتهى. وقال في "الفتح": قال ابن عبد البر: لم يُختَلف في شهود مالك بدرًا، وهو الذي أَسَرَ سهيل بن عمرو، ثم ساق بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال لمن تكلم فيه: "أليس قد شَهِدَ بدرًا؟ "، قال: وفي "المغازي" لابن إسحاق: أن النبيّ ﷺ بَعَثَ مالكًا هذا، ومَعْنَ بن عَدِيٍّ، فحَرَّقا مسجد الضرار، فدل على أنه بريء مما اتُّهِمَ به من النفاق، أو كان قد أقلع عن ذلك،

стр. 680

أو النفاق الذي اتُّهِم به ليس نفاق الكفر، إنما أنكر الصحابة عليه تَوَدُّده للمنافقين، ولعل له عذرًا في ذلك، كما وقع لحاطب ﵁، انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأخير هو الأقرب، والله تعالى أعلم. (قَالُوا) أي الصحابة المتحدّثون (وَدُّوا) هكذا في هذه الرواية بلفظ الغيبة، وفيه التفات، إذ الظاهر وَدِدْنَا بالتكلّم، أي تمنّوا (أَنَّهُ) ﷺ (دَعَا عَلَيْهِ) أي على مالك (فَهَلَكَ) فيه جواز تمنّي هلاك أهل النفاق والشقاق، والبدع (وَوَدُّوا أَنَّهُ) أي مالكًا (أَصَابَهُ شَرٌ) قال النوويّ: هكذا هو في بعض الأصول "شَرٌّ"، وفي بعضها "بِشَرّ" بزيادة الباء الجارة، وفي بعضها "شيء"، وكله صحيح، انتهى. (فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ) أي انتهى منها، وسلّم، وفي رواية أبي نُعيم: "فلما قضى النبيّ ﷺ الصلاة، التَفَتَ إليهم، فقال: أليس يشهد إلخ" (وَقَالَ) ﷺ ردًّا لما قالوه في مالك ﵁ ("أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ "، قَالُوا: إِنّهُ) أي مالكًا (يَقُولُ ذَلِكَ) أي بلسانه (وَمَا هُوَ) أي قوله (فِي قَلْبِهِ) أي لا يعتقده، ولا يستيقن به (قَالَ) ﷺ (لَا يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَيَدْخُلَ النَّارَ) بنصب "يدخلَ" بـ "أن" مضمرةً بعد الفاء الجوابيّة للنفي، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ فَاجَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَترُهُ حَتْمٌ نَصَبْ (أَوْ) للشكّ من الراوي (تَطْعَمَهُ) أي تأكله، وفي رواية ابن شهاب: "فقال رسول الله ﷺ : "فإن الله قد حرّم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله". (قَالَ أَنَسٌ) أي ابن مالك ﵁ الراوي له عن محمود ﵁ (فَأَعْجَبَنِي هَذَا الْحَدِيثُ) وفي رواية أبي نُعيم: "قال أنسٌ: فلقيتُ عتبان بن مالك، فحدّثني بهذا الحديث، فأعجبني، وقلت لابني: فكتبه" (فَقُلْتُ لِابْنِي: اكْتُبْهُ، فَكَتَبَهُ) فيه حرص أنس ﵁ على العلم، وشدّة عنايته به، حيث لم يكتف بحفظه، بل أمر ابنه أن يكتبه، والله تعالى أعلم.

стр. 681

[تنبيه]: سيأتي في "كتاب الصلاة" أن أبا أيوب الأنصاريّ ﵁ سمع محمودَ بن الربيع يحدث به عن عتبان، فأنكره عليه، لِمَا يقتضيه ظاهره من أن النار محرَّمة على جميع الموحدين، وأحاديث الشفاعة دالّةٌ على أن بعضهم يُعَذَّب. لكن للعلماء أجوبة عن ذلك: منها: ما رواه مسلم عن ابن شهاب أنه قال عقب حديث الباب: ثم نزلت بعد ذلك فرائض، وأمور نُرَى أن الأمر قد انتهى إليها، فمن استطاع أن لا يَغْتَرّ فلا يغتر. وفي كلامه نظر؛ لأن الصلوات الخمس نزل فرضها قبل هذه الواقعة قطعًا، وظاهره يقتضي أن تاركها لا يُعَذَّب إذا كان موحدًا. وقيل: المراد أن من قالها مخلصًا، لا يترك الفرائض؛ لأن الإخلاص يَحْمِل على أداء اللازم، وتُعُقِّب بمنع الملازمة. وقيل: المراد تحريم التخليد، أو تحريم دخول النار الْمُعَدَّة للكافرين، لا الطبقة المعدة للعصاة. وقيل: المراد تحريم دخول النار بشرط حصول قبول العمل الصالح، والتجاوز عن السيء، قاله في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم تحقيق القول في هذا قريبًا، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عتبان بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" (١١/ ١٥٦) عن شيبان بن فرّوخ، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، عن محمود بن الربيع، عنه،

стр. 682

و (١١/ ١٥٧) عن أبي بكر بن نافع، عن بهز بن أسد، عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت به، ولم يذكر محمود بن الربيع، وفي "الصلاة" (٢٦٣) عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهريّ، عن محمود بن الربيع، عنه و (٢٦٤) عن محمد بن رافع، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ به، و (٢٦٥) عن إسحاق بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ به. وأخرجه (البخاريّ) في "الصلاة" (٨٣٨) عن حِبّان بن موسى - وفي "الرقاق" (٦٤٢٢) عن معاذ بن أسد - وفي "استتابة المرتدّين" (٦٩٣٨) و"الصلاة" أيضًا (٨٤٠) عن عبدان - ثلاثتهم عن ابن المبارك، عن معمر - وفي "الصلاة" أيضًا (٦٦٧) عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك - و (١١٨٥) عن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه - وفيه (٤٢٤) وفي "المغازي" عن القعنبيّ، عن إبراهيم بن سعد - وفيهما عن سعيد بن عُفير - وفي "الأطعمة" (٥٤٠١) وفي "المغازي" أيضًا (٤٠١٠) عن أحمد بن صالح، عن عنبسة، عن يونس - خمستهم عن الزهريّ به. وعندهما في حديث يونس، عن الزهريّ، قال: ثم سألت الحصين بن محمد الأنصاريّ عن حديث محمود فصدّقه. و (النسائيّ) في "الصلاة" (٨٦٣) عن هارون بن عبد الله، عن معن - و (٨٦٣) عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، كلاهما عن مالك به، و (٩١٨) عن نصر بن عليّ، عن عبد الأعلى، عن معمر به، وفيه (١٢٥٠) وفي "التفسير" (١١٤٩٤) عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك به، وفي "عمل اليوم والليلة" (١١٠٥) عن أبي بكر بن نافع به، و (١١٠٩) عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: سألت الحصين بن محمد الأنصاريّ عن حديث محمود؟ فصدّقه، و (١١٠٧) وفي "التفسير" (١١٤٩٤) عن عمرو بن عليّ، عن ابن مهديّ، عن سليمان بن المغيرة به، وذكر فيه قصّة محمود بن الربيع، و (١١٠٦) عن محمد بن عليّ بن ميمون الرّقّيّ، عن القعنبيّ، عن سليمان بن المغيرة، بقصّة الشهادتين، ولم يذكر محمود بن الربيع، وأعاد فيه (١١٠٨) بعضه عن سُويد بن نصر.

стр. 683

و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٧٥٤) عن أبي مروان محمد بن عثمان العثمانيّ، عن إبراهيم بن سعد بطوله. و (مالك) في "الموطّإ" (٤٧٦) و (أحمد) في "مسنده" ٤/ ٤٣ و ٤٤ و ٥/ ٤٤٩ و ٤٥٠ و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٣١) و (١٦٥٤) و (١٦٧٣) و (١٧٠٩)، و (أبو نعيم) في "المستخرج" (١٤/ ١٤٣)، (١٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨ و ١٩ و ٢٠ و ٢١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده. ١ - (منها): بيان فضل الشهادتين إذا كانا خالصتين لله تعالى، كما يدلّ على ذلك رواية: "يبتغي بذلك وجه الله"، وبه يطابق الحديث الباب الذي نحن فيه؛ إذ المصنّف رحمه الله تعالى رتّب الأحاديث الأخيرة للدلالة على أن مجرّد التلفّظ غير كاف في تحقّق الإيمان، بل لا بُدَّ من استيقان القلب، ولذلك ترجمت له بقولي: "باب لا يكفي مجرّد التلفّظ بالشهادتين إلخ"، تبعًا للقرطبيّ رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): التبرك بآثار رسول الله ﷺ ، لأن الصحابة ﵃ كانوا يتسابقون فيها، وأما التبرك بآثار غيره من الصالحين، وإن قال به شرّاح هذا الكتاب، كالنوويّ، وغيره، وكذا شُرَّاح البخاريّ، فمما لا دليل عليه، وهو مخالف لهدي السلف رحمهم الله تعالى، فإنهم ما كانوا يفعلونه، مع أن فيهم أفاضل الصحابة، كأبي بكر الصديق، وبقية الخلفاء الراشدين، فما أحد من الصحابة، ولا التابعين تَبَرَّكَ بآثار أبي بكر، وغيره، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٣ - (ومنها): زيارةُ العلماء والفضلاء والكبراء أتباعَهُم، وتلبيتهم دعوتهم، وإكرامهم بالمجيء إلى بيوتهم، والدعاء لهم. ٤ - (ومنها): جواز استدعاء المفضول الفاضلَ؛ لمصلحة تَعْرِض. ٥ - (ومنها): جواز الجماعة في صلاة النافلة، فإن النبيّ ﷺ صلّى بهم في بيت عتبان ﵁. ٦ - (ومنها): أنَّ فيه بيانَ أن السنة في نوافل النهار ركعتان كالليل. ٧ - (ومنها): جواز الكلام، والتحدث بحضرة المصلين، ما لم يَشْغَلهم، ويُدْخِلْ عليهم لبسًا في صلاتهم، أو نحوه.

стр. 684

٨ - (ومنها): جواز إمامة الزائر المزور برضاه. ٩ - (ومنها): ذكر من يُتَّهَمُ بِرِيبة أو نحوها للأئمة وغيرهم؛ لِيُتَحَرَّزَ منه. ١٠ - (ومنها): جواز كتابة الحديث وغيره من العلوم الشرعية؛ لقول أنس ﵁ لابنه: اكتبه، بل هي مستحبة، وقد جاء في الحديث النهيُ عن كتابة الحديث، وجاء الإذن فيه، فقيل: كان النهي لمن خِيف اتِّكاله على الكتاب، وتفريطه في الحفظ، مع تمكنه منه، والإذن لمن لا يتمكن من الحفظ، وقيل: كان النهي أوّلًا لَمّا خِيف اختلاطه بالقرآن، والإذن بعده لَمّا أُمِن من ذلك، وكان بين السلف من الصحابة والتابعين ﵃ خلافٌ في جواز كتابة الحديث، ثم أجمعت الأمة على جوازها، واستحبابها، وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله: كِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهَا اخْتُلِفَا … ثُمَّ الْجَوَازُ بَعْدُ إِجْمَاعًا وَفَى مُسْتَنَدُ الْمَنْعِ حَدِيثُ مُسْلِمِ … "لَا تَكْتُبُوا عَنِّيَ" فَالْخُلْفُ نُمِي فَبَعْضُهُمْ أَعَلَّهُ بِالْوَقْفِ … وَآخَرُونَ عَلَّلُوا بِالْخَوْفِ مِنِ اخْتِلَاطٍ بِالْقُرَانِ فَانْتَسَخْ … لأَمْنِهِ وَقِيلَ ذَا لِمَنْ نَسَخْ الْكُلَّ فِي صَحِيفَةٍ وَقِيلَ بَلْ … لآمِنٍ نِسْيَانَهُ لَا ذِي خَلَلْ وقد تقدّم هذا البحث مستوفًى في شرح المقدّمة، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ١١ - (ومنها): البداءة بالأهمّ، فالأهمّ، فإنه ﷺ في حديث عتبان ﵁ هذا بدأ أولَ قدومه بالصلاة، ثم أكل، وفي حديث زيارته لأم سليم ﵄ بدأ بالأكل، ثم صَلَّى؛ لأن المهم في حديث عتبان هو الصلاة، فإنه دعاه لها، وفي حديث أم سليم دعته للطعام، ففي كل واحد من الحديثين بدأ بما دُعِي إليه. ١٢ - (ومنها): جواز استتباع الإمام والعالم أصحابه لزيارةٍ، أو ضيافةٍ، أو نحوها، إذا علم أن الداعي لا يكره ذلك (١). ١٣ - (ومنها): جواز إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة، ولا يكون من الشكوى.

стр. 685

١٤ - (ومنها): بيانُ أنه كان في المدينة مساجد للجماعة، سوى مسجده ﷺ . ١٥ - (ومنها): جواز التخلف عن الجماعة في المطر والظلمة، ونحو ذلك. ١٦ - (ومنها): اتخاذ موضع معين للصلاة، وأما النهي عن إيطان موضع معين من المسجد، ففيه حديثٌ، رواه أبو داود، وهو محمول على ما إذا استلزم رياءً ونحوه، وسيأتي تمام البحث في هذا في "كتاب الصلاة" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٥٧] ( … ) - (حَدَّثِنَي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِتْبَاَنُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّهُ عَمِيَ، فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: تَعَالَ، فَخُطَّ لِي مَسْجِدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَجَاءَ قَوْمُهُ، وَنُعِتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُم، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع الْعَبديّ القيسيّ البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، من صغار [١٠]. روى عن معتمر بن سليمان، وعُمَر بن عليّ الْمُقَدَّميّ، وابن أبي عديّ، وبهز بن أسد، وغندر، وأبي عامر الْعَقَديّ، وأمية بن خالد، وبشر بن المفضل، وغيرهم. وروى عنه مسلم، والترمذيّ والنسائيّ، وزكرياء الساجيّ، وسعيد بن عبد الله الْفَرْغَانيّ، وعبد الله بن أبي الدنيا، وعَبْدان الأهوازيّ، وأبو الشيخ محمد بن الحسين الأَبْهَريّ، وأبو رِفَاعة عبد الله بن محمد البصريّ، وغيرهم، قال الذهبيّ في "الكاشف": ثقة (١)، مات بعد الأربعين ومائتين.

стр. 686

وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثًا (١). ٢ - (بَهْز) بن أسد الْعميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت بعد ٢٠٠) أو قبلها (ع) ٣/ ١١. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة، مولى تميم، ويقال: مولى قريش، وقيل: غير ذلك، ثقة عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بأَخَرة، من كبار [٨]. روى عن ثابت البناني، وقتادة، وخاله حميد الطويل، وخلق كثير. وروى عنه ابن جريج، والثوري، وشعبة وهم أكبر منه، وابن المبارك، وابن مهدي، والقطان، وعفّان بن مسلم وغيرهم. قال أحمد: حماد بن سلمة أثبت في ثابت من معمر. وقال أيضًا في الحمادين: ما منهما إلا ثقة. وقال حنبل عن أحمد: أسند حماد بن سلمة عن أيوب أحاديث، لا يسندها الناس عنه. وقال أبو طالب عنه: حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد، وأصح حديثًا. وقال في موضع آخر: هو أثبت الناس في حميد الطويل، سمع منه قديمًا، يخالف الناس في حديثه. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال الدُّورِيُّ عن ابن معين: من خالف حماد بن سلمة في ثابت، فالقول قول حماد. وقال جعفر الطيالسي عنه: من سمع من حماد بن سلمة الأصناف، ففيها اختلاف، ومن سمع منه نسخًا فهو صحيح. وقال ابن المديني: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة. وقال الأصمعي عن عبد الرحمن بن مهدي: حماد بن سلمة صحيح السماع، حسن اللُّقيّ، أدرك الناس، لم يُتَّهَم بلون من الألوان، ولم يلتبس بشيء، أحسن مَلَكَةَ نفسِهِ ولسانه، ولم يطلقه على أحد، فسَلِمَ حتى مات. وقال ابن المبارك: دخلت البصرة، فما رأيت أحدًا أشبه بمسالك الأُوَلِ من

стр. 687

حماد بن سلمة. وقال أبو عمر الجرمي: ما رأيت فقيهًا أفصح من عبد الوارث، وكان حماد بن سلمة أفصح منه. وقال عفان: قد رأيت من هو أعبد من حماد بن سلمة، ولكن ما رأيت أشد مواظبة على الخير، وقراءة القرآن، والعمل لله من حماد بن سلمة. وقال ابن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدًا، ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا. وقال ابن حبان: كان من العباد المجابي الدعوة في الأوقات، ولم يُنصِف من جانب حديثه، واحتج في كتابه بأبي بكر بن عياش، فإن كان تَرْكُهُ إياه لِمَا كان يخطئ، فغيره من أقرانه، مثل الثوري وشعبة، كانوا يخطئون، فإن زعم أن خطأه قد كثر حتى تغير، فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجودًا، ولم يكن من أقران حماد بن سلمة بالبصرة مثله في الفضل، والدين، والنُّسُك، والعلم، والْكَتْب، والجمع، والصلابة في السنة، والقمع لأهل البدع. قال الحافظ: وقد عَرَّض ابن حبان بالبخاري؛ لمجانبته حديث حماد بن سلمة، حيث يقول: لم يُنصف من عَدَل عن الاحتجاج به إلى الاحتجاج بفُلَيح، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. واعتذر أبو الفضل بن طاهر عن ذلك، لَمَّا ذَكَرَ أن مسلمًا أخرج أحاديث أقوام، ترك البخاري حديثهم، قال: وكذلك حماد بن سلمة إمام كبير، مدحه الأئمة وأطنبوا، لَمّا تكلم بعض منتحلي المعرفة، أن بعض الْكَذَبة أدخل في حديثه ما ليس منه، لم يخرج عنه البخاري، مُعْتَمِدًا عليه، بل استشهد به في مواضع؛ لِيُبَيِّن أنه ثقة. وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث أقرانه، كشعبة، وحماد بن زيد، وأبي عوانة، وغيرهم، ومسلم اعتمد عليه؛ لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين لم يختلفوا، وشاهد مسلم منهم جماعة، وأخذ عنهم، ثم عدالة الرجل في نفسه، وإجماع أئمة أهل النقل على ثقته وأمانته. انتهى. وقال الحاكم: لم يخرج مسلم لحماد بن سلمة في الأصول، إلا من حديثه عن ثابت، وقد خرج له في الشواهد عن طائفة. وقال البيهقي: هو أحد أئمة المسلمين، إلا أنه لَمّا كَبِرَ ساء حفظه، فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد، وأخرج من حديثه عن ثابت ما سُمِعَ منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثًا، أخرجها في

стр. 688

الشواهد. وأورد له ابن عدي في "الكامل" عدة أحاديث مما ينفرد به متنًا أو إسنادًا، قال: وحماد من أجلة المسلمين، وهو مفتي البصرة، وقد حدث عنه من هو أكبر منه سنًّا، وله أحاديث كثيرهّ، وأصناف كثيرة، ومشايخ، وهو كما قال ابن المديني: من تكلم في حماد بن سلمة، فاتهموه في الدين. وقال الساجي: كان حافظًا ثقة مأمونًا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وربما حدث بالحديث المنكر. وقال العجلي: ثقة، رجل صالح، حسن الحديث، وقال: إن عنده ألفَ حديث حسن ليس عند غيره. قال سليمان بن حرب وغيره: مات سنة (١٦٧)، زاد ابن حبان: في ذي الحجة. اسشتهد به البخاري، وقيل: إنه روى له حديثًا واحدًا عن أبي الوليد عنه، عن ثابت (١)، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (١٠٥) حديث. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (حدثني عتبان بن مالك) فيه أن أنسًا ﵁ سمعه من عتبان نفسه، بعد ما سمعه عنه بواسطة محمود بن الربيع. وقوله: (أنه عَمِي) تقدّم الجمع بينه وبين قوله: "أصابني في بصري بعض الشيء" في الحديث الماضي، فلا تغفل. وقوله: (فخُطّ لي مسجدًا) أمر من الخطّ، يقال: خطّ على الأرض، من باب نصر: إذا أعلم بعلامة (٢). والمعنى: أعلم لي على موضعٍ؛ لأتّخذه مسجدًا، أي موضعًا أجعل صلاتي فيه، متبرّكًا بآثارك. وقوله: (وجاء قومه) الضمير لعتبان، أي جاء قوم عتبان، والمراد بهم أهل قريته الذين يسكنون حول بيته، ففي رواية ابن شهاب الآتية في "الصلاة":

стр. 689

"قال: فثاب رجال من أهل الدار حولنا، حتى اجتمع في البيت رجال ذوو عدد"، ومعنى "ثاب": رجع، أو أقبل. وفيه اجتماع أهل المحلّة على الإمام، أو العالم إذا ورد منزل بعضهم؛ ليستفيدوا منه، فقد اجتمع أهل محلة عتبان لَمّا سمعوا بمجيء النبيّ ﷺ إلى بيته. وقوله: (ونُعت رجل) ببناء الفعل للمفعول، أي وُصِفَ، يقال: نَعَتَ الرجل صاحبه نَعْتًا، من باب نَفَعَ: إذا وصفه (١). وقوله: (ثم ذكر إلخ) الضمير لشيخه أبي بكر، يعني أن أبا بكر بن نافع ذكر متن الحديث نحوَ حديث سليمان بن المغيرة الماضي في المعنى، لا في اللفظ، وهذا بيّنٌ ظاهر، من سياقه، فقد ساق النسائيّ رحمه الله تعالى رواية أبي بكر في "عمل اليوم والليلة" ١/ ٥٩٣، فقال: ١١٠٥ - أخبرنا أبو بكر بن نافع، قال: حدّثنا بَهْز، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا ثابت، عن أنس، قال: حدثني عتبان بن مالك، أنه عَمِيَ، فأرسل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: تَعَالَ، فخُطَّ لي مسجدًا، فجاء رسول الله ﷺ ، وجاء قومه، وتغيب رجل منهم، يقال له: مالك بن الدُّخْشُم، قالوا: يا رسول الله إنه، وإنه، يقعون فيه، فقال رسول الله ﷺ : "أليس يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ "، قالوا: إنما يقولها مُتَعَوِّذًا، قال: "والذي نفسي بيده، لا يقولها أحدٌ صادقًا، إلا حُرّمَتْ عليه النار" انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيت من كتابة الجزء الأول من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثَّجَّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه الله تعالى

стр. 690

يوم الجمعة ٧/ ٩/ ١٤٢٤ هـ الموافق ٣١ أكتوبر (تشرين الأول) / ٢٠٠٣ م. أسأل الله العليّ العظيم، ربّ العرش العظيم، أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم، لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]. "اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته". ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثاني مفتتحًا بـ (١٢) - (بَابُ ذَاقَ طَعْمَ الإيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا) رقم الحديث (١٥٨). "سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".

стр. 691

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١٣) - (بَابٌ ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِي بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا) وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٩] (٣٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، وَبِشْرُ بْنُ الْحَكَم، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَاد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا"). رَجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) الْعَدنيّ الأصل، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوقٌ، صنّف "المسند"، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: فيه غفلة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ) بن حَبِيب بن مِهْرَان الْعَبْديّ، أبو عبد الرحمن النيسابوريّ، ثقةٌ زاهدٌ فقيهٌ [١٠] (ت ٧ أو ٢٣٨) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٧. ٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ) أبو محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.

стр. 692

٤ - (يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ) هو يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مُكثرٌ [٥]. رَوَى عن ثعلبة بن أبي مالك الْقُرَظيّ، وله رؤية، وعُمَير مولى آبي اللَّحْم، وله صحبة، والصحيح أن بينهما محمدَ بنَ إبراهيم التيميّ، ومعاذ بن رفاعة بن رافع الزُّرَقيّ، وعبد الله بن خَبّاب، وعبد الله بن دينار، وزياد بن أبي زياد، ومحمد بن كعب الْقُرَظيّ، وغيرهم. وروى عنه شيخه، يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وإبراهيم بن سعد، ومالك، وعبد العزيز الدَّرَاوَرْدِيّ، والليث بن سعد، وعبد العزيز بن أبي حازم، وبَكْر بن مُضَر، ونافع بن يزيد، وحيوة بن شُريح، وابن عيينة، وأبو ضمرة، وآخرون. قال الأثرم عن أحمد: لا أعلم به بأسًا، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن أبي حازم، عن أبيه: ابن الهاد أحبّ إليّ من عبد الرحمن بن الحارث، ومحمد بن عَمْرو بن علقمة، وهو ومحمد بن عجلان متساويان، وهو في نفسه ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: تُوُفِّي بالمدينة سنة تسع وثلاثين ومائة، وكان ثقةً، كثير الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: مدنيّ ثقةٌ، حسن الحديث، يروي عن الصغار والكبار، وقال العجليّ: مدنيّ ثقةٌ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٤) حديثًا. [تنبيه]: قوله: "ابن الهاد" هكذا يقوله المحدّثون "الهاد" من غير ياء، والمختار عند أهل العربيّة فيه، وفي نظائره بالياء، فيقال: "الهادي"، و"العاصي"، و"ابن أبي الموالي"، أفاده النوويّ (١). ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد بن صَخْر بن عامر بن كعب بن سَعْد بن تيم بن مُرّة القرشيّ التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، كان جدُّه الحارثُ من المهاجرين الأولين، ثقة له أفراد [٤]. رأى سَعْدَ بن أبي وقاص، وروى عن أبي سعيد الخدريّ، وعُمير مولى آبي اللحم، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وقيس بن عمرو الأنصاري، ومحمود بن لبيد، وعائشة، وعلقمة بن وقاص، وغيرهم.

стр. 693

ورَوَى عنه ابنه موسى، ويحيى، وعبد ربه، وسعد بنو سعيد الأنصاري، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وهشام بن عروة، ويزيد بن الهاد، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ، وابن خِرَاش: ثقة. وقال ابن سعد: قال محمد بن عمرو: كان محمد بن إبراهيم يُكنَى أبا عبد الله، تُوُفّي سنة عشرين ومائة، وكان ثقةً، كثير الحديث. وقال العقيليّ عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه: في حديثه شيءٌ، يروي أحاديث مناكير أو منكرة. وله رواية عن أبيه في "المعرفة" لابن منده، فزَعَم أبو نعيم أنه أراد بقوله: عن أبيه جدَّهُ، وعلى هذا فيكون أرسل عنه، فإن أباه وُلِد بأرض الحبشة، وتبعه ابنُ حِبّان في "الثقات" وقال: سمع من ابن عمر. وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقةً. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لم يسمع من جابر، ولا من أبي سعيد. انتهى. وحديثه عن عائشة عند مالك، والترمذيّ، وصححه، وعائشةُ ماتت قبل أبي سعيد وجابر. وقال أبو حَسّان الزياديّ: كان عَرِيف قومه، مات سنة (١٩)، وقيل: عشرين، وفي سنة عشرين أرّخه غير واحد، وقال خليفة: مات سنة إحدى وعشرين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا (١). ٦ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وعثمان، والعباس بن عبد المطلب، وأبي أيوب الأنصاريّ، وأسامة بن زيد، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عمر، وعائشة، وأم سلمة، وجابر بن سلمة، وأبان بن عثمان، وخَبّاب صاحب المقصورة. وروى عنه ابنه داود، وأبناء إخوته: إسماعيل بن محمد، وأشعث بن إسحاق، وبجاد بن موسى، وابن أخته سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وابن أخته أيضًا محمد بن محمد بن الأسود الزهري، وابن ابن عمه، هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، وهو من أقرانه،

стр. 694

ومجاهد، والزهري، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، وعطاء بن يسار، وعمرو بن دينار، وموسى بن عقبة، وغيرهم. قال ابن سعد عن الواقديّ: مات سنة أربع ومائة، قال: وقال غيره: تُوُفّي بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان ثقةً كثير الحديث، وقال ابن نمير، وعمرو بن عليّ: مات سنة (٤)، وقيل في وفاته غيرُ ذلك، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأَرَّخ وفاته سنة أربع، وكذا أرَّخه علي ابن المديني، وأَرَّخه الهيثم بن عديّ في خلافة الوليد، حكاه عنه ابن سعد، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا. ٧ - (الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشميّ، عم رسول الله ﷺ ، أبو الفضل، أمه نُتَيْلَةُ بنت جَنَاب بن كلب، وُلِد قبل رسول الله ﷺ بسنتين (١)، وضَاعَ وهو صغير، فنَذَرَت أمه إن وجدته أن تكسو البيت الحرير، فوجدته فكست البيت الحرير، فهي أول من كساه ذلك، وكان إليه في الجاهلية السِّقَاية والعِمَارة، وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يُسلِم، وشهد بدرًا مع المشركين مكرهًا، فأُسِر، فافتدى نفسه، وافتدى ابن أخيه عقيل بن أبي طالب، ورجع إلى مكة، فيقال: إنه أسلم وكتم قومه ذلك، وصار يكتب إلى النبي ﷺ بالأخبار، ثم هاجر قبل الفتح بقليل، وشَهِد الفتح، وثبت يوم حنين، وقال النبي ﷺ : "من آذى العباس فقد آذاني، فإنما عَمُّ الرجل صِنْوُ أبيه"، أخرجه الترمذي في قصة (٢).

стр. 695

وقد حَدَّث عن النبي ﷺ بأحاديث، رَوَى عنه أولاده، وعامر بن سعد، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن الحارث، وغيرهم. وقال ابن المسيب عن سعد: كنا مع النبي ﷺ ، فأقبل العباس، فقال: "هذا العباس أجود قريش كَفًّا، وأوصلها"، أخرجه النسائي (١)، وأخرج البغوي في ترجمة أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بسند له إلى الشعبي، عن أبي هَيّاج عن أبي سفيان بن الحارث، عن أبيه، قال: كان العباس أعظم الناس عند رسول الله ﷺ ، والصحابة يعترفون للعباس بفضله، ويشاورونه، ويأخذون رأيه، ومات بالمدينة في رجب، أو رمضان سنة اثنتين وثلاثين، أو بعده، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وكان طويلًا جميلًا أبيض (٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط (٣)، هذا الحديث برقم (٣٤)، وحديث (٢٠٩): "نعم هو في ضحضاح من نار … "، وأعاده بعده، و (٤٩١): "إذا سجد العبد، سجد معه سبعة … "، و (١٧٥٧): "لا نورث ما تركنا صدقة … "، و (١٧٧٥): "أخذ رسول الله ﷺ حصيات … " (٤). [تنبيه]: "أل" في "العبّاس" للمح الصفة، وهي التي تدخل على الأسماء المنقولة مما يصلُح دخول "أل" عليه، كقولك في حسن: الحسن، وأكثر ما تدخل على المنقول من صفة، كقولك في حارث: الحارث، وقد تدخل على المنقول من مصدر، كقولك في فضل: الفضل، وعلى المنقول من اسم جنس، غيرِ مصدر، كقولك في نعمان: النعمان، وهو في الأصل من أسماء الدم، فيجوز دخول "أل" في هذه الثلاثة؛ نظرًا إلى الأصل، وحذفُها؛ نظرًا إلى الحال، وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في "الخلاصة" بقوله: وَبَعْضُ الأعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا

стр. 696

كَـ "الْفَضْلِ" و"الْحَارِثِ" وَ"النُّعْمَانِ" … فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيّانِ (١) والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول لم يُخرج له البخاريّ، وأبو داود، والثاني تفرّد به هو، والبخاريّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الدَّرَاوَرْديّ، وشيخه الأول عدنيّ، ثم مكيّ، والثاني نيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأن كلًّا منهما من الطبقة الخامسة. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مناقب جمّة، فإنه عمّ النبيّ ﷺ ، وكان يُحبّه، وكان من أعظم الناس عنده، وكان يُثني عليه، وكان الصحابة يعترفون بفضله، ويشاورونه، ويأخذون رأيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بإثبات "أل" في "العبّاس"، وحذفها، كما سبق آنفًا (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "ذَاقَ) أي وجد، وأدرك، قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الذّوق: إدراك طَعْمِ الشيء بواسطة الرطوبة الْمُنْبَثَّة بالْعَصَب المفروش على عَضَل اللسان، يقال: ذُقتُ الطعامَ أَذُوقُهُ ذَوْقًا، وذَوَقَانًا، وذَوَاقًا، ومَذَاقًا: إذا عرفتَهُ بتلك الواسطة، ويتعدّى إلى ثانٍ بالهمزة، فيقال: أذقته الطعامَ، وذُقتُ الشيءَ: جرّبتُهُ، ومنه يقال: ذاق فلانٌ البأسَ: إذا عرفه بنزوله به، وذاق الرجل عُسَيلة المرأة، وذاقت عُسيلته: إذا حصل لهما حَلاوة الخِلاط، ولذّة المباشرة بالإيلاج. انتهى (٢).

стр. 697

وقال الراغب الأصبهانيّ: الذَّوْقُ وجود الطعم في الفم، وأصله فيما يَقِلّ تناوله، فإذا كثُر يقال له: الأكلُ، فاستعمل في التنزيل بمعنى الإصابة، إما في الرحمة، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ الآية [هود: ٩]، وإما في العذاب، نحو قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ الآية [النساء: ٥٦]، وقال غيره: الذوق: ضُرِب مثلًا لما ينالون عند رسول الله ﷺ من الخير، قال أبو بكر الأنباريّ: أراد لا يتفرّقون إلا عن علم يتعلّمونه، يقوم لهم مقام الطعام والشراب؛ لأنه ﷺ كان يحفظ أرواحهم كما يَحفَظ الطعام أجسامهم. (طَعْمَ الإِيمَانِ) بفتح الطاء، وسكون العين المهملة، قال الفيّوميّ: "الطَّعْمُ" بالفتح: ما يؤدّيه الذّوق، فيقال: طَعْمُهُ حُلْوٌ، أو حامضٌ، وتغيّر طَعْمُهُ: إذا خرج عن وصفه الْخِلْقِيّ، والطَّعْم: ما يُشتَهَى من الطعام، وليس للغَثّ طَعْمٌ، والطَّعَمُ بفتحتين لغةٌ كلابيّة. انتهى. وقال الطيبيّ: مجاز قوله: "ذاق طعم الإيمان" مجاز قوله: "وَجَدَ حلاوة الإيمان"، وكذلك موقعه كموقعه؛ لأن من أحبّ أحدًا يتحرّى مراضيه، ويؤثر رضاه على رضاء نفسه، ومقام الرضى عند أهل العرفان مقام جليلٌ رفيع. انتهى (١). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "ذاق طعم الإيمان": أي وجد حلاوته، كما في حديث أنس ﵁: "ثلاثٌ من كنّ فيه وَجَدَ حلاوة الإيمان"، وهي عبارة عمّا يجده المؤمن المحقِّق في إيمانه المطمئنّ قلبه به، من انشراح صدره، وتنويره بمعرفة الله تعالى، ومعرفة رسوله ﷺ ، ومعرفة منّة الله تعالى عليه في أن أنعم عليه بالإسلام، ونَظَمَه في سلك أمة محمد ﷺ خير الأنام، وحَبَّبَ إليه الإيمان والمؤمنين، وبَغَّضَ إليه الكفر والكافرين، وأنجاه من قبيح أفعالهم، ورَكَاكة أحوالهم، وعند مطالعة هذه المنن، والوقوف على تفاصيل تلك النعم، تطير القلوب فَرَحًا وسُرُورًا، وتمتلئ إشراقًا ونورًا، فيا لها من حلاوة ما ألذّها! وحالة ما أشرفها!، فنسأل الله تعالى أن يمنّ بدوامها وكمالها، كما منّ بابتدائها وحُصُولها، فإن المؤمن عند تذكّر تلك النعم والمنن

стр. 698

لا يخلو عن إدراك تلك الحلاوة، غير أن المؤمنين في تمكّنها ودوامها متفاوتون، وما منهم إلا وله منها شِرْبٌ معلوم، وذلك بحسب ما قُسِم لهم من هذه المجاهدة الرياضيّة، والْمِنَح الربّانيّة. انتهى (١). (مَنْ رَضِيَ) بكسر الضاد المعجمة، من باب تَعِب (بِاللهِ) تعالى (رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا") انتصاب "ربًّا"، و"دينًا"، و"رسولًا" على الحال، ويجوز كونه على التمييز. قال صاحب "التحرير" رحمه الله تعالى: معنى رَضِيتُ بالشيء: قَنِعْتُ به، واكتفيتُ به، ولم أطلب معه غيرَه، فمعنى الحديث: لم يطلُب غير الله تعالى، ولم يَسْعَ في غير طريقِ الإسلام، ولم يَسْلُك إلا ما يوافق شريعة محمد ﷺ ، ولا شكّ في أن من كانت هذه صفته، فقد خَلَصَت حلاوة الإيمان إلى قلبه، وذاق طعمه. انتهى (٢). وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: معنى الحديث: صَحّ إيمانه، واطمأنّت به نفسه، وخامر باطنَهُ؛ لأن رضاه بالله ربًّا، وبمحمّد ﷺ نبيًّا، وبالإسلام دينًا دليلٌ على ثبوت معرفته، ونفاذ بصيرته بما رضي به من ذلك، ومخالطة بشاشته قلبَهُ، وذلك كالحديث الآخر: "وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسول الله أحبّ إليه مما سواهما … " الحديث، وذلك أن الإنسان إذا رَضِيَ أمرًا، واستحسنه، سَهُل عليه أمره، ولم يشقّ عليه شيء منه، فكذلك المؤمن إذا دَخَل قلبه الإيمان سَهُلت عليه طاعاتُ ربّه ، ولَذّت له، ولم يشُقّ عليه مُعاناتها. انتهى (٣). وقال الأبيّ رحمه الله تعالى: فإن قلت: معرفة الله ، واستحلاء الإيمان به هما الغاية، فلو أريدا في الحديث لم يُعبّر عنهما بالذّوْق؛ إذ لا يُعبّر عن غاية الشيء بمبدئه؛ لأن الذّوق مبدأ الفعل. قلت: الذوق إنما هو مبدأ الفعل إذا استُعمل في المحسوسات، كذوق الطعام، أما إذا استُعمل في المعاني كما هنا، فإنما هو كناية عن كمال

стр. 699

الإدراك، وأنت تعرف أن الرضا بالله تعالى يستلزم الرضا عنه. انتهى (١). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "مَنْ رضي بالله ربًّا … " الحديث: الرضا بهذه الأمور الثلاثة على قسمين: رضًا عامّ، وهو أن لا يتّخذ غير الله تعالى ربًّا، ولا غير دين الإسلام دينًا، ولا غير محمد ﷺ رسولًا، وهذا الرضا لا يخلو عنه مسلم؛ إذ لا يصحّ التديّن بدين الإسلام إلا بهذا الرضا. ورضًا خاصّ، وهو الذي تكلّم فيه أرباب القلوب، وهو ينقسم على قسمين: رضًا بهذه الأمور، ورضًا عن مجريها تعالى، كما قال أبو عبد الله بن خفيف (٢): الرضا قسمان: رضًا به، ورضًا عنه، فالرضا به مدبّرًا، والرضا عنه فيما قضى، وقال أيضًا: هو سكون القلب إلى أحكام الربّ، وموافقته على ما رضِيَ واختار، وقال الجنيد: الرضا دفع الاختيار، وقال المحاسبيّ: هو سكون القلب تحت مجاري الأحكام، وقال أبو عليّ الروذباريّ: ليس الرضا أن لا يُحسّ بالبلاء، إنما الرضا أن لا يعترض على الحكم. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وما ذكره هؤلاء المشايخ هو مبدأ الرضا عندهم، وقد ينتهي الرضا إلى ما قاله النوريّ: هو سرور القلب بمرّ القضاء، وسُئلت رابعة عن الرضا، فقالت: إذا سرّته المصيبة كما سرّته النعمة. قال: وقد غلا بعضهم، وهو أبو سليمان الدارانيّ، فقال: أرجو أن أكون عرفتُ طرفًا من الرضا، لو أنه أدخلني النار لكنت به راضيًا، وقال رويم: الرضا هو لو جَعَل جهنم عن يمينه، ما سأل أن يحوّل عن شماله. قال القرطبيّ: وهذا غلوّ، وفيه إشكال. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أحسن القرطبي في اعتراضه المذكور، فإن هذا مخالف لهدي رسول الله ﷺ الذي أرسله الله تعالى لهداية الخلق إلى الصراط المستقيم، وهو الذي حقّق مقام الرضا عن الله بكامل معناه، وكان من هديه أنه يستعيذ من النار، وما أكثر ما كان يستعيذ منها، ويسأل الله تعالى

стр. 700

أن يبعده عنها، وُيدخله الجنّة، وأمر أمته بذلك، فقال: "إذا تشهّد أحدكم، فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال"، متّفقٌ عليه، وعلَّم النبيّ ﷺ عائشة، لما سألته عن الجوامع الكوامل من الدعاء، فقال لها: "قولي: اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأسألك الجنة وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأسألك من خير ما سألك عبدك ورسولك محمد ﷺ ، وأستعيذك مما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد ﷺ ، وأسألك ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته رشدًا" (١). فهذا الذي قاله هؤلاء في معنى الرضا مخالف لهذا الهدي الذي لا هدي فوقه، فإن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، فعليك بالسنّة، ودع المحدثات، تَنْجُ في الدنيا والآخرة، وتَسْعَد في المحيا والممات. وبالجملة فالرضا بالله تعالى لا ينافي الاستعاذة من النار، والخوف من عذاب الله تعالى، فلا تلتفت إلى ما يُخالف هذا، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وعلى الجملة فالرضا باب الله الأعظم، وفيه جماع الخير كلّه، كما قال عمر لأبي موسى ﵄: أما بعد؛ فإن الخير كلّه في الرضا، فإن استطعت أن ترضى، وإلا فاصبر. انتهى (٢). [تنبيه]: قوله: "وبالإسلام دينًا" فيه عطف معمولين على معمولي عامل واحد، وذلك أن قوله: "وبالإسلام" معطوف على "بالله"، و"دينًا" معطوف على "ربًّا"، وكذا ما بعده، وهذا العطف جائزٌ بلا خلاف؛ لاتحاد العامل، وهو "رَضِيَ"، وإنما الخلاف فيما إذا وقع العطف على معمولي عاملين مختلفين،

стр. 701

كقولك: كان آكلًا طعامَكَ عمرٌو، وتَمْرَك بكرٌ، واتّفقوا على منع العطف على معمولات أكثر من عاملين، نحو: إن زيدًا ضاربٌ أبوه لعمرو، وأخاك غلامُهُ بَكْرٍ، وإلى هذا أشار شيخنا عبد الباسط المناسيّ رحمه الله تعالى في "نظم المغني"، حيث قال: وَإِنْ عَلَى مَعْمُولَي الْعَامِلِ جَا … عَطْفٌ فَجَائِزٌ لَدَى ذَوِي الْحَجَا وَإِنْ لِعَامِلَيْنِ فَالنَّاسُ اخْتَلَفْ … قَالَ ابْنُ مَالِكٍ نَهَى كُلُّ السَّلَفْ إِنْ لَمْ يَكُ الْمَجْرُورُ فِي الْمَعْطُوفِ جَا … وَالْفَارِسِيْ جَوَازَهُ قَدْ أَخْرَجَا أَيْ مُطْلَقًا عَنْ أُمَّةٍ مِنْهُمْ يُعَدْ … أَخْفَشُهُمْ بِقِيلَ مَرْوِيًّا وَرَدْ وَإِنْ يَكُ الْمَجْرُورُ مَعْ تَأَخُّرِ … فَمَنْعُهُ أَشْهَرُ عِنْدَ الأَكْثَرِ وَإِنْ يَكُنْ مُقَدَّمًا فَالأَشْهَرُ … لِسِيبَوَيْهِ مَنْعُهُ مُقَرَّرُ كَذَا الْمُبَرِّدُ مَعَ السَّرَّاجِ … هِشَامُهُمْ أَيْضًا بِذَا الْمِنْهَاجِ وَالأَخْفَشُ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ … كَذَا الْكِسَائِي بِالْجَوَازِ حَاجُوا (١) وَاشْتَرَطَ الأَعْلَمُ مَعْ جَمَاعَةِ … أَنْ يَلِيَ الْمَجْرُورُ لِلْعَاطِفَةِ وَالْعَطْفُ مَمْنُوعٌ بِغَيْرِ مَيْنِ … مَعْ عَامِلٍ أَكْثَرَ مِنْ اِثْنَيْنِ (٢) وإن أردت تحقيق المسألة بالتفصيل، فراجع شرحي المسمّى "فتح القريب" على النظم المذكور، تُشْفَ غُلّتك، والله تعالى وليّ التوفيق، وهو أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث العباس بن عبد المطّلب ﵁ هذا مما انفرد به المصنّف عن البخاريّ رحمهما الله تعالى. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" (١٣/ ١٥٩) (٣٤) عن محمد بن يحيى بن أبي عمر، وبشر بن الحكم، كلاهما عن عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْديّ، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن عامر بن سعد، عنه.

стр. 702

و (الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٢٣) عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن ابن الهاد به، وقال: حسنٌ صحيح. و (أحمد) في "مسنده" ١/ ٢٠٨، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على الرضا بهذه الأمور الثلاثة، وأن من رضي بها وجد طعم الإيمان. ٢ - (ومنها): بيان تفاوت أهل الإيمان فيه، فإن منهم من وصل غايته، ووجده حلاوته، ونسي كدر الدنيا، واستأنس بذكر الله تعالى، واطمأنّ قلبه به، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. ٣ - (ومنها): أن تعبيره بالذوق دون الشبع، ونحوه، يدلّ على أن هذا القدر من الاستحلاء، وإن كان في نفسه رفيعًا، إلا أنه ليس غاية المقصود الذي يجب أن يقف عنده، بل هو يزداد، فكلما ازداد إقباله على ربّه، واشتدّ شوقه إليه، ازدادت العطيّات، وتكاثرت الهبات، و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٤) - (بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَان، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، وَكَوْنِ الْحَيَاءِ مِنَ الإِيمَانِ) وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٠] (٣٥) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ").

стр. 703

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى اليشكُريّ، أبو قُدَامة السَّرَخْسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمونٌ سنّيٌّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقة حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٣ - (أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ) - بفتحتين - هو: عبد الملك بن عَمْرو الْقَيسي البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٤ أو ٢٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١. ٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ القرشيّ مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨]. رَوَى عن زيد بن أسلم، وعبد الله بن دينار، وصالح بن كيسان، وحميد الطويل، وشريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، وربيعة، وابن عجلان، وموسى بن أنس، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو عامر الْعَقَديّ، وعبد الله بن المبارك، ومعلى بن منصور الرازيّ، وأبو سلمة الخزاعي، ويحيى بن حسان التِّنِّيسيّ، وعبد الله بن وهب، وبشر بن عمر الزهرانيّ، وخالد بن مخلد، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وإسماعيل بن أبي أويس، وأخوه أبو بكر بن أبي أويس، وعبد العزيز بن عبد الله الأويسيّ، والقعنبيّ، ومحمد بن سليمان لُوَين، وغيرهم (١). قال أبو طالب عن أحمد: لا بأس به، ثقةٌ، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ صالحٌ، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: سليمان أحب إليك، أو الدراورديّ؟ فقال: سليمان، وكلاهما ثقةٌ، وقال الذُّهْليّ: ما ظننت أن عند سليمان بن بلال من الحديث ما عنده، حتى نظرت في كتاب ابن أبي أويس، فإذا هو قد تبحّر حديث المدنيين، وقال أبو زرعة: سليمان بن بلال أحبّ إليّ من هشام بن سعد، وقال الخليليّ: ثقةٌ، ليس بمكثر، لقي الزهريّ، ولكنه يروي كثيرَ حديثه عن قدماء أصحابه، وأثنى عليه مالك، وآخرُ مَنْ حَدَّثَ عنه

стр. 704

لُوَين، وقال ابن الجنيد عن ابن معين: إنما وَضَعَهُ عند أهل المدينة أنه كان على السُّوق، وكان أروى الناس عن يحيى بن سعيد، وقال عبد الرحمن بن مهديّ: نَدِمْتُ أن لا أكون أكثرت عنه، وقال ابن شاهين في "كتاب الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: لا بأس به، وليس ممن يُعْتَمَد على حديثه، وقال ابن عديّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان بربريًّا جميلًا عاقلًا، حسن الهيئة، وكان يُفتي بالبلد، وولي خراج المدينة، وكان ثقةً، كثير الحديث، مات بالمدينة سنة (١٧٢)، وقال البخاريّ عن هارون بن محمد المزنيّ: مات سنة سبع وسبعين ومائة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحكى القولين في وفاته. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٦) حديثًا. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العَدَويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقة [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وأنس، وسليمان بن يسار، ونافع مولى ابن عمر، وأبي صالح السمان، وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الرحمن، ومالك، وسليمان بن بلال، وشعبة، وصفوان بن سليم، وعبد العزيز بن الماجشون، وابن عجلان، وموسى بن عقبة، وسهيل بن أبي صالح، والسفيانان، وجماعة. قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة مستقيم الحديث. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائي: ثقة، زاد ابن سعد: كثير الحديث، وقال العجلي: ثقة. وقال ابن عيينة: لم يكن بذاك ثم صار. وقال الليث عن ربيعة: حدثني عبد الله بن دينار، وكان من صالحي التابعين، صدوقًا ديّنًا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الساجي: سئل عنه أحمد، فقال: نافع أكبر منه، وهو ثبت في نفسه، ولكن نافع أقوى منه. وقال الْعُقيليّ: في رواية المشايخ عنه اضطراب. وفي "العلل" للخلال: أن أحمد سئل عن عبد الله بن دينار الذي رَوَى عنه موسى بن عُبيدة النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، فقال: ما هو الذي رَوَى عنه الثوري، قيل: فمن هو؟ قال: لا أدري. وجزم الْعُقيليّ بأنه هو، فقال في ترجمته: رَوَى عنه موسى بن عُبيدة، ونظراؤه أحاديث مناكير، الحمل فيها عليهم، ورَوَى عنه الأثبات حديثه عن ابن عمر في

стр. 705

النهي عن بيع الولاء وعن هبته، ومما انفرد به حديثُ شعب الإيمان، رواه عنه ابنه، وسهيل، وابن عجلان، وابن الهاد، ولم يروه شعبة، ولا الثوريّ، ولا غيرهما من الأثبات. وفي "رجال الموطأ" لابن الْحَذَّاء: قيل: لا نعلم له رواية عن أحد إلا عن ابن عمر. انتهى. وهذا قصور شديد ممن قاله، فقد سبق آنفًا أنه روى عن غيره. قال ابن سعد، وعمرو بن علي: مات سنة سبع وعشرين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٥) حديثًا. ٦ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السّمّان الزّيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمَة" ٢/ ٤. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول تفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ، والثاني تفرّد به هو، والترمذيّ، وعلّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من سليمان، وعبيد الله سَرَخْسيّ، ثم نيسابوريّ، وعبد بن حميد كِسّيّ - بكسر الكاف، وتشديد السين المهملة، ويَنطِقُ بها الناس بشين معجمة مفتوحةٍ، - نسبة إلى كِسٍّ: مدينة بما وراء النهر، وأبو عامر الْعَقَديّ بصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، وهي من رواية الأقران، فإن وُجدت رواية أبي صالح عن عبد الله صار من المدبّج. قاله في "الفتح" (١). (ومنها): أن صحابيّه أحفظ من روى الحديث في دهره، فقد روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →