← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ صلّى يومًا، فسلّم في ركعتين، فأدركه ذو الشمالين، فقال: يا رسول اللَّه أنقصت الصلاة، أم نسيت؟. . . الحديث. قلت: هذه الروايات وَهَم -واللَّه أعلم- لكثرة الرواة الحفاظ الذين رووا هذا الحديث من طرق متعددة، وكلهم يقول فيه: ذو اليدين، وكأن معمرًا اشتبه عليه رواية أيوب برواية الزهريّ؛ لأنه رَوَى الحديث عنهما جميعًا، وفي حديث الزهريّ: ذو الشمالين كما تقدم، فحَمَلَ معمر عليها رواية أيوب، وخصوصًا رواية سفيان بن حسين، فإنه كثير الغلط والوهم، لا يعتدّ بخلافه. ومما يدلّ على ذلك أن في كل واحدة من هاتين الروايتين أعني حديث معمر عن أيوب، وحديث عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة: فقال النبيّ ﷺ : "أصدق ذو اليدين؟ "، فعاد إلى الصواب في تسميته في الحديث نفسه. واللَّه أعلم. الطريق الثاني: الجمع بين هذه الروايات كلِّها بجعلها واقعتين: إحداهما: قبل بدر، والمتكلم فيها ذو الشمالين، ولم يشهدها أبو هريرة ﵁، بل أرسل روايتها. والثانية: كان حاضرًا فيها، والمتكلم يومئذ ذو اليدين، وهذه الطريق حكاها القاضي عياض في "الإكمال"، واختارها؛ لما فيها من الجمع بين الروايات كلها، ونفي الغلط والوهم عن مثل الزهريّ، وفيها نظر من جهة ما تقدم في رواية يونس عن ابن شهاب: صلّى بنا رسول اللَّه ﷺ ، وقال فيها: فقال ذو الشمالين، فإنه لا يمكن الجمع بين هاتين اللفظتين، كما تقدم من قتل ذي الشمالين ببدر، وإسلام أبي هريرة بعد ذلك بسنين كثيرة، اللهم إلا أن يكون الوهم في هذه الرواية جاء في قوله: "صلّى بنا" من بعض الرواة. وعلى كلّ تقدير فذو اليدين الذي كان حاضرًا مع أبي هريرة قصة السهو غير ذي الشمالين هذا بلا ريب فيه. بقي النظر في أنه هل هو الْخِرْباق المتكلم في حديث عمران بن حُصين أو غيره؟.

стр. 7002

الذي اختاره القاضي عياض، وابن الأثير في "شرح مسند الشافعي"، والنوويّ في غير ما موضع أنهما واحد. وأما أبو حاتم بن حبان، فإنه جعلهما اثنين، فقال في "معجم الصحابة" من كتابه "الثقات": الْخِرْباق صلّى مع النبيّ ﷺ حيث سها، وهو غير ذي اليدين، وقال بعد ذلك: ذو اليدين صلّى مع النبيّ ﷺ حيث سها، لم يزد. وأما ابن عبد البرّ، فقال في كتابيه: يَحْتَمِل أن يكون الخرباق ذا اليدين، ويحتمل أن يكون غيره، فيكونان اثنين. وكذلك قال أبو العباس القرطبي وغيره. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي ترجّح عندي هو الذي ذهب إليه ابن حبّان ﵀ من كونهما اثنين، وأن الذي في قصّة أبي هريرة غير الذي في قصّة عمران؛ لوضوح الفارق بينهما على ما سيأتي بيانه، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان طُرُق هذا الحديث، وما اشتَمَل عليه من الألفاظ، وبيان من تابع أبا هريرة، وعمران بن حصين ﵃ على هذه القصة، وبيان تعدّدها، وأنها ليست واقعة واحدة على الراجح. لقد أجاد البحث في هذا الحافظ العلائيّ ﵀: حديث ذي اليدين مشهور جدًّا، وخصوصًا رواية أبي هريرة ﵁. قال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ: ليس في أخبار الآحاد أكثر طرقًا من حديث ذي اليدين هذا إلا قليلًا، وهو كما قال. ثم ذكر طُرُقه ملخصةً، فقال: رواه مالك في "الموطأ" عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه من جهته البخاريّ، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. ورواه عن أيوب السختيانيّ أيضًا سفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، أخرجه مسلم من طريقهما، ورواه أبو داود أيضًا من حديث حماد بن زيد، وهو في "جامع عبد الرزاق" عن معمر، عن أيوب.

стр. 7003

ورواه البزار في "مسنده" من حديث عبد الوهّاب الثقفيّ، عن أيوب، ومن حديث حماد بن سلمة، عنه أيضًا كما سيأتي. وتابع أيوب على روايته عن ابن سيرين جماعة كثيرة، منهم يزيد بن إبراهيم التستري، أخرجه البخاري من جهته، وابن عون، وهشام بن حسّان، ويحيى بن عتيق، رواه أبو داود من حديث حماد بن زيد عنهم، وأخرجه البخاريّ من حديث النضر بن شُمَيل، وابن ماجه من حديث أبي أسامة، كلاهما عن ابن عون. ثم ذكر أبو داود أن هشام بن حسان زاد فيه: أن النبيّ ﷺ كبّر، ثم كبّر، وسجد -يعني للسهو-، ثم قال أبو داود: "وروى هذا الحديث أيضًا عن محمد بن سيرين حبيب بن الشهيد، وحُميد -يعني الطويل- ويونس -يعني ابن عُبيد- وعاصم الأحول، ولم يذكر أحد منهم ما ذكر حمّاد بن زيد، عن هشام: أنه كبر، ثم كبر". قال: "وروى حماد بن سلمة، وأبو بكر بن عيّاش هذا الحديث، عن هشام -يعني ابن حسان- لم يذكرا عنه هذا الذي ذكره حماد بن زيد أنه كبر، ثم كبر". قال العلائي: ورواه أيضًا عن ابن سيرين سلمة بن علقمة، وقتادة بن دعامة، أخرجه من جهتهما ابن خزيمة في "صحيحه"، ورواه البزار من حديث حماد بن سلمة، عن يونس، وهشام، وأيوب، ومن حديث عاصم الأحول، عن ابن سيرين بنحوه. فهؤلاء عشرة من الحفّاظ الأثبات تابعوا أيوب السختياني على روايته عن ابن سيرين. ورواه البزار أيضًا من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن محمد بن سيرين به، ومن حديث سفيان بن حسين، عن ابن سيرين أيضًا، ومن حديث أشعث بن سَوّار، وقرّة بن خالد، عن ابن سيرين أيضًا. وتابع محمد بن سيرين على روايته عن أبي هريرة جماعة آخرون، معهم: أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد، رواه مالك في "الموطأ" عن داود بن الحُصين، عنه، ورواه من طريق مالك مسلم، وأبو داود، والنسائي.

стр. 7004

وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أخرجه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائيّ من طرق عنه. وسعيد بن المسيب، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وأبو بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعروة بن الزبير، من رواية الزهريّ عنهم. وسعيد المقبريّ، وضَمْضَم بن جَوْس، رواه أبو داود من طريقهما. وعبد الرحمن بن يعقوب مولى الْحُرَقَة. ذكره ابن عبد البرّ. فهؤلاء عشرة آخرون من الكبار الثقات، رووه عن أبي هريرة ﵁ غير محمد بن سيرين، على ما بينهم من الاختلاف في ألفاظه. أما طُرُق الزهري فقد خالف فيها سائر الرواة في موضعين: أحدهما: في تسميته ذا الشمالين. والثاني: في أن النبيّ ﷺ لم يسجد يومئذ سجدتي السهو، وقد غلّطه الأئمة كلهم في ذلك أيضًا، وسيأتي ما يتعلق بهذا الشأن، إن شاء اللَّه تعالى. وفي حديث أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عند مالك، ومسلم: صلّى لنا رسول اللَّه ﷺ ، فسلّم في ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول اللَّه، أم نسيت؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "كلّ ذلك لم يكن"، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول اللَّه، فأقبل رسول اللَّه ﷺ على الناس، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم يا رسول اللَّه، فأتمّ رسول اللَّه ﷺ ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين، وهو جالس بعد التسليم، هذا لفظ مسلم. وفي حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ عند مسلم: أن رسول اللَّه ﷺ صلّى ركعتين من صلاة الظهر، ثم سلّم، فقام رجل من بني سُلَيم، واقتص الحديث. كذلك رواه من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة. وأخرجه البخاريّ من حديث سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، ولفظه: قال: صلّى بنا رسول اللَّه ﷺ الظهر، أو العصر، فسلّم، فقال له ذو اليدين: الصلاةُ يا رسول اللَّه أنقصت؟ فقال النبيّ ﷺ لأصحابه؟ "أحقّ ما يقول؟ " قالوا: نعم، فصلّى ركعتين أُخريين، ثم سجد سجدتين. وعند مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أيوب: فقام ذو اليدين،

стр. 7005

فقال: يا رسول اللَّه أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ فنظر النبيّ ﷺ يمينًا وشمالًا، فقال: "ما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: صدق، لم تُصلّ إلا ركعتين، فصلّى ركعتين، وذكر بقيته. وعند أبي داود في حديث حماد بن زيد، عن أيوب: فقام رجلٌ كان رسول اللَّه ﷺ يُسمّيه "ذا اليدين"، فقال: يا رسول اللَّه! أنسيت، أم قصرت الصلاة؟ فقال: "لم أنسَ، ولم تقصر الصلاة"، قال: بلى قد نسيت يا رسول اللَّه! فأقبل رسول اللَّه ﷺ على القوم، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فأومؤوا، أي نعم، فرجع رسول اللَّه ﷺ إلى مقامه، فصلّى الركعتين الباقيتين، ثم سلّم، وذكر سجدتي السهو. وقد رواه مسلم من حديث حماد بن زيد، لكن لم يذكر سياقه، بل أحال على حديث سفيان بن عيينة، وقال: "بمعناه"، وقال أبو داود: لم يذكر فيه "فأومؤوا" إلا حماد بن زيد. وفي حديث ضَمْضَم بن جَوْس، عن أبي هريرة: فلمّا قضى الصلاة سجد سجدتين، ثم سلّم، كذلك أخرجه البزّار من حديث عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عنه، ثم استغربه. وفي حديث حماد بن سلمة عنده، قال: "لم تقصر، ولم أنس"، قال: إنك سلّمت في الركعتين، وهكذا هو عنده أيضًا من روايته عن حبيب بن الشهيد، وحميد، ويونس، وهشام، وأيوب، كلهم عن ابن سيرين. وكذا هو عند ابن ماجه من حديث أبي أُسامة، عن ابن عون، عن ابن سيرين، واللَّه أعلم. وقد تابع أبا هريرة ﵁ على هذه القصّة عمران بن حُصَين، وعبد اللَّه بن عُمر، ومعاوية بن حُدَيج، وابن مسعدة صاحب الجيوش، وأبو العريان، قيل: إنه أبو هريرة، وذو اليدين، وابن عباس ﵃. أما حديث عمران بن حصين، فقد أخرجه مسلم، وأحمد في "مسنده"، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، كلهم من طريق أبي قِلابة الْجَرْميّ، عن عمه أبي الْمُهَلَّب، عن عمران ﵁، وجاء في بعض طرقه في "السنن" زيادة التشهّد بعد سجدتي السهو، وسيأتي الكلام في ذلك، إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 7006

وأما حديث ابن عمر ﵄، فرواه الإمام الشافعي في "مسنده"، وابن أبي شيبة في "مصنّفه"، قالا: حدثنا أبو أسامة. وقال ابن خزيمة في "صحيحه": حدثنا أبو كريب الهمداني، وبشر بن خالد العسكري -وهذا حديث أبي كريب- قالا: حدثنا أبو أسامة، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن النبيّ ﷺ صلّى، فسها، فسلّم في ركعتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ قال: "ما قصرت الصلاة، وما نسيت"، فقال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " فقام، فصلّى، ثم سجد سجدتين، وهذا لفظ ابن خزيمة. ورواه أبو داود في "سننه" عن أحمد بن محمد بن ثابت، وابن ماجه عن علي بن محمد، وأبي كريب، وأحمد بن سنان، كلهم عن أبي أسامة به. ولفظ ابن ماجه: أن رسول اللَّه ﷺ سها، فسلّم في الركعتين، فقال له رجل، يقال له: ذو اليدين: يا رسول اللَّه! قصرت الصلاة، أم نسيت؟! قال: "ما قصرت، وما نسيت"، قال: إنك صلّيت ركعتين، قال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: نعم، فتقدم، فصلّى ركعتين، ثم سلّم، ثم سجد سجدتي السهو. قال البيهقي: تفرّد به أبو أسامة حماد بن أسامة. قال العلائيّ: قلت: وهو من رجال "الصحيحين"، ومن الحفاظ الذين يُحتجّ بما انفردوا به، ويُصحح، وبقية إسناده على شرط "الصحيحين" أيضًا. وأما حديث معاوية بن حُديج، فرواه أبو داود، والبيهقي في "سننهما"، وابن أبي شيبة في "مصنفه"، وغيرهم من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، أن سويد بن قيس، أخبره عن معاوية بن حُديج ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ صلّى يومًا، فانصرف، وقد بقي من الصلاة ركعةً، فأدركه رجل، فقال: نسيت من الصلاة ركعةً، فرجع، فدخل المسجد، فأَمَرَ بلالًا، فأقام الصلاة، فصلّى بالناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا: وتعرف الرجل؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمرّ بي، فقلت: هو هذا، فقالوا: هذا طلحة بن عبيد اللَّه ﵁. ورواه الشافعي في كتابه القديم عن بعض أصحابه، عن الليث بن سعد،

стр. 7007

وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من هذا الوجه، ثم رواه من حديث جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب المصري، عن يزيد بن أبي حبيب به، ولفظه: صلّيت مع رسول اللَّه ﷺ المغرب، فسها، فسلّم في ركعتين، ثم انصرف. . . فذكره، وقال فيه: وسألت الناس عن الرجل الذي قال: يا رسول اللَّه! إنك سهوت، فقيل لي: تعرفه؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمرّ بي رجل، فقلت: هو هذا، قالوا: هذا طلحة بن عبيد اللَّه ﵁. ورواه الحاكم في "المستدرك" مصحِّحًا له أيضًا من هذا الوجه. وأما حديث ابن مسعدة، فذكره ابن عبد البرّ في "التمهيد"، قال: رواه عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن مسعدة -صاحب الجيوش- أن النبيّ ﷺ صلّى الظهر، أو العصر، فسلّم في ركعتين، فقال له ذو اليدين: أخُفّفت الصلاة يا رسول اللَّه، أم نسيت؟، فقال النبيّ ﷺ : "ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: صدق يا رسول اللَّه، فأتمّ لهم الركعتين، ثم سجد سجدتي السهو، وهو جالس بعدما سلّم. ثم قال ابن عبد البرّ: وابن مسعدة هذا اسمه عبد اللَّه، معروف في الصحابة، قد روى عن النبيّ ﷺ أنه سمعه يقول: "قد بدّنتُ، فمن فاته ركوعي أدركه في بطء قيامي"، وروى حديث ذي اليدين، وهو معدود في المكيين. قال العلائي: نسبه ابن حبّان، فقال في "معجم الصحابة": عبد اللَّه بن مسعدة بن مسعود بن قيس الفزاريّ صاحب الجيوش. وعثمان بن أبي سليمان الراوي عنه وثقه ابن حبان، وروى عنه أيضًا الأوزاعي، وعبد الملك بن عمير. وأما حديث أبي العُرْيَان، فقال ابن عبد البرّ: ذكره أبو جعفر العقيلي، قال: حدثنا محمد بن عُبيد بن أسباط، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو خَلْدَة، قال: سألت محمد بن سيرين، فقلت: أصلّي، وما أدري أركعتين صلّيت، أم أربعًا؟ فقال: حدثثي أبو العريان أن رسول اللَّه ﷺ صلّى يومًا، ودخل البيت، وكان في القوم رجل طويل اليدين، وكان رسول اللَّه ﷺ يسميه ذا اليدين، فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول اللَّه؟ وذكر الحديث.

стр. 7008

ثم قال ابن عبد البرّ: وقد قيل: إن أبا العريان المذكور في هذا الحديث هو أبو هريرة. قال العلائي: أبو خَلْدة هذا اسمه خالد بن دينار، احتجّ به البخاري في "الصحيح"، وأبو نعيم هو الحافظ المشهور شيخ البخاري، وأحمد، والجماعة. وأما حديث ذي اليدين فسيأتي سياقه، والكلام عليه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. وأما حديث ابن عباس، فرواه الأثرم في "سننه": حدثنا عبد اللَّه بن بكر السهمي، حدثنا هشام بن حسان، عن عسل، عن عطاء، قال: صلّى بنا ابن الزبير صلاة المغرب، فسلّم من ركعتين، ثم قام إلى الحَجَر ليستلمه، فسبّحنا به، فالتفت إلينا، فقال: ما أتممتُ الصلاة؟، فقلنا برؤوسنا: سبحان اللَّه، أي لا، فرجع، فصلّى الركعة الباقية، ثمّ سلّم، ثم سجد سجدتين، وهو جالس. قال عطاء: فلم أدر ما ذاك، فخرجت من فَوْري حتى دخلت على ابن عباس، فأخبرته بصنيعه، فقال: ما أماط عن سنة نبيه ﷺ . ورواه البيهقي في "سننه" من حديث أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن عِسْل بن سفيان، عن عطاء به. وعسل بن سفيان هذا متكلم فيه، ضعّفه النسائي وغيره، وقال البخاري: عنده مناكير. ورواه البيهقيّ أيضًا من حديث مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة الإياديّ، حدَّثَنا عامر، عن عطاء، قال: صلّى ابن الزبير، فذكره بمثله سواءً، وقول ابن عباس: ما أماط عن سنة نبيه ﷺ . وعامر هذا إن كان الشعبي فالحديث صحيح، وإن كان غيره فلا أعرفه. وذكره عبد الرزاق في "مصنفه"، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال لي عطاء: صلّى ابن الزبير ذات ليلة المغرب، قلت: وحضرت ذلك؟ قال: نعم، فسلّم في ركعتين، فقال الناس: سبحان اللَّه، فقام فصلّى الثالثة، فلما سلّم سجد سجدتي السهو، وسجدهما الناس معه، قال: فدخل أصحاب لنا على

стр. 7009

ابن عباس، فذكر ذلك له بعضهم، كأنه يريد أن يعيب بذلك ابن الزبير، فقال ابن عباس ﵄: أصاب، وأصابوا. وهذا أصحّ إسناد لهذه الرواية، وليس فيه رفع ابن عباس ذلك إلى النبيّ ﷺ . [تَتمَّةٌ]: قال الإمام أبو بكر ابن خزيمة في "صحيحه" بعد سياقه حديث معاوية بن حُدَيج المتقدم: هذه القصة غير قصة ذي اليدين؛ لأن المُعْلِم للنبيّ ﷺ أنه سها في هذه القصة طلحة بن عبيد اللَّه، ومُخبر النبيّ ﷺ في تلك القصة ذو اليدين، والسهو من النبيّ ﷺ في قصّة ذي اليدين إنما كان في الظهر، أو العصر، وفي هذه القصّة إنما كان السهو في المغرب، لا في الظهر، ولا في العصر. وقصة عمران بن حصين، والخرباقِ قصَّةٌ ثالثةٌ؛ لأن التسليم في خبر عمران من الركعة الثالثة، وفي قصة ذي اليدين من الركعتين، وفي خبر عمران: دخل النبيّ ﷺ حجرته، ثم خرج من الحجرة، وفي خبر أبي هريرة: قام النبيّ ﷺ إلى خشبة معروضة في المسجد، فكلّ هذه أدلة على أن هذه القصص ثلاث قصص، سها النبيّ ﷺ مرّة، فسلّم من الركعتين، وسها مرة أخرى، فسلّم في ثلاث ركعات، وسها مرة ثالثة، فسلّم في الركعتين من المغرب، وتكلم في المرّات الثلاث، ثم أتمّ صلاته. انتهى كلامه. وكذلك قال الشيخ محيي الدين -يعني النوويّ ﵀ في حديث أبي هريرة وعمران: إنهما واقعتان، لكنه زاد شيئًا آخر، فجعل حديث أبي هريرة أيضًا واقعتين، كان السهو في إحداهما في صلاة الظهر، وفي الأخرى في صلاة العصر، وجمع بذلك بين الروايات المختلفة فيه في تعيين الصلاة المسهوّ فيها، ونقل هذا عن المحققين. قال العلائيّ: وفي ذلك نظرٌ، بل الظاهر الذي يقتضيه كلام ابن عبد البرّ، والقاضي عياض، وغيرهما أن حديث أبي هريرة قضيّة واحدة، ولكن اختَلَف رواتها، فمنهم من تردّد في تعيين الصلاة، هل هي الظهر، أو العصر؟ ومنهم من جزم بإحداهما، والعلم عند اللَّه .

стр. 7010

ورأيت فيما علّقه بعض شيوخنا من أهل الحديث يذكر أن حديثي أبي هريرة وعمران قصة واحدة، وتأول قوله في حديث عمران: "سلّم في ثلاث" أي في ابتداء ثلاث ركعات، وتأول قوله: "فقضى تلك الركعة" على أنه أراد أكثر منها، كما يقال: "كلمة" للخطبة، والقصيدة. وفي ذلك كله نظر لا يخفى، بل الظاهر أنهما قضيتان، كما قال الجمهور، وما ذكره من الجمع بينهما فبعيد، لا اتجاه له. انتهى كلام العلائيّ ﵀، وهو بحث نفيس جدًّا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الراجح أن قصّة أبي هريرة غير قصّة عمران بن حصين ﵃ الآتية؛ لوضوح الفرق بينهما، كما مرّ تحقيقه في كلام ابن خزيمة آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): تقدم في ألفاظ طرق حديث أبي هريرة ﵁ تباينٌ في مواضع عديدة، لا يمكن الجمع بينها، والكلّ في الصحيح، وترتب عليها فوائد فقهية مما اختلف فيه العلماء. ففي بعض الطرق أن النبيّ ﷺ قال لذي اليدين: "لم أَنْسَ، ولم تُقصَر"، فقال ذو اليدين بعد ذلك: بلى قد نسيتَ، ولم تُذكَر هذه الزيادة في كثير من الروايات. وفي رواية أخرى، فقال النبيّ ﷺ : "كلّ ذلك لم يكن"، فقال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك يا رسول اللَّه. وفي رواية: أن النبيّ ﷺ قال للناس: "ما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: صدق يا رسول اللَّه، لم تُصلِّ إلا ركعتين. وفي رواية أخرى: فأقبل رسول اللَّه ﷺ على الناس، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم يا رسول اللَّه. وفي رواية أخرى: فأومؤوا: أي نعم. وقد جمع بعض الأئمة بين هاتين الروايتين بأن بعض الناس أجاب النبيّ ﷺ بقول "نعم" باللفظ، وبعضهم أجابه بالإيماء. وهذا الجمع إنما يَقْوَى إذا كان الاختلاف واقعًا من رواية صحابيين، فنقول: سمع أحدهما الإجابة باللفظ، والآخر رأى الذين أومأوا ولم يسمع المجيب باللفظ، وهذا الحديث بهذه الألفاظ مداره على أبي هريرة ﵁.

стр. 7011

والظاهر أن القصة واحدة، ولكن الرواة تصرّفوا فيها، فرواه بعضهم بالمعنى على نحو مما سمع، فحصلت هذه الاختلافات. فيتعيّن حينئذ إما الجمع بينها بوجه مّا، وإما الترجيح، وهذا يتعلق بقاعدة شريفة عظيمة الجَدْوَى في علم الحديث، وهي: الاختلاف الواقع في المتون بحسب الطرُق، وردّ بعضها إلى بعض، إما بتقييد الإطلاق، أو تفسير المجمل، أو الترجيح حيث لا يمكن الجمع، أو اعتقاد كونها وقائع متعددة. قال العلائيّ ﵀: ولم أجد إلى الآن أحدًا من الأئمة الماضين شفَى النفس في هذا الموضع بكلام جامع يُرجَع إليه، بل إنما يوجد عنهم كلمات متفرّقة، وللبحث فيها مجال طويل. فنقول -وباللَّه التوفيق-: إذا اختلفت مخارج الحديث، وتباعدت ألفاظه، فالذي ينبغي أن يجعلا حديثين مستقلين، وذلك كحديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، ومعاوية بن حُدَيج في هذا الباب، كما سبق بيانه، وهذا لا إشكال فيه. وأما إذا اتَّحَد مخرج الحديث، وتقاربت ألفاظه، فالغالب حينئذ على الظنّ أنه حديث واحد، وقع الاختلاف فيه على بعض الرواة، لا سيّما إذا كان ذلك في سياقة واقعة يبعد أن يتعدد مثلها في الوقوع، كحديث أبي هريرة وحده في قصة السهو. فالذي يسلكه كثير من الفقهاء أن يُحْمَل اختلاف الألفاظ على تعدد الوقائع، ويُجعل كلُّ لفظ بمنزلة حديث مستقلّ، وهذه الطريقة يسلكها الشيخ محيي الدين -يعني النوويّ ﵀ في كتبه كثيرًا، كما تقدم عنه من جعله حديث أبي هريرة الذي نتكلم عليه وقع مرتين للنبيّ ﷺ ، أحدهما في صلاة الظهر، والآخر في العصر من أجل صحة كلّ من اللفظين، حتى إنه قال في حديث ابن عمر: أن عمر ﵁ كان نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية، فسأل النبيّ ﷺ عنه، فأمره أن يفي بنذره، وجاء في رواية: اعتكاف يوم، وكلاهما في الصحيح. فقال الشيخ محيي الدين ﵀: هما واقعتان، وكان على عمر ﵁ نذران، فسأل النبيّ ﷺ عن هذا مرّة، وعن الآخر مرّة أخرى، واستَدَلّ بذلك

стр. 7012

على صحة الاعتكاف بغير الصوم؛ لأن عمر ﵁ اعتكف ليلة وحدها. قال العلائيّ: وفي هذا القول نظرٌ لا يخفى؛ لأنه من البعيد جدًّا أن يستفتي عمر ﵁ النبيّ ﷺ في شيء واحد مرتين في أيام يسيرة لا يَنْسَى في مثلها؛ لأن في كل من القصتين أن ذلك كان عقب غزوة حُنين، أيام تفرقة السبي، ثم إعتاقهم. وإلحاق اليوم بالليلة في حكم الاعتكاف المنذور من الأمر الجلي الذي يقطع بنفي الفارق، كما في الأمة والعبد في العتق، ولا يظن بعمر ﵁ أنه يخفى عليه ذلك. والذي يقتضيه التحقيق ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى، بأن كل من قال لفظًا عبّر به عن المجموع، وهو أمر يُستَعمَل كثيرًا في كلام العرب أن تُطلق اليوم، وتريد به بليلته، وبالعكس. فكان على عمر ﵁ اعتكاف يوم وليلة، سأل النبيّ ﷺ عنه، فأمره بالوفاء به، عبّر عنه بعض الرواة بيوم، وأراد بليلته، والآخر بليلة وأراد بيومها. وأغرب من ذلك ما ذكره الشيخ محيي الدين ﵀ أيضًا في حديث: "بني الإسلام على خمس"؛ لأنه جاء في "الصحيح" أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"، فقال رجل: "وحج البيت، وصوم رمضان"؟، فقال ابن عمر ﵄: لا، "وصوم رمضان، وحج البيت"، هكذا سمعته من رسول اللَّه ﷺ . ثم جاء الحديث في "الصحيح" أيضًا من رواية ابن عمر، ولفظه: "وحج البيت، وصوم رمضان". فقال الشيخ محيي الدين: هذا محمول على أن ابن عمر ﵄ سمع الحديث من النبيّ ﷺ على الوجهين. وهذا بعيد جدًّا؛ لأنه لو سمع على الوجهين لم ينكر على من قاله بأحدهما، إلا أن يكون حينئذ ناسيًا لكون النبيّ ﷺ قاله على ذلك الوجه الذي أنكره. والظاهر القويّ أن أحد رواة هذه الطرُق رواه على المعنى، فقدّم وأخّر،

стр. 7013

ولم يبلغه نهي ابن عمر عن هذا التصرف، وغفل هذا الراوي عن المناسب المقتضي لتقدم صوم رمضان على الحج، وكونه وجب قبله، وكونه يتكرّر كلّ سنة بخلاف الحجّ، وكونه يعم جميع المكلفين، والحج يتخلف عن كثير منهم لعدم الاستطاعة، وهذا الاحتمال أولى من تطرّق النسيان إلى ابن عمر ﵄، أو الإنكار والرّدّ لشيء سمعه من النبيّ ﷺ . وإذا عرف ضعف هذه الطريقة، فنقول: إذا اتَّحَد مخرج الحديث، واختلفت ألفاظه، فإما أن يمكن ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى، أو يَتَعَذر ذلك، فإن أمكن ذلك تعيّن المصير إليه. ولهذا القسم أمثلة: أحدها: ما تقدم في حديث اعتكاف عمر ﵁، وردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى على عادة العرب. الثاني: ردّ إحداهما إلى الأخرى بتقييد الأطلاق، كما في حديث يحيى بن أبي كثير، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبيه في النهي عن مس الذكر باليمين، فإن الروايات ترجع إلى يحيى بن أبي كثير فيه. فقال فيه بعضهم: "ولا يمسنّ ذكره بيمينه" مطلقًا، وغيره قيّد النهي بحالة الاستنجاء، فهذا يمكن أن يكونا جميعًا ملفوظًا بهما، فيحمل رواية من تركه على رواية من ذكره، ويجعلا دليلًا على تقييد النهي بحالة البول والاستنجاء منه. ولو جعلنا ذلك كالحديثين المستقلّين لم نحكم بتقيُّد النهي بحالة الاستنجاء والبول؛ لأن الحديث الذي تضمّن النهي مطلقًا لا يعارض الذي فيه النهي مقيّدًا بالاستنجاء أو البول، فهو من باب ذكر بعض أفراد العام، وإنما يُردّ أحد اللفظين إلى الآخر في العموم إلى الخصوص، والإطلاق إلى التقييد عند التعارض، والتنافي في بعض المدلولات. اللهم إلّا أن يكون مفهوم التقييد يقتضي مخالفةَ المطلق، وكذلك مفهوم الخاصّ يُخالف حكم العامّ، فَيُقَيَّدُ، ويُخَصَّص بالمفهوم عند من يرى ذلك. الثالث: ردّ إحداهما إلى الأخرى بتخصيص العامّ، ويمثّل هذا بزيادة مالك ومن تابعه عن نافع، عن ابن عمر في حديث: "صدقةُ الفطر على كلّ

стр. 7014

حرّ، أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين"، فإن مخرج الحديث واحدٌ، فيتخصص إيجاب إخراج زكاة الفطر بكونه عن كلّ مسلم، عملًا بهذه القاعدة. وهذا كلّه إذا لم تكن الرواية المتضمنة للتقييد، أو التخصيص شاذّة مخالفة لبقية الروايات، بل يكون الذي جاء بها حافظًا متقنًا، يُقبل تفرّده وزيادته. فأما إذا كان سيئ الحفظ قليل الضبط، وكانت الروايات الأخرى من طرق أهل الضبط والإتقان، وهم أكثر منه عددًا، فالحكم لروايتهم، ولا نظر إلى رواية ذاك الذي هو دونهم. المثال الرابع: ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى بتفسير المبهم، وتبيين المجمل، وذلك مثل حديث كفارة الوقاع في رمضان، فإن مدار الحديث على الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، واختلفوا على الزهري فيه: فقال عنه الإمام مالك، وابن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وجماعة آخرون: أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره النبيّ ﷺ أن يُعْتِق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينًا، فقال: لا أجد. . . وذكروا الحديث. وقالت فيه طائفة آخرون أكثر منهم عددًا، منهم: سفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد، ومعمر، وشعيب بن أبي حمزة، وعُقَيل، وإبراهيم بن سعد، والليث، والأوزاعي، وغيرهم: أن رجلًا قال للنبيّ ﷺ : وقعت على امرأتي في شهر رمضان، فقال له النبيّ ﷺ : "تجد ما تُعتقُ رقبةً؟ " قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ " قال: لا. . . الحديث. فهذا يَقْوَى فيه القولُ بأن تجعل رواية هؤلاء مفسّرة لما أبُهِمَ في رواية أولئك من جهة المفطِّر، ومقيّدًا للكفّارة بالترتيب، لا بالتخيير، كما هو ظاهر هذه الرواية الثانية؛ لأن الحديث واحد، اتحد مخرجه. وأما إذا لم يتَأَتَّ الجمع بين الروايات، وتعذّر ردّ إحداهما إلى الأخرى، فهذا محلّ النظر، ومجال الترجيح.

стр. 7015

ومثال ذلك حديث الواهبة نفسها، فإنه قصّة واحدةٌ، ومداره على أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵄، واختلف الرواة فيه على أبي حازم: فقال فيه مالك بن أنس، وحمّاد بن زيد، وفُضَيل بن سُليمان، وعبد العزيز الدّراورْديّ، وزائدة: "فقد زوّجتكها على ما معك من القرآن". وقال فيه سفيان بن عيينة عنه: "فقد أنكحتكها". وقال فيه يعقوب بن عبد الرحمن، وعبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه: "فقد ملّكتكها". وقال فيه معمر، وسفيان الثوري: "أملكتكها". وقال أبو غَسّان: "أمكنّاكها بما معك من القرآن". وأكثر هذه الروايات في "الصحيحين"، أو أحدهما، فهذا لا يتأتّى أن تكون هذه الألفاظ كلها قالها النبيّ ﷺ في تلك الواقعة، وتلك الساعة إلا على سبيل التجويز العقلي المخالف للظنّ القويّ جدًّا، فلم يبقَ إلا أنه ﷺ قال لفظًا منها، وعبّر عنه بقية الرواة بالمعنى. فمن قال بأن النكاح ينعقد بلفظ التمليك، وأنه من صرائحه يَحتَجّ بمجيئه في هذا الحديث الصحيح. فإذا عُورض ببقية الألفاظ التي في بقية الروايات لم ينتهض احتجاجه. فإن قال: إنّ النكاح في القصة انعقد بلفظ التمليك، ومن قال غيرَه عبّر بالمعنى، يقلبه خصمه عليه، ويقول مثل ذلك في التزويج، والإنكاح، فلم يبقَ حينئذ إلا الترجيح بأمر خارجيّ، وليس هذا موضع ذكره. ولا سبيل إلى القول بتعدد القصة؛ لأنه وإن كان العقل يُجوّزه فهو مخالف للظنّ القويّ القريب من القاطع. ولهذا الضرب أمثلة كثيرة، منها: حديث ترك الجهر بالبسملة، وحديث نزول آية التيمم، وقصة الرجلين اللذين ذهبا نحو عقد عائشة ﵄، وحديث فَضَالة في القلادة من الذهب، وغيره المبيعة يوم خيبر. لكن أكثر الأحاديث المختلفة لا يتضمن اختلافُها اختلافَ حكم شرعيّ، وبعضها يتضمّن.

стр. 7016

ومنه حديث أبي هريرة ﵁ في قصة ذي اليدين هذا، فإن من قال من العلماء بأن الكلام في الصلاة فيما يتعلق بمصلحتها لا يُبطله يحتجّ بما جاء في بعض الروايات الصحيحة من قول ذي اليدين: بلى قد نسيت يا رسول اللَّه، بعد قوله ﷺ : "لم أنس، ولم تُقصَر". قالوا: فقد تحقق ذو اليدين أن حكم الصلاة باق بعدُ لتحققه عدم القصر، وتكلّمَ بعد ذلك، وأقرّه النبيّ ﷺ ، ولم يبطل صلاته، وكذلك قول الصحابة للنبيّ ﷺ بعد قوله: "لم أنسَ، ولم تقصر": صدق يا رسول اللَّه، لم تصلّ إلا ركعتين. وأما من قال بأن الكلام لمصلحة الصلاة فيها لا يجوز، ويبطلها، فيحتجّون بالرواية الأخرى من طريق حمّاد بن زيد: فأومأوا، أي نعم، ويقولون: لم يقع كلام من الصحابة بعد تحققهم عدم القصر، ويجيبون عن قول ذي اليدين ثانيًا: بلى قد نسيت يا رسول اللَّه. انتهى كلام العلائي، وهو بحث نفيس جدًّا. وقد ذكرت في "شرح النسائيّ" نحو خمس عشرة مسألة مهمّة، مما يتعلّق بحديث أبي هريرة ﵁ هذا في قصّة ذي اليدين ﵁، وقد ذكرت أهمّها هنا، فراجع البقيّة هناك تستفد عِلْمًا جَمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٩٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (٢)، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَي الْعَشِيَّ، بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم في الباب.

стр. 7017

٢ - (حَمَّاد) بن زيد، تقدّم في الباب أيضًا. والباقون ذُكروا في السند الماضي. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ) يعني أن حديث حمّاد بن زيد، عن أيّوب، بمعنى حديث سفيان بن عيينة عنه. [تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد هذه، ساقها أبو داود، في "سننه" (١٠٠٨)، فقال: (١٠٠٨) حدّثنا محمد بن عبيد، حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: صلّى بنا رسول اللَّه ﷺ إحدى صلاتي العشيّ: الظهر أو العصر، قال: فصلّى بنا ركعتين، ثم سلّم، ثم قام إلى خشبة في مقدَّم المسجد، فوضع يديه عليهما، إحداهما على الأخرى، يُعْرَف في وجهه الغضب، ثم خرج سَرَعان الناس، وهم يقولون: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة، وفي الناس أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه، فقام رجل كان رسول اللَّه ﷺ يسميه ذا اليدين، فقال: يا رسول اللَّه، أنسيت أم قُصِرت الصلاة؟ قال: "لم أَنْسَ، ولم تُقْصَر الصلاة"، قال: بل نسيت يا رسول اللَّه، فأقبل رسول اللَّه ﷺ على القوم، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فأومؤوا أي نعم، فرجع رسول اللَّه ﷺ إلى مقامه، فصلّى الركعتين الباقيتين، ثم سَلَّم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رَفَع وكبر، ثم كبر، وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر، قال: فقيل لمحمد: سَلَّم في السهو؟ فقال: لم أحفظه عن أبي هريرة، ولكن نُبِّئْتُ أن عمران بن حصين قال: ثم سلّم. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٩٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو

стр. 7018

الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ"، فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ " فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ) الأُمويّ مولاهم، أبو سليمان المدنيّ، ثقةٌ إلا في عكرمة، ورُمي برأي الخوارج [٦]. رَوَى عن أبيه، وعكرمة، وأبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، وغيرهم. ورَوَى عنه مالك، وابن إسحاق، وإبراهيم بن أبي يحيى، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال علي ابن المديني: ما روى عن عكرمة فمنكر. قال: وقال ابن عُيينة: كنا نتقي حديث داود، وقال أبو زرعة: ليّن، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، ولولا أن مالكًا روى عنه لَتُرك حديثه. وقال أبو داود: أحاديثه عن شيوخه مستقيمة، وأحاديثه عن عكرمة مناكير. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: صالح الحديث إذا روى عنه ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يذهب مذهب الشُّرَاة، وكلُّ مَنْ تَرَكَ حديثَهُ على الإطلاق وَهِمَ؛ لأنه لم يكن بداعية. وقال ابن سعد، والعجلي: ثقة. وقال الساجي: منكر الحديث، يُتّهم برأي الخوارج. وقال العُقَيليّ: قال ابن المديني: مرسل الشعبي أحبّ إلي من داود، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح: هو من أهل الثقة والصدق. وقال الجوزقاني: لا يَحْمَدُ الناس حديثَه، وقال ابن أبي خيثمة: حدثني أبي، ثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، وكان ثقة. وعاب غير واحد على مالك الرواية عنه، وتركه الرواية عن سعد بن إبراهيم. وذكره ابن المديني في الطبقة الرابعة من أصحاب نافع. قال ابن نُمَير، وغير واحد: مات سنة (١٣٥). زاد الواقدي: وهو ابن (٧٢) سنة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٥٧٣)،

стр. 7019

و (١٥٤١) حديث: "رَخَّص في بيع العرايا بخرصها. . . "، و (١٥٤٦): "نهى رسول اللَّه ﷺ عن المزابنة. . . ". ٢ - (أَبُو سُفْيَانَ، مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ) الأسديّ، هو مولى عبد اللَّه بن أبي أحمد بن جَحْش، وقيل: كان مولى بني عبد الأشهل، وانقطع إلى ابن أبي أحمد، فنسب إليه، ثقة [٣]. قال الدارقطني: اسمه وهب، وقال غيره: اسمه قُزْمان -بضم القاف، وسكون الزاي-. رَوَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وعبد اللَّه بن زيد بن عاصم، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه عبد اللَّه، وداود بن الحُصين، وخالد بن رباح. قال إبراهيم بن أبي حببب، عن داود بن الحُصين: كان أبو سفيان يؤم بني عبد الأشهل، وفيهم ناس من الصحابة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال ابن عبد البرّ: قيل: اسمه قُزْمان، ولا يصحّ له اسم غير كنية. رَوَى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، وهي التي تقدّمت في ترجمة داود بن الحصين الراوي عنه. والباقون تقدّموا في هذا الباب. وقوله: (صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ) قال النوويّ ﵀: قال المحققون: هما قضبتان، وفي حديث عمران بن الحصين: "سَلَّم رسول اللَّه ﷺ في ثلاث ركعات من العصر، ثم دخل منزله، فقام إليه رجلٌ، يقال له: الْخِرْباق، فقال: يا رسول اللَّه، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجرُّ رداءه"، وفي رواية له: سلّم في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام، فدخل الْحُجرة، فقام رجل بسيط اليدين، فقال: أَقُصِرَتِ الصلاة؟ "، وحديث عمران هذا قضية ثالثة في يوم آخر، انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "هما قضيّتان إلخ" هذا خلاف التحقيق، فقد تقدّم أن الأرجح اتّحاد قصّة أبي هريرة ﵁، وإنما الاختلاف من الرواة،

стр. 7020

فبعضهم رواه باللفظ، وبعضهم رواه بمعنى ما فهمه، فحصل الاختلاف، وأما قصّة عمران ﵁ فهي واقعة أخرى، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وقوله ﷺ : ("كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ"، فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) قال العلائيّ ﵀: فيه دليلٌ لقاعدةٍ اتَّفَق عليها أهل "المعاني والبيان"، وهي: أن النفي إذا تَسَلَّط على "كلّ"، أو كانت في حَيّزه تكون "كل" حينئذ لنفي الشمول عن المجموع، لا لنفي الحكم عن كلّ فرد فرد. وإن أُخرجت "كل" من حيّز النفي، بأن قُدّمت عليه لفظًا، ولم تكن معمولةً للفعل المنفي تَوَجَّه النفي إلى أصل الفعل، وعمّ كل ما أضيفت إليه "كل"، فكان السلب عن كل فرد فرد. قال العلائيّ ﵀: والاحتجاج لهذه القاعدة بهذا الحديث من وجهين: [أحدهما]: أن السؤال بـ "أم" عن أحد الأمرين لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم على وجه الإبهام، فجوابه إما بالتعيين، أو بنفي كل واحد منهما، فلما قال النبيّ ﷺ : "كل ذلك لم يكن" كان جوابه لنفي كل واحد منهما بالنسبة إلى ظنه ﷺ ، فلو كان تقديم "كلّ" على المنفي إنما يفيد نفي الكلية، لا نفي الحكم عن كل فرد فرد لكان قوله ﷺ : "كل ذلك لم يكن" غير مطابق للسؤال، ولا ريب في بطلانه. [والوجه الثاني]: قولُ ذي اليدين في جواب هذا الكلام: "قد كان بعض ذلك"، وهو من العرب الفصحاء، فدلّ على أن المراد بـ "كل ذلك لم يكن" سلب الحكم عن كلّ فرد فرد، لا عن المجموع؛ لأن الإيجاب الجزئي يقتضيه السلب الكليّ (١). انتهى كلام العلائي ﵀. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "كلُّ ذلك لم يكن لما هذا مشكلٌ بما ثبت من حاله، فإنه يستحيل عليه الخلف والكذب، والاعتذار عنه من وجهين: [أحدهما]: أنه إنما نفى الكلّيّة، وهو صادقٌ فيها؛ إذ لم يجتمع وقوع الأمرين، وإنما وقع أحدهما، ولا يلزم من نفي الكليّة نفي كلّ جزء من

стр. 7021

أجزائها، فإذا قال: لم أَلْقَ كُلَّ العلماء لا يُفهم أنه لم يَلْقَ واحدًا منهم، ولا يلزم ذلك منه، إلا أن هذا الاعتذار يُبطله قوله في الرواية الأخرى: "لم أَنْسَ، ولم تُقصَر" بدل قوله ﷺ : "كلُّ ذلك لم يكن"، فقد نَفَى الأمرين نصًّا. [والثاني]: أنه إنما أخبر عن الذي كان في اعتقاده وظنّه، وهو أنه لم يَفعل شيئًا من ذلك، فأخبر بحقّ؛ إذ خبره موافقٌ لما في نفسه، فليس فيه خلْفٌ، ولا كذبٌ، وعن هذا ما قد صار إليه أكثر الفقهاء إلى أن الحالف باللَّه على شيء يَعتقده، فظهر أنه خلاف ما حلف عليه أن تلك اليمين لاغيةٌ، لا حِنْثَ فيها، وهي التي لم يُضفها اللَّه تعالى إلى كسب القلب، حيث قال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقد روى أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ هذا، وقال مكان "كلُّ ذلك لم يكن": "لم أنسَ ولم تُقصر"، ومحمِله على ما ذكرناه من إخباره ﷺ عن اعتقاده. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الوجه هو أولى ما يُعتمد عليه في الجواب عما استُشكل في هذا المحلّ. وحاصله أنه ﷺ أجاب بقوله: "كلُّ ذلك لم يكن"، وفي رواية أخرى: "لم أنس ولم تُقصر" عما في ظنّه، لا عما في نفس الأمر؛ لكونه خلاف ذلك، ولذلك لما تحقّق لديه أنه أخطأ صلّى ما بقي، وسجد للسهو، واللَّه تعالى أعلم. قال: وللأصحاب فيه تأويلات أُخَر: (منها): أن قوله: "لم أنسَ" راجع إلى السلام، أي لم أنس السلام، وإنما سلّمت قصدًا، وهذا فاسدٌ؛ لأنه حينئذ لا يكون جوابًا عما سئل عنه. (ومنها): الفرق بين النسيان والسهو، فقالوا: كان يسهو ولا ينسى؛ لأن النسيان غفلةٌ، وهذا أيضًا ليس بشيء؛ إذ لا نُسلِّمُ الفرق، ولو سُلِّمَ فقد أضاف ﷺ النسيان إلى نفسه في غير ما موضع، فقال: "إنما أنا بشرٌ أنسى كما تنسون، فإذا نَسِيتُ فذكِّرُوني"، وقوله: "إني لا أنسَى، أو أنسى لأَسُنّ" (١)، وغير ذلك.

стр. 7022

(ومنها): ما اختاره القاضي عياضٌ أنه إنما أنكر ﷺ نسبة النسيان إليه؛ إذ ليس من فعله، كما قال في الحديث الآخر: "بئسما لأحدكم أن يقول: نسيتُ آية كيتَ وكيتَ، بل هو نُسِّي"، متّفقٌ عليه، أي خُلِق فيه النسيان، وهذا يُبطله قوله أيضًا: "أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكِّروني"، وأيضًا فلم يصدُر ذلك عنه على جهة الزجر والإنكار، بل على جهة النفي لما قال السائل عنه، وأيضًا فلا يكون جوابًا لما سُئل عنه. والصواب حمله على ما ذكرناه، ولا يلزم عليه شيء من الاستبعادات. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٩٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْخَزَّازُ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ (٢)، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ؟، وَسَاقَ الْحَدِيثَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقة حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠. ٢ - (هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْخَزازُ) -بمعجمات- أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٩].

стр. 7023

رَوَى عن عليّ بن المبارك، وهمام بن يحيى، وقُرّة بن خالد، والصَّعْق بن حَزْن، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو موسى محمد بن المثنى، والفلاس، وحجاج بن الشاعر، وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وأبو داود الْحَرّانيّ، وعبد بن حُميد، وأبو إسحاق الْجُوزَجانيّ، وعباس الدُّوريّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: محلُّهُ الصدق، كان عنده كتابٌ عن علي بن المبارك، وكان تاجرًا، وقال أبو داود: لا بأس به، سمعت الحسن بن عليّ يقول: الخزاز شيخٌ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال ابن أبي عاصم: مات سنة ست ومائتين. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط. ٣ - (عَلِيّ بْنُ الْمُبَارَكِ) الْهُنَائيّ البصريّ، ثقةٌ، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان، أحدهما سماعٌ، والآخر إرسالٌ، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٩/ ٤١٧. ٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مكثر [٣] (٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣. وقوله: (فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ) تقدّم أنه ذو اليدين. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل "ساق" ضمير أبي سلمة. [تنبيه]: رواية أبي سلمة التي أحالها المصنّف هنا على رواية أبي سفيان، ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٥١٣) فقال: (١٩١٩) حدّثنا عباس الدُّوريّ، وأبو داود الْحَرّانيّ قالا: ثنا هارون بن إسماعيل، قال: ثنا عليّ بن المبارك، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني أبو سلمة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن رسول اللَّه ﷺ صلّى ركعتين من صلاة الظهر ثم سَلَّم، فأتاه رجلٌ من بني سُليم، فقال: يا رسول اللَّه

стр. 7024

أَقُصِرت الصلاة أم نسيت؟ قال: "لم تُقْصَر ولم أَنْسَ"، قال: يا رسول اللَّه، إنما صلّيت ركعتين، قال: "أحقٌّ ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، فقام، فصلّى ربهم ركعتين أُخْرَاوين، ثم سجد سجدتين، وهو جالس. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٩٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ (١) صَلَاةَ الظُّهْرِ، سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور) بن بَهْرَام الْكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ كان يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨. ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨. والباقون ذكروا قبله. وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) فاعل "اقتَصّ" ضمير شيبان. [تنبيه]: رواية شيبان هذه التي أحالها المصنّف على رواية علي بن المبارك، ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ١٧٤) فقال: (١٢٦٨) حدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا إسحاق بن أحمد، ثنا محمد بن علي بن حمزة، قال: وحدّثنا أحمد بن الحسن بن عبد الملك، ثنا محمد بن عثمان بن كرامة، قالا: ثنا عبيد اللَّه بن موسى، ثنا شيبان، عن يحيى بن أبي

стр. 7025

كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: بينا أنا أصلّي مع رسول اللَّه ﷺ صلاة الظهر، فسلّم ﷺ في الركعتين، فقام رجل من بني سُليم، فقال: يا رسول اللَّه، قُصِرت أم نَسِيت؟، فقال: "لم تُقْصَر ولم أَنْسَ"، فقال: يا رسول اللَّه إنما صليت ركعتين، فقال رسول اللَّه ﷺ : "حقٌّ (١) ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، فقام فصلّى بهم ركعتين أُخْراوين. انتهى. وساقها أيضًا الإمام أحمد في "مسنده"، فقال: (٩١٨١) حدّثنا حسن بن موسى، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، قال: بينما أنا أصلي صلاة الظهر، سَلَّم رسول اللَّه ﷺ من ركعتين، فقام رجل من بني سُليم، فقال: يا رسول اللَّه، أَقُصِرت الصلاة أم نسيت؟، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لم تقصَر ولم أنسهْ"، قال: يا رسول اللَّه إنما صلّيت ركعتين، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أحقٌّ ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، قال: فقام، فصلّى بهم ركعتين آخِرتين. قال يحيى: حدّثني ضَمْضَم بن جَوْس أنه سمع أبا هريرة يقول: ثم سجد رسول اللَّه ﷺ سجدتين. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٩٦] (٥٧٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِيِ الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْعَصْرَ (٢)، فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ (٣)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهٌ، وَخَرَجَ

стр. 7026

غَضْبَانَ (١)، يَجُرُّ رِدَاءَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "أَصَدَقَ هَذَا؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّى رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في الباب. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب أيضًا. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٤ - (خَالِد) بن مِهْرَان الْحَذّاء، أبو الْمُنَازل البصريّ، ثقةٌ حافظ يُرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤. ٥ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الْجَرْميّ البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال، قيل: فيه نصب يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣. ٦ - (أَبُو الْمُهَلَّبِ) الْجَرْميّ البصري، عَمّ أبى قِلابة، اسمه معاوية، وقيل: عبد الرحمن بن معاوية، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: النضر، وقيل: معاوية، ثقة [٢]. رَوَى عن عُمر، وعثمان، وأُبَيّ بن كعب، وعمران بن حصين، وأبي مسعود الأنصاري، وتميم الداريّ، وأبي موسى الأشعريّ، وسمرة بن جندب. ورَوَى عنه ابن أخيه أبو قِلابة، ومحمد بن سيرين، وسعيد الْجُرَيريّ، وعوف الأعرابي. قال العجليّ: بصري تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة: كان ثقة قليل الحديث، وذكر ابن عبد البرّ الخلاف في اسمه، ثم قال: معاوية بن عمرو أصحّ، وقال ابن حبّان في "صحيحه": اسمه عمرو بن معاوية بن زيد. انتهى.

стр. 7027

أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٥٧٤) وأعاده بعده، و (٩٥٣) و (١٦٤١) و (١٦٦٨) و (١٦٩٦) و (٢٥٩٥). ٧ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعيّ، أبو نُجَيد البصريّ، صحابيّ أسلم عام خيبر، وكان فاضلًا، وقَضَى بالكوفة، ومات ﵁ بالبصرة سنة (٥٢)، وأبوه أيضًا صحابيّ على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: خالد، عن أبي قِلابة، عن أبي المهلب. واللَّه تعالى أعلم. (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْعَصْرَ) وفي رواية الطحاويّ: "صلّى بهم الظهر"، (فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ) أي في آخر ثلاث ركعات من صلاة العصر، وفي رواية البيهقيّ من طريق هُشَيم، قال: أنبأنا خالد، عن أبي قلابة، ثنا أبو المُهلّب، عن عمران بن حُصين: "أن رسول اللَّه ﷺ صلّى الظهر، أو العصر ثلاث ركعات. . . " الحديث، فرواه بالشكّ بين الظهر والعصر. قال في "المرعاة": ورواية العصر أرجح؛ لتوافق أكثر الروايات عليها، ولأنها مخرّجة في "صحيح مسلم"، وأبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، و"مسند أحمد". انتهى (١).

стр. 7028

(ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ) وفي رواية عبد الوهّاب الثقفي، عن خالد التالية: "ثُمّ قام، فدخل الْحُجْرة"، وفيه أن ترك استقبال القبلة، والمشي الكثير سهوًا لا يُبطل الصلاة (فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ) -بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء- (وَكَانَ فِي يَدَيْهِ) وفي نسخة: "في يده" بالإفراد (طُولٌ) وفي رواية الثقفيّ التالية: "فقام رجل بَسِيط اليدين"، وهو بمعنى طويل اليدين (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ) أي ذكر الْخِرْباق للنبيّ ﷺ الأمر الذي صنعه في تلك الصلاة، وهو تسليمه من ثلاث ركعات، وفي رواية الثقفيّ، "فقال: أَقصرت الصلاة يا رسول اللَّه؟ "، وفي رواية النسائيّ من طريق يزيد بن زُريع عن خالد: "فقال: يعني نقصت الصلاة يا رسول اللَّه؟ "، وفي رواية له من طريق حماد بن زيد، عن خالد: "فقال له الْخِرْباق: إنك صلّيت ثلاثًا" (وَخَرَجَ غَضْبَانَ) فعلان من الغضب، وهو غير منصرف؛ للوصفيّة، وزيادة الألف والنون، فما وقع في بعض النسخ منصرف غلطٌ، فتنبّه. وفي رواية الثقفيّ: "فخرج مُغْضَبًا"، قال القرطبيّ ﵀: وغضبه ﷺ يَحْتَمِلُ أن يكون إنكارًا على المتكلّم؛ إذ قد نسبه إلى ما كان يعتقد خلافه، ولذلك أقبل على الناس مستكشفًا عن ذلك، وعلى هذا يدلّ ما في الرواية الأخرى؛ إذ قال فيها: "فقام رجلٌ بسيط اليدين، فقال: قُصرت الصلاة يا رسول اللَّه؟، فخرج مغضبًا". ويَحْتَمِل أن يكون غضبه لأمر آخر لم يذكره الراوي، وكأن الأول أظهر. قال: وحديث عمران بن حُصين هذا واقعة أخرى غير واقعة حديث أبي هريرة ﵁. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد سبق لك أن حمل الحديثين على تعدّد الواقعة هو الأرجح، كما ذهب إليه ابن خزيمة، وابن حبّان، وغيرهما؛ لأن دعوى اتّحاد القصّتين يؤدّي إلى تكلّف وتعسّف في الجمع، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 7029

قال: وقد توارد الحديثان على أن السجود للزيادة بعد السلام، كما هو مشهور مذهب مالك، فانتهضت حجّته، والحمد للَّه. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد سبق لك أيضًا أن الراجح موافقة ما ثبت عن النبيّ ﷺ أنه فعله سواء كان قبل السلام أو بعده، وأما ما لم يَرِد فيه النصّ فالساهي مخيّرٌ، واللَّه تعالى أعلم. قال: وفي حديث ذي اليدين حجة لمالك على قوله: إن الحاكم إذا نَسِي حكمه، فشهد عنده عدلان بحكمه أمضاه، خلافًا لأبي حنيفة والشافعيّ في قولهما: إنه لا يُمضيه حتى يذكره، وأنه لا يَقْبَل الشهادة على نفسه، بل على غيره، وهذا إنما يَتِمّ لمالك إذا سُلِّم له أن رجوعه إلى الصلاة إنما كان لأجل الشهادة، لا لأجل تيقّنه ما كان قد نسيه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الإمام مالك ﵀ هو الظاهر؛ وكون رجوعه ﷺ إلى قول القوم هو الحقّ، وأما كونه تيقّن بنفسه، فخلاف ظاهر أحاديث الباب، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم. (يَجُرُّ رِدَاءَهُ) أي لكونه مستعجلًا لم يتمهّل حتى يتمكن من لبسه (حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "أَصَدَقَ هَذَا؟ ") يعني الْخِرْباق (قَالُوا: نَعَمْ) صدق فيما قاله (فَصَلَّى رَكْعَةً) وفي رواية الثقفيّ: "فصلّى الركعة التي كان ترك" (ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) أي لسهوه، وفي رواية الثقفيّ: "ثم سلّم، ثم سجد سجدتي السهو"، وفي رواية النسائيّ: "ثم سجد سجدتيها"، والمراد سجدتا السهو الذي حصل في تلك الصلاة، فإضافة السجدتين إلى ضمير الصلاة لحصولهما فيها جبرًا لها (ثُمَّ سَلَّمَ) أي تسليم التحلّل من الصلاة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 7030

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمران بن حصين ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٢٩٦ و ١٢٩٧] (٥٧٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٠١٨ و ١٠٣٩)، و (الترمذيّ) فيها (٣٩٥)، و (النسائيّ) في "السهو" (١٣٣١ و ١٢٣٦ و ١٢٣٧) وفي "الكبرى" (١١٥٨ و ١١٥٩ و ١٢٥٤)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢١٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٢٧ و ٤/ ٤٣١ و ٤/ ٤٤٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠٥٤ و ١٠٦٠ و ١٠٦٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٦٥٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٢٢ و ١٩٢٣ و ١٩٢٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٦٩ و ١٢٧٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٥٩)، وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح الأحاديث الماضية، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٩٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، وَهُوَ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ: سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنَ الْعَصْرِ، ثُمَّ قَامَ، فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ، فَقَامَ رَجُلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَخَرَجَ مُغْضَبًا، فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب.

стр. 7031

٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣. والباقون ذُكروا في الحديث الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيت من كتابة الجزء الثاني عشر من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه اللَّه تعالى، والمؤذّن يؤذّن لصلاة المغرب يوم الأحد المبارك ٢٥/ ١٠/ ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٧/ نوفمبر - تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م. أسأل اللَّه العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠/ ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣]. "اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".

стр. 7032

"السلام على النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته". ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الثالث عشر مفتتحًا بـ (٢٠) - (بَابُ سجود التلاوة) رقم الحديث [١٢٩٨] (٥٧٥). "سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". * * *

стр. 7033

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ليلة الاثنين المبارك بعد صلاة المغرب ٢٦/ ١٠/ ١٤٢٦ هـ أول الجزء الثالث عشر من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه اللَّه تعالى. (٢٠) - (بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٩٨] (٥٧٥) - (حَدَّثَنِي (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى الْقطَّانِ (٢)، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ، فَيَسْجُدُ، وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَتِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبثٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيد) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدَامة السَّرَخْسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.

стр. 7034

٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ الزَّمِنُ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمام النقد [٩] (ت ١٩٨) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥. ٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبت فقيهٌ [٥] (ت سنة بضع ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٦ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٧ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه ﵂، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: زُهير، وعبيد اللَّه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه ابن المثنّى أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عبيد اللَّه، وزُهير نسائيّ، ثم بغداديّ، وعبيد اللَّه بن سعيد سَرَخسيّ، ثم نيسابوريّ، والباقيان بصريّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى.

стр. 7035

شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) وفي الرواية التالية: "ربّما قرأ رسول اللَّه القرآن" (فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ) وفي الرواية التالية: "فيَمُرّ بالسجدة" (فَيَسْجُدُ) أي سجود التلاوة (وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى مَا) نافية (يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَتِهِ) أي من كثرة الزحام، وفي الرواية التالية: "فيسجد بنا حتى ازدحمنا عنده حتى ما يجد أحدنا مكانًا ليسجد فيه في غير صلاة". قال في "الفتح": وقع في الطبراني من طريق مصعب بن ثابت، عن نافع في هذا الحديث، أن ذلك كان بمكة، لَمّا قرأ النبيّ ﷺ ﴿وَالنَّجْمُ﴾، وزاد فيه: حتى سجد الرجل على ظهر الرجل، قال: والذي يظهر أن هذا الكلام وقع من ابن عمر على سبيل المبالغة في أنه لم يبق أحدٌ إلا سجد، وسياق حديث الباب مُشْعِرٌ بأن ذلك وقع مرارًا، فَيَحْتَمِل أن تكون رواية الطبرانيّ بيّنت مبدأ ذلك، ويؤيده ما رواه الطبرانيّ ﵀ عن المسور بن مَخْرَمة، عن أبيه قال: أظهر أهل مكة الإسلام -يعني في أول الأمر- حتى إنه كان النبيّ ﷺ ليقرأ السجدة، فيسجُدُ، وما يستطيع بعضهم أن يسجُد من الزحام، حتى قَدِمَ رؤساء أهل مكّة، وكانوا بالطائف، فرجّعوهم عن الإسلام، واستدلّ به البخاريّ على السجود لسجود القارئ، وعلى الازدحام على ذلك (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ١٢٩٨ و ١٢٩٩] (٥٧٥)، و (البخاريّ) في

стр. 7036

"سجود القرآن" (١٠٧٥ و ١٠٧٦ و ١٠٧٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤١٢ و ٤١٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٤٧ و ١٩٤٨ و ١٩٤٩)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (١٢٧١ و ١٢٧٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٥٧ و ٥٥٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٦٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٦٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة سُجود التلاوة، وقد أجمع العلماء عليه، وقد اختُلف فيه هل هو سنّة، كما هو رأي الجمهور، أو واجبٌ، كما هو رأي الحنفيّة؟ وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٢ - (ومنها): بيان مشروعية السجود للقارئ والمستمع له، قال النوويّ ﵀: ويستحب أيضًا للسامع الذي لا يَسْمَع، لكن لا يتأكد في حقّه تأكده في حقّ المستمع المصغي. انتهى (١). ٣ - (ومنها): استحباب قراءة القرآن؛ اقتداء بالنبيّ ﷺ . ٤ - (ومنها): بيان حرص الصحابة ﵃ في الخير ومسابقتهم عليه، حتى إنهم ليزحمون عليه. ٥ - (ومنها): الاقتداء بأفعال النبيّ ﷺ ، كالاقتداء بأقواله سواءً، فقد قال اللَّه : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] الآية، فعمّ جميع ما يصدر منه ﷺ ، قولًا، أو فعلًا، أو غير ذلك، إلا ما خصّه الدليل على أنه من خُصوصيّته. ٦ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ ﵀ قال في "صحيحه": "باب من لم يجد موضعًا للسجود مع الإمام من الزحام"، ثم أورد حديث ابن عمر ﵄ هذا، قال ابن بطال ﵀: لم أجد هذه المسألة إلا في سجود الفريضة،

стр. 7037

واختَلَف السلف، فقال عمر ﵁: يسجد على ظهر أخيه، وبه قال الكوفيون، وأحمد، وإسحاق، وقال عطاء، والزهريّ: يؤخر حتى يرفعوا، وبه قال مالك، والجمهور، وإذا كان هذا في سجود الفريضة، فيجري مثله في سجود التلاوة، وظاهر صنيع البخاريّ أنه يذهب إلى أنه يَسْجُد بقدر استطاعته، ولو على ظهر أخيه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم سجود التلاوة: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن سجود التلاوة سنة، وليس بواجب، وممن قال بهذا عمر بن الخطاب، وسلمان الفارسي، وعمران بن حصين، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وغيرهم ﵃. وذهب أبو حنيفة: إلى أن سجود التلاوة واجب على القارئ، والمستمع، واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١]، وبقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، وبالأحاديث الصحيحة أن النبيّ ﷺ سجد للتلاوة، وقياسًا على سجود الصلاة. واحتجّ الأولون بالأحاديث الصحيحة: (منها): حديث زيد بن ثابت ﵁، قال: قرأت على رسول اللَّه ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] فلم يسجد فيها. متفق عليه. (ومنها): ما احتج به الشافعيّ ﵀ في هذه المسألة، وهو حديث الأعرابيّ: "خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطّوّع". متفق عليه. (ومنها): "أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ يوم الجمعة على المنبر "سورة النحل"، حتى إذا جاء السجدةَ نزل، فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة، قرأها، حتى إذا جاء السجدةَ، قال: يا أيها الناس إنما نَمُرّ

стр. 7038

بالسجود، فمن سجد، فقد أصاب، ومن لم يسجد، فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر". وفي رواية قال: "إن اللَّه لم يَفْرِض السجود إلا أن نشاء"، أخرجهما البخاري ﵀ في "صحيحه". قال النوويّ ﵀: وهذا القول من عمر ﵁ في هذا الموطن، والْمَجْمَع العظيم دليلٌ ظاهرٌ في إجماعهم على أنه ليس بواجب، ولأن الأصل عدم الوجوب حتى يثبت صحيح صريح في الأمر به، ولا معارض له، ولا يوجد هنا. وأما الجواب عن الآية التي احتجوا بها، فهي إنما وردت في ذمّ الكفار في تركهم السجود استكبارًا، وجحودًا، وأما المراد بالسجود في الآية الثانية سجود الصلاة، والأحاديث التي احتجّوا بها محمولة على الاستحباب، جمعًا بين الأدلة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ من "مجموعه" (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور، وهو عدم وجوب سجود التلاوة هو الراجح؛ لقوة حجته، كما ذُكِر آنفًا. ومن الأدلة على أن سجود التلاوة ليس بواجب ما أشار إليه الطحاويّ: من أن الآيات التي في سجود التلاوة، منها ما هو بصيغة الخبر، ومنها ما هو بصيغة الأمر، وقد وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر، هل فيها سجود أو لا؟ وهي ثانية الحجّ، وخاتمة النجم، واقرأ، فلو كان سجود التلاوة واجبًا لكان ما ورد بصيغة الأمر أولى أن يُتَّفَقَ على السجود فيه مما ورد بصيغة الخبر. انتهى. وهو بحثٌ جيّدٌ. والحاصل أن القول باستحباب سُجود التلاوة هو الأرجح، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد سجود القرآن:

стр. 7039

قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في عدد سجود القرآن، فرَوَينا عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ أنهما كانا يَعُدّان سجود القرآن، فقالا: "الأعراف"، و"الرعد"، و"النحل"، و"بني إسرائيل"، و"مريم"، و"الحج" أولها، و"الفرقان"، و ﴿طسم﴾، و ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿ص﴾، و ﴿أَلَمْ﴾ السجدة، إحدى عشرة سجدةً. ورَوَينا عن ابن عباس ﵄ رواية أخرى أنه عَدَّها عشرًا، وأسقط السجود في ﴿ص﴾. وقد اختُلِف عن ابن عمر في السجدة الثانية من سورة الحج. وقالت طائفة: سجود القرآن أربع عشرة سجدةً، في الحج منها سجدتان، وفي المفصل ثلاثة، وليس في ﴿ص﴾ منها شيء، هكذا قال الشافعيّ، وقال أبو ثور كقول الشافعيّ في العدد، غير أنه أثبت السجود في ﴿ص﴾، وأسقط السجود من سورة النجم، خالف الشافعيّ في هاتين السجدتين. وقال إسحاق في سجود القرآن: خمس عشرة: "الأعراف"، و"الرعد"، و"النحل"، و"بنو إسرائيل"، و"مريم"، وفي "الحجّ" سجدتان مباركتان، وفي "الفرقان"، و"النمل"، و"ألم" تنزيل السجدة، وفي ﴿ص﴾، وفي ﴿حم (١)﴾ السجدة، وفي ﴿وَالنَّجْمِ﴾، وفي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾. وقال أصحاب الرأي كما قال إسحاق، إلا في السجود في الحجّ، فإنهم قالوا: فيها سجدة واحدة، وقولهم كقوله في سائر سجود القرآن. انتهى كلام ابن المنذر ﵀. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي ما ذهب إليه إسحاق ابن راهويه من كون عدد السجود خمس عشرة سجدةً أظهر، وأقرب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الطهارة لسجود التلاوة: قال النوويّ ﵀: (واعلم): أنه يشترط لجواز سجود التلاوة، وصحته

стр. 7040

شروط صلاة النفل من الطهارة عن الحدث، والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، ولا يجوز السجود حتى يتم قراءة السجدة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مسألة اشتراط الطهارة في سجود التلاوة فيها خلافٌ، فقد صحّ عن ابن عمر ﵄، وغيره عدم اشتراط ذلك، وهو ظاهر مذهب البخاريّ ﵀، فإنه ترجم "باب سجود المسلمين مع المشركين، والمشركُ نجسٌ ليس له وضوء"، قال: وكان ابن عمر ﵄ يسجد على غير وضوء. انتهى. ورَوَى ابن أبي شيبة من طريق عُبيد بن الحسن، عن رجل زعم أنه كنفسه، عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عمر ﵄ ينزل عن راحلته، فيهريق الماء، ثم يركب، فيقرأ السجدة، فيسجد، وما يتوضأ. وأما ما رواه البيهقيّ بإسناد صحيح عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، فيجمع بينهما -كما قال الحافظ- بأنه أراد بقوله: "طاهر" الطهارة الكبرى، أو الثاني على حالة الاختيار، والأول على الضرورة. ووافق ابن عمرَ على جواز السجدة بلا وضوء الشعبيُّ، أخرجه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح، وأخرج أيضًا عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ أنه كان يقرأ بالسجدة، ثم يسجد، وهو على غير وضوء إلى غير القبلة، وهو يمشي يومئ إيماء، قاله في "الفتح". وقال العلامة الشوكانيّ ﵀: ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدلّ على اعتبار أن يكون الساجد متوضئًا، وقد كان يسجد معه ﷺ مَن حضر تلاوته، ولم يُنقَل أنه أمر أحدًا منهم بالوضوء، ويَبعُد أن يكونوا جميعًا متوضئين، وأيضًا قد كان يسجد معه المشركون، كما تقدم، وهم أنجاس، لا يصح وضوؤهم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأولى أن لا يسجُد على غير وضوء، وأما إيجاب الوضوء فيَحتاج إلى دليل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
следующие страницы →