وأخرج البخاريّ في "التفسير" عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ الآية [هود: ٥]: إنها نزلت في قوم كانوا يُجامعون نساءهم، ويتخلّون، فيستحيون من الله، فنزلت الآية.
وكان الصّدّيق ﵁ يقول: استحيوا من الله، فإني أذهب إلى الغائط، فأظلّ متقنّعًا بثوبي حياء من ربّي .
وكان موسى ﵇ إذا اغتسل في بيت مظلم لا يُقيم صلبه حياء من الله .
قال بعض السلف: خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قُربه منك.
وقد يتولّد الحياء من الله من مطالعة النِّعَم، فيستحيي العبد من الله أن يستعين بنعمته على معاصيه، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى في "شرح البخاري" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ: مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ … ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، أبو محمد، ثقة حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّفٌ يتشيّع، وتغير في آخره [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والزهريّ ذُكر في السند الماضي.
стр. 737
وقوله: "بهذا الإسناد" أي بإسناد الزهري عن سالم، عن أبيه.
وقوله: "وقال" الضمير لشيخه "عبد بن حميد".
[تنبيه]: رواية عبد بن حميد هذه أخرجها في "مسنده"، فقال: أخبرنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ مَرَّ برجل من الأنصار، وهو يَعِظُ أخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ : "دَعْهُ فإنّ الحياء من الإيمان" (١).
وأخرجها أيضًا أبو نعيم في "المستخرج" فقال: حدثناه أبو أحمد الغطريفيّ، ثنا عبد الله بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ مرّ برجل من الأنصار، وهو يَعِظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ : "دَعْهُ فإن الحياء من الإيمان" (٢).
وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤] (٣٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّار، يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ"، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا، وَمِنْهُ سَكِينَةً، فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ؟).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ البصريّ الحافظ تقدّم قريبًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُنْدار، أبو بكر البصريّ الحافظ تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر أبو عبد الله البصريّ تقدّم قريبًا أيضًا.
стр. 738
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريبًا.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السدوسيّ البصريّ تقدّم قريبًا أيضًا.
٦ - (أَبُو السَّوَّارِ) الْعَدَويّ البصريّ، قيل: اسمه حَسّان بن حُرَيث، وقيل: حُرَيث بن حسان، وقيل: حُرَيف - آخره فاء - وقيل: مُنْقِذ، وقيل: هو حُجَير بن الرَّبيع الْعَدَويُّ، ثقة [٣].
رَوَى عن علي بن أبي طالب، والحسن بن عليّ، وعِمران بن حُصَين، وجندب بن عبد الله.
ورَوى عنه قتادة، وأبو التَّيّاح، والحضرميّ بن لاحِق، وقُرّة بن خالد، والأعمش، والْجُرَيريّ، وأبو نَعَامة العدويّ، وابن عون، وأشعث الْحُدّانيّ، وأبو خَلْدة خالد بن دينار.
قال ابن سعد: أبو السَّوّار العدويّ، من بني عَدِيّ بن عبد مناة، وكان ثقةً، وقال الآجريّ، عن أبي داود: من ثقات الناس، وقال النسائي في "الكنى": أبو السّوّار حَسّان بن حريث العدويّ ثقة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ (١)، وله عند الشيخين هذا الحديث فقط.
٧ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعيّ، أبو نُجَيد أسلم عام خيبر، وصَحِب، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، وأبوه صحابيّ ﵄، ومات ﵁ سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٩، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى أبي السوّار، فتفرّد به الشيخان، والنسائيّ على ما قيل.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين؛ كالإسناد التالي، قال النوويّ
стр. 739
رحمه الله تعالى: وهذا من النفائس، اجتماع الإسنادين في الكتاب متلاصقين، جميعهم بصريّون، وشعبة، وإن كان واسطيًّا فهو بصريّ أيضًا، فكان واسطيًّا بصريًّا، فإنه انتقل من واسط إلى البصرة، واستوطنها.
٤ - (ومنها): أن شيخيه كانا فَرَسي رِهَان في الحفظ، وماتا في سنة واحدة سنة (٢٥٢)، وهما من المشايخ الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة، عن أبي السوّار.
٦ - (ومنها): أن أبا السوّار هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وهو من المقلّين من الرواية، فليس له عند الشيخين إلا هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) قال في "الفتح": كذا قال أكثر أصحاب شعبة، وخالفهم شَبَابة بن سَوّار، فقال: "عن شعبة، عن خالد بن رَبَاح"، بدل قتادة، أخرجه ابن منده، ووقع نظير هذه القصّة، عن عمران بن حُصين أيضًا للعلاء بن زياد، أخرجه ابن المبارك في "كتاب البرّ والصلة". انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية شبابة بن سَوّار التي عزاها في "الفتح" إلى ابن منده لم أهتد إليها في "كتاب الإيمان" له، فإنه أخرج الحديث (١/ ٣٣٦ - ٣٣٤) من عدّة طرق، ومن جملتها طريق شبابة بن سَوّار، ولكنها كلها عن شعبة، عن قتادة، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) قتادة (سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ) بفتح السين المهملة، وتشديد الواو، وبعد الألف راء (يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) ﵄ (يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ") وفي الرواية التالية: "الحياء خيرٌ كله"، وللطبراني من حديث قُرّة بن إياس: قيل لرسول الله ﷺ : الحياء من الدين؟ فقال: "بل هو الدين كُلُّه"، وللطبراني من وجه آخر عن عمران بن حصين: "الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة".
стр. 740
[تنبيه]: قال في "الفتح": وقع لابن دقيق العيد في "شرح العمدة": أن أصل الحياء الامتناع، ثم استعمل في الانقباض، قال: والحقّ أن الامتناع من لوازم الحياء، ولازم الشيء لا يكون أصله، ولَمّا كان الامتناع لازم الحياء، كان في التحريض على ملازمة الحياء حَضٌّ على الامتناع عن فعل ما يعاب، قال: والحيا - بالقصر -: المطر. انتهى (١).
(فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ) بالموحّدة، والمعجمة، مصغّرًا، تابعيّ جليلٌ، تقدّمت ترجمته في "المقدّمة" ٤/ ١٩.
[فائدة]: ليس في الكتب الستة من يُسمّى بُشيرًا مصغّرًا إلا ابن كعب هذا، وابن يسار الأنصاريّ الحارثيّ المدنيّ الفقيه، وقلت في هذا:
ابْنَ يَسَارٍ وَابْنَ كَعْبٍ قُلْ بُشَيْرْ … مُصَغِّرَا سِوَاهُ كَبِّرْ دُونَ ضَيْرْ
والله تعالى أعلم.
(إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الشأن والأمر (مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ) قال الراغب الأصبهانيّ رحمه الله تعالى: الحكمة إصابة الحقّ بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء، وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان معرفة الموجودات، وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وُصف به لقمان في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، ونَبّه على جملتها بما وصفه بها، فإذا قيل في الله تعالى: هو حكيم، فمعناه بخلاف معناه إذا وُصف غيره، ومن هذا الوجه قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨]، وإذا وُصف به القرآن فلتضمّنه الحكمة، نحو: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١]، وعلى ذلك قال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٤ - ٥]، وقيل: معنى الحكيم: الْمُحْكَم، نحو ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، وكلاهما صحيح، فإنه مُحْكَمٌ، ومُفيدٌ للحكم، ففيه المعنيان جميعًا، والْحُكْمُ أعمّ من الحكمة، فكلُّ حكمة حُكْمٌ، وليس كلّ حُكْم حِكْمةً، فإن الْحُكْم أن يُقضى بشيء على شيء، فيقول: هو كذا، أو ليس كذا، قال ﷺ : "إن من الشعر لحكمةً"، رواه البخاريّ: أي قضيّةً صادقةً، وذلك نحو قول لبيد:
стр. 741
إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ … وَبِإِذْنِ اللهِ رَيْثِي وَعَجَلْ
انتهى كلام الراغب (١).
(أَنَّ مِنْهُ) أي بعض الحياء (وَقَارًا، وَمِنْهُ سَكِينَةً) ولفظ البخاريّ: "إن من الحياء وقارًا، وإن من الحياء سكينةً"، وفي رواية الكشميهنيّ: "السكينة" بزيادة ألف ولام، وفي رواية أبي قتادة الْعَدَويّ الآتية: "أنّ منه سكينةً، ووقارًا لله، ومنه ضعف"، وهذه الزيادة متعينة، ومن أجلها غَضِبَ عمران ﵁، وإلا فليس في ذكر السكينة والوقار ما ينافي كونه خيرًا، أشار إلى ذلك ابن بطال، لكن يَحتَمِل أن يكون غَضِبَ من قوله: "منه"؛ لأن التبعيض يُفْهَمُ أن منه ما يُضَادّ ذلك، وهو قد رَوَى: "أنه كُلَّهُ خيرٌ".
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معنى كلام بُشَيْر: أن من الحياء ما يَحْمِل صاحبه على الوقار، بأن يُوَقِّر غيره، ويتوقّر هو في نفسه، ومنه ما يَحْمِله على أن يَسْكُن عن كثير مما يتحرك الناس فيه، من الأمور التي لا تليق بذي المروءة، ولم يُنْكِر عمران ﵁ عليه هذا القدر، من حيث معناه، وإنما أنكره عليه من حيث إنه ساقه في مَعْرِض من يُعَارض كلام الرسول ﷺ بكلام غيره، وقيل: إنما أنكر عليه؛ لكونه خاف أن يَخْلِط السنة بغيرها (٢).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولا يخفى حسن التوجيه السابق. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما وجّه به القرطبيّ رحمه الله تعالى هو الأقرب مما استحسنه الحافظ، فتأمله، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ عِمْرَانُ) ﵁ (أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ؟)، وفي رواية أبي قتادة الآتية: "فغَضِب عمران حتى احمرّت عيناه، وقال: ألا أراني أُحَدِّثك عن رسول الله ﷺ ، وتعارض فيه"، وفي رواية أحمد: "وتعرض فيه بحديث الكتب"، وقد تقدّم في "مقدمة الصحيح" لبُشَير بن كعب هذا قصةٌ مع ابن عباس ﵄ تُشْعِرُ بأنه كان يتساهل في الأخذ عن كل مَنْ لقيه، والله
стр. 742
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [١٤/ ١٦٤] (٣٧) عن محمد بن المثنّى، ومحمد بن بشّار، كلاهما عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي السّوّار، عنه ﵁، و [١٤/ ١٦٥] عن يحيى بن حبيب الحارثيّ، عن حمّاد بن زيد، عن إسحاق بن سُويد، عن أبي قتادة العدويّ، عنه ﵁، و [١٤/ ١٦٦] عن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن شُميل، عن أبي نَعَامة السعديّ، عن حُجَير بن الربيع العدويّ، عنه ﵁ نحو حديث حماد بن زيد.
و (البخاريّ) في "كتاب الأدب" ٨/ ٣٥ (٦١١٧) عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة به، وفي "الأدب المفرد" (١٣١٢).
و (أبو داود) في "الأدب" (٤٧٩٦) عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد به.
و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٢٦ و ٤٢٧ و ٤٣٦ و ٤٤٢ و ٤٤٥ و ٤٤٦).
و (أبو نعيم) في "المستخرج" ١/ ١٢٨ (١٥٠ و ١٥١ و ١٥٢ و ١٥٣).
و (ابن منده) في "الإيمان" (١٧٧ و ١٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ساقه من أجله المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كون الحياء من شُعَب الإيمان.
٢ - (ومنها): أن الحياء كلّه خير، فلا يستثنى من الحياء شيء، وما يُظنّ من أن بعض أنواعه يظهر فيه الضعف، وأنه يمنع صاحبه من أن يواجه من يرتكب المنكرات بالإنكار عليه، ويحمله على الإخلال ببعض الحقوق، فليس حياءً شرعيًّا، والمراد في هذه الأحاديث هو ما يكون شرعيًّا، وأما الحياء الذي ينشأ منه الإخلال بالحقوق، فليس مقصودًا؛ إذ هو عجزٌ، ومَهَانةٌ، وإنما يُطلق عليه اسم الحياء لمشابهته للحياء الشرعيّ، وهو خُلُقٌ يبعث على ترك القبيح،
стр. 743
وقال الراغب: هو انقباض النفس عن القبائح، وتركه (١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلّف به، دون الغريزيّ، غير أن من كان فيه غريزة منه، فإنها تُعينه على المكتسب، وقد ينطبع بالمكتسب حتى يصير غريزيًّا، قال: وقد كان النبيّ ﷺ قد جُمع له النوعان، فكان في الغريزيّ أشدّ حياءً من العذراء في خدرها، وكان في الحياء المكتسب في الذروة العليا ﷺ . انتهى (٢).
٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من شدّة الإنكار على من عارض السنّة بغيرها، أيًّا كان نوعه، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم شديد الغيرة عليها، فيعادي كلّ من يعارضها برأي رآه، أو مذهب قلّده، فإن السنّة حاكمة على كلّ رأي ومذهب، كما قال : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآية، وقال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] الآية، وقد صحّ عنه ﷺ أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده، والناس أجمعين"، متّفقٌ عليه، وروي عنه ﷺ أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به"، وهو متكلّم في صحّته، لكن يشهد له الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ إِسْحَاقَ - وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ - أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ، حَدَّثَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، فِي رَهْطٍ مِنَّا، وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ، فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ"، قَالَ: أَوْ قَالَ: "الْحَيَاءُ كُلّهُ خَيْرٌ"، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُب، أَوْ الْحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً، وَوَقَارًا لله، وَمِنْهُ ضَعْفٌ، قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ، حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ، وَقَالَ: أَلَا
стр. 744
أَرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتُعَارِضُ فِيهِ؟ قَالَ: فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ، قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) وقيل: الشيبانيّ، أبو زكريّا البصريّ، ثقة [١٠].
رَوَى عن يزيد بن زُريع، وحماد بن زيد، وخالد بن الحارث، وعبد الوهاب الثقفي، ومعتمر بن سليمان وموسى بن إبراهيم بن كثير، وجماعة.
ورَوَى عنه الجماعة، سوى البخاري، وأبو بكر بن أبي عاصم، وأبو بكر البزار، وزكرياء الساجي، ويوسف بن يعقوب القاضي، ومحمد بن إسحاق بن خُزيمة، وغيرهم.
قال أبو حاتم الرازي: صدوق. وقال النسائي: ثقة مأمون، قَلَّ شيخ رأيتُ بالبصرة مثلَه، وقال مسلمة بن قاسم ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو والسراج: مات سنة ثمان وأربعين ومائتين، زاد ابن حبان: وقد قيل: مات بعد سنة خمسين.
وله في هذا الكتاب (٨٣) حديثًا.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ) بن هُبيرة الْعَدويّ التّميميّ البصريّ، صدوقٌ تُكُلّم فيه للنَّصْب [٣].
رَوَى عن ابن عمر، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، والعلاء بن زياد العَدَويّ، ومعاذة صاحبة عائشة، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، والحمادان، وابن علية، ومعتمر بن سليمان، وعلي بن عاصم، وجماعة.
قال أحمد: شيخ ثقة، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله - وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره العجليّ،
стр. 745
فقال: ثقة، وكان يحمل على عليّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو العرب الصقليّ في "الضعفاء": كان يَحْمِل على عليّ تحاملًا شديدًا، وقال: لا أُحبّ عليًّا، وليس بكثير الحديث، ومن لم يُحِبّ الصحابة فليس بثقة، ولا كرامةَ.
وتُوُفِّي في الطاعون، في أول خلافة أبي العباس، سنة (١٣١).
رَوَى له البخاري مقرونًا حديثًا واحدًا في "كتاب الصوم"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث (٣٧)، و (١٠٨٩) حديث: "شهرا عيد لا ينقصان … "، و (١٩٩٥) حديث: "نهى رسول الله ﷺ عن الدبّاء، والحنتم، والنقير، والْمُزَفَّت".
٤ - (أَبُو قَتَادَةَ) الْعَدَوِيّ البصريّ، مختلف في صحبته، رَوَى عن عمر بن الخطاب، وهشام بن عامر الأنصاريّ، وعمران بن حُصين، ورجل من أهل البادية، له صحبة، وأُسَير بن جابر.
ورَوى عنه حُمَيد بن هلال، وإسحاق بن سُويد، وعباس بن عبد الله، وأبو قِلابة الْجَرْميّ.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن منده: له صحبة، وقال خليفة: اسمه نُذَير (١) بن قُنْفُذ، ويقال: تميم بن نُذَير، وقال ابن معين: اسمه تميم بن نذير، وقال غيره: ابن الزبير، ويقال: ابن يزيد بالزاي، ذكره الحاكم أبو أحمد، وذكره ابن حبان في "الثقات" في تميم، وبذلك جزم أبو نعيم في "المستخرج".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٣٧)، و (٢٨٩٩) حديث: "إني لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم … " الحديث الطويل.
٥ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ) ﵄ تقدم في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
стр. 746
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، فهو أعلى من السند الماضي.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ: إسحاق بن سُويد، عن أبي قتادة العدويّ.
٤ - (ومنها): أن إسحاق، وأبا قتادة هذا أول محلّ ذكرهما من الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لإسحاق، ثلاثة أحاديث، ولأبي قتادة حديثان فقط، كما بيّنته آنفًا.
٥ - (ومنها): أن فيه قوله: "وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ"، ولم يقل: إسحاق بن سُويد؛ إشارة إلى أن شيخه (١) لم ينسب إسحاق إلى أبيه، بل ذكره باسمه فقط، فلما أراد المصنّف أن يبيّنه من يُحدّثه، بنسبته إلى أبيه، فصل زيادته عما قاله شيخه، بكلمة "وهو"؛ لئلا يقول على شيخه ما لم يقله، وهذا من ورع المحدّثين، ومحافظتهم على ألفاظ شيوخهم، وإليه أشار السيوطيّ في ألفيّة الحديث بقوله:
وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوخ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
بنَحْوِ "يَعْنِي" أَوْ بِـ "إِنَّ" أَوْ بِـ "هُو" … أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَه
أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ … وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ إِسْحَاقَ - وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ) تقدّم توجيه زيادة "وهو" آنفًا (أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ) تميم بن نُذير، أو غيره العدويّ (حَدَّثَ، قَالَ) تفسير و"حدّث" (كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ
стр. 747
حُصَيْنٍ) ﵄، كان من فضلاء الصحابة ﵃ وفقهائهم، قال محمد بن سيرين: أفضل من نزل البصرة من أصحاب رسول الله ﷺ عمران بن حُصين، وأبو بكرة، أسلم عمران، وأبو هريرة عام خيبر، وتُوُفّي بالبصرة ﵁ سنة (٥٢ هـ) (١).
(في رَهْط) هو ما دون عشرة من الرجال ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ، وقال أبو زيد: الرهطُ، والنفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلبٌ أيضًا: الرهطُ، والنفَرُ، والقومُ، والْمَعْشَرُ، والْعَشِيرةُ معناهم الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السِّكِّيت: الرهطُ، والعَشِيرة: بمعنًى، ويقال: الرهطُ: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في "كتاب الضاد والظاء"، ونقله ابن فارس أيضًا، ورهطُ الرجلِ قومه، وقبيلته الأقربون، ذكره الفيّوميّ (٢).
وقال المجد: الرَّهْط، ويُحرَّك: قوم الرجل، وقبيلته، ومن ثلاثة، أو سبعة إلى عشرة، أو ما دون العشرة، وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، جمعه: أَرْهُطٌ، وأَرَاهِطُ، وأَرْهاطٌ، وأَرَاهِيطُ. انتهى (٣).
وقوله: (مِنَّا) أي من عشيرتنا (وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ) تقدّم أنه بضم الباء، وفتح الشين، والجملة في محل نصب على الحال، والرابط الواو والضمير، كما قال في "الخلاصة":
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا
(فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ) ﵁ (يَوْمَئِذٍ، قَالَ) تفسير لـ"حدّثنا"، كما مرّ قريبًا (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْحَيَاءُ خَيْر كُلُّهُ"، قَالَ) الظاهر أن القائل هو عمران ﵁، ويحتمل أن يكون من دونه (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ) ﷺ ، أو عمران ﵁ ("الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ") قد تقدّم أن الحديث على ظاهره، وأن المراد منه الحياء الشرعيّ، فالحياء كلّه خير، ولا يُستثنى منه شيء، وما ذكره بُشير من بعض الكتب إنما هو الحياء اللغويّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
стр. 748
(فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُب، أَوْ) للشكّ من الراوي (الْحِكْمَةِ) تقدّم أن الحكمة هي إصابة الحقّ بالعلم (أَنَّ مِنْهُ) أي بعض أنواع الحياء (سَكِينَةً) بفتح، فكسر، قال أبو نُعيم: فَعِيلة من السكون، وهو الوقار، والسكون الهدوء. انتهى (١). وقال ابن الأثير: "السكينة": الوقار، والتأني. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ: "السكينة" بالتخفيف: الْمَهَابةُ، والرَّزَانةُ، والوَقَار، وحَكَى في "النوادر": تشديد الكاف، قال: ولا يُعرَفُ في كلام العرب فَعّيلةٌ مثقّل العين إلا هذا الحرف شاذًّا. انتهى (٣).
فتبيّن بما ذُكر أن قوله: (وَوَقَارًا للهِ) عطف تفسير لـ "السكينة"، وفسّروا الوقار بأنه الحلم والرَّزانة، فقال الفيّوميّ: الوقار: الحِلْم والرَّزَانةُ، وهو مصدرُ وَقُرَ بالضمّ، مثلُ جَمُل جَمَالًا، ويقال أيضًا: وَقَرَ يَقِرُ، من باب وَعَدَ، فهو وَقُورٌ، مثلُ رسُول، والمرأةُ وَقُورٌ أيضًا، فَعُول بمعنى فاعل، مثلُ صَبُور، وشَكُور، والوقارُ أيضًا الْعَظَمةُ. انتهى (٤).
(وَمِنْهُ) أي بعض أنواعه (ضَعْفٌ) بفتح الضاد، وضمّها لغتان مشهورتان، قرئ بهما في السبع، قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤]، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قرأ عاصم، وحمزة بفتح الضاد فيهنّ، والباقون بالضمّ، والضمّ لغة النبيّ ﷺ ، وقرأ الْجَحْدريّ: "من ضعف، ثم جعل من بعد ضَعف" بالفتح فيهما، و"ضُعفًا" بالضمّ خاصّة، أراد أن يجمع بين اللغتين، قال الفرّاء: الضمّ لغة قريش، والفتح لغة تميم. انتهى (٥).
وقال الفيّوميّ: "الضَعْفُ" بفتح الضاد في لغة تميم، وبضمّها في لغة قريش: خلافُ القوّة، والصحّة، فالمضموم مصدر ضَعُفَ، مثالُ قَرُبَ قُرْبًا، والمفتوح مصدر ضَعَفَ ضَعْفًا، من باب قتل، ومنهم من يجعل المفتوح في الرأي، والمضموم في الجسد، وهو ضَعِيفٌ، والجمع ضُعَفاءُ، وضِعَافٌ أيضًا،
стр. 749
وجاء ضَعَفَة، وضُعفى؛ لأن فعيلًا إذا كان صفةً، وهو بمعنى مفعولِ جُمِعَ على فَعْلَى، مثلُ قَتِيل وقَتْلَى، وجَرِيح وجَرْحَى، قال الخليل: قالوا: هَلْكَى، ومَوْتَى، ذَهَابًا إلى أن المعنى معنى مفعول، وقالوا: أحمق، وحَمْقَى، وأنوكُ ونَوْكَى (١)؛ لأنه عيبٌ أُصيبوا به، فكان بمعنى مفعول، وشذّ من ذلك سَقِيمٌ، فجُمِعَ على سِقَامٍ بالكسر، لا على سَقْمَى؛ ذَهَابًا إلى أن المعنى معنى فاعل، ولُوحظ في ضَعيف معنى فاعل، فجُمع على ضِعَاف، وضَعَفَة، مثلُ كافر، وكَفَرَة. انتهى (٢).
[تنبيه]: أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ من طريق فُضيل بن مرزوق، عن عطيّة الْعَوفيّ قال: قرأت على عبد الله بن عمر: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ (٣) فقال: ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ (٤)، قرأتها على رسول الله ﷺ كما قرأتها عليّ، فأخذ عليّ كما أخذت عليك (٥).
هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عطية العوفي، وهو ضعيف، وأخرجه أيضًا أبو داود من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، وفيه أيضًا عطية المذكور، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو قتادة (فَغَضِبَ) بكسر الضاد، من باب تَعِبَ (عِمْرَانُ) ﵁ وسبب غضبه ﵁ وإنكاره عليه؛ لكونه قال: "ومنه ضعف" بعد سماعه قول النبيّ ﵁: "إنه خير كلّه"، وقيل: إنما أنكر عليه من حيث إنه ساقه في معرض من يُعارض كلام الرسول ﷺ بكلام غيره، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ) أي من شدّة غضبه عليه، قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: كذا وقع، وكذا رويناه، وهو على لغة من قال: "أكلوني البراغيث" (٦)، أو على البدل، كما قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣].
стр. 750
قال الجامع عفا الله تعالى: لغة "أكلوني البراغيث" هي التي أشار إليها ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
وَقَدْ يَقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا … وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
وحملوا عليها قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لكن هذا وجه ضعيف؛ لأن فيه حملَ الآية على لغة ضعيفة، والصحيح أن ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بدل من الضمير الفاعل، وهو الواو، أو "الذين" مبتدأ مؤخَّر، خبره جملة: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾، فتنبّه، ومثله حديث: "يتعاقبون فيكم ملائكة … " الحديث، على بعض الروايات، وأشباه هذا كثيرة معروفة.
ووقع في رواية أبي داود في "سننه": "واحمرّت عيناه" من غير ألف، وهو ظاهر، والله تعالى أعلم.
(وَقَالَ) عمران ﵁ (أَلا) أداة استفتاح، وتنبيه (أَرَاني) أي أرى نفسي.
[فائدة]: من خواصّ أفعال القلوب جواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متّصلين لمسمّى واحد، كـ"ظَننتني قائمًا"، وقوله تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٧]، وأُلْحِقَ بها في ذلك "رأى" الْحُلميّة والبصريّة بكثرة، نحو ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، وقول الشاعر [من الكامل]:
وَلَقَدْ أَرَانِي لِلرِّمَاحِ دَرِيئَةً … مِنْ عَنْ يَمِينِي تَارَةً وَأَمَامِي
و"عَدِمَ"، و"فَقَدَ"، و"وَجَدَ" بمعنى لَقِي بقلّة، دون باقي الأفعال، فلا يقال: "ضربتني" اتفاقًا؛ لئلا يكون الفاعل مفعولًا، بل ضربت نفسي، وظلمت نفسي؛ ليتغاير اللفظان، فإن ورد ما يوهمه قُدّر فيه النفس، نحو ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥]، ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢]، و ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، أي إلى نفسك، وعلى نفسك، بخلاف أفعال القلوب، فإن مفعولها في الحقيقة مضمون الجملة، لا المنصوب بها، فلا ضرر في اتحاده مع الفاعل، ولا توضع النفس مكانه عند الجمهور، فلا يقال: ظننت نفسي عالمة، وجوّزه ابن كيسان، فإن كان أحد الضميرين منفصلًا جاز في كلّ فعل، نحو ما ضربتُ إلا إياي (١)، فافهمه، فإنه نفيس، والله تعالى أعلم.
стр. 751
(أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتُعَارِضُ فِيهِ) أي تقابله، وتأتي بما يناقضه (قَالَ) أبو قتادة (فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ) أي تأكيدًا له (قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ) أي كلامه السابق (فَغَضِبَ عِمْرَانُ) ﵁ (قَالَ) أبو قتادة (فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ) أي شأن بُشير (إِنَّهُ مِنَّا) أي إن بُشيرًا من جماعتنا (يَا أَبَا نُجَيْدٍ) بضمّ النون، وفتح الجيم، مصغرًا كنية عمران ﵁، كُني بابنه نُجَيد (إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ) أي ليس ممن يُتّهَم بنفاق، أو زندقة، أو بدعة، أو غيرها، مما يُخالف به أهل الاستقامة.
وفي رواية أبي داود: "إنه إنه"، أي إنه صادق، وفي بعض النسخ: "إيه إيه"، قال في "القاموس": "إِيهْ" بكسر الهمزة، وإسكان الهاء: زجر بمعنى حسبك، و"إيهِ" مبنيّة على الكسر، فإذا وُصِلت نُوِّنت، و"أَيْهًا" بالفتح، والنصب: أمرٌ بالسكوت، والمعنى - والله أعلم - يا أبا نُجيد حسبك ما صدر منك من الغضب، والإنكار على بُشير، فإنه منّا، لا بأس به، فاسكت، ولا تزدد غضبًا (١).
والمسائل المتعلّقة به تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى الامام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ حُجَيْرَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيَّ، يَقُولُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، أبو محمد المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقة حافظ إمام حجة [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (النَّضْرُ) بن شُميل المازنيّ، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
стр. 752
٣ - (أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ) - بفتح النون - هو: عمرو بن عيسى بن سُويد بن هُبيرة البصريّ، صدوقٌ، اختلط [٧].
رَوَى عن خالد بن عُمير، وشُوَيس أبي الرَّقَّاد، وعبد العزيز بن بُشَير بن كعب، وحُجَير بن الرَّبِيع الْعَدَويّ، وحُمَيد بن هلال، وأبي السَّوّار الْعَدَويّ، وحفصة بنت سيرين، وغيرهم.
وروى عنه يزيد بن زُريع، ويحيى القطان، ووكيع، والنضر بن شُمَيل، وزُهير بن هُنَيد، وصفوان بن عيسى، وأبو عاصم، ومكي بن إبراهيم، وغيرهم.
قال الأثرم عن أحمد: ثقة، إلا أنه اختَلَطَ قبل موته، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه العجليّ، وقال ابن سعد في الطبقة الرابعة من البصريين: كان ضعيفًا.
قال الجامع عفا الله تعاهى عنه: لعلّ ابن سعد أراد ضعفه بسبب الاختلاط، وإلا فقد وثّقه الأئمة، كما سمعت، والله تعالى أعلم.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، في "القَدَر"، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط، أخرجه متابعة، فلا يضرّ الكلام فيه بالاختلاط، فتنبّه.
٤ - (حُجَيْرَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيَّ) البصريّ، يقال: إنه أبو السَوّار الْعَدَويّ، ثقة [٣].
روى عن عمران بن حصين حديث الباب فقط، وروى عن عمر بن الخطاب أيضًا، وعنه أبو نَعَامة العَدَويّ، وإسحاق بن سُوَيد، وأَوْفَى بن دَلْهَم، وحُمَيد بن هلال.
قال ابن إسحاق: كان قليل الحديث، روى له المصنّف حديثه عن عمران ﵁ هذا، قال العجليّ: بصريّ، تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقد اختُلِف فيه على أبي نَعَامة فرواه النضر بن شُميل، ويزيد بن زُريع عنه، عن حُجَير، ورواه رَوْح بن عُبَادة، ويوسف بن يعقوب الضُّبَعيّ، عن أبي السَّوّار الْعَدَويّ، ورواه أبو عاصم النَّبِيل، عن أبي نَعَامة، قال: حدثنا أبو
стр. 753
السَّوّار، واسمه حُجَير بن الرَّبِيع، كذلك رواه أبو عوانة في "صحيحه"، عن أبي أُمية الطَّرَسَوسِيّ عنه، وقد رواه قتادة، وقُرّة بن خالد، وخالد بن رَبَاح، عن أبي السوّار، فلم يسموه، وقد اختُلِف في اسم أبي السّوّار، فقيل: حسان بن حُرَيث، وقيل غير ذلك، والظاهر أنهما واحد، هكذا قال الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى في "تهذيب الكمال" (١).
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
وقوله: (نحو حديث حمّاد بن زيد) يعني أن حديث إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن شُميل، نحو حديث يحيى بن حبيب، عن حماد بن زيد.
[تنبيه]: رواية النضر هذه أخرجها أبو نعيم في "المسند المستخرج" ١/ ١٢٨ فقال: حدثنا أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن عليّ، وأبو بكر بن خَلاد، قالا: ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا رَوْح بن عبادة …
وحدثنا أبو أحمد الغطريفيّ، ثنا عبد الله بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا النضر بن شميل، قالا: ثنا أبو نعامة العَدَويّ، سمعت حُجَير بن الرَّبِيع العدوي، أبا السَّوّار العدويّ، يحدث عن عمران بن حصين: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "الحياء خيرٌ كله".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه تصريح بأن حُجير بن الربيع هو أبو السّوّار العدويّ المتقدّم، وهو يؤيّد ما رجحه الحافظ المزيّ من كونهما واحدًا، كما سبق في كلامه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١٥) - (بَابُ جَامِعِ أَوْصَافِ الإِسْلَامِ)
وبسندنا المتّصل إلى الامام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٧] (٣٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
стр. 754
ابْنُ نُمَيْرٍ (ح) وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا، عَنْ جَرِيرٍ (ح) وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، قُلْ لِي فِي الاسْلَامِ قَوْلًا، لَا أَسْأَل عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ - وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: غَيْرَكَ - قَالَ: "قُلْ: آمَنْتُ بِالله، فَاسْتَقِمْ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ) هو: عبد الله بن محمد المذكور في الباب الماضي.
٢ - (وَأَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمَير الْهَمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٣٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغْلانيّ، ثقة ثبت [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه المذكور في السند الماضي.
٦ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان يهم في آخر عمره من حفظه [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٧ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت، ربّما دلّس، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٨ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربّما دلّس [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٩ - (أَبُوهُ) هو: عروة بن الزبير بن العوّام، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
١٠ - (سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ) هو: سفيان بن عبد الله بن رَبِيعة بن الحارث، ويقال: سفيان بن عبد الله بن حُطَيط، أبو عمرو، ويقال: أبو عمرة
стр. 755
الطائفيّ، له صحبة، وكان عامل عمر على الطائف، روى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر، وعنه أبناؤه: عاصم، وعبد الله، وعلقمة، وعمرو، وأبو الحكم، وابن ابنه محمد، ويقال: محمود بن أبي سُويد بن سفيان، وعبد الرحمن، ويقال: محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، وهشام بن عروة، مرسل، وقال العسكريّ: سفيان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن حطيط بن جُشَم.
قال الحافظ: فكأنّ من قال: سفيان بن عبد الله بن حطيط، نَسَبَ عبد الله إلى جده الأعلى.
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله عندهم هذا الحديث فقط، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه: أبي بكر، وإسحاق، فلم يُخرج للأول الترمذيّ، ولا للثاني ابن ماجه، وكذا الصحابيّ تفرّد به هو والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيه، من المقلّين من الرواية، فليس له غير هذا الحديث عند المذكورين، راجع "تحفة الأشراف" ٣/ ٥٣١ - ٥٣٣، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سُفْيَانَ) بتثليث السين، والضمّ أشهر (ابْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ) بفتحتين: نسبة إلى قبيلة ثَقِيف، أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، قُلْ لِي فِي الإِسْلَامِ) أي فيما يكمُل به الإسلام، ويُراعَى به حقوقه، ويُستدلّ به على توابعه ولواحقه، وقيل: التقدير: في مبادئ الإسلام وغاياته (قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ) أي قولًا جامعًا لا أحتاج فيه إلى سؤال أحد بعد سؤلك هذا، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي من بعد إمساكه، قاله القاري (١).
стр. 756
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي علّمني قولًا جامعًا لمعاني الإسلام، واضحًا في نفسه، بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيرك، أعمل عليه، وأكتفي به، وهذا نحوٌ مما قال له الآخر: عَلِّمني شيئًا أعيش به في الناس، ولا تُكثر عليّ، فأنسى، فقال: "لا تَغْضب" (١).
(وَفي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: غَيْرَكَ) يعني أنه وقع في رواية أبي أسامة بلفظ "غيرك" بدل "بعدك" أي لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال القاري رحمه الله تعالى: والأول مستلزم لهذا؛ لأنه إذا لم يسأل أحدًا بعد سؤاله لم يسأل غيره، وبهذا يظهر أولويّة الأول بجعله أصلًا، والثاني رواية، خلافًا لما فعل النوويّ في "أربعينه". انتهى كلام القاري (٢).
(قَالَ) ﷺ ("قُلْ: آمنْتُ بِاللهِ) أي بجميع ما يجب الإيمان به، وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج": "قل: ربي الله، ثم استقم"، فالمراد بالإيمان هو الشرعيّ الذي هو التصديق بالجنان، والقول باللسان، والعمل بالأركان، فيكون معنى قوله: (فَاسْتَقِمْ ") وفي بعض النسخ: "ثم استقم"، أي ثمّ دم على ذلك الإيمان حتى تموت عليه، وهذا هو المعنى الراجح، كما يأتي تحقيقه عن الطيبيّ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: الاستقامةُ: هي سلوكُ الصراط المستقيم، وهو الدين القَيّم من غير تعريج عنه يمنةً، ولا يَسْرَةً، ويَشْمَلُ ذلك فعلَ الطاعات كلّها الظاهرةَ والباطنةَ، وتركَ المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعةً لخصال الدين كلها. انتهى (٣).
وقال الأستاذ أبو القاسم القشيريّ في "رسالته": الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حُصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيمًا في حالته ضاع سعيه، وخاب جهده، قال: وقيل: الاستقامة لا يُطيقها
стр. 757
إلا الأكابر؛ لأنها الخروج عن المعهودات، ومفارقة الرسوم والعادات، والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق، ولذلك قال: "استقيموا، ولن تُحصوا"، وقال الواسطيّ: الْخَصْلة التي بها كَمُلَت المحاسن، وبفقدها قَبُحَت المحاسن. ذكره النوويّ في "شرحه" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تفسير القشيريّ، وكذا ابن رجب للاستقامة بما ذُكر، وإن كان صحيحًا في نفسه، إلا أن المراد هنا هو الثبات والدوام، كما حقّقه الطيبيّ رحمه الله تعالى، ودونك عبارته.
قال رحمه الله تعالى: قوله: "ثم استقم" قال الأشرف: لفظ "ثُمّ" موضوع للتراخي، دالّةٌ على أن الكفّار غير مكلّفين بفروع الإسلام، بل هم مكلّفون بأصوله فقط، فإذا آمنوا كُلّفوا بفروعه.
قال الجامع عفا الله تعالى: هذا استنباط بعيدٌ، والراجح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، كما حقّقته في "التحفة المرضيّة" و"شرحها"، فتنبّه.
قال الطيبيّ: وأقول: اتَّفَقَ علماء البيان على أن "ثُمَّ" في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] للتراخي في الرتبة، وأن الثبات والاستقامة على ذلك أفضل من قول: "آمنتُ بالله" ومقتضياته، وذلك أن هذا القول ادّعاءٌ من القائل بأنه رضي بالله ربًّا، والرضا بذلك إقرار بأن المعبود الخالق المنعِم على الإطلاق مالكه، ومدبّر أمره يوجب القيام بمقتضياته من الإيمان بملائكته، وكتبه، ورُسُله، واليوم الآخر، ومن الشكر باللسان، وتحقيق مراضيه بالقلب والجوارح، ثم الاستقامة على هذا، والثبات عليه، وأن لا يَرُوغ رَوَغَان الثعلب أفضل وأكمل.
[فإن قيل]: ما الفرق بين هذا وبين قول الشارحين؟ (٢).
стр. 758
[نقول]: إن قوله: "آمنتُ بالله" على هذا مستتبعٌ لما ذهب إليه الشارحون في تفسير قوله: "ثمّ استقم"، فيسلم على هذا معنى الاستقامة للثبات، والاستدامة على القول ومقتضياته، فيحسُنُ موقع "ثُمّ" المستدعية للتراخي في الرتبة، لا الزمان لفساده، وينصره قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]، فإن قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ يفسّر معنى قوله: ثم استقاموا بالثبات، وهو لتفسير الشارحين غير مطابق.
وأيضًا لَمّا تَقَرَّرَ من قبلُ أن مذهب الصحابة والتابعين، والمحدّثين على أن الإيمان مشتمل على التصديق بالجنان، والقول باللسان، والعمل بالأركان وجب حملُ معنى قوله: "آمنتُ" على المجموع، وقوله: "ثم استقم" على الثبات على ذلك.
قال: ثم إني - بعد لطف الله وتوفيقه - عَثَرتُ على نقل من جانب الشيخ محيي الدين النوويّ، عن القاضي عياض أنه قال: هذا من جوامع كلمه ﷺ ، وهو مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، أي وحّدوا الله تعالى، وآمنوا به، ثم استقاموا، فلم يَحِيدوا عن توحيدهم، والتزموا طاعته إلى أن تُوُفّوا على ذلك، وعلى ما ذكرناه أكثر المفسّرين من الصحابة، فمن بعدهم، وهو معنى الحديث. هذا كلام القاضي عياض، قال: والحمد لله على توارد الخواطر. انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله تعالى (١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا.
وسيأتي تمام البحث في أقوال أهل العلم في هذا الحديث في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سفيان بن عبد الله ﵁ هذا من أفراد المصنّف، لم يُخرجه البخاريّ.
стр. 759
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنِّف هنا في "الإيمان" [١٥/ ١٦٧] (٣٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كُريب، كلاهما عن عبد الله بن نُمير، وعن قتيبة، وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن جرير، وعن أبي كُريب، عن أبي أسامة، ثلاثتهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنه ﵁.
و (الترمذيّ) في "الزهد" عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن ماعز، عنه نحوه، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
و (النسائيّ) في "التفسير (١١٤٩٠) عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان الثقفيّ، عن أبيه به، و (١١٤٨٩) عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضّل، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن سفيان بن عبد الله، عن أبيه به، كذا قال، وفي "الرقائق" عن سويد بن نصر به، وعن محمد بن المثنّى، عن أبي داود، وعن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن (١)، كلاهما عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، عنه نحوه.
و (ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٧٢) عن أبي مروان محمد بن عثمان العثمانيّ، عن إبراهيم بن سعد.
وحديث بشر خطأٌ، والصواب كما قال غندر، عن شعبة، وكذلك رواه هُشيم بن بشير، عن يعلى بن عطاء.
و (أحمد) ٣/ ٤١٣ و ٤/ ٣٨٤، و (الدارميّ) (٢٧١٣ و ٢٧١٤)، و (أبو نعيم) في "المستخرج" (١٥٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٦٣٩٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩٤٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان، وسفيان هو ابن عبد الله الثقفي الطائفيّ، له صحبة، وكان عاملًا لعمر بن الخطاب ﵁ على الطائف، وقد رُوي عن سفيان بن عبد الله من وجوه أُخَر بزيادات، فخرَّجه
стр. 760
الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، من رواية الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، وعند الترمذيّ من رواية عبد الرحمن بن ماعز، عن سفيان بن عبد الله، قال: قلت: يا رسول الله حَدِّثنِي بأمر أَعْتَصِم به، قال: "قل: ربي الله، ثم استقم"، قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه، قال: "هذا"، وقال الترمذيّ: حسن صحيح.
وأخرجه الإمام أحمد، والنسائيّ من رواية عبد الله بن سفيان الثقفيّ، عن أبيه، أن رجلًا قال: يا رسول الله، مُرْني بأمر في الإسلام، لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: "قل: آمنت بالله، ثم استقم"، قلت: فما أَتَّقِي؟ فأومأ إلى لسانه (١). انتهى (٢).
[تنبيه]: قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ رحمه الله تعالى: اختُلف في هذا الحديث على الزهريّ، فقال إبراهيم بن سعد: عنه، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، كما تقدّم، وقال معمر وغير واحد: عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن ماعز، وقال الزُّبيديّ: عن الزهريّ، عن ماعز بن عبد الرحمن، ويقال: إن محمد بن عبد الرحمن كان لقبه ماعزًا، وقال يونس بن يزيد: عن الزهريّ، عن محمد بن أبي سُوَيد أن جدّه سفيان عبد الله الثقفيّ قال، وقال عبد الله بن زياد بن سمعان: عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن سعد الْمُقْعَد، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، وتابعه رِشْدين بن سعد، عن عُقيل، عن الزهريّ، ولفظه: حَدَّثني بأمر أعتصم به، قال: "أمسك عليك هذا"، وأشار إلى لسانه، ولم يذكر القصّة الأولى. انتهى كلام الحافظ المزيّ رحمه الله تعالى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية المصنّف رحمه الله تعالى خالية من هذا الاضطراب كلّه، فإنه لم يُخرجه من طريق الزهريّ، ولم يُشر إليها؛ لهذا
стр. 761
الاضطراب، فما أيقظه، وأتقن عمله، وأشدّ انتقاءه، فلله درّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في استكمال ما قاله أهل العلم في تفسير هذا الحديث، وبيان فوائده التي اشتمل عليها:
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: هذا من جوامع كلمه ﷺ ، وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، أي وحَّدوا الله، وآمنوا به، ثم استقاموا، فلم يَحِيدُوا عن التوحيد، والتزموا طاعته إلى أن تُوُفُّوا على ذلك، وعلى ما ذكرناه أكثر المفسرين من الصحابة، فمن بعدهم، وهو معنى الحديث - إن شاء الله تعالى. - انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى.
وقال ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]: ما نزلت على رسول الله ﷺ في جميع القرآن آية كانت أشدَّ، ولا أشقَّ عليه من هذه الآية، ولذلك قال ﷺ لأصحابه حين قالوا: قد أَسْرَع إليك الشيب، فقال: "شيبتني هود وأخواتها" (١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وجوابه ﷺ هذا بقوله: "قل: آمنت بالله، ثم استقم"، وكذا جوابه للآخر بقوله: "لا تغضب" دليلٌ على أن النبيّ ﷺ أُوتي جوامع الكلم، واختُصِر له القول اختصارًا، كما قال النبيّ ﷺ مخبِرًا بذلك عن نفسه (٢)، فإنه ﷺ جَمَعَ لهذا السائل في هاتين الكلمتين معاني الإسلام والإيمان كلّها، فإنه أمره أن يُجدّد إيمانه متذكّرًا بقلبه، وذاكرًا بلسانه، ويقتضي هذا استحضار تفصيل معاني الإيمان الشرعيّ بقلبه التي تقدّم ذكرها في حديث
стр. 762
جبريل ﵇، وأمره بالاستقامة على أعمال الطاعات، والانتهاء عن جميع المخالفات؛ إذ لا تتأتّى الاستقامة مع شيء من الاعوجاج، فإنها ضدّه، وكأن هذا القول مُنْتَزَعٌ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] أي آمنوا بالله، ووحّدوه، ثم استقاموا على ذلك، وعلى طاعته إلى أن تُوُفّوا عليها، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: استقاموا على طاعته، ولم يَرُوغُوا رَوَغَان الثعالب، ومُلخّصه: اعتدلوا على طاعة الله تعالى عقدًا وقولًا وفعلًا، وداموا على ذلك. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قول سفيان بن عبد الله ﵁ للنبيّ ﷺ : "قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك " طَلَبَ منه ﷺ أن يُعْلِمَهُ كلامًا جامعًا لأمر الإسلام، كافيًا حتى لا يَحتاجُ بعده إلى غيره، فقال له النبي ﷺ : "قل: آمنت بالله، ثم استقم"، وفي الرواية الأخرى: "قل: ربي الله، ثم استقم".
هذا مُنْتَزَعٌ من قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت: ٣٠]، وقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾ [الأحقاف: ١٣، ١٤].
وخرّج النسائي في "تفسيره" من رواية سُهَيل بن أبي حزم: حدثنا ثابت، عن أنس، أن النبيّ ﷺ قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، فقال: "قد قالها الناس، ثم كفروا، فمن مات عليها، فهو من أهل الاستقامة"، وخرَّجه الترمذيّ، ولفظه: فقال: "قد قالها الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها، فهو ممن استقام"، وقال: حسنٌ غريبٌ، وسُهَيل تُكُلّم فيه من قِبَلِ حفظه.
وقال أبو بكر الصديق ﵁ في تفسير: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: لم يشركوا بالله شيئًا، وعنه قال: لم يلتفتوا إلى إله غيره، وعنه قال: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على
стр. 763
أن الله ربُّهم، وعن ابن عباس بإسناد ضعيف قال: هذه أرخص آية في كتاب الله: ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على شهادة أن لا إله إلا الله، ورُوِي نحوه عن أنس، ومجاهد، والأسود بن هلال، وزيد بن أسلم، والسُّديُّ، وعكرمة، وغيرهم.
ورُوي عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية على المنبر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، فقال: لم يَرُوغُوا رَوَغَانَ الثَّعْلَب (١).
ورَوَى عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: استقاموا على أداء فرائضه، وعن أبي العالية قال: ثم أخلصوا له الدين والعمل، وعن قتادة قال: استقاموا على طاعة الله، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة.
ولعَلَّ من قال: إن المراد الاستقامة على التوحيد، إنما أراد التوحيد الكامل، الذي يُحَرِّم صاحبه على النار، وهو تحقيق معنى "لا إله إلا الله"، فإن الإله هو المعبود الذي يُطَاع، فلا يعصى؛ خشيةً وإجلالًا ومهابة ومحبّةً ورجاءً وتوكلًا ودعاءً، والمعاصي كلُّها قادحة في هذا التوحيد؛ لأنها إجابة لداعي الهوى، وهو الشيطان، قال الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، قال الحسن وغيره: هو الذي لا يَهْوَى شيئًا إلا رَكِبَهُ، فهذا ينافي الاستقامة على التوحيد.
وأما على رواية من روى: "قل: آمنت بالله"، فالمعنى أظهر؛ لأن الإيمان تَدْخُل فيه الأعمال الصالحة عند السلف، ومن تابعهم من أهل الحديث.
وقال الله : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]، فأمَرَه أن يستقيم، ومن تاب معه، وأن لا يُجاوزوا ما أُمروا به، وهو الطغيان، وأخبر أنه بَصِير بأعمالكم، مُطَّلِع عليها.
وقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾
стр. 764
[الشورى: ١٥]، وقال قتادة: أُمر محمد ﷺ أن يستقيم على أمر الله، وقال الثوريّ: على القرآن، وعن الحسن قال: لَمّا نَزَلت هذه الآية، شَمَّرَ رسول الله ﷺ فَمَا رُؤي ضاحكًا. خَرَّجه ابن أبي حاتم.
وذكر القُشَيريّ عن بعضهم أنه رَأَى النبيّ ﷺ في المنام، فقال له: يا رسول الله قلت: "شيبتني هود وأخواتها" (١)، فما شَيَّبَكَ منها؟ قال: قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت﴾.
وقال : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦].
وقد أَمَرَ الله تعالى بإقامة الدين عمومًا، كما قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وأمر بإقامة الصلاة في غير موضعٍ من كتابه، كما أَمر بالاستقامة على التوحيد في تينك الآيتين.
والاستقامةُ: هي سلوكُ الصراط المستقيم، وهو الدين القَيِّم من غير تعريج عنه يمنةً، ولا يَسْرَةً، ويَشْمَلُ ذلك فعلَ الطاعات كلّها الظاهرةِ والباطنة، وتركَ المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعةً لخصال الدين كلها.
وفي قوله : ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ إشارة إلى أنه لا بُدَّ من تقصير في الاستقامة المأمور بها، فيُجْبَر ذلك بالاستغفار المقتضي للتوبة، والرجوع إلى الاستقامة، فهو كقول النبيِّ ﷺ لمعاذ: "اتَّقِ اللهَ حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها" (٢).
وقد أَخبر النبي ﷺ أن الناس لن يستطيعوا الاستقامة حقَّ الاستقامة، كما خرّجه الإمام أحمد، وابن ماجه، من حديث ثوبان ﵁ عن النبيّ ﷺ قال "استقيموا، ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يُحافظ على
стр. 765
الوضوء إلا مؤمن"، وفي رواية الإمام أحمد ﵀: "سَدِّدُوا، وقاربوا، ولا يحافظ على الصلاة إلا مؤمن" (١).
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "سَدِّدُوا، وقاربوا".
فالسَّدَاد هو حقيقة الاستقامة، وهو الإصابة في جميع الأقوال، والأعمال، والمقاصد، كالذي يرمي إلى غَرَضٍ، فيصيبه.
وقد أمر النبيُّ ﷺ عليًّا ﵁ أن يسأل الله السَّدَادَ والهدى، وقال له: "اذكر بالسَّداد تسديدك السهم، وبالهدى هدايتك الطريق".
والمقاربةُ أن يصيب ما قَرُبَ من الْغَرَض إذا لم يُصب الغرض نفسه، ولكن بشرط أن يكون مُصَمِّمًا على قصد السداد، وإصابة الغرض، فتكون مقاربته عن غير عَمْدٍ، ويدل عليه قولُ النبيّ ﷺ في حديث الحكم بن حَزْن الْكُلَفيّ ﵁: "أيها الناس إنكم لن تعملوا - أو لن تُطِيقوا - كلَّ ما أَمرتكم، ولكن سَدِّدُوا، وأبشروا" (٢).
والمعنى: اقصِدُوا التسديد والإصابة والاستقامة، فإنهم لو سَدَّدُوا في العمل كله، لكانوا قد فَعَلُوا ما أُمروا به كله.
فأصلُ الاستقامة استقامةُ القلب على التوحيد، كما فسّر أبو بكر الصديق وغيره ﵃ قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره.
فمتى استقام القلب على معرفة الله، وعلى خشيته، وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه، والإعراض عما سواه استقامت الجوارح كلُّها على طاعته، فإن القلب هو مَلِكُ الأعضاء، وهي جنوده، فإذا استقام الْمَلِك استقامت جنوده ورَعَاياه.
стр. 766
وكذلك فُسِّرَ قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] بإخلاص القصد لله، وإرادته وحده لا شريك له.
وأعظمُ ما يُرَاعَى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسانُ، فإنه تَرْجَمَانُ القلب، والْمُعَبِّر عنه، ولهذا لَمّا أَمَرَ النبيُّ ﷺ بالاستقامة وصّاه بعد ذلك بحفظ لسانه، ففي مسند الإمام أحمد، عن أنس ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" (١).
وفي رواية الترمذيّ عن أبي سعيد مرفوعًا وموقوفًا: "إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تُكَفِّر اللسان، فتقول: اتَّق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا". انتهى ما كتبه ابن رجب، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١٦) - (بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإسْلَامِ فِيه، وَأَيُّ أُمُورِهِ أفضَلُ؟)
وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٨] (٣٩) - (حَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا لَيْثٌ …
(ح) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَل رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَيُّ الاسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغْلانيّ، ثقة ثبت [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
стр. 767
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) بن الْمُحَرّر بن سالم التُّجِيبيّ مولاهم، أبو عبد الله المصري الحافظ، ثقة ثبت [١٠].
رَوَى عن مسلمة بن علي الْخُشَنِيّ، وابن لَهِيعة، والليث، ومفضل بن فضالة، ونعيم بن حماد، وجماعة.
ورَوَى عنه مسلم، وابن ماجهْ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو الربيع سليمان بن داود الْمَهْري، وغيرهم.
قال ابن الجنيد: كان أوثق من ابن زُغْبَة. وقال أبو داود: ثقة ولم أكتب عنه شيئًا، وقال النسائي: ما أخطأ في حديث واحد، ولو كان كتب عن مالك لأثبته في الطبقة الأولى من أصحابه. وقال ابن ماكولا: كان ثقة مأمونًا، وقال ابن يونس: ثقة ثبت في الحديث، وكان أعلم الناس بأخبار البلد وَوَقْفِه، وكان إذا شهد في دار عَلِمَ أهلُ البلد أنها طيبة الأصل. وذكر ابن السمعاني في "الأنساب" أن البخاري روى عنه. وقال محمد بن وَضّاح: لقيته بمصر، وكان نِعْمَ الشيخُ. وقال مسلمة: أنا عنه غير واحد، وهو ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وكذا أرّخه ابن أبي عاصم. وقال البخاري وابن قُدَيد: مات في شوال سنة (٤٢). تفرّد به المصنّف، وابن ماجه.
وفي "الزهرة": روى عنه مسلم مائة حديث، وإحدى وستين حديثًا. انتهى (١).
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ص ٢ ص ٤١٢.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) واسمه سُوَيد الأزدي مولاهم، وقيل غير ذلك في ولائه، أبو رَجَاء المصريّ، ثقة فقيه، يُرسل [٥].
رَوَى عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبيدي، وأبي الطفيل، وأسلم بن يزيد أبي عمران، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنين، وخَيْر بن نُعيم الحضرمي، وسويد بن قيس التجيبي، وعطاء بن أبي رباح، وعِراك بن مالك، وغيرهم.
стр. 768
ورَوَى عنه سليمانُ التيميّ، ومحمد بن إسحاق، وعمرو بن الحارث، وابنُ لَهيعة، والليث بن سعد، ويحيى بن أيوب، وآخرون.
قال ابن سعد: كان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان حليمًا عاقلًا، وكان أول من أظهر العلم بمصر، والكلام في الحلال والحرام، وكانوا قبل ذلك إنما يتحدّثون بالفتن والملاحم، وهو أحد الثلاثة الذين جعل إليهم عمر بن عبد العزيز ﵀ الفتيا بمصر، وقال الليث: يزيد بن أبي حبيب سيدنا وعالمنا، وقال الآجري عن أبي داود: لم يَسمع من الزهري، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن يزيد بن أبي حبيب وموسى الْجُهَنِيّ أيهما أحب إليك؟ فقال: يزيد، قال: وسئل أبو زرعة عن يزيد؟ فقال: مصريّ ثقة، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: يزيد بن أبي حبيب، عن عقبة بن عامر مرسل، وقال الليث: ثنا يزيد بن أبي حبيب وعبيد الله بن أبي جعفر، وهما جَوْهَرِيّا البلد، وقال ابن وهب: لو جُعلا في ميزان ما رَجَحَ أحدهما على الآخر، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن يونس: كان يزيد نُوبيًّا من أهل دنقلة، فابتاعه شريك بن الطفيل العامريّ، فأعتقه، وُلد سنة ثلاث وخمسين.
وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقال غيره: بَلَغَ زيادةً على خمس وسبعين سنة، وفيها أَرّخه ابن يونس، وقال: رَوَى عنه الأكابر من أهل مصر، ثم رَوَى عن ابن لَهيعة أنه وُلد سنة ثلاث وخمسين. وقال البخاري: قال يحيى بن بكير: هو ابن قيس، ويقال: سُوَيد، وله أخ اسمه خَليفة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثًا.
٥ - (أَبُو الْخَيْرِ) هو: مرثد بن عبد الله الْيَزَنيّ - بفتح التحتانيّة، والزاي، بعدها نون - (١) المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣].
стр. 769
رَوَى عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ، وكان لا يفارقه، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي أيوب الأنصاريّ، وأبي بَصْرَة الغفاري، وزيد بن ثابت، وغيرهم.
ورَوَى عنه يزيد بن أبي حبيب، وجعفر بن ربيعة، وكعب بن علقمة، وعبد الرحمن بن شِمَاسة، وعبيد الله بن أبي جعفر، وغيرهم.
قال ابنُ يونس: كان مُفتي أهل مصر في زمانه، وكان عبد العزيز بن مروان يُحضِره، فيُجْلِسه للفتيا، وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله فضل وعبادةٌ، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن معين: كان عند أهل مصر مثل علقمة عند أهل الكوفة، وكان رجلَ صدقٍ، ووَثَّقَهُ يعقوب بن سفيان، وذكره ابنُ حبّان في "الثقات".
قال سعيد بن عُفَير؛ تُوُفّي سنة تسعين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن العاص بن وائل السهميّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، الصَّحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ تقدّم في "المقدمة" ٤/ ١٨، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه محمد بن رُمح، فانفرد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًّا، إلا أنه دخل مصر طالِبًا للعلم، قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: وفي هذا الإسناد لطيفة، وهو أن رواته كلهم مصريّون، وهذا من الغرائب؛ لأنه في غاية القلّة، ويزداد قلّةً باعتبار جلالتهم؛ لأنهم كانوا كلّهم أئمة جلّة. انتهى (١).
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء.
стр. 770
٥ - (ومنها): أن فيه الإمامَ الفقيه المجتهد المشهور الليث بن سعد، كان الإمام الشافعي يراه أفقه من مالك رحمهم الله تعالى.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يزيد، عن أبي الخير.
٧ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) وقد تقدّم تمام البحث فيها غير مرّة.
٨ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، ومن المشهورين بالفتوى، وهو صحابيّ ابن صحابيّ، وروى كثيرًا من الأحاديث (٧٢٢) حديثًا.
(فائدة): "عمرو" يُكتب بالواو في الرفع والجرّ؛ تمييزًا بينه وبين "عُمَر"، ولم يُعكس؛ لخفّة "عمرو" بثلاثة أشياء: فتح أوله، وسكون ثانيه، وصرفه، وأما في حالة النصب فالتمييز بالألف، قاله الكرمانيّ (١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) ﵄ (أَنَّ رَجُلًا) قال في "الفتح": لم أعرف اسمه، وقيل: إنه أبو ذرّ ﵁، وفي رواية ابن حبّان أن هانئ بن يزيد، والد شُريح سأل عن معنى ذلك، فأُجيب بنحو ذلك. انتهى (٢). (سَأَل رَسُولَ اللهِ ﷺ ) ولفظ البخاريّ: سأل النبيّ ﷺ (أَفُي الاسْلَام خَيْرٌ؟) مبتدأ وخبره، أي: أيّ خصال الإسلام خير؟ بدليل جوابه بقوله: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام … إلخ"، وأنه ﷺ فَهِمَ من هذا السائل أنه يسأل عن أفضل خصال الإسلام المتعدّية النفع إلى الغير، فأجابه بأعمّ ذلك، وأنفعه في حقّه، فإنه ﷺ كان يُجيب كلّ سائل على حسب ما يَفْهَمُ منه، وبما هو الأهمّ في حقّه، والأنفع له، قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى (٣).
وقال في "الفتح": التقدير: أي خصال الإسلام؟ قال: وإنما لم أَخْتَرْ تقدير "خصال" في الأول - يعني حديث "أي المسلمين أفضل؟ " -؛ فرارًا من كثرة الحذف، وأيضًا فتنويع التقدير، يتضمن جواب من سأل، فقال: السؤالان بمعنى واحد، والجواب مختلف؟، فيقال له: إذا لاحظت هذين التقديرين، بَانَ الفرقُ.
стр. 771
ويمكن التوفيق بأنهما متلازمان، إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد، والسلامُ لسلامة اللسان، قاله الكرماني، وكأنه أراد في الغالب.
ويحتمل أن يكون الجواب اختَلَفَ لاختلاف السؤال عن الأفضلية، إن لُوحظ بين لفظ "أفضل"، ولفظ "خير" فرق.
وقال الكرماني: الفضل بمعنى كثرة الثواب في مقابلة القلّة، والخير بمعنى النفع في مقابلة الشرّ، فالأول من الكميّة، والثاني من الكيفيّة، فافترقا.
واعتُرِض بأن الفرق لا يتمّ، إلا إذا اختَصّ كلّ منهما بتلك المقولة، أما إذا كان كل منهما يُعقَل تأتيه في الأخرى فلا، وكأنه بَنَى على أن لفظ "خير" اسم، لا أفعلُ تفضيل، وعلى تقدير اتّحاد السؤالين جواب مشهور، وهو الحمل على اختلاف حال السائلين، أو السامعين، فيمكن أن يراد في الجواب الأول، تحذيرُ من خَشِيَ منه الايذاء بيد، أو لسان، فأَرشد إلى الكفّ، وفي الثاني ترغيبُ مَن رَجَى فيه النفع العام بالفعل والقول، فأَرشد إلى ذلك، وخَصّ هاتين الخصلتين بالذكر؛ لمسيس الحاجة إليهما في ذلك الوقت، لما كانوا فيه من الْجَهْد، ولمصلحة التأليف، ويدل على ذلك أنه ﷺ حَثّ عليهما أوّل ما دخل المدينة، كما رواه الترمذي وغيره، مُصَحّحًا من حديث عبد الله بن سلام ﵁ (١).
(قَالَ) ﷺ ("تُطْعِمُ الطعَامَ) خبر لمحذوف بتقدير "أن" المصدريّة، أي هو أن تُطعم، أي إطعامك الطعام، فهو نظير قولهم: "تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه"، أي أن تسمع، أي سماعك، غير أن في هذا المؤوّلُ مبتدأ، وفي الحديث خبرٌ، وحَذْفُ "أن" ورفعُ الفعل جائز على الصحيح في سعة الكلام،
стр. 772
وهو مذهب الأخفش من النحاة، وقوّاه ابن مالك في "التسهيل"، فقد جاء به في التنزيل العزيز قولُهُ تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] الآية، والتقدير: أن يُريكم، وأما نصب الفعل مع حذفها، فضرورة لا يقع في سعة الكلام، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
أَلَا أَيُّهَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى … وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
وإليه أشار ابن مالك في "الخلاصة"، حيث قال:
وَشَذَّ حَذْفُ "أَنْ" وَنَصْبٌ فِي سِوَى … مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى
(وَتَقْرَأُ) بفتح التاء، وضمّ الهمزة؛ لأنه مضارع قرأ، بمعنى: تقول، قال أبو زيد: أقرئني خَبَرًا: أخبرني به، وقال أبو حاتم السِّجِسَتاني: يقال: اقْرَأ ﵇، وأَقْرِئْهُ الكتابَ، ولا يقال: أَقْرِئْهُ السلامَ، إلا أن يكون مكتوبًا في كتاب، ويقال: أقرئه إياه، ولا يقال: أقرئه السلام، إلا في لغة شنوءة، نقله ابنُ بَطّال في "شرح البخاريّ" ١/ ٦٤.
وقال الفيّوميّ: وقرأت على زيد السلامَ أقرؤه عليه قراءةً، وإذا أمرت منه قلت: اقْرَأ ﵇، قال الأصمعيّ: وتعديته بنفسه خطأ، فلا يُقال: اقْرَاهُ السلامَ؛ لأنه بمعنى اتْلُ عليه، وحَكَى ابن القطّاع أنه يتعدّى بنفسه رُباعيًّا، فيقال: فلانٌ يُقْرِئك السلامَ. انتهى (١).
وقوله: (السَّلَامَ) بالنصب على المفعوليّة (عَلَى مَنْ عَرَفْتَ) متعلّقٌ بـ "تقرأ"، و"مَنْ" موصولة، وعائد الموصول محذوف، أي عرفته (وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ") أي لا تَخُصَّ به أحدًا تكبّرًا، أو تصنّعًا، بل تعظيمًا لشِعَار الإسلام، ومراعاة لأُخُوّة المسلم، فهذا أفضل أنواع إفشاء السلام، ويخرج من عموم ذلك من لا يجوز ابتداؤه بالسلام، كأهل الكتاب، عند جمهور العلماء، قاله ابن رجب رحمه الله تعالى (٢).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": معنى: "تقرأ السلام على مَن عَرَفت ومن لم تعرف" أي تُسَلِّم على كل مَن لَقِيته عرفته أم لم تعرفه، ولا
стр. 773
تَخُصَّ به من تعرفه كما يفعله كثيرون من الناس، ثم إن هذا العموم مخصوص بالمسلمين، فلا يُسَلَّم ابتداءً على كافر. انتهى (١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: جَمَعَ له النبيّ ﷺ بين الإطعام وإفشاء السلام؛ لاجتماعهما في استلزام المحبّة الدينيّة، والأُلفة الإسلاميّة، كما قال ﷺ : "ألا أدلّكم على شيء إذا فَعَلتموه تحاببتم؟ أفشُوا السلام بينكم"، رواه مسلم (٢)، وفيه دليلٌ على أن السلام لا يُقْصَرُ على من يُعرف، بل على المسلمين كافّةً؛ لأنه كما قال ﷺ : "السلام شعارٌ لملّتنا، وأمانٌ لذمّتنا" (٣)، وردّ السلام أوكد من ابتدائه. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (٤).
وقال أيضًا: جَعَلَ النبيّ ﷺ في هذا الحديث خير الإسلام إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وفي "المسند" ٤/ ٣٨٥ عن عمرو بن عَبَسَة ﵁ أنه سأل النبيّ ﷺ : ما الإسلام؟ قال: "لِينُ الكلام، وإطعام الطعام"، ومراده الإسلام التامّ الكامل، وهذه الدرجة في الإسلام فضلٌ، وليست واجبةً، وإنما هي إحسان، وأما سلامة المسلمين من اللسان واليد، فواجبة، إذا كانت من غير حقّ، فإن كانت السلامة من حقّ كان أيضًا فضلًا.
وقد جمع الله تعالى بين الأَفْضَال بالنَّدَى (٥)، وترك الأذى في وصف المتّقين في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
стр. 774
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤]، فهذا إحسان وفضل، وهو بذل النَّدَى، واحتمال الأذى. وجمع في الحديث بين إطعام الطعام، وإفشاء السلام؛ لأنه به يجتمع الإحسان بالقول والفعل، وهو أكمل الإحسان، وإنما كان هذا خير الإسلام بعد الإتيان بفرائض الإسلام، وواجباته، فمن أتى بفرائض الإسلام، ثم ارتقى إلى درجة الإحسان إلى الناس، كان خيرًا ممن لم يرتق إلى هذه الدرجة، وأفضل أيضًا، وليس المراد أن من اقتصر على هذه الدرجة، فهو خير من غيره مطلقًا، ولا أن إطعام الطعام، ولين الكلام خير من أركان الإسلام، ومبانيه الخمس، فإن إطعام الطعام، والسلام لا يكونان من الإسلام إلا بالنسبة إلى من آمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
وقد زعم الحكيميّ (١) وغيره أنه قال: خير الأشياء كذا، والمراد تفضيله من وجه دون وجه، وفي وقت دون وقت، أو لشخص دون شخص، ولا يراد تفضيله على الأشياء كلها، أو أن يكون المراد أنه من خير الأشياء، لا خيرها مطلقًا.
وهذا فيه نظرٌ، وهو مخالف للظاهر، ولو كان هذا حقًّا لما احتيج إلى تأويل قول النبيّ ﷺ من قال له: يا خير البريّة، فقال: "ذاك إبراهيم ﵇"، وقد تأوله الأئمة، فقال الإمام أحمد: هو على وجه التواضع. ولكن هذا يقرب من قول من تأول "أفضل" بمعنى "فاضل"، وقال: إن "أفعل" لا تقتضي المشاركة، وهذا غير مطّرد عند البصريين، ويُتَأَوَّلُ ما ورد منه، وحكي عن الكوفيين أنه مطّردٌ، لا يحتاج إلى تأويل. انتهى كلام ابن رجب (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
стр. 775
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [١٦/ ١٦٨] (٣٩) عن قتيبة بن سعيد، ومحمد بن رُمْح بن المهاجر، كلاهما عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عنه.
و (البخاريّ) في "الإيمان" ١/ ١٠ (١٢) عن عمرو بن خالد، وقتيبة، فرّقهما، وفي "الاستئذان " ٨/ ٦٥ (٦٢٣٦) عن عبد الله بن يوسف، ثلاثتهم عن الليث به، وفي "الأدب المفرد" (١٠١٣) عن قتيبة به.
و (أبو داود) في "الأدب" (٥١٩٤) عن قتيبة به.
و (النسائيّ) في "الإيمان" ١٢/ ٥٠٠٢، وفي "الكبرى" ١٢/ ١١٧٣١ عن قتيبة به.
و (ابن ماجه) في "الأطعمة" (٣٢٥٣) عن محمد بن رُمح به.
و (ابن أبي شيبة) ٩/ ٦٤ - ٦٥، و (أحمد) في "مسند المكثرين" (٦٥٤٥ و ٦٨٠٩)، و (أبو نعيم) في "المستخرج" ١/ ١٣٠ (١٥٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٠٠ و ٥٠٥)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٣١٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تفاضل الإسلام في خصاله.
٢ - (ومنها): بيان خير خصال الإسلام.
٣ - (ومنها): أن فيه حثًّا على إطعام الطعام، ومواساة المحتاجين، واستجلاب قلوب الناس به، وببذل السلام؛ لأنه ليس شيء أجلب للمحبة، وأثبت للمودّة منهما، وقد مَدَحَ الله المطعم للطعام، فقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨]، ثم ذكر الله تعالى جزيل ما أثابهم عليه، فقال: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ [الإنسان: ١١]، ووصف من لم يُطعم بقوله في وصف أهل النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ الآية [المدّثّر: ٤٢ - ٤٤]، وعاب من أراد أن يَحْرِم طعامه أهل الحاجة إليه، فذكر أهل الجنة: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ وإلى ﴿كَالصَّرِيمِ﴾ - يعني المقطوع - فأذهب الله تعالى ثمارهم،