← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

التسهيل": مثال الابتداء بنكرة هي وصفٌ: قول العرب: ضَعيفٌ عاذ بقَرْمَلة، أي إنسان ضعيف، أو حَيَوَانٌ ضعيفٌ التجأ إلى ضعيف، والْقَرْمَلَةُ شجرة ضعيفةٌ، ويجوز أن تكون الجملة الشرطيّة صفة و"ثلاثٌ" كما أنه يجوز أن تكون خبر المبتدأ في قولك: زيدٌ إن تُعطه يشكرك، أو صِلَةً للموصول، كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ [النساء: ٩]، أو حالًا لذي الحال، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، ويكون الخبر: "من كان الله ورسوله أحبّ إليه"، وعلى التقديرين لا بدّ من تقدير مضاف قبل: "من كان"؛ لأنه على الأول إما بدلٌ عن "ثلاث"، أو بيانٌ، وعلى الثاني خبرٌ، قيل: لا بُدّ من إضمار مضاف قبل كلٍّ؛ لاستقامة المعنى، تقديره قبل "من" الأولى والثانية: محبة من كان الله ورسوله، ومحبة من أحبّ عبدًا، وقبل "من" الثالثة: وكراهة من يكره أن يعود، ولشدّة اتّصال المضاف بالمضاف إليه في الإضافات الثلاث، وغلبة المحبّة والكراهة عليهم حُذف المضاف. انتهى كلام الطيبيّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدير المضاف الذي ذكره هذا بالنسبة للجزء الأول، وهو قوله: "من كان الله … إلخ"، وأما بالنسبة للجزأين الأخيرين فلا حاجة إليه؛ لأنهما بلفظ "أن" المصدريّة، لا بلفظ "من"، وإنما يأتي هذا في الرواية التي بعد هذا، فإنها كلها بلفظ "من"، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (مَنْ) قال الكرمانيّ: "من" مبتدأ، والشرط والجزاء معًا خبره، أو الشرط فقط، على اختلاف فيه، و"من" إما شرطيّةٌ، وإما موصولة متضمّنةٌ لمعنى الشرط (كُنَّ فِيهِ) أي حَصَلْنَ و"كان" تامة (وَجَدَ) بمعنى أصاب، ولهذا عُدّي إلى مفعول واحد (بِهِنَّ حَلَاوَةَ الايمَانِ) قيل (٢): معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات، وتحمل المشقات، في رضى الله ورسوله، وإيثار ذلك على عَرَض الدنيا؛ رغبةً في نعيم الآخرة الذي لا يبيد ولا يفنى.

стр. 807

وروي عن عُتبة الغلام أنه قال: كابدت الصلاة عشرين سنة، ثم تلذّذت بها باقي عمري. ومحبة العبد ربه التزام طاعته، وترك مخالفته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]، وكذلك محبة رسول الله ﷺ هي التزام شريعته، واتّباع طاعته، ولَمّا لم نصل إلى الإيمان إلا بالرسول ﷺ كانت محبّته من الإيمان. وقد سئل بعضهم عن المحبّة ما هي؟ فقال: مواطأة القلب لمراد الربّ، أن توافق الله ، فتُحبّ ما أحبّ، وتكره ما كره، ولبعضهم في هذا المعنى شعرًا [من الكامل]: تَعْصِي الإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ … هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ … إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ وقال القاضي رحمه الله تعالى: هذا الحديث بمعنى الحديث المتقدم: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا"، وذلك أنه لا تصح المحبة لله تعالى ورسوله ﷺ حقيقةً، وحبُّ الآدمي في الله تعالى ورسوله ﷺ ، وكراهةُ الرجوع إلى الكفر إلا لمن قَوِيَ بالإيمان يقينه، واطمأنّت به نفسه، وانشرح له صدره، وخالط لحمه ودمه، وهذا هو الذي وَجَدَ حلاوته، قال: والحب في الله من ثمرات حب الله، قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يُرْضِي الربّ ، فيحبّ ما أحبّ، ويَكْرَه ما كَرِهَ، واختلفت عبارات المتكلمين في هذا الباب بما لا يؤول إلى اختلاف إلا في اللفظ. وبالجملة أصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحبّ، ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه، كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها، وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة، كمحبة الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقًا، وقد يكون لإحسانه إليه، ودفعه المضارّ والمكاره عنه، وهذه المعاني كلها موجودة في النبيّ ﷺ لِمَا جَمَعَ من جمال الظاهر والباطن، وكمال خلال الجلال، وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النِّعَم، والإبعاد من الجحيم، وقد أشار بعضهم إلى

стр. 808

أن هذا متصوَّر في حق الله تعالى، فإن الخير كله منه ، قال مالك وغيره: المحبة في الله من واجبات الإسلام. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى. وقال في "الفتح": فيه استعارة تخييلية، شَبَّه رَغْبةَ المؤمن في الإيمان، بشيء حُلْوٍ، وأَثبت له لازم ذلك الشيء، وأضافه إليه، وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح؛ لأن المريض الصفراوي، يجد طعم العسل مُرًّا، والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، وكُلَّما نقصت الصحة شيئًا ما، نقص ذوقه بقدر ذلك، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يُقَوّي استدلال البخاريّ على الزيادة والنقص، أي على زيادة الإيمان ونقصه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره صاحب "الفتح" من دعوى الاستعارة في الحلاوة، فيه نظرٌ، لأنه إخراج للفظ الحديث إلى معنى مجازيّ من غير حاجة إليه، بل الأولى أن تكون الحلاوة على معناها الحقيقيّ، كما قال بعض المحقّقين رحمه الله تعالى: اختلف العلماء هل الحلاوة محسوسة، أو معنويّةٌ؟ فحملها قوم على المعنى، وحملها قوم على المحسوس، وأَبْقَوُا اللفظ على ظاهره، من غير أن يتأولوه، قال: والصواب معهم في ذلك - والله أعلم - لأن ما ذهبوا إليه أبقوا به لفظ الحديث على ظاهره، من غير تأويل، وهو أحسن من التأويل، ما لم يُعارِض لظاهر اللفظ معارضٌ، ويشهد لما ذهبوا إليه أحوال الصحابة ﵃، والسلف الصالح، وأهل المعاملات؛ لأنه قد حُكِي عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة، فمن جملة ما حُكي في ذلك حديث بلال ﵁ حين صُنِعَ به ما صُنِع في الرمضاء إكراهًا على الكفر، وهو يقول: أَحَدٌ أحدٌ، فمزَجَ مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وكذلك أيضًا عند موته أهله يقولون: واكرباه، وهو يقول: واطرباه. غَدًا أَلْقَى الأَحِبَّهْ … مُحَمَّدًا وَصَحْبَهْ فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء، وهي حلاوة الإيمان. ومنها حديث الصحابيّ الذي سُرِق فرسه بليل، وهو في الصلاة، فرأى السارق حين أخذه، فلم يَقْطَع لذلك صلاته، فقيل له في ذلك؟ فقال: ما كنت فيه أكبر من ذلك، وما ذاك إلا للحلاوة التي وجَدَها محسوسة في وقته ذلك.

стр. 809

ومنها: حديث الصحابيّين اللذين جعلهما النبيّ ﷺ في بعض مغازيه ليلةً يحرُسان جيش المسلمين، فنام أحدهما، وقام الآخر يصليّ، فإذا الجاسوس من قبل العدوّ، وقد أقبل، فرآهما، فكبد الجاسوس القوس، ورمى الصحابيّ، فأصابه، فبقي على صلاته، ولم يقطعها، ثم رماه ثانيةً، فأصابه، فلم يقطع لذلك صلاته، ثم رماه ثالثةً، فأصابه، فعند ذلك أيقظ صاحبه، وقال: لولا أني خِفتُ على المسلمين ما قطعت صلاتي، وما ذاك إلا لشدّة ما وَجَدَ فيها من الحلاوة، حتى أذهبت عنه ما يجده من ألم السهام. انتهى. وقال أيضًا ما حاصله: إنما عَبَّرَ بالحلاوة؛ لأن الله شبَّهَ الإيمان بالشجرة في قوله تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] الآية، فالكلمة الطيبة: هي كلمة الإخلاص، وهي أسّ الدين، وبها قِوَامه، فكلمةُ الإخلاص في الإيمان، كأصل الشجرة لا بدّ منه أوّلًا، وأغصان الشجرة في الإيمان عبارة عما تضمّنته كلمة الإخلاص، من اتّباع الأمر، واجتناب النهي، والزهر في الشجرة هو في الإيمان عبارة عما يحدث للمؤمن في باطنه من أفعال البر، وما ينبت في الشجرة من الثمرة هو في الإيمان عبارة عن أفعال الطاعات، وحلاوة الثمرة في الشجرة هي في الإيمان عبارة عن كماله، وعلامة كماله هو ما ذكره النبيّ ﷺ في هذا الحديث؛ لأن غاية فائدة الثمرة في تناهي حلاوة ثمرها، وكماله، ولهذا قال تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥]. انتهى (١). (مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ) بنصب "أحبَّ"، لأنه خبر "كان"، وإنما لم يُثنّيه حتى يُطابق اسم "كان" لأن أفعل التفضيل إذا استعمل بـ "من" يكون مفردًا مذكّرًا لا غير، كما بيّن ابن مالك رحمه الله تعالى أحواله في "الخلاصة" حيث قال: وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا … تَقْدِيرًا اوْ لَفْظًا بِـ "مِنْ" إِنْ جُرِّدَا وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا … أُلْزِمَ تَذْكِيرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى "مِنْ" وَإِنْ … لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ

стр. 810

قال القاضي البيضاوي رحمه الله تعالى: المراد بالحبّ هنا الحب العقلي، الذي هو إيثار ما يقتضي العقلُ السليمُ رجحانه، وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يَعاف الدواء بطبعه، فيَنفِر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله، فيَهْوَى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر، ولا ينهى إلا بما فيه صلاحٌ عاجل، أو خلاصٌ آجل، والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك، تَمَرَّن على الائتمار بأمره، بحيث يصير هواه تبعًا له، ويلتذ بذلك التذاذًا عقليًا؛ إذ الالتذاذ العقلي: إدراك ما هو كمال، وخير من حيث هو كذلك، وعَبَّر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة؛ لأنها أظهر اللذائذ المحسوسة. قال: وإنما جَعَلَ هذه الأمور الثلاثة عنوانًا لكمال الإيمان؛ لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى، وأن لا مانح، ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط، وأن الرسول ﷺ هو الذي يبين له مراد ربه، اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه، فلا يحب إلا ما يحب، ولا يحب من يحب إلا من أجله، وأن يتيقّن أن جملة ما وَعَد، وأوعد حقّ يقينًا، ويُخَيَّل إليه الموعود كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار. انتهى ملخصًا. وشاهد الحديث من القرآن، قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ثم هَدَّد على ذلك، وتوعد بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ الآية [التوبة: ٢٤]. ذكره في "الفتح" ١/ ٨٧. وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على جواز إضافة المحبّة لله تعالى، وإطلاقها عليه، ولا خلاف في أن إطلاق ذلك عليه صحيحٌ، مُحِبًّا، ومحبوبًا، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ الآية [المائدة: ٥٤]، وهو في السنّة كثير، ولا يختلف النظّار من أهل السنّة، وغيرهم أنها مؤوّلة في حقّ الله تعالى؛ لأن المحبّة المتعارفة في حقّنا، إنما هي ميلٌ لما فيه غَرَض يستكمل به الإنسان ما نقصه، وسكون لما تلتذّ به النفس، وتكمل بحصوله، والله تعالى منزّه عن ذلك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ من أنه لا يختلف النظّار من أهل السنة … إلخ أراد به المتكلّمين، فليس هذا مذهب أهل السنة

стр. 811

من السلف، ومن تبعهم من أهل الحديث، فإنهم لا يؤوّلون صفة المحبّة التي أثبتها الله تعالى لنفسه، بل يثبتونها كما أثبتها على ظاهرها، على الوجه الذي يليق بجلاله ، وأما تفسيره المحبّة بأنها ميلٌ لما فيه غَرَض … إلخ فليس أحد ممن له عقل صريح يتخيّل المحبّة التي ثبتت لله بهذا المعنى، فإنها هي المحبّة الثابتة للمخلوق، وهذا التصوّر هو الذي حَمَل هؤلاء المؤولين على ما صاروا إليه من تحريف صفات الله تعالى، فلو أنهم نظروا إلى الحقيقة لوجدوا الفرق بين صفات الخالق، والمخلوق، فالله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ومنها المحبّة والرضا، والغضب، ونحوها، على الوجه الذي يليق بجلاله ، (تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا). ونسأل الله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل. قال: وقد اختلف أئمتنا في تأويلها في حقّ الله تعالى، فمنهم من صرفها إلى إرادته تعالى إنعامًا مخصوصًا على من أخبر أنه يحبّه من عباده، وعلى هذا ترجع إلى صفة ذاته، ومنهم من صرفها إلى نفس الإنعام والإكرام، وعلى هذا فتكون من صفات الفعل، وعلى هذا المنهاج يتمشّى القول في الرحمة، والنعمة، والرضا، والغضب، والسخط، وما كان في معناها. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ جوابه ما تقدّم قبله، فمذهب السلف، وأهل الحديث أن هذه الصفات من الرحمة، والنعمة، والرضا، والغضب، والسخط، وما في معناها، صفات أثبتها الله لنفسه، فهم يثبتونها له كما أثبتها لنفسه، من غير تشبيه، ولا تحريف، ومن غير تعطيل، ولا تأويل، بل هي على ظاهرها، على ما يليق بجلاله ؛ لأنه لا داعي لتأويلها، ولأن المعاني التي يؤولون إليها يوجد فيها من المحذور على قولهم ما يلزم فيها؛ فإن الإنعام الذي أولت به المحبّة، أو إرادته هو أيضًا من صفات المخلوق، فإذا لزم التشبيه في المحبّة، لزم فيه أيضًا، فيفرّون من وَرْطَة، ويقعون في أخرى. والحاصل أن التأويل مذهب فاسد؛ لأنه لا يحصل به التخلّص من المحذور الذي زعموه، فالحقّ أن تُثْبَت هذه الصفات لله تعالى، على ظاهرها الحقيقيّ، كما أثبتها لنفسه، على ما يليق بجلاله، ونسأل الله تعالى الهداية والتوفيق.

стр. 812

قال: فأما محبّة العبد لله تعالى، فقد تأوّلها بعض المتكلّمين؛ لأنهم فسّروا المحبّة بالإرادة، والإرادةُ إنما تتعلّق بالحادث، لا بالقديم. ومنهم من قال: لأن محبتنا إنما تتعلّق بمستلذّ محسوس، والله تعالى منزّه عن ذلك، وهؤلاء تأولوا محبة العبد لله تعالى بطاعته له، وتعظيمه إياه، وموافقته له على ما يُريد منه. وأما أرباب القلوب، فمنهم من لم يتأول محبّة العبد لله تعالى، حتى قال: المحبّة لله تعالى هي الميل الدائم بالقلب الهائم، وقال أبو القاسم القشيريّ: أما محبّة العبد لله تعالى، فحالة يجدها العبد من قلبه، تَلْطُف عن العبارة، وقد تحمله تلك الحالة على التعظيم لله تعالى، وإيثار رضاه، وقلّة الصبر عنه، والاحتياج إليه، وعدم الفرار عنه، ووجود الاستئناس بدوام ذكره. قال: فهؤلاء قد صرّحوا بأن محبّة العبد لله تعالى هي ميلٌ من العبد، وتَوَقَانٌ، وحالٌ يجدها المحبّ من نفسه، من نوع ما يجده في محبوباته المعتادة له، وهو صحيح، والذي يوضّحه أن الله تعالى قد جبلنا على الميل إلى الحسن، والجمال، والكمال، فبقدر ما ينكشف للعاقل من حسن الشيء، وجماله، مال إليه، وتعلّق قلبه به، حتى يُفضي الأمر إلى أن يستولي ذلك المعنى عليه، فلا يقدر على الصبر عنه، وربّما لا يشتغل بشيء دونه. ثم الحسن، والكمال نوعان: محسوسٌ، ومعنويّ، فالمحسوس، كا لصور الجميلة المشتهاة لنيل اللذّة الجسمانيّة، وهذا في حقّ الله تعالى محال قطعًا. وأما المعنويّ، فكمن اتّصف بالعلوم الشريفة، والأفعال الكريمة، والأخلاق الحميدة، فهذا النوع تميل إليه النفوس الفاضلة، والقلوب الكاملة ميلًا عظيمًا، فترتاح لذكره، وتتنعّم بخُبْرِه، وخَبَرِه، وتهتزّ لسماع أقواله، وتتشوّف لمشاهدة أحواله، وتلتذّ بذلك لذّة روحانيّة، لا جسمانيةً، كما تجده عند ذكر الأنبياء، والعلماء، والفضلاء، والكرماء، من الميل، واللذّة، والرّقّة، والأُنس، وإن كنّا لا نعرف صورهم المحسوسة، وربّما قد نسمع أن بعضهم من غير الأنبياء قبيح الصورة الظاهرة، أو أعمى، أو أجذم، ومع ذلك، فذلك الميلُ والأنس، والتشوّق موجودٌ لدينا، ومن شكّ في وجدان ذلك، أو أنكره، كان عن جبِلّة الإنسانيّة خارجًا، وفي غمار المعتوهين والجًا.

стр. 813

وإذا تقرّر ذلك، فإذا كان هذا الموصوف بذلك الكمال، قد أحسن إلينا، وفاضت نعمه علينا، ووصلنا ببرّه، وعطفه، ولطفه، تضاعف ذلك الميل، وتجدّد ذلك الأنس، حتى لا نصبر عنه، بل يستغرقنا ذلك الحال إلى أن نَذْهَل عن جميع الأشغال، بل ويطرأ على المشتهر بذلك نوع اختلال، وإذا كان ذلك في حقّ من كماله، وجماله، مقيّدًا مشوبًا بالنقص، معَرَّضًا للزوال، كان مَنْ كماله وجماله واجبًا مطلقًا، لا يشوبه نقصٌ، ولا يعتريه زوال، وكان إنعامه، وإحسانه أكثر بحيث لا ينحصر، ولا يُعدّ، أولى بذلك الميل، وأحقّ بذلك الحبّ، وليس ذلك إلا لله وحده، ثم لمن خصّه الله تعالى بما شاء من ذلك الكمال، وأكمل نوع الإنسان محمد ﷺ ، فمن تحقّق ما ذكرناه، واتّصف بما وصفناه، كان الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، ومن كان كذلك تأهّل للقائهما بالاتصاف بما يُرضيهما، واجتناب ما يُسخطهما، ويستلزم ذلك كلّه الإقبال بالكلّيّة عليهما، والإعراض عمّا سواهما إلا بإذنهما، وأمرهما. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١)، وهو كلام نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقال في "الفتح" عن بعضهم: محبة الله على قسمين: فرض، وندب. [فالفرض]: المحبة التي تبعث على امتثال أوامره، والانتهاء عن معاصيه، والرضا بما يُقَدّره، فمن وقع في معصية، مِن فِعْلِ مُحَرَّم، أو ترك واجب، فلتقصيره في محبة الله، حيث قَدَّم هَوَى نفسه، والتقصير تارة يكون مع الاسترسال في المباحات، والاستكثار منها، فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء، فيُقْدِم على المعصية، أو تستمر الغفلة فيقع، وهذا الثاني يُسرع إلى الإقلاع مع الندم، وإلى الثاني يشير حديث: "لا يَزْنِي الزاني، حين يزني، وهو مؤمن". [والندب]: أن يواظب على النوافل، ويتجنب الوقوع في الشبهات، والمتصف عمومًا بذلك نادر، قال: وكذلك محبة الرسول على قسمين، كما تقدم، ويزاد أن لا يتلقى شيئًا من المأمورات والمنهيات، إلا من مشكاته، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه، حتى لا يجد في نفسه حَرَجًا بما قضاه،

стр. 814

ويتخلق بأخلاقه في الجود، والإيثار، والحلم، والتواضع، وغيرها، فمن جاهد نفسه على ذلك، وجد حلاوة الإيمان، وتتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك. انتهى (١). (مِمَّا سِوَاهُمَا) لم يقل: "ممن" لكون "ما" أعمّ (وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ) بالنصب على المفعوليّة (لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ) جملة حاليّةٌ تحتمل أن تكون من الفاعل، أو المفعول، أو كليهما معًا، أفاده الكرمانيّ (٢). قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني بالمرء هنا: المسلم المؤمن؛ لأنه هو الذي يمكن أن يُخْلَصَ لله تعالى في محبّته، وأن يُتقرَّب لله تعالى باحترامه، وحرمته، فإنه الموصوف با لأخوّة الإيمانيّة، والمحبّة الدينيّة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية [الحجرات: ١٠]، وكما قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقد أفاد هذا الحديث أن محبّة المؤمن الموصلة لحلاوة الإيمان لا بدّ أن تكون خالصة لله تعالى، غير مشوبة بالأعراض الدنيويّة، ولا الحظوظ البشريّة، فإن من أحبّه لذلك انقطعت محبّته إن حصل له ذلك الغرض، أو يئس من حصوله، ومحبة المؤمن وظيفة متعيّنة على الدوام، وُجدت الأعراض، أو عُدمت. ولَمّا كانت المحبّة للأعراض هي الغالبة قَلّ وجدان تلك الحلاوة، بل قد انعدم، لا سيّما في هذه الأزمان التي قد امّحَى فيها أكثر رسوم الإيمان. وعلى الجملة فمحبّة المؤمنين من العبادات التي لا بدّ فيها من الإخلاص في حسن النيّات. انتهى (٣). وقال يحيى بن معاذ: حقيقة الحبّ في الله أن لا يزيد بالبرّ، ولا ينقص بالجفاء، ذكره في "الفتح" (٤). (وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ) أي أن يرجع (فِي الْكُفْرِ) أي يصير فيه، أو يرجع إليه (بَعْدَ أَنْ) بفتح الهمزة: هي المصدريّة (أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ) أي خلّصه، ونجّاه، وهو

стр. 815

من الإنقاذ، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣]، وثلاثيّه النَّقْذُ، قال ابن دُريد: النَّقْذُ مصدر نَقِذَ بالكسر يَنقَذ نَقَذًا بالتحريك: إذا نجى. وفي رواية للبخاريّ: "وأن يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يُقذف في النار": قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذه الكراهية مُوحِيَةٌ لما انكشف للمؤمن من حسن الإسلام، ولمَا دخل قلبه من نور الإيمان، ولمَا خلّصه من الله تعالى من رذائل الجهالات، وقُبْح الكفران، والحمد لله. انتهى. وقال في "الفتح": والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداءً، بأن يولد على الإسلام ويستمرّ، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، كما وقع لكثير من الصحابة، وعلى الأول فيُحْمَل قوله: "يعود" على معنى الصيرورة، بخلاف الثاني، فإن العود فيه على ظاهره. [فإن قيل]: فلِمَ عَدَّى العودَ بـ "في"، ولم يُعَدِّه بـ "إلى"؟. [فالجواب]: أنه ضمّنه معنى الاستقرار، وكأنه قال: يستقر فيه، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩]. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [١٧/ ١٧٣] (٤٣)، وفي [١٧/ ١٧٤]، وفي [١٧/ ١٧٥] بالأسانيد المذكورة. و (البخاريّ) في "الإيمان" (١٦ و ٢١) و"الأدب" (٦٠٤١)، و"الإكراه" ٦٩٤١، و (الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٢٤) عن ابن أبي عمر، عن عبد الوهاب به، و (النسائيّ) في "الإيمان" ٨/ ٩٦، و (ابن ماجه) في "الفتن" (٤٠٣٣)،

стр. 816

و (الطيالسيّ) (١٩٥٩)، و (أحمد) ٣/ ١٠٣ و ٣/ ١٧٤ و ٢٤٨، و (ابن حبّان) ٢٣٧ و ٢٣٨، و (ابن منده) ٢٨٣، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢١)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٧٢٤)، و (الصغير) ١/ ٢٥٧ و ٢٥٨، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حلاوة الإيمان، وهي من الأمور المحسوسة التي يجدها العبد المؤمن في باطنه، كما مضى تحقيقه، وليست من المجاز، كما ادُّعِي. ٢ - (ومنها): أن هذا الحديث حديثٌ عظيم، وأصل من أصول الدين، وكيف لا، وفيه محبّة الله تعالى، ورسوله ﷺ التي هي أصل الإيمان، بل عينه. ٣ - (ومنها): أن لهذه الحلاوة علامة تتحقّق بها، وتحصل عندها، وهي الأمور المذكورة في هذا الحديث. ٤ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على فضل من أُكره على الكفر، فترك البتة إلى أن قُتل. ٥ - (ومنها): ما قيل: إنما قال: "مما سواهما"، ولم يقل: "ممن"؛ ليعم من يعقل، ومن لا يعقل. ٦ - (ومنها): ما قيل أيضًا: إن في قوله: "مما سواهما" دليلًا على أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله ﷺ للذي خطب، فقال: ومن يعصهما: "بئس الخطيب أنت"، فليس من هذا؛ لأن المراد في الْخُطَب الإيضاح، وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ؛ ليحفظ، ويدل عليه أن النبي ﷺ ، قاله في موضع آخر، حيث قال: "ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه". [واعتُرض]: بأن هذا الحديث إنما ورد أيضًا في حديث خطبة النكاح. [وأجيب]: بأن المقصود في خطبة النكاح أيضًا الإيجاز، فلا نقض، وثَمَّ أجوبة أخرى: [منها]: دعوى الترجيح، فيكون حَيِّزُ المنع أولى؛ لأنه عام، والآخر يحتمل الخصوصية، ولأنه ناقل، والآخر مبنيّ على الأصل، ولأنه قول، والآخر فعل. ورُدَّ بأن احتمال التخصيص في القول أيضًا حاصل، بكل قول ليس فيه صيغة عموم أصلًا.

стр. 817

[ومنها]: دعوى أنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبي ﷺ ، ولا يمتنع منه؛ لأن غيره إذا جَمَعَ أَوْهَم إطلاق التسوية، بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هذا مال ابن عبد السلام. [ومنها]: دعوى التفرقة بوجه آخر، وهو أن كلامه ﷺ هنا جملة واحدة، فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مكان المضمر، وكلام الذي خطب جملتان، لا يُكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر. وتُعُقِّب هذا بأنه لا يلزم من كونه لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر، أن يكره إقامة المضمر فيهما مقام الظاهر، فما وجه الرد على الخطيب، مع أنه هو ﷺ جمع كما تقدم؟. ويجاب بأن قصة الخطيب كما قلنا، ليس فيها صيغة عموم، بل هي واقعة عين، فيحتمل أن يكون في ذلك المجلس مَن يُخشَى عليه توهم التسوية، كما تقدم. ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب، وقصة الخطيب أن تثنية الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية، إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله تعالى مثلًا، ولا يحب رسوله ﷺ لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]، فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة العباد، ومحبة الله تعالى للعباد، وأما أمر الخطيب بالإفراد، فلأن كل واحد من العصيانين، مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، فأعاد أطيعوا في الرسول، ولم يعده في أولي الأمر؛ لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة، كاستقلال الرسول. انتهى مُلَخَّصًا من كلام البيضاوي، والطيبي. [ومنها]: أجوبة أخرى فيها تكلف، منها أن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه.

стр. 818

[ومنها]: أن له أن يجمع بخلاف غيره. ذكره في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَمَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجعَ في الْكُفْر، بَعْدَ أَنْ أنقَذَهُ اللهُ مِنْهُ"). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن، أبو موسى البصريّ، ثقة ثبت [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بـ "غُنْدَر" الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقة ثبت حجة إمام عابدٌ [٧] (ت.١٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ص ٣٨١. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبتٌ رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: "وجد طعم الإيمان" هو بمعنى "حلاوة الإيمان"، قال ابن الأثير الطَّعْم بالفتح: ما يُؤدِّيه ذوقُ الشيء من حلاوة، ومَرارة، وغيرهما، وله حاصلٌ ومَنْفَعَة، والطُّعْمُ بالضمّ: الأكل. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ: "الطَّعْم" بالفتح: ما يُؤدّيه الذوْقُ، فيقال: طَعْمه حُلْو، أو

стр. 819

حامضٌ، وتغيَّرَ طَعْمُهُ: إذا خَرَجَ عن وصفه الْخِلْقِيّ. انتهى (١). وقوله: "بعد أن أنقذه الله" أي بعد أن خلّصه الله، ونجّاه من الكفر؛ لأن أنقذ بمعنى حَفِظ بالعصمة ابتداءً بأن يولد على الإسلام، ويستمرّ بهذا الوصف على الدوام، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، وتمام شرح الحديث، وما يتعلّق به من المسائل قد تقدّم في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "مِنْ أَنْ يَرْجعَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلِ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩. ٣ - (حَمَّاد) بن سلمة بن دينار، أبو أُسامة البصريّ، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠. ٤ - (ثَابِت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤]، مات سنة بضع ومائة وعشرين، وله (٨٦) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠. والصحابيّ سبق في السند الماضي. وقوله: (بنحو حديثهم) الضمير لمشايخ المصنّف المذكورين في السندين السابقين، يعني حديث إسحاق بن منصور كنحو حديثهم. [تنبيه]: طريق حماد هذه أخرجها أحمد في "مسنده" ٣/ ٢٣٠ و ٢٨٨ فقال:

стр. 820

(١٢٩٢٧) حدثنا يونس، وحسن بن موسى قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البنانيّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثٌ من كُنّ فيه وَجَدَ بهنّ حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ورجل يُحِبّ رجلًا لا يحبه إلا لله، ورجل أن يُقْذَف في النار أحبُّ إليه من أن يَرْجِع يهوديًّا، نصرانيًّا"، قال حسن: "أو نصرانيًّا". (١٣٥٥٦) حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث من كُنّ فيه وَجَد حلاوة الإيمان: من كان الله ، ورسوله أحب إليه مما سواهما، والرجل يُحب الرجل لا يحبه إلا لله، والرجل أن يُقْذَف في النار أحب إليه من أن يَرْجِع يهوديًّا، أو نصرانيًّا". وقوله: (غير أنه قال … إلخ) يعني أن إسحاق قال: "من أن يرجع يهوديًّا، أو نصرانيًّا" بدل قول الأوَّلين: "وأن يكره أن يعود في الكفر … إلخ"، وقول الآخِرَينِ: "من أن يرجع في الكفر"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٨) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"). وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٦] (٤٤) - (وحَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا إِسْمَعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ … (ح) وحَدَّثنَا شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَارِث، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيز، عَنْ أنسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: الرَّجُلُ - حَتَّى كُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.

стр. 821

٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: ابن إبراهيم، وعُليّة أمه، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٣ - (شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: شيبان بن فَرُّوخ الْحَبَطيُّ (١)، أبو محمد الأُبُلّيّ (٢)، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٢٣٦) (م دس) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧. ٤ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذَكْوَان الْعَنْبَريّ مولاهم، أو عُبيدة التَّنُّوريّ - بفتح المثنّاة، وتشديد النون - البصريّ، أحد الأعلام، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ويقال: لم يثبُت عنه [٨]. رَوَى عن عبد العزيز بن صُهيب، وشعيب بن الحبحاب، وأبي التياح، ويحيى بن إسحاق الحضرمي، وأيوب السختياني، وأيوب بن موسى، وداود بن أبي هند، وخالد الحذاء، وحسين المعلم، وسعيد الجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم. ورَوَى عنه الثوري، وهو أكبر منه، وابنه عبد الصمد، وعَفّان بن مسلم، ومُعَلَّى بن منصور، ومسدد، وعارم، وأبو معمر الْمُقْعَد، وحَبّان بن هلال، وحميد بن مسعدة، وأبو عاصم النبيل، وقتيبة، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وشيبان بن فَرُّوخ، وغيرهم. قال معاذ بن معاذ: سألت أنا ويحيى بن سعيد شعبة عن شيء من حديث أبي التَّيّاح، فقال: ما يمنعكم من ذاك الشابّ؟ - يعني عبد الوارث - فما رأيت أحدًا أحفظ لحديث أبي التياح منه، وقال القواريري: كان يحيى بن سعيد يُثَبِّته، فإذا خالفه أحد من أصحابه، قال: ما قال عبد الوارث، وقال أحمد: كان عبد الوارث أصح حديثًا عن حسين المعلم، وكان صالحًا في الحديث، وقال معاوية بن صالح: قلت ليحيى بن معين: مَن أثبت شيوخ البصريين؟ فقال: عبد الوارث، مع جماعة سماهم، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: هو مثل حماد بن زيد في أيوب، قلت: فالثقفي أحب إليك أو عبد الوارث؟ قال: عبد الوارث، قلت: فابنُ

стр. 822

علية أحب إليك في أيوب أو عبد الوارث؟ قال: عبد الوارث، وقال أبو عمر الْجَرْميّ: ما رأيت فقيهًا أفصح منه، إلا حماد بن سلمة، وقال أبو علي الْمَوْصِلي: قَلّمَا جلسنا إلى حماد بن زيد، إلا نهانا عن عبد الوارث، وجعفر بن سليمان، وقال البخاري: قال عبد الصمد: إنه لمكذوب على أبي، وما سمعتُ منه يقول قط في القدر، وكلام عمرو بن عبيد، وقال أبو زُرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوقٌ، ممن يُعَدُّ مع ابن علية، ووهيب، وبشر بن المفضل، يُعَدّ من الثقات، هو أثبت من حماد بن سلمة، وقال النسائي: ثقةٌ ثَبْتٌ. وقال ابن سعد: كان ثقةً حجةً، تُوُفّي بالبصرة في المحرم سنة ثمانين ومائة، وقال ابن حبّان في "الثقات": بلغ ثمانيًا وسبعين سنة وشهرًا، قال: وكان قَدَريًّا متقنًا في الحديث، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا الحسن بن الربيع: سألت عبد الله بن المبارك، فقلت: كنا نأتي عبد الوارث بن سعيد، فإذا حضرت الصلاة، تركناه وخرجنا، فقال: ما أعجبني ما فعلت، وكان يُرْمَى بالقدر، ثنا عبيد الله بن عمير قال: قال لي إسماعيل ابن علية: إذا حدثك عبد الوارث بحديث، وشَدَّ إسماعيل يده، أي خُذه، قال عبيد الله: لولا الرأي لم يكن به بأس، سمعته يقول: لولا أني أعلم أن كل شيء رَوَى عمرو بن عبيد حَقٌّ لما رويتُ عنه شيئًا أبدًا، قال عبيد الله: ومات في آخر ذي الحجة سنة (٧٩)، وقال الساجي: كان قدريًّا صدوقًا متقنًا، ذُمَّ لبدعته، كان شعبة يُطْرِيه، وقال ابن معين: ثقة، إلا أنه كان يَرَى القدر، ويظهره، حدثني علي بن أحمد: سمعت هُدْبة بن خالد، سمعت عبد الوارث: يقول: ما رأيت الاعتزال قط، قال الساجيّ: الذي وَضَعَ منه الْقَدَرُ فقط، ووثقه ابن نمير، والعجلي، وغير واحد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٣) حديثًا. ٥ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهَيب الْبُنَانيّ البصريّ، ثقة [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. وأما أَنَس ﵁ فقد تقدّم في الحديث الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، فهو أعلى أسانيده، كما سبق بيانه في "شرح المقدّمة"، وهذا هو (٥) من رباعيات الكتاب.

стр. 823

٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول لم يُخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو وأبو داود والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه زُهير، فإنه نسائيّ، ثم بغداديّ، وأما شيبان، فإنه أُبُلّيّ، وهي من البصرة، قال في "القاموس": وأُبُلَّة، كعُتُلّة: موضع بالبصرة، أحد جِنان الدنيا (١)، وأما ضبط السيوطيّ له في "لبّ اللباب" ١/ ٣٥ بضم الهمزة، وفتح الموحّدة، فإنه محلّ نظر، فتنبّه. ٤ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وقد تقدّم تمام البحث فيها غير مرّة. ٥ - (ومنها): قوله في السند الأول: حدّثني زهير، وفي الثاني: حدّثنا شيبانُ، إشارة إلى أنه سمعه من شيخه زُهير وحده، ومن شيخه شيبان مع غيره، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفية الحديث" بقوله: وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ "حَدَّثَنِي" … وَقَارِيءٍ بِنَفْسِهِ "أَخْبَرَنِي" وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً "حَدَّثَنَا" … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا "أَخْبَرَنَا" ٦ - (ومنها): أن فيه "إسماعيل ابن عُلَيّة" فـ"عليّة" أمه، ولذا تكتب همزة الوصل في "ابن"؛ لعدم توفّر شروط حذفها، وهي التي نظمها الأجهوريّ بقوله: احْذِفْ مِنِ "ابْنٍ" أَلِفًا إِنْ وَقَعَا … فِي وَسَطِ اسْمَيْنِ تَكُنْ مُتَّبِعَا إِلَّا إِذَا أُضِيفَ لَلضَّمِيرِ … فَالأَلِفَ اكْتُبْ فِيهِ يَا سَمِيرِي وَمِثْلُهُ إِنِ اسْمُهُ قَدْ حُذِفَا … كـ "أَكْرَمَ ابْنُ عُمَرٍ مَنْ أَنْصَفَا" قُلْتُ وَفِي اسْتِثْنَاءِ ذَيْنِ نَظَرُ … إِذْ لَيْسَ بَيْنَ اسْمَيْنِ مَنْ يُذَكَّرُ كَذَاكَ مَكْتُوبٌ بِصَدْرِ السَّطْرِ … أَوْ مَا نَسَبْتَهُ لِجَدٍّ فَادْرِ أَوْ مَنْ لِغَيْرِ أَبِيهِ قَدِ انْتَسَبْ … كَخَالِهِ فَالْحُكْمُ ذَا لَهُ وَجَبْ وَمَا بِهِ لِصِفَةٍ قَدْ عُدِلَا … لِخَبَرٍ كَذَلِكَ اللَّذْ فُصِلَا مَوْصُوفُهُ مِنْهُ وَمَا يُثَنَّى … أَوْ عَدْلُ الاسْتِفْهَامِ صَدَّ عَنَّا

стр. 824

قَدْ قَالَ ذَا الشَّامِي وَبَعْضٌ "ابْنَةُ" … كـ "الابْنِ" فِي ذَا وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ (١) والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أنس) بن مالك ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: الرَّجُلُ -) بدل "عبدٌ"، وفي الرواية التالية: "أحدكم"، قال في "الفتح": قوله: "الرجل" أشمل من جهة، و"أحدكم" أشمل من جهة، وأشمل منهما رواية الأصيليّ: "لا يؤمن أحدٌ". انتهى. (حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ) هو أفعل تفضيل بمعنى المفعول، وهو مع كثرته على خلاف القياس، إذ القياس أن يكون بمعنى الفاعل وفُصِل بينه وبين معموله بقوله: (إِلَيْهِ) لأن الممتنع الفصل بأجنبيّ، لا مطلقًا، مع أنه يُتوسّع في الظرف ما لا يُتوسَّع في غيره قاله الكرماني (٢)، (مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ") من عطف العامّ على الخاصّ، وهل تدخل النفس في هذا العموم؟ الظاهرُ دخولها، وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وقد وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هشام، كما سيأتي. قال الإمام أبو سليمان الخطابيّ رحمه الله تعالى: لم يُرِد به حُبَّ الطبع، بل أراد به حب الاختيار؛ لأن حب الإنسان نفسه طبع، ولا سبيل إلى قلبه، قال: فمعناه لا تَصْدُق في حبي حتى تُفْنِي في طاعتي نفسك، وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكك. انتهى. قال الطيبيّ: قوله: "ولا سبيل إلى قلبه" ليس بمطلق، وذلك أن المحبّ ينتهي في المحبّة إلى أن يتجاوز عن الهوى، فيؤثر هوى المحبوب على هوى نفسه، فضلًا عن محبة ولده، بل يُحتا أعداء نفسه؛ لمشابهتهم بمحبوبه، قال الشاعر [من البسيط]: أَشْبَهْتَ أَعْدَائِي فَصِرْتُ أُحِبُّهُمُ … إِذْ صَارَ حَظِّيَ مِنْكَ حَظِّيَ مِنْهُمُ (٣)

стр. 825

وقال ابن بَطّال، والقاضي عياض وغيرهما رحمهم الله تعالى: المحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام، كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة، كمحبة الولد، ومحبة مُشاكلة واستحسان، كمحبة سائر الناس، فجمع النبيّ ﷺ أصناف المحبة في محبته. قال ابن بطال رحمه الله تعالى: ومعنى الحديث أن من استكمل الإيمان عَلِمَ أن حَقَّ النبيِّ ﷺ آكد عليه من حَقِّ أبيه وابنه والناس أجمعين؛ لأن به ﷺ استُنْقِذنا من النار، وهُدِينا من الضلال. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ومن محبته نُصْرَة سنته، والذّبّ عن شريعته، وتمني حضور حياته، فيبذل مالَهُ ونفسه دونه، قال: وإذا تَبَيَّن ما ذكرناه تبيّن أن حقيقة الإيمان لا يتم إلا بذلك، ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إعلاء قدر النبيّ ﷺ ، ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومُفَضَّل، ومن لم يعتقد هذا واعتقد سواه، فليس بمؤمن. انتهى، ذكره النوويّ في "شرحه" (١). وقال في "الفتح": والمراد بالمحبة هنا حبّ الاختيار، لا حب الطبع، قاله الخطابي، وقال الطيبي: فيه إشعارٌ بالموازنة والترجيح، وتلميح إلى قضية النفس الأمّارة، واللوّامة، والمطمئنة، فإن الأمّارة مائلة إلى اللذّات، وحبّ العاجلة، والمطمئنّة مقابلة بها، مرجّحة لحبّ الآجلة، فإن من رَجَّح جانب الأمّارة كان حب أهله ووالده راجحًا على حبه ﷺ ، ومن رجّح جانب المطمئنة كان حكمه بالعكس، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]، ولا ارتياب أن من دخل في زمرة عباده المرتَضَين، وانخرط في سلك الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصدّيقين، والشهداء، والصالحين لا يُحبّ أن ينكُص على عقبيه، فيُرجّح جانب الأهل والأولاد على جانبه ﷺ ، وهذا محال، وفي هذا التقرير أيضًا معنى قوله: "وجد حلاوة الإيمان"، وذلك أن النفس الأمارة موءوفة، كمن غلبت عليه الصفراء، فإنه لا يجد حلاوة العسل، فإذا صحّت واطمأنت زال عنه ذلك المرض، فيجد حلاوة الإيمان. انتهى كلام الطيبيّ (٢).

стр. 826

وفي كلام القاضي عياض أن ذلك شرط في صحة الإيمان؛ لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال. وتعقبه صاحب "المفهم" بأن ذلك ليس مرادًا هنا؛ لأن اعتقاد الأعظمية، ليس مستلزمًا للمحبة، إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته، قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل، لم يكمل إيمانه، وإلى هذا يومئ قول عمر ﵁ الذي رواه البخاريّ في "الأيمان والنذور" من حديث عبد الله بن هشام: كنا مع النبيّ ﷺ ، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب ﵁، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء، إلا من نفسي، فقال النبيّ ﷺ : "لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال النبيّ ﷺ : "الآن يا عمر" (١). انتهى. فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعًا. ومن علامة الحب المذكور: أن يَعرِض على المرء أن لو خُيِّر بين فقدِ غرض من أغراضه، أو فقدِ رؤية النبي ﷺ ، أن لو كانت ممكنةً، فإن كان فقدها، أن لو كانت ممكنة أشد عليه، من فقدِ شيء من أغراضه، فقد اتصف بالأحبية المذكورة، ومن لا فلا، وليس ذلك محصورًا في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته، والذب عن شريعته، وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 827

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [١٨/ ١٧٦ و ١٧٧] (٤٤) بهذه الأسانيد. وأخرجه (البخاريّ) في "الإيمان" (١٥)، و (النسائيّ) في "الإيمان" (١٩/ ٥٠١٥ و ٥٠١٦)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (٦٧)، و (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" (١٢٤٠٣ و ١٢٧٣٩ و ١٣٤٩٩)، و (الدارميّ) في "الرقاق" (٢٦٢٤)، و (أبو نعيم) في "المستخرج" (١٦٤ و ١٦٥)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٢٢)، و (أبو عوانة) في "صحيحه" (١/ ٣٣)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٢٨٤ و ٢٨٥ و ٢٨٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن حبّ الرسول الكريم ﷺ علامة على كمال إيمان العبد. ٢ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": في هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به، وذلك أن محبوب الإنسان: إما نفسه، وإما غيرها. أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها، سالمة من الآفات، وهذا هو حقيقة المطلوب، وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه، فإنما هو بسبب تحصيل نفعٍ مَا على وجوهه المختلفة، حالًا ومآلًا، فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول ﷺ ، الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، إما بالمباشرة، وإما بالسبب، علم أنه سبب بقاء نفسه، البقاءَ الأبدي في النعيم السرمدي، وعَلِم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره؛ لأن النفع الذي يُثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك، بحسب استحضار ذلك، والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة ﵃، من هذا المعنى أتم؛ لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم، وبالله تعالى التوفيق. انتهى (١).

стр. 828

٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: محبّة النبيّ ﷺ من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبّة الله ، وقد قرنها الله تعالى بها، وتوعّد من قدّم عليهما محبّة شيء من الأمور المحبوبة طبعًا من الأقارب، والأموال، والأوطان، وغير ذلك، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ الآية [التوبة: ٢٤]. ولَمّا قال عمر ﵁ للنبيّ ﷺ : أنت أحبّ إليّ من كلّ شيء إلا من من نفسي، فقال: "لا يا عمر حتى أكون أحبّ إليك من نفسك"، فقال عمر ﵁: والله لأنت الآن أحبّ إليّ من نفسي، قال: "الآن يا عمر" (١). فيجب تقديم محبّة الرسول ﷺ على النفوس، والأولاد، والأقارب، والأهلين، والأموال، والمساكن، وغير ذلك مما يُحبّه الإنسان غاية المحبّة، وإنما تتمّ المحبّة بالطاعة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]. وسُئل بعضهم عن المحبّة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال. فعلامة تقديم محبّة الرسول ﷺ على محبّة كلّ مخلوق أنه إذا تعارضت طاعة الرسول ﷺ في أوامره، وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة، فإن قدّم طاعة الرسول ﷺ ، وامتثال أوامره على ذلك الداعي، كان دليلًا على صحة محبّته للرسول ﷺ ، وتقديمها على كلّ شيء، وإن قدّم على طاعته،

стр. 829

وامتئال أوامره شيئًا من هذه الأشياء المحبوبة طبعًا، دلّ ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التّامّ الواجب عليه. وكذلك القول في تعارض محبّة الله، ومحبّة داعي الهوى والنفس، فإن محبة الرسول ﷺ تبعٌ لمحبّة مُرسله . هذا كلّه في امتثال الواجبات، وترك المحرّمات. فإن تعارض داعي النفس، ومندوبات الشريعة، فإن بلغت المحبّة إلى تقديم المندوبات على دواعي النفس، كان ذلك علامة كمال الإيمان، وبلوغه إلى درجة المقرّبين المحبوبين المتقرّبين بالنوافل بعد الفرائض، وإن لم تبلغ هذه المحبّة إلى هذه الدرجة، فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبّتهم الواجبة، ولم يزيدوا عليها. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. (ومنها): ما قاله أبو العبّاس القرطبي ﵀: هذا الحديث على إيجازه يتضمّن ذكر أصناف المحبّة، فإنها ثلاثة: محبة إجلال وإعظام، كمحبّة الوالد، والعلماء، والفضلاء؛ ومحبة رحمة، وإشفاق، كمحبة الولد؛ ومحبة مشاكلة، واستحسان، كمحبة غير من ذكرنا، وإن محبة رسول الله ﷺ لا بدّ أن تكون راجحة على ذلك كلّه، وإنما كان ذلك؛ لأن الله تعالى قد كمّله على جميع جنسه، وفضّله على سائر نوعه بما جبله عليه من المحاسن الظاهرة، والباطنة، وبما فضله من الأخلاق الحسنة، والمناقب الجميلة، فهو أكمل مَن وطِئ الثرى، وأفضل من ركب ومشى، وأكرم من وافى القيامة، وأعلاهم منزلة في دار الكرامة. قال القاضي أبو الفضل: فلا يصحّ الإيمان إلا بتحقيق إنافة قدر النبيّ ﷺ ، ومنزلته على كلّ والد، وولد، ومُحسنٍ، ومُفَضَّل، ومن لم يعتقد هذا، واعتقد سواه، فليس بمؤمن. قال القرطبيّ: وظاهر هذا القول أنه صرف محبة النبيّ ﷺ إلى اعتقاد

стр. 830

تعظيمه، وإجلاله، ولا شكّ في كفر من لا يعتقد عليه (١)، غير أن تنزيل هذا الحديث على ذلك المعنى غير صحيح؛ لأن اعتقاد الأعظميّة ليس بالمحبّة، ولا الأحبيّة، ولا مستلزمًا لها، إذ قد يجد الإنسان من نفسه إعظام أمر، أو شخص، ولا يجد محبّته؛ ولأن عمر ﵁ لَمّا سمع قول رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه، وولده، ووالده، والناس أجمعين"، قال عمر: يا رسول الله أنت أحبّ إليّ من كل شيء، إلا نفسي، فقال: "ومن نفسك يا عمر"، قال: ومن نفسي، فقال: "الآن يا عمر" (٢). وهذا كلّه تصريحٌ بأن هذه المحبّة ليست باعتقاد تعظيم، بل ميل إلى المعتقد، وتعظيمه، وتعلّق القلب به، فتأمّل هذا الفرق، فإنه صحيح، ومع ذلك فقد خفي على كثير من الناس. وعلى هذا المعنى الحديثُ - والله أعلم -: أن من لم يجد من نفسه ذلك الميل، وأرجحيّته للنبيّ ﷺ لم يكمل إيمانه. قال: على أني أقول: إن كل من صدّق بالنبي ﷺ ، وآمن به إيمانًا صحيحًا، لم يَخْلُ عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة للنبيّ ﷺ ، غير أنهم في ذلك متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، كما قد اتّفق لعمر ﵁ حتى قال: من نفسي، ولهند امرأة أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، حين قالت للنبيّ ﷺ : لقد كان وجهك أبغض الوجوه كلّها إليّ، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه كلها إليّ … الحديث. وكما قال عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: لقد رأيتني، وما أحد أحبّ إليّ من رسول الله، ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أُطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه (٣). ولا شكّ في أن حظّ أصحابه ﷺ من هذا المعنى أعظم؛ لأن معرفتهم لقدره أعظم؛ لأن المحبّة ثمرة المعرفة، فتقوى، وتضعف بحسبها.

стр. 831

ومن المؤمنين من يكون مستغرقًا بالشهوات، محجوبًا بالغفلات عن ذلك المعنى في أكثر أوقاته، فهذا بأخسّ الأحوال، لكنه إذا ذُكّر بالنبي ﷺ ، أو بشيء من فضائله اهتاج لذكره، واشتاق لرؤيته بحيث يؤثر رؤيته، بل رؤية قبره، ومواضع آثاره على أهله، وماله، وولده، ونفسه، والناس أجمعين، فيخطُر له هذا، ويجده وجدانًا لا شكّ فيه، غير أنه سريع الزوال والذهاب؛ لغلبة الشهوات، وتوالي الغفلات، ويُخاف على من كان هذا حاله ذهاب أصل تلك المحبّة حتى لا يوجد منها حَبّة. فنسأل الله تعالى الكريم أن يمُنّ علينا بدوامها، وكمالها، ولا يحجبنا عنها. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"). إسناد هذا الحديث تقدّم قبل حديثين، وكذلك شرح الحديث، وبيان مسائله المتعلّقة به سبق تحقيقها في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (مِنْ وَلَدِه، وَوَالِدِهِ) قدّم الولد في رواية المصنّف على الوالد لمزيد الشفَقَة، وقدّم الوالد في رواية البخاريّ؛ نظرًا للأكثريّة؛ لأن كلّ أحد له والد من غير عكس. وقوله: (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) من عطف العام على الخاصّ، قال في "الفتح": وذِكرُ الولد والوالد، أَدْخَلُ في المعنى؛ لأنهما أعزّ على العاقل من

стр. 832

الأهل والمال، بل ربما يكونان أعزّ من نفسه، ولهذا لم يذكر النفس أيضًا. وهل تدخل الأم في لفظ "الوالد"؟، أن أريد به من له الولد فيعم، أو يقال: اكتُفِيَ بذكر أحدهما كما يُكتفي عن أحد الضدين بالآخر، ويكون ما ذُكر على سبيل التمثيل، والمراد الأعزة، كأنه قال: أحب إليه من أعزته، وذكرُ الناس بعد الوالد والولد، من عطف العام على الخاص، وهو كثير، وقدّم الوالد على الولد في رواية؛ لتقدمه بالزمان والإجلال، وقدّم الولد في أخرى؛ لمزيد الشفقة. انتهى (١). [تنبيه]: رواية شعبة عن قتادة هذه مأمون فيها من تدليس قتادة؛ لأنه كان لا يسمع منه إلا ما سمعه، وقد وقع التصريح به في هذا الحديث في رواية النسائيّ (٥٠١٥) (٢)، والله تعالى أعلبم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٩) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مِنَ خِصَالِ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ الْمُسْلِمِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٨] (٤٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ - أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ"). هذا الإسناد هو الإسناد الماضي قبله، وهو مسلسلٌ بالبصريين أيضًا، وقد سبق الكلام عليه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، وفي رواية النسائيّ: "قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا"،

стр. 833

فصرّح قتادة بالسماع (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) وفي الرواية التالية: "لا يؤمن عبدٌ"، والمراد به نفي كمال الإيمان، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيضٌ في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان. [فإن قيل]: فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمنًا كاملًا، وإن لم يأت ببقية الأركان. [أجيب]: بأن هذا ورد مورد المبالغة، أو يستفاد من قوله: "لأخيه المسلم"، ملاحظة بقية صفات المسلم، وقد صرح ابن حبان من رواية ابن أبي عدي، عن حسين المعلم بالمراد، ولفظه: "لا يبلغ عبدٌ حقيقةَ الإيمان"، ومعنى الحقيقة هنا الكمال؛ ضرورةَ أن من لم يتصف بهذه الصفة، لا يكون كافرًا. قاله في "الفتح" (١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: "لا يؤمن": أي لا يَكْمُل إيمانه؛ إذ مَن غَشّ المسلم، ولا ينصحه مرتكب كبيرة، ولا يكون كافرًا بذلك، كما بيّنّاه غير مرّة، وعلى هذا فمعنى الحديث: أن الموصوف بالإيمان الكامل من كان في معاملته للناس ناصحًا لهم، مريدًا لهم ما يريده لنفسه، وكارهًا لهم ما يكره لنفسه، ويتضمّن أن يفضّلهم على نفسه؛ لأن كلّ أحد يحبّ أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحبّ لغيره ما يُحبّ لنفسه، فقد أحبّ أن يكون غيره أفضل منه، وإلى هذا المعنى أشار الفضيل بن عياض لَمّا قال لسفيان بن عيينة: إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك، فما أدّيت لله الكريم النصيحة، فكيف، وأنت تودّ أنهم دونك؟. انتهى (٢). (حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ) بنصب "يُحِبَّ"؛ لأن "حتى" جارة، و"أن" بعدها مضمرة، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ "حَتَّى" هَكَذَا إِضْمَارُ "أَنْ" … حَتْمٌ كـ "جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ" ولا يجوز الرفع، فتكون "حتى" عاطفة، فلا يصح المعنى؛ إذ عدم الإيمان ليس سببًا للمحبة. [فإن قيل]: قوله: "لأخيه" ليس له عموم، فلا يتناول سائر المسلمين.

стр. 834

[وأجيب]: بأن معنى قوله: "لأخيه" للمسلمين؛ تعميمًا للحكم، أو يكون التقدير: لأخيه من المسلمين، فيتناول كلَّ أخ مسلم. قاله العينيّ (١). (- أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: لِجَارِهِ -) هكذا في رواية مسلم بالشكّ، وكذا هو في "مسند عبد بن حُميد" على الشكّ أيضًا، وهو في "صحيح البخاريّ" وغيره بلفظ "لأخيه" من غير شكّ (٢). (مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ") أي "من الخير" كما ثبت في رواية النسائيّ بإسناد صحيح، و"الخير": كلمة جامعة تَعُمُّ الطاعات، والمباحات الدنيوية، والأخروية، وتُخرِج المنهيات؛ لأن اسم الخير لا يتناولها، والمحبة إرادة ما يعتقده خيرًا، قال النووي: المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، وقد تكون بحواسّه، كحسن الصورة، أو بفعله، إما لذاته، كالفضل والكمال، وإما بإحسانه، كجَلْب نفع، أو دفع ضرر. انتهى ملخصًا. والمراد بالميل هنا الاختياري، دون الطبيعي، والْقَسْريّ، والمراد أيضًا أن يحب أن يحصل لأخيه نظيرُ ما يحصل له، لا عينه، سواء كان في الأمور المحسوسة، أو المعنوية، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له، لا مع سلبه عنه، ولا مع بقائه بعينه له؛ إذ قيام الجوهر، أو العرض بمحلّين محال. قاله في "الفتح". وقال في "عمدة القاري" ١/ ١٦٠ ما حاصله: المحبّة مطالعة المنّة من رؤية إحسان أخيه، وبرّه، وأياديه، ونعمه المتقدّمة التي ابتدأ بها من غير عمل استحقّها به، وستره على معايبه، وهذه محبة العوامّ قد تتغيّر بتغيّر الإحسان، فإن زاد الإحسان زاد الحبّ، وإن نقصه نقصه. وأما محبّة الخواصّ، فهي تنشأ من مطالعة شواهد الكمال؛ لأجل الإعظام والإجلال، ومراعاة حقّ أخيه المسلم، فهذه المحبّة لا تتغيّر؛ لأنها لته تعالى، لا لأجل غَرَض دنيويّ. ويقال: المحبّة ههنا هي مجرّد تمنّي الخير لأخيه المسلم، فلا يَعْسُر ذلك إلا على القلب السقيم، غير المستقيم. وقال القاضي عياض: المراد من قوله ﷺ : "حتى يحب لأخيه ما يحب

стр. 835

لنفسه" أن يحب لأخيه من الطاعات والمباحات، وظاهره يقتضي التسوية، وحقيقته التفضيل؛ لأن كلّ واحد يحبّ أن يكون أفضل الناس، فإذا أحبّ لأخيه مثله، فقد دخل هو من جملة المفضولين، وكذلك الإنسان يحب أن ينتصف من حقّه، ومظلمته، فإذا كانت لأخيه عنده مظلمة، أو حقّ بادر إلى الإنصاف من نفسه، وقد رُوي هذا المعنى عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أنه قال لسفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: إن كنت تريد أن يكون الناس كلهم مثلك، فما أدّيت لله الكريم نصحه، فكيف وأنت تودّ أنهم دونك. انتهى. وتعقّب الحافظ على القاضي عياض قوله: لأن كل واحد يحب أن يكون أفضل الناس، فقال: وفيه نظر، إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة؛ لأن المقصود الحث على التواضع، فلا يحب أن يكون أفضل من غيره، فهو مستلزم للمساواة، ويستفاد ذلك من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣]، ولا يتم ذلك إلا بترك الحسد، والغل، والحقد، والغش، وكلها خصال مذمومة. انتهى "فتح" ١/ ٨٣. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة … إلخ" سيأتي الردّ على هذا، وأنه لا ينافي التواضع، آخر المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. [تنبيه]: من الإيمان أيضًا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه، من الشرّ، ولم يذكره؛ لأن حبّ الشيء، مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه؛ اكتفاء، أفاده الكرمانيّ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه:

стр. 836

أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [١٩/ ١٧٨ و ١٧٩] (٤٥) بهذين الإسنادين. و (البخاريّ) في "الإيمان" (١٣)، وفي "الأدب المفرد" (١٢١)، و (الترمذيّ) في "صفة القيامة" (٢٥١٥)، و (النسائيّ) في "الإيمان" (٨/ ١١٥، ٢٥١٥)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (٦٦)، و (أحمد) في "مسنده" ٢/ ٣٧٣، و (الدارميّ) في "الرقاق" (٢٦٢٣)، و (أبو عوانة) في "صحيحه" (١/ ٣٠)، و (أبو نُعيم) في "المستخرج" (١٦٦ و ١٦٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان بعض خصال الإيمان، وذلك أن محبّة الإنسان لأخيه المسلم ما يحبّ لنفسه شعبة من شعب الإيمان، وعلامة على أنه مؤمن كامل الإيمان. ٢ - (ومنها): أن فيه دلالة على التواضع؛ لأنه إذا أحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه كان دليلًا على أنه بريء من الكبر، والحسد، والحقد، والغلّ، والغشّ، وغيرها من الأخلاق الدنيئة، والخصال الذميمة، بل هو متحلّ بالتواضع، واللِّين، والرفق، وإيثار إخوانه على نفسه، وغيرها من الأخلاق الكريمة، والشيم العظيمة. ٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: لَمّا نفى النبيّ ﷺ الإيمان عمن لم يُحب لأخيه ما يُحبّ لنفسه، دلّ على أن ذلك من خصال الإيمان، بل من واجباته، فإن الإيمان لا يُنفَى إلا بانتفاء بعض واجباته، كما قال: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن … " الحديث. وإنما يُحب الرجل لأخيه ما يُحبّ لنفسه إذا سلم من الحسد، والغلّ، والغشّ، والحقد، وذلك واجبٌ، كما قال النبيّ ﷺ : "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا"، رواه مسلم، فالمؤمن أخو المؤمن، يحبّ له ما يُحبّ لنفسه، ويحزنه ما يحزنه، كما قال ﷺ : "مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر"، متّفقٌ عليه. فإذا أحب المؤمن لنفسه فضيلةً من دين، أو غيره أحبّ أن يكون لأخيه نظيرها، من غير أن تزول عنه، كما قال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: إني

стр. 837

لأمرّ بالآية من القرآن، فأفهمها، فأودّ أن الناس كلَّهم فهموا منها ما أفهم، وقال الشافعيّ رحمه الله تعالى: ودِدتُ أن الناس كلّهم تعلّموا هذا العلمَ، ولم يُنسب إليّ منه شيء. فأما حبّ التفرّد عن الناس بفعل دينيّ، أو دنيويّ، فهو مذموم، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ الآية [القصص: ٨٣]، وقد قال عليّ ﵁ وغيره: هو أن لا يُحبّ أن يكون نعله خيرًا من نعل غيره، ولا ثوبه خيرًا من ثوب غيره. وفي الحديث المشهور في "السنن": "من تعلّم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، فليتبوّأ مقعده من النار". وأما الحديث الذي فيه أن رجلًا سأل النبيّ ﷺ ، فقال: إني أحبّ الجمال، وما أحبّ أن يفوقني أحدٌ بشراك نعلي، فقال له النبيّ ﷺ : "ليس هذا من الكبر"، فإنما فيه أنه أحبّ أن لا يعلو عليه أحدٌ، وليس فيه محبة أن يعلو هو على الناس، بل يَصْدُق هذا أن يكون مساويًا لأعلاهم، فما حصل بذلك محبّة العلوّ عليهم، والانفراد عنهم، فإن حصل لأحد فضيلة خصّصه الله تعالى بها عن غيره، فأخبر بها على وجه الشكر، لا على وجه الفخر، كان حسنًا، كان النبيّ ﷺ يقول: "أنا سيّد ولد آدم، ولا فخر، وأنا أول شافع، ولا فخر". رواه مسلم، ورواه البخاريّ بلفظ مغاير لهذا، وقال ابن مسعود ﵁: لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله منّي تبلغه الإبل، لأتيته. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: فأما حبّ التفرّد عن الناس بفعل دينيّ … إلخ فيه نظرٌ لا يخفى، فكيف يكون هذا مذمومًا، وقد جاء فيه تنافس الأنبياء والصالحين فيه، فقد قال الله تعالى عن سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] الآية، ومعلوم أن طلبه لملك لا ينبغي لغيره محبة للانفراد به، وقال تعالى في دعاء عباد الرحمن: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، ومعلوم أن من يحب أن يكون إمامًا يحب أن يكون رئيسًا في الخير على غيره. ومن الغريب الاستدلال على ذلك بآية ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا

стр. 838

يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية؛ إذ هي لا تدلّ على ذلك، وإنما المراد بالعلو فيها علوّ التكبّر والتجبّر، لا علوّ الإصلاح والزعامة في الحقّ، ودونك ما قاله المفسّرون في معنى الآية المذكورة: قال الإمام ابن كثير ﵀: يُخبر تعالى أن الدار الآخرة، ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين، الذين لا يريدون علوًّا في الأرض، أي تَرَفُّعًا على خلق الله، وتعاظمًا وتجبُّرًا بهم، ولا فسادًا فيهم، كما قال عكرمة: العلُوُّ: التجبر، وقال سعيد بن جبير: العلو: البَغْيُ، وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن منصور، عن مسلم البطين: العلوّ في الأرض: التكبر بغير حقّ، والفسادُ: أخذ المال بغير حقّ، وقال ابن جريج: لا يريدون علوًّا في الأرض تعظمًا وتجبرًا، ولا فسادًا عملًا بالمعاصي. وقال ابن جرير: حدثنا وكيع، حدثنا أبي، عن أشعث السمان، عن أبي سلام الأعرج، عن عليّ، قال: إن الرجل ليُعجِبه من شِراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره، فإن ذلك مذموم، كما ثبت في "صحيح مسلم" عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إنه أُوحي إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحد"، وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمُّل فهذا لا بأس به، فقد ثبت في "صحيح مسلم" أيضًا: أن رجلًا قال: يا رسول الله إني أحب أن يكون ردائي حسنًا، ونعلي حسنةً، أفمن الكبر ذلك؟ فقال: "لا، إن الله جميل يحب الجمال" (١). انتهى كلام ابن كثير (٢).

стр. 839

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الآية ليست بحجة لما زُعِمَ من أن قصد التفرد عن الناس بخير من الخيور مذموم، فإن المفسّرين على أن المراد بالعلو فيها هو علوّ التجبّر والطغيان والبغي، لا علوّ الصلاح والإصلاح. ومما يُتعجّب منه أنه ذكر أثر عليّ ﵁ في تفسيره الآية، وفي سنده أشعث السمّان (١) متروك الحديث، بل كذّبه بعضهم، فكيف يثبت أثره، ويُحتجّ به، وقد أجاب عنه ابن كثير على تقدير ثبوته؟. والحاصل أن محبة الإنسان لنفسه أن يكون إمامًا في الخير، ونحوه لا ينافي حديث الباب، ولا ينافي أيضًا التواضع، وكيف وهو أمنيّة عباد الله الصالحين، ففي "الصحيحين" أنه ﷺ لَمّا قال: "لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله" بات الصحابة يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها، ثم غَدَوا عليه، وكلهم يريد أن يعطاها، حتى قال عمر ﵁: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، وفيهما أيضًا أنه ﷺ لما قال لأهل نجران: "لأبعثنّ معكم رجلًا أمينًا حق أمين" فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ ، إلى غير ذلك مما يدلّ على محبّة كلّ منهم تقدّمه على الآخرين في الخير، فتأمله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٩] ( … ) - (وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّم، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ، حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ - أَوْ قَالَ: لِأَخِيهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ").

стр. 840

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرُّوخ التميميّ، أبو سعيد القطّان البصريّ، ثقة متقنٌ حافظٌ إمامٌ قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥. ٢ - (حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ) هو: الحسين بن ذَكْوَان الْمُعَلِّم الْعَوْذِيّ - بفتح المهملة، وسكون الواو، بعدها معجمة - البصريّ الْمُكْتِبُ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٦]. رَوَى عن عطاء، ونافع، وقتادة، وعبد الله بن بُريدة، ويحيى بن أبي كثير، وبُدَيل بن مَيْسَرة، وسليمان الأحول، وعِدَّة. ورَوَى عنه إبراهيم بن طَهْمَان، وشعبة، وابن المبارك، وعبد الوارث بن سعيد، والقطان، وغندر، وابن أبي عَدِيّ، ويزيد بن زُريع، ويزيد بن هارون، وغيرهم. قال ابنُ أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو حاتم، والنسائيّ، وقال أبو زرعة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: سألت ابن المديني: مَن أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ قال: هشام الدستوائي، ثم الأوزاعي، وحسين المعلم، وقال أبو داود: لم يرو حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ شيئًا، وقال الدارقطنيّ: من الثقات، وقال ابن سعد، والعجليّ، وأبو بكر البزار: بصريّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن المديني: لم يرو الحسين المعلم عن ابن بريدة، عن أبيه إلا حرفًا واحدًا، وكلُّها عن رجال أُخَر. قال الحافظ: هذا يوافق قول أبي داود المتقدم، إلا في هذا الحرف المستثنى، وكأنه الحديث الذي تَعَقَّب به المزيّ قولَ أبي داود بأن أبا داود رَوَى في "السنن" من حديث حسين، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ : "مَنِ استعملناه على عَمَل، فرزقناه رِزْقًا … " الحديث. وقال أبو جعفر العُقَيليّ: ضعيف مضطرب الحديث، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبو بكر بن خلاد، سمعت يحيى بن سعيد، هو القطان، وذكر حسينًا المعلم، فقال: فيه اضطراب. وأَرَّخ ابن قانع وفاته سنة (١٤٥).

стр. 841

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. والباقون تقدّموا قريبًا، والسند مسلسل بالبصريين، كالأسانيد الماضية، وشرح الحديث ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٠) - (بَابُ بَيَانِ تَحْرِيمِ إِيذَاءِ الْجَارِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٠] (٤٦) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أيُّوبَ: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابِريّ البغداديّ العابد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وله (٧٧) سنة (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) بن إياس السَّعْديّ المروزي، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرَقيّ، أبو شِبْل المدنيّ، صَدُوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] مات سنة بضع ١٣٠ (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ المدنيّ مولى الْحُرَقة، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.

стр. 842

٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه: يحيى، فبغداديّ، وقتيبة، فبغلانيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ) بفتح الميم، يقال: أَمِنَ زيدٌ الأسدَ أَمْنًا، وأَمِنَ منه، مثلُ سَلِمَ وزنًا ومعنًى، والأصل أن يُستعمَل في سكون القلب، يتعدّى بنفسه، وبالحرف، ويُعَدّى إلى ثان بالهمزة، فيقال: آمنته منه، قاله الفيّوميّ (١). (جَارُهُ) يطلق الجار على عدّة معان، قال الفيّوميّ: جاوره مُجاورةً، وجِوَارًا، من باب قاتل، والاسم الْجُوَارُ بالضمّ: إذا لاصقه في السكن، وحكى ثَعْلبٌ عن ابن الأعرابيّ: الجارُ الذي يُجاورك بَيْتَ بَيْتَ، والجارُ الشريكُ في العقار مقاسمًا كان أو غير مقاسم، والجارُ الْخَفِيرُ، والجارُ الذي يُجير غيره، أي يُؤْمِنُهُ مما يَخَافُ، والجارُ المستجيرُ أيضًا، وهو الذي يَطْلُبُ الأمان، والجارُ الحليف، والجارُ الناصر، والجارُ الزوج، والجارُ أيضًا الزوجة، ويقال فيها أيضًا: جارةٌ، والجارةُ الضَّرَّة، قيل لها: جارةٌ؛ استكراهًا للفظ الضَّرَّة. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه المعاني كلّها صالحة لأن تُراد في الحديث، والله تعالى أعلم. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الجار هنا يصلح للمجاور لك في مسكنك، ويصلح للداخل في جوارك وحُرمتك؛ إذ كلّ واحد منهما يجب الوفاء

стр. 843

بحقّه، وتحرُم أذيّته تحريمًا أشدّ من تحريم أذى مطلق المسلمين. انتهى (١). (بَوَائِقَهُ") جمع بائقة: وهي الغائلة، والداهية، والفتك، قاله النوويّ (٢)، وقال القرطبيّ: هي الداهية التي توبق صاحبها، أي تُهلكه. انتهى (٣). وقال الفيّوميّ: البائقة: النازلة، وهي الداهية، والشرّ الشديد، وباقت الداهيةُ: إذا نَزَلت، والجمع البوائق. انتهى (٤). قال النوويّ ﵀: في معنى "لا يدخل الجنة" جوابان يَجريان في كلّ ما أشبه هذا: [أحدهما]: أنه محمولٌ على من استحلّ الإيذاء، مع علمه بتحريمه، فهذا كافرٌ لا يدخلها أصلًا. [والثاني]: معناه: جزاؤه أن لا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فُتحت أبوابها لهم، بل يؤخّر، ثم قد يُجازَى، وقد يُعفى عنه، فيدخلها أوّلًا، وإنما تأوّلنا هذين التأويلين؛ لأنا قدّمنا أن مذهب أهل الحقّ أن من مات على التوحيد مصرًّا على الكبائر، فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه، فأدخله الجنّة أوّلًا، وإن شاء عاقبه، ثم أدخله الجنة، والله تعالى أعلم (٥). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى ما حاصله: إن من كان مُضرًّا لجاره، كاشفًا لعوراته، حريصًا على إنزال البوائق به كان ذلك منه دليلًا إما على فساد اعتقاد ونفاق، فيكون كافرًا، ولا شكّ في كونه لا يدخل الجنّة، وإما على استهانة بما عظّم الله تعالى من حُرْمة الجار، ومن تأكيد عهد الجوار، فيكون فاسقًا فِسْقًا عظيمًا، ومرتكب كبيرة، يُخاف عليه من الإصرار عليها أن يُختم عليه بالكفر، فإن المعاصي بريد الكفر، فيكون من الصنف الأول، وإن سَلِمَ من ذلك، ومات غير تائبٍ، فأمره إلى الله تعالى، فإن عاقبه بدخول النار لم يدخُل الجنة حين يدخلها من لم يكن كذلك، أو لا يدخل الجنّة الْمُعدَّة لمن قام بحقوق جاره، وعلى هذا القانون ينبغي أن يُحْمَلَ ما في هذا الباب مما قال

стр. 844

النبيّ ﷺ : إن فاعله لا يدخل الجنّة، مما ليس بشرك؛ للأدلة المتقدّمة، ولما يأتي في أحاديث الشفاعة. انتهى (١)، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا انفرد به مسلم، فلم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٢٠/ ١٨٠] (٤٦) بهذا الإسناد فقط. و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٧٣)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (١٢١)، و (أبو نعيم) في "المسند المستخرج" (١٢٨)، و (أبو عوانة) في "صحيحه" (١/ ٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم إيذاء الجار. ٢ - (ومنها): بيان كون إيذاء الجار من الكبائر. ٣ - (ومنها): نفي الإيمان عمّن لا يأمن جاره بوائقه، وأخرج البخاريّ من حديث أبي شُرَيح الْخُزاعيّ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن"، قيل: من يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يَأْمَنُ جاره بوائقه". قال ابنُ بطال رحمه الله تعالى: في هذا الحديث تأكيدُ حَقِّ الجار؛ لقسمه ﷺ على ذلك، وتكريره اليمين ثلاث مرات، وفيه نفيُ الإيمان عمن يؤذي جاره بالقول أو الفعل، ومراده الإيمان الكامل، ولا شكّ أن العاصي غير كامل الإيمان. وقال ابن أبي جمرة ﵀: إذا أُكِّد حَقّ الجار مع الحائل بين الشخص وبينه، وأُمر بحفظه، وإيصال الخير إليه، وكفّ أسباب الضرر عنه، فينبغي له

стр. 845

أن يُرَاعِي حَقَّ الحافظين اللذين ليس بينه وبينهما جدار ولا حائل، فلا يؤذهما بإيقاع المخالفات في مرور الساعات، فقد جاء أنهما يُسَرّان بوقوع الحسنات، وَيَحْزَنَان بوقوع السيئات، فينبغي مراعاة جانبهما، وحفظ خواطرهما بالتكثير من عمل الطاعات، والمواظبة على اجتناب المعصية، فهما أولى برعاية الحقّ من كثير من الجيران. انتهى ملخصًا (١). ٤ - (ومنها): أن من يؤذي جاره يُحْرَم من دخول الجنّة إما تحريمًا أوّليًّا، أو تحريمًا مؤبَّدًا على التوجيه الذي أسلفناه. ٥ - (ومنها): من يُكْرِم جاره، ويقوم بمصالحه، مع مراعاة سائر الحقوق يكون مؤمنًا كامل الإيمان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢١) - (بَابُ الْحَثِّ عَلَى إِكْرَامِ الْجَارِ وَالضَّيْف، وَلُزُومِ الصَّمْتِ إِلَّا عَنِ الْخَيْر، وَكَوْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الإِيمَانِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨١] (٤٧) - (حَدَّثَني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ"). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عمران التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٣) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
следующие страницы →