← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

ودخل في قوله: "ما يباع" رهن الدين فيجوز من الدين وغيره. قال في التوضيح: ويشترط في صحة الرهن من المدين أن يكون أجل الدين الرهن مثل أجل الدين الذي فيه الرهن أو أبعد لما أقرب؛ لأن بقاءه بعد محله كالسلف فصار أي الرهن في البيع بيعا وسلفا، إلا أن يجعل بيد أمين إلى محل أجل الدين الذي هو رهن فيه. انتهى. وعلم منه أن رهن الدين الحال في الدين المؤجل لا يصح لأنه يؤدي إلى بقاء الحال إلى أجل المؤجل، فيكون بيعا وسلفا كما علل به في المؤجل، وقوله: ويشترط في صحة لخ فرضه أن الدين من بيع فإن كان من قرض لم يعتبر في صحة رهنه من الدين هذا الشرط على ظاهر التوضيح، لكن يأتي في المقرض أسلفني وأسلفك إذا كان أجل الدين الرهن أقرب أو حَالًّا. انظر البناني والرهوني. وإذا رهنه عند غير المدين اشترط قبضه بالإشهاد في حوزه أو دفع الوثيقة والجمع بينهما شرط كمال، ولا يشترط إقرار المدين ولا كونه ممن تأخذه الأحكام، فليس كبيع الدين في هذين لأنه لما يلزم من عدم أخذ الحق من هذا المدين ضياع حق المرتهن قطعا لرجوعه به على الراهن، والظاهر صحة رهن مكتوب وقف موقوف عليه لاشتماله على استحقاق المنافع وهي مما تباع، ووثيقة الوظيفة علي القول بصحة النزول عن الوظائف بعوض ورهن المغصوب من غاصبه، ويسقط عنه حينئذ ضمانه ضمان العداء ويضمنه ضمان الرهن. ويقتضي كلام التوضيح أن حوزه غيرُ كاف وعليه فلو حصل مانع للراهن قبل حوز الرهن يكون المرتهن أسوة الغرماء، وهو ظاهر على القول بأنه إنما يكتفى بالتحويز، وأما على أنه يكفي الحوز في الرهن فاستمراره بيد الغاصب بعد الرهن كاف. ولو اشترط في العقد مبالغة في قوله: "أو غررا" يعني أنه يجوز رهن ما فيه غرر ولو كان ما فيه غرر اشترطت رهنيَّته في عقد البيع، قال الشارح: يجوز له رهن عبده الآبق وبعيره الشارد من غير خلاف إذا لم يقارن ذلك عقدةَ البيع، واختلف إذا اشترط ذلك في عقدةِ البيع على قولين بالجواز وعدمه. ابن رشد: والمشهور الجواز. وَمنشأ الخلاف هل الرهن له حصة من الثمن أو لا حصة له من ذلك وهو ظاهر المذهب، قال في البيان: والقولان قائمان من المدونة، وإذا بنينا على مقابل المشهور فهل يفسد البيع باشتراطه أم لا؟ على قولين، قال المازري: وهما جاريان على

стр. 5847

الخلاف في الشروط الفاسدة المقارنة للبيع. انتهى. وثيقةً بحق قوله: "وثيقة" حال من "ما" وما عطف عليها، والمصدر مأول باسم المفعول أي حال كونه متوثَّقًا به كما في الخرشي. وقوله: "بحق" إما متعلق ببذل والباء للظرفية بمعنى في، أو متعلق بوثيقة والباء للسببية. قاله عبد الباقي وغيره. ومعنى كلامه أن الرهن هو إعطاء من له البيع ما يباع أو ذا غرر في حق حال كون هذا الشيء المعطى متوثقا به في حق ترتب على الباذل أو يترتب عليه، واحترز بذلك عما بذله لا على سبيل التوثق بل على سبيل التملك مثلا كالبيع والهبة والصدقة والمعار والمستأجر ونحو ذلك. انظر الشارح. وقال عبد الباقي: ويكون الرهن عند المرتهن وثيقة بحق موجود أو سيوجد بدليل قوله الآتي: "وارتهن إن أقرض" ولازم أو آئل له ولذا صح في الجعل ولم يصح في كتابة من أجنبي فيحبسه فيما يصح فيه إلى أن يستوفي حقه منه أو من منافعه. انتهى. وقوله: "وثيقة" قال في القاموس: الوثيق المحكم ووَثُقَ ككرم صار وثيقا (١) والموثق كمجلِس العهد جمعه مواثيق ومياثيق والوَثاق ويكسر ما يشد به وأوثقه فيه شده ووثقه توثيقا أحكمه. انتهى المراد منه. قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: فتحقيق قوله: "وثيقة" أنك أثبت حقك بما أخذت فيه من الرهن فلا يفوتك بفلس الراهن أو موته أو غيبته. واللَّه تعالى أعلم. كَوَلِيٍّ مثال لقوله: "من له البيع" يعني أن الولي أبا كان أو وصيا أو غيرهما يجوز رهنه لمال محجوره لمصلحة (٢) ككسوته أو طعامه لا لمصلحة الولي، قال عبد الباقي: والظاهر أن الولي محمول على النظر ولو في رهن ربع فليس كالبيع لتحقق الإخراج فيه دون الرهن. انتهى. ونحوه للخرشي، وقال المواق وغيره، قال ابن القاسم في المدونة: وللوصي أن يرهن من مال اليتيم رهنا فيما يبتاع له من كسوة وطعام كما يتسلفه لليتيم حتى يبيع له بعض متاعه وذلك لازم لليتيم.

стр. 5848

ومكاتب هذا مثال ثان لمن له البيع يعني أن العبد المكاتب يجوز له أن يرهن في حق عليه ويصح ذلك منه لأن له البيع، قال الحطاب: قيده في المدونة بما إذا أصاب وجه الرهن ونحوه للشارح، قال: وإنما قيدنا ذلك بما إذا أصاب وجه الرهن احترازا مما إذا رهن كثيرا في قليل. انتهى. ومأذون يعني أن العبد المأذون يجوز منه الرهن كالمكاتب وإن لم يأذن لهما سيدهما في الرهن، قال عبد الباقي: ومكاتب لأنه أحرز نفسه وماله ومأذون له في تجارة وإن لم يأذن سيدهما في الرهن؛ لأن الإذن في التجارة إذن في توابعها والكتابة إذن في الرهن بخلاف ضمانهما فلابد من إذنه لهما فيه لحصول اشتغالهما فيه عن مصلحة السيد دون الرهن، وقُيِّدَ كلامه بما إذا أصابا وجه الرهن لا إن رهنا كثيرا في قليل؛ لأن فيه حبس مالهما عن الانتفاع به وليلا يدعي عليهما المرتهن بقدر قيمة الرهن فيكون كالشاهد له، ومثل ذلك ما إذا ارتهنا قليلا في كثير. انتهى. ونحوه للش قول عبد الباقي لحصول اشتغالهما لخ. قال البناني: الصواب في الفرق بين الرهن والضمان أن الرهن معاوضة والضمان تبرع وهما مأذون لهما في المعاملات دون التبرعات. انتهى. وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: وإذا رهن المكاتب أو ارتهن جاز إن أصاب وجه الرهن لأنه جائز البيع والشراء، وكذلك العبد المأذون له في التجارة. انتهى. وآبق عطف على قوله كولي والمصدر في الثلاثة قبله مضاف إلى فاعله. وفي هذا الأخير مضاف إلى مفعوله والمعنى أنه يصح لسيد العبد الآبق أن يرهنه في حق عليه لصحة رهن الغرر فهو راجع لقوله: "أو غررا" وكذلك يصح رهن البعير الشارد ليسارة الغرر في ذلك، ولهذا لما يصح رهن الجنين كما سيذكره لقوة الغرر فيه، قال عبد الباقي: ثم إن المرتهن يختص بالآبق وبالبعير الشارد إن حصله وقبضه قبل حصول مانع للراهن وإلا فإسوة الغرماء كما إذا قبضه قبل المانع ثم أبق ثانيا فحصل المانع، وأما إن رهنه عبدا حاضرا عنده وقبضه المرتهن ثم أبق منه فحصل المانع ثم عاد اختص به، ولا يكون أسوة الغرماء فيما يظهر. قاله عبد الباقي. وقال: ومثل الآبق الغائب فيصح رهنه ويختص به أيضا إن قبضه هو أو وكيله قبل المانع كما في هبته، قال الحطاب: والظاهر أن الإشهاد في رهن الغائب كاف في قبضه كما في رهن الدين. انتهى. ومثله الآبق ولفظ الغائب يشمله. قاله علي الأجهوري. ومعناه الكفاية في صحة رهن

стр. 5849

الآبق، وأما الاختصاص به فلابد من قبضه بالفعل كما مر، وأما الغائب فبَحْثُ الحطاب فيه مسلم. انتهى. قوله: كما إذا قبضه قبل المانع ثم أبق ثانيا لخ أي فيكون أسوة الغرماء، وهذا فيه نظر إذ لا وجه لتفريقه عما بعده وهو قوله: وأما إن رهن لخ، ولأن ما ذكره في هذه من أنه أسوة الغرماء لا يصح إلا في صورة خاصة وهي ما إذا أبق منه ورجع إلى سيده الراهن وعلم المرتهن بذلك وسكت لتفريطه كما يفيده ابن عرفة، وهذا في كلتا الصورتين وهما: عقده عليه آبقا أو حاضرا فهرب منه بعد تحصيله في الأولى، وأما إذا لم يرجع إلى سيده الراهن بل أبق ولم يرجع إليه أو رجع إليه ولم يعلم بذلك المرتهن فإنه يختص به فيهما، وإنما يكون أسوة الغرماء إذا رجع إليه وعلم به في كلتيهما. واللَّه أعلم. انظر المواق عند قوله الآتي: "وغصبا فله أخذه مطلقا". قاله البناني. واللَّه تعالى أعلم. وقوله قال الحطاب والظاهر أن الإشهاد في رهن الغائب كاف في قبضه كما في رهن الدين لخ، ليست هذه عبارة الحطاب بل فَهِمَ ذلك منها السنهوريُّ وعلي الأجهوري فتبعهما عبد الباقي، وعبارة الحطاب هي ما نصه: تنبيه: سئلت عن رهن الدار الغائبة والشيء الغائب فأجبت أنه يصح ويشترط في اختصاص المرتهن به أن يقبضه هو أو وكيله قبل موت الراهن أو فلسه وهو كالآبق والشارد بل أحرى بالجواز، فإذا مات الراهن أو فلس قبل قبض المرتهن أو وكيله بطل الرهن ولو جد فيه؛ لأن المص سيقول: "وبموت راهنه أو فلسه قبل حوزه ولو جد فيه"، وأيضا فقد نص في المدونة أن من وهب دارا غائبة ومات قبل أن يحوزها الموهوب له بطلت الهبة، ولو لم يفرط مع أن المشهور في الهبة أنه إذا جد في طلبها لا تبطل، وقد فرق بينهما هنا في التوضيح بأن الرهن لما كان باقيا على ملك راهنه لم يكتف بالجد، بخلاف الموهوب فإنه خرج عن ملك واهبه. واللَّه أعلم. وذكر في التوضيح وغيره أن رهن الدين يصح ولو على غائب ويكفي في حوزه الإشهاد، والظاهر هنا الصحة. انتهى منه بلفظه. فَفَهِمَ منه من ذكرنا أن قوله والظاهر أي من غير توقف على حوز، وبحث في ذلك التاودي واختار أن مراده بقوله: والظاهر الصحة أي الانعقاد فيوافق ما قطع به في أول جوابه، وبحث في قياس الغائب على الدين قائلا ما نصه: إن الدين لا يمكن

стр. 5850

حوزه بالقبض وهو دين، فاكتفي فيه بالإشهاد والغائب يمكن حوزه بقبض المرتهن أو وكيله فلا يلزم أن يكتفى فيه بالإشهاد. انتهى. قلت: وحمله على ما ذكره متعين لأن كلامه أولا وآخرا صريح في أن مراده بالصحة الانعقاد كما يظهر ذلك بأدنى تأمل، ولأن حمله على ما فهموه منه يؤدي إلى صريح التناقض في كلامه وتَهَافُتِ جوابه؛ ولأنه ذكر في الدين أمرين الصحة والاكتفاء بالحوز، ثم قال: والظاهر هنا الصحة فلو أراد ما فهموه مه قال مثلا والظاهر هنا أنه كذلك، فعدوله عن هذه العبارة أو ما يفيد معناها دليلٌ واضح على ما ذكرناه، واستدلاله بكلام المدونة في هبة الدار الغائبة من أعظم الأدلة على ذلك؛ لأن الرهن والهبة إنما يفترقان إذا جد في الحوز في الحاضر. وأما الغائب فتبطل فيه الهبة أيضا مع الجد في الحوز على مذهب المدونة والموازية والعتبية، وهو الراجح كما يأتي في الهبة عند قوله: "أو جد فيه" فكيف يعقل مع ذلك أن يقال بعدم بطلان رهنه؟ وفائدة الصحة التي استظهر الحطاب تظهر فيما إذا امتنع الراهن من تمكين المرتهن من ذلك قبل حصول المانع، فتأمله بإنصاف. قاله الرهوني. تنبيه: ظاهر كلام الحطاب أن ما ذكره في مسألة الدين لا نزاع فيه وأنه لا فرق بين أن يكون عليه رسم أو لا وليس كذلك، ففي النتقى ما نصه: فإن كان دين له ذكر حق فحيازته أن يدفع إليه ذكر الحق ويشهد له به عند حوزه، ويكون أحق به من الغرماء في الموت والفلس. قاله مالك في الموازية. ثم قال: قال ابن القاسم في المجموعة: إن لم يكن فيه ذكر حق فأشهد فلا بأس بذلك ونحوه عن مالك، وقال ابن القاسم أيضا: إذا لم يكن فيه ذكر حق لم يجز إلا أن يجمع بينهما، وإذا كان فيه ذكر حق جاز ذلك وهو ظاهر قول مالك في الموازية. انتهى. ونقله ابن عرفة مختصرا وزاد عقبه ما نصه: اللخمي: حوز ماله ذكر حق بأخذه ويجمع بين المرتهن والغريم ويقدم إليه بحضرة بينة أن لا يُقبضه إياه حتى يقضي حقه، فإن فعل غرمه ثانية لإتلافه على المرتهن وإن كان الغريم غائبا ولا عليه ذكر حق أجزأ فيه الإشهاد وفيه اختلاف. ابن عات: وقيل لا يكون رهنا حتى يجمع بينهما ويقر الذي عليه الدين بذلك ويتفقا، ومتى لم يتفقا لم يكن رهنا ففي الحوز بمجرد الإشهاد فيما لا ذكر حق له أو لابد من الجمع بين المرتهن

стр. 5851

والمدين، ثالثها: إن كان غائبا، ورابعها بشرط حضور المدين وإقراره لنقل الباجي ونقل اللخمي وابن عات. قاله الرهوني. فَرْعَانِ: الأوَّلُ: لا إشكال أنه ليس للراهن قبض دينه بعد رهنه ولا للعدين دفعه إليه بعد علمه، وقد تقدم في نقل ابن عرفة عن اللخمي أن المرتهن يتقدم للمدين أن لا يدفعه للراهن، فإن دفعه إليه بعد التقدم إليه غرمه للمرتهن، فظاهره أنه إذا لم يتقدم إليه في ذلك أنه لا غرم عليه، والظاهر أنه يغرم إذا علم وإن لم يتقدم إليه لوجود العلة التي علل بها مع التقدم، وهي قوله: لإتلافه على المرتهن. فتأمله. واللَّه أعلم. الثَّانِي: إذا كان الدين مؤجلا ولم يحل أجله فلا إشكال أنه لا سبيل للمرتهن إلى قبضه، وإلا فيؤخذ حكم ذلك مما ذكره ابن رشد في شرح مسألة من رهن إجارة مدبره من رسم الرهون من سماع عيسى من كتاب الرهون الثاني، ونصه: وأما رهن إجارته إذا كان مؤاجرا فلا إشكال في جواز ذلك، والحيازة تصح في ذلك بإشهاد المرتهن على الراهن بحضرة المستأجر، فإذا حلت الإجارة عليه قبضها المرتهن وطبع عليها عنده ليلا ينتفع بها أو جعلت على يد عدل. انتهى. نقله الرهوني. و"كتابة" عطف على "ولي" وهو راجع لقوله: "ما يباع" فهو مثال له؛ يعني أن الكتابة يجوز رهنها لأنها مما يباع، وكذلك يجوز رهن المكاتب. وإذا رهنت الكتابة أو المكاتب، استُوفِي للمرتهن حقه في القسمين منها أي من الكتابة حيث أدى المكاتب الكتابة، أو من ثمن رقبته أي المكاتب إن عجز عن أداء كتابته كلا أو بعضا، فإن فلس السيد أو مات قبل الاستيفاء لم يلزم المرتهن الصبر لقبض النجوم شيئا فشيئا، بل تباع الكتابة ويأخذ ثمنها ناجزا، فقوله: "أو رقبته" عطف على ضمير الجر من غير إعادة الجار كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ على قراءة الجر، وقولي: يجوز رهن المكاتب ظاهر كما صرح به غير واحد؛ لأن رهنه ينصرف لرهن الكتابة. وخدمة مدبر يعني أنه يجوز رهن خدمة المدبر كلها أو بعضها مدة معلومة، سواء كان ذلك في العقد أو بعده ويستوفي المرتهن دينه منها والمرهون في الحقيقة الأجرة المتجمدة عن الخدمة، قال الحطاب مفسرا للمص: أي وجاز رهن خدمة المدبر سواء رهن منها مدة معلومة يجوز بيعها أو

стр. 5852

رهن جميع خدمته، أما إن رهن منها مدة معلومة فإن ذلك جائز في عقد البيع وبعده، وأما إن رهن الجميع فيجوز بعد العقد ويختلف فيه إذا كان في العقد على الخلاف في رهن الغرر في عقدة البيع والمشهور الجواز: واحترز بالخدمة من الرقبة. وإن رق جزء فمنه يعني أنه إذا رهن المدبر فعتق بعضه بموت سيده ورق بعضه فإنه يستوفى للمرتهن دينه من ذلك الجزء الذي رق، وكذا لو رق كله وتركه لوضوحه، وفهم منه أنه لو عتق كله لم يبع منه شيء، واستُشكل تصوُّرُ ذلك وأجيب بأنه يُتَصَوَّرُ في المدبر الذي أسلم سيده خدمته بعد أن حيز في قسم الغنيمة كما حدثني به أحمد باب الصِّدِّيقيُّ عن الأمين بن المختار بن موسى اليعقوبي عن الأمين العتروسي عن عبد الدائم بن اخطير عن القاضي العلوي عن الشيخ علي الأجهوري. وَرهن الرقبة على وجهين: الأول أن يرتهن رقبته على أنه إن مات الراهن ولا مال له بيع له المدبر، فإن كان هذا الشرط في أصل العقد فإنه يجري على الخلاف في رهن الغرر لأنه لا يدري متى يموت السيد، وإن لم يكن في أصل العقد جاز بلا خلاف. والثاني أن يرتهن الرقبة على أن تباع له قبل موت السيد فهذا لا يجوز كما قال المص: لا رقبته يعني أنه لا يجوز رهن رقبة المدبر على أن يباع حياة السيد في دين متأخر عن التدبير لا في متقدم عنه، ولا على أن تباع بعد موت السيد مطلقا فيصح رهن رقبته في هذه الأقسام الثلاثة لبطلان التدبير فيها، قال علي الأجهوري: ويبطل التدبير دين سبقا … إن سيد حيا وإلا مطلقا قاله عبد الباقي. وقوله: ولا على أن تباع بعد موت السيد لخ ظاهره أن هذا جائز، ولو وقع في صلب العقد أي عقد البيع والسلف وهو المشهور كما مر قريبا. انظر الرهوني. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: وانظر إذا رهنه وأطلق والظاهر صحته وحمله على الثاني، فإن رهنه على أن تباع رقبته متى وجب الحق فالظاهر المنع كالأول. انتهى. وهذه الصورة التي استظهر عبد الباقي فيها الصحة ليست هي محل القولين الآتيين بل هي غيره. انظر الرهوني وفيه التصريح بأنه لا

стр. 5853

وجه لهذا التوقف، وجلب من النقل ما يفيد الصحة فيما إذا أطلق. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "وخدمة مدبر" لا مفهوم للمدبر مثله خدمة المخدم والمعتق لأجل فيجوز رهن خدمة من ذكر، وإنما خص المدبر لأجل ما بعده وإذا رهن مدبرا على أنه قن فثبت أنه مدبر فهل ينتقل الرهن لخدمته فتباع له وقتا بعد وقت؟ أو يبطل الرهن ويبقى دينه بلا رهن؟ في ذلك قولان ذكرهما اللخمي والمازري. وأما لو رهن رقبة المدبر على أنه مدبر فإنه يبطل الرهن ولا يتعلق بالخدمة من غير خلاف كما يفيده المواق. قاله الخرشي وغيره. وينبغي جري هذا التفصيل في المعتق لأجل، وفي ولد أم الولد الحادث بعد الإيلاد، وحمل الشارح كلام المؤلف على ظاهره فجعل صورة المسألة أنه رهنه على أنه مدبر فهو عنده من تتمة قوله: "لا رقبته" وهو موافق لما في الحطاب عن اللخمي. قاله غير واحد. وقوله: "قولان" اعلم أن الراجح من القولين أنه لا ينتقل لخدمته. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وينبغي جري القولين في المعتق لأجل وفي ولد أم الولد الحادث بعد الإيلاد. انتهى. وقال الرهوني عن التوضيح: اللخمي والمازري: وأما إن رهن رقبته لتباع الآن فلا يجوز، واختلف هل يعود الرهن في الخدمة وتباع له وقتا بعد وقت حسبما يجوز بيعها؟ كمن ارتهن دارا فثبت أنها محبسة على راهنها: فقيل لا يعود حقه إلى المنفعة لأنه إنما رهنه الرقبة، وَقيل الرهن يتعلق بمنفعتها وكرائها فإن المنفعة كجزء منها يجوز رهنه وبيعه، فلا يبطل ببطلان ما أخذ منه. فرع: قال الرهوني: قال ابن عرفة ما نصه: الشيخ عن ابن حبيب: قال أصبغ: من رهن مدبره فحل أجله كان المرتهن أحق بإجارته من الغرماء. انتهى. وقال الرهوني: ونص المدونة على اختصار ابن يونس: ولا بأس برهن المدبرة في قول مالك لأن ذلك لا ينقصها من عتقها إن مات سيدها. وفي كتاب التدبير منها ما نصه: ولا بأس أن يرهن المدبر ويكون المرتهن بعد موت سيده أحق به من الغرماء، فإن لم يَدَعْ سيده غيره بيع للمرتهن في دينه لأنه قد حازه ولو لم يقبضه بيع لجميع الغرماء. انتهى منها بلفظها. تنبيه: قد مر تَقْرِيرِي للمص تبعا لغيري وتقرير الشارح له على ظاهره، وكلام المواق الذي أشرت إليه هو قوله: وانظر هذه العبارة وعبارة غيره لو رهنه عبدا فظهر أنه مدبر فذلك كمن ارتهن دارا

стр. 5854

ثم ثبت أنها حبس عليه، فقيل لا شيء له من غلتها فإنه إنما رهنه الرقبة وقيل يكون له ما يصح للراهن ملكه منها وهي المنافع التي حُبّسَت عليه. انتهى. ثم بعد حين اطلعت على كلام اللخمي ولا شك أنه هو الذي اختصر خليل. انتهى المراد منه. ويكفي هذا شاهدا للمص. واللَّه تعالى أعلم. كظهور حبس دار يعني أن مسألة المدبر هذه كمسألة ما لو رهن دارا هي وقف عليه ثم ظهرت وقفيتها، فإنه اختلف في ذلك على قولين، فقيل لا يبطل الرهن بل ينتقل لمنفعة الدار، وقيل يبطل ولا يكون له شيء من غلتها، فإن ظهر أنها حبس على غير راهنها أو انتقل الحق لغيره بموته أو بانقضاء مدة معينة شرطها الواقف له فلا ينتقل الرهن لمنافعها قطعا. قاله غير واحد. وما لم يبد صلاحه يعني أنه يجوز رهن ثمر أو زرع خلق ولم يبد صلاحه على المشهور؛ لأن الغرر في هذا الباب جائز على ما مر، قال عبد الباقي: وصح رهن ما أي ثمر أو زرع تخلق ولم يبد صلاحه لما علمت من جواز الغرر في الرهن، وأما إن لم يتخلق فلا يصح رهنه كرهن الجنين هذا هو ظاهر قوله: "لم يبد صلاحه" كظاهر المدونة، وقال ابن عرفة: ظاهر الروايات جواز رهن ما لم يخلق. انتهى. تنبيه: قال عبد الباقي عند قول المص "وهل ينتقل لخدمته؟ قولان" ما نصه: وينبغي جريهما في المعتق لأجل وفي ولد أم الولد الحادث بعد الإيلاد، وفي المكاتب على القول بأنه لا يصح رهنه. انتهى. قوله: وفي المكاتب على القول بأنه لا يصح رهنه، قال البناني: يعني هل ينتقل لكتابته أم لا؟ وليس المراد ينتقل لخدمته لأن سيده لا يملك خدمته، وكلامه يقتضي وجود الخلاف في رهن المكاتب، والذي لابن عرفة ما نصه: ولا أعرف في رهن المكاتب نصا، ومقتضى اتفاق المذهب على صحة بيع كتابته ومنع بيع رقبته صحة رهنه مصروفًا تعلقه بكتابته ورقبته إن عجز وفساده إن تعلق ببيع رقبته دون عجزه، وعلى الأول قال ابن الحاجب: يجوز رهن المكاتب ويستوفى من كتابته أو ثمنه إن عجز. انتهى. وانتظر ليباع قد علمت أنه يصح رهن ما لم يبد صلاحه، فإذا رهنه ثمرا أو زرعا لم يبد صلاحه فإنه ينتظر إلى أن يجوز بيعه وذلك عند بدو صلاحه، على ما مر، فاللام في قوله: "ليباع"

стр. 5855

للغاية، ومعنى ليباع إلى أن يجوز بيعه كما قررت، ونائب "انتظر" ضمير يعود على ما على حذف مضاف أي بيع، ومعنى انتظر أخر. البناني: قال ابن عرفة في كتاب الصلح منها: وقد جوز أهل العلم ارتهان غلة الدار أو الغلام وثمرة النخل التي لم يبد صلاحها، ولم يجيزوا ارتهان الأجنة. قال المازري: ورهن ثمرة لم تخلق كالجنين. ابن عرفة: ظاهر الروايات خلاف ذلك، وقال ابن حارث: اتفق ابن القاسم وابن الماجشون على ارتهان الثمرة التي لم تظهر واختلفا في ارتهان ما في البطن، فأجازه ابن الماجشون كالثمرة ومنعه ابن القاسم، وقال المازري في موضع آخر: يجوز إفراد ثمر النخل بالرهن وإن لم يظهر، وقد أجازوا ارتهانه سنين وهو لم يظهر في الثانية. انتهى. وقال الخرشي: عبد الحق: وسقي الزرع الرهون على ربه فإذا فلس ربه لم يكن للمرتهن تحاص بالسقي الذي وجب عليه؛ لأن السقي شيء غير مقبوض فلا حصاص له. انتهى. وقال الخرشي أيضا وإذا رهن الثمرة أو الزرع فقط دون الأمل فيجبر الراهن على تسليم الأصل ليتمكن من الحوز، وأما السقي والعلاج فعلى الراهن ويصير كأنه وكيله في ذلك. وقوله: "ليباع" ولا يؤخر لينتهي طيبها ويقدم بالسقي والعلاج إذا بيعت ويقدر محاصا بما بقي، ولكن لا يزاحم أرباب الديون بالمحاصة بها لو هلكت، وإنما يقدم بذلك في ثمنها على دينه لأن الراهن لا يجبر على السقي. انتهى. وحاص مرتهنه في الموت والفلس الضمير في مرتهنه يرجع للشيء المرتهن الذي لم يبد صلاحه، والمعنى أن الراهن إذا مات أو فلس قبل بدو صلاح الرهن فإن المرتهن يحاص الغرماء في الموت والفلس بجميع دينه، لما علمت أن الدين يتعلق بالذمة لا بعين الرهن، وقد يهلك ذلك قبل بدو الصلاح فيظلم المرتهن. قاله الخرشي. وقال الحطاب: وإنما انتظر بدو الصلاح لأن بيعها قبل ذلك لا يجوز، وهذا إن لم يكن له مال غيرها، أما إن كان فإنه يؤخذ منه لأن حق رب الدين في ذمة المديان. انتهى. واعلم أن في كلام الشيخ حذفا تقديره، فإن حل أجل الدين أو مات الراهن ولا مال له انتظر ليباع وحاص مرتهنه لخ. انظر الحطاب.

стр. 5856

فإذا صلحت بيعت يعني أن مرتهن ما لم يبد صلاحه إذا حاص بدينه في الموت والفلس قبل بدو صلاح رهنه -إذ لا يباع حتى يبدو صلاحه كما عرفت- فإنه إذا بدا صلاح رهنه يباع ويختص بثمنه. فإن وفى ثمنها بجميع دينه رَدَّ المرتهن على الغرماء ما أخذ معهم بالمحاصة وإلا يف ثمن الثمرة المرهونة بجميع الدين، بل وفى ببعضه قدر المرتهن محاصا بما بقي من دينه بعد اختصاصه بثمن الثمرة، مثاله لو فلس وعليه لشخص مائة ولآخرَ مثلها ولمرتهن ما لم يبد صلاحه كذلك ومال المفلس مائة وخمسون، فأخذ كل واحد خمسين ثم بدا صلاح الثمرة، فإن بيعت بقدر دينه رد ما أخذ وهو الخمسون يقتسمها غيره، وإن بيعت بخمسين قدر محاصا بالخمسين الباقية لا بمائة فليس له إلا ثلاثون؛ إذ هي ثلاثة أخماس ماله بنسبة التركة وهي مائة وخمسون للدين وهو مائتان وخمسون ثلاثة أخماسه، ويرد على صاحبيه عشرين بقية الخمسين لكل منهما عشرة فيصير بيد كل منهما ستون وبيده ثلاثون غير ثمن الثمرة. قاله عبد الباقي وغيره. وهذا المثال لشيخ الإسلام الدميري تاج الدين بهرام. وقال المواق من المدونة: قال مالك: من فلس أو مات وقد ارتهن منه رجل زرعا لم يبد صلاحه وهو مما لا يباع حين الحصاص، فإن المرتهن يحاص الغرماء بجميع دينه الآن ويترك الزرع، فإذا حل بيعه بيع فإن كان ثمنه مثل دينه أو أزيد منه قبض منه دينه ورد زيادته إن كانت مع ما كان قبض في الحصاص فكان بين الغرماء، وإن كان ثمنه أقل من دينه نظر إلى ما كان يبقى له من دينه بعد مبلغ ثمن الزرع، فعلمت أن بمثله كان يجب له الحصاص أوَّلًا، فما وقع له على ذلك فيحسبه مما كان أخذ أولا ويرد ما بقي فيتحاص فيه الغرماء. انتهى. قال عبد الباقي: وأخرج من أمثلة من يَرهن بفتح أوله ومن يُرهن بضم أوله، فأشار للأول وهو محتزر قوله: "من له البيع" بقوله: لا كأحد الوصيين يعني أن أحد الوصيين ليس له أن يرهن شيئا من مال اليتيم إلا بإذن صاحبه له في ذلك؛ لأن له نصف النيابة وإذا اختلفا نظر الحاكم في ذلك وكذا في البيع والنكاح، ومحل المنع في كلامه إن لم يكن كل منهما مطلق التصرف، فإن نص الموصي على استقلال كل منهما بالرهن فله ذلك بغير إذن الآخر. المواق من المدونة: لا يدفع أحد

стр. 5857

الوصيين رهنا من متاع اليتيم إلا بإذن صاحبه، وإن اختلفا نظر الإمام في ذلك وكذلك البيع والنكاح. انتهى. وقال عبد الباقي: والظاهر أن إيصاءهما مترتبين كشرط استقلال كل قياسا على ما يأتي في ترتب الوكيلين في التوكيل. انتهى. قوله: والظاهر أن إيصاءهما مترتبين لخ غير صحيح لمخالفته المنصوص. انظر ما يأتي عند قوله في الوصية: "ولاثنين حمل على التعاون". انتهى. قاله الرهوني. وقولي: فإن نص الموصي لخ تبعا لعبد الباقي، قال فيه البناني: ابن عاشر: هذا النوع من الإيصاء لا أعرفه، ولعل المراد أن كل واحد من الوصيين مطلق التصرف من قبل الآخر. انتهى. قال الرهوني: قول البناني: ابن عاشر: هذا النوع من الإيصاء لا أعرفه هذا عجب من الشيخ ابن عاشر ﵀، فإن المسألة جلية حتى إنها مصرح بها في متن ابن الحاجب، وأعجب من ذلك تسليم البناني له مع أنه قد اعترضه غير واحد ممن قبله، فقد قال أبو علي: هذا من ابن عاشر في غاية القصور. انتهى. وقال جسوس: وتوقُّفُ ابن عاشر في هذا قصورٌ. انتهى. وانظر ما يأتي عند النص الذي قدمناه آنفا والكمال للَّه تعالى. انتهى. وقوله: "لا كأحد الوصيين" دخل بالكاف كل من توقف تصرفه على تصرف غيره كأحد الناظرين والمقدمين. وأشار للثاني وهو محترز ما يباع بقوله: وجلد ميتة يعني أن جلد الميتة لا يجوز رهنه أما إن لم يدبغ فالمنع متفق عليه، وأما إن دبغ فالمنع هو المشهور، وإنما منع رهن جلد الميتة لنجاسة ذاته وعلى قول ابن وهب الذي يرى طهارته بعد الدبغ يجوز رهنه بعد أن دبغ، وكذا لا يجوز رهن جلد الأضحية لشرفه ويجري في رهن الكلاب ما جرى في بيعها. المواق من المدونة: لا يجوز رهن جلود الميتة ولا بيعها ولو دبغت، قال مالك: ولا بأس برهن جلود السباع المذكاة وبيعها، دبغت أم لا. انتهى. الخرشي: ومثل جلد الميتة أم ولد الحر بخلاف أم ولد المكاتب. انتهى. وكجنين يعني أن الجنين لا يجوز رهنه لقوة الغرر فيه، وكذا ما شابهه كالثمرة التي لم تخلق والزرع الذي لم يظهر على وجه الأرض وهذا هو مدخول الكاف. قاله الخرشي. وقال: وقوله كجنين أي إذا كان في صلب عقد البيع، فإن كان بعده أو في قرض جاز. قاله حلولو. ويجوز رهن غلة الدار والعبد لخفة الغرر فيها بخلاف الأجنة. انتهى. وقال المواق من المدونة: جوز أهل العلم

стр. 5858

ارتهان الغلات ولم يجوزوا ارتهان الأجنة. انتهى. وقال عبد الباقي: "وكجنين" لا يصح رهنه لقوة الغرر فيه، وكذا ما أشبهه كثمرة لم تخلق وزرع لم يظهر على وجه الأرض ومر عن ابن عرفة خلافه، ومحل المنع في كلام المص إن كان ما ذكر وقع في صلب عقد بيع لا بعده ولا في قرض فيجوز. قاله اللخمي. ودخل سمك في ماء وطير في هواء ولؤلؤ لم يوصف إذا لم يقع الرهن على عينه. انتهى. قوله لا بعده ولا في قرض فيجوز لخ، قال ابن رشد في رسم البيع والصرف من سماع أصبغ: وأما ارتهان ما في بطون الإناث فلا يجوز على ما في كتاب الصلح من المدونة، وأجاز ذلك أحمد بن ميسر، وهذا الاختلاف إنما هو إذا كان الارتهان في أصل البيع، وأما ارتهان ذلك بعد عقد البيع فلا اختلاف في جوازه، ونحوه نقل ابن عرفة عن اللخمي أن الجنين يجوز رهنه في عقد القرض وبعد عقد البيع، واختلف في جوازه فيه. انتهى. نقله البناني. واللَّه تعالى أعلم. وخمر يعني أنه لا يصح رهن الخمر لمسلم عند مسلم أو ذمي، بل وإن كانت الخمر ملكا لذمي ورهنها عند مسلم فالصور ثلاث: الخمر ملك لمسلم فلا يصح أن ترهن لمسلم أو ذمي، ملك لذمي ورهنها عند مسلم فلا يصح أيضا. فهذه ثلاث. وفهم من المص أن رهنها لذمي وهي ملك لذمي ليس كذلك فلا نتعرض لهم إلا أن يترافعا إلينا كما يأتي. إلا أن تتخلل مستثنى من مقدر والقدر هنا حكمان: حكم خمر المسلم أنها تراق، وحكم خمر الذمي أن ترد له والمرتهن أسوة الغرماء في ثمنها، فاستثنى من الحكمين معا قوله: "إلا أن تتخلل" بمثناتين فوقيتين: أي فإن تخللت فالمرتهن أحق بها، كان المرتهن مسلما أو ذميا والراهن مسلم، أو كان الراهن ذميا والمرتهن مسلم. واللَّه تعالى أعلم. المواق، أشهب: إن قبض مرتهن الخمر ثم فلس راهنه فلا رهن له فيه، قال سحنون: إلا أن تتخلل فيكون أحق بها. انتهى. وقال الخرشي: ومثل الخمر السم وما أشبهه لأنه ما فائدة الرهن إلا بيعه عند العجز عن الوفاء، وهذا لا يجوز بيعه كما قاله اللخمي. وإن تخمر أهراقه بحاكم فاعل تخمر ضمير يعود على العصير كما يدل عليه قوله: "تخمر" يعني أنه إذا تخمر العصير المرهون وهو لمسلم رهنه عند مسلم أو ذمي فإنه يهراق على المالك المسلم

стр. 5859

بحاكم أي يهريقه المرتهن بحاكم؛ مالكي إن وجد عندهم من يحكم بعدم إراقتها وبتخليلها، قياسا على قوله في الوصية: "ورفع لحاكم" أي مالكي إن كان حاكم حنفي، وظاهر المص وجوب الرفع والإراقة وأنه ليس له الرفع لمن لا يراها وتكسر الآنية الفخار أيضا، فإن لم يكن حاكم يرى الإبقاء أراق من غير رفع للأمن من التعقب ونبه بقوله: "تخمر" على إراقة خمر المسلم المرهون ابتداء بالأولى لكن بحاكم أيضا، وقولي: المرهون لمسلم لإخراج المرهون لذمي عند مسلم فلا تراق ويردها له ويبقى دينه بلا رهن، فإن أسلم أريقت. قاله عبد الباقي. وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: من ارتهن عصيرا فصار خمرا فليرفعها إلى الإمام لتهراق بأمره فإن مالكا قال: إذا وجد الوصي في التركة خمرا فلا يهرقها إلا بأمر السلطان خوفا من أن يتعقب بأمر من يأتي يطلبه فيها، قيل إنما أمره برفعها إلى الإمام خوفا أن يكون يرى تخليلها. وصح مشاع يعني أنه يصح رهن الجزء المشاع أي الشائع من نصف أو ثلث أو ربع ونحو ذلك، والمشاع اسم مفعول من أشاع رباعيا، قال الخرشي: نبه بهذا على جواز رهن الجزء المشاع خلافا للحنفية القائلين بعدم صحة رهن المشاع، قوله: "وصح مشاع" -كما في وقفه وهبته- من ربع وحيوان وعرض وعقار وسواء كان الباقي للراهن أو لغيره على المشهور والمشاع من الشياع وهو الاختلاط وعدم التمييز أي شائع غير متميز. انتهى كلام الخرشي. وحيز بجميعه الباء للسببية أو بمعنى مع أي يحاز الجزء الشائع بسبب حوز جميع الشيء المرهون منه الجزء الشائع، أو حيز الجزء المشاع المرهون مع حوز جميعه أي جميع الشيء ما رهن وما لم يرهن إن بقي فيه للراهن فاعل بقي ضمير يعود على ما يفهم من بقي أي بقية. قاله الخرشي. أي إنما يحاز جميع الشيء حيث بقي للراهن فيه بعد الجزء المرهون بقية، فيشترط في صحة الحوز حوز الجميع ما رهن وما لم يرهن، وأما إن لم تبق له فيه بقية فإنه يُكتفى بحوز الجزء، فإذا رهن له ثلث هذا الشيء مثلا والباقي له كله أو له جزء منه فإنه لابد من حوز جميع ما للراهن، فإن لم تبق للراهن فيه بقية فإنه يُكتفى بحوز الجزء. واللَّه تعالى أعلم. قال عبد الباقي: وحيز الجزء المشاع بجميعه أي مع حوز أو بسبب حوز جميع المرهون منه الجزء إن بقي فيه للراهن بقية ليلا تجول يد الراهن في الرهن فيبطل، فإن كانت لغير الراهن

стр. 5860

اكتفي بحوز الجزء وينزل المرتهن منزلة الراهن، والشرط في المص يقتضي أنه إذا كان للراهن النصف ورهن الربع أنه لابد من حوز الجميع إذ بقي فيه للراهن بقية وليس كذلك، فلابد من تقييد كلامه. قاله أحمد. أي بما بقي في ملك الراهن لا ملكه وملك شريكه أيضا، فلو قال: وحيز ملكه به لسلم من الإيهام المذكور، وأخذ من الخلاف في هذه المسألة الخلاف في غاصب حصة أحد الشريكين في عبد أو دابة، والصحيح أنه ما غصب عليهما لا على من قُصِدَ بالغصب فقط. قاله ابن ناجي. انتهى. قوله: وأخذ من الخلاف في هذه المسألة لخ يعني الخلاف المذكور في كلام ابن ناجي لا في كلامه هو إذ لم يذكره، وقد ذكر ابن عرفة الخلاف الذي أجمله الزرقاني، ونصه: وفي حوز المشاع ممَّا باقيه لراهنه طرق اللخمي والباجي وعياض. اللخمي: إن كان دارا أو عبدا في كون حوزه بانفراد المرتهن به أو يكفي كون يده فيه مع راهنه كشريك قولان، ونحوه للمازري، الباجي ما ينقل حوزه بانفراد المرتهن به أو عدل وما لا يزال كالربع في كونه كذلك، أو يكفي كون يده معه كشريك قولا أشهب والموازية. ثم قال عن عياض: مذهب الكتاب ومشهور المذهب أن حوزه إنما هو بحوز جميعه وقيل يجوز بحلوله في الجزء المشاع محل صاحبه وكانت يده عليه مع يده، وقيل إنما يصح ذلك فيما لا ينقل كالربع. انتهى. قلت: ظاهر كلامهم أن هذا الخلاف منصوص، وظاهر كلام ابن رشد أن الخلاف مخرج فقط. انتهى المراد منه. وقال عبد الباقي: ولا يجوز لأحد شريكي دابة بيع حصته منها وتسليمها بغير إذن شريكه الحاضر أو إطلاع الحاكم إن غاب كما في المدونة وغيرها كما قال ابن عرفة: ومعناه كما فهمه علي الأجهوري لا يتصرف في حصة شريكه، فإن خالف وفعل وتلفت، فقال في الذخيرة كما في التتائي: لا أعرف فيها نصا، ومقتضى القواعد ضمان حصة الشريك. انتهى. قوله: ولا يجوز لأحد شريكي دابة إلى قوله، كما قال ابن عرفة ما عزاه لابن عرفة لم أجده فيه بعد البحث عنه إلا عن أشهب ومذهب ابن القاسم خلافه، ونص ابن عرفة: ورهن المشاع فيما باقيه لغير الراهن ربعا أو منقسما لا يفتقر لإذن شريكه، وإن كان غيره ففي كونه كذلك ووقفه عليه قولا ابن القاسم وأشهب، قائلا: لأن رهنه يمنعه من بيعه ناجزا، وصوب الباجي قول ابن

стр. 5861

القاسم لا يفتقر لإذن الشريك لأن ذلك لا يمنعه من بيع حظه أو دعائه لبيع جميعه، فإن باعه بغير جنس الدين كان الثمن رهنا، وإن كان بجنسه قضي به الدين. انتهى. قاله البناني. قال الرهوني: لعل الزرقاني أخذ ذلك من قول ابن عرفة أواخر الشركة: وفيها مع غيرها منع أحد الشريكين بمجرد الملك في شيء تصرفه فيه دون إذن شريكه للُزُومية التصرف في ملك الغير بغير إذن. انتهى. لكن كلامه (١) بظاهره شامل لتصرفه فيه ببيع حصته لكن الظاهر قصره على ما إذا كان بيعه لحصته يؤدي للعلة التي علل بها (٢) المنع؛ كأن يذهب به إلى السوق ونحوه من كل مكان لم يأذن له شريكه في الذهاب به إليه، ويحمل ما ذكره البناني عنه هنا من الجواز على مذهب ابن القاسم على ما إذا كان بيعه لحصته سالما من تلك العلة فتأمله. واللَّه أعلم. انتهى. وقال المواق من المدونة: قال مالك: لا بأس برهن جزء مشاع غير مقسوم من ربع أو حيوان أو عرض، وقبضُه إن كان بين الراهن وغيره أن يحوز المرتهن حصة الراهن ويكريه ويليه مع من له فيه شرك كربه، ولا بأس أن يضعاه على يد الشريك والحوز في ارتهان نصف ما يملك الراهن من عبد أو دابة أو ثوب قبضُ جميعه. انتهى. ولا يستأذن شريكه يعني أنه يجوز لمن له جزء مشاع في حيوان أو غيره منقسما أم لا أن يرهن حصته أو بعضها من غير أن يستأذن شريكه؛ لأن الشريك يتصرف مع المرتهن ولا يمنعه رهن الشريك من ذلك؛ لأن الرهن لم يتعلق بحصته. وقوله: "ولا يستأذن شريكه" أي وجوبا فلا ينافي الاستحباب، ففي التوضيح: ينبغي أن يستأذنه أيضا على قول ابن القاسم، وقوله: "ولا يستأذن شريكه" هو المشهور وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: يفتقر لإذن الشريك فيما لا ينقسم. واللَّه تعالى أعلم. وله أن يقسم يعني أنه يجوز للشريك الذي لم يرهن حصته أن يقسم لكن إنما يقسم مع الراهن، ففي المدونة: إن كان الرهن مما ينقسم من طعام ونحوه فرهن حصته منه جاز ذلك إذا حازه المرتهن، فإن شاء الشريك البيع قاسمه فيه الراهن والرهن كما هو بيد المرتهن لا يخرجه من يده،

стр. 5862

فإن غاب الراهن أقام الإمام من يقسم له ثم تبقى حصة الراهن في الوجهين رهنا ويطبع على كل ما لا يعرف بعينه. انتهى. وقوله: وله أن يقسم أي من دون إذن المرتهن. ويبيع بالنصب عطف على يقسم؛ يعني أنه يجوز للشريك الذي لم يرهن حصته أن يبيع منابه من غير إذن شريكه الراهن ومن غير إذن المرتهن، وأما الراهن فلا يجوز له بيع الجزء المرهون من دون إذن المرتهن. ويسلم يعني أن الشريك الذي لم يرهن حصته إذا باعها يجوز له أن يسلم للمشتري ما باعه له، فإن نقصت حصته ببيعها مفردة جبر الراهن على البيع معه وكان ثمن حصتة رهنا إن بيع بغير جنس الدين وإلا قضي الدين منه إن لم يأت الراهن برهن كالأول. قوله: "ويسلم" اعلم أن الشريك الذي لم يرهن إذا باع نصيبة وسلم الجميع للمشتري بغير إذن شريكه فمقتضى القواعد أنه يضمن لأن أخف أحواله أن يكون كالمودع في الأمانة والمودع إذا وضع يد الأجنبي ضمن لتعديه، فإن قيل يلزم عدم صحة البيع لعدم قدرته على التسليم فالجواب أن الشريك الراهن إن كان حاضرا سلم المبيع له، وتقع الحكومة بينه وبين المشتري أو غائبا رفع أمره إلى الحاكم يأذن له في البيع ممن شاء ووضع مال الغائب تحت يده. انظر الخرشي. وله استيجار جزء غيره الضمير في "له" يرجع للراهن كالضمير في غيره والغير هو الشريك الذي لم يرهن، يعني أنه يجوز للشريك الذي رهن حصته أن يستاجر جزء الشريك الذي لم يرهن ولكن لا يتولاه الراهن بل يقبضه أي الجزء المستأجر أي أجرته. المرتهن فاعل يقبضه له أي للشريك الراهن، وإيضاح هذا أن تقول: للشريك الراهن أن يستأجر جزء الشريك الذي لم يرهن، وإذا استأجره فإن المرتهن هو الذي يقبض ذلك الجزء له بمعنى أنه يؤاجره المرتهن لشخص آخر ويأخذ منه الأجرة ويدفعها للشريك الراهن. وعلم مما قررت أنه لا يتولى الراهن العقد على الجزء الذي استأجره أي لا يؤاجره، وإنما يؤاجره له المرتهن لأن ذلك في معنى الجولان فيبطل حوز المرتهن: المواق من المدونة: من رهن حصته من دار ثم اكترى حصة شريكه وسكن بطل الحوز إن لم يقم المرتهن بقبض حصة الراهن من الدار ويقاسمه؛ لأنه لما سكن الدار وهي غير مقسومة صار المرتهن غير حائز ولا يمنع الشريك أن يكري نصيبه من الراهن ولكن تقسم الدار فيحوز المرتهن رهنه ويكري الشريك نصيبه ممن شاء. انتهى.

стр. 5863

ولو رهن أحد شريكين حصته من أجنبي وأمنا أي الراهن والمرتهن الأجنبي شريكا أي جعلا الشريك الذي لم يرهن أمينا لهما بأن وضعا الحصة المرهونة تحت يده، فرهن الشريك الأمين حصته للمرتهن أو لغيره، وأمنا أي الأمين والمرتهن الراهن الأول أي جعلاه أمينا لهما على هذه الحصة الثانية وهي شائعة، بطل حوزهما للحصتين معا لجولان يد الراهن الأول على ما رهنه بسبب أنه أمين على حصة شريكه الراهن الثاني وهي شائعة، فيلزم منه أن حصته تحت يده والثاني يده جائلة أولا على حصة شريكه بالاستيمان الأول، ولو جعلا حصة الثاني على يد أجنبي بطل رهن الثاني فقط لحوزه لحصة الأول، وقوله: "بطل حوزهما" أي ولا تفسد العقدة فإذا قام كل من المرتهنين يطلب حوز الرهن قبل المانع قضي له به. واللَّه تعالى أعلم. المواق: ابن المواز: من ارتهن نصف دار فجعله على يدي شريك الراهن ثم ارتهن مصابة الشريك بعد ذلك فجعلها على يدي الراهن الأول، فإنه يبطل رهن جميع الدار لأنها قد رجعت على حالها بيد كل واحد مصابته. والمستأجر يعني أنه يجوز رهن الشيء المستأجر بفتح الجيم للمستأجر أو لغيره، فإذا استأجر زيد دارا لعمرو فإنه يجوز لعمرو أن يرهنها لزيد أو لغيره، والمساقى يعني أنه يجوز رهن الشيء المساقى للشخص المساقي أو لغيره، فإذا ساقى زيد عمرا فإنه يجوز لزيد أن يرهن الحائط المساقى عند عمرو أو غيره. وحوزهما الأول كاف يعني أن حوز المكتري للدار المستأجرة كاف أي يكون ذلك حوزا للمرتهن، سواء كان المرتهن هو المكتري أو غيره، وكذلك حوز العامل للحائط المساقى كاف في حوز المرتهن له كان المرتهن هو المساقي أو غيره، وقوله: "الأول" أي الحوز الحاصل بالاستيجار والمساقاة، فلا يحتاج لحوز ثان للمرتهن، وجعلت المص شاملا لصورتين تبعا لنقل المواق، فإنه قال: الجلاب: من آجر داره من رجل ثم رهنها منه فلا بأس بذلك، وكذلك لو آجرها من رجل ثم رهنها من غيره فلا بأس بذلك، وكذلك من ساقى حائطه من رجل ثم رهنه من غيره فلا بأس، وينبغي للمرتهن أن يستخلف مع العامل في الحائط غيره.

стр. 5864

وعبارة ابن عرفة: من ساقى حائطه ثم رهنه فليجعل المرتهن مع المساقى رجلا أو يجعلانه على يدي عدل، قال مالك: جعله على يدي المساقى أو أجير له يبطل رهنه، ونقل ابن يونس أن مذهب ابن القاسم أنه يجوز للرجل أن يرتهن ما هو في يديه بإجارة أو سقاء ويكون ذلك حوزا للمرتهن، مثل الذي يخدم ثم يتصدق به على آخر بعد ذلك فيكون حوز المخدم حوزا للمتصدق عليه. انتهى. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: وصح رهن الشيء أو الشخص المستأجَر بفتح الجيم على الأول وكسرها على الثاني، والمراد على الأول رهنه للمستأجِر بالكسر قبل انقضاء مدة الإجارة ورهن الحائط المساقى عند عامله، بدليل قوله: "وحوزهما الأول" بالإجارة والمساقاة "كاف" عن حوز ثان للرهن. وأشعر قوله: "الأول" بأنه رهنه عندهما، فإن رهنه عند غيرهما جعل معهما رجل أو يجعلانه عند رجل يرضيانه ولا يكتفى بأمانتهما (لأنهما) (١) لأنفسهما، وقول التتائي: كلامه يشمل الصورتين فيه شيء مع قول المص الأول فإنه مشعر بما قررناه. انتهى كلام عبد الباقي. قوله: في قول التتائي كلامه يشمل الصورتين فيه شيء لخ فيه نظر، بل كلام التتائي ممكن في كلام المص لوجود الخلاف في الصورة الثانية مع قبول كلام المص لما قاله لخ. وقال عبد الباقي: ومن رهن بعيرا مكترى لغير المكتري فحوزه علفه والقيام به وهو عند المكتري، وإن ارتهن للمكتري فكذلك ولا يضر وجود المكري معه كما يقع في الحج وعلفه عليه، لكن إنما يتولاه المكتري ليلا تجول يد المكري الراهن لو علفه، ومثل المستأجر والمساقى المودع والمعار في أن حوزهما الأول كاف عن حوز ثان حال الرهن عندهما. انتهى. والمثلي يعني أنه يصح رهن المثلي حيث كان المثلي غير عين، بل ولو كان عينا حال كون المثلي بيده أي المرتهن وإنما يجوز رهن المثلي إن طبع عليه أي المثلي طبعا لا يقدر على فكه غالبا، وإذا زال علم زواله حماية للذرائع لاحتمال أن يكونا قصدا به السلف وسمياه رهنا واشتراط السلف في المداينة ممنوع والتطوع به هدية مديان، وأما الطبع الذي لا يقدر على فكه أصلا فغير

стр. 5865

مطلوب، والذي يقدر عليه كل أحد ولا يعلم زواله كلا طبع وما قررناه من أن الطبع شرط لجواز رهنه بجعله شرطا ليجوز مقدرا هو المعتمد كما لأبي الحسن، ويفيده كلام جمع خلافا لمن جعله شرطا لصحته ولمن جعله شرطا لاختصاص المرتهن، فعلى ما قلنا إذا حصل مانع قبل الطبع اختص المرتهن به على المعتمد. واحترز بقوله: "بيده" عما لو كان بيد أمين فلا يشترط الطبع عليه. قال جميعه عبد الباقي. وقوله اختص به على المعتمد قواه البناني، وقوله: "طبع عليه" بأن يجعل عليه شيء لا يقدر على إزالته غالبا وإذا زال علم زواله، ومعنى طبع عليه ختم عليه بأن يجعل عليه خاتم وطبع عليه جعل عليه طابع أي خاتم. واللَّه تعالى أعلم. تنبيه: قضية كلام المص أن المثلي لا يجوز رهنه إلا إن طبع عليه حيث كان غير عين اتفاقا، وكذا إن كان عينا لا عند مقابل لو فيجوز رهن العين وإن لم يطبع عليها وذلك فيه شيء، قال البناني: صواب المص لو قال: والمثلي إن طبع عليه ولو غير عين وتكون المبالغة على مفهوم الشرط؛ لأن الخلاف إنما هو في غير العين إذا لم يطبع عليه، فابن القاسم في المدونة يقول بعدم صحته خلافا لأشهب واتفقا على أن العين لا يجوز رهنها إلا بالطبع عليها هذه طريقة المازري وابن الحاجب، وأما ابن يونس والباجي وابن شأس فلم يذكروا عن أشهب إلا أن طبع العين مستحب كما في التوضيح، فعلى هذا الطريق لا وجه للإغياء؛ إذ لا فرق عنده بين العين وغيره في عدم اشتراط الطبع، ومذهب المدونة -وهو المشهور- أن جميع المثليات لا ترهن إلا مطبوعا عليها. قاله الحطاب. والحاصل أن المثلي غير العين فيه خلاف بين ابن القاسم وأشهب، قال ابن القاسم بوجوب الطبع وأشهب بعدم وجوبه، فإن كان عينا وجب عند ابن القاسم وفي وجوبه وندبه عند أشهب طريقتان. انتهى. وقوله: "والمثلي"، قال عبد الباقي: وليس منه هنا الحلي لعدم احتياجه لطبع عليه كما قال الحطاب. انتهى. وفضله يعني أنه إذا رهن رهنا يساوي مائة مثلا في خمسين يصح له رهن فضلته وهي الخمسون الباقية عند غير المرتهن الأول، وقوله: "فضلته" أي باعتبار القيمة وليس معنى المص أنه رهن

стр. 5866

بعضه المنفصل كجزء من كتاب ذي أجزاء، ثم رهن الباقي بعد ذلك لأن هذا لا يتوقف على قوله: إن علم الأول ورضي يغني عن قوله: "علم"؛ يعني أنه يشترط في رهن الفضلة المذكورة أي في صحة حوزها أن يعلم المرتهن الأول بارتهان الثاني لها ويرضى بذلك ليكون حائزا للمرتهن الثاني. فتحصل من هذا أن معنى المص أنه يشترط في صحة حوز الفضلة عِلْمُ الأولِ وَرِضاهُ؛ لأن محل هذا عند موت الراهن أو قيام الغرماء عليه، فإن لم يحصل ذلك صح الرهن. ومحل قوله: "إن علم الأول ورضي" إذا كان الرهن بيد المرتهن، وأما لو كان موضوعا على يد أمين فإنه يشترط علم المرتهن الأول دون رضاه، ويشترط أيضا علم الأمين ورضاه ليصير حائزا للثاني، ولا يقال لم لا يشترط رضى المرتهن الأول ومن حقه أن يقول أنا لم أرض إلا برهنه كله في ديني؛ لأنا نقول حيث كان الثاني لا يستحق منه في دينه شيئا إلا بعد أن يستوفي الأول جميع دينه، فإن فضل شيء كان للثاني وإلا فلا شيء له كما يأتي لم يكن له كلام؛ لأن دينه مضمون فيه يأخذه كاملا وإن تحولت الأسواق. قاله البناني. وقال الرهوني عند قول المص "إن علم الأول ورضي": محل هذا إذا مات الراهن أو قام عليه الغرماء وإلا فلا كلام في أن الفضلة تكون للثاني كما قال أبو الوليد بن رشد، ففي رسم الأقضية الثاني من سماع القرينين من كتاب الرهون ما نصه: وسئل عن رجل ابتاع من رجل بيعا بدنانير إلى ستة أشهر ورهنه بذلك رهنا فقبضه وحازه ثم ابتاع بعد ذلك بأيام من رجل آخر بيعا بدنانير إلى أجل شهر ورهنه فضل ذلك الرهن الذي رهنه الأول، وقال: فلان مبدأ عليك في الرهن ثم ما فضل لك رهن بحقك فحل أجل المرتهن الآخِر قبل الأول المبدأ عليه في الرهن، فقال مالك: ألم يعلم المرتهن الآخر أن حق الغريم الأول إلى ستة أشهر، فقيل له، لم يعلم، فقال أرى أن يباع ويعطى حقه من ثمنه، قيل له إذا بيع هذا العبد المرهون أيعطى الذي لم يحل حقه جميع حقه ثم يعطى هذا ما فضل؟ أو يوضع له حقه حتى يحل الأجل ويعطى للمرتهن الآخر ما فضل من حقه؟ فقال: بل يعطى صاحب الحق الذي لم يحل حقَّه كلَّه أحب إلي، ثم يعطى هذا ما فضل. قال القاضي ﵁: لم يذكر في هذه الرواية أن المرتهن الأول علم بما فعل الراهن من رهن فضلة الذي بيده لغيره. وقال إن فضلة الرهن تكون له. واعترض ذلك ابن دحون، فقال: إن ذلك

стр. 5867

من قول خارج عن الأصول كيف يصلح أن يكون له فضلة الرهن ولم يقبضها له المرتهن الأول، ولا يلزم عندي هذا الاعتراض لأن المسألة محتملة للتأويل، وقد اختلف فيمن رهن رجلا رهنا فقبضه وحازه ثم رهن فضلته من آخر، فقيل إن الفضلة تكون رَهنا وإن لم يعلم المرتهن الأول بذلك وهو قول أشهب في الواضحة وغيرها وقول ابن القاسم في المبسوط، وقيل: إنها لا تكون له رهنا إلا أن يعلم بذلك المرتهن الأول وهو قول أصبغ من رواية (١)، وقيل: إنها لا تكون له رهنا إلا أن يعلم بذلك المرتهن الأول ويرضى به وهو المشهور المعلوم من قول مالك في المدونة وغيرها. ثم قال: وفائدة هذا الاختلاف إنما هي إذا قام الغرماء على الراهن، هل يكون المرتهن الثاني أحق بالفضلة من الغرماء أم لا؟ وأما إذا قام المرتهن الأول والثاني على الراهن ولم يكن له غرماء أو قبل قيام الغرماء فلا كلام في أن فضلة الرهن تكون له إذ لا ينازعه فيها أحد، فيحتمل أن يكون إنما تكلم في هذه المسألة على أن المرتهن الثاني قام يريد قبض فضلة الرهن في حقه الذي قد حل ولم يحل حق المرتهن ولا غرماء على الراهن، فلا يلزم من هذا التأويل اعتراض ابن دحون على المسألة، ثم قال: ولو علم الثاني بأجل المرتهن الأول لم يبع الرهن حتى يحل أجله لأنه على ذلك دخل. انتهى. ولا يضمنها الأول الضمير في يضمنها للفضلة يعني أن الفضلة التي رهنت عند أجنبي وهي بيد المرتهن الأول إذا تلفت وهي مما يغاب عليه ولم تقم بينة على تلفها، فإنه لا يضمنها المرتهن الأول لأنه أمين فيما زاد على قدر دينه، وإنما يضمن مبلغ دينه إن حضر الثوب الرهن وقت ارتهان الثاني أو له بينة ببقائه حينئذ وإلا ضمن جميعه، ومثل كلام المص إذا سلم الرهن للثاني فلا يضمن حصة الأول، فإن رهنت الفضلة عند الأول أيضا ضمن جميعه. قال الحطاب عن ابن سلمون: وإنما يجوز رهن الفضلة عند الأول إذا ساوى أجل الدين الثاني الأول لا إن زاد عنه أو نقص. انتهى.

стр. 5868

قال الرهوني: والظاهر أن يحمل ما في الحطاب من المنع عن ابن سلمون على ما إذا دخلا على أنه يباع الرهن عند حلول الأول وما فضل من ثمنه يدفع إذ ذاك في الثاني، وما بقي منه لم تف به الفضلة يبقى لأجله، ومثل الدخول على ذلك جري العادة به، ووجه المنع على هذا الجهالة في الأجل إذ يحتمل أن تبقى الفضلة بجميعه فيحل كله أو لا يفضل شيء أصلا بحوالة سوق فيبقى كله إلى أجله أو يفي بالبعض فقط فيبقى غيره، ثم ذلك البعض يحتمل أن يكون الأكثر أو الأقل أو المساوي، أما إذا دخلا على أنه إذا كانت فضلة تبقى بيد المرتهن رهنا بعد الطبع عليها أو توضع تحت يد أمين إلى حلول الأجل فلا وجه للمنع وكذا إن جرت العادة بذلك، وإنما يبقى النظر عند السكوت ولا عادة هل يحمل على الأول فيمنع للعلة المذكورة أو على الثاني فيجوز وهو الظاهر؛ لأن التصريح بالأجل يستلزم ذلك فتأمله بإنصاف. انتهى كلام الرهوني. واللَّه تعالى أعلم. كترك الحصة المستحقة تشبيه في عدم الضمان؛ يعني أن الرهن إذا كان مما يغاب عليه واستحق بعضه فترك المستحق ذلك البعض عند المرتهن فتلف ولم تقم بينة على هلاكه، فإن المرتهن لا يضمن تلك الحصة المستحقة لأنه فيها أمين، وإنما يضمن البعض الذي لم يستحق. ومن المدونة: من ارتهن دابة أو دارا أو ثوبا فاستحق نصف ذلك من يد المرتهن فباقيه رهن بجميع الحق، فإن شاء المستحق البيع قيل للراهن والمرتهن بيعا معه إن كان مما لا ينقسم، وقيل للمرتهن لا تسلم رهنك ولكن يباع وهو بيده، وتصير حصة الراهن من الثمن رهنا بيد المرتهن مطبوعا عليه بجميع حقه، فلو ترك المستحق حصته بيد المرتهن وهو ثوب فضاع لم يضمن المرتهن إلا نصف قيمته للراهن. أو رهنِ نِصْفِهِ رهن بالجر عطف على ترك وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، يعني أنه إذا ارتهن نصف ثوب فقبض جميعه فهلك عنده لم يضمن إلا نصف قيمته وهو في النصف الآخر مؤتمن قاله ابن القاسم في المدونة. نقله المواق وغيره. ومعطى بالتنوين اسم مفعول وهو مرفوع عطف على "الأول" أو مجرور عطفا على "ترك" ونائبه ضمير مستتر، ومفعوله قوله: دينارا. وعلق بالوصف قوله: ليستوفيَ نصفه قرضا أو دضاء ويرد نصفه، ومعنى كلامه أن من أخذ دينارا من شخص ليستوفيَ نصفه مقرضا أو مقضيا به فتلف فإنه يضمن نصفه فقط وهو في النصف الآخر أمين،

стр. 5869

فالمعنى لا يضمنه كله وإنما يضمن نصفه فقط، ولا يمين عليه إلا إن اتهم كما في المدونة، وأما إن قال: اصرفه وخذ نصفه فضاع قبل صرفه فضمانه من ربه لأنه وكيل عنه حتى يصرفه، وعلى ربه قضاء حق المأمور حيث كان له عليه (دين) (١)، فإن ضاع بعد صرفه فمنهما. أبو الحسن: فإن أعطاه له ليكون رهنا عنده حتى يوفيه حقه منه أو من غيره ضمن جميعه ضمان الرهان. ومن المدونة: قال مالك فيمن يسئل رجلا نصف دينار فأعطاه دينارا ليستوفي منه نصفه ويرد ما بقي، فزعم أنه ضاع؟ إن النصف من المقتضي والنصف الآخر هو فيه مؤتمن وعليه اليمين إن كان متهما وإلا لم يحلف. انتهى. ثُمَّ عاد لتتميم المسألة -أعني قوله: "وفضلته" لخ- بعد أن شبه بها ثلاثة أشياء، فقال: فإن حل أجل التاني أولا قسم إن أمكن يعني أنه إذا رهن رهنا في دين، والرهن يساوي أكثر مما رهن فيه ثم رهن فضلة ذلك الرهن في دين آخر من رجل آخر وحل أجل الدين الثاني قبل حلول الأول والمدين ملي غير مفلس، فإنه يقسم الرهن بينهما ويعتبر عدد الأول فيعطى من الرهن مقدار ما يوفيه ويمسكه حتى يحل حقه فيباع له وما فضل يكون في دين الثاني يباع له إلا أن يكون الباقي أكثر من الثاني فلا يدفع له الآن إلا مقداره وتكون بقية الرهن كلها للدين الأقل، وهذا إذا كان فيه وفاء الأول وزيادة بأن كان فيه وفاء لهما أو للأول وبعض الثاني كما هو الموضوع، فإن لم يف إلا بالأول لتغير السوق لم يكن للثاني شيء، وَإلا يمكن قسمه أو أمكن بنقص بيع الرهن الآن وقضيا أي الدينان من ثمنه ويُقضى الدين الأول كله أوَّلًا لسبقيته ثم ما بقي للثاني. وأشعر قوله: "وقضيا" بأن فيه فضلا عن الأول وهو كذلك، فإن لم يكن فيه فضل لم يبع حتى يحل أجل الأول. قاله ابن القاسم. وظاهره البيع الآن يعجل ولا يوقف ولو أتى للأول برهن كالأول وهو كذلك، ومفهوم قوله: "أولا" أنه إذا حل أجل الأول أولا فإنه أيضا يقسم إن أمكن وإلا بيع ويعجل للأول حقه وهل يعجل للثاني ما يزيد عن دين الأول، وعليه اقتصر التتائي أو يطبع عليه ويبقى رهنا حتى يحل أجله قولان في شرح الجلاب، وإن حلا معا بيع وأعطي للأول

стр. 5870

حقه وللثاني ما بقي ولا يقسم ولو أمكن قسمه خلافا للتتائي إذ القسم ربما أدى إلى نقص في الثمن كما في أحمد. قاله عبد الباقي. وقوله: "وإلا بيع وقضيا" قال الرهوني: ظاهر المص أنه يباع ولو علم الثاني بأجل الأول وهو ظاهر إطلاق ابن الجلاب وابن الحاجب وشروحه، ولم يقيده الزرقاني ولا غيره ممن وقفت عليه بشيء، مع أنه قد تقدم في كلام ابن رشد التصريح بتقييده بما إذا لم يعلم الثاني بأجل الأول وإلا فلا يباع حتى يحل أجل الأول، ولم يحك فيه خلافا فيجب اعتماده ووجهه ظاهر غاية وإن أغفلوه. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وَلما شمل قوله في حد الرهن ما يباع ما كان مملوكا لراهنه وما ليس مملوكا له كالمستعار للرهن، بين الحكم فيه بقوله عاطفا على "مشاع": والمستعار له يعني أنه إذا استعار شيئا ليرهنه فرهنه فإن رهنه ذلك صحيح، قال الإمام مالك: من استعار سلعة ليرهنها جاز ذلك ويُقضَى للمرتهن ببيعها إن لم يؤد الفرع (١) ما عليه. قال عبد الباقي: والمستعار أي صح رهن المستعار له أي للرهن، فإذا أدى الراهن ما عليه رجع لصاحبه وإن لم يؤد لعسره أو لغيبته بيع في الدين. ورجع صاحبه وهو المعير على المستعير بقيمته أي بقيمة المستعار، والفاضل عن وفاء الدين على هذا القول ملك للمستعير لأنها بيعت على ملك الراهن المستعير، وتعتبر قيمته يوم الاستعارة كما في ابن عبد السلام، وفي بعض الشراح يوم قبض العارية، لكن الشارح لم يذكر ذلك إلا في فرع يتعلق بالتلف وفي الشارح، وتبعه البساطي يوم الرهن. أو بما أدى من ثمنه إشارة إلى الخلاف: يعني أنه اختلف في الذي يرجع به المعير على المستعير، فقيل يرجع عليه بقيمة المستعار الذي بيع للدين كما تقدم، وقيل يرجع بما أدى في دينه أي أعطى من ثمن المستعار والفاضلُ على هذا القول من ثمن الرهن باق على ملك ربه؛ لأنه إنما أسلفه ما فيه وفاء دينه، ولذا عبر بما أدى من ثمنه ولم يقل أو بثمنه.

стр. 5871

نقلت عليهما يعني أن المدونة نقلت على هذين القولين، ففي رواية يحيى بن عمر: يتبعه بقيمتها، وفي بعض الروايات بما أدى وهو قول أشهب، وكما رويت المدونة على هذين القولين اختصرت عليهما اختصرها البرادعي على الأول وابن أبي زيد على الثاني، وقوله: "أدى" بصيغة المبني للمفعول، والنائب ضمير يعود على "ما"، أو بصيغة المبني للفاعل والفاعل ضمير يعود على المستعير أي بما أعطى المستعير من ثمن السلعة في الدين. مسألة: قال في رسم البيوع من سماع أصبغ من كتاب الرهون ما نصه: وقال في امرأة أخذ لها زوجها حليا فرهنه ثم أعلمها بذلك وقال لها أنا أفكه، قال: فحسبته قال فسكتت حتى مات الزوج ثم طلبته، قال تحلف باللَّه ما رضيت ولا كان سكوتها تركا لذلك وتأخذه حيث وجدته، ويتبع المرتهن مال الميت، قال أصبغ: وذلك إذا عرف أن الشيء شيئها أو ثبت عليه ببينة. قال القاضي ﵁ في بعض الكتب في هذه المسألة مكان فحسبته: فخشيته، فعلى رواية من روى فحسبته تأتي هذه الرواية خلافا لما تقدم في رسم إن خرجت من سماع عيسى؛ لأنه لم يوجب لها هنالك الرجوع إذا طال الأمر بعد علمها، وأما على رواية من روى فَخَشِيَتْهُ فليست مخالفة لها لأنها تعذر بالخوف على نفسها من زوجها، ويكون لها أن تأخذ حقها بعد يمينها أنه لم يكن سكوتها حتى مات زوجها إلا لخوفها إياه على نفسها، وإن لم يعرف ما ادعته من مخالفتها إياه فذلك على ما يعلم من حالها معه في الشدة والسطوة، فإن جهل ذلك فالقول قولها، والمختار من القولين على رواية المعارضة أن ذلك يبطل قيامها. نقله الرهوني. وضمن إن خالف يعني أن المستعير للرهن يضمن إذا خالف، كما لو استعاره ليرهنه في دراهم فتعدى ورهنه في طعام فيضمنه ضمان العداء، فمعنى ضمن صار متعلقا بضمانه إذا تلف، سواء كان الرهن مما يغاب عليه أم لا، قامت بينة على هلاكه أم لا. هذا قول ابن القاسم. وقال أشهب: ترهن السلعة في قدر الدراهم من قيمة الطعام، واختلف هل قول الشيخين خلاف وهو الأقوى فيضمن المستعير مطلقا عند ابن القاسم. وإلى تأويل الخلاف أشار بقوله: وهل مطلقا أي وهل قول ابن القاسم يضمن إن خالف باق على إطلاقه وهذا التأويل لابن أبي زيد، وقال ابن يونس: لما ذكر قول ابن القاسم إنما يضمن إذا أقر

стр. 5872

له المستعير بذلك وخالفهما المرتهن ولم يشأ المعير أن يحلف، فإذا حلف فيكون رهنا فيما أقر به من الدراهم، فإذا لم يحلف كان له تضمين المستعير لتعديه، ثم لما ذكر قول أشهب قال: يريد إذا حلف له المعير أو أقر له المرتهن بذلك، ثم قال: فيتفق القولان. وإلى تأويل ابن يونس بالوفاق أشار بقوله: أو قول ابن القاسم ليس على إطلاقه بل محله إذا أقر المستعير بالتعدي لمعيره الموافق له على التعدي، وخالف المرتهن في التعدي بأن قال: أذنت للراهن أن يرهنه فيما رهنه فيه من طعام أو غيره، فلم يتعد ولم يحلف المعير على التعدي الذي أقر له به المستعير والقول قول المرتهن فهذا هو محل ضمان المستعير لقيمة السلعة باتفاق الشيخين، وعليه فلو حلف المعير على ما ادعى أو أقر المرتهن بالتعدي فلا ضمان على المستعير وكانت السلعة رهنا فيما أقر به المعير، ولا يقبل دعوى المرتهن حينئذ في ذلك تأويلان، واعترض قوله: "إذا أقر المستعير لمعيره" بأنه لا مدخل له في التوفيق إذ هو موضوع المسألة. وقال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: وجه القول بالتوفيق أن المرتهن لما خالف في التعدي كانت السلعة رهنا في الطعام كله، بخلاف ما لو أقر بالتعدي فإنها لا تكون رهنا إلا في عدد الدراهم من قيمة الطعام، وكذا يقال فيما إذا حلف المعير ولم يحلف. وبطل بشرط مناف يعني أن الرهن بمعنى العقد يبطل بكل شرط يناقض مقتضى العقد والباء في قوله: "بشرط" للسببية أي بسبب اشتراط مناف لحكمه، ومثل لذلك بقوله: كأن يشترط راهنه أن لَّا يقبض أصلا أو أن يقبض مدة، ثم يرجع له بأن يشترط أجلا معينا وبعده لا يكون رهنا أو لا يكون الولد رهنا، مع أمه، أو أن لا يبيع إذا احتيج لبيعه. وأما شرط أن يقبض بعد مدة كسنة ثانية دون الأولى فيعمل به لأنه يبيعه عند حلول أجله وهو بيده، وإن فلس في السنة الأولى دخل معه الغرماء وفي السنة الثانية كان أحق به. وقوله: "وبطل بشرط مناف" ظاهره البطلان ولو حذف الشرط، وقوله: "كأن لا يقبض" هو مناف لمقتضى عقد الرهن إذ الرهن حكم الشرع بأنه يقبض فيباع للمرتهن ليقضى به دينه، ويختص به دون غيره من الغرماء وذلك ينافيه اشتراط أن لا يقبض. وَدَخَلَ بالكاف أيضا غَلَق الرهن بفتح الغين واللام وماضيه بكسر اللام، وهو فعل لازم وهو أن يرهنه رهنا في دين على أنه إن لم يأت بالدين في وقت حلوله فالرهن بذلك الدين، فإن

стр. 5873

كان مشترطا في العقد فسد البيع والقرض ويصير القرض حالًّا، ويبقى الرهن بيد المرتهن حتى يأخذ سلفه، ويرد البيع إلا لفوات بحوالة سوق فأعلى فيكون رهنا في قيمة المبيع حالة، وأما إن وقع بعد عقد البيع أو السلف فيبطل الرهن دونهما ويبقى الدين بلا رهن، أي لأنه لم يخرج به من يده شيئا. ابن يونس: قال مالك: ومن لك عليه دين إلى أجل من بيع أو قرض فرهنك به رهنا على أنه إن لم يفتكه منك إلى الأجل فالرهن لك بدينك لم يجز وينقض هذا الرهن ولا ينتظر به الأجل، قال أبو محمد: يريد ويصير السلف حالا، قال: ولك أن تحبس الرهن حتى تأخذ حقك وأنت أحق به من الغرماء. ابن يونس: وهذا إذا كان الرهن في أصل البيع والسلف، وإذا كان الأمر كذلك فسد البيع والسلف لأنه لا يدري ما يصح له في ثمن سلعته هل الثمن أو الرهن؟ وكذلك في السلف هل يرجع إليه ما أسلف أو الرهن؟ ثم قال: ولو كان هذا الرهن بعد أن صح البيع أو السلف لم يفسخ إلا الرهن وحده ويأخذه ربه ويبقى البيع والسلف بلا رهن إلى أجله، ولا يكون المرتهن أحق بهذا الرهن في فلس ولا موت. ابن يونس: وأما إن حل الأجل ولم يدفع إليه سلفه أو ثمنه فإنه يصير حينئذ كأنه باعه الرهن بيعا فاسدا فيفسخ ما لم يفت ويكون أحق به من الغرماء، وتستوي هذه والتي رهن فيها في عقد البيع أي يكون الرهن إن لم يفت أو قيمته إن فات رهنا في الدين الذي حل أجله ثمنا أو سلفا. نقله البناني. وفال الرهوني: قال في المنتقى ما نصه: غلق الرهن معناه أنه لا يفك، فمعنى الترجمة أنه لا يجوز أن يعقد الرهن على وجه يئول إلى المنع من فكه، وأنشدوا لزهير: وفارقتك برهن لا فكاك له … يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلِقا انتهى. وهنا أمران ينبغي التنبه لهما: الأوَّلُ: ذكر الحطاب أنه إذا كان الدين حالا سواء كان من قرض أو بيع ثم أخره به لأجل على رهن وشرط عليه أنه إن لم يأت به للأجل فالرهنُ له فإنه يبطل التأجيل ويكون أحق بالرهن في الموت والفلس، وإن كان الدين مؤجلا فأخذ منه قبل الأجل

стр. 5874

رهنا أو حميلا على أن يؤخره لأبعد من الأجل فلا يكون الرهن رهنا ولا يكون أحق به في موت ولا فلس إلا أن يدخل الأجل الثاني فيكون أحق به كسلف قبض فيه رهنا. الثاني: إذا رهنه رهنا في دين على أنه إن لم يات بالثمن لكذا فالرهن له بذلك فهو أحق به من الغرماء حتى يأخذ حقه، فإن فات الرهن بيد البائع بما يفوت به المبيع الفاسد فعليه قيمته يوم حل الأجل؛ لأنه بيع فاسد وقع يوم حل الأجل وقبل ذلك لم يكن مبيعا، ويضمن قبل حلول الأجل ضمان الرهان فيفرق فيه بين ما يغاب عليه وغيره، وأما بعد الأجل فيضمن ضمان المبيع فاسدا سواء كان الرهن بيد المرتهن أو بيد أمين؛ لأن يد الأمين كيده. انتهى. وحاصل مستئلتي غَلَقَ الرهن أنه بعد حلول الأجل لا تفترقان فيضمن المرتهن فيهما الرهن كان مما يغاب عليه أم لا، ويكون رهنا في الدين أو قيمةِ المبيع، فإن فات الرهن بما يفوت به المبيع الفاسد أمسكه المرتهن وتكون قيمته رهنا فيما ذكر وقبل حلول الأجل يبقى في مسألة التطوع الدين بلا رهن والعقد صحيح، وفي مسألة الشرط يفسد العقد ويبقى الرهن رهنا في المبيع أو قيمته وفي دين القرض حالا. واللَّه تعالى أعلم. وقال الحطاب عند قول المص: "وبطل بشرط مناف" وليس منه مسألة غَلَقِ الرهن إنما هي من باب الرهن الفاسد والمرتهن أحق به من الغرماء حتى يقبض حقه. واللَّه أعلم. قال في الصحاح: غَلِقَ الرهن غَلَقًا إذا استحقه المرتهن وذلك إذا لم يُفْتَكَّ في الوقت المشروط، وفي الحديث: (لا يغلق الرهن) وفي الموطإ مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا يغلق الرهن) (١). مالك: تفسير ذلك فيما نرى -واللَّه أعلم- أن يرهن الرجل الرهن عند الرجل بالشيء وفي الرهن فضل عما رُهِنَ به، فيقول الراهن للمرتهن إن جئتك إلى أجل فيسميه له وإلا فالرهن لك بما فيه فهذا لا يصح ولا يحل وهذا الذي نهى عنه، وإن جاء صاحبه بالذي رُهِنَ به بعد الأجل فهو له وأرى هذا الشرط مفسوخا. قال الباجي: غَلَقُ الرَّهْنِ معناه أنه لا يفك يقال: غَلِقَ الرَّهْنُ إذا لم يفك. ومعنى الترجمة أنه لا يجوز أن يعقد الرهن على وجه يئول إلى

стр. 5875

المنع من فكه، وقوله ﷺ : (لا يغلق الرهن) معناه واللَّه أعلم أن لا يمنع من فكه، وذلك نهي عن عقد يتضمن ذلك وعن استدامته إن عقد على وجه يتضمنه. انتهى. وباشتراطه في بيع فاسد ظن فيه اللزوم قال الخرشي مفسرا للمص ما نصه: يعني أن المبيع الفاسد إذا اشترط فيه رهن فدفعه المشتري ظانا أنه يلزمه وأولى إن لم يظنه فإنه يكون الرهن فاسدا ويسترده الراهن، كمن ظن أن عليه دينا فدفعه لصاحبه ثم تبين أنه لا دين عليه فإنه يسترده ممن أخذه. هكذا قال في الجواهر. وقال الأجهوري في شرحه: ولا مفهوم للبيع إذ القرض الفاسد كذلك، ولو قال في معاملة فاسدة ظن فيها اللزوم لكان أحسن. انتهى. وقال عبد الباقي: وباشتراطه أي الرهن وأولى وقوعه من غير شرط لأنه يتوهم في المشترط العمل بالشرط في بيع فاسد أو قرض فاسد ظن المشتري، وكذا المقترض فيه اللزوم أي لزوم الوفاء بشرط الرهن فدفعه للبائع لا لزوم البيع، وأولى إن لم يظنه فيرد لربه الراهن، كمن ظن أن عليه دينا فدفعه لصاحبه ثم تبين أنه لا دين عليه فإنه يسترده ممن أخذه. ومفهوم قوله: "ظن" أنه لو علم أنه لا يلزمه وفات المبيع كان رهنا في قيمته، والفَرْقُ أنه معذور حالة الظن إذ هو مجوز لأن يكون رهنا في القيمة، بخلاف حالة العلم. انتهى. قوله: وأولى إن لم يظنه تأمله مع قوله بعد، ومفهوم قوله ظن أنه لو علم لخ، وقوله أو وقوعه من غير شرط يأتي الكلام فيه إن شاء اللَّه. واللَّه تعالى أعلم. ثم قال عبد الباقي: وظاهر المص كابن شأس بطلان الرهن ولو فات المبيع، ولا يكون مع فواته رهنا في عوضه من قيمة أو مثل، ووجهه أن الرهن مبني على البيع الفاسد والمبني على الفاسد فاسد وهو مسلم عند قيام المبيع، فيجب تقييد كلام المص به، وأما عند فواته فإن المذهب كما في نقل المواق أنه يكون رهنا فيما لزم من ثمن في المختلف فيه وقيمة في المتفق على فساده، وظاهر المذهب كان مشترطا أم لا، ظن فيه اللزوم أم لا. وفي نقل ابن غازي أن المتطوع به لا يكون رهنا مع الفوات. انتهى. قوله: وظاهر المذهب كان مشترطا أم لا لخ قال البناني: غير صحيح، وقد علمت من كلام ابن يونس المتقدم أن حكم المتطوع به بعد العقد مخالف لحكم المشترط فافهم. انتهى. لكن كلام ابن يونس المتقدم فيما إذا كان البيع أو القرض صحيحا والرهن فاسد. واللَّه تعالى أعلم. ثم قال عبد

стр. 5876

الباقي: واعلم أن المعاملة والرهن إما صحيحان وحكمهما ظاهر اشترط الرهن أو تطوع به أو فاسدان أو المعاملة صحيحة والرهن فاسد أو عكسه، وفي كل من هذه الثلاث اشترط الرهن أو تطوع به، ففي الأولين من هذه الثلاثة لا يكون رهنا في شيء منهما إن تطوع به، فإن اشترط كان رهنا في الثمن والسلف حصل فوت أم لا في الثانية كالأولى إن حصل فوت فرهن فيما لزم من قيمة أو مثل، فإن لم يحصل فوت رد المبيع وأما الثالثة فيكون رهنا في عوض المبيع أو القرض مع الفوات كان مشترطا أم لا. انتهى. قوله: أو المعاملة صحيحة والرهن فاسد هذا القسم إنما يتصور في التطوع بالرهن، وأما إن كان مشترطا والرهن فاسد فإن المعاملة تصير فاسدة كما تقدم في كلام ابن يونس. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: كلام البناني هذا صريح في أن قوله: "وبطل بشرط مناف كأن لا يقبض" يفسد به عقد المبيع أو القرض إن وقع في صلب العقد. واللَّه تعالى أعلم. وكلام غير واحد يقتضي أن الباطل إنما هو الرهن فقط، ففي الحطاب من الشرط المنافي ما ذكره في أواخر كتاب الرهون من المدونة ونصه: ومن رهن رهنا على إن مضت سنة خرج من الرهن فلا أعرف هذا من رهون الناس ولا يكون هذا رهنا. ابن يونس: قال ابن المواز: فإن مات الراهن أو فلس دخل فيه الغرماء. انتهى. وليس منه مسألة غلق الرهن كما سيأتي عند قول المص: وباشتراطه في بيع فاسد ظن فيه اللزوم إنما هي من باب الرهن الفاسد، والمرتهن أحق به من الغرماء حتى يقبض حقه. واللَّه أعلم. انتهى. وذلك أيضا هو مقتضى المص حيث قال: "وبطل بشرط مناف". وقال الرجراجي: إذا كانت المعاملة صحيحة والرهن فاسد مثل أن يقع البيع والسلف على وجه الصحة واللزوم إلى أجل، ثم يرهنه به رهنا على أنه إن مضت السنة خرج من الرهن، فهل يكون أحق بالرهن من الغرماء وهو ظاهر المدونة؟ والثاني أنه لا يكون أحق به من الغرماء وهو قول ابن حبيب والأول أصح؟ انتهى. نقله الحطاب. وهو يقتضي بحسب المفهوم أنه إذا وقع في العقد فسد العقد كما يقوله البناني، ومقتضى ما للبناني أن محل قوله: وبطل بشرط مناف محله في الرهن المتطوع به وإلا كان من أفراد قوله: "وباشتراطه في بيع فاسد" لخ. فتأمله. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5877

تنبيه: قال الحطاب: إذا قلنا إن الرهن يبطل في المبيع الفاسد، فتارة يفسخ مع قيام السلعة قبل فواتها فهذا ظاهر، وتارة يفسخ بالقيمة بعد فوات السلعة، وحينئذ إما أن تكون القيمة مساوية للثمن أو أقل أو أكثر مع التساوي الأمر ظاهر، وإن كانت أقل فهل يكون الرهن جميعه رهنا بها وهو مذهب المدونة وهو المشهور؟ وإن كانت القيمة أكثر كان الرهن رهنا في قدر الثمن منها، مثاله من أسلم دينارا في ثلاثين درهما وأخذ رهنا ثم فسخ ذلك، فإن كان الدينار والدراهم سواء كان أحق بالرهن حتى يعود إليه ديناره، وإن كانت قيمة الدينار أربعين فلا يكون رهنا إلا في قدر الثمن وهو ثلاثة أرباع من الدينار. واختلف إذا كانت قيمة الدينار عشرين هل يكون أحق بجميعه أو بثلثيه ويسقط من الرهن ما ينوب العشرة الزائدة. وحلف المخطئ الراهن أنه ظن لزوم الدية ورجع يعني أن من جنى جناية خطأ تحملها العاقلة بأن بلغت ثلث دية المجني عليه أو ثلث دية الجاني وظن أن الدية تلزمه بانفراده، فأعطى بها رهنا ثم تبين له أن جميعها لا يلزمه فإنه يحلف أنه ظن أن الدية تلزمه بانفراده، ويرجع فيما زاد على ما يلزمه كواحد من العاقلة وفاعل رجع ضمير الجاني كما قررت، وعليه فلا يكون ما زاد على حصته رهنا. بهذا قرره أحمد. ويحتمل أن يكون ضمير الرهن أي رجع من حصة العاقلة إلى جهته فيكون جميعه رهنا في حصة الجاني كما لبعض الشراح، ومفهوم "ظن" أنه لو رهن في دية الخطإ مع علمه لزومها للعاقلة فإنه يصح. قاله غير واحد. وقال المواق من المدونة: يجوز الرهن في دم الخطإ إن علم الراهن أن الدية على العاقلة، ولو ظن أن ذلك يلزمه وحده لم يجز وله رد الرهن وكذا الكفالة فيه. انتهى. ونحوه للشارح إلى قوله: "وله رد الرهن" وزاد ما نصه: أبو الحسن الصغير: بعد أن يحلف لقد ظن أن ذلك يلزمه. أو في قرض مع دين قديم عطف على قوله: "في بيع" فهو مما يبطل فيه الرهن، وصورة المسألة أن يكون لشخص دين على شخص برهن أو بغيره من بيع أو قرض ثم يدفع رب الدين قرضا إلى المدين، ويطلب منه أن يرهن له رهنا في دينه القديم والجديد فيفعل، فإن الرهن يبطل بالنسبة إلى الدين القديم لأنه سلف جر نفعا وهو التوثق بالرهن في الدين القديم، ويصح بالنسبة إلى الجديد وهو دين القرض.

стр. 5878

ولهذا قال: وصح الرهن في الدين الجديد وهو دين القرض ويكون كله رهنا فيه. ومعنى "صح" أنه يختص به الجديد حيث لم يطلع عليه إلا عند الموت أو قيام الغرماء وقبل ذلك رد واللَّه تعالى أعلم، قال الخرشي في نقله: تجوز في إطلاق الصحة أي واختص المرتهن به إذا حصل مانع وإلا رد. انتهى. وقال عبد الباقي: وعطف على "في بيع" قوله: أو رهن رهنا في قرض جديد مع دين قديم به رهن أم لا بطل في القديم لأنه سلف جر نفعا، وهو توثقه بالدين القديم وصح وصار كله في الجديد، وفائدته أنه إذا لم يطلع على ذلك حتى قام الغرماء على الراهن أو عند موته كان المرتهن أحق به في الجديد فقط، ويحاص بالقديم كان من بيع أو قرض، فمعنى قوله: "وصح في الجديد" أنه يختص به المرتهن إذا حصل للراهن مانع لا الصحة المقابلة للفساد لأنه فاسد، ولذا يجب رده حيث كان قائما فقد تجوز في إطلاق الصحة على الاختصاص. انتهى. قوله: فمعنى قوله "وصح في الجديد" أنه يختص به لخ هذا هو الصواب. وبه يندفع قول الحطاب: كلام المص نص في صحة الرهن ولم أر ذلك لغيره. قاله البناني. وقال المواق: ابن الحاجب: لو رهنه رهنا في قرض جديد مع القديم فسد ولم يكن رهنا إلا في الجديد. ومن المدونة: ومن أقرضته مائة درهم وأخذت بها رهنا قيمته مائة درهم ثم استقرضك مائة أخرى ففعلت على أن يرهنك بالمائتين رهنا آخر قيمته مائتا درهم لم يجز؛ لأنك انتفعت بزيادة توثق في المائة الأولى فهي سلف جر منفعة، وكذلك إن كانت المائة الأولى بغير رهن، فإن نزل ذلك وقامت الغرماء على المسلف في فلس أو موت فالرهن الثاني رهن بالدين الآخر خاصة. انتهى. وقوله: "أو في قرض مع دين قديم" قال عبد الباقي: ثم محل بطلانه في القديم حيث كان المدين معسرا به أو كان الدين القديم مؤجلا حين الرهن للقرض الجديد، فإن أيسر حينه وهو حال صح الرهن فيه أيضا. ومفهوم قوله: "في قرض" أنه لو كان في بيع جديد لصح في البيع القديم والجديد وهو كذلك، بل يجوز ابتداء لانتفاء علة المنع المتقدمة فيما إذا كان الدين الطارئ قرضا، وما تقدم من أنه عطف على في بيع أي وبطل في اشتراطه في قرض يقتضي عدم البطلان مع انتفاء الشرط فيصح فيهما. قاله أحمد. انتهى.

стр. 5879

قوله: حيث كان المدين معسرا لخ نص الحطاب: قيد ابن المواز المسألة بما إذا كان الدين مؤجلا، قال: وأما إن كان حالا أو حل أجله لصح ذلك إن كان الغريم مليا؛ لأن رب الدين قد ملك أخذه لأنه كابتداء سلف، قال ابن المواز: وكذا عندي لو كان عديما وكان الرهن له ولم يكن عليه دين محيط لأنه حينئذ كالملي. انتهى. وأكثرهم على أنه تقييد. انتهى كلام الحطاب. وقوله: لو كان في بيع جديد لصح في الجديد والقديم بحث فيه البناني وأتى بما يدل على عدم الجواز، ورده الرهوني بما حاصله أن التحريم ضعيف وأن الجواز هو المشهور. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "وصح في الجديد" اختصاص الجديد به كله في المدونة، وحكي بطلان نصفه وبقاء نصفه رهنا في القرض والأول هو الجاري على قوله: وإذا قضي بعض الدين أو سقط فجميع الرهن فيما بقي. قاله الخرشي. وقوله: "أو في قرض مع دين قديم" لخ قد علمت أن العلة هي السلف بمنفعة، قال عبد الباقي ما نصه: ابن ناجي: قلت لشيخنا يقوم من هذه العلة أي السلف الذي جر نفعا لو أقرضه قرضا ولم يشهد ثم أقرضه قرضا آخر على أن يكتب له وثيقة بهما أنه لا يجوز، لاحتمال أنه لو لم يسلفه لجحده فلم يرتضه، وذكر أن شيخه أفتى بالجواز حين وقعت بتونس وفتوى شيخه عندي ضعيفة. انتهى. وعلم منه أن الخلاف بينهما في الجواز وعدمه لا في البطلان وعدمه فالإشهاد صحيح في القديم والجديد على كليهما. انتهى كلام عبد الباقي. وبموت راهنه يعني أن الرهن لا يتم إلا بالحوز قبل المانع، لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، ولهذا إذا مات الراهن قبل أن يحاز الرهن عنه فإن الرهن يبطل ويكون المرتهن إسوة الغرماء. أو فلسه يعني أن الراهن إذا فلس قبل أن يحاز عنه الرهن فإن الرهن يبطل ويكون المرتهن إسوة الغرماء، وقوله: "أو فلسه" أي ولو بالمعنى الأعم كما في ابن عرفة لا بإحاطة الدين فقط. وعلم مما قررت أن قوله: قبل حوزه أي قبضه ببينة على الحوز أو التحويز على ما يأتي راجع لمسألتي الموت والفلس، وكذا يبطل الرهن بمرض الراهن أو جنونه المتصلين بالموت أو الفلس. وقوله: "وبموت" عطف على قوله: "بشرط مناف". ولو جد فيه يعني أنه إذا حصل للراهن مانع قبل الحوز فإن الرهن يبطل ولو جد المرتهن في الحوز على المشهور، بخلاف الهبة والصدقة فإن

стр. 5880

الجد في حوزهما بمنزلة الحوز. والفَرْقُ أن الرهن لم يخرج عن ملك راهنه بخلاف الهبة والصدقة، لكن يبطلهما الإحاطة قبل الجد بخلاف الرهن كما مر قريبا، والفَرْقُ أنه في مقابلة دين بخلافهما. قاله عبد الباقي. ومما تفترق فيه الهبة والصدقة من الرهن أن الرهن يفتقر إلى إذن الراهن في الحوز بخلافهما، ومن ذلك أيضا أن الرهن متى رجع إلى ربه باختيار مرتهنه ولو بعد سنين فإنه يبطل بخلافهما بعد العام، ومن ذلك رهن الجزء المشاع والباقي للراهن، فلابد من حوز الجميع كما مر بخلافهما فإنه يصح أن يحوز الموهوب أو المتصدق عليه ذلك الجزء المعطى فقط، ومنه أن الزوج أو الزوجة إذا رهن متاع البيت أو خادمه للآخر فلا يصح حيث بقي يستعملانه بخلافهما ومنه افتقار الرهن إلى معاينة البينة لحوزه أو تحويزه بخلافهما. قاله الخرشي. واللَّه تعالى أعلم. قوله: "ولو جد فيه" قال المواق: اللخمي: اختلف إذا لم يفرط في القبض حتى فلس الراهن أو مات، فقيل يبطل لعدم الحوز وقيل يصح. انتهى. وبإذنه في وطء يعني أن المرتهن إذا أذن للراهن في وطء الأمة المرهونة فإن الرهن يبطل، وإن لم يطأ الراهن أو إسكان يعني أن من ارتهن دارا وَأذن للراهن أن يُسكن غيرَه أو أذن له أن يسكنها هو يُبْطِلُ إذنُه ذلك الرهنَ وإن لم يُسْكِنْهَا ولا سَكَنَها. أو إجارة يعني أن المرتهن إذا أذن للراهن في أن يؤاجر الذات المرهونة فإن ذلك يبطل الرهن وإن لم يؤاجرها الراهن ولو لم يسكن أي إذا أذن المرتهن للراهن في إسكان البيت المرهون بطل الرهن وإن لم يسْكُنْه الراهن. ولو قال المص: ولو لم يفعل لشمل الأمور الثلاثة على المعتمد على ما يظهر من كلام التوضيح؛ إذ الخلاف ليس خاصا بالسكنى. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وبإذنه أي المرتهن للراهن في وطء لأمة مرهونة ووطؤه المخلاة تذهب وتجيء في حوائج المرتهن بغير إذنه كوطئها بإذنه على المشهور، واختار اللخمي أن وطأها كالغصب أو إسكان لدار مرهونة أو إجارة للعين المرهونة التي هي أعم من الدار والحيوان والعرض ولو لم يسكن، قال أحمد: وينبغي أن يكون هنا حذف من الأول لدلالة الثاني ومن الثاني لدلالة الأول. وقوله: "أو إسكان" يريد أو سكنى. وقوله: "ولو لم يسكن" يريد أو يسكن غيره فيبطله إذنه

стр. 5881

بسكناه أو سكنى بعضه وكذا في الوطء ولو لم يطأ، فلو قال: ولو لم يفعل لكان أحسن، وإذا بطل الرهن في ذلك كله بقي دينه بلا رهن كذا يفيد التوضيح أنه الراجح، ونحوه في المدونة في محل، ولكن يفهم من أبي الحسن عليها أن المبالغة في محلها لأنه مما لا ينقل، قال الشيخ سالم: وعلى كلام المص أن مجرد الإذن كاف، وعلى كلام غيره من أنه لابد من انضمام شيء له فإنما ذلك كله إذا حصل مانع أي مفوت بكعتق أو حبس أو غيرهما كما يأتي في كلامه. انتهى. والظاهر أن إذنه في المقدمات غير مبطل وأن إذنه للراهن غير البالغ في وطئه مبطل وإن لم يعتبر وطؤه في غير هذا المحل لجولان يده في أمته الرهن إذ الوطء إنما يكون على هيئة خاصة. انتهى. وقال البناني عن مصطفى: هذه الثلاثة لا تبطل الرهن من أصله بل تبطل الحوز فقط، وللمرتهن قبل الفوت رده للحوز بالقضاء على الراهن، فلو أخر المص هذه الثلاثة بعد قوله: "وعلى الرد" لخ لينسحب عليها قوله: "له أخذه" لخ لتحرر كلامه وطابق النقل كما في المدونة وغيرها. انتهى. قال البناني: قُلْتُ في عزوه ذلك للمدونة نظر، أما مسألة الوطء فسيأتي ما فيها، وأما الإذن في الإسكان والإجارة فعل أو لم يفعل فلم يذكره في المدونة إلا في كتاب حريم البير، وليس فيه إلا أن ذلك يخرج من الرهن، ونصها فيه: لو أذن المرتهن للراهن أن يسكن أو يكري فقد خرجت الدار من الرهن وإن لم يسكن أو يُكْرِ. انتهى. نعم وقع في المواق عند قول المص: "أو إجارة" ما نصه: ومن المدونة قال ابن القاسم: من ارتهن رهنا فقبضه ثم واجره من الراهن، فقد خرج من الرهن قال ابن القاسم وأشهب: ثم إن قام المرتهن برده قضي له بذلك. انتهى باختصار. فظاهره أن قوله: قال ابن القاسم وأشهب الخ (١) من كلام المدونة وليس كذلك، وإنما نقله ابن يونس عن الموازية، فقال بعد قوله: فقد خرج من الرهن، قال ابن المواز: وقال ابن القاسم وأشهب: لخ فاختصره المواق على عادته، ولعل ذلك هو الذي أوهم مصطفى حتى عزا ذلك للمدونة. واللَّه أعلم. ثم قال مصطفى: على أن مسألة الإذن في الوطء تبع فيها ابن الحاجب ولم يذكرها في المدونة إلا مع الحمل، فظاهرها لغو الإذن في الوطء ففيها: ومن

стр. 5882

رهن أمته ثم وطئها فأحبلها فإن وطئها بإذن المرتهن أو كانت مخلاة تذهب وتجيء في حوائج المرتهن فهي أم ولد للراهن، ولا رهن للمرتهن فيها. انتهى. ومثل هذا البحث للشيخ أبي علي بن رحال في شرحه قائلا: إذا أحبلها بطل الرهن من أصله، وأما إذا لم يحبلها فيبطل الحوز فقط وله أخذها منه، أما إذا لم يكن إلا مجرد الإذن دون وطء فالرهن والحوز صحيحان معا، خلاف ما في ابن الحاجب والتوضيح والحطاب إذ لا مستند لهم في ذلك. انتهى بمعناه. ومستندهم في ذلك هو القياس على ما في حريم البير من المدونة في الإذن في الإسكان، وقوله: إذا لم يحبلها يبطل الحوز فقط خلاف ظاهر أبي الحسن، إذ قال على قولها: ثم وطئها فأحبلها وكذا إذا لم يحبلها لأن تصرف الراهن بإذن من المرتهن يبطل الرهن. انتهى. ومثله لابن ناجي في شرحها. انتهى كلام البناني. وقوله: "وبإذنه في وطء" لخ اعلم أن في المسئة من خارج الكتاب ثلاثة أقوال: أحدها مثل ما في حريم البير وبه الفتوى، والثاني على ظاهرها أن مجرد الإذن لا يبطل الرهن بل حتى يسكن. قاله أشهب. وقيل إن كان الرهن بيد أمين فالأول وإن كان بيد مرتهنه فالثاني. قاله ابن حارث. فحمله المازري على أنه قول ثالث كما قلناه، وقال ابن رشد: قال ابن حارث: معنى قول ابن القاسم أنه كان الرهن على يد أمين، ومعنى قول أشهب أنه كان على يد المرتهن. انتهى المراد منه. انظر الرهوني. وتولاه المرتهن بإذنه هو جواب عن سؤال مقدر، وهو كيف يتوصل الراهن إلى استيفاء منافع رهنه مع صحة الرهن؛ يعني أن ما ذكر من الإجارة والإسكان مما يمكن فيه الاستنابة يتولاه المرتهن بإذنه أي الراهن فيؤاجر له، فإن ترك إجارته ففي ضمانه ما فات وعدمه قولان، قال الحطاب: قال في التوضيح: وإذا رهنه وأذن له في الكراء وأن يقبضه من دينه ففرط حتى حل الأجل، فإن كان رب الدين حاضرا وعلم أنه لم يكرها ولم ينكر فلا شيء على المرتهن، وإلا ففي تغريمه كراء المثل قولان لابن الماجشون وأصبغ. انتهى. وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: لو أذن

стр. 5883

المرتهن للراهن أن يسكن أو يكري لخ، وكذلك لو ارتهن بيرا أو عينا فأذن لربها أن يسقي بها زرعه لخرجت من الرهن. انتهى. أو في بيع وسلم معطوف على وطء والجملة بعده حالية؛ يعني أن المرتهن إذا أذن للراهن في بيع الرهن بعد أن قبضه المرتهن وسلم المرتهن الرهن للراهن وباعه فإنه يبطل الرهن ويبقى الدين بلا رهن، وإلا يسلم المرتهن الرهن للراهن بأن لم يسلمه أصلا أو سلمه للمشتري، حلف المرتهن أنه إنما أذن له في بيعه لإحيائه الرهن بثمنه أو ليأتي له برهن ثقة بدله لا ليأخذ الراهن ثمنه ويبقى دينه بلا رهن، وإذا حلف المرتهن على ما قال من أنه إنما أذن لإحياء الرهن بالثمن بقي الثمن رهنا إلى الأجل إن لم يرد الراهن أخذ الثمن، ويأت برهن قيمته وصفته أي كونه مما لا يغاب عليه أو يغاب عليه كالأول أي مماثل للأول في قيمته يوم رهن لا يوم بيع، وفي كونه مما يغاب عليه أولا. وظاهر المص كظاهر المدونة أنه لابد من مماثلة الأول، ولو كان الدين أقل وهو كذلك، قال الشارح: وظاهر كلامه أن مجرد التسليم مع الإذن كاف في الإبطال وإن لم يحصل بيع وهو ظاهر ما تقدم، إلا أني لم أر ذلك إلا بعد انعقاد المبيع فانظره. انتهى. قال عبد الباقي: أي لم أره معتمدا إلا بعد انعقاد المبيع، وأما قبله فقولان نقلهما الصقلي عن أشهب كما في التتائي عن ابن عرفة وظاهره مساواتهما. انتهى. قال مصطفى: اعتراض الشارح صحيح، وقولُ السنهوري: وتبعه علي الأجهوري أي وعبد الباقي إن ابن عرفة ذكر المسألة فيه نظر؛ إذ لم يتكلم إلا على وقوع المبيع ولا دليل لهما في كلام ابن عرفة. فتأمله. انتهى. قال البناني: إذا تأملت كلام ابن عرفة وجدت فيه الدليل القوي لما ذكره الأجهوري، وأن كلام مصطفى تحامُلٌ وقصورٌ، ونص ابن عرفة: ولو أسلمه لراهنه فباعه بإذنه ففي بطلانه وقبول قوله إنه لإحيائه بثمنه قولها، ونقل الصقلي عن بعض الفقهاء. ولو أسلمه لراهنه ليبيعه ففي قبول قوله إنما فعلته لتعجيل حقي، وسقوطه لأن شرط تعجيله الثمن على الإذن في المبيع سلف جر نفعا نقل الصقلي قولي أشهب انتهى. فهو صريح في المسألتين. انتهى.

стр. 5884

الرهوني: تأملناه -يعني كلام ابن عرفة- فوجدنا كلام مصطفى لا تحامُلَ فيه ولا قصورَ، بل هو صحيح ظاهر غاية الظهور؛ لأن كلا من مسألتي ابن عرفة وقع فيها البيع بالفعل وتغايرهما إنما هو باعتبار ما ادعى المرتهن أنه قصده، ففي الأول ادعى أنه قصد إحياء الرهن أي أن يأتي له برهن آخر، وفي الثانية ادعى أنه قصد استعجال الثمن الذي يباع به الرهن وذلك بَيّنٌ من كلام ابن عرفة لمن تأمله وأنصف، ويوضح لك ذلك كلام ابن يونس الذي اختصره معبرا عنه بالصقلي، ونصه: ومن المدونة قال مالك: وإن باعه الراهن بإذن المرتهن إلى آخر نقله. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "وإلا حلف وبقي" لخ قال الشيخ كريم الدين: انظر إذا نكل المرتهن عن اليمين فهل يصير دينه بلا رهن؟ وهو الظاهر لأن القصد لا يعلم إلا من قبله فهي يمين تهمة. قاله الخرشي. وإذا حلف المرتهن ولم يأت الراهن برهن كالأول، وقلنا إنه يبقى الثمن رهنا، فقال الخرشي: للمرتهن أن يأخذ الثمن في دينه لأنه لا فائدة لهما في الإيقاف إذ لعله يتلف بل يقضى ولو أبى الراهن. تأمل. انتهى. واللَّه تعالى أعلم. كفوته بجناية وأخذت قيمته تشبيه تام يعني أن الرهن إذا جنِيَ عليه وأخذت قيمته، فإن المأخوذ يوضع رهنا ويطبع عليه إلا أن يأتي الراهن برهن كالأول، والواو في قوله: وأخذت واو الحال احترازا عما إذا لم يؤخذ له شيء بأن عفي عنه -مثلا- فإن الدين يبقى بلا رهن، وظاهر كلام المؤلف سواء كانت الجناية عمدا أو خطئا. قال عبد الباقي مفسرا للمص: كفوته أي الرهن الحيوان مثلا بجناية عليه من أجنبي عمدا أو خطئا وأخذت قيمته في ذهابه كله بالجناية أو قيمة ما نقصته في ذهاب بعضه أو ما قدر فيه كالجراح الأربعة، فيكون المأخوذ رهنا إن لم يات برهن كالأول فالتشبيه تام مع قطع النظر عن الحلف؛ لأن هذه المسألة ليس فيها إذن من المرتهن فلا يمين عليه، والواو في قوله: "وأخذت" واو الحال واحترز به عما إذا لم تؤخذ قيمته بأن عفي عنه فيبقى الدين بلا رهن كما في ابن عرفة، قال أحمد: ومقتضاه أن للراهن العفو ولو كان معدما. انتهى. ويحتمل أن عفوه بعد الوقوع يمضي، وقولي: في الجناية من أجنبي تحرز عما إذا كانت الجناية من الراهن فينبغي أن يعجل الدين أو قيمته قياسا على ما يأتي للمص فيما

стр. 5885

إذا وطئ غصبا من أن ولده حر وعجل الملي الدين أو قيمتها، وسيذكر المص ما لو كان الجاني هو العبد الرهن. انتهى. قوله: أو ما قدر فيه كالجراح الأربع فيه نظر، بل نص ابن رشد على أنه إن لم تنقص من قيمته بأن برئ على غير شين فما هو مقدر يأخذه الراهن ولا شيء للمرتهن فيها، وإن نقصت من قيمته كان للمرتهن مما أخذ السيد قدر ما نقص من قيمته. انظر المواق. انتهى. قاله البناني. وقال المواق: سمع عيسى ابن القاسم: أرش جرح العبد الرهن رهن لأن ذلك نقص من رقبته. ابن رشد: هذا كما قال وهو لا خلاف فيه لأن ما يغرم للمجروح ثمن لا نقص منه، بخلاف ما يغرمه الجارح في الجراح التي لها ديات ولا تنقص من قيمته شيئا مثل المأمومة والجائفة فهي للسيد لاحق للمرتهن فيها إلا أن تنقص من قيمته ويكون للمرتهن مما أخذ السيد قدر ما نقص من قيمته. انتهى. ومن المدونة: إذا جنى أجنبي على الرهن بيد المرتهن فهلك ورد القيمة، فإن جاء الراهن برهن ثقة أخذها وإلا كانت تلك القيمة رهنا. انتهى. وقال الشارح مفسرا للمص: يريد أن الرهن إذا فات بجناية أجنبي عليه فأخذت منه القيمة فإن الراهن يأتي برهن ثقة مكان الأول، ويأخذ تلك القيمة فإن أبى جعلت القيمة رهنا بيد المرتهن ونحوه في المدونة. ابن يونس: ويطبع عليه، وقال محمد: إذا كانت القيمة من جنس حقه وصفته تعجلها إذ لا فائدة في وقفها ولا منفعة للراهن فيه، وإن لم يكن من جنسه بقيت رهنا. محمد: المراد بكونها من جندى حقه أن يوافقها في كونها دنانير أو دراهم، وأشار ابن عبد السلام إلى أنه يمكن أن يحمل قول محمد على الوفاق، ويكون معنى الأول أن القيمة لم تكن من جنس الدين. انتهى. وبعارية أطلقت يعني أن المرتهن إذا أعار الرهن للراهن عارية مطلقة أي لم يشترط فيها الرد في الأجل، فإن الرهن يبطل ويبقى الدين بلا رهن: وفسر الخرشي العارية المطلقة بقوله: إن لم يقيدها بزمان لأن ذلك يدل على أنه أسقط حقه من الرهن على المشهور، وبعبارة أخرى: أطلقت أي حصل مانع أم لا، وكأنه دخل على رده لربه. وقال السنهوري في شرحه: وبطل الرهن بعارية من المرتهن للراهن أو لغيره بإذنه أطلقت بأن لم تقيد بأجل ولا عمل ولا اشترط ردها ولم
следующие страницы →