الدين عشرة وقال المرتهن عشرون فقيمته إما عشرة أو عشرون أو خمسة عشر. فأشار إلى الأولى. بقوله: وحلف مرتهنه وأخذه يعني أنه إذا قال المرتهن الدين عشرون، وقال الراهن عشرة وقيمة الرهن عشرون، فإن الرهن حينئذ شهد بما قال المرتهن فيحلف المرتهن وحده على المشهور على ما ادعى من العشرين، ويأخذ الرهن الذي شهد له بشرطٍ أشار إليه بقوله: إن لم يفْتَكَّه أي الراهن الرهن بالعشرين، وأما إن افتكه بأن دفع له العشرين فإنه يأخذ رهنه، قال عبد الباقي مفسرا للمص: وحلف مرتهنه الذي شهد الرهن بقدر دينه وأخذه في دينه لثبوته حينئذ بشاهد ويمين على المشهور؛ لأن المدعِيَ إذا قام له شاهد وحلف معه لم يحلف المدعى عليه معه، ومقابله لابد من يمين الراهن إذا طلبها المرتهن ليسقط عن نفسه كلفة بيع الرهن في الدين، ولأن المرتهن يخشى من استحقاق الرهن أو ظهور عيب به، وصححه عياض فإن نكل حلف الراهن وعمل بقوله، فإن نكل عمل بقول المرتهن إن لم يفتكه الراهن بما ادعاه المرتهن وشهد له به الرهن، وظاهر قوله أخذه سواء ساوت قيمته ما ادعاد أو زادت وهو كذلك، وإنما أخذه مع زيادة قيمته على دعواه لأن ربه لما لم يفتكه فقد سلمه له فيما ادعاه، فإن استحق من يده في هذه وفي المسألة الثالثة فالظاهر رجوعه على الراهن بقيمته. انتهى. كلام عبد الباقي.
قوله: فإن استحق من يده في هذه لخ فيه نظر، بل إنما يرجع في الاستحقاق بقيمته إذا كانت قدر ما ادعاه أو أقل، وأما إن كانت أكثر مما ادعاه فإنما يرجع بما ادعاه فقط لأنه هو الذي خرج من يده، خلاف ما يوهمه الزرقاني من الرجوع بالقيمة في هذه أيضا تأمله. انتهى.
وأشار إلى الحَالَةِ الثَّانيَة بقوله: فإن زاد حلف الراهن يعني أنه إذا زاد ما ادعاه المرتهن على قيمة الرهن ووافقت قيمته أي الرهن دعوى الراهن، بأن قال الراهن: الدين عشرة مثلا، وقال المرتهن: عشرون وقيمة الرهن عشرة، فإن الراهن يحلف على أن الدين عشرة ويدفع ما أقر به ويأخذ رهنه، فإن نكل حلف المرتهن وعمل بقوله، فإن نكل أيضا عمل بقول الراهن. فبان من هذا ومما قبله أنه يعمل بقول المرتهن الذي شهد له الرهن فيما إذا حلف أو نكلا، ويعمل بقول الراهن إذا نكل المرتهن وحلف هو، وأنه يعمل بقول الراهن الذي شهد له الرهن فيما إذا حلف أو نكلا، فإن نكل وحلف المرتهن عمل بقوله. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 5952
وأشار إلى الحالة الثَّالِثة بقوله: وإن نقص حلفا وأخذه إن لم يفتكه بقيمته يعني أنه إذا نقص ما ادعاه الراهن عن قيمة الرهن ونقصت القيمة للرهن عن دعوى المرتهن، بأن قال: هو رهن عندي على عشرين، وقال: الراهن على عشرة وقيمة الرهن خمسة عشر فإنهما يحلفان، ويأخذ المرتهن الرهن إن لم يفتكه الراهن بقيمته، فإن افتكه بأن دفع قيمته للمرتهن أخذ رهنه، وكذا الحكم لو نكلا ويقضى للحالف على الناكل، فقوله: "حلفا" أي ويبدأ المرتهن بالحلف، فإذا حلف المرتهن ونكل الراهن لزمه ما ادعاه المرتهن وهو العشرون في المثال المذكور، ولو نكل المرتهن وحلف الراهن لم يلزم الراهن إلا ما حلف عليه وهو في المثال المذكور عشرة. قاله الخرشي. وقوله: "حلفا" أي حلف كل على دعواه. عياض: ولا خلاف في ذلك. قاله الخرشي. وقوله: "وأخذه إن لم يفتكه" أي يفتك الراهن الرهن بقيمته وهي الخمسة عشر في الفرض المذكور هذا قول مالك وابن نافع وابن المواز، ولابن القاسم: ليس له أخذه إلا بما حلف عليه المرتهن. وفي الموطإ: يحلف المرتهن على ما ادعى وهو العشرون، وخيره ابن المواز بين الحلف على ذلك أو على قيمة الرهن وهو الخمسة عشر.
ولعبد الحق عن بعض شيوخه: لا يحلف إلا على قيمته كما لو ادعى بعشرين وأقام شاهدا بخمسة عشر فإنه يحلف على شهادة الشاهد قاله الخرشي. وقد مر عنه أن معنى قوله: "حلفا" أي حلف كل على دعواه وأنه لا خلاف في ذلك وهو يعارض هذا، ويمكن أن يقال: إن قوله ولا خلاف في ذلك راجع لقوله: "حلفا" دون متعلقه ولا معارضة حينئذ. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "إن لم يفتكه" أي بقيمته فقط، وإنما اعتبر هنا فكه بها فقط لدعوى المرتهن الزيادة على قيمته وأخذه فيما مر بما ادعاه المرتهن، ولو زادت قيمته لشهادة الرهن له ولذا حذفها المص هناك وذكرها أي القيمة هنا. قال عبد الباقي: وقوله: "حلفا" أي ويبدأ المرتهن لأن الرهن كالشاهد إلى قيمته ويحلف على جميع ما ادعاه، وإن أخذ قيمة الرهن فقط، بخلاف من ادعى عشرين وأقام شاهدا على خمسة عشر فإنه يحلف على ما شهد به الشاهد فقط.
والفرق أن المرتهن يدعي أن الرهن في مقابلة جميع ما يدعيه، وكذا يحلف على ما شهد به الشاهد فيما إذا ادعى عشرين وشهد له بأزيد، لكن لا يأخذ إلا ما ادعى به فقط كما يفيده قوله
стр. 5953
في الفلس: "وإن نكل حلف كل كهو وأخذ حصته" ثم إذا حلف المرتهن على ما ادعاه ووجد شاهدا بما ادعى وأخذ الزائد عن الرهن، فالظاهر أنه يكتفي بيمينه الأولى ولا يخالف هذا قوله الآتي: "وإن حلف المطلوب ثم أتى بآخر فلا ضم وفي حلفه معه وتحليف المطلوب إن لم يحلف قولان"؛ لأنه حصل في هذه حلف المطلوب لرد شهادة الشاهد. انتهى كلام عبد الباقي.
وإن اختلفا في قيمة تالف تواصفاه ثم قوم يعني أنه إذا اختلف الراهن والمرتهن في قيمة رهن تالف عند المرتهن لتشهد على الدين أو ليغرمها المرتهن حيث توجه عليه الغرم، فإنهما يتواصفان هذا الرهن التالف أي يصفه كل منهما، ثم إن اتفقا على صفة قُوِّمَ من أهل الخبرة وقضي بقولهم، واختلف هل يكفي الواحد بناء على أنه خبر أو لابد من اثنين؟ بناء على أنه شاهد، قيل: وهو المعتمد. وقوله فيما يأتي: "لا مقوم" هو فيما بين الشركاء بإرث أو غيره. قاله عبد الباقي.
فإن اختلفا فالقول للمرتهن يعني أن الراهن والمرتهن إذا لم يتفقا على صفة الرهن التالف بل اختلفا فيها، فإن القول للمرتهن بيمينه ولو ادعى شيئا يسيرا لأنه غارم، وقال أشهب: إلا أن يتبين كذبه لقلة ماذكره جدا. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي أي وإذا اختلفا أي الراهن والمرتهن في الدين أو في صفة الرهن كما قاله الطخيخي. فالقول قول المرتهن، ولو ادعى شيئا يسيرا لخ ما ذكره عبد الباقي، وزاد الخرشي: وهذا الحمل أولى لأنه نص في المدونة عليهما معا. انتهى.
فإن تجاهلا فالرهن بما فيه يعني أنه إذا لم يتفق الراهن والمرتهن على صفة الرهن التالف ولا اختلفا فيها بل تجاهلاه، بأن قال: كل لا أعلم الآن قيمته ولا صفته فالرهن يكون في الدين أي لا يطالب الراهن المرتهن بقيمته ولا يطالبه هو المرتهن بدينه، أي فلا رجوع لأحدهما على الآخر بشيء لأن كلا منهما لا يُدرَى هل يفضل له عند صاحبه شيء أم لا. قال عبد الباقي: وانظر هل لابد من أيمانهما أم لا؟ كتجاهل التبايعين. قال بعض: لم أو فيه نصا، ومَفْهُومُ تجاهلا أنه إن جهله أحدهما وعلمه الآخر يحلف العالم على ما ادعى، فإن نكل فالرهن بما فيه.
ولما ذكر أنه كالشاهد في قدر الدين أي باعتبار قيمته كما مر ذكر وقت اعتبارها بقوله: واعتبرت قيمته يوم الحكم إن بقي يعني أنه إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الدين فإن الرهن يكون شاهدا بينهما، فأيهما وافقت قيمته ما ادعاه كان شاهدا له، وتعتبر تلك القيمة يوم الحكم
стр. 5954
بشهادته حيث كان الرهن باقيا لا يوم الارتهان أي القبض هذا قول ابن القاسم؛ لأن الشاهد إنما تعتبر شهادته يوم الحكم بها، فكذلك الرهن إذا كانت قيمته يوم الارتهان خمسة مثلا ويوم الحكم عشرة، وقال المرتهن: هو على عَشَرَةٍ، وقال الراهن: على خَمْسَةٍ فإن القول قول المرتهن. وقال اللخمي: إن كانت قيمته يوم قبض عشرة ويوم الحكم عشرون كان القول قول المرتهن إنه عشرة.
وأما إن تلف فإنه اختلف هل تعتبر قيمته يوم التلف وهو لابن القاسم؟ أو تعتبر قيمته يوم القبض وهو لابن القاسم أيضا؟ أو تعتبر قيمته يوم الرهن وهو لابن القاسم أيضا؟ في ذلك أقوال: ثلاثة على ما قال المص وكلها لابن القاسم، والحاصل أن بعض الأشياخ ذهب إلى أن القولين الأخيرين خلف وعليه المص هنا، وذهب بعضهم إلى أنهما وفاق وعليه فليس في المسألة إلا قولان.
وإن اختلفا في مقبوض فقال الراهن عن دين الرهن وزع بعد حلفهما يعني أنه إذا كان له عليه عشرون دينارا مثلا فرهن له على عشرة منها رهنا ثم قضاه عشرة من العشرين، فقال الراهن: هذه العشرة عن دين الرهن، وقال المرتهن: بل هي عن العشرة التي لا رهن لها فالحكم في هذه المسألة أنهما يتحالفان وتوزع العشرة أي تقسم بين الدينين على قدرهما، ففي هذا المثال تكون العشرة الباقية نصفها بلا رهن ونصفها برهن ولو كان الدين ثلاثين، ورهنه في عشرين منها رهنا وعشرة منها لا رهن لها فقضاه تسعة واختلفا في ذلك، فإنه يكون منها ستة لدين الرهن وثلاثة للدين الذي لا رهن له وهو عشرة.
وقوله: "وزع" اعلم أن الحكم فيما إذا اختلفا عند القضاء التوزيع كما إذا اختلفا بعد القضاء، إلا أنه لا يمين إذا اختلفا عند القضاء، وجعل عبد الباقي المص شاملا للأمرين، فإنه قال: وإن اختلفا بعد القضاء أو عنده في مغبوض، فقال الراهن: عن دين الرهن، وقال المرتهن: عن الدين الذي ليس برهن، وكلا الدينين ثابث أحدهما برهن والآخر بدونه، وزع المقبوض على قدر الدينين بعد حلفهما إن اختلفا بعد القضاء فيصير الدين الباقي نصفه برهن ونصفه بلا رهن، فإن اختلفا عنده وزع أيضا لكن دون يمينهما فيعمم في قوله: "وزع" ويخص قوله بعد حلفهما باختلافهما بعد القضاء ونكولهما كحلفهما ويقضى للحالف على الناكل.
стр. 5955
وظاهر قوله: "وزع" لخ حل الدينان أو أحدهما أو لم يحلا استوى أجلهما أو اختلف تقارب أو تباعد وهو كذلك على المذهب، وتفصيل اللخمي ضعيف وهو أن محل التوزيع إذا حلا أو كانا مؤجلين واتفق أجلهما أو تقارب فإن تباعد فالقول لمن ادعى القريب، وكذا إذا حل أحدهما فالقول لمدعي القضاء عنه. انتهى. قوله: وتفصيل اللخمي ضعيف لخ، قال البناني: فيه نظر فإن ظاهر التوضيح وابن عرفة في نقلهما كلام اللخمي أنه المذهب، ونص التوضيح: وقيد اللخمي ما في المدونة بما إذا حل الدينان أو لم يحلا لخ، ونص ابن عرفة: اللخمي: إن حل أحدهما فقط فالقول قول من ادعى القضاء عنه، وإن لم يحلا وأجلهما واحد أو متقارب قسمت بينهما هذا ظاهر المذهب. انتهى.
وقال الرهوني: قول الزرقاني: وهو كذلك على المذهب وتفصيل اللخمي ضعيف جزم هنا بضعف تقييد اللخمي، وقال عند قوله: كالحمالة ما نصه: وقيد اللخمي الصورتين بما إذا حل أو اتحد أجلهما لخ، فظاهره أن تقييد اللخمي في الحمالة ليس بضعيف ولم أو له سلفا في هذا، بل كلام أهل المذهب يفيد أن الرهن والحمالة سواء، فإن كان التقييد هو المذهب ففيهما وإن كان ضعيفا ففيهما، ولم أو من مرح بما قاله الزرقاني من ضعف تقييد اللخمي إلا قول أبي علي، وحكى في الشامل كلام اللخمي بقيل. انتهى.
وقد ساق الشارح في شرحه كلام اللخمي على وجه يفيد أنه المذهب، وكذلك المص في التوضيح وابن عرفة والتتائي وغيرهم ممن وقفنا عليه، وقد جزم به علي الأجهوري وقرر به كلام المص، ثم أتى الرهوني بعد هذا بما لا مزيد عليه من تقوية ما للخمي، ثم قال بعد أن نقل عن ابن يونس عن ابن المواز ما هو مريح فيما قال اللخمي في الحمالة: فإنه قال: والقيد في الحمالة منصوص للمتقدمين وإن كان مَن بَعدَ اللخمي ممن وقفنا على كلامهم تواطئوا على عزوه للخمي، ففي ابن يونس بعد ذكر كلام المدونة في الحمالة ما نصه: ابن المواز: إنما تصح المسألة في القسمة إذا لم يكن حل من ذلك شيء أو حلا جميعا، وأما إن حل بعض دون بعض فالقول لمن ادعى أنه من الحق الحال، كان الدافعَ أو القابض مع يمينه بلا اختلاف من ابن القاسم وأشهب وعبد الملك.
стр. 5956
انتهى. منه بلفظه. فانظر إغفال الحفاظ المحققين هذا النص الصريح وتواطأهم على عزو التقييد للخمي.
نعم انفرد اللخمي بتقييد المؤجلين بأن يبعد ما بين الأجلين وليس ذلك في النقل السابق، بل ظاهر النص الإطلاق فَتحصل أن التقييد غير (١) ما انفرد به اللخمي هو المذهب وأنه لا فرق بين المسألتين، وأن كلام الزرقاني ساقط دون مين. واللَّه تعالى أعلم انتهى.
وقال قبل هذا إن مسألتي الرهن والكفالة سواء، فما قيل في إحداهما يقال في الأخرى كما أفاده كلام ابن عرفة وغيره، وصرح بذلك أبو الوليد ابن رشد وقبله العلامة ابن عبد السلام وغيره، فإن ابن عبد السلام نقل كلام المدونة في رهونها (فكفالتها) (٢)، وقال عقبه ما نصه: قال ابن رشد: الكلام في المسألتين واحد. انتهى. ومثله في التوضيح والقيد في الحمالة منصوص عليه إلى آخر ما مر. واللَّه تعالى أعلم.
تنبيه: قال البناني عند قوله "وزع بعد حلفهما" ما نصه: ابن يونس: يتحالفان إن ادعيا البيان. الحطاب: ظاهره أن التحالف إنما هو مع البيان وبه صرح الشيخ أبو الحسن. انتهى. ابن عرفة: ابن رشد: ولو اختلفا عند القضاء أَيُّ الحقَينِ يبدأ به لجرى على هذا الاختلاف إلا أنه لا يمين في شيء من ذلك. انتهى. ثم قال: ابن عرفة: ولو ادعى أحدهما بيان الدفوع عنه والآخر إبهامه، فنقل محمد عن أشهب وعبد الملك أن القول لمدعي الإبهام قائلا: هذا خلاف قول ابن القاسم، الصقلي: على قوله يكون لمدعي البيان ثلاثة أرباع الحق نصفه بالقسم بدعوى الإبهام ويتنازعان في النصف الآخر فيشطر. انتهى.
قوله: على هذا الاختلاف قال ابن عرفة: ولو ادعى من اقتضى ممن عليه دينان أحدهما برهن أو حميل فيما اقتضاه أنه العاري عنهما وكذبه الدافع ولا بينة، ففي قسم المقبوض عليهما بعد حلفهما وقبول قول القابض، ثالثها: قبول قول الدافع لرهونها وكفالتها في حقين أحدهما قرض
стр. 5957
والآخر كفالة مع سماع ابن القاسم وابن رشد عن الغير في كفالتها مع سماع أبي زيد ابن القاسم وابن كنانة مع رواية محمد بن صدقة.
كالحمالة قال عبد الباقي: يحتمل صورتين: إحداهما مدين بمائتين إحْدَاهُمَا عليه أصالة والأخرى حمالة، ثَانِيَتُهُمَا مدين بمائتين أصالة لكن إحداهما ضمنة فيها شخص والأخرى لا، ففي الصورة الأولى ادعى القابض أن المقبوضة هي التي بحمالة والدافع أنها هي التي بالأصالة، وفي الصورة الثانية ادعى القابض أن المقبوضة هي التي بغير حمالة والدافع أنها هي التي بالحمالة، وزع بينهما بعد حلفهما، وقيد اللخمي الصورتين بما إذا حل الدينان أو اتحد أجلهما أو تقارب، وإن حل أحدهما فالقول لمدعي القضاء عنه، وقيد ابن يونس الصورة الأولى بما إذا أيسر الغريم والكفيل. انتهى. كلام عبد الباقي.
قوله: وقيد ابن يونس الصورة الأولى الخ، قال الرهوني: ما نسبه لابن يونس هو كذلك فيه، لكن قال ابن يونس في آخر كلامه: وجميع هذا التقسيم المذكور إنما يصح على قول مالك الذي أخذ به ابن القاسم أنَّ الكفيل لا يغرم إلا في عدم الغريم، فأما على قوله: إن للطالب أن يأخذ أيهما شاء فالقول قول الطالب في جميع الوجوه. انتهى. منه بلفظه ونقله ابن عرفة مختصرا وقد علمت أن العمل منسحب بالقول الثاني فلا فائدة للتقييد إذا، وما كان ينبغي للزرقاني أن يهمل كلام ابن يونس هذا. واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
وقال الخرشي: ومحصل تقييد ابن يونس في الثانية أن محل القسم فيها إذا كان من عليه الدين معسرا حين الدفع موسرا الآن، أما لو كان موسرا فيهما أو موسرا حين الدفع معسرا الآن، فالقول قول الدافع لتوجه الغرم على الدافع الآن ولو كان معسرا فيهما قبل قول الدافع. انتهى المراد منه. واللَّه تعالى أعلم. وقال الخرشي: ومثل ما ذكره المؤلف ما إذا كان عليه دين بيمين على أن يوفيه في شهر كذا، ودين بلا يمين ثم بعد قضاء أحدهما قال هو عن دين اليمين، وقال الآخر هو عن دين غير اليمين، فإنه يقسم بينهما نصفه عن دين اليمين ونصفه عن دين غيرها.
مسألة: قال الخرشي: ومن قال لرجل أقرضتك كذا وكذا، وقال الرجل بل أودعتنيه وتلف صدق رب المال، وإن قال غصبته مني أو سرقته مني فهو مودع لأنه من معنى التلصص فلا يصدق ولا
стр. 5958
يضمن له الرجل شيئا، ومن أخذ من رجل مالا فقال الرجل إنما قضيتك من دينك الذي لك علي أو رددته إليك من القراض الذي لك عندي، وقال الآخر بل أودعته وضاع مني صدق الدافع مع يمينه، قال الشيخ أبو الحسن: وهذا أشبه شيء عندي بمسألة الابن يكون له على أبيه دين فينفق عليه الأب ثم يموت فيقول الابن إنما أنفق علي من ماله تطوعا أي فالقول قوك ورثة الأب. انظر ما في تضمين الصناع.
ونزلت من هذا المعنى مسألة وهي أن رجلا شور ابنته وكان لها عليه دين، فمات الأب وطلبت دينها فقالت الورثة قد شورك به، وقالت إنما شورني من ماله فكان الجواب أن القول قول الورثة. انتهى المراد منه.
وقال في نوازل عيسى: وسئل عن رجل عليه وعلى ابنه لآخر شيء لا يعرف بعينه إذا غيب عليه ودفع الأب ما عليه إلى ابنه ليدفعه إلى الغريم، فقال له: هذا مالك على أبي ثم ادعى الغريم أن ما قبضه قضاء عن الابن، وأنكر ما قال الابن قال القول قول الغريم مع يمينه ولا ينفعه الإتيان ببينة على أمر الأب له بذلك، ولابد أن يأتي ببينة تشهد على أنه قال هذا ما على أبي. انظر الحطاب.
ولما أنهى الكلام على متعلق الرهن وكان من متعلقه الحجر الخاص على الراهن ومنعه التصرف في الرهن إلا بإذن المرتهن، شرع في الكلام على الحجر العام وهو إحاطة الدين والفلس فقال:
стр. 5959
باب: في التفليس.
عياض: التفليس العدم، وأصله من الفلوس أي أنه صار صاحب فلوس بعد أن كان صاحب ذهب وفضة، ثم استعمل في كلِّ مَن عدمَ المال، وكذا يقال أفلس الرجل بفتح اللام فهو مفلس، وورد في الخبر الصحيح (نفس المؤمن مرهونة بدينه) (١) أي محبوسة عن مقامها الكريم في البرزخ فلا تكون منبسطة فيه مع الأرواح النبسطة فيه ومحبوسة أيضا بمعنى معوقة عن دخول الجنة بمطالبة رب الدين له به حتى يرضيه اللَّه من عنده أو يعوضه بقدر دينه من حسناته إن وجدت ولو في الصوم، (كما في خبر مسلم) وقد سها من استثناه زاعما أنه معنى: (الصومُ لي) (٢)، فإن لم توجد طرح عليه من سيئاته، وهذا كله إن أثم بتأخيره ولم يخلف وفاء كما للهيثمي على المنهاج والى شكاة، فإن لم يحل أو خلف وفاء لم يحبس بل في الحطاب أنه لا يحبس أيضا إن لم يخلف وفاء لوجوب قضاء دينه على السلطان حيث تداينه في حق واجب. انتهى.
وكذا في مكروه أو مباح كما هو الظاهر وينبغي أو في معصية تاب منها ومات عاجزا عن الوفاء وعلم السلطان بتوبته، لا إن لم يتب منها قبل موته فلا يجب عليه قضاؤه كما يفيده كلام بعضهم وإن اقتضى عموم كلام الذخيرة، كما في التتائي عند قوله: أو كل ما بيده وجوب القضاء أيضا، حيث ذكر أن أحاديث الحبس عن الجنة منسوخة بوجوب القضاء على السلطان. قاله عبد الباقي. قوله: ورد في الخبر الصحيح لخ هذا الحديث صححه عبد الحق بسكوته عليه، وقوله: بقدر دينه من حسناته، قال العارف باللَّه سيدي عبد الرحمن الفاسي: جاء أن الإيمان لا يؤخذ في التباعات بخلاف غيره من سائر الأعمال الصالحات كما أنه لا يؤخذ من المفلس ما هو ضروري له ولعياله من قوت وكسوة معتادة، وكذلك ما هو شرط في الإيمان من محبة اللَّه والرسول والقدر الضروري من ذلك لا يؤخذ في التباعات جزما. انتهى.
стр. 5960
وقوله: وكذا في مكروه أو مباح لخ هذا هو الذي يفيده كلام المقدمات، ونقله الحطاب ونصه: ذكر في المقدمات عن النبي ﷺ آثارا في التشديد في الدين، ثم قال: فيحتمل أن تكون هذه الآثار إنما وردت فيمن تداين في سرف أو فساد غير مباح أو في من تداين وهو يعلم أن ذمته لا تفي بما تداين به؛ لأنه متى فعل ذلك فقد قصد استهلاك أموال الناس، وقد قيل إن هذا كله كان من النبي ﷺ في الدين قبل فرض الزكاة ونزول آية الفيء والخمس، ثم نقل الحطاب قول الذخيرة: الأحاديث الواردة في الحبس عن الجنة في الدَّيْنِ منسوخة بما جعله اللَّه من قضاء الدَّيْن على السلطان، وكان ذلك قبل أن تفتح الفتوحات، فقول ابن رشد: وقد قيل إن هذا كله لخ يقتضي أن القضاء على السلطان في الجميع على القول بالنسخ وهو ظاهر كلام الذخيرة، لكن يستثنى من ذلك ما لم يكن مشهودا به عليه ومات ولم يوص به فهو المؤاخذ به؛ لأن السلطان لا يقضيه. انتهى. قاله البناني.
فوائد: الأولى: قال في المقدمات في كتاب المديان قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾، وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ فدل ذلك على جواز التداين وذلك إذا تداين في غير سرف ولا فساد، وهو يرى أن ذمته تفي بالدين، ثم قال: وقد استعاذ رسول اللَّه ﷺ من الدين فقال: (اللَّهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم) (١)، وقال عمر بن الخطاب: (إياكم والدين فإن أوله هم وآخره حرب) (٢). انتهى. وحرب بفتح المراء والحاء. قاله في النهاية. وروى بسكون الراء أي نزاع.
الثانية: قال الأبي: كانت زبيدة بنت أبي جعفر المنصور زوجة الرشيد وأم ولده الأمين كثيرة الصدقة وفعل الجميل من بناء القناطر والتجهيز في سبيل اللَّه تعالى، قال منصور بن عمار: كنت نائما في الحرم فإذا امرأة تعشي متبخترة، فقلت: يا هذي أما تتقين اللَّه في هذا المحل تمشين هذه المشية من أنت؟ قالت: زبيدة، قال: زوجة الرشيد وابنة الخلائف؟ فقالت: تعس الخلائف يا منصور، ولقد وددت أن أكون راعية، فقلت: ولم وكنت تتصدقين وتفعلين الجميل؟ فقالت:
стр. 5961
اضمحل ذلك كله، رأيت الحبة تطير من ميزاني إلى ميزان صاحبها لولا أن اللَّه تعالى نفعني بخصلتين، قلت: وما هما؟ قالت: ذبح الأمين ولدي في حجري فصبرت فأثابني اللَّه، وكنت مرة أطوف ويدي في يد الرشيد فإذا امرأة تسعى على أيتام لها فنزعت خاتمي من إصبعي وكان من ميراثي من آباءي وكان فيه أربعون ألفا فتصدقت به على أولئك الأيتام فأثابني اللَّه، فلم أو عند اللَّه أنفع من الصبر على موت الأولاد ومن الصدقة على الأيتام.
الثالثة: قال ﷺ : (من ترك دينا أو ضياعا فعلي وإلي) (١)، أي فعلي قضاء دينه وإلي ضياعه أي علي كفاية عياله.
الرابعة: قال في المقدمات: وقد كان الحكم من النبي ﷺ في أول الإسلام بيع المديان فيما عليه من المدين من الاقتداء بالشرائع قبله فيما لم ينزل عليه فيه شيء، وذكر قِصَصًا في ذلك ثم قال: ثم نسخ اللَّه ذلك من حكم رسول اللَّه ﷺ ، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قاله الحطاب.
للغريم منع من أحاط الدبن يماله من تبرعه يعني أن الغريم وهو هنا من له المدين له أن يمنع المدين من التبرع أي العطاء بغير عوض حديث أحاط الدين بمال المدين بأن زاد الدين على مال المدين أو ساواه: ويطلق الغريم أيضا على المدين وهو فعيل بمعنى فاعل أي غارم، وقوله: "للغريم" واحدا أو متعددا، وقوله: "أحاط المدين" أي الحال أو المؤجل كما في المدونة، وسواء كان لازما أو آئلا للزوم كضمانه. وقوله: "من تبرعه" قال عبد الباقي: بعتق أو هبة أو صدقة أو حبس أو تحمل بما يحيط، وكذا لا يجوز له هو ذلك بغير إذنهم فلهم رده إذا لم يعلموا بذلك إلا حين قيامهم. قال أحمد عن بعض شيوخه: الظاهر شموله أي التبرع للعارية لما يحصل في المعار من النقص وعدم شموله للقرض. انتهى.
وخرج بتبرعه تصرفه المالي كبيعه وشرائه فلا يمنعه قيامهم وكنفقة نفسه وابنه وأبيه وما جرت العادة به من كسرة لسائل ونفقة عيدين دون سرف في الجميع وأضحية؛ لأنها سنة فليست من
стр. 5962
التبرع. وقول ابن ناجي عن أبي مهدي: يؤخذ من المدونة أن من أحاط الدين بماله لا يمنع من الضحية يُوهِمُ منعه منها مع قيامهم وليس كذلك، وظاهر قوله: "للغريم منع" أن له ذلك بلا حاكم وهو الذي في ابن عرفة وغيره، ورَدُّ صاحب التكملة ذلك -وتبعه الشيخ سالم بقول المازري: اتفق مالك والشافعي على أنه للحاكم فقط. انتهى.- نقلٌ له في غير محله. انتهى.
قوله: أو تحمل بما يحيط، قال البناني: الصواب إسقاط قوله بما يحيط لأن من زاد دينه على ماله أو ساواه يعني تحمله مطلقا، ومن نقص دينه عن ماله يعني تحمله بأكثر مما يفضل من ماله عن دينه. قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في رجل عليه دين محيط بماله أو بعضة فتحمل بحمالة وهو يعلم أنه مستغرق: إنه لا يسعه ذلك فيما بينه وبين اللَّه. قال: والحمالة أيضا عند مالك مفسوخة لا تجوز ورءاها من ناحية الصدقة، قال ابن رشد: قوله في الذي لا يحيط المدين إلا ببعض ماله إن حمالته لا تجوز، معناه إذا كانت حمالته التي تحمل بها لا يحملها ما فضل من ماله عن المدين الذي عليه، وأما إن كان يحملها ما فضل من ماله بعد ما عليه من المدين فهي جائزة في الحكم سائغة ممن فعلها. انتهى.
وهو صريح في منع كل تبرع ينقص ماله عما عليه من المدين. انتهى. وقوله: وخرج بتبرعه تصرفه المالي كبيعه وشرائه لخ فيه نظر، وصوابه فلا تمنعه إحاطة المدين، وأما قيامهم فقد مر عن ابن رشد أنه هو التفليس الأعم وأنه يعنيمن التصرف في المال بالتبرع وبالبيع والشراء ولو بغير محاباة، والذي غر الزرقاني وغيره عبارة ابن عرفة المتقدمة وقد مر ما فيها. انتهى. وسيأتي هذا الذي أشار إليه. وقوله: وعدم شموله للقرض فيه نظر، بل يمنع من القرض أيضا كغيره من التبرعات لما يأتي من التعليل عند قوله: وإعطاء غيره قبل أجله. قاله البناني. قوله: وكذا لا يجوز له هو ذلك لخ أشار به إلى البحث فيما تقتضيه عبارة المص من أن له ذلك إن لم يمنعه الغريم، ولا شك أنه يمتنع ذلك عليه إن كان المدين حالا أو مؤجلا، ولا يرجو حصول مثل ما تبرع به عند حلول المدين من غلة أو نحو ذلك.
وانظر إذا فعل هل يأثم من جهة ويؤجر من جهة نظرا لقاعدة الواحد بالشخص له جهتان وهو الظاهر عندي وهذا فيما إذا كانت الديون لمعينين، وأما مستغرق الذمة بالتباعة لغير معينين فإن
стр. 5963
كلام الأبي يفيد أنه لا يثاب، فإنه قال على قوله ﷺ : (لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول) (١) ما نصه: ومن معنى الغلول الصدقة من المال الحرام، وانظر الحج به. والظاهو الصحة كالصلاة في الدار المغصوبة، وأما النكاح به ففيه أخاف أن يضارع الزنى نعم الصدقة بالمال الحرام أرجح لصرفه عن النفس. قاله الرهوني. واللَّه تعالى أعلم. وقال البناني: اعلم أن لمن أحاط الدين بماله ثلاثة أحوال كما أفاده ابن رشد.
الحالة الأولى: قبل التفليس، قال ابن رشد في المقدمات: فأما قبل التفليس فلا يجوز له إتلاف شيء من ماله بغير عوض فيما لا يلزمه معا لم تجر العادة بفعله من هبة أو صدقة أو عتق وما أشبه ذلك. انتهى. وقال أيضا في المقدمات: ومن أحاط المدين بماله فلا تجوز له هبة ولا صدقة ولا عتق ولا إقرار بدين لمن يتهم عليه، ويجوز بيعه وابتياعه ما لم يحجر عليه.
الحالة الثانية: تفليس عام وهو قيام الغرماء، قال في المقدمات: وحد التفليس الذي يمنع قبول إقراره هو أن يقوم عليه غرماؤه فيسجنوه أو يقوموا عليه فيستتر عنهم فلا يجدوه، قال محمد: ويحولوا بينه وبين التصرف في ماله بالبيع والشراء والأخذ والإعطاء إلا أن لا يكون لواحد منهم بينة فإقراره جائز لمن أقر له إذا كان ذلك في مجلس واحد أو قريب بعضه من بعض. انتهى. وإليها الإشارة بقوله: وفلس حضر أو غاب لخ.
الحالة الثالثة: تفليس خاص وهو خلع ماله لغرمائه، فإن ابن رشد لا ذكر أن الغريم إذا مكنهم من ماله فاقتسموه ثم تداين فليس للأولين دخول فيما بيده كتفليس السلطان، قال: هذا هو حد التفليس الذي يمنع من دخول من فلسه على من عامله بعد التفليس. انتهى. ذكر ذلك في المقدمات، وذكر الحالتين الأخيرتين أيضا في البيان.
وقال ابن عرفة: التفليس الأخص حكم الحاكم بخلع ما لمدين لغرمائه لعجزه عن قضاء ما لزمه فيخرج بخلع لخ خلع كل ماله باستحقاق عينه مُوجَبُهُ منعُ دخول ذي دين سابق عليه على لاحق بمعاملة بعده، والأعم قيام ذي دين على مدين ليس له ما يفي به. رواه محمد قائلا: يريد
стр. 5964
وحالوا بينه وبين ماله والبيع والشراء موجب منع دخول إقرار المدين على متقدم دينه. انتهى. ثم قال: فالأعم قال ابن رشد يمنع إتلاف شيء من ماله لا بعوض فيما لا يلزمه مما لم تجر العادة بفعله كالعتق والهبة. انتهى. وهذا غير صواب لما علمت أن ابن رشد وغيره نص على أن هذه الأشياء يمنعها مجرد الإحاطة لا التفليس الأعم على زعمه أنه قيام الغرماء، بل رتب عليه ابن رشد كما تقدم منع البيع والشراء والإقرار. قاله مصطفى. ومثل ذلك وقع لابن عرفة أن الأخص يمنع البيع والشراء مع أن الأعم يمنع ذلك، ثم بحث مع ابن عرفة في تعبيره بالأعم والأخص بأنه غير مسلم قلت: والظاهر صحة التعبير بهما لترتب أحكام الأعم عليه سواء وجد الأخص أولا فتكون أعمية باعتبار الوجود لا باعتبار الصدق، وأصل الإشكال للوانوغي إذ قال ما حاصله أن تعريف الأعم دأبه الانطباق على تعريف الأخص وليس الأمر هنا كذلك؛ لأن جنس الأخص حكم الحاكم وجنس الأعم قيام الغرماء وهما متباينان، قال الرصاع: ويمكن أن يقال الأعمية والأخصية باعتبار الأحكام لا باعتبار الصدق، ولا شك أن الأول أخص من الثاني أي في كلام ابن عرفة، بمعنى أن الأول إذا ثبت منع من كل ما منعه الثاني دون العكس. انتهى. انتهى كلام البناني.
وقوله: "من تبرعه" قال في المدونة: ولا يجوز عتق ولا صدقة ولا هبة وإن كانت الديون التي عليه إلى أجل بعيد. انتهى. وقوله: "للغريم منع من أحاط الدين بماله" قد علمت أن النقل يشمل الزائد والمساوي وما يحيط بالبعض فقط. وقوله: "للغريم منع من أحاط الدين بماله" أي تحققت إحاطته، فإن ادعى الملاء لم يمنع من تبرعه لكن يكشف السلطان عن حاله، فإن وجد وفاء لم يفلس وإلا فلس. قال عبد الباقي: قال التتائي: وأشعر قوله: "أحاط الدين" أن من أحاطت التبعات بماله لا يحجر عليه، قال أحمد بن نصر الداوودي: من له دين على من اغترقت التبعات ما بيده ولا يعلم منتهى ما عليه لم يجز لأحد أن يقبض منه شيئا من ماله لوجوب الحصاص في ماله، فلا يجوز له أخذ شيء لا يدري هل هو له أم لا؟ انتهى. وما استدل به على أنه لا يحجر عليه لا يدل له. انتهى.
стр. 5965
واعلم أنه ليس ثم قول أنه لا يحجر عليه أصلا بل يحجر عليه قطعا، لكن اختلف هل يحجر عليه كالمفلس أو يمنع من التبرع فقط؟ كما قال البناني، فإنه قال: وينبني على القول بأن حكمه حكم المفلس منعه من التصرف مطلقا، وعلى القول بأن حكمه حكم من أحاط الدين بماله منعه من التبرع فقط. انتهى. قال عبد الباقي: ومحل الخلاف حيث لم تعلم أعيان مغصوبة عنده لمعين. انتهى.
وسفره إن حل بغيبته يعني أن من له دين لم يحل له أن يمنع من عليه الدين من سفر يحل فيه الدين وإن لم يحط الدين بمال المدين، قال عبد الباقي مفسرا للمص: وللغريم منع المدين لا بقيد إحاطة الدين بماله ففيه شبه استخدام أو تجريد من الصفة من سفره إن حل دينه بغيبته أي المدين وأيسر ولم يوكل في قضائه ولم يضمنه موسر، فإن أعسر أو وكل في القضاء من ماله أو ضمنه موسر أو لم يحل بغيبته لم يمنعه من سفره إلا أن يعرف في الأخير بلده، ومنطوق المص فيمن تحقق منه إرادة السفر، وأما إن خشي سفره وتغيبه لحلول الدين وقامت شبهة وإن لم تقو وأنكر ذلك فللغريم تحليفه على عدم إرادته، فإن نكل أو كان لا يقف عند اليمين كلف حميلا بالمال. انتهى.
وقال المواق من المدونة: قال مالك: ولك منع غريمك من بعيد السفر الذي يحل دينك قبل قدومه ولا يمنع من قريبه الذي يئوب فيه قبل محل الأجل. انتهى. وإذا قلنا له السفر إذا وكل فهل له عزله، قال بعض المحققين: له عزله إلى بدل لا مطلقا، وأصل المذهب أنه إذا تعلق لأحد الغريمين حق بالوكالة أن لا يكون لمن وكله عزله. انظر الشارح. ومن التزم لإنسان أنه إن سافر فله عليه كذا وكذا فإنه يطالب بدفع المال الملتزم به أو بتوكيل وكيل يدفع عنه إذا سافر. انظر الحطاب.
وإعطاء غيره قبل أجله يعني أن من أحاط الدين بماله إذا عجل لأحد الغرماء دينه قبل أجله لغيره من الغرماء أن يمنعه من ذلك، قال عبد الباقي: وللغريم ولو تأجل دينه منعه من إعطاء غيره من الغرماء بعض ما بيده قبل أجله إذ هو سلف فيرجع للتبرع. انتهى. وقال الخرشي: أي
стр. 5966
لبعض أرباب الدين منع المدين من إعطاء غيره قبل أجله بعض ما بيده؛ إذ المراد بالغريم الجنس الصادق بالواحد. انتهى.
أو كل ما بيده يعني أن المدين إذا أعطى جميع ما بيده لبعض غرمائه وإن حل دينه لغيره من الغرماء أن يمنعه من ذلك وإن لم يحل دينه، فإن أعطاه فالظاهر رد جميعه. قاله أحمد. وقوله: أو كل يجوز نصبه وجره، كإقراره لمتهم عليه يعني أن المدين إذا أقر لمن يتهم عليه كابنه وأبيه وأخيه وزوجة علم ميله لها أو جهل على التفصيل الآتي في الإقرار، فللغريم المنع ثبت الدين ببينة أو إقرار، أقر في الصحة أو في المرض ومثل ذلك الصديق الملاطف، بخلاف الزوجة التي علم بغضه لها فليس له المنع من إقراره لها. قال الشارح: اللخمي: وإقراره قبل الحجر لمن لا يتهم عليه جائز، واختلف إذا أقر لمن يتهم عليه كالأب والابن والأخ والزوجة، قال: وأن لا يجوز أحسن.
وإلى هذا أشار بقوله: على المختار ابن رَاشِدٍ: ونزلت عندنا بقفصة، وكتب فيها قاضي الجماعة بما اختاره اللخمي من البطلان، وإليه أشار بقوله: والأصح، وقال المواق: ابن يونس: قال ابن ميسر: إقراره ما دام قائم الوجه منبسط اليد في ماله جائز إلا إذا قرب تفليسه وخاف قيام الغرماء فأقر لمن يتهم (عليه) (١)، فإني أبطل إقراره وأراه توليجا، وأما إقراره للأجنبي فجائز، انتهى. وقال الرهوني عند قوله: "على المختار والأصح" ما نصه: قلت: صرح المتيطى بأن هذا هو المشهور ونصه على اختصار ابن هارون: واختلف إذا خاف قيام الغرماء فأقر قبل قيام الغرماء لمن يتهم عليه كالأب والابن والأخ والزوجة، فالمشهور أنه لا يجوز إقراره. قاله ابن ميسر. وقيل ذلك جائز. انتهى. وسلم ابن عرفة ذلك ونصه: المتيطى: المشهور أنه لا يجوز إقراره وقاله ابن ميسر. انتهى منه بلفظه.
لا بعضه يعني أنه لا يمنع من أحاط دينه بماله من إعطاء بعض ماله لبعض غرمائه الحال دينه، ورهنه يعني أنه لا يمنع من أحاط الدين بماله من رهن بعض ماله لبعض غرمائه أو
стр. 5967
لغيرهم، قال عبد الباقي: لا بعضه أي لا يمنعه من إعطاء بعض ما بيده لبعض غرمائه الحال دينه، ويجوز له هو أيضا ذلك إن كان صحيحا لا مريضا ولم يبين حد البعض الذي لا يمنع من إعطائه، وهو أن يبقى بعده ما تمكن العاملة به كما في أحمد أي بوفاء من بقي أو جبر ما أعطى للبعض، وعليه فيلزم بتحريكه كما يرشد له المعنى وهو الظاهر، ولا ينافي قوله الآتي: "ولا يلزم بتكسب" لأنه هنا تصرف في بعضه ولا يمنع من أحاط الدين بماله من رهنه -لبعض غرمائه أو لغيرهم كما في الشارح- بعض ماله في معاملة حادثة مشترط فيها الرهن لمن لا يتهم عليه والراهن صحيح وأصاب وجه الرهن بأن لا يرهن كثيرا في قليل فلا يمنع مع وجود هذه الستة شروط. انتهى.
قوله: إن كان صحيحا لا مريضا، قال ابن عرفة: وفي المديان منها قضاء المريض المغترق دينه ماله بعض غرمائه لا يجوز لأنه تاليج، وقال غيره: هو كالصحيح في تجره. انتهى. وكذا الخلاف في رهنه أيضا كما في الحطاب. وقول الزرقاني: فيلزم بتحريكه ظاهر تأمله، وقوله: في معاملة حادثة مشترط فيها الرهن. لخ. قال البناني: لم أر من ذكر هذه الشروط، وظاهر المدونة وابن عرفة والتوضيح وغيرهم الجواز مطلقا، ويدل لما ذكرناه أن الحطاب بعد أن ذكر الجواز في الصحيح والخلاف في المريض، قال ما نصه: وأما إذا لم يكن عليه دين ثم استحدث في مرضه دينا ببيع أو قرض ورهن فيه رهنا فلا كلام في صحة ذلك. واللَّه أعلم. انتهى.
وأيضا إذا ثبت أن المعاملة حادثة وأنه أصاب فيها وجه الرهن فلا وجه لاشتراط كونه ممن لا يتهم عليه، ولو كان مريضا لجواز معاملة المريض لمن يتهم عليه إذا لم تكن محاباة. واللَّه أعلم. انتهى. قول البناني: ويدل لما ذكرناه أن الحطاب لخ لا دليل له في كلام الحطاب الذي ذكره؛ لأن كلامه فيمن لا دين عليه، وكلام الزرقاني فيمن أحاط الدين بماله نعم بحثه آخرا بقوله وأيضا إذا ثبت أن المعاملة حادثة لخ واضح. قاله الرهوني.
وفي كتابته قولان يعني أنه اختلف على قولين فيمن أحاط الدين بماله، هل له أن يكاتب رقيقه بناء على أن الكتابة كالبيع أو ليس له أن يكاتبه بناء على أنها كالعتق؟ ومحل القولين فيما إذا كاتبه بكتابة المثل لا بأقل فيمنع قطعا ولا بأكثر منها فتجوز قطعا، ثم ظاهره جريهما في كتابة
стр. 5968
مثله سواء كان قدر قيمته أو أقل، ولو قيل بمنعها فيما إذا كانت أقل من قيمته وجوازها فيما إذا كانت بأكثر من قيمته نظرا للمعنى لما بعد. قاله عبد الباقي.
وله التزوج يعني أن من أحاط الدين بماله له أن يتزوج، قال ابن رشد: إذا تزوج من يشبهه وأصدقها صداق مثلها، فإن زاد فللغرماء رده أي الزائد وترجع هي عليه بالزائد أي تتبعه به. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وله شراء جارية ووطء ملكه كما في أحمد. انتهى. وقال المواق من المدونة: ما دام قائم الوجه فإقراره بالدين جائز، وله أن يتزوج فيما بيده من ماله ما لم يفلس. انتهى.
وفي تزوجه أربعا يعني أنه وقع التردد من ابن رشد في كون من أحاط الدين بماله له أن يتزوج أربعا من النساء أو ليس له ذلك، وظاهره أن تردد ابن رشد إنما هو في أربع لا في اثنتين ولا في ثلاث وليس بمراد، بل المراد أنه تردد في نكاحه ما زاد على الواحدة هل له ذلك أم لا؟ فلو قال: وفي تزوجه أكثر من واحدة لكان ظاهرا.
وتطوعه بالحج يعني أنه وقع التردد هل لمن أحاط الدين بماله أن يحج حج التطوع أو ليس له ذلك؟ وتردد ابن رشد في حجة الفرض هل له أن يفعلها أم لا؟ الحطاب: العجب من تردد ابن رشد في حج الفريضة: وقد نص في النوادر على أنه لا يحج الفريضة وذكر نصها، ثم قال عن سند: وإن كان عليه دين وبيده مال فالدين أحق بماله من الحج. قاله مالك في الموازية. فإن لم يكن له مال، قال عنه ابن نافع: لا بأس أن يحج، قال سحنون: وأن يغزوَ. انتهى.
قال الحطاب: فقد سقط التردد الذي في كلام المص وابن رشد بوجود النص عن مالك والحمد للَّه. انتهى. وقوله: تردد مبتدأ وخبره "في تزوجه أربعا". قال عبد الباقي عند قوله "تردد" ما نصه: لواحد فقط وهو ابن رشد فهو يشبه ما يأتي في قوله: "وفي بيعءالة الصانع تردد" من أنه لواحد فقط وهو عبد الحميد الصائغ، وظاهره أنه في خصوص تزوجه بثلاث زائدة على واحدة تعفه وأنه غير جار في ثانية وثالثة وهو غير مراد، ثم الذي تجب به الفتوى أن له تزوج واحدة فقط لا حج فريضة. انظر الحطاب. ثم ليس له تزوج بمن لا تشبه نساءه ممن هي أعلى وإنما يتزوج ممن تشبه
стр. 5969
نساءه، وأن يصدقها مثل صداقها كما قال ابن رشد، فإن أصدقها أكثر من صداق مثلها فلغرمائه الزائد يرجعون عليها به وكان دينا لها عليه. انتهى.
وقال المواق عند قوله "تردد" ما نصه: مقتضى ما يتقرر أن التردد في حجة الفرض، وأما حج التطوع فيمنع منه، قال ابن رشد: إتلاف المال قبل التفليس بغير عوض لا يجوز إلا فيما جرت العادة به كالكسرة يعطيها للسائل والضحية والنفقة في العيدين من غير سرف، ولا يجوز فيما لم تجر العادة بفعله من الكراء في الحج التطوع. وانظر هل له أن يحج حجة الفريضة أم لا؟ وإن كان يأتي ذلك على الاختلاف هل هو على الفور أو على التراخي؟ وهل له أن يتزوج أربع زوجات وتدبر ذلك؟ انتهى من ابن رشد. انتهى. كلام المواق.
ولما أنهى الكلام على الحالة الأولى وهي إحاطة المدين بمال المدين شرع يتكلم على الحالة الثانية وهي التفليس الأعم، فقال: وفلس بالبناء للفاعل أو للمفعول، يعني أنه يجوز تفليس من أحاط الدين بماله أي للغرماء أن يقوموا عليه فيمنعوه من التصرف المالي، فالمراد بالتفليس هنا التفليس الأعم وهو قيام الغرماء. حضر أو غاب يعني أن الغرماء إذا قاموا على من أحاط الدين بماله وطلبوا الحجر عليه، فإنه يحجر عليه سواء كان حاضرا أو غائبا، قال عبد الباقي: وفلس بالبناء للفاعل أي الحاكم أي جاز للحاكم تفليس من أحاط الدين بماله ويحتمل بالبناء للمفعول أي المدين والفاعل الحاكم، ولابد منه ولو في دين أب على ابن وليس لسيد عبد مأذون له في تجارة تفليسه في معاملة غيره، وإنما ذلك للحاكم كما سيقول: "والحجر عليه كالحر"، ويفلس سواء حضر ولو حكما كمن على ثلاثة أيام إذ يكتب له ويكشف عن حاله، أو غاب على كعشرة أيام أو شهر ذهابا.
هذا ظاهر مقابلته بحضر وعدم تفصيله في الغيبة بين متوسطة وبعيدة وهي طريقة اللخمي وهي أنسب لظاهر المص. انتهى. قوله: حضر ولو حكما أفاد به الجواب عما يقتضيه كلام المص من دخول القريب في الغائب، مع أن حكمه كالحاضر لا يفلس حتى يكشف عن حاله، وقد استوفى في الشامل كلام ابن رشد، فقال: وفلس ذو غيبة بعدت كشهر أو توسطت كعشرة أيام وجهل تقدم يسره لا إن قربت، وكشف عنه كإن علم تقدم يسره على المشهور. انتهى. قاله البناني.
стр. 5970
وقال الحطاب: أطلق ﵀، والغيبةُ على ثلاثة أقسام: قريبة وحَدَّهَا ابنُ القاسم في العتبية والواضحة بالأيام اليسيرة فلا يفلس بل يكشف عن حاله. ابن رشد: ولا خلاف في ذلك وغيبة متوسطة، وحَدَّها ابن رشد بالعشرة الأيام ونحوها وإن لم يعلم ملاؤه فلس بلا خلاف، وإن علم لم يفلس على المشهور خلافا لأشهب، وغيبة بعيدة، وحَدَّهَا ابن رشد بالشهر ونحوه قال: ولا خلاف في وجوب تفليسه وإن علم ملاؤه وهذه طريقة ابن رشد، وأما اللخمي وابن الحاجب فأطلقوا في الغيبة وحكوا الخلاف فيها مطلقا من غير تقييد بعشرة أيام، كما قال ابن رشد. ونقل في التوضيح كلام ابن رشد جميعه ومشى عليه صاحب الشامل، ونصه: وفلس ذو غيبة إلى آخر ما مر قريبا. انتهى.
وقوله: وفلس حضر أو غاب" قال التتائي: وغيبة ماله كغيبته. انتهى. قال الرهوني: ومعنى قوله وغيبة ماله كغيبته أنه يجري فيها طريقا ابن رشد واللخمي، فعلى طريقة اللخمي لا يفلس مع علم الملاء عند ابن القاسم مطلقا، وعلى طريقة ابن رشد يفصل بين المتوسطة والبعيدة جدا، وقد مر أن المراد بقوله: "وفلس حضر أو غاب" التفليس الأعم وهو قيام الغرماء كما قاله البناني. وقال المواق عند قوله "حضر" ما نصه: ابن يونس: إذا طلب الغرماء الحجر على المفلس فإن الحاكم يحجر عليه، قال مالك: إذا قام رجل واحد بالديان فله تفليسه كقيام الجماعة ويبيع الإمام ما ظهر له من مال فيوزعه بين غرمائه بالحصص، ويحبسه فيما بقي إن تبين لدده واتهم. ابن محرز: إن قام له من حل دينه ومن لم يحل لم يفلس إلا أن يغترق ما حل ما بيده ولم يفضل إلا يسير لا يرجى في حركته له أداء حقوق الآخرين. انتهى. وقال المواق أيضا عند قوله: "أو غاب" لخ ما نصه من المدونة: روى ابن وهب عن مالك من قام بدين على غائب ولعله كثير المداينة لغير من حضر، فأرى أن تباع عروضه لمن حضر ويُقضى، قال ابن القاسم في العتبية وكتاب ابن حبيب في الغائب يقوم به بعض غرمائه وليس فيما حضر من ماله وفاء، فإن كان قريبا كالأيام اليسيرة فليكتب فيه ليكشف ملاؤه من عدمه، وأما في الغيبة البعيدة لا يعرف فيها ملاؤه من عدمه ولا يدري أين هو فهو كالمفلس، ويحل المؤجل من دينه، ومن باع منه سلعة
стр. 5971
فوجدها فله أخذها، وأما إن عرف فيها ملاؤه فلا يفلس ويقضى من حل دينه ويبقى المؤجل ولا يأخذ البائع سلعته. انتهى.
إن لم يعلم ملاؤه شرط في تفليس الغائب يعني أن الغائب إنما يفلس حيث لم يعلم ملاؤه حين خروجه، وأما إن علم ملاؤه حين خروجه فإنه لا يفلس، وفي المص ثلاث صور اثنتان في المنطوق وواحدة في المفهوم: جُهِلَ ملاؤه، عُرِفَ عدم ملائه فلس فيهما اتفاقا، عُلِمَ ملاؤه لم يفلس على المشهور، وهو قول ابن القاسم خلافا لأشهب القائل: يفلس وإن علم ملاؤه، وقد علمت أن اللخمي لم يقيد الخلاف بالمتوسطة دون البعيدة، فالخلاف فيهما إن علم ملاؤه. وابن رشد خص الخلاف بين الشيخين بالمتوسطة، وأما البعيدة فيفلس فيها وإن علم ملاؤه بلا خلاف. واللَّه تعالى أعلم. وقد علمت أيضا أن الحاضر والقريب الغيبة كالأيام اليسيرة حكمهما واحد فيفلسان بطلبه لظهور أمرهما، وقوله: "إن لم يعلم ملاؤه" هو بالمد هنا، وأما بالهمز والقصر فالجماعة من الناس وإن لم يكونوا أشرافا، وبالقصر بدون همز الأرض التسعة، ورد المص بقوله: "وفلس" لخ قول عطاء: لا يجوز لأن فيه هتك حرمة المدين وإذلاله، وقد مر أن معنى قوله: "فلس" أنه يجوز تفليسه، وأما وجوبه إذا لم يتوصل الغرماء لديونهم إلا به فهو أمر عارض. والحاصل أنه من أصله جائز ويجب عند تعذر الوصول للحق إلا به. وذكر شروط التفليس بقوله: بطلبه وإن أبى غيره دينا الباء متعلقة بقوله: "فلس" وهي للسببية، والضمير المجرور في بطلبه عائد على الغريم من إضافة المصدر إلى فاعله ودينا مفعول المصدر؛ يعني أن الحاكم يفلس المدين بسبب طلب الغريم أي رب الدين دينه الذي على المفلس وإن أبى غيره من الغرماء عن تفليسه، ومن المدونة قال مالك: إذا أراد واحد من الغرماء تفليس الغريم وحبسه، وقال بعضهم: ندعه حبس لمن أراد حبسه إن تبين لدده. نقله المواق. وقرر المص أيضا على أن الضمير في طلبه عائد على التفليس وهو حينئذ من إضافة المصدر لمفعوله، ويكون قوله: "دينا" مفعولا لأجله على حذف مضاف؛ أي فلس بسبب طلب بعض الغرماء تفليسه لأجل إرادة دين؛ لأن المفعول لأجله إنما يكون مصدرا قلبيا وهذا أصرح بالمراد؛ لأن التفليس إنما يكون بطلب التفليس ولا يلزم مِن طلب الدين طلبُ التفليس. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 5972
وقوله: "وإن أبى غيره" أي وكذا لو سكت وإذا فلس للبعض فللآخرين محاصة القائم؛ لأن تفليسه لواحد تفليس للباقين، قال التتائي: إلا أن يقدم الغرماء من طلب ذلك في المال الموجود أو من أموالهم فلا يفلس. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: وفهم من قوله: "بطلبه" أنه لا يكون للقاضي تفليس المدين إلا بطلب الغريم، وأنه لو أراد المدين تفليس نفسه لم يكن له ذلك، قد اختلفت الشافعية هل له ذلك أم لا؟ قاله في التوضيح. وفهم من إفراد الضمير في "طلبه" وفي "أبى غيره" أنه لو طلب التفليس واحد من الغرماء فأكثر كان له وهو كذلك. قال في أوائل التفليس من المدونة: وإذا قام رجل واحد على المديان فله أن يفلسه كقيام الجماعة. انتهى.
وقال الشارح عند قوله: "وإن أبى غيره" ما نصه: إلا أن يقدمه الغرماء في المال الموجود أو يدفعوا له دينه. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: "بطلبه وإن أبى غيره" ما نصه: وفهم من هذا الشرط أنه لا يفلس نفسه نعم له طلب الحكم بتقسيط الدين بقدر وسعه بعد ثبوت عسره وحلفه عليه وإن لم يطلبه غريم. انتهى. حل يعني أن الدين الذي يفلس لأجله المدين بطلب رب الدين له لابد أن يكون حالا أصالة أو بانتهاء أجله، فلا يفلس بمؤجل. وقوله: "فلس" ذكر المص لذلك ثلاثة شروط. أحدُهَا قوله: "بطلبه"، ثانِيهَا: قوله "دينا حل"، ثَالِثُهَا: قوله: زاد على ماله الضمير في "زاد" للدين، وفي "ماله" للمدين؛ أي إنما يفلس بشرط أن يكون هذا الدين الحال زائدا على مال المدين.
أو بقي ما لا يفي بالمؤجل أي إنما يفلس بشرط أن يكون هذا الدين الحال زائدا على مال المدين أو يبقى من مال المدين بعد وفاء الحالّ ما لا يفي بما عليه من الدين المؤجل وصورة ذلك أن يكون عليه دين حال ودين مؤجل، وإذا قضى المدين الدين الحال لم يبق ما يفي بالمؤجل أي ما لا يرجى بتحريكه أنه يفي بالمؤجل عليه، فإنه يفلس عند اللخمي. قال عبد الباقي: كمن عليه مائتان إحداهما حالة والأخرى مؤجلة ومعه مائة وخمسون، فالباقي بعد وفاء المائة الحالة لا يفي بالدين المؤجل فيفلس ولو أتى بحميل، وأحرى إن لم يبق للمؤجل شيء.
وقال المازري: إذا كانت الديون مؤجلة لم يفلس بها، قال المواق: فانظر هذا أي ما للمازري مع كلام خليل، أي انظر لم تبع اللخمي دون المازري وبقي عليه شرطان أيضا، أن يتبين لدده، وأن
стр. 5973
لا يدفع لطالب التفليس حميلا بماله وإلا لم يفلس، فإن قلت: الغائب لا يتصور فيه تبين اللدد، قلت: هو مظنة اللدد حيث لم يعلم ملاؤه حال سفره. انتهى كلام عبد الباقي. وقال البناني عند قوله: "زاد على ماله": التوضيح: ذكروا هنا صورا، الأُولَى: أن يكون به وفاء دينه الحال والمؤجل فهذا لا يفلس، الثَّانِيَةُ: أن ينقص ما بيده عن الحالِّ فلا إشكال أنه يفلس، الثَّالِثَةُ: أن يكون بيده مقدار الحالِّ فقط فللقرويين في تفليسه قولان، الرَّابعَةُ: أن يكون بيده مقدار دينه الحال ويفضل عن ذلك فضلة إلا أنها لا تفي بالمؤجل الذي عليه، فذكر اللخمي أن المعروف أنه يفلس. وفي الموازية أنه لا يفلس وليس بحَسَنٍ.
وقيد اللخمي ما في الموازية بأن تبقى بيده فضلة يعامله الناس عليها ويتاجره الناس بسببها ويرجى من تنميته لها ما يُقضَى به الديون المؤجلة، وإذا كان المعروف في هذه المسألة أنه يفلس فتفليسه إذا لم يكن بيده إلا مقدار الحالِّ أولى. انتهى. وظاهر ابن عرفة أن تقييد اللخمي هو المذهب ولعله توفيق بين القولين، ومقابلته في هذه الصور الحالَّ بالمؤجل تدل على أن المراد بالحال ما يشمل دين الطالب وغيره، خلاف ما قيد به الزرقاني تبعا للتتائي، ويدل لذلك أيضا قول المص: "أو بقي ما لا يفي بالمؤجل"، ولا دليل له في كلام ابن محرز. فتأمله. ونص ابن عرفة بتقرر التفليس بتوجه طلب في دين المدين، بأزيد مما يملكه المدين فإن كانوا جماعة فواضح فإن طلبه أحدهم دونهم ودينه أقل من مال المدين فكذلك. انتهى. وهو صريح فيما قلناه، وقول الزرقاني: فيفلس ولو أتى بحميل. اعلم أنه إن كان بيده ما يفي بالدين الحال ويبقى ما لا يفي بالمؤجل ولا يرجى بتحريكه وفاء فهذا يفلس كما قاله المص على المعروف من المذهب كما تقدم.
واختلف هل يحل عليه المؤجل، ذكر ابن عرفة فيه أربعة أقوال ونصه في حلول المؤجل بتفليسه، ثَالِثُهَا: إن لم يات بحميل به، وَرَايعُهَا: إن لم يكن عرضا الأول للمعروف، والثاني لقول السيوري فيه وفي الميت، والثالث للخمي، والرابع لسحنون. انتهى. فلم يقل اللخمي في هذا: لا يُفلس إن أتى بحميل، بل قال: لا يحل المؤجل ونصه كما في ابن عرفة. اللخمي: القياس إن أتى المفلس بحميل أن يبقى ما عليه لأجله لأن تعجيله إنما هو خوف أن لا يكون له عند الأجل شيء انتهى وأما قول المازري: لا يفلس فهو فيما إذا كانت الديون كلها مؤجلة. انتهى. وقول
стр. 5974
عبد الباقي: وبقي عليه شرطان لخ غير صحيح، فأما الأخير منهما فلا إشكال في عدم صحته وفي نقل البناني ما يرده، وأما الأول فأجيب بأن المواق نقله عن المدونة ولا شاهد فيما للمواق عن المدونة؛ لأن شرط اللدد فيها إنما هو لسجنه لا لتفليسه ولذلك لم يذكره فيها حين ذَكَرَتِ التفليسَ فقط.
قال في أوائل كتاب التفليس منها: وإذا قام رجل واحد على المديان فله أن يفلسه كقيام الجماعة. اهـ. ثم قال في الباب بعده: وإذا أراد واحد من الغرماء تفليس الغريم وحبسه، وقال الباقون: دعه يسعى حبس لمن أراد حبسه إن تبين لدده. انتهى. وكلام ابن يونس أوضح في الدلالة لما قلناه، فإنه قال: قال مالك ﵀: فإذا قام رجل واحد بالمديان فله تفليسه، كقيام الجماعة ويبيع الإمام ما ظهر له فيوزعه بين غرمائه بالحصص ويحبسه فيما بقي إن تبين لدده، وقال أيضا: قال ملك: وإذا أراد واحد من الغرماء تفليس الغريم وحبسه، فقال الباقون دعه يسعى حبس لمن أراد حبسه إن تبين لدده. انظر الرهوني. وفيه ما نصه: زاد في المدونة متصلا بما قدمناه عنها من قولها: حبس لمن أراد حبسه إن تبين لدده ما نصه: ثم إن شاء الآخرون محاصة القائم في ماله فذلك لهم، ثم لهم قبض ما نابهم وإيقافه بيده، فإن أقروه بيده لم يكن للقائم أن يأخذ منه شيئا في بقية دينه إلا أن يربح فيه أو يفيد فائدة من غيره فيضرب في الربح أو الفائدة للقائم بما بقي له، وهؤلاء بما بقي لهم بعد الذي أبقوا بيده؛ لأنهم فيما ردوا إليه كمن عامله بعد التفليس فيكون من عامله آخرا أولى بما بيده بقدر ما داينوه ثم يتحاصون مع القائم في الربح أو الفائدة كما وصفنا. انتهى.
تنبيه قد مر قول البناني: الرَّابعَةُ أن يكون بيده مقدار دينه الحال ويفضل عن ذلك فضلة إلا أنها لا تفي بالمؤجل الذي عليه، فذكر اللخمي أن المعروف أنه يفلس، وفي الموازية أنه لا يفلس وليس بحسن، وقيد اللخمي ما في الموازية بأن تبقى بيده فضلة يعامله الناس عليها ويتاجره الناس بسببها، ثم قال: وظاهر ابن عرفة أن تقييد اللخمي هو المذهب ولعله توفيق بين القولين. انتهى. قوله. وظاهر ابن عرفة أن تقييد اللخمي لخ، قال الرهوني: فيه نظر، ثم قال عن ابن عرفة: وما ذكره اللخمي استثناء ذكره المازري على أنه تأويل لبعض الأشياخ وهو بناء على أحد
стр. 5975
قولي الأشياخ في تفليس من بيده قدر ما حل عليه فقط. انتهى. فتسليمه أن ذلك مبني على ما ذكر يدل على أن المذهب خلافه، مع أن اللخمي قد جزم بأن ما في الموازية مقابل، وأن المعروف من المذهب خلافه كما نقله البناني نفسه عن التوضيح، ونحوه للمتيطى ثم قال مفسرا لكلام اللخمي ما نصه: والمعنى أن ما في الموازية مع كونه مقابلا ليس بحسن إلا أن يحمل على ما ذكر فيكون حسنا إذ ذاك مع اعترافه بكونه مقابلا، ثم هذا الذي استثناه اللخمي هو عين ما لابن محرز، وليس بظاهر إلا لو قلنا إنه يجبر على تحريكه والتجر به، وقد علمت ما قاله البناني عند قوله: "لا بعضه أو رهنه" وبذلك كله تعلم ما في تنظير المواق في كلام المص بما لابن محرز. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وكلام المواق الذي أشار إليه هو قوله: تقدم نص ابن محرز لا يفلس إلا أن يغترق ما حل ما بيده ولم يفضل عنه إلا يسير لا يرجى في حركته به أداء حقوق الآخرين فانظره مع هذا. انتهى كلام المواق.
فمنع من تصرف مالي هذا شروع منه ﵀ فيما يترتب على الحجر من منعه من التصرف المالي، ومعنى كلام المص أن المفلس بالمعنى الأعم يمنع من التصرف المالي كالبيع والشراء والكراء والاكتراء وأحرى التبرع، قال الحطاب مفسرا للمص: يعني بسبب الحكم بتفليسه يمنع من التصرفات المالية، قال في المقدمات: وأما بعد التفليس فلا يجوز له بيع ولا شراء ولا أخذ ولا عطاء. انتهى. وقال الشارح في حل كلام المص لهذه القولة: ولا يبيع بمحاباة. انتهى. فتقييده بالمحاباة ليس بظاهر لأن المذهب منعه من البيع والشراء مطلقا، ودخل في قوله: تصرف مالي النكاح ونص عليه في المدونة. انتهى.
وقال ابن الحاجب وابن شأس: وإذا التمس الغرماء أو بعضهم الحجر على من ينقص ماله عن دينه الحال حجر عليه، وللحجر أحكام منها منع التصرف في المال الموجود، وفي المواق عن ابن رشد: أما بعد التفليس فلا يجوز له في ماله بيع ولا شراء ولا أخذ ولا إعطاء، ولا يجوز إقراره بدين في ذمته لقريب ولا بعيد. انتهى. نقله البناني.
وقال عبد الباقي عند قوله "فمنع من تصرف مالي" ما نصه: كبيع وشراء وكراء واكتراء ولو بغير محاباة، وما في الشارح من التقييد بالمحاباة فيه نظر؛ لأن المحاباة من التبرع وهو يمنع منه
стр. 5976
بمجرد الإحاطة كما قدمه المص: ثم إذا وقع منه التصرف المالي لا يبطل خلافا لابن عبد السلام، بل يوقف على نظر الحاكم ردا وإمضاء كما نقله ابن عرفة، أو على نظر الغرماء كما نقله الشارح. انتهى. وقال ابن الحاجب: وفي معاملته ثَالِثُهَا بالنقد لا بالنسيئة ورَابعُهَا بما يبقى لا بما يذهب. انتهى. قال ابن عرفة: من أمعن النظر والبحث علم بالضرورة عدم وجود هذه الأقوال في المذهب، وكل المذهب على وقف تصرفه على نظر الحاكم ردا وإمضاء، وهذا هو الذي نقله اللخمي والمازري وابن رشد وغيرهم من حفاظ المذهب. فاللَّه تعالى أعلم. من أين أتى هذا الرجل بهذه الأقوال. انتهى.
وقول عبد الباقي: أو على نظر الغرماء لخ قال البناني: هذا هو الذي نقله في الجواهرة ووفق الأجهوري بينه وبين ما لابن عرفة بأن الرجوع للحاكم عند عدم اتفاق الغرماء. انتهى. وقوله: فمنع من تصرف مالي يريد في المال الموجود في يده كما قال ابن الحاجب في المال الموجود احترازا مما لم يوجد، فإنه لا يمنع كالتزام عطية شيء إن ملكه إلا أن يملكه ودينهم باق عليه فلهم حينئذ المنع. انظر الحطاب.
لا في ذمته يعني أن المفلس لا يمنع من التصرف في ذمته ويشير بهذا إلى قول ابن الحاجب: "وتصرفُه شارطا أن يقضي من غير ما حجر عليه فيه صحيحٌ"، قال ابن عبد السلام: كما لو اشترى شيئا على أن يدفع ثمنه من غير المال الذي حجر عليه فيه، ولو قيل لا يحتاج إلى ذلك الشرط لأن الحكم يقتضيه لَمَا بعُد. انتهى. انظر الحطاب.
وهذا الذي قررت به المص هو الصواب دون ما قرره به عبد الباقي وإن كان ما قرره به عبد الباقي، صحيحا في نفسه لكن لا يقرر به المص. واللَّه تعالى أعلم.
كخلعه يعني أن المفلس لا يحجر عليه في التصرف غير المالي كما لو خالع رجل مفلس زوجته لأنه تصرف بغير متمول وهو العصمة فكان كالعدم، وهو تشبيه بقوله: "لا في ذمته" أو مثال لمفهوم "مالي"، وأما المرأة المفلسة فلا يصح خلعها لأنه تصرف مالي، بمعنى أن ما خالعت به يرد وتبين، وقد قال في الخلع: "لا من سفيهة وصغيرة ورد المال وبانت"، فالرشيدة المحجور عليها للدين تمنع من خلعها ويرد المال وبانت. انظر شرح الشيخ عبد الباقي.
стр. 5977
قال البناني مصححا لكلام عبد الباقي: ظاهر ابن يونس أو صريحه أن خلع المرأة المفلسة كتزوج الرجل المفلس، ونصه: ومن المدونة وما دام قائم الوجه فإقراره بالدين جائز، وله أن يتزوج فيما بيده من مال ما لم يفلس، وكذلك المرأة تخالع زوجها بمال والدين محيط بها. انتهى. وقوله: "كخلعه" قال عبد الباقي: ظاهره ولو جعل مخالعته لغيره. انتهى. قال الرهوني: مراده واللَّه تعالى أعلم أن يقول: إن أعطيت فلانا كذا طلقتك، وأما إذا خالعها على شيء لنفسه ثم أعطاه لغيره فهو من التبرع قطعا. انظر التاودي. ويشهد له ما يأتي في التي بعدها. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
وطلاقه يعني أن المفلس لا يحجر عليه في طلاقه، فإذا طلق زوجته نُفِّذَ طلاقه لأنه تصرف غير مالي، قال المواق: قال ابن شأس: تصرف المفلس في غير المال كطلاقه وخلعه واستيفاء القصاص وعفوه واستلحاق النسب ونفيه بلعان وقبول الوصية صحيح. انتهى. وقال عبد الباقي: وطلاقه لا فيه من تخفيف مؤنة عليه والصداق المؤخر منه حال تحاص به الغرماء. انتهى.
وقصاصه يعني أن المفلس لا يمنع من أن يقتص ممن وجب له عليه القصاص لأنه تصرف في غير مال، وعفوه يعني أن المفلس لا يحجر عليه في عفوه بمعنى أن له أن يعفوَ عمن ثبت له عليه قصاص، قال عبد الباقي: وعفوه عن قصاص أو حد بغير شيء أو على مال ولو دفعه لغير الغرماء وهذا في [جرح] (١) عمد ليس فيه شيء مقرر، وإلا فله منعه من عفوه. انتهى. قوله: أو على مال ولو دفعه لغير الغرماء ظاهره أنه دفعه لهم بعد أن صالح به لنفسه وليس كذلك، فيجب قصره على أنه قال: إن دفعت لفلان كذا عفوت عنك، ففي كتاب الصلح من المدونة ما نصه: ولو صالح من ذلك أو من جرح عمد يخاف منه موته على مال ثبت الصلح، ثم حط المال بعد ذلك لم يجز ذلك إن أحاط الدين به، فإن لم يكن عليه دين كان ذلك في ثلثه. انتهى. منها بلفظها. ومثله لابن يونس عنها. انتهى. قاله الرهوني. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 5978
وعتق أم ولده يعني أن المفلس لا يحجر عليه في عتق أم ولده، فإذا أعتقها نفذ عتقه وهذا في أم ولده التي استولدها قبل الحجر عليه لا بعده فيرد عتقها، وأما قول عبد الباقي: وعتق أم ولده التي استولدها قبل التفليس الأخص ولو بعد الأعم. انتهى. فقد قال عليه الرهوني: انظر من قال هذا، والذي في التوضيح هو ما نصه: وهذا مقيد بأم الولد التي أولدها قبل الحجر، وأما لو أولدها بعده فيرد عتقها لأنها تباع إذا وضعت دون ولدها. انتهى منه بلفظه. ولا شك أن الحجر عليه يحصل بالأعم. انتهى.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: هذا مبني منه على ما قدمه من أن التفليس الأعم هو إحاطة الدين، وقد مر أن ذلك غير صواب. واللَّه تعالى أعلم. وقال الرهوني: في الخرشي أن لهم رد عتقها إذا أولدها بعد إحاطة الدين وهو غير صحيح كما يؤخذ من كلام التوضيح، وصرح به ابن هشام في المفيد ونصه: وللغرماء أن يردوا عتق من أحاط الدين بماله وصدقته وهبته، إلا أنه إن أحبل أمة من إمائه لم يكن لهم إلى بيعها سبيل. انتهى.
وتبعها مالها إن قل يعني أن المفلس إذا أعتق أم ولده المذكورة فإنه يتبعها مالها إن كان مالها قليلا، وأما إن كان كثيرا فلا يتبعها، وقال الحطاب: قال ابن الحاجب: وفي اتباعها مالها إذا لم يكن يسيرا قولان، قال في التوضيح: يعني إذا فرعنا على المشهور من إمضاء العتق، فإن لم يستثن السيد مالها فلمالك في الموازية: يتبعها لأن السيد باعتبارها غير مفلس، وقال ابن القاسم: لا يتبعها إلا أن يكون يسيرا. انتهى. وقد صدر في الشامل بقول مالك فقال: ويتبعها مالها إن لم يستثنه، وقال ابن القاسم: إن قل. وكان ينبغي للمص أن يمشي على قول مالك لأنه هو المناسب لقوله بعد هذا أنه لا يلزم بانتزاع مال أم ولده. واللَّه أعلم. انتهى كلام الحطاب.
وقال الرهوني: ولعل المص اعتمد قول ابن القاسم لاختيار اللخمي له، لكن في عتق السفيه أم ولده لا في المفلس والمحلان سواء. انتهى المراد منه. وقال الشارح: واختلف في إعتاقه أم ولده، فأمضاه ابن القاسم في المدونة ورده المغيرة في كتاب ابن سحنون، وقال: ليس كطلاقه لزوجته بل هي كرقيقه لانتفاعه بها، ومنشأ الخلاف هل هي كالزوجة إذ ليس له فيها إلا الاستمتاع؟ أو كالأمة لأن فيها شائبة من الرق ولأن للسيد أرش ما جني عليها؟ وهذا فيمن أولدها قبل الحجر. وأما لو
стр. 5979
أولدها بعده فإن عتقها يرد لأنها تباع إذا وضعت دون ولدها. انتهى. وقوله: "وتبعها مالها إن قل" إنما لم يكن للغرماء رد عتقها، وكان لهم رد مالها إن كثر لأن الغرماء لا منفعة لهم في ردها بخلاف مالها.
وحل به وبالموت ما أجل يعني أنه يحل بالتفليس وبالموت أي بتفليس المدين الأخص ما كان مؤجلا عليه، وكذا يحل بموت المدين ما كان مؤجلا عليه، قال عبد الباقي: وحل به أي بالفلس الأخص لا قيام الغرماء ولو مع تمكينه إياهم من المبيع والقسم وبالموت للمدين ما أجل عليه من المدين لخراب ذمته فيهما، ولو طلب بعض الغرماء بقاء دينه مؤجلا لم يُجَبْ لذلك، ويستثنى من كلامه أمران: أحَدُهما اشتراط عدم حلوله بما ذكر. ثَانِيهِمَا أن لا يقتل رب الدين المدين عمدا فلا يحل دينه، والشرط الأول عام في الفلس والموت، والثاني خاص بالموت، فالأول مقيد بقيد والثاني بقيدين، وأما موت من له المدين أو فلسه فلا يحل به دينه، وينبغي إلا لشرط حيث كان الشرط بعد عقد البيع، فإن وقع في صلبه فالظاهر فساد البيع لأنه آل أمره إلى البيع بأجل مجهول. انتهى. كلام عبد الباقي.
قوله: فالأول مقيد بقيد والثاني بقيدين، مراده بالأول الفلسُ وبالثاني الموت، والقيد في الأول أن لا يشترط عدم حلوله والقيدان في الثاني هذا وأن لا يقتل رب الدين المدين عمدا، وما جزم به من أن هذا الشرط مؤثر فيه نظر، بل الذي يفيده كلام ابن عرفة أن شرط ذلك في عقد البيع لا يجوز ويفسد به العقد، ولو تطوع به بعد العقد بطل الشرط وصح البيع. وأفتى ابن سراج بأنه لا يفسد البيع بالشرط المذكور، بل يصح البيع ويبطل الشرط، وما قاله عبد الباقي خارج عن القولين فلا يعول عليه. انظر الرهوني. فقد ذكر هذين القولين في مسألة الموت، والظاهر أنه لا فرق بين الموت والفلس في ذلك كما يفهم من كلام الرهوني.
ولو دين كراء يعني أن المكتري إذا فلس أو مات، فإن ما عليه من دين الكراء يحل وهو مأخوذ من قوله في المدونة: فصاحب الدابة أولى بالمتاع من الغرماء، ومن قوله: من اكترى أرضا فزرعها ثم فلس فإن صاحب الأرض يحاص الغرماء بالكراء، وحكى بعضهم عن عبد الوهاب أنه نص
стр. 5980
على ذلك في شرح الرسالة، وكذا حكاه عن المبسوط. المازري: ولم أقف على هذا النقل في هذين الكتابين، ولكن عندي أن المسألة كالمنصوص فيها على قولين. انتهى المراد منه. قاله الشارح.
وقال عبد الباقي: ولو كان الدين المؤجل على المكتري المفلس أو الميت دينَ كراء كدار أو دابة أو عبد وجيبة لم تستوف فيها المنفعة، فيحل بفلس المكتري وموته ويأخذ المكري عين شيئه في الفلس، ثم إن لم يستوف شيئا من منفعته فلا شيء له كما هو ظاهر، فإن أخذ الأجر رده وإن لم يرد أخذ عين شيئه في الفلس، بل أراد بقاءه حاص بأجره حالًّا وإن استوفى بعض منفعته حاصَّ بها كما يحاص في الموت، ويأخذ منابه بالحصاص معجلا كما هو مفاد المص حيث بالغ على حلوله، ونحوه في المدونة وهو المشهور كما في شرحها، خلافا لقول ابن رشد: يحاص به ويوقف منابه بالحصاص، فكلما استوفي شيء من المنعفة أخذ المكري ما ينوبه مما وقف، ويخير في فسخ ما بقي في الفلس ولا يحمل قوله: "ولو دين كراء" على ما إذا استوفيت المنفعة المقابلة للكراء، ولا على ما إذا وجب تعجيل الكراء بشرط أو عرف؛ لأنه لا يقال في ذلك حل به وبالموت ما أجل، وتقييدنا الكراء بالوجبية ظاهر ليكون الكراء لازما لا يفسخ عقده بموت أحد المتعاقدين؛ إذ لو كان مشاهرة لم يكن لازما، فلا يتأتى فيه قوله: "وحل به وبالموت ما أجل". انتهى.
قوله: وجبية لم تستوف فيه المنفعة لخ هذا هو محل الخلاف، وما حمله عليه هو ظاهر المذهب وهو ظاهر المدونة أيضا، وصرح به أبو الحسن، ومقابله اختيار ابن رشد في المقدمات والنوازل. انظر التوضيح ومصطفى. وما في الخرشي من تقييد المص بالاستيفاء غير ظاهر، ولا مخالفة بين ما هنا وما يأتي من قوله: "وأخذ المكري دابته وأرضه"؛ لأن المراد به أن له أخذهما من المفلس إن شاء، لا أنه يتعين الفسخ قبل الاستيفاء كما فهمه المواق. قاله البناني.
وقال الخرشي عن الأجهوري: والحاصل أن الكراء المؤجل حيث استوفي ما يقابله من المنفعة فإنه يحل بالموت والفلس قطعا، وإن استُوفِيَ بعض ما يقابله منها أو لم يُستَوفَ منها شيءٌ فهل يحل كراء ما لم يستوف أيضا بالموت والفلس وهو المشهور كما ذكره أبو الحسن، لكن حلوله بالفلس معناه إن أراد المكري المحاصَّة، وأما إن أراد الرجوع في عين شيئه فله ذلك فيرجع في عين شيئه كله إن لم يستوف شيئا من المنفعة، وإن استوفى بعضها حاصَّ بما يقابل ما استوفى منها،
стр. 5981
ويخير فيما لم يستوف بين الرجوع فيما بقي من المنفعة والمحاصة فيما ينوب ما بقي من الكراء أو لا يحل، ولكن له المحاصة بجميع الكراء ويوقف ما ينوبه، وكلما استوفي شيء من المنفعة أخذ المكري ما ينوبه مما وقف وهو ما ذكره ابن رشد في المقدمات، وله الرجوع في عين شيئه في الفلس. انتهى.
وعلم مما مر أن المصنف رد بالمبالغة على ابن رشد. واللَّه تعالى أعلم. وقال الحطاب: قال في التوضيح: لو قال بعض الغرماء لا أريد حلول عروضي، وقال المفلس: بل حكم الشرع بحلول ما علي ولا أوخرها فالقول للمفلس، ويجبر المفلَّسُ المستحِقَّ على أخذها. قاله في الموازية والعتبية. واعترضه اللخمي بأن الحلول إنما كان لحق رب السلع، فينبغي أن يكون القول له في التأخير. انتهى. وقال في التوضيح أيضا: ولو قالت الورثة نحن نأتي بحميل ملي ونؤدي عند الأجل ومكِّنونا من قسم التركة كلها لم يكن لهم ذلك. قاله ابن نافع في المبسوط. قاله الحطاب. وقال الشارح: وما ذكره المص في الموت هو المشهور خلافا للسيوري في قوله إن المؤجل لا يحل به وأحرى على قوله: "المفلس". انتهى.
أو قدم الغائب مليا عطف على المبالغ عليه يعني أن الغائب إذا فلس ثم بعد أن فلس قدم مليا فإن ذلك حكم لا ينقض فيحل ما كان مؤجلا عليه وهذا ظاهر قول أصبغ، وقيل: لا يحل ما كان مؤجلا عليه لأنه حكم تبين خطؤه ولا يرد ما قبض من دينه قبل الأجل اتفاقا، قال الخرشي موضحا للمص: فإذا فلس الغائب وحكم الحاكم بحلول ما عليه من المدين المؤجل ثم قدم مليا فإن الحكم لا ينقض ولا يرد لأجله؛ لأن الحاكم حكم وهو مجوز لما ظهر، وبدليل أن من قبض شيئا من دينه قبل أجله لا يرده اتفاقا، فكذا ما بقي، وقيل لا يحل ما بقي لكشف الغيب عن خلاف ما ظنه هو كحكم تبين خطؤه في نفس الأمر واختاره بعض المحققين. انتهى. وقال البناني عند قوله: "أو قدم الغائب مليا" ما نصه: هذا ظاهر قول أصبغ، ومقابله اختيار بعض القرويين قال: لأن الغيب كشف خلاف ما حكم به فصار كحكم تبين خطؤه، قال في التوضيح: قال ابن عبد السلام: والأول أقرب لأن الحاكم حين قضى بالمحاصة كأنه مجوز لما قد ظهر الآن، وأيضا فهو
стр. 5982
حكم واحد وقد وقع الاتفاق على أن من قبض شيئا من دينه المؤجل لا يرد ذلك أي إذا قدم مليا فكذلك ما بقي. انتهى. انتهى.
وإن نكل المفلس حلف كلٌّ كهو يعني أنه لو قام للمفلس شاهد بحق ونكل عن الحلف معه، فإن كلا من غرمائه يحلف مع الشاهد المذكور كما يحلف المفلس لو حلف، أي يحلف كل أن جميع ما شهد به الشاهد حق؛ لأن كل واحد ينزل منزلته ولا يحلف كل على منابه فقط، ومن حلف منهم الحلفَ المذكورَ أخذ حصته فقط من المدين بنسبة قسمة الديون كما يأتي. ولو حلف بعضهم ونكل غيره أي غير البعض الحالف فلا يستحق الحالف إلا قدر نصيبه فقط مع حلفه على الجميع. هذا قول ابن القاسم. واختاره ابن أبي زيد.
وإلى اختيار ابن أبي زيد أشار بقوله: على الأصح، وقال محمد بن عبد الحكم: يأخذ جميع حقه، وعلى الأول الذي هو قول ابن القاسم يسقط حق الناكل بعد يمين المطلوب، فإن نكل غرم بقية ما عليه لأن النكول كشاهد ثانٍ واقتسمه جميع الغرماء من نكل ومن حلف، فيأخذ حصة بالحلف وحصة بالحصاص مع الناكلين. قاله عبد الباقي. قوله: واقتسمه جميع الغرماء لخ، قال البناني: هذا هو الظاهر، خلاف قول الخرشي يختص به الناكل. انتهى. قال عبد الباقي: وإذا طلب من نكل من الغرماء العود لليمين ففي تمكينه قولان الأظهر عدمه كما يأتي آخر الشهادات. وشمل قوله: "إن نكل المفلس" ما إذا وجبت يمين عليه في وفاء دين كان عليه لبعض الغرماء أو غيرهم قام له بالوفاء شاهد ونكل عنها فيحلف غرماؤه أيضا على الراجح، وما إذا ردت عليه أو توجهت عليه لمن ادعى عليه حقا ونكل عنها أو لاستظهار، كأن شهدت له بينة على ميت مثلا أو لقسامة في خطإ، ولكن لا يجري قوله: وأخذ حصته ولو نكل غيره في الصورتين الأوليين من هذه الصور، ومثل المفلس الميت، ويبدأ الورثة بالحلف إن كان في الدين فضل عن الغرماء وإلا بدأوا بالحلف على الأرجح، وإذا امتنع الورثة من الحلف في القسم الأول حلف الغرماء وأخذوا دينهم، وللورثة العود للحلف ليأخذوا الفاضل إن اعتقدوا عدم فضل شيء حال نكولهم قبل وعلم صدقهم بقرينة وإلا لم يمكنوا منه، قال التتائي: وإذا كان في الغرماء صغير
стр. 5983
فهل يحلف أو وليه أو يوقف لبلوغه؟ أقوال. انتهى. والمذهب الثالث، ومفهوم المفلس أن المدين غير المفلس ليس لغرمائه حلف عند نكوله. انتهى. كلام عبد الباقي.
قوله: وما إذا ردت عليه اليمين أي كما إذا لم يكن له بالوفاء إلا مجرد الدعوى، فتعلقت اليمين بالمدعى عليه فردها على المفلس، وقوله: أو توجهت عليه لخ إنما يحتاج الغرماء إلى الحلف في هذا. واللَّه تعالى أعلم. إذا كانت ديونهم ثابتة بالإقرار لا يأتي بعد وقوله: ولكن لا يجري قوله وأخذ حصته في الصورتين الأوليين لخ، بل يجري في الجميع إلا أنه في دعوى الدين يكون الأخذ حقيقيا وفي دعوى الوفاء يكون حكميا، ومعناه سقطت حصة الحالف ولو نكل غيره، وقوله: أو يوقف لبلوغه يعني بعد حلف المدعى عليه، فإن نكل غرم بنكوله مع الشاهد، والأقوال الثلاثة ذكرها في التوضيح ونصه: فإن كان في الغرماء محجور عليه فهل يحلف المحجور عليه أو وصيه، أو لا يمين على واحد منهما، أو يؤخر إلى رشده، في المذهب؟ ثلاثة أقوال للأندلسيين.
وحكاها في المتيطية في المرأة المولَّى عليها تقوم بكالئها، قال: والمشهور أنها هي التي تحلف، وأفتى ابن عتاب بأن اليمين توقف عنها حتى تخرج من الولاية. انتهى. ذكر ذلك عند قول ابن الحاجب: ويباع بحضرة المفلس بالخيار لخ. وقوله: فهل يحلف المحجور عليه أو وصيه؟ هذا قول واحد وبه تعلم ما في كلام الزرقاني. فتأمله قال جميعه البناني.
فرع: إذا ادعى الغريم أنه لا مال له، فأقام الطالب بينة على دار أو عرصة أنها ملكه، فقال ابن فرحون في آخر التبصرة في فصل مسائل المديان: مسألة في بيع ملك الغريم وفي المتيطية: وإذا أثبت الطالب مالا للغريم تعينه البينة وقف الغريم على ذلك، فإن أقر بذلك المال أمره الحاكم ببيعه وقضاء دينه، فإن أبى ضيق عليه بالسجن والضرب حتى يبيع ولا يبيعه القاضي كبيعه على المفلس لأن المفلس ضرب على يده ومنع من ماله، فلذلك بيع عليه وهذا بخلافه، وقال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن: وإن أنكر الغريم الملك وعجز عن الدفع في شهادة من شهدا
стр. 5984
بالملك، فقال بعض الموثقين: عندي أنه يبيعه عليه ولا يضطره إلى بيع ما [ينتقى] (١) منه. انتهى نقله الحطاب.
وقبل إقراره بالمجلس أو قربه يعني أن المفلس الأعم أو الأخص يقبل إقراره بدين في ذمته لمن لا يتهم عليه زيادة على ما عليه من الدين، هذا إذا أقر بالمجلس الذي حجر عليه فيه، أو قام عليه غرماؤه فيه، أو بقرب ذلك المجلس بالعرف وهذا إذا كان الدين السابق لإقراره هذا ثابتا بالإقرار، كما قال: إن ثبت دينه بإقرار أي إن ثبت دينه الذي حجر عليه فيه بإقرار، لا إن ثبت عليه ببينة فلا يقبل إقراره لغيرهم لإدخاله به نقصا على من ثبت دينه ببينة. قال عبد الباقي: وهذا حيث كانت الديون الثابتة ببينة تستغرق ما بيده، وأما إن لم تستغرق ما بيده فإن إقراره يفيد بلا نزاع، وكذا لو كانت تستغرق وعلم تقدم معاملته على الأرجح. انتهى.
قوله: وعلم تقدم معاملته على الأرجح غير صحيح، بل المذهب خلافه، وما قاله عبد الباقي قول ابن ميسر، وقوله: وأما إن لم تستغرق ما بيده فغير ظاهر؛ لأنه إن لم تكن عليه ديون فهذا لا يفلس كما تقدم، وإن كان عليه ديون غيرها بإقرار سابق فالظاهر أنه يدخل مع من ثبت دينه بإقرار فقط كما ذكره بعد، سواء استغرقت ديون البينة ما بيده أم لا. فتأمله. ونص ابن يونس: إن كان من له بينة لا يستغرق ماله فيجوز إقراره؛ لأن أهل البينة ليس لهم تفليسه. انتهى منه. فتبين به أن هذا خارج عن الموضوع وهو الإقرار بعد التفليس. واللَّه تعالى أعلم. قاله البناني. وقال ابن عرفة: وإقراره بعد الحجر عليه مقبول على من ليس دينه ببينة إن قارنه أو قاربه، وفي قبوله على من دينه ببينة كذلك ولغوه ثالثها: يقبل لمن علم تقدم تقاض منه. انظر عزوه. انتهى. قاله البناني.
وعزا في التوضيح القول الثالث لمالك في الموازية، فإنه قال: ولمالك في الموازية قول ثالث أن من أقر له المفلس إن كان يعلم منه إليه تعاطٍ ومداينة وخلطة حلف المقر له ودخل في الحصاص مع من له بينة. انتهى. وقول المص: "وقبل إقراره بالمجلس أو قربه إن ثبت دينه بإقرار لا ببينة"، قال
стр. 5985
عبد الباقي عنده ما نصه: وربما أشعر كلامه بأنه إذا كان بعضه ثابتا بإقرار وبعضه ببينة فلا يعمل بإقراره، وفي كلام ابن عرفة ما يفيد أنه يدخل مع من ثبت دينه بإقرار لا ببينة. انتهى.
وقال المواق: وعبارة المدونة قال مالك: من أقر لرجل قبل التفليس يريد أو وقت القيام عليه بمال فإنه يدخل مع من داينه ببينة، وإن أقر له بعد التفليس فلا يدخل فيما بيده من ماله، ويتحاص في هذا المال أهل دينه دون المقر له، فإن أفاد مالا بعد ذلك دخل فيه هذا المقر له حين التفليس، ومن بقي له من الأولين شيء لأن التهمة إنما كانت في المال الأول. انتهى. وعبارة ابن الحاجب يقبل إقراره في المجلس أو عن قربه ثم لا يقبل إلا ببينة. انتهى.
وهو في ذمته يعني أنه إذا أقر بعد المجلس بطول لمن لا يتهم عليه أو ثبت دينه ببينة، فإن ما أقر به يكون في ذمته فيحاص به فيما يتجدد له بكإرث: لا إن ادَّان فلا يدخل فيه قوله: وهو أي ما لم يقبل إقراره فيه، وقوله: "وهو في ذمته" راجع لفهوم قوله: "بالمجلس أو قربه"، ولقوله: "بلا بينة (١) ".
وقبل تعيينه القراض والوديعة يعني أنه يقبل تعيين المفلس القراض والوديعة، بمعنى أنه إذا قال هذا المال قراض وهذا وديعة عين ربهما أم لا فإنه يقبل منه ذلك، وإنما يقبل تعيينه القراض والوديعة بشرط أشار له بقوله: إن قامت بينة بأصله أي بأصل ما ذكر من القراض أو الوديعة، بأن تشهد بينة أنه عنده وديعة أو قراض أو أنه أقر قبل التفليس الأعم بأن عنده ذلك عينت ربهما أم لا عند ابن القاسم، قال عبد الباقي: ثم إذا عينه أي عين المفلس المقر له قبل تعيينه إياه من غير يمينه ولو لمن يتهم عليه لشهادة البينة بأصله خلافا لأصبغ، فإن لم يعين صاحبهما ولم يدعهما أحد فينبغي وضعهما ببيت المال على قاعدة المال الذي ضل صاحبه، ومفهوم الشرط بطلانه بالكلية إن لم تقم بينة بأصله ولا يبقى في ذمة المقر، وظاهره ولو ادعاه المقر له، ولعل الفرق بينه وبين المسألة السابقة من قوله وهو في ذمته أن فيها إقرارا في الذمة وهذا لمعين ولم يقبل منه وأعطى ما بيده للغرماء فلم يبق في ذمته. انتهى.
стр. 5986
تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي: وقبل تعيينه أي المفلس الصحيح ولو بالمعنى الأعم، ثم قال: واحترزنا بالصحيح عن المريض المفلس فإنه يقبل منه تعيينها لمن لا يتهم عليه وإن لم تقم بينة بأصله. انتهى. قوله: واحترزنا بالصحيح عن المريض لخ، قال البناني: نحوه في الخرشي وهو غير صحيح، قال الشيخ السناوي: وذلك غلط نشأ لهما من عدم فهمهما كلام التوضيح. انتهى. وذلك أنه لما ذكر في التوضيح الخلاف في تعيين المفلس القراض أو الوديعة، قال ما نصه: ابن يونس: ولم يختلف في المريض يقول هذا قراض فلان أو وديعته أنه يقبل إقراره إن لم يتهم عليه، وإن لم يكن على أصل ذلك بينة؛ أي لأن الحجر على المريض أضعف من الحجر على المفلس؛ لأن للمريض أن يشتري ما يحتاجه بخلاف المفلس. انتهى. ومراده المريض غير المفلس كما أفاده توجيهه، لا المريض المفلس كما توهماه فافهم. انتهى.
الثاني: قول عبد الباقي: وظاهره ولو ادعاه المقر له لخ، قال الرهوني: قال التاودي: هذا غير ظاهر، وما ذكره من الفرق غير كاف، وكيف لا يرجع المقر له على المقر في ذمته مع اعترافه بالشيء وقد انتفع به في قضاء دينه وسقوطه بسببه. انتهى منه بلفظه. وهو ظاهر. واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
الثالث: قال البناني: مفهوم قول المص: "تعيينه" لخ أنه إن لم يعين بأن قال "لفلان في مالي قراض كذا لم يقبل كما في ابن عرفة آخر القراض، ونصه: الصقلي عن ابن حبيب: ما عينه في المفلس فربه أحق به، وإن لم يعين شيئا فلا يحاص بذلك ربه الغرماء كما لا يصدق في المدين. كذا فسرد أصبغ. ونحوه في التوضيح هناك، وظاهر كلامهما أن ذلك فيما كان من القراض والوديعة بمجرد إقرار المفلس، أعني أقر بذلك ولم يعينه بدليل قولهما كما لا يصدق في الدين، وقد صرح بذلك ابن عرفة في التفليس ونصه: وفي المقدمات لو أقر بمعين كقوله هذا قراض لفلان أو وديعة ففي قبوله ثالثها: إن كان على أصلها بينة صدق في التعيين، ثم قال: ولم يعز ابن شأس الأول إلا لأصبغ، قائلا: لو لم يعين المقر به بطل لأنه إقرار بدين. انتهى.
فقوله: المقر به، وقوله لأنه إقرار بدين صريح في كون القراض والوديعة بالإقرار لا بالبينة أما لو كانا بالبينة فيحاص رب القراض والوديعة الغرماء كما في الموت، ففي العتبية من سماع أبي زيد
стр. 5987
بن أبي الغمر عن ابن القاسم من كتاب المديان الثاني ما نصه: وقال في رجل أعطي مالا قراضا فادان ديونا فأفلس: إن المقارِض فيما أعطاه إسوة الغرماء إلا أن يدرك من ماله شيئا بعينه فيكون أحق به، وقول المقارَض إن هذا مال فلان فلا يقبل قوله في ذلك. انتهى. قال ابن رشد في قبول قوله: إن هذا مال فلان خلاف. انتهى. من خط الشيخ ميارة ﵀. انتهى كلام البناني.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: تحصل من كلام البناني أنه لا فرق بين التعيين وعدمه، إلا أنه إذا عين يقبل تعيينه إن قامت بينة بأصله، وإذا لم يعين يكون إسوة الغرماء فيما إذا قامت بينة بالأصل، فإن لم تقم بينة بالأصل فلا شيء للمقر له من ماله الموجود في المسألتين. واللَّه تعالى أعلم.
الرابع: قوله: "وقبل تعيينه القراض والوديعة" لخ، قال الشارح: هذا القول هو مذهب ابن القاسم عند ابن شأس، قال: ولم يجزه أشهب إلا ببينة على التعيين ورواه عن مالك، وقال أصبغ: مقيد فيما عين من وديعة أو قرض كانا عينا أو عرضا، كان على أصله بينة أو لم تكن لأنه أقر بأمانة ولم يقر بدين إذا أقر لمن لا يتهم عليه بالتوليج إليه. انتهى.
الخامس: قال عبد الباقي عند قول المص: "وقبل تعيينه القراض والوديعة" ما نصه: كان بالمجلس أو قربه أو مع بعد كما في المواق وابن عرفة وابن يونس والغرياني، خلافا لتقييد الشارح له بالمجلس أو قربه. انتهى.
قوله: أو مع بعد كما في المواق لخ، قال البناني: الذي في التوضيح تقييده بالمجلس أو قربه، وليس في المواق ولا فيما نقل عن ابن يونس تصريح بالإطلاق ولا بالتقييد. انتهى. وقال الحطاب عند قول المص: "وقبل تعيينه القراض والوديعة" إن قامت بينة بأصله" ما نصه هذا إذا كان إقراره بذلك بعد التفليس، قال ابن سلمون: وأما قبل التفليس فجائز لمن لا يتهم بدين أو وديعة أو قراض أو شيء بعينه مع يمين المقر لهم، وقيل بلا يمين. انتهى.
والمختار قبول قول الصانع بلا بينة يعني أنه اختلف إذا فلس شخص من أرباب الصنائع فعين شيئا، أنه لفلان على ثلاثة أقوال: الأوَّلُ لابن القاسم أنه يقبل إقراره لمن أقر له وإن لم تكن لهم بينة، قال اللخمي: وقول ابن القاسم أحسن: ولهذا قال: والمختار قبول قول الصانع بلا بينة،
стр. 5988
قال ابن يونس: إنما قبل ابن القاسم قول الصانع؛ لأن الغالب أن ما في أيديهم أمتعة الناس فلا يتهم أن يصرفه عن واحد إلى واحد. الثَّانِي لمالك في العتبية: لا يقبل قوله خشية أن يخص صديقه أو يدفعه لمن يرده إليه. الثَّالِثُ لمحمد: يقبل إذا كان على أصل الدفع بينة أو على إقراره قبل التفليس وإن لم تعرف البينة عينه. انظر الشارح. وقال عبد الباقي: والمختار قبول قول الصانع المفلس في تعيين ما بيده لأربابه، كهذه السلعة لفلان مع يمين المقر له ولو متهما عليه كما هو ظاهر المص وابن يونس، وقيده العجماوي بغير المتهم عليه، وسواء كان بالمجلس أو قربه أو مع بعد بلا بينة بأصله ولابد من هذا وإلا ورد عليه أن قوله: "قبول" لخ يفيد أنه مجرد عن البينة، فلا يحتاج لقوله: "بلا بينة"، وجوابه: ليس المراد بلا بينة على قوله حتى لا يحتاج إليه، بل المراد بلا بينة بأصله كما علمت، ففيه حذف صفة كما في أحمد، وإنما قبل قوله لأن الغالب أن ما في يده أمتعة الناس وليس العرف الإشهاد عند الدفع ولا يعلم إلا من قوله، فلا يتهم أن يقر به لغير ربه. انتهى.
وحجر أيضا إن تجدد مال يعني أن المفلس الذي حكم الحاكم بخلع ماله حصل فيه قسم أم لا، إذا تجدد له مال بعد الحجر عليه، فإن تصرفه فيه ماض لأن الحجر الأول كان في مال مخصوص، فيتصرف في المتجدد إلى أن يحجر عليه، فقوله: "وحجر أيضا" أي يحتاج في رد تصرفه فيما تجدد له من المال بعد الحجر عليه إلى حجر آخر لانفكاك الحجر الأول عنه لكونه في مال مخصوص، قال عبد الباقي مفسرا للمص: وحجر أيضا على المفلس الذي حكم الحاكم بخلع ماله وإن لم يحصل فيه قسم بين غرمائه، وقول التتائي: الذي أخذ الغرماء ماله، معناه حكم بأخذهم له وإن لم يقسم بالفعل إن تجدد له مال بعد الحجر الأول، سواء كان عن أصل كربح مال تركه بيده بعض من فلسه أو عن معاملة جديدة أولا عن أصل كميراث أو هبة أو صدقة أو وصية أو أرش جناية؛ لأن الحجر الأول كان في مال مخصوص فيتصرف في المتجدد إلى أن يحجر عليه فيه. ابن عرفة: فيما علم أي تجدده، وَما جهل يفتقر لبيان، وَيُرَاعَى في الحجر الثاني أيضا الشروطُ المتقدمة في قوله: بطلبه لخ، ومفهوم الشرط عدم الحجر عليه إن لم يتجدد له
стр. 5989
مال وإن طال زمانه. ابن ناجي على المدونة: وبه العمل، وللباجي في سجلاته، يجدد بعد ستة أشهر لانتقال الكسب حينئذ.
ولما كان الحجر على المفلس يخالف حجر السفيه في عدم احتياج فكه إلى حاكم، أشار إلى ذلك بقوله: وانفك الحجر عن المفلس إذا قسم ماله وبقيت من ديونهم بقية، وَكَانَ حلف قبل التفليس أنه لم يكتم شيئا أو بعده وإن كان الطلوبُ حلفَه قبله أو وَافَقُه الغرماء على ذلك من غير حلف.
ولو بلا حكم بالفك ولا يخفى أن تجديد الحجر فيما تجدد يتضمن انفكاك الحجر عليه في غير ما تجدد فذكره لأجل المبالغة، وكان الأنسب أن يقدم قوله: "وانفك ولو بلا حكم" على قوله "وحجر أيضا إن تجدد مال"، ورد بلو قول ابن القصار وتلميذه عبد الوهاب: لا ينفك حجر عن محجور إلا بحكم حاكم لاحتياج الفك إلى الاجتهاد الذي لا يضبطه إلا الحاكم. قاله عبد الباقي.
وقال المواق: ابن شأس: إن لم يبق للمفلس مال واعترف بذلك الغرماء انفك الحجر ولا يحتاج لفك القاضي. ابن عرفة: هذا ظاهر الروايات، قال في المدونة: إن داين الناس بعد التفليس ثم فلس ثانية فمن داينه آخرا أولى من الأولين فظاهر قوله داين الناس ارتفاع الحجر عنه دون حكم حاكم، وكذا قولها: ليس للمفلس أن يتزوج في المال الذي فلس فيه وله أن يتزوج فيما أفاد بعد ذلك. انتهى.
ولو مكنهم الغريم فباعوا واقتسموا ثم داين غيرهم فلا دخول للأولين يعني أن الغريم أي المدين لو مكن الغرماء أي أرباب الديون مما بيده من غير أن يرفعوه إلى الحاكم، فباعوا ماله واقتسموا بحسب ديونهم أو أقتسموا عروضه من غير بيع حيث يسوغ لهم ذلك وبقيت من ديونهم بقية، ثم إنه داين غيرهم أي أخذ من غيرهم مالا بدين في ذمته فَفُلِّسَ ثانيا، فإنه لا دخول للأولين فيما تجدد من مال الآخرين، بل يختص الآخرون بما تجدد من مالهم إلا أن يفضل عن دينهم فضلة فيتحاص فيها الأولون. قال عبد الباقي مفسرا للمص: ولو مكنهم الغريم أي المدين، فأطلقه أول الباب على رب الدين وهنا على المدين لأنه مشترك؛ أي مكنهم مما بيده فباعوا من غير رفع للحاكم واقتسموا بحسب ديونهم، أو اقتسموا عروضه من غير بيع حيث يسوغ لهم ذلك، -وليس بيعهم بيع خيار فيما يظهر؛ لأن فعلهم ليس تفليسا فلا يحل به ما أجل. وفي شرح
стр. 5990
الحدود دليل [عليه] (١) -، وبقيت لهم بقية ثم داين غيرهم بعد ذلك ففلس ثانيا فلا دخول للأولين في أثمان ما أخذه من الآخرين وفيما تجدد عن ذلك، إلا أن يفضل عن دينهم فضلة فيتحاص الأولون. انتهى. قوله: لأن فعلهم ليس تفليسا فلا يحل به ما أجل لخ فيه نظر، بل سماع أصبغ يدل على أنه تفليس، ونصه: قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم يقول عن مالك في رجل قام عليه غرماؤه ففلسوه فيما بينهم وأخذوا ماله ثم داينه آخرون، إن الآخرين أولى بما في يده بمنزلة تفليس السلطان، ثم قال عن ابن القاسم: وتفليسهم إياه فيما بينهم أبين إذا فعلوا ذلك واجتمعوا فيه وبلغوه، وتبين ذلك تفليسا كالسلطان. ومما يبين ذلك أن يجدوا له الشيء اليسير أو السقط في الحانوت الذي يكشف فيه ويفالس فيأخذون ما وجدوا ويقتسمونه على تفليسه، واليأس من ماله فهو عندي تفليس كالسلطان سواء. ابن رشد: هذا هو حد التفليس الذي يمنع من دخول من فلسه على من عامله بعد التفليس. انتهى. من رسم البيوع من سماع أصبغ من كتاب المديان الثالث. انتهى. قاله البناني.
وقول عبد الباقي: [في أثمان] (٢) ما أخذه من الآخرين يفيد أنه لا شيء لهم في أثمانها وإن بيعت بربح ويعينه قوله: إلا أن يفضل عن دينهم فضلة، وهذا الذي قاله هو الذي في ابن عبد السلام والتوضيح وغيرهما، قال ابن عبد السلام عند قول ابن الحاجب: ولو مكنهم الغريم من ماله فباعوه واقتسموه ثم تداين فليس للأولين دخول فيه إلا أن يكون فيه فضل كتفليس السلطان، ما نصه: فليس للأولين أن يدخلوا في أثمان ما أخذ من الآخرين، إلا أن يكون فيها فضل فيكون للأولين. انتهى. وهذه هي عبارة التوضيح بعينها. وبهذه العبارة بعينها شرح بهرام كلام المص، ونقل عبارته أبو علي وسلمها، ولذلك سلم التاودي والبناني عبارة الزرقاني، ويشهد لذلك كله قول المدونة: لأن مالكا قال: إذا داين الناس بعد التفليس ثم فلس ثانية فالذين داينوه آخرا أولى من الغرماء الأولين؛ لأنه مال لهم وإن كان المال الذي أفاد بعد التفليس إنما أفاده بإرث أو صلة أو أرش جناية أو نحوه فإن الأولين والآخرين يدخلون فيه، انتهى.