Полный текст (1 541 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
فَصْلٌ فِي الشِّجَاجِ
قَالَ (الشِّجَاجُ عَشْرَةٌ: الْحَارِصَةُ) وَهِيَ الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ: أَيْ تَخْدِشُهُ وَلَا تُخْرِجُ الدَّمَ (وَالدَّامِعَةُ) وَهِيَ الَّتِي تُظْهِرُ الدَّمَ
ضَوَاحِكُ تَلِي الْأَنْيَابَ، وَاثْنَتَا عَشَرَةَ سِنًّا تُسَمَّى بِالطَّوَاحِنِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ثَلَاثٌ فَوْقَ وَثَلَاثٌ أَسْفَلَ، وَبَعْدَهَا سِنٌّ وَهِيَ آخِرُ الْأَسْنَانِ تُسَمَّى ضِرْسُ الْحِلْمِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَقْتَ كَمَالِ الْعَقْلِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: الْأَسْنَانُ وَالْأَضْرَاسُ سَوَاءٌ لِعَوْدِهِ، إلَى مَعْنَى أَنْ يُقَالَ: الْأَسْنَانُ وَبَعْضُهَا سَوَاءٌ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِي هَذَا النَّظَرِ مُبَالَغَةٌ مَرْدُودَةٌ حَيْثُ قِيلَ فِي أَوَّلِهِ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ خَطَأٌ، وَقِيلَ فِي آخِرِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الْأَسْنَانُ وَالْأَضْرَاسُ سَوَاءٌ، وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِعَدَمِ صِحَّةِ مَا فِي الْكِتَابِ مَعَ أَنَّ تَصْحِيحَهُ عَلَى طَرَفِ التَّمَامِ فَإِنَّ عَطْفَ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِ طَرِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ قَدْ ذُكِرَتْ مِزْيَتُهُ فِي عِلْمِ الْبَلَاغَةِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ فِي التَّنْزِيلِ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ ذَلِكَ، وَيَعُودُ حَاصِلُ مَعْنَاهُ إلَى أَنْ يُقَالَ: الْأَضْرَاسُ وَمَا عَدَاهُ مِنْ الْأَسْنَانِ سَوَاءٌ فَإِنَّهُ إذَا عَطَفَ الْخَاصَّ عَلَى الْعَامِّ يُرَادُ بِالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَا عَدَا الْمَعْطُوفِ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَلَا يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ.
ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ أَوْ يُقَالَ وَالْأَنْيَابُ وَالْأَضْرَاسُ كُلُّهَا سَوَاءٌ مُعَارَضٌ بِمِثْلِ مَا أَوْرَدَ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ، فَإِنَّ الْأَضْرَاسَ تَعُمُّ الْأَنْيَابَ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ فِي الْمَغْرِبِ حَيْثُ قَالَ: الْأَضْرَاسُ مَا سِوَى الثَّنَايَا مِنْ الْأَسْنَانِ، وَكَذَا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا فَيَعُودُ مَعْنَى قَوْلِهِ وَالْأَنْيَابُ وَالْأَضْرَاسُ سَوَاءٌ إلَى أَنْ يُقَالَ: وَبَعْضُ الْأَضْرَاسِ وَالْأَضْرَاسُ كُلُّهَا سَوَاءٌ لِمِثْلِ مَا ذُكِرَ فِي الْإِيرَادِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ، فَلَا مَعْنَى لَأَنْ يَكُونَ ذَاكَ صَوَابًا دُونَ مَا فِي الْكِتَابِ.
نَعَمْ الْأَظْهَرُ فِي إفَادَةِ الْمُرَادِ هَاهُنَا أَنْ يُقَالَ: وَالْأَسْنَانُ كُلُّهَا سَوَاءٌ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ، أَوْ أَنْ يُقَالَ: وَالْأَضْرَاسُ وَالثَّنَايَا كُلُّهَا سَوَاءٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ.
(فَصْلٌ فِي الشِّجَاجِ).
لَمَّا كَانَ الشِّجَاجُ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ مَا دُونَ النَّفْسِ وَتَكَاثَرَتْ مَسَائِلُهُ اسْمًا وَحُكْمًا ذَكَرَهُ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ. قُلْت: لَوْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لَفْظَ الْبَابِ بَدَلَ لَفْظِ الْفَصْلِ فِي قَوْلِهِ فَصْلٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ثُمَّ ذَكَرَ الشِّجَاجَ الَّتِي هِيَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ مَا دُونَ النَّفْسِ فِي فَصْلٍ وَذَكَرَ سَائِرَ أَنْوَاعِهِ الَّتِي سَتَجِيءُ فِي الْفَصْلِ الْآتِي فِي فَصْلٍ آخَرَ أَيْضًا لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَوْفَقَ لِمَا هُوَ الْمُعْتَادُ فِي نَظَائِرِهِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَالدَّامِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تُظْهِرُ الدَّمَ وَلَا تُسِيلُهُ كَالدَّمْعِ مِنْ الْعَيْنِ وَالدَّامِيَةُ وَهِيَ الَّتِي تَسِيلُ الدَّمَ) أَقُولُ: تَفْسِيرُ الدَّامِعَةِ وَالدَّامِيَةِ مِنْ الشِّجَاجِ بِهَذَا الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِنْ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ الْفِقْهِ كَالْبَدَائِعِ وَالْكَافِي وَعَامَّةِ الشُّرُوحِ وَاقْتِضَاءِ تَرْتِيبِ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ حَيْثُ قَدَّمَ الدَّامِعَةَ عَلَى الدَّامِيَةِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ، إلَّا أَنَّهُ مَنْظُورٌ فِيهِ عِنْدِي لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ كُتُبِ اللُّغَةِ الْمَوْثُوقِ بِهَا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: الدَّامِعَةُ مِنْ الشِّجَاجِ هِيَ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ كَدَمْعِ الْعَيْنِ، وَقَبْلَهَا الدَّامِيَةُ وَهِيَ الَّتِي تُدْمِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسِيلَ مِنْهَا دَمٌ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالدَّامِعَةُ مِنْ
стр. 1297
وَلَا تُسِيلُهُ كَالدَّمْعِ مِنْ الْعَيْنِ (وَالدَّامِيَةُ) وَهِيَ الَّتِي تُسِيلُ الدَّمَ (وَالْبَاضِعَةُ) وَهِيَ الَّتِي تَبْضَعُ الْجِلْدَ أَيْ تَقْطَعُهُ (وَالْمُتَلَاحِمَةُ) وَهِيَ الَّتِي تَأْخُذُ فِي اللَّحْمِ (وَالسِّمْحَاقُ) وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى السِّمْحَاقِ وَهِيَ جَلْدَةٌ رَقِيقَةٌ بَيْنَ اللَّحْمِ وَعَظْمِ الرَّأْسِ (وَالْمُوضِحَةُ) وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ أَيْ تُبَيِّنُهُ (وَالْهَاشِمَةُ) وَهِيَ الَّتِي تُهَشِّمُ الْعَظْمَ: أَيْ تَكْسِرُهُ (وَالْمُنَقِّلَةُ) وَهِيَ الَّتِي تُنَقِّلُ الْعَظْمَ بَعْدَ الْكَسْرِ: أَيْ تُحَوِّلُهُ (وَالْآمَّةُ) وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى أُمِّ الرَّأْسِ وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الدِّمَاغُ. قَالَ: (فَفِي الْمُوضِحَةِ الْقِصَاصُ إنْ كَانَتْ عَمْدًا) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَضَى بِالْقِصَاصِ فِي الْمُوضِحَةِ» وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَهِيَ السِّكِّينُ إلَى الْعَظْمِ فَيَتَسَاوَيَانِ فَيَتَحَقَّقُ الْقِصَاصُ. قَالَ: (وَلَا قِصَاصَ فِي بَقِيَّةِ الشِّجَاجِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِيهَا لِأَنَّهُ لَا حَدَّ يَنْتَهِي السِّكِّينُ إلَيْهِ، وَلِأَنَّ فِيمَا فَوْقَ الْمُوضِحَةِ كَسْرَ الْعَظْمِ وَلَا قِصَاصَ فِيهِ، وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ: يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا قَبْلَ الْمُوضِحَةِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ كَسْرُ الْعَظْمِ وَلَا خَوْفُ هَلَاكٍ غَالِبٍ فَيُسْبَرُ غَوْرُهَا بِمِسْبَارٍ ثُمَّ تُتَّخَذُ حَدِيدَةٌ بِقَدْرِ ذَلِكَ فَيُقْطَعُ بِهَا مِقْدَارُ مَا قَطَعَ فَيَتَحَقَّقُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ. قَالَ (وَفِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ وَلَا يُمْكِنُ إهْدَارُهُ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ بِحُكْمِ الْعَدْلِ،
الشِّجَاجِ بَعْدَ الدَّامِيَةِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الدَّامِيَةُ هِيَ الَّتِي تُدْمِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسِيلَ مِنْهَا دَمٌ، فَإِذَا سَالَ مِنْهَا الدَّمُ فَهِيَ الدَّامِعَةُ بِالْعَيْنِ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالدَّامِعَةُ مِنْ الشِّجَاجِ بَعْدَ الدَّامِيَةِ اهـ. إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُعْتَبَرَاتِ كُتُبِ اللُّغَةِ، وَسَيَجِيءُ مِنْ الْمُصَنِّفِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الشِّجَاجِ مُرَتَّبٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ فِي الصَّحِيحِ فَلَا مَجَالَ لِلْحَمْلِ عَلَى الِاصْطِلَاحِ الْمَحْضِ. ثُمَّ أَقُولُ: الصَّحِيحُ الْمُطَابِقُ لِلُّغَةِ فِي تَفْسِيرِ الدَّامِيَةِ وَالدَّامِعَةِ مِنْ الشِّجَاجِ وَتَرْتِيبِهِمَا مَا ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيُّ نَقْلًا عَنْ الطَّحَاوِيِّ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: اعْلَمْ أَنَّ أَوَّلَ الشِّجَاجِ الْحَارِصَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ الْجِلْدَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ إذَا شَقَّهُ فِي الدَّقِّ وَلَا تُدْمِيهِ، ثُمَّ الدَّامِيَةُ وَهِيَ الَّتِي تَخْدِشُ الْجِلْدَ وَتُدْمِيهِ وَلَا تُسِيلُ الدَّمَ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هِيَ الَّتِي تُقَشِّرُ الْجِلْدَ وَتُدْمِيهِ سَوَاءٌ كَانَ سَائِلًا أَوْ غَيْرَ سَائِلٍ، ثُمَّ الدَّامِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تُدْمِي وَتُسِيلُ الدَّمَ، هَكَذَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ.
وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هِيَ الَّتِي تُسِيلُ الدَّمَ أَكْثَرَ مِمَّا يَكُونُ فِي الدَّامِيَةِ مِنْ السَّيَلَانِ مَأْخُوذٌ مِنْ دَمْعِ الْعَيْنِ، فَكَأَنَّهَا سُمِّيَتْ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّ الْأَلَمَ يَصِلُ إلَى صَاحِبِهَا فَتَدْمَعُ عَيْنَاهُ بِسَبَبِ مَا يَجِدُ مِنْ الْأَلَمِ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْمُحِيطِ فَتَبَصَّرْ (قَوْلُهُ وَالْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تَبْضَعُ الْجِلْدَ: أَيْ تَقْطَعُهُ) أَقُولُ: فِي تَفْسِيرِ الْبَاضِعَةِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فُتُورٌ، وَإِنْ تَابَعَهُ صَاحِبُ الْكَافِي وَكَثِيرٌ مِنْ
стр. 1298
وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ النَّخَعِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. قَالَ (وَفِي الْمُوضِحَةِ إنْ كَانَتْ خَطَأً نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَفِي الْهَاشِمَةِ عُشْرُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ عُشْرُ الدِّيَةِ وَنِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَفِي الْآمَّةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، فَإِنْ نَفَذَتْ فَهُمَا جَائِفَتَانِ فَفِيهِمَا ثُلُثَا الدِّيَةِ) لِمَا رُوِيَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ «وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْهَاشِمَةِ عَشْرٌ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَفِي الْآمَّةِ» وَيُرْوَى «الْمَأْمُومَةُ ثُلُثُ الدِّيَةِ» وَقَالَ ﵊ «فِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ حَكَمَ فِي جَائِفَةٍ نَفَذَتْ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ بِثُلُثَيْ الدِّيَةِ، وَلِأَنَّهَا إذَا نَفَذَتْ نَزَلَتْ مَنْزِلَةَ جَائِفَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مِنْ جَانِبِ الْبَطْنِ وَالْأُخْرَى مِنْ جَانِبِ الظَّهْرِ وَفِي كُلِّ جَائِفَةٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ فَلِهَذَا وَجَبَ فِي النَّافِذَةِ ثُلُثَا الدِّيَةِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ جَعَلَ الْمُتَلَاحِمَةَ قَبْلَ الْبَاضِعَةِ وَقَالَ: هِيَ الَّتِي يَتَلَاحَمُ فِيهَا الدَّمُ وَيَسْوَدُّ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ بَدْءًا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهَذَا اخْتِلَافُ عِبَارَةٍ لَا يَعُودُ إلَى مَعْنًى وَحُكْمٍ. .
وَبَعْدَ هَذَا شَجَّةٌ أُخْرَى تُسَمَّى الدَّامِغَةُ وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى الدِّمَاغِ،
الْمُتَأَخِّرِينَ فِيهِ، لِأَنَّ قَطْعَ الْجِلْدِ مُتَحَقِّقٌ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى أَيْضًا سِيَّمَا فِي الدَّامِعَةِ وَالدَّامِيَةِ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ إظْهَارِ الدَّمِ وَإِسَالَتِهِ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ قَطْعِ الْجِلْدِ، وَقَدْ صَرَّحَ الشُّرَّاحُ بِتَحَقُّقِ قَطْعِ الْجِلْدِ فِي كُلٍّ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْعَشَرَةِ لِلشَّجَّةِ فَكَانَ التَّفْسِيرُ الْمَذْكُورُ شَامِلًا لِلْكُلِّ غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِالْبَاضِعَةِ، فَالظَّاهِرُ فِي تَفْسِيرِ الْبَاضِعَةِ مَا ذُكِرَ فِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ فِي الْمُحِيطِ: ثُمَّ الْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ: أَيْ تَقْطَعُهُ.
وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَالْبَاضِعَةُ هِيَ الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ: أَيْ تَقْطَعُهُ انْتَهَى.
وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي مُعْتَبَرَاتِ كُتُبِ اللُّغَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَفِي الشِّجَاجِ الْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي جَرَحَتْ الْجِلْدَ وَشَقَّتْ اللَّحْمَ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالْبَاضِعَةُ: الشَّجَّةُ الَّتِي تَقْطَعُ الْجِلْدَ وَتَشُقُّ اللَّحْمَ وَتُدْمِي إلَّا أَنَّهُ لَا يَسِيلُ الدَّمُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْبَاضِعَةُ: الشَّجَّةُ الَّتِي تَقْطَعُ الْجِلْدَ وَتَشُقُّ اللَّحْمَ شَقًّا خَفِيفًا وَتُدْمِي إلَّا أَنَّهَا تُسِيلُ انْتَهَى. لَا يُقَالُ: فَعَلَى هَذَا تَشْتَبِهُ الْبَاضِعَةُ بِالْمُتَلَاحِمَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْكِتَابِ: وَالْمُتَلَاحِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تَأْخُذُ فِي اللَّحْمِ، وَهَذَا فِي الْمَآلِ عَيْنُ مَا نَقَلْتُهُ عَنْ الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ فِي تَفْسِيرِ الْبَاضِعَةِ. لِأَنَّا نَقُولُ: مَنْ فَسَّرَ الْبَاضِعَةَ بِمَا نَقَلْنَاهُ مِنْ الْمَعْنَى الظَّاهِرِ لَا يَقُولُ بِتَفْسِيرِ الْمُتَلَاحِمَةِ بِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ حَتَّى يَلْزَمَ الِاشْتِبَاهُ بَلْ يَزِيدُ عَلَيْهِ قَيْدًا.
وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ: ثُمَّ الْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ: أَيْ تَقْطَعُهُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَلَا تَنْزِعُ شَيْئًا مِنْ اللَّحْمِ. ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تَقْطَعُ اللَّحْمَ وَتَنْزِعُ شَيْئًا مِنْ اللَّحْمِ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْمُحِيطِ. وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَالْبَاضِعَةُ هِيَ الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ: أَيْ تَقْطَعُهُ، وَالْمُتَلَاحِمَةُ هِيَ الَّتِي تَذْهَبُ فِي اللَّحْمِ أَكْثَرَ مِمَّا تَذْهَبُ الْبَاضِعَةُ فِيهِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَالْمُتَلَاحِمَةُ مِنْ الشِّجَاجِ هِيَ الَّتِي تَشُقُّ فِي اللَّحْمِ دُونَ الْعَظْمِ ثُمَّ تَتَلَاحَمُ بَعْدَ شَقِّهَا: أَيْ تَتَلَاءَمُ وَتَتَلَاصَقُ اهـ. وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالْمُتَلَاحِمَةُ: الشَّجَّةُ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ وَلَمْ تَبْلُغْ السِّمْحَاقَ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَشَجَّةٌ مُتَلَاحِمَةٌ أَخَذَتْ فِيهِ وَلَمْ تَبْلُغْ السِّمْحَاقَ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ) قَالَ فِي الْإِيضَاحِ: الْجَائِفَةُ مَا تَصِلُ إلَى الْجَوْفِ مِنْ الصَّدْرِ وَالْبَطْنِ وَالظَّهْرِ وَالْجَنْبَيْنِ وَالِاسْمُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَمَا وَصَلَ مِنْ الرَّقَبَةِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي إذَا وَصَلَ إلَيْهِ الشَّرَابُ كَانَ مُفْطِرًا، وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِجَائِفَةٍ انْتَهَى. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ: فَعَلَى هَذَا ذِكْرُ الْجَائِفَةِ هُنَا فِي مَسَائِلِ الشِّجَاجِ وَقَعَ اتِّفَاقًا، وَكَذَا
стр. 1299
وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهَا لِأَنَّهَا تَقَعُ قَتْلًا فِي الْغَالِبِ لَا جِنَايَةً مُقْتَصِرَةً مُنْفَرِدَةً بِحُكْمٍ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ هَذِهِ الشِّجَاجُ تَخْتَصُّ بِالْوَجْهِ وَالرَّأْسِ لُغَةً، وَمَا كَانَ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ يُسَمَّى جِرَاحَةً، وَالْحُكْمُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي الصَّحِيحِ، حَتَّى لَوْ تَحَقَّقَتْ فِي غَيْرِهِمَا نَحْوُ السَّاقِ وَالْيَدِ لَا يَكُونُ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، وَإِنَّمَا تَجِبُ حُكُومَةُ الْعَدْلِ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالتَّوْقِيفِ وَهُوَ إنَّمَا وَرَدَ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِمَا، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا وَرَدَ الْحُكْمُ فِيهَا لِمَعْنَى الشَّيْنِ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِبَقَاءِ أَثَرِ الْجِرَاحَةِ، وَالشَّيْنُ يَخْتَصُّ بِمَا يَظْهَرُ مِنْهَا فِي الْغَالِبِ وَهُوَ الْعُضْوَانِ هَذَانِ لَا سِوَاهُمَا. وَأَمَّا اللَّحْيَانِ فَقَدْ قِيلَ لَيْسَا مِنْ الْوَجْهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، حَتَّى لَوْ وُجِدَ فِيهِمَا مَا فِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ لَا يَجِبُ الْمُقَدَّرُ. وَهَذَا لِأَنَّ الْوَجْهَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُوَاجِهَةِ، وَلَا مُوَاجِهَةَ لِلنَّاظِرِ فِيهِمَا إلَّا أَنَّ عِنْدَنَا هُمَا مِنْ الْوَجْهِ لِاتِّصَالِهِمَا بِهِ مِنْ غَيْرِ فَاصِلَةٍ، وَقَدْ يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى الْمُوَاجِهَةِ أَيْضًا.
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ نَقْلًا عَنْ النِّهَايَةِ. أَقُولُ: نَعَمْ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْإِيضَاحِ يَكُونُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَدَارَكَهُ حَيْثُ قَالَ فِيمَا بَعْدُ: وَقَالُوا الْجَائِفَةُ تَخْتَصُّ بِالْجَوْفِ جَوْفِ الرَّأْسِ أَوْ جَوْفِ الْبَطْنِ: يَعْنِي أَنَّهَا لَمَّا تَنَاوَلَتْ مَا فِي جَوْفِ الرَّأْسِ أَيْضًا كَانَتْ مِنْ الشِّجَاجِ فِيمَا إذَا وَقَعَتْ فِي الرَّأْسِ فَتَدْخُلُ فِي مَسَائِلِ الشِّجَاجِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ ذِكْرُهَا فِي فَصْلِ الشِّجَاجِ مِمَّا وَقَعَ اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ ثُمَّ هَذِهِ الشِّجَاجُ تَخْتَصُّ بِالْوَجْهِ وَالرَّأْسِ لُغَةً) قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: وَكَذَلِكَ تَخْتَصُّ بِالْجَبْهَةِ وَالْوَجْنَتَيْنِ وَالذَّقَنِ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ رِوَايَةِ الْإِيضَاحِ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ لِهَذَا الْكَلَامِ وَجْهٌ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْجَبْهَةِ وَالْوَجْنَتَيْنِ وَالذَّقَنُ دَاخِلٌ فِي الْوَجْهِ، لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ بِأَنَّ حَدَّ الْوَجْهِ مِنْ قُصَاصِ الشَّعْرِ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ، لِأَنَّ الْمُوَاجِهَةَ تَقَعُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْهَا، وَقَدْ صَرَّحَ الشُّرَّاحُ فِيمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْفَصْلِ حَتَّى صَاحِبَا النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنْفُسُهُمَا أَيْضًا بِأَنَّ الذَّقَنَ مِنْ الْوَجْهِ بِلَا خِلَافٍ، وَالْعَظْمُ الَّذِي تَحْتَ الذَّقَنِ وَهُوَ اللَّحْيَانِ مِنْ الْوَجْهِ أَيْضًا عِنْدَنَا خِلَافًا لَمَالِكٍ. فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ ثُمَّ هَذِهِ الشِّجَاجُ تَخْتَصُّ بِالْوَجْهِ وَالرَّأْسِ يَشْمَلُ الْكُلَّ، فَبَعْدَ ذَلِكَ مَا مَعْنَى أَنْ يُقَالَ: وَكَذَلِكَ تَخْتَصُّ بِالْجَبْهَةِ وَالْوَجْنَتَيْنِ وَالذَّقَنِ أَيْضًا، وَكُلٌّ مِنْ الْعَطْفِ وَأَدَاةِ التَّشْبِيهِ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ لَا مَحَالَةَ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا وَرَدَ الْحُكْمُ فِيهَا لِمَعْنَى الشَّيْنِ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِبَقَاءِ أَثَرِ الْجِرَاحَةِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إلْحَاقِ الْجِرَاحَةِ بِهَا دَلَالَةً، فَفِي قَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ تَسَامُحٌ انْتَهَى.
وَأَقُولُ: إنْ أَرَادَ أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ أَصَالَةً فَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ دَلِيلٌ أَصَالَةً عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ أَرْشٍ مُقَدَّرٍ فِي الْجِرَاحَةِ الَّتِي فِي غَيْرِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَلَكِنْ يَتَضَمَّنُ الدَّلَالَةَ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إلْحَاقِ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ بِالشِّجَاجِ دَلَالَةً فَهُوَ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ فَفِي قَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ تَسَامُحٌ مَمْنُوعٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالتَّوْقِيفِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ أَرْشٍ مُقَدَّرٍ فِي الْجِرَاحَةِ الْكَائِنَةِ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ. وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا وَرَدَ الْحُكْمُ فِيهَا إلَخْ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَصَالَةً كَانَ حَقُّ الْأَدَاءِ أَنْ يُقَالَ: وَلِأَنَّهُ بِلَا تَسَامُحٍ أَصْلًا، وَلَعَلَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ إنَّمَا غَرَّهُ تَقْرِيرُ صَاحِبِ الْكَافِي هَا هُنَا حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّ الْأَثَرَ بِالتَّقْدِيرِ جَاءَ فِي الشِّجَاجِ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَغَيْرِهِمَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُمَا حَتَّى يَلْحَقَ بِهِمَا، لِأَنَّهُ إنَّمَا وَرَدَ الْحُكْمُ فِيهِمَا لِمَعْنَى الشَّيْنِ الَّذِي يَلْحَقُهُمَا بِبَقَاءِ أَثَرِ الْجِرَاحَةِ، وَالشَّيْنُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ الْبَدَنِ وَهُوَ الْوَجْهُ وَالرَّأْسُ انْتَهَى.
وَلَكِنْ لِتَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ شَأْنٌ آخَرُ كَمَا تَرَى (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّ عِنْدَنَا هُمَا مِنْ الْوَجْهِ لِاتِّصَالِهِمَا بِهِ مِنْ غَيْرِ فَاصِلَةٍ، وَقَدْ يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى الْمُوَاجِهَةِ أَيْضًا) قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ: وَيَجِبُ أَنْ يُفْتَرَضَ غَسْلُ اللَّحْيَيْنِ فِي الطَّهَارَةِ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا هَذِهِ الْحَقِيقَةَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا إجْمَاعَ هَا هُنَا فَبَقِيَتْ الْعِبْرَةُ لِلْحَقِيقَةِ انْتَهَى. وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الْكِفَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَيْضًا. وَأَمَّا صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فَذَكَرَهُ عَلَى وَجْهِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ حَيْثُ قَالَ: قِيلَ عَلَيْهِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ غَسْلُهُمَا فَرْضًا فِي الطَّهَارَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّا تَرَكْنَا هَذِهِ الْحَقِيقَةَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا إجْمَاعَ هَا هُنَا
стр. 1300
وَقَالُوا: الْجَائِفَةُ تَخْتَصُّ بِالْجَوْفِ: جَوْفِ الرَّأْسِ أَوْ جَوْفِ الْبَطْنِ، وَتَفْسِيرُ حُكُومَةِ الْعَدْلِ عَلَى مَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ أَنْ يُقَوَّمَ مَمْلُوكًا بِدُونِ هَذَا الْأَثَرِ وَيُقَوَّمُ وَبِهِ هَذَا الْأَثَرُ، ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى تَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ نِصْفَ عُشْرِ الْقِيمَةِ يَجِبُ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ رُبْعَ عُشْرِ فَرُبْعُ عُشْرٍ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: يُنْظَرُ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ الشَّجَّةِ مِنْ الْمُوضِحَةِ فَيَجِبُ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ، لِأَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ يُرَدُّ إلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. . فَصْلٌ
قَالَ (وَفِي أَصَابِعِ الْيَدِ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِأَنَّ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرُ الدِّيَةِ عَلَى مَا رَوَيْنَا، فَكَانَ فِي الْخَمْسِ نِصْفُ الدِّيَةِ
فَبَقِيَتْ الْعِبْرَةُ لِلْحَقِيقَةِ انْتَهَى. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ إشْكَالٌ عِنْدِي لِأَنَّ اللَّحْيَيْنِ إذَا كَانَا مِنْ الْوَجْهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَانَا دَاخِلَيْنِ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ فَيَكُونُ تَرْكُ وُجُوبِ غَسْلِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ نَسْخًا لِلْكِتَابِ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْسَخُ الْكِتَابَ وَلَا السُّنَّةَ (قَوْلُهُ وَقَالُوا: الْجَائِفَةُ تَخْتَصُّ بِالْجَوْفِ جَوْفِ الرَّأْسِ أَوْ جَوْفِ الْبَطْنِ) أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ الْجَائِفَةَ إنْ تَنَاوَلَتْ مَا فِي جَوْفِ الرَّأْسِ أَيْضًا فَاَلَّتِي فِي جَوْفِ الرَّأْسِ مِنْهَا إنْ كَانَتْ مِنْ أَحَدِ الْأَنْوَاعِ الْعَشَرَةِ لِلشِّجَاجِ فَمَا مَعْنَى ذِكْرِهَا وَبَيَانُ حُكْمِهَا بَعْدَ ذِكْرِ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ بِأَسْرِهَا وَبَيَانُ حُكْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَحَدِ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ بَلْ كَانَتْ مُغَايِرَةً لَهَا فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي صَدْرِ الْفَصْلِ الشِّجَاجُ عَشْرَةٌ، إذْ تَكُونُ الشِّجَاجُ حِينَئِذٍ إحْدَى عَشْرَةَ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هِيَ إحْدَى تِلْكَ الْأَنْوَاعِ وَهُوَ الْآمَّةُ بِدَلَالَةِ كَوْنِ حُكْمِهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ، وَذَكَرَهَا مَعَ حُكْمِهَا بَعْدَ ذِكْرِ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ مَعَ أَحْكَامِهَا لِبَيَانِ حَالِ قِسْمِهَا الَّذِي فِي جَوْفِ الْبَطْنِ لَا لِبَيَانِ حَالِ قِسْمِهَا الَّذِي فِي جَوْفِ الرَّأْسِ لَكِنَّهُ تَعَسُّفٌ لَا يَخْفَى.
(فَصْلٌ فِي الْأَطْرَافِ دُونَ الرَّأْسِ) لَمَّا كَانَتْ الْأَطْرَافُ دُونَ الرَّأْسِ وَلَهَا حُكْمٌ عَلَى حِدَةٍ ذَكَرَهَا فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا. أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى النَّاظِرِ فِي مَسَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ أَنَّهَا غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِي الْأَطْرَافِ، بَلْ بَعْضُهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَطْرَافِ وَبَعْضُهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالشِّجَاجِ، وَبَعْضُهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْقَتْلِ، فَالْوَجْهُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا يَتَمَشَّى فِي بَعْضٍ مِنْهَا دُونَ الْكُلِّ، فَالْأَوْجَهُ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَتْ مَسَائِلُ هَذَا الْفَصْلِ مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةً وَلِهَذَا كَانَتْ كُلُّ مَسْأَلَةٍ مِنْهَا فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ فِي مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ كَمَا ذَكَرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ وَأَخَّرَهَا عَنْ الْفَصْلَيْنِ الْمَارَّيْنِ جَرْيًا عَلَى مَا هُوَ عَادَةُ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ جَمْعِ الْمَسَائِلِ الْمُتَفَرِّقَاتِ فِي فَصْلٍ وَاحِدٍ وَتَأْخِيرِهَا عَنْ سَائِرِ الْفُصُولِ تَلَافِيًا لِمَا فَاتَ فِيهَا، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِكَوْنِهَا مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةً كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ أَيْضًا اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ النَّاظِرِينَ (قَوْلُهُ وَفِي أَصَابِعِ الْيَدِ نِصْفُ الدِّيَةِ) أَيْ فِي أَصَابِعِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، إذْ فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ كَمَالُ الدِّيَةِ كَمَا مَرَّ.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ
стр. 1301
وَلِأَنَّ فِي قَطْعِ الْأَصَابِعِ تَفْوِيتَ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الْبَطْشِ وَهُوَ الْمُوجِبُ عَلَى مَا مَرَّ (فَإِنْ قَطَعَهَا مَعَ الْكَفِّ فَفِيهِ أَيْضًا نِصْفُ الدِّيَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ» وَلِأَنَّ الْكَفَّ تَبَعٌ لِلْأَصَابِعِ لِأَنَّ الْبَطْشَ بِهَا (وَإِنْ قَطَعَهَا مَعَ نِصْفِ السَّاعِدِ فَفِي الْأَصَابِعِ وَالْكَفِّ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الزِّيَادَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَعَنْهُ: أَنَّ مَا زَادَ عَلَى أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ فَهُوَ تَبَعٌ لِلْأَصَابِعِ إلَى الْمَنْكِبِ وَإِلَى الْفَخِذِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ فِي الْيَدِ الْوَاحِدَةِ نِصْفَ الدِّيَةِ وَالْيَدُ اسْمٌ لِهَذِهِ الْجَارِحَةِ إلَى الْمَنْكِبِ فَلَا يُزَادُ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْعِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْيَدَ آلَةٌ بَاطِشَةٌ وَالْبَطْشُ يَتَعَلَّقُ بِالْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ دُونَ الذِّرَاعِ فَلَمْ يُجْعَلْ الذِّرَاعُ تَبَعًا فِي حَقِّ التَّضْمِينِ. وَلِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلْأَصَابِعِ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا عُضْوًا كَامِلًا، وَلَا إلَى أَنْ
أَنْ يَقُولَ: لِمَا ذُكِرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ فِي كُلِّ إصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ عُشْرُ الدِّيَةِ كَانَ ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَا هُنَا مُسْتَدْرِكًا، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ خَمْسَةَ أَعْشَارِ الدِّيَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، فَعُلِمَ قَطْعًا مِمَّا مَرَّ أَنَّ فِي أَصَابِعِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ وَهِيَ خُمْسُ أَصَابِعِ نِصْفِ الدِّيَةِ،.
وَلَوْ لَمْ يَكْفِ الِاسْتِلْزَامُ وَالِاقْتِضَاءُ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِمَسْأَلَةٍ بَلْ كَانَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِهَا لَلَزِمَ أَنْ يَذْكُرَ أَيْضًا أَنَّ فِي الْإِصْبَعَيْنِ عُشْرَيْ الدِّيَةِ وَفِي ثَلَاثِ أَصَابِعَ ثَلَاثَةُ أَعْشَارِ الدِّيَةِ وَفِي أَرْبَعِ أَصَابِعَ أَرْبَعَةُ أَعْشَارِ الدِّيَةِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَتْرُوكِ ذِكْرُهَا صَرَاحَةً فِي الْكِتَابِ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَا لَيْسَ لِبَيَانِ نَفْسِهَا أَصَالَةً حَتَّى يُتَوَهَّمَ الِاسْتِدْرَاكُ، بَلْ لِيَكُونَ ذِكْرُهَا تَوْطِئَةً لِلْمَسْأَلَةِ الْمُعَاقِبَةِ إيَّاهَا وَهِيَ قَوْلُهُ فَإِنْ قَطَعَهَا مَعَ الْكَفِّ فَفِيهِ أَيْضًا نِصْفُ الدِّيَةِ، فَالْمَقْصُودُ بِالْبَيَانِ هُنَا أَنَّ قَطْعَ الْأَصَابِعِ وَحْدَهَا وَقَطْعَهَا مَعَ الْكَفِّ سِيَّانِ فِي الْحُكْمِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْوِقَايَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: وَفِي أَصَابِعِ يَدٍ بِلَا كَفٍّ وَمَعَهَا نِصْفُ الدِّيَةِ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ فِي قَطْعِ الْأَصَابِعِ تَفْوِيتُ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الْبَطْشِ وَهُوَ الْمُوجِبُ عَلَى مَا مَرَّ).
يَعْنِي أَنَّ قَطْعَ كُلِّهَا تَفْوِيتُ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الْبَطْشِ وَهُوَ يُوجِبُ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ عَلَى مَا مَرَّ، فَفِي تَفْوِيتِ نِصْفِ مَنْفَعَةِ الْبَطْشِ اللَّازِمِ مِنْ قَطْعِ أَصَابِعِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ لَا مَحَالَةَ. ثُمَّ إنَّ جُمْهُورَ الشُّرَّاحِ قَالُوا: قَوْلُهُ عَلَى مَا مَرَّ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَلِأَنَّ فِي قَطْعِ الْكُلِّ تَفْوِيتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ وَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ وَهِيَ عَشْرَةٌ فَتُقْسَمُ الدِّيَةُ عَلَيْهَا.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى مَا مَرَّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَهُوَ الْمُوجِبُ لَا بِمَا قَبْلَهُ، وَإِلَّا لَكَانَ حَقُّ قَوْلِهِ وَهُوَ الْمُوجِبُ أَنْ يُؤَخَّرَ عَنْ قَوْلِهِ عَلَى مَا مَرَّ، وَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ عَلَى مَا مَرَّ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ وَهُوَ الْمُوجِبُ لَمْ يَتِمَّ أَنْ يُشَارَ بِهِ إلَى مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحُ، إذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ تَعَرُّضٌ لِمَا هُوَ الْمُوجِبُ لِلدِّيَةِ حَتَّى يُشَارَ إلَيْهِ هُنَا بِقَوْلِهِ كَمَا مَرَّ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ هُنَا: قَوْلُهُ وَهُوَ الْمُوجِبُ عَلَى مَا مَرَّ: أَيْ الْمُوجِبُ لِلدِّيَةِ تَفْوِيتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ لَا تَفْوِيتُ صُورَةِ الْآلَةِ عَلَى مَا مَرَّ فِي فَصْلٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا أَبْعَدُ مِمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ. لِأَنَّ بَيَانَ كَوْنِ الْمُوجِبِ لِلدِّيَةِ تَفْوِيتَ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ لَا تَفْوِيتَ صُورَةِ الْآلَةِ مِمَّا لَا فَائِدَةَ لَهُ أَصْلًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ فِيهِ قَطْعُ أَصَابِعِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَلِأَنَّ فِي قَطْعِ الْأَصَابِعِ تَفْوِيتُ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الْبَطْشِ دُونَ مُجَرَّدِ إزَالَةِ مَنْفَعَتِهَا بِدُونِ الْقَطْعِ حَتَّى يُتَصَوَّرَ كَوْنُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ هَا هُنَا عَلَى مَا مَرَّ إشَارَةً إلَى مَا ذَكَرَهُ فِي فَصْلٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ قُبَيْلَ فَصْلِ الشِّجَاجِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ تَفْوِيتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ لَا تَفْوِيتُ الصُّورَةِ كَمَا زَعَمَهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ،
بِخِلَافِ مَا مَرَّ فِي ذَلِكَ الْفَصْلِ، فَإِنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ فِيمَنْ ضَرَبَ عُضْوًا فَأَذْهَبَ مَنْفَعَتَهُ بِدُونِ أَنْ يَقْطَعَهُ، فَلِبَيَانِ كَوْنِ الْمُوجِبِ لِلدِّيَةِ تَفْوِيتَ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ لَا تَفْوِيتَ الصُّورَةِ تَأْثِيرٌ تَامٌّ وَفَائِدَةٌ ظَاهِرَةٌ هُنَاكَ. ثُمَّ أَقُولُ: الْأَقْرَبُ إلَى الْحَقِّ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هُنَا عَلَى مَا مَرَّ إشَارَةً إلَى مَا ذَكَرَهُ فِي أَوَائِلِ فَصْلٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْأَصْلُ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّهُ إذَا فَوَّتَ جِنْسَ مَنْفَعَةٍ عَلَى الْكَمَالِ أَوْ أَزَالَ جَمَالًا مَقْصُودًا فِي الْآدَمِيِّ عَلَى الْكَمَالِ يَجِبُ كُلُّ الدِّيَةِ لِإِتْلَافِهِ النَّفْسَ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالْإِتْلَافِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ تَعْظِيمًا لِلْآدَمِيِّ. اهـ.
فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلدِّيَةِ الْكَامِلَةِ فِي الْأَطْرَافِ تَفْوِيتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ إزَالَةُ الْجَمَالِ الْمَقْصُودِ فِي الْآدَمِيِّ عَلَى الْكَمَالِ فَيُنَاسِبُ الْإِشَارَةَ إلَيْهِ هُنَا بِقَوْلِهِ عَلَى مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ الْمُوجِبُ عَلَى مَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ وَلَهُمَا أَنَّ الْيَدَ آلَةٌ بَاطِشَةٌ وَالْبَطْشَ يَتَعَلَّقُ بِالْكَفِّ وَالْأَصَابِعَ دُونَ الذِّرَاعِ).
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الظَّاهِرُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ
стр. 1302
يَكُونَ تَبَعًا لِلْكَفِّ لِأَنَّهُ تَابِعٌ وَلَا تَبَعَ لِلتَّبَعِ. قَالَ: (وَإِنْ قَطَعَ الْكَفَّ مِنْ الْمِفْصَلِ وَفِيهَا أُصْبُعٌ وَاحِدَةٌ فَفِيهِ عُشْرُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ أُصْبُعَيْنِ فَالْخُمُسُ، وَلَا شَيْءَ فِي الْكَفِّ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُنْظَرُ إلَى أَرْشِ الْكَفِّ وَالْأُصْبُعِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَيَدْخُلُ الْقَلِيلُ فِي الْكَثِيرِ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَرْشَيْنِ لِأَنَّ الْكُلَّ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَلَا إلَى إهْدَارِ أَحَدِهِمْ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلٌ مِنْ وَجْهٍ فَرَجَّحْنَا بِالْكَثْرَةِ. وَلَهُ أَنَّ الْأَصَابِعَ أَصْلٌ وَالْكَفُّ تَابِعٌ حَقِيقَةً وَشَرْعًا، لِأَنَّ الْبَطْشَ يَقُومُ بِهَا، وَأَوْجَبَ الشَّرْعُ فِي أُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، وَالتَّرْجِيحُ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ وَالْحُكْمُ أَوْلَى مِنْ التَّرْجِيحِ مِنْ حَيْثُ مِقْدَارُ الْوَاجِبِ (وَلَوْ كَانَ فِي الْكَفِّ ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ يَجِبُ أَرْشُ الْأَصَابِعِ وَلَا شَيْءَ فِي الْكَفِّ بِالْإِجْمَاعِ) لِأَنَّ الْأَصَابِعَ أُصُولٌ فِي التَّقَوُّمِ، وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ فَاسْتَتْبَعَتْ الْكَفَّ، كَمَا إذَا كَانَتْ الْأَصَابِعُ قَائِمَةً بِأَسْرِهَا. قَالَ (وَفِي الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ) تَشْرِيفًا لِلْآدَمِيِّ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ يَدِهِ، وَلَكِنْ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا زِينَةَ (وَكَذَلِكَ السِّنُّ الشَّاغِيَةُ) لِمَا قُلْنَا.
(وَفِي عَيْنِ الصَّبِيِّ
وَاحِدٍ مِنْ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ مَدْخَلٌ فِي الْبَطْشِ، وَمَدْلُولُ قَوْلِهِ فِيمَا قَبْلُ وَلِأَنَّ الْكَفَّ تَبَعٌ لِلْأَصَابِعِ لِأَنَّ الْبَطْشَ بِهَا أَنْ يَكُونَ الْبَاطِشُ هُوَ الْأَصَابِعُ لَا غَيْرُ، فَبَيْنَ كَلَامَيْهِ فِي الْمَقَامَيْنِ نَوْعُ تَدَافُعٍ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْكَافِي تَفَطَّنَ لَهُ حَيْثُ غَيَّرَ تَحْرِيرَ الْمُصَنِّفِ هُنَا فَقَالَ: لَهُمَا أَنَّ أَرْشَ الْيَدِ إنَّمَا يَجِبُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ آلَةٌ بَاطِشَةٌ، وَالْأَصْلُ فِي الْبَطْشِ الْأَصَابِعُ وَالْكَفُّ تَبَعٌ لَهَا، أَمَّا السَّاعِدُ فَلَا يَتْبَعُهَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهَا فَلَمْ يُجْعَلْ تَبَعًا لَهَا فِي حَقِّ التَّضْمِينِ انْتَهَى. ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ كَلَامَيْ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا بِنَوْعِ عِنَايَةٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَدَّرَ
стр. 1303
وَذَكَرِهِ وَلِسَانِهِ إذَا لَمْ تُعْلَمْ صِحَّتُهُ حُكُومَةُ عَدْلٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ الصِّحَّةُ فَأَشْبَهَ قَطْعَ الْمَارِنِ وَالْأُذُنِ. وَلَنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ الْمَنْفَعَةُ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ صِحَّتُهَا لَا يَجِبُ الْأَرْشُ الْكَامِلُ بِالشَّكِّ، وَالظَّاهِرُ لَا يَصْلُحُ حَجَّةً لِلْإِلْزَامِ بِخِلَافِ الْمَارِنِ وَالْأُذُنِ الشَّاخِصَةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْجَمَالُ وَقَدْ فَوَّتَهُ عَلَى الْكَمَالِ (وَكَذَا لَوْ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ صَوْتٍ وَمَعْرِفَةُ الصِّحَّةِ فِيهِ بِالْكَلَامِ وَفِي الذَّكَرِ بِالْحَرَكَةِ وَفِي الْعَيْنِ بِمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى النَّظَرِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمَ الْبَالِغِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ.
قَالَ: (وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَوْ شَعْرُ رَأْسِهِ دَخَلَ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي الدِّيَةِ) لِأَنَّ بِفَوَاتِ الْعَقْلِ تَبْطُلُ مَنْفَعَةُ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَوْضَحَهُ فَمَاتَ، وَأَرْشُ الْمُوضِحَةِ يَجِبُ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ الشَّعْرِ، حَتَّى لَوْ نَبَتَ يَسْقُطُ، وَالدِّيَةُ بِفَوَاتِ كُلِّ الشَّعْرِ وَقَدْ تَعَلَّقَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ فَدَخَلَ الْجُزْءُ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا إذَا قَطَعَ أُصْبُعَ رَجُلٍ فَشُلَّتْ يَدُهُ.
الْمُضَافُ فِي قَوْلِهِ فِيمَا قَبْلُ لِأَنَّ الْبَطْشَ بِهَا: أَيْ لِأَنَّ أَصْلَ الْبَطْشِ بِهَا كَمَا قَالَ فِي الْكَافِي هُنَاكَ، لِأَنَّ قِوَامَ الْبَطْشِ بِهَا فَلَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ بِالْكَفِّ أَيْضًا بَطْشٌ فِي الْجُمْلَةِ بِالتَّبَعِيَّةِ فَيَرْتَفِعُ التَّدَافُعُ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ بِفَوَاتِ الْعَقْلِ تَبْطُلُ مَنْفَعَةُ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَوْضَحَهُ فَمَاتَ) أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَوْ كَانَ فَوَاتُ الْعَقْلِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ وَكَانَ هَذَا مَدَارَ دُخُولِ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ فِي الدِّيَةِ لَمَّا تَمَّ مَا سَبَقَ فِي فَصْلٍ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَضَى بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ ذَهَبَ بِهَا الْعَقْلُ وَالْكَلَامُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ مِنْ الشَّجَّةِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَوْ صَحَّ كَوْنُ فَوَاتِ الْعَقْلِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ لَمَا لَزِمَ فِي ضَرْبَةٍ ذَهَبَ بِهَا الْعَقْلُ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَأَرْشُ الْمُوضِحَةِ يَجِبُ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ الشَّعْرِ حَتَّى لَوْ نَبَتَ يَسْقُطُ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: أَيْ لَوْ نَبَتَ الشَّعْرُ وَالْتَأَمَتْ الشَّجَّةُ فَصَارَ كَمَا كَانَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ وُجُوبَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ بِسَبَبِ فَوَاتِ الشَّعْرِ انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ وَأَرْشُ الْمُوضِحَةِ يَجِبُ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ الشَّعْرِ لِبَيَانِ الْجُزْئِيَّةِ، وَقَوْلُهُ حَتَّى لَوْ نَبَتَ يَعْنِي الشَّعْرَ يَسْقُطُ: يَعْنِي أَرْشَ الْمُوضِحَةِ لِبَيَانِ أَنَّ الْأَرْشَ يَجِبُ بِالْفَوَاتِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَلَيْسَ بِمُفْتَقِرٍ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا اهـ أَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ وَلَيْسَ بِمُفْتَقِرٍ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ لَا رَيْبَ أَنَّ كَوْنَ وُجُوبِ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ
стр. 1304
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَدْخُلُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِنَايَةٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَلَا يَتَدَاخَلَانِ كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ. وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ (وَإِنْ ذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ بَصَرُهُ أَوْ كَلَامُهُ فَعَلَيْهِ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ مَعَ الدِّيَةِ) قَالُوا: هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الشَّجَّةَ تَدْخُلُ فِي دِيَةِ السَّمْعِ وَالْكَلَامِ وَلَا تَدْخُلُ فِي دِيَةِ الْبَصَرِ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جِنَايَةٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَالْمَنْفَعَةُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ فَأَشْبَهَ الْأَعْضَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ، بِخِلَافِ الْعَقْلِ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ عَائِدَةٌ إلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
الشَّعْرِ لَا بِمُجَرَّدِ تَفْرِيقِ الِاتِّصَالِ، وَالْإِيلَامُ الشَّدِيدُ أَمْرٌ خَفِيٌّ جِدًّا غَيْرُ مَعْلُومٍ بِدُونِ الْبَيَانِ وَالْإِعْلَامِ، إذْ كَانَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِمَّا ذَكَرُوا فِي فَصْلِ الشِّجَاجِ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِي وُجُوبِ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ فَوَاتُ جُزْءٍ مِنْ الشَّعْرِ بِالْكُلِّيَّةِ بِأَنْ لَا يَنْبُتَ بَعْدُ أَصْلًا، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْمُوضِحَةُ مِنْ الشِّجَاجِ هِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ: أَيْ تُبَيِّنُهُ ثُمَّ بَيَّنُوا حُكْمَهَا بِأَنَّهُ الْقِصَاصُ إنْ كَانَتْ عَمْدًا، وَنِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ إنْ كَانَتْ خَطَأً، وَلَا شَكَّ أَنَّ اسْمَ الْمُوضِحَةِ وَحَدَّهَا الْمَذْكُورَ يَتَحَقَّقَانِ فِيمَا نَبَتَ فِيهِ الشَّعْرُ أَيْضًا، فَكَانَ اشْتِرَاطُ أَنْ لَا يَنْبُتَ الشَّعْرُ بَعْدَ الْبُرْءِ أَصْلًا فِي وُجُوبِ أَرْشِهَا أَمْرًا خَفِيًّا مُحْتَاجًا إلَى الْبَيَانِ بَلْ إلَى الْبُرْهَانِ، وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَأَرْشُ الْمُوضِحَةِ يَجِبُ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ الشَّعْرِ حَتَّى لَوْ نَبَتَ يَسْقُطُ.
وَقَالَ فِي الْكَافِي: وَوُجُوبُ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ بِاعْتِبَارِ ذَهَابِ الشَّعْرِ، وَلِهَذَا لَوْ نَبَتَ الشَّعْرُ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَاسْتَوَى لَا يَجِبُ شَيْءٌ. وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وُجُوبُ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ بِاعْتِبَارِ ذَهَابِ الشَّعْرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نَبَتَ الشَّعْرُ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَاسْتَوَى كَمَا كَانَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبَيَانَاتِ الْوَاقِعَةِ مِنْ الثِّقَاتِ (قَوْلُهُ وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: قِيلَ يَعْنِي بِهِ قَوْلَهُ لِأَنَّ بِفَوَاتِ الْعَقْلِ تَبْطُلُ مَنْفَعَةُ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، وَقِيلَ: قَوْلُهُ وَقَدْ تَعَلَّقَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَشْمَلُ مِنْ الْأَوَّلِ انْتَهَى. أَقُولُ: فِي قَوْلِهِ وَهُوَ أَشْمَلُ بَحْثٌ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقَدْ تَعَلَّقَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ إنَّمَا هُوَ فَوَاتُ الشَّعْرِ كَمَا يَرْشُدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ فَدَخَلَ الْجُزْءُ فِي الْجُمْلَةِ، لِأَنَّ الْجُزْئِيَّةَ إنَّمَا تُوجَدُ فِي صُورَةِ فَوَاتِ شَعْرِ رَأْسِهِ بِالشَّجَّةِ لَا فِي صُورَةِ ذَهَابِ عَقْلِهِ بِهَا، وَقَدْ صَرَّحَ الشُّرَّاحُ حَتَّى صَاحِبُ الْعِنَايَةِ نَفْسُهُ بِكَوْنِ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ هُنَاكَ فَوَاتُ الشَّعْرِ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِهِ قَوْلُهُ وَقَدْ تَعَلَّقَا: يَعْنِي أَرْشَ الْمُوضِحَةِ وَالدِّيَةَ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ فَوَاتُ الشَّعْرِ، لَكِنَّ سَبَبَ الْمُوضِحَةِ الْبَعْضُ وَسَبَبُ الدِّيَةِ الْكُلُّ فَدَخَلَ الْجُزْءُ فِي الْجُمْلَةِ انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى يَخْتَصُّ بِالْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ صُورَةُ ذَهَابِ شَعْرِ رَأْسِهِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ بِفَوَاتِ الْعَقْلِ تَبْطُلُ مَنْفَعَةُ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ مُخْتَصٌّ بِالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهِيَ صُورَةُ ذَهَابِ عَقْلِهِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِي أَشْمَلُ مِنْ الْأَوَّلِ؟ وَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مَجْمُوعَ مَا ذَكَرَهُ فِي تَعْلِيلَيْ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَحِينَئِذٍ يُوجَدُ الشُّمُولُ بِلَا غُبَارٍ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ جِنَايَةٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَالْمَنْفَعَةُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ فَأَشْبَهَ الْأَعْضَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ، بِخِلَافِ الْعَقْلِ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ عَائِدَةٌ إلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ) قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ: كُنَّا نُفَرِّقُ بِهَذَا الْفَرْقِ حَتَّى رَأَيْت مَا يَنْقُضُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ يَدَهُ فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَنَّ عَلَيْهِ دِيَةَ الْعَقْلِ وَأَرْشَ الْيَدِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ، فَلَوْ كَانَ زَوَالُ الْعَقْلِ كَزَوَالِ الرُّوحِ لَمَا وَجَبَ أَرْشُ الْيَدِ كَمَا لَوْ مَاتَ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْفَرْقِ أَنَّ الْجِنَايَةَ وَقَعَتْ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ فِي الْعَقْلِ، وَوَقَعَتْ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ عَلَى عُضْوَيْنِ فَلَا يَدْخُلُ انْتَهَى.
أَقُولُ: كَمَا يُنْتَقَضُ الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ
стр. 1305
وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ السَّمْعَ وَالْكَلَامَ مُبْطَنٌ فَيُعْتَبَرُ بِالْعَقْلِ، وَالْبَصَرُ ظَاهِرٌ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ. قَالَ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا مُوضِحَةً فَذَهَبَتْ عَيْنَاهُ فَلَا قِصَاصَ فِي ذَلِكَ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِيهِمَا (وَقَالَا: فِي الْمُوضِحَةِ الْقِصَاصُ) قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِي الْعَيْنَيْنِ. .
قَالَ (وَإِنْ قَطَعَ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْ الْمِفْصَلِ الْأَعْلَى فَشُلَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْأُصْبُعِ أَوْ الْيَدِ كُلِّهَا لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِي الْمِفْصَلِ الْأَعْلَى وَفِيمَا بَقِيَ حُكُومَةُ عَدْلٍ (وَكَذَلِكَ لَوْ كَسَرَ سِنَّ رَجُلٍ فَاسْوَدَّ مَا بَقِيَ) وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِي السِّنِّ كُلِّهِ (وَلَوْ قَالَ: اقْطَعْ الْمِفْصَلَ وَاتْرُكْ مَا يَبِسَ أَوْ اكْسِرْ الْقِدْرَ الْمَكْسُورَ وَاتْرُكْ الْبَاقِيَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي نَفْسِهِ مَا وَقَعَ مُوجِبًا لِلْقَوَدِ فَصَارَ كَمَا لَوْ شَجَّهُ مُنَقِّلَةً فَقَالَ: أَشُجُّهُ مُوضِحَةً أَتْرُكُ الزِّيَادَةَ. لَهُمَا فِي الْخِلَافِيَّةِ أَنَّ الْفِعْلَ فِي مَحَلَّيْنِ فَيَكُونُ جِنَايَتَيْنِ مُبْتَدَأَتَيْنِ فَالشُّبْهَةُ فِي إحْدَاهُمَا لَا تَتَعَدَّى إلَى الْأُخْرَى، كَمَنْ رَمَى إلَى رَجُلٍ عَمْدًا فَأَصَابَهُ وَنَفَذَ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَقَتَلَهُ يَجِبُ الْقَوَدُ فِي الْأَوَّلِ وَالدِّيَةُ فِي الثَّانِي. وَلَهُ أَنَّ الْجِرَاحَةَ الْأُولَى سَارِيَةٌ وَالْجَزَاءُ بِالْمِثْلِ، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ السَّارِي فَيَجِبُ الْمَالُ، وَلِأَنَّ الْفِعْلَ وَاحِدٌ حَقِيقَةً وَهُوَ الْحَرَكَةُ الْقَائِمَةُ، وَكَذَا الْمَحَلُّ مُتَّحِدٌ مِنْ وَجْهِ لِاتِّصَالٍ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ فَأَوْرَثَتْ نِهَايَتُهُ شُبْهَةَ الْخَطَأِ فِي الْبِدَايَةِ، بِخِلَافِ النَّفْسَيْنِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ مِنْ سِرَايَةِ صَاحِبِهِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَ السِّكِّينُ عَلَى الْأُصْبُعِ
بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْهِنْدُوَانِيُّ كَذَلِكَ يُنْتَقَضُ مَا عَدَّهُ صَحِيحًا مِنْ الْفَرْقِ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ الْجِنَايَةَ وَقَعَتْ فِيهَا أَيْضًا عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْيَدُ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ أَرْشُ الْيَدِ فِي الدِّيَةِ، وَإِنْ اُعْتُبِرَ الْعَقْلُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ عُضْوًا مُغَايِرًا لِعُضْوِ الْيَدِ فَتَكُونُ الْجِنَايَةُ فِيهَا وَاقِعَةً عَلَى الْعُضْوَيْنِ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ، فَلِمَ لَمْ يُعْتَبَرْ الْعَقْلُ فِي مَسْأَلَةِ الشَّجَّةِ أَيْضًا عُضْوًا مُغَايِرًا لِمَحَلِّ الشَّجَّةِ حَتَّى تَكُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ مِنْ قَبِيلِ مَا وَقَعَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى عُضْوَيْنِ فَلَا يَدْخُلُ الْأَرْشُ فِي الدِّيَةِ كَمَا فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ. وَبِالْجُمْلَةِ مَا عَدَّهُ الْهِنْدُوَانِيُّ صَحِيحًا مِنْ الْفَرْقِ هُنَا لَا يَخْلُو عَنْ الِانْتِقَاضِ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ السَّمْعَ وَالْكَلَامَ مُبْطَنٌ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قِيلَ يُرَادُ بِهِ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ بِحَيْثُ لَا تَرْتَسِمُ فِيهَا الْمَعَانِي وَلَا يَقْدِرُ عَلَى نَظْمِ التَّكَلُّمِ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَهَابِ الْعَقْلِ عَسِرًا جِدًّا، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ التَّكَلُّمُ بِالْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ فَفِي جَعْلِهِ مُبْطَنًا نَظَرٌ انْتَهَى.
أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُوَ الثَّانِي، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ السَّمْعِ وَالْكَلَامِ مُبْطَنًا كَوْنُ مَحِلِّهِمَا مَسْتُورًا غَائِبًا عَنْ الْحِسِّ، بِخِلَافِ الْبَصَرِ فَإِنَّ مَحَلَّهُ ظَاهِرٌ مُشَاهَدٌ فَيَنْدَفِعُ النَّظَرُ كَمَا تَرَى
(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِي الْمِفْصَلِ الْأَعْلَى وَفِيمَا بَقِيَ حُكُومَةُ عَدْلٍ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا يُخَالِفُ وَيُنَافِي مَا ذَكَرَهُ
стр. 1306
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا مَقْصُودًا.
قَالَ: (وَإِنْ قَطَعَ أُصْبُعًا فَشُلَّتْ إلَى جَنْبِهَا أُخْرَى فَلَا قِصَاصَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا هُمَا وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ: يُقْتَصُّ مِنْ الْأُولَى وَفِي الثَّانِيَةِ أَرْشُهَا. وَالْوَجْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ. وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهُوَ مَا إذَا شُجَّ مُوضِحَةً فَذَهَبَ بَصَرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيهِمَا لِأَنَّ الْحَاصِلَ بِالسَّرَايَةِ مُبَاشَرَةً كَمَا فِي النَّفْسِ وَالْبَصَرُ يَجْرِي فِيهِ الْقِصَاصُ، بِخِلَافِ الْخِلَافِيَّةِ الْأَخِيرَةِ لِأَنَّ الشَّلَلَ لَا قِصَاصَ فِيهِ، فَصَارَ الْأَصْلُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ سِرَايَةَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ إلَى مَا يُمْكِنُ فِيهِ الْقِصَاصُ يُوجِبُ الِاقْتِصَاصَ كَمَا لَوْ آلَتْ إلَى النَّفْسِ وَقَدْ وَقَعَ الْأَوَّلُ ظُلْمًا. وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ أَنَّ ذَهَابَ الْبَصَرِ بِطَرِيقِ التَّسْبِيبِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ الشَّجَّةَ بَقِيَتْ مُوجِبَةً فِي نَفْسِهَا وَلَا قَوَدَ فِي التَّسْبِيبِ، بِخِلَافِ السِّرَايَةِ إلَى النَّفْسِ لِأَنَّهُ لَا تَبْقَى الْأُولَى فَانْقَلَبَتْ الثَّانِيَةُ مُبَاشَرَةً. .
قَالَ: (وَلَوْ كَسَرَ بَعْضَ السِّنِّ فَسَقَطَتْ فَلَا قِصَاصَ) إلَّا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ (وَلَوْ أَوْضَحَهُ مُوضِحَتَيْنِ فَتَآكَلَتَا فَهُوَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ هَاتَيْنِ).
قَالَ: (وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ رَجُلٍ فَنَبَتَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى سَقَطَ الْأَرْشُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ: عَلَيْهِ الْأَرْشُ كَامِلًا) لِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ وَالْحَادِثُ نِعْمَةٌ مُبْتَدَأَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَهُ أَنَّ الْجِنَايَةَ انْعَدَمَتْ مَعْنًى فَصَارَ كَمَا إذَا قَلَعَ سِنَّ صَبِيٍّ فَنَبَتَتْ لَا يَجِبُ الْأَرْشُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَمْ يُفْتِ عَلَيْهِ مَنْفَعَةً وَلَا زِينَةً (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ) لِمَكَانِ الْأَلَمِ الْحَاصِلِ (وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ غَيْرِهِ فَرَدَّهَا صَاحِبُهَا فِي مَكَانِهَا وَنَبَتَ عَلَيْهِ اللَّحْمُ فَعَلَى الْقَالِعِ الْأَرْشُ بِكَمَالِهِ) لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُعْتَدُّ بِهِ إذْ الْعُرُوقُ لَا تَعُودُ (وَكَذَا إذَا قَطَعَ أُذُنَهُ فَأَلْصَقَهَا فَالْتَحَمَتْ) لِأَنَّهَا لَا تَعُودُ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ نَزَعَ سِنَّ رَجُلٍ فَانْتَزَعَ الْمَنْزُوعَةُ سِنُّهُ سِنَّ النَّازِعِ فَنَبَتَتْ سِنُّ الْأَوَّلِ فَعَلَى الْأَوَّلِ لِصَاحِبِهِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى بِغَيْرِ حَقٍّ
فِيمَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِهِ وَقَدْ تَعَلَّقَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ فَدَخَلَ الْجُزْءُ فِي الْكُلِّ، كَمَا إذَا قُطِعَ أُصْبُعُ رَجُلٍ فَشُلَّتْ يَدُهُ فَإِنَّ مُقْتَضَى مَا أَسْلَفَهُ أَنْ يَجِبَ فِي الْكُلِّ الدِّيَةُ وَيَدْخُلُ الْجُزْءُ فِي الْكُلِّ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِنَاءُ اخْتِلَافِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَقَامَيْنِ
стр. 1307
لِأَنَّ الْمُوجِبَ فَسَادُ الْمَنْبَتِ وَلَمْ يَفْسُدْ حَيْثُ نَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى فَانْعَدَمَتْ الْجِنَايَةُ، وَلِهَذَا يُسْتَأْنَى حَوْلًا بِالْإِجْمَاعِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُنْتَظَرَ الْيَأْسُ فِي ذَلِكَ لِلْقِصَاصِ، إلَّا أَنَّ فِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ تَضْيِيعَ الْحُقُوقِ فَاكْتَفَيْنَا بِالْحَوْلِ لِأَنَّهُ تَنْبُتُ فِيهِ ظَاهِرًا، فَإِذَا مَضَى الْحَوْلُ وَلَمْ تَنْبُتْ قَضَيْنَا بِالْقِصَاصِ، وَإِذَا نَبَتَتْ تَبَيَّنَ أَنَّا أَخْطَأْنَا فِيهِ وَالِاسْتِيفَاءُ كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ فَيَجِبُ الْمَالُ. قَالَ: (وَلَوْ ضَرَبَ إنْسَانٌ سِنَّ إنْسَانٍ فَتَحَرَّكَتْ يُسْتَأْنَى حَوْلًا) لِيَظْهَرَ أَثَرُ فِعْلِهِ (فَلَوْ أَجَّلَهُ الْقَاضِي سَنَةً ثُمَّ جَاءَ الْمَضْرُوبُ وَقَدْ سَقَطَتْ سِنُّهُ فَاخْتَلَفَا قَبْلَ السَّنَةِ فِيمَا سَقَطَ بِضَرْبِهِ فَالْقَوْلُ لِلْمَضْرُوبِ) لِيَكُونَ التَّأْجِيلُ مُفِيدًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا شَجَّهُ مُوضِحَةً فَجَاءَ وَقَدْ صَارَتْ مُنَقِّلَةً فَاخْتَلَفَا حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الضَّارِبِ لِأَنَّ الْمُوضِحَةَ لَا تُورِثُ الْمُنَقِّلَةَ، أَمَّا التَّحْرِيكُ فَيُؤَثِّرُ فِي السُّقُوطِ فَافْتَرَقَا
عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَمِمَّا يُعَضِّدُهُ كَلَامُ تَاجِ الشَّرِيعَةِ هُنَا حَيْثُ قَالَ: وَذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي الْجَامِعِ عَلَى نَحْوِ مَا ذُكِرَ هُنَا، وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ مَفْصِلًا مِنْ أُصْبُعٍ فَشُلَّ الْبَاقِي فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي الْكُلِّ الْأَرْشُ وَيُجْعَلُ كُلُّهُ جِنَايَةً وَاحِدَةً انْتَهَى تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ وَلِهَذَا يُسْتَأْنَى حَوْلًا بِالْإِجْمَاعِ) أَيْ يُؤَجَّلُ سَنَةً بِالْإِجْمَاعِ. وَذَكَرَ فِي التَّتِمَّةِ أَنَّ سِنَّ الْبَالِغِ إذَا سَقَطَ يُنْتَظَرُ حَتَّى يَبْرَأَ مَوْضِعُ السِّنِّ لَا الْحَوْلَ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ نَبَاتَ سِنِّ الْبَالِغِ نَادِرٌ فَلَا يُفِيدُ التَّأْجِيلُ، إلَّا أَنَّ قَبْلَ الْبُرْءِ لَا يُقْتَصُّ وَلَا يُؤْخَذُ الْأَرْشُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي عَاقِبَتَهُ انْتَهَى. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ إجْمَالًا: وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، لِأَنَّ الْحَوْلَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ وَلَهَا تَأْثِيرٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ الْإِنْسَانِ، فَلَعَلَّ فَصْلًا مِنْهَا يُوَافِقُ مِزَاجَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَيُؤَثِّرُ فِي إنْبَاتِهِ. وَقَالَ: وَلَكِنَّ قَوْلَهُ بِالْإِجْمَاعِ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: الِاسْتِينَاءُ حَوْلًا فِي فَصْلِ الْقَلْعِ فِي الْبَالِغِ وَالصَّغِيرِ جَمِيعًا لِقَوْلِهِ ﵊ «فِي الْجِرَاحَاتِ كُلِّهَا يُسْتَأْنَى حَوْلًا» وَهُوَ كَمَا تَرَى يُنَافِي الْإِجْمَاعَ انْتَهَى.
أَقُولُ: نَظَرُهُ سَاقِطٌ، لِأَنَّ الَّذِي يُنَافِي الْإِجْمَاعَ مِمَّا نَقَلَهُ عَنْ الذَّخِيرَةِ إنَّمَا هُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: أَيْ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ، لَكِنَّ مَفْهُومَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عَدَمُ إجْمَاعِ الْمَشَايِخِ لَا عَدَمُ إجْمَاعِ الْمُجْتَهِدِينَ. وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالْإِجْمَاعِ فِي قَوْلِهِ وَلِهَذَا يُسْتَأْتَى حَوْلًا بِالْإِجْمَاعِ إنَّمَا هُوَ إجْمَاعُ الْمُجْتَهِدِينَ دُونَ إجْمَاعِ الْمَشَايِخِ، وَانْتِفَاءُ أَحَدِ الْإِجْمَاعَيْنِ لَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْآخَرِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ الْمَشَايِخَ كَثِيرًا مَا يَخْتَلِفُونَ فِي رِوَايَةِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ، فَبَعْضُهُمْ يَرْوِي اجْتِمَاعَ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهَا وَبَعْضُهُمْ يَرْوِي اخْتِلَافَهُمْ فِيهَا، وَمَا نَحْنُ فِيهِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، كَمَا يُشْعِرُ بِهِ مَا ذُكِرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: وَنَقَلَ النَّاطِفِيِّ فِي الْأَجْنَاسِ عَنْ نَوَادِرِ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَةَ ابْنِ سِمَاعَةَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: رَجُلٌ قَلَعَ سِنَّ رَجُلٍ لَا أَنْتَظِرُ بِهَا حَوْلًا، وَإِنَّمَا أَنْتَظِرُ بِسِنِّ الصَّبِيِّ وَأَقْضِي عَلَيْهِ بِأَرْشِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ نَبَاتَ السِّنِّ بَعْدَ الْبُلُوغِ نَادِرٌ، وَإِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِثْلُ خُوَاهَرْ زَادَهْ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ النَّاطِفِيُّ أَيْضًا. قَالَ فِي الْمُجَرَّدِ: لَوْ نَزَعَ سِنَّ صَبِيٍّ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ ضَمِينًا مِنْ النَّازِعِ لِلْمَنْزُوعِ سِنُّهُ وَيُؤَجِّلَهُ سَنَةً مُنْذُ يَوْمِ
стр. 1308
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ بَعْدَ السَّنَةِ فَالْقَوْلُ لِلضَّارِبِ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ أَثَرَ فِعْلِهِ وَقَدْ مَضَى الْأَجَلُ الَّذِي وَقَّتَهُ الْقَاضِي لِظُهُورِ الْأَثَرِ فَكَانَ الْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ (وَلَوْ لَمْ تَسْقُطْ لَا شَيْءَ عَلَى الضَّارِبِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تَجِبُ حُكُومَةُ الْأَلَمِ، وَسَنُبَيِّنُ الْوَجْهَيْنِ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَوْ لَمْ تَسْقُطْ وَلَكِنَّهَا اسْوَدَّتْ يَجِبُ الْأَرْشُ فِي الْخَطَإِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَفِي الْعَمْدِ فِي مَالِهِ، وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَضْرِبَهُ ضَرْبًا تَسْوَدُّ مِنْهُ (وَكَذَا إذَا كَسَرَ بَعْضَهُ وَاسْوَدَّ الْبَاقِي) لَا قِصَاصَ لِمَا ذَكَرْنَا (وَكَذَا لَوْ احْمَرَّ أَوْ اخْضَرَّ) وَلَوْ اصْفَرَّ فِيهِ رِوَايَتَانِ. .
قَالَ: (وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا فَالْتَحَمَتْ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ وَنَبَتَ الشَّعْرُ سَقَطَ الْأَرْشُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِزَوَالِ الشَّيْنِ الْمُوجِبِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَرْشُ الْأَلَمِ وَهُوَ حُكُومَةُ عَدْلٍ، لِأَنَّ الشَّيْنَ إنْ زَالَ فَالْأَلَمُ الْحَاصِلُ مَا زَالَ فَيَجِبُ تَقْوِيمُهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ أُجْرَةُ الطَّبِيبِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَهُ الطَّبِيبُ وَثَمَنُ الدَّوَاءِ بِفِعْلِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: إنَّ الْمَنَافِعَ عَلَى أَصْلِنَا لَا تَتَقَوَّمُ إلَّا بِعَقْدٍ أَوْ بِشُبْهَةٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْجَانِي فَلَا يَغْرَمُ شَيْئًا. .
نُزِعَ سِنُّهُ، فَإِذَا مَضَتْ سَنَةٌ وَلَمْ تَنْبُتْ اقْتَصَّ لَهُ. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يُفَرِّقْ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا بَيْنَ سِنِّ الْبَالِغِ وَالصَّغِيرِ بَلْ قَالُوا بِالِاسْتِينَاءِ فِيهِمَا جَمِيعًا. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقُدُورِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُمَا، إلَى هُنَا لَفْظُ الْغَايَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَيْضًا ذَهَبَ إلَيْهِ فَقَالَ: وَلِهَذَا يَسْتَأْنِي حَوْلًا بِالْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالْبَالِغِ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ أَخْذًا بِمَا ذَكَرَ فِي الْمُجَرَّدِ بِدُونِ رِوَايَةِ خِلَافِ أَحَدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ. وَالْعَجَبُ مِنْ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ أَنَّهُ جَعَلَ مَا ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ مُنَافِيًا لِلْإِجْمَاعِ وَلَمْ يَجْعَلْ مَا ذَكَرَ فِي التَّتِمَّةِ مُنَافِيًا لَهُ حَيْثُ لَمْ يُورِدْ النَّظَرَ بِهِ مَعَ كَوْنِ مُنَافَاتِهِ إيَّاهُ أَظْهَرُ عَلَى تَقْدِيرِ حَمْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى إجْمَاعِ الْمَشَايِخِ كَمَا هُوَ مَدَارُ نَظَرِهِ الْمَذْكُورِ.
وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَصَاحِبَا الْكِفَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: قَوْلُهُ وَلِهَذَا يَسْتَأْنِي حَوْلًا بِالْإِجْمَاعِ يُخَالِفُ رِوَايَةَ التَّتِمَّةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ تَسْقُطْ وَلَكِنَّهَا اسْوَدَّتْ يَجِبُ الْأَرْشُ فِي الْخَطَإِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَفِي الْعَمْدِ فِي مَالِهِ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ: أَوْجَبَ مُحَمَّدٌ كَمَالَ
стр. 1309
قَالَ: (وَمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا مِائَةَ سَوْطٍ فَجَرَحَهُ فَبَرَأَ مِنْهَا فَعَلَيْهِ أَرْشُ الضَّرْبِ) مَعْنَاهُ: إذَا بَقِيَ أَثَرُ الضَّرْبِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَبْقَ أَثَرُهُ فَهُوَ عَلَى اخْتِلَافٍ قَدْ مَضَى فِي الشَّجَّةِ الْمُلْتَحِمَةِ. .
قَالَ (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ خَطَأً ثُمَّ قَتَلَهُ خَطَأً قَبْلَ الْبُرْءِ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَسَقَطَ عَنْهُ أَرْشُ الْيَدِ) لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَالْمُوجَبُ وَاحِدٌ وَهُوَ الدِّيَةُ وَإِنَّهَا بَدَلُ النَّفْسِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا فَدَخَلَ الطَّرَفُ فِي النَّفْسِ كَأَنَّهُ قَتَلَهُ ابْتِدَاءً. .
قَالَ: (وَمَنْ جَرَحَ رَجُلًا جِرَاحَةً لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ حَتَّى يَبْرَأَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْحَالِ اعْتِبَارًا بِالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُوجِبَ قَدْ تَحَقَّقَ فَلَا يُعَطَّلُ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «يُسْتَأْنَى فِي الْجِرَاحَاتِ سَنَةً» وَلِأَنَّ الْجِرَاحَاتِ يُعْتَبَرُ فِيهَا مَآلُهَا لَا حَالُهَا لِأَنَّ حُكْمَهَا فِي الْحَالِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلَعَلَّهَا تَسْرِي إلَى النَّفْسِ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ قَتَلَ وَإِنَّمَا يَسْتَقِرُّ الْأَمْرُ بِالْبُرْءِ. .
قَالَ: (وَكُلُّ عَمْدٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ فِيهِ بِشُبْهَةٍ فَالدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَكُلُّ أَرْشٍ وَجَبَ بِالصُّلْحِ فَهُوَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَعْقِلُ الْعَوَاقِلُ عَمْدًا» الْحَدِيثُ. وَهَذَا عَمْدٌ،
الْأَرْشِ بِاسْوِدَادِ السِّنِّ، وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السِّنُّ مِنْ الْأَضْرَاسِ الَّتِي لَا تُرَى أَوْ مِنْ الْعَوَارِضِ الَّتِي تُرَى. قَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِيهَا عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ كَانَ السِّنُّ مِنْ الْأَضْرَاسِ الَّتِي لَا تُرَى، إنْ فَاتَتْ مَنْفَعَةُ الْمَضْغِ بِالِاسْوِدَادِ يَجِبُ الْأَرْشُ كَامِلًا، وَإِلَّا يَجِبُ حُكُومَةُ الْعَدْلِ، وَإِنْ كَانَ السِّنُّ مِنْ الْعَوَارِضِ الَّتِي تُرَى وَتَظْهَرُ يَجِبُ كَمَالُ الْأَرْشِ بِالِاسْوِدَادِ، وَإِنْ لَمْ تَفُتْ مَنْفَعَتُهُ لِأَنَّهُ فَوَّتَ جَمَالًا عَلَى الْكَمَالِ انْتَهَى.
وَهَذَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ هُنَا وَعَزَاهُ أَكْثَرُهُمْ إلَى الذَّخِيرَةِ فَقَطْ، وَأَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى جَوَابِ الشِّقِّ الثَّانِي مِنْ التَّفْصِيلِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرُوهُ قُبَيْلَ فَصْلِ الشِّجَاجِ مِنْ أَنَّ الْجَمَالَ تَابِعٌ فِي الْعُضْوِ الَّذِي يُقْصَدُ مِنْهُ الْمَنْفَعَةُ انْتَهَى. أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِي الْأَسْنَانِ الَّتِي تُرَى لَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ مِنْهَا بِالذَّاتِ وَإِنْ حَصَلَتْ فِيهَا أَيْضًا فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا بِالذَّاتِ الْجَمَالُ وَالزِّينَةُ لِلْإِنْسَانِ، وَمَا ذَكَرُوا قُبَيْلَ فَصْلِ الشِّجَاجِ مِنْ كَوْنِ الْجَمَالِ تَابِعًا إنَّمَا هُوَ فِي الْأَعْضَاءِ الَّتِي يُقْصَدُ مِنْهَا الْمَنْفَعَةُ أَصَالَةً كَالْيَدِ وَنَحْوِهَا فَلَا مُخَالَفَةَ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَعْقِلُ الْعَوَاقِلُ عَمْدًا» الْحَدِيثُ) قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَقَدْ مَرَّ آنِفًا انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا النَّظَرُ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَمَا رُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيِّ، رُوِيَ أَيْضًا مَرْفُوعًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ هُنَا صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵊ «لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا وَلَا مَا دُونَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ» انْتَهَى.
وَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْمَعَاقِلِ بِهَذَا الْمِنْوَالِ، فَكَانَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا رُوِيَ مَرْفُوعًا إلَيْهِ بِلَا رَيْبٍ، وَهَذَا يَكْفِي فِي صِحَّةِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ عَلَى مَا رُوِيَ مَوْقُوفًا أَيْضًا يُحْمَلُ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُعْلَمُ بِالرَّأْيِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى السَّمَاعِ، وَمِثْلُ هَذَا يُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ صِيَانَةً لِلصَّحَابِيِّ عَنْ الْكَذِبِ وَالْجُزَافِ وَيَصِيرُ الْمَوْقُوفُ فِيهِ كَالْمَرْفُوعِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ وَمَرَّ فِي الْكِتَابِ مِرَارًا، فَصَحَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي حَقِّ هَذَا الْحَدِيثِ لِقَوْلِهِ ﵊
стр. 1310
غَيْرَ أَنَّ الْأَوَّلَ يَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِأَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ بِالْقَتْلِ ابْتِدَاءً فَأَشْبَهَ شِبْهَ الْعَمْدِ. وَالثَّانِي يَجِبُ حَالًّا لِأَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ بِالْعَقْدِ فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ. قَالَ: (وَإِنْ قَتَلَ الْأَبُ ابْنَهُ عَمْدًا فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تَجِبُ حَالَّةً لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا يَجِبُ بِالْإِتْلَافِ يَجِبُ حَالًّا، وَالتَّأْجِيلُ لِلتَّخْفِيفِ فِي الْخَاطِئِ وَهَذَا عَامِدٌ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ، وَلِأَنَّ الْمَالَ وَجَبَ جَبْرًا لِحَقِّهِ، وَحَقُّهُ فِي نَفْسِهِ حَالٌّ فَلَا يَنْجَبِرُ بِالْمُؤَجَّلِ. وَلَنَا أَنَّهُ مَالٌ وَاجِبٌ بِالْقَتْلِ فَيَكُونُ مُؤَجَّلًا كَدِيَةِ الْخَطَإِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى تَقَوُّمَ الْآدَمِيِّ بِالْمَالِ لِعَدَمِ التَّمَاثُلِ، وَالتَّقْوِيمُ ثَبَتَ بِالشَّرْعِ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ مُؤَجَّلًا لَا مُعَجَّلًا فَلَا يَعْدُلُ عَنْهُ لَا سِيَّمَا إلَى زِيَادَةٍ، وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ التَّغْلِيطُ بِاعْتِبَارِ الْعَمْدِيَّةِ قَدْرًا لَا يَجُوزُ وَصْفًا (وَكُلُّ جِنَايَةٍ اعْتَرَفَ بِهَا الْجَانِي فَهِيَ فِي مَالِهِ وَلَا يَصْدُقُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَتَعَدَّى الْمُقِرَّ لِقُصُورِ وِلَايَتِهِ عَنْ غَيْرِهِ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْعَاقِلَةِ. .
قَالَ: (وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ وَفِيهِ الدِّيَةُ) عَلَى الْعَاقِلَةِ،
عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَالْعَجَبُ مِنْ صَاحِبِ الْغَايَةِ أَنَّهُ قَالَ: وَقَدْ مَرَّ آنِفًا، وَاَلَّذِي مَرَّ مِنْهُ آنِفًا يَصِيرُ جَوَابًا عَنْ نَظَرِهِ هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي مُوَطَّئِهِ وَقَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ " لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا وَلَا مَا جَنَى الْمَمْلُوكُ " وَهَذَا لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ طَرِيقِ التَّوْقِيفِ، فَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لِصِيَانَتِهِ عَنْ الْكَذِبِ وَالْجُزَافِ، إلَى هُنَا لَفْظُهُ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْجَوَابِ عَنْ نَظَرِهِ هَا هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّ الْأَوَّلَ يَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِأَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ بِالْقَتْلِ ابْتِدَاءً فَأَشْبَهَ شِبْهَ الْعَمْدِ) أَقُولُ: إنَّ قَيْدَ ابْتِدَاءً فِي قَوْلِهِ وَجَبَ بِالْقَتْلِ ابْتِدَاءً مُسْتَدْرَكٌ بَلْ مُفْسِدٌ، لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْجِنَايَاتِ أَثْنَاءَ بَيَانِ أَنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ شِبْهِ الْعَمْدِ الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ: وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ دِيَةٍ وَجَبَتْ بِالْقَتْلِ ابْتِدَاءً لَا بِمَعْنًى يَحْدُثُ مِنْ بَعْدُ فَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ هَا هُنَا مَا لَا وَجَبَ بِالْقَتْلِ ابْتِدَاءً لَوَجَبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ هُنَاكَ مَعَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ آنِفًا.
فَالْوَجْهُ أَنْ يُتْرَكَ قَيْدُ ابْتِدَاءً هَا هُنَا فَيُقَالُ: لِأَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ بِالْقَتْلِ احْتِرَازًا بِهِ عَمَّا وَجَبَ بِالْعَمْدِ كَمَا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَجِبُ حَالًّا، وَلَقَدْ أَصَابَ فِيمَا بَعْدُ حَيْثُ قَالَ: وَلَنَا أَنَّهُ مَالٌ وَاجِبٌ بِالْقَتْلِ فَيَكُونُ مُؤَجَّلًا كَدِيَةِ الْخَطَإِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ (قَوْلُهُ وَإِذَا قَتَلَ الْأَبُ ابْنَهُ عَمْدًا فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: كَأَنَّ حُكْمَهُ قَدْ عُلِمَ مِنْ الضَّابِطَةِ الْكُلِّيَّةِ لَكِنَّهُ ذَكَرَهُ لِبَيَانِ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ انْتَهَى. أَقُولُ: اعْتِذَارُهُ هَذَا لَيْسَ بِسَدِيدٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ ذِكْرَ حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ ذِكْرِ تِلْكَ الضَّابِطَةِ الْكُلِّيَّةِ قَدْ وَقَعَ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ وَالْبِدَايَةِ أَيْضًا بِدُونِ بَيَانِ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ أَصْلًا، فَكَيْفَ يَصْلُحُ بَيَانُ الْمُصَنِّفِ فِي شَرْحِهِ خِلَافَ الشَّافِعِيِّ لَأَنْ يَكُونَ عُذْرًا مِنْ ذِكْرِهِ حُكْمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَتْنِهِ قَبْلَ مُدَّةٍ مِنْ ذِكْرِ الْقُدُورِيِّ إيَّاهُ
стр. 1311
وَكَذَلِكَ كُلُّ جِنَايَةٍ مُوجَبُهَا خَمْسُمِائَةٍ فَصَاعِدًا وَالْمَعْتُوهُ كَالْمَجْنُونِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: عَمْدُهُ عَمْدٌ حَتَّى تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ حَالَّةً) لِأَنَّهُ عَمْدٌ حَقِيقَةً، إذْ الْعَمْدُ هُوَ الْقَصْدُ غَيْرَ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْهُ أَحَدُ حُكْمَيْهِ وَهُوَ الْقِصَاصُ فَيَنْسَحِبُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ الْآخَرُ وَهُوَ الْوُجُوبُ فِي مَالِهِ، وَلِهَذَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِهِ، وَيَحْرُمُ عَنْ الْمِيرَاثِ عَلَى أَصْلِهِ لِأَنَّهُمَا يَتَعَلَّقَانِ بِالْقَتْلِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ جَعَلَ عَقْلَ الْمَجْنُونِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَقَالَ: عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ سَوَاءٌ، وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ مَظِنَّةُ الْمَرْحَمَةِ، وَالْعَاقِلُ الْخَاطِئُ لَمَّا اسْتَحَقَّ التَّخْفِيفَ حَتَّى وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَالصَّبِيُّ وَهُوَ أَعْذَرُ أَوْلَى بِهَذَا التَّخْفِيفِ. وَلَا نُسَلِّمُ تَحَقُّقَ الْعَمْدِيَّةِ فَإِنَّهَا تَتَرَتَّبُ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعِلْمُ بِالْعَقْلِ، وَالْمَجْنُونُ عَدِيمُ الْعَقْلِ وَالصَّبِيُّ قَاصِرُ الْعَقْلِ فَأَنَّى يَتَحَقَّقُ مِنْهُمَا الْقَصْدُ وَصَارَ كَالنَّائِمِ. وَحِرْمَانُ الْمِيرَاثِ عُقُوبَةٌ، وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ وَالْكَفَّارَةُ كَاسْمِهَا سَتَّارَةٌ: وَلَا ذَنْبَ تَسْتُرُهُ لِأَنَّهُمَا مَرْفُوعَا الْقَلَمِ. .
(فَصْلٌ فِي الْجَنِينِ)
قَالَ: (وَإِذَا ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَفِيهِ غُرَّةٌ وَهِيَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ) قَالَ ﵁:
فِي مُخْتَصَرِهِ قَبْلَ سِنِينَ مُتَكَاثِرَةٍ، وَهَلْ يَتَفَوَّهُ الْعَاقِلُ بِمِثْلِ ذَاكَ الِاعْتِذَارِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ خِلَافَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُنْفَرِدَةِ بِالذِّكْرِ، بَلْ خِلَافُهُ مُتَحَقِّقٌ فِي حُكْمِ تِلْكَ الضَّابِطَةِ الْكُلِّيَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ بِالتَّأْجِيلِ فِي الْعَمْدِ أَصْلًا بَلْ يُخَصِّصُهُ بِالْخَطَإِ كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ تَعْلِيلُهُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ، وَتِلْكَ الضَّابِطَةُ الْكُلِّيَّةُ إنَّمَا هِيَ فِي الْعَمْدِ، وَحُكْمُهَا التَّأْجِيلُ مُطْلَقًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ غَيْرَ أَنَّ الْأَوَّلَ يَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، فَقَصْدُ بَيَانِ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ لَا يَقْتَضِي إفْرَادَ حُكْمِ هَاتِيكَ الْمَسْأَلَةِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذِكْرِ تِلْكَ الضَّابِطَةِ الْكُلِّيَّةِ فَلَا تَمْشِيَةَ لِلِاعْتِذَارِ الْمَذْكُورِ أَصْلًا.
(فَصْلٌ الْجِنَايَةُ فِي الْجَنِينِ).
لَمَّا ذَكَرَ أَحْكَامَ الْجِنَايَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْآدَمِيِّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِهَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْآدَمِيِّ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَهُوَ الْجَنِينُ. بَيَانُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي أُصُولِهِ أَنَّ الْجَنِينَ مَا دَامَ مُجْتَنًّا فِي الْبَطْنِ لَيْسَ لَهُ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ الْآدَمِيِّ لَكِنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالْحَيَاةِ مُعَدٌّ لَأَنْ يَكُونَ نَفْسًا لَهُ ذِمَّةٌ، فَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ أَهْلًا لِوُجُوبِ الْحَقِّ لَهُ مِنْ عِتْقٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، وَبِاعْتِبَارِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ أَهْلًا لِوُجُوبِ الْحَقِّ عَلَيْهِ، فَأَمَّا بَعْدَمَا يُولَدُ فَلَهُ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ، وَلِهَذَا لَوْ انْقَلَبَ
стр. 1312
مَعْنَاهُ دِيَةُ الرَّجُلِ، وَهَذَا فِي الذَّكَرِ، وَفِي الْأُنْثَى عُشْرُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ. وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَيَقَّنْ بِحَيَاتِهِ، وَالظَّاهِرُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ «فِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ قِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ» وَيُرْوَى " أَوْ خَمْسُمِائَةٍ " فَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِالْأَثَرِ، وَهُوَ
عَلَى مَالِ إنْسَانٍ فَأَتْلَفَهُ يَكُونُ ضَامِنًا لَهُ وَيَلْزَمُهُ مَهْرُ امْرَأَتِهِ بِعَقْدِ الْوَلِيِّ (قَوْلُهُ وَهَذَا فِي الذَّكَرِ وَفِي الْأُنْثَى عُشْرُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ) أَقُولُ: فِي هَذَا التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَهَذَا فِي الذَّكَرِ وَفِي الْأُنْثَى عُشْرُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ اسْتِدْرَاكٌ بَعْدَ أَنْ قَالَ قَبْلَهُ مَعْنَاهُ دِيَةُ الرَّجُلِ، لِأَنَّ عُشْرَ دِيَةِ الْمَرْأَةِ هُوَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ فِي الْمِقْدَارِ بِلَا رَيْبٍ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ فَعُشْرُ دِيَتِهَا نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ هُنَا بِقَوْلِهِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَمَا فَائِدَةُ هَذَا التَّفْصِيلِ الْفَارِقِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي مُجَرَّدِ الْعِبَارَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَظْهَرُ فَائِدَتُهُ أَنْ لَوْ لَمْ يُفَسِّرْ نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ الْوَاقِعِ فِي كَلَامِ الْقُدُورِيِّ بِقَوْلِهِ مَعْنَاهُ دِيَةُ الرَّجُلِ فَإِنَّهُ كَانَ يَحْتَمِلُ حِينَئِذٍ نِصْفَ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ وَنِصْفَ عُشْرِ دِيَةِ الْمَرْأَةِ فَيُفِيدُ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ، وَعَنْ هَذَا فَصَّلَ صَاحِبُ الْكَافِي كَمَا فَصَّلَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ قَبْلَهُ لِتَقْيِيدِ عُشْرِ الدِّيَةِ بِعُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ (قَوْلُهُ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِحَيَاتِهِ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ تَتْمِيمًا لِمَا فِي الْكِتَابِ: وَفِعْلُ الْقَتْلِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي مَحِلٍّ هُوَ حَيٌّ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِالشَّكِّ انْتَهَى.
أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَى هَذَا الْبَيَانِ أَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ أَنْ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ الْغُرَّةِ جَزَاءَ فِعْلِ الْقَتْلِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ جَزَاءَ إتْلَافِ عُضْوٍ مِنْ الْآدَمِيِّ صَالِحٍ لِلْحَيَاةِ كَمَا يَجِبُ فِي إتْلَافِ سَائِرِ أَعْضَائِهِ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى مَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ. وَالْأَظْهَرُ فِي الْبَيَانِ هُنَا مَا ذَكَرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ ثَانِيًا بِقَوْلِهِ وَلِأَنَّ الْجَنِينَ فِي حُكْمِ الْأَعْضَاءِ بِدَلَالَةِ أَنَّهُ لَا يَكْمُلُ أَرْشُهُ وَالْأَعْضَاءُ لَوْ انْفَصَلَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا تَتَقَوَّمُ انْتَهَى تَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحِلِّ: فَإِنْ قِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ حَيٌّ أَوْ مُعَدٌّ لِلْحَيَاةِ. قُلْنَا: الظَّاهِرُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ فِي جَنِينِ الْبَهِيمَةِ إلَّا نُقْصَانُ الْأُمِّ إنْ تَمَكَّنَ اهـ.
وَرَدَّ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قَوْلَهُ أَوْ مُعَدٌّ لِلْحَيَاةِ فِي تَقْرِيرِ السُّؤَالِ حَيْثُ قَالَ: كَوْنُهُ مُعَدًّا لِلْحَيَاةِ مُتَيَقَّنٌ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الظَّاهِرِ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ بِسَدِيدٍ، فَإِنَّ تَيَقُّنَ كَوْنِهِ مُعَدًّا لِلْحَيَاةِ مَمْنُوعٌ لِجَوَازِ أَنْ يَفْسُدَ الْمَاءُ فِي الرَّحِمِ فَحِينَئِذٍ يَنْتَفِي اسْتِعْدَادُهُ لِلْحَيَاةِ، وَلَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ فِي النِّهَايَةِ حَيْثُ قَالَ نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ: ثُمَّ الْمَاءُ فِي الرَّحِمِ مَا لَمْ يَفْسُدْ فَهُوَ مُعَدٌّ لِلْحَيَاةِ فَيُجْعَلُ كَالْحَيِّ فِي إيجَابِ ذَلِكَ
стр. 1313
حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَدَّرَهَا بِسِتِّمِائَةٍ نَحْوُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ (وَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ) عِنْدَنَا إذَا كَانَتْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ.
الضَّمَانِ بِإِتْلَافِهِ كَمَا يُجْعَلُ بِيضُ الصَّيْدِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ كَالصَّيْدِ فِي إيجَابِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ بِكَسْرِهِ انْتَهَى تَبَصَّرْ (قَوْلُهُ وَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ عِنْدَنَا إذَا كَانَتْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ) اعْلَمْ أَنَّ النَّاظِرِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ تَحَيَّرُوا فِي تَوْجِيهِ هَذَا الْقَيْدِ: أَعْنِي قَوْلَهُ إذَا كَانَتْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: قَيَّدَ بِهَذَا احْتِرَازًا عَنْ جَنِينِ الْأَمَةِ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ لَا تَبْلُغُ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ كَذَا وَجَدْت بِخَطِّ شَيْخِي، لَكِنْ هَذَا لَا يَتَّضِحُ لِي لِأَنَّ مَا وَجَبَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ هُوَ فِي مَالِ الضَّارِبِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْبُلُوغِ إلَى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى مَا يَجِيءُ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. وَسَائِرُ الشُّرَّاحِ أَيْضًا ذَكَرُوا التَّوْجِيهَ الَّذِي نَقَلَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ عَنْ خَطِّ شَيْخِهِ، وَرَدُّوهُ بِمَا رَدَّهُ بِهِ صَاحِبُ النِّهَايَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: وَقَوْلُهُ إذَا كَانَتْ خَمْسَمِائَةٍ كَأَنَّهُ سَهْوُ الْقَلَمِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إذْ بِسُكُونِ الذَّالِ بِلَا أَلِفٍ بَعْدَهَا: يَعْنِي أَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهَا مَقْدِرَةٌ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَالْعَاقِلَةُ تَعْقِلُ خَمْسَمِائَةٍ وَلَا تَعْقِلُ مَا دُونَهَا انْتَهَى.
وَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ هَذَا التَّوْجِيهَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِرَدٍّ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ التَّوْجِيهَ الْأَوَّلَ مَعَ رَدِّهِ حَيْثُ قَالَ: قِيلَ قَيَّدَ بِهِ احْتِرَازًا عَنْ جَنِينِ الْأَمَةِ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ لَا تَبْلُغُ خَمْسَمِائَةٍ. وَرُدَّ بِأَنَّ مَا يَجِبُ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ هُوَ فِي مَالِ الضَّارِبِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقَيُّدٍ بِالْبُلُوغِ إلَى خَمْسِمِائَةٍ عَلَى مَا يَجِيءُ.
وَقِيلَ لَعَلَّهُ وَقَعَ سَهْوًا مِنْ الْكَاتِبِ وَكَانَ فِي الْأَصْلِ إذْ كَانَ خَمْسَمِائَةٍ تَعْلِيلًا لِكَوْنِهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ انْتَهَى.
فَكَأَنَّهُ ارْتَضَى التَّوْجِيهَ الثَّانِي. أَقُولُ: التَّوْجِيهُ الثَّانِي أَيْضًا مَرْدُودٌ عِنْدِي، إذْ لَا مَعْنَى لِتَعْلِيلِ كَوْنِهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ بِكَوْنِهَا خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ بِمَا يَجِبُ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ إذَا بَلَغَ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ عَلَى الضَّارِبِ كَمَا دُونَهُ لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ آنِفًا حَيْثُ قَالُوا: إنَّ مَا وَجَبَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ فَهُوَ فِي مَالِ الضَّارِبِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْبُلُوغِ إلَى خَمْسِمِائَةٍ مَعَ جَرَيَانِ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ فِيهِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إلَى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَيُنْتَقَضُ بِكُلِّ عَمْدٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ فِيهِ بِشُبْهَةٍ وَوَجَبَ دِيَةٌ بَالِغَةٌ إلَى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَيْضًا فِيمَا فَوْقَهَا، فَإِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ كَمَا مَرَّ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ مَعَ جَرَيَانِ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ فِيهِ أَيْضًا. ثُمَّ أَقُولُ: هُنَا تَوْجِيهٌ آخَرُ لَمْ يَذْكُرْهُ الشُّرَّاحُ وَهُوَ،
стр. 1314
وَقَالَ مَالِكٌ: فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْجُزْءِ. وَلَنَا أَنَّهُ ﵊ «قَضَى بِالْغُرَّةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ»، وَلِأَنَّهُ بَدَلُ النَّفْسِ وَلِهَذَا سَمَّاهُ ﵊ دِيَةً حَيْثُ قَالَ " دُوهُ " وَقَالُوا: «أَنَدِي مَنْ لَا صَاحَ وَلَا اسْتَهَلَّ» الْحَدِيثُ، إلَّا أَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ مَا دُونَ خَمْسِمِائَةٍ.
(وَتَجِبُ فِي سَنَةٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِأَنَّهُ بَدَلُ النَّفْسِ وَلِهَذَا يَكُونُ مَوْرُوثًا بَيْنَ وَرَثَتِهِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: " بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵊ جَعَلَهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي سَنَةٍ "
أَنْ يَكُونَ الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ جَنِينِ الْأَمَةِ مُطْلَقًا بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إذَا كَانَتْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى الْبَتَاتِ بِتَقْدِيرِ الشَّرْعِ ذَلِكَ الْقَدْرَ الْمُعَيَّنَ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا إنْ كَانَ ذَكَرًا، وَعُشْرُ قِيمَتِهِ حَيًّا إنْ كَانَ أُنْثَى مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْعَدَدِ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَبْلُغَ خَمْسَمِائَةٍ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الْمَرَامُ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ كَمَا تَرَى (قَوْلُهُ وَقَالَ مَالِكٌ فِي مَالِهِ: لِأَنَّهُ بَدَلُ الْجُزْءِ) أَقُولُ: فِي تَعْلِيلِهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ بَدَلَ الْجُزْءِ لَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ فِي مَالِ الْجَانِي، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَالْبَدَلُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ تَمَامُ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَقَدْ مَرَّ قُبَيْلَ هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَكَذَا كُلُّ جِنَايَةٍ مُوجِبُهَا خَمْسُمِائَةٍ فَصَاعِدًا.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنْ لَا يَجِبَ بَدَلُ الْجُزْءِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِيمَا إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ هَذَا التَّعْلِيلُ مِنْ قَبِيلِ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ مِنْ بَابِ رَدِّ الْمُخْتَلِفِ عَلَى الْمُخْتَلِفِ تَأَمَّلْ تَقِفْ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ بَدَلُ النَّفْسِ وَلِهَذَا سَمَّاهُ ﵊ دِيَةً حَيْثُ قَالَ " دُوهُ ") أَقُولُ: فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلُ النَّفْسِ بِتَسْمِيَةِ النَّبِيِّ ﵊ دِيَةً بَحْثٌ، فَإِنَّهُ ﵊ سَمَّى كَثِيرًا مِنْ بَدَلِ الْأَعْضَاءِ وَالْأَجْزَاءِ دِيَةً؛ أَلَّا يَرَى إلَى مَا مَرَّ فِي فَصْلٍ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ﵁ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ «فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الْمَارِنِ الدِّيَةُ» وَهَكَذَا كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ﵁، وَكَتَبَ لَهُ أَيْضًا " وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ " إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الدَّفْعِ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ مَا دُونَ خَمْسِمِائَةٍ) قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هَذَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ وَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ عِنْدَنَا إذَا كَانَتْ خَمْسَمِائَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إذَا كَانَتْ الْغُرَّةُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ لَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ.
وَلَنَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ لَا وُجُوبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَصْلًا لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ عَلَى الضَّارِبِ مُطْلَقًا انْتَهَى. أَقُولُ: نَظَرُهُ سَاقِطٌ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ مَا دُونَ خَمْسِمِائَةٍ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَعْقِلُ خَمْسَمِائَةٍ فَصَاعِدًا بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ عِنْدَنَا وَلَئِنْ سَلَّمْنَا اعْتِبَارَهُ عِنْدَنَا أَيْضًا فِي الرِّوَايَاتِ فَمَفْهُومُ قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ أَنَّهَا تَعْقِلُ خَمْسَمِائَةٍ فَصَاعِدًا فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّهَا تَعْقِلُهَا فِي كُلِّ مَادَّةٍ حَتَّى يَرِدَ النَّقْضُ بِالْوَاجِبِ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ إذَا بَلَغَ خَمْسَمِائَةٍ حَيْثُ يَكُونُ عَلَى الضَّارِبِ لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ مَا دُونَ خَمْسِمِائَةٍ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ قَلِيلَةً كَانَتْ أَوْ كَثِيرَةً، وَأَنْتُمْ قَيَّدْتُمْ بِقَوْلِكُمْ إذَا كَانَتْ
стр. 1315
وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَدَلَ النَّفْسِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَفْسٌ عَلَى حِدَةٍ فَهُوَ بَدَلُ الْعُضْوِ مِنْ حَيْثُ الِاتِّصَالُ بِالْأُمِّ فَعَمِلْنَا بِالشَّبَهِ الْأَوَّلِ فِي حَقِّ التَّوْرِيثِ، وَبِالثَّانِي فِي حَقِّ التَّأْجِيلِ إلَى سَنَةٍ، لِأَنَّ بَدَلَ الْعُضْوِ إذَا كَانَ ثُلُثَ الدِّيَةِ أَوْ أَقَلَّ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْعُشْرِ يَجِبُ فِي سَنَةٍ، بِخِلَافِ أَجْزَاءِ الدِّيَةِ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهَا عَلَى مَنْ وَجَبَ يَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ
خَمْسَمِائَةٍ وَقَدْ عَلِمْت مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ النَّظَرِ انْتَهَى.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ النَّظَرِ مَا ذَكَرَهُ فِيمَا مَرَّ بِقَوْلِهِ: وَرُدَّ بِأَنَّ مَا يَجِبُ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ هُوَ فِي مَالِ الضَّارِبِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْبُلُوغِ إلَى خَمْسِمِائَةٍ، إلَّا أَنَّك عَلِمْت سُقُوطَهُ أَيْضًا بِمَا بَيَّنَّاهُ فِي سُقُوطِ نَظَرِ صَاحِبِ غَايَةِ الْبَيَانِ آنِفًا. ثُمَّ أَقُولُ: فِي تَقْرِيرِ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ هُنَا خَلَلٌ، إذْ لَا يَتِمُّ حِينَئِذٍ السُّؤَالُ وَلَا الْجَوَابُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَدْلُولَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ «قَضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِدِيَةِ جَنِينِ الْحُرَّةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ» وَدِيَتُهُ تَبْلُغُ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ بِالْإِجْمَاعِ، فَمِنْ أَيْنَ يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ لَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً بِحَيْثُ لَمْ تَبْلُغْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ تَكُونُ أَيْضًا عَلَى الْعَاقِلَةِ حَتَّى يَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يُنَافِي تَقْيِيدَكُمْ بِقَوْلِكُمْ إذَا كَانَتْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ لَوْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ لَمَا صَلَحَ مُجَرَّدُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ مَا دُونَ خَمْسِمِائَةٍ لَأَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا بِهِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ دُونَ بَيَانِ نَصٍّ يَشْهَدُ بِذَلِكَ حَتَّى يَصْلُحَ لِلْجَوَابِ عَمَّا ذَكَرَهُ كَمَا قَرَّرَهُ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَدَلَ النَّفْسِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَفْسٌ عَلَى حِدَةٍ فَهُوَ بَدَلُ الْعُضْوِ مِنْ حَيْثُ الِاتِّصَالُ بِالْأُمِّ فَعَمِلْنَا بِالشَّبَهِ الْأَوَّلِ فِي حَقِّ التَّوْرِيثِ وَبِالثَّانِي فِي حَقِّ التَّأْجِيلِ إلَى سَنَةٍ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لِمَ لَمْ يَعْكِسْ الْأَمْرَ: أَيْ لَمْ يَعْمَلْ فِي حَقِّ التَّأْجِيلِ بِالشَّبَهِ الْأَوَّلِ وَفِي حَقِّ التَّوْرِيثِ بِالشَّبَهِ الثَّانِي، وَمَا لَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ ذَلِكَ لَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ هَاهُنَا. وَالْأَظْهَرُ فِي تَقْرِيرِ التَّعْلِيلِ هَاهُنَا مَا ذَكَرَ فِي الْكَافِي أَخْذًا مِنْ الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ بَدَلَ النَّفْسِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَفْسٌ مُودَعَةٌ فِي الْأُمِّ حَتَّى يَنْفَصِلَ عَنْهَا حَيَّةً فَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ تُعْتَبَرُ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ الِانْفِصَالِ فَهُوَ بَدَلُ الْعُضْوِ مِنْ حَيْثُ الِاتِّصَالُ بِالْأُمِّ فَلَا يَثْبُتُ مِنْ التَّأْجِيلِ إلَّا قَدْرُ الْمُتَيَقَّنِ انْتَهَى تَدَبَّرْ تَفْهَمْ (قَوْلُهُ لِأَنَّ بَدَلَ الْعُضْوِ إذَا كَانَ ثُلُثَ الدِّيَةِ أَوْ أَقَلَّ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْعُشْرِ) يَجِبُ فِي سَنَةٍ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ، وَقَوْلُهُ أَكْثَرَ بِدُونِ الْوَاوِ بَدَلٌ مِنْ أَقَلَّ: أَيْ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْأَقَلُّ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْعُشْرِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ أَكْثَرَ، وَفِي بَعْضِهَا وَأَكْثَرَ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَدَلًا حِينَئِذٍ، انْتَهَى كَلَامُهُ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ لِأَنَّ بَدَلَ الْعُضْوِ إذَا كَانَ ثُلُثَ الدِّيَةِ أَوْ أَقَلَّ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْعُشْرِ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا أَوْ أَكْثَرَ، وَفِي بَعْضِهَا وَأَكْثَرَ قَالَ الشَّارِحُونَ: وَكِلَاهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَكُونَ الْأَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْعُشْرِ، وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ الْأَكْثَرُ صِفَةً لِأَقَلَّ أَوْ بَدَلًا مِنْهُ، وَلَعَلَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ يُفِيدُ ذَلِكَ إلَى هُنَا لَفْظُهُ. أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ بَيْنَ قَوْلِهِ وَلَعَلَّ الْعَطْفُ بِالْوَاوِ يُفِيدُ ذَلِكَ أَيْضًا وَبَيْنَ قَوْلِهِ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ النُّسَخِ بِقَصْرِ الصِّحَّةِ عَلَى الْأَوَّلِ تَدَافُعًا لَا يَخْفَى، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ قَصْرَ الصِّحَّةِ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ الرِّوَايَةِ لَا مِنْ حَيْثُ سَدَادُ الْمَعْنَى فَحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ التَّدَافُعُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: وَقَوْلُهُ أَكْثَرَ بِدُونِ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ فِي أَوَّلِهِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ أَقَلَّ: أَيْ إذَا كَانَ بَدَلُ الْعُضْوِ ثُلُثَ الدِّيَةِ أَوْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ،
стр. 1316
(وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى) لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ فِي الْجَنِينِ إنَّمَا ظَهَرَ التَّفَاوُتُ لِتَفَاوُتِ مَعَانِي الْآدَمِيَّةِ وَلَا تَفَاوُتَ فِي الْجَنِينِ فَيُقَدَّرُ بِمِقْدَارٍ وَاحِدٍ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ.
(فَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَ حَيًّا بِالضَّرْبِ السَّابِقِ (وَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمُّ فَعَلَيْهِ دِيَةٌ بِقَتْلِ الْأُمِّ وَغُرَّةٌ بِإِلْقَائِهَا) وَقَدْ صَحَّ «أَنَّهُ ﵊ قَضَى فِي هَذَا بِالدِّيَةِ وَالْغُرَّةِ» (وَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ مِنْ الضَّرْبَةِ ثُمَّ خَرَجَ الْجَنِينُ بَعْدَ ذَلِكَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ دِيَةٌ فِي الْأُمِّ وَدِيَةٌ فِي الْجَنِينِ) لِأَنَّهُ قَاتِلُ شَخْصَيْنِ (وَإِنْ مَاتَتْ ثُمَّ أَلْقَتْ مَيِّتًا فَعَلَيْهِ دِيَةٌ فِي الْأُمِّ وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ الْغُرَّةُ فِي الْجَنِينِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَوْتُهُ بِالضَّرْبِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَلْقَتْهُ مَيِّتًا وَهِيَ حَيَّةٌ. وَلَنَا أَنَّ مَوْتَ الْأُمِّ أَحَدُ سَبَبَيْ مَوْتِهِ لِأَنَّهُ يَخْتَنِقُ بِمَوْتِهَا إذْ تَنَفُّسُهُ بِتَنَفُّسِهَا فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِالشَّكِّ. قَالَ (وَمَا يَجِبُ
وَكَانَ ذَلِكَ الْأَقَلُّ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ يَجِبُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَكِنْ لَنَا فِي التَّقْيِيدِ بِالْأَكْثَرِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ بَلْ كَانَ قَدْرَ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ إلَى ثُلُثِهَا يَجِبُ فِي سَنَةٍ انْتَهَى.
وَنَقَلَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ مَضْمُونَ نَظَرِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْجَوَابِ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ تَقْيِيدَهُ بِالْأَكْثَرِ لَيْسَ بِمُفِيدٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نِصْفَ الْعُشْرِ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ انْتَهَى فَكَأَنَّهُ ارْتَضَاهُ. وَأَشَارَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ تَصْحِيحِ النُّسْخَةِ الْأُولَى: لَكِنَّ التَّقْرِيبَ إنَّمَا يَتَأَتَّى أَنْ لَوْ كَانَ نِصْفُ الْعُشْرِ وَاجِبًا فِي سَنَةٍ، لِأَنَّ الْغُرَّةَ مُقَدَّرَةٌ بِنِصْفِ الْعُشْرِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْعُشْرِ مُؤَجَّلًا بِسَنَةٍ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ نِصْفُ الْعُشْرِ مُؤَجَّلًا بِهَا انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْعُشْرِ مُؤَجَّلًا بِسَنَةٍ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ نِصْفُ الْعُشْرِ أَيْضًا مُؤَجَّلًا بِسَنَةٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نِصْفُ الْعُشْرِ غَيْرَ مُؤَجَّلٍ أَصْلًا كَأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الْعُشْرِ أَوْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا بِأَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ وَبِذَلِكَ لَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ مَوْتَ الْأُمِّ أَحَدُ سَبَبَيْ مَوْتِهِ لِأَنَّهُ يَخْتَنِقُ بِمَوْتِهَا إذْ تَنَفُّسُهُ بِتَنَفُّسِهَا فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِالشَّكِّ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الشَّكَّ ثَابِتٌ فِيمَا إذَا أَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ بِالضَّرْبِ
стр. 1317
فِي الْجَنِينِ مَوْرُوثٌ عَنْهُ) لِأَنَّهُ بَدَلُ نَفْسِهِ فَيَرِثُهُ وَرَثَتُهُ (وَلَا يَرِثُهُ الضَّارِبُ، حَتَّى لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَتِهِ فَأَلْقَتْ ابْنَهُ مَيِّتًا فَعَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ غُرَّةٌ وَلَا يَرِثُ مِنْهَا) لِأَنَّهُ قَاتِلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ مُبَاشَرَةً وَلَا مِيرَاثَ لِلْقَاتِلِ.
قَالَ: (وَفِي جَنِينِ الْأَمَةِ إذَا كَانَ ذَكَرًا نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا وَعُشْرُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ أُنْثَى) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ، لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ وَجْهٍ، وَضَمَانُ الْأَجْزَاءِ يُؤْخَذُ مِقْدَارُهَا مِنْ الْأَصْلِ. وَلَنَا أَنَّهُ بَدَلُ نَفْسِهِ لِأَنَّ ضَمَانَ الطَّرَفِ لَا يَجِبُ إلَّا عِنْدَ ظُهُورِ النُّقْصَانِ، وَلَا مُعْتَبَرَ فِي ضَمَانِ الْجَنِينِ فَكَانَ بَدَلَ نَفْسِهِ فَيُقَدَّرُ بِهَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجِبُ ضَمَانُ النُّقْصَانِ لَوْ انْتَقَصَتْ الْأُمُّ اعْتِبَارًا بِجَنِينِ الْبَهَائِمِ، وَهَذَا لِأَنَّ الضَّمَانَ فِي قَتْلِ الرَّقِيقِ ضَمَانُ مَالٍ عِنْدَهُ عَلَى مَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَصَحَّ الِاعْتِبَارُ عَلَى أَصْلِهِ. قَالَ (فَإِنْ ضُرِبَتْ فَأَعْتَقَ الْمَوْلَى مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ أَلْقَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ قِيمَتُهُ حَيًّا وَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْعِتْقِ) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِالضَّرْبِ السَّابِقِ وَقَدْ كَانَ فِي حَالَةِ الرِّقِّ فَلِهَذَا تَجِبُ الْقِيمَةُ دُونَ الدِّيَةِ، وَتَجِبُ قِيمَتُهُ حَيًّا لِأَنَّهُ بِالضَّرْبِ صَارَ قَاتِلًا إيَّاهُ وَهُوَ حَيٌّ فَنَظَرْنَا إلَى حَالَتَيْ السَّبَبِ وَالتَّلَفِ.
وَاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ، وَمَعَ ذَلِكَ وَجَبَ الضَّمَانُ وَهُوَ أَوَّلُ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْغُرَّةَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّ فِيهِ الِاحْتِمَالَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ وُجُوهٍ وَهِيَ احْتِمَالُ عَدَمِ نَفْخِ الرُّوحِ وَالْمَوْتِ بِسَبَبِ انْقِطَاعِ الْغِذَاءِ بِسَبَبِ مَوْتِ الْأُمِّ وَبِسَبَبِ تَخْنِيقِ الرَّحِمِ وَغَمِّ الْبَطْنِ، فَلَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ قِيَاسًا وَلَا دَلَالَةً فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ وَهُوَ عَدَمُ وُجُوبِ الضَّمَانِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ.
وَأَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ حَيْثُ قَالَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: النَّصُّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «فِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ» يَشْمَلُهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِلْحَاقِ انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا أَمْرٌ عَجِيبٌ مِنْ مِثْلِهِ، فَإِنَّ مَضْمُونَ إيرَادِهِ مَعَ جَوَابِهِ مَذْكُورٌ فِي شَرْحِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنْ كَانَ جَوَابُهُ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ مَقْبُولًا عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ فَمَا مَعْنَى ذِكْرِ السُّؤَالِ وَتَرْكِ الْجَوَابِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْجَوَابُ مَقْبُولًا عِنْدَهُ كَانَ عَلَيْهِ بَيَانُ فَسَادِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ إلَى مَا فِي شَرْحِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ هُنَا وَلَمْ يَظْفَرْ بِجَوَابِ إيرَادِهِ أَصْلًا، وَاَلَّذِي ذُكِرَ فِي شَرْحِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ هُنَا هَكَذَا. فَإِنْ قُلْت: عُمُومُ قَوْلِهِ ﵊ «فِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ، عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ» يَتَنَاوَلُ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ. قُلْت: لَا بُدَّ مِنْ إضْمَارٍ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ فِي إتْلَافِ الْجَنِينِ غُرَّةٌ، وَالشَّكُّ وَاقِعٌ فِي ذَلِكَ انْتَهَى، تَأَمَّلْ فِي تَفْصِيلِ جَوَابِهِ لَعَلَّهُ سَمْتٌ صَالِحٌ (قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّهُ بَدَلُ نَفْسِهِ لِأَنَّ ضَمَانَ الطَّرَفِ لَا يَجِبُ إلَّا عِنْدَ ظُهُورِ النُّقْصَانِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي ضَمَانِ الْجَنِينِ فَكَانَ بَدَلَ نَفْسِهِ فَيُقَدَّرُ بِهَا)
стр. 1318
وَقِيلَ: هَذَا عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجِبُ قِيمَتُهُ مَا بَيْنَ كَوْنِهِ مَضْرُوبًا إلَى كَوْنِهِ غَيْرَ مَضْرُوبٍ، لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ قَاطِعٌ لِلسَّرَايَةِ عَلَى مَا يَأْتِيك بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْجَنِينِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ لِأَنَّهُ نَفْسٌ مِنْ وَجْهٍ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ احْتِيَاطًا. وَلَنَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَقَدْ عُرِفَتْ فِي النُّفُوسِ الْمُطْلَقَةِ فَلَا تَتَعَدَّاهَا وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ كُلُّ الْبَدَلِ. قَالُوا: إلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا، فَإِذَا تَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَ أَفْضَلَ لَهُ وَيَسْتَغْفِرُ مِمَّا صَنَعَ (وَالْجَنِينُ الَّذِي قَدْ اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ بِمَنْزِلَةِ الْجَنِينِ التَّامِّ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ) لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ وَلَدٌ فِي حَقِّ أُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالنِّفَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَذَا فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ، وَلِأَنَّ بِهَذَا الْقَدْرِ يَتَمَيَّزُ مِنْ الْعَلَقَةِ وَالدَّمِ فَكَانَ نَفْسَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
. قَالَ (وَمَنْ أَخْرَجَ إلَى الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ كَنِيفًا أَوْ مِيزَابًا أَوْ جُرْصُنًا أَوْ بَنَى دُكَّانًا فَلِرَجُلٍ مِنْ عَرَضِ النَّاسِ أَنْ
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ أَرَادَ أَنَّهُ بَدَلُ نَفْسِهِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ تَعْلِيلِهِ يَكُونُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا مُنَاقِضًا لِمَا قَالَهُ فِيمَا قَبْلُ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ بَدَلَ النَّفْسِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَفْسٌ عَلَى حِدَةٍ فَهُوَ بَدَلُ الْعُضْوِ مِنْ حَيْثُ الِاتِّصَالُ بِالْأُمِّ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ بَدَلُ نَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ لَا يَكُونُ هَذَا دَلِيلًا عَلَى مُدَّعَانَا دَافِعًا لَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ وَجْهٍ وَضَمَانُ الْأَجْزَاءِ يُؤْخَذُ مِقْدَارُهَا مِنْ الْأَصْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ. .
(بَابُ مَا يُحْدِثُ الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ).
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الْقَتْلِ مُبَاشَرَةً شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِهِ تَسْبِيبًا، وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِكَوْنِهِ أَصْلًا لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِلَا وَاسِطَةٍ وَلِكَوْنِهِ
стр. 1319
يَنْزِعَهُ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ صَاحِبُ حَقٍّ بِالْمُرُورِ بِنَفْسِهِ وَبِدَوَابِّهِ فَكَانَ لَهُ حَقُّ النَّقْضِ، كَمَا فِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَقُّ النَّقْضِ لَوْ أَحْدَثَ غَيْرُهُمْ فِيهِ شَيْئًا فَكَذَا فِي الْحَقِّ الْمُشْتَرَكِ. قَالَ: (وَيَسَعُ لِلَّذِي عَمِلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ لَهُ حَقَّ الْمُرُورِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ فَلْيُلْحَقْ مَا فِي مَعْنَاهُ بِهِ، إذْ الْمَانِعُ مُتَعَنَّتٌ، فَإِذَا أَضَرَّ بِالْمُسْلِمِينَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» قَالَ: (وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الدَّرْبِ الَّذِي لَيْسَ بِنَافِذٍ أَنْ يَشْرَعَ كَنِيفًا أَوْ مِيزَابًا إلَّا بِإِذْنِهِمْ) لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ وَلِهَذَا وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ لَهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ أَضَرَّ بِهِمْ أَوْ لَمْ يَضُرَّ إلَّا بِإِذْنِهِمْ. وَفِي الطَّرِيقِ النَّافِذِ لَهُ التَّصَرُّفُ إلَّا إذَا أَضَرَّ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ إلَى إذْنِ الْكُلِّ، فَجُعِلَ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ وَحْدَهُ حُكْمًا كَيْ لَا يَتَعَطَّلَ عَلَيْهِ طَرِيقُ الِانْتِفَاعِ، وَلَا كَذَلِكَ غَيْرُ النَّافِذِ لِأَنَّ الْوُصُولَ إلَى إرْضَائِهِمْ مُمْكِنٌ فَبَقِيَ عَلَى الشَّرِكَةِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا. .
قَالَ: (وَإِذَا أَشْرَعَ فِي الطَّرِيقِ رَوْشَنًا أَوْ مِيزَابًا أَوْ نَحْوَهُ فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ فَعَطِبَ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِتَلَفِهِ
أَكْثَرَ وُقُوعًا فَكَانَتْ أَمَسُّ حَاجَةٍ إلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ (قَوْلُهُ وَيَسَعُ لِلَّذِي عَمِلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ لَهُ حَقَّ الْمُرُورِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ فَلْيُلْحَقْ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ إذْ الْمَانِعُ مُتَعَنَّتٌ) أَقُولُ: هَذَا الْمَقَامُ مَحَلُّ الْكَلَامِ، فَإِنَّ الْمُدَّعَى هُنَا وَهُوَ إبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِالْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا لِلَّذِي عَمِلَهَا مَا لَمْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ مَسْأَلَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، وَدَلِيلُهُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ لَا يَتَمَشَّى إلَّا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ.
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ فَلْيُلْحَقْ بِهِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ لَيْسَ بِتَامٍّ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، إذْ قَدْ صُرِّحَ فِي الشُّرُوحِ وَعَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ أَنَّ أَصْلَهُمَا أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ عَرَضِ النَّاسِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا أَنْ يَمْنَعَ الْعَامِلَ مِنْ الْوَضْعِ سَوَاءٌ كَانَ
стр. 1320
مُتَعَدٍّ بِشَغْلِهِ هَوَاءَ الطَّرِيقِ، وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ الضَّمَانِ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَكَذَلِكَ إذَا سَقَطَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ (وَكَذَا إذَا تَعَثَّرَ بِنَقْضِهِ إنْسَانٌ أَوْ عَطِبَتْ بِهِ دَابَّةٌ، وَإِنْ عَثَرَ بِذَلِكَ رَجُلٌ فَوَقَعَ عَلَى آخَرَ فَمَاتَا فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي أَحْدَثَهُ فِيهِمَا) لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالدَّافِعِ إيَّاهُ عَلَيْهِ (وَإِنْ سَقَطَ الْمِيزَابُ بِطَرَفَانِ أَصَابَ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الْحَائِطِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِيهِ لِمَا أَنَّهُ وَضَعَهُ فِي مِلْكِهِ (وَإِنْ أَصَابَهُ مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الْحَائِطِ فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ) لِكَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا فِيهِ، وَلَا ضَرُورَةَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُرَكِّبَهُ فِي الْحَائِطِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يُحْرَمُ عَنْ الْمِيرَاثِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ حَقِيقَةً (وَلَوْ أَصَابَهُ الطَّرَفَانِ جَمِيعًا وَعَلِمَ ذَلِكَ وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ وَهُدِرَ النِّصْفُ كَمَا إذَا جَرَحَهُ سَبُعٌ وَإِنْسَانٌ، وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ أَيُّ طَرَفٍ أَصَابَهُ يَضْمَنُ النِّصْفَ) اعْتِبَارًا لِلْأَحْوَالِ (وَلَوْ أَشْرَعَ جَنَاحًا إلَى الطَّرِيقِ ثُمَّ بَاعَ الدَّارَ فَأَصَابَ الْجَنَاحُ رَجُلًا فَقَتَلَهُ أَوْ وَضَعَ خَشَبَةً فِي الطَّرِيقِ
فِيهِ ضَرَرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ إذَا أَرَادَ الْوَضْعَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، لِأَنَّ فِيهِ الِافْتِيَاتَ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فِيمَا إلَيْهِ تَدْبِيرُهُ، فَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ؛ فَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّ عَمَلَ ذَلِكَ وَالِانْتِفَاعَ بِهِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَمْرٍ مُنْكَرٍ عَلَى أَصْلِهِمَا وَهُوَ الِافْتِيَاتُ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فِيمَا إلَيْهِ تَدْبِيرُهُ وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يُتَصَوَّرْ عِنْدَهُمَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْمُرُورِ الَّذِي لَا يَشْتَمِلُ عَلَى أَمْرٍ مُنْكَرٍ أَصْلًا حَتَّى يَصِحَّ إلْحَاقُ ذَلِكَ بِهِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ إذْ الْمَانِعُ مُتَعَنَّتٌ لَيْسَ بِتَامٍّ أَيْضًا عَلَى أَصْلِهِمَا قَطْعًا، إذْ لَوْ صَحَّ عِنْدَهُمَا كَوْنُ الْمَانِعِ مُتَعَنَّتًا لَمَا ذَهَبَ إلَى جَوَازِ مَنْعِهِ شَرْعًا وَقَدْ عَرَفْت كَوْنَ مَذْهَبِهِمَا ذَلِكَ وَدَلِيلَهُمَا الَّذِي أَقَامَا عَلَيْهِ فَتَبَصَّرْ.
(قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ إذَا سَقَطَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ) قَالَ الشُّرَّاحُ: يَعْنِي الْكَنِيفَ وَالْمِيزَابَ وَالْجُرْصُنَ. أَقُولُ: لَعَلَّ قَوْلَ الْمُصَنَّفِ هَذَا مُسْتَدْرَكٌ، لِأَنَّ مَا مَرَّ آنِفًا مِنْ لَفْظِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ وَإِذَا أَشْرَعَ فِي الطَّرِيقِ رَوْشَنًا أَوْ مِيزَابًا أَوْ نَحْوَهُ فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ فَعَطِبَ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَانَ مُتَنَاوِلًا لِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ. أَمَّا لِلْمِيزَابِ فَصَرَاحَةً كَمَا تَرَى. وَأَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَبِعُمُومِ قَوْلِهِ أَوْ نَحْوِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا بَلْ لَا وَجْهَ لِلَّفْظِ، وَكَذَلِكَ سِيَّمَا بِالنَّظَرِ إلَى الْمِيزَابِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا تَعَثَّرَ بِنَقْضِهِ إنْسَانٌ أَوْ عَطِبَتْ بِهِ دَابَّةٌ)
стр. 1321
ثُمَّ بَاعَ الْخَشَبَةَ وَبَرِئَ إلَيْهِ مِنْهَا فَتَرَكَهَا الْمُشْتَرِي حَتَّى عَطِبَ بِهَا إنْسَانٌ فَالضَّمَانُ عَلَى الْبَائِعِ) لِأَنَّ فِعْلَهُ وَهُوَ الْوَضْعُ لَمْ يَنْفَسِخْ بِزَوَالِ مِلْكِهِ وَهُوَ الْمُوجِبُ (وَلَوْ وَضَعَ فِي الطَّرِيقِ جَمْرًا فَأَحْرَقَ شَيْئًا يَضْمَنُهُ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيهِ (وَلَوْ حَرَّكَتْهُ الرِّيحُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ ثُمَّ أَحْرَقَ شَيْئًا لَا يَضْمَنُهُ) لِنَسْخِ الرِّيحِ فِعْلَهُ، وَقِيلَ إذَا كَانَ الْيَوْمُ رِيحًا يَضْمَنُهُ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِعَاقِبَتِهِ وَقَدْ أَفْضَى إلَيْهَا فَجُعِلَ كَمُبَاشَرَتِهِ.
(وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَبُّ الدَّارِ الْفَعَلَةَ لِإِخْرَاجِ الْجَنَاحِ أَوْ الظُّلَّةِ فَوَقَعَ فَقَتَلَ إنْسَانًا قَبْلَ أَنْ يَفْرُغُوا مِنْ الْعَمَلِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمْ) لِأَنَّ التَّلَفَ بِفِعْلِهِمْ (وَمَا لَمْ يَفْرُغُوا لَمْ يَكُنْ الْعَمَلُ مُسَلَّمًا إلَى رَبِّ الدَّارِ) وَهَذَا لِأَنَّهُ انْقَلَبَ فِعْلُهُمْ قَتْلًا حَتَّى وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْكَفَّارَةُ، وَالْقَتْلُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي عَقْدِهِ فَلَمْ يَتَسَلَّمْ فِعْلُهُمْ إلَيْهِ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِمْ (وَإِنْ سَقَطَ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ فَالضَّمَانُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ اسْتِحْسَانًا)
أَقُولُ: فِيهِ نَوْعُ تَسَاهُلٍ، لِأَنَّ جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَفِيمَا إذَا عَطِبَتْ بِهِ دَابَّةٌ يَجِبُ ضَمَانُهَا فِي مَالِهِ صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، وَكَلِمَةُ كَذَا تَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي الْجَوَابِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي قَوْلِهِ أَوْ عَطِبَتْ بِهِ دَابَّةٌ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِكَلِمَةِ كَذَا هُنَا هُوَ التَّشْبِيهُ وَالتَّشْرِيكُ فِي مُجَرَّدِ وُجُوبِ الضَّمَانِ لَا فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْخَاصِّ الْمَذْكُورِ فِيمَا سَبَقَ، فَيَعُمُّ قَوْلَهُ إذَا تَعَثَّرَ بِنَقْضِهِ إنْسَانٌ.
وَقَوْلَهُ أَوْ عَطِبَتْ بِهِ دَابَّةٌ، لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ الْعِبَارَةِ فَهُوَ عَيْنُ التَّسَاهُلِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَبُّ الدَّارِ الْفَعَلَةَ لِإِخْرَاجِ الْجَنَاحِ أَوْ الظُّلَّةِ فَوَقَعَ فَقَتَلَ إنْسَانًا قَبْلَ أَنْ يَفْرُغُوا مِنْ الْعَمَلِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمْ إلَخْ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هُوَ عَلَى وُجُوهٍ: إنْ قَالَ مُخْرِجُ الْجَنَاحِ لِلْأُجَرَاءِ: ابْنُوا جَنَاحًا لِي عَلَى فِنَاءِ دَارِي فَإِنَّهُ مِلْكِي أَوْ لِي حَقُّ إشْرَاعِ الْجَنَاحِ إلَيْهِ مِنْ الْقَدِيمِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْعَمَلَةُ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ فَفَعَلُوا ثُمَّ سَقَطَ فَأَصَابَ شَيْئًا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمْ، وَيَرْجِعُونَ بِالضَّمَانِ عَلَى الْآمِرِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا سَوَاءٌ سَقَطَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ، لِمَا أَنَّ الضَّمَانَ وَجَبَ عَلَى الْعَامِلِ بِأَمْرِ الْآمِرِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ غَيْرَهُ لِيَذْبَحَ لَهُ شَاةً ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الشَّاةُ بَعْدَ الذَّبْحِ فَلِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُضَمِّنَ الذَّابِحَ وَيَرْجِعَ الذَّابِحُ بِهِ عَلَى الْآمِرِ وَلِأَنَّهُ غَرَّهُ كَذَا هَذَا.
وَإِنْ قَالَ
стр. 1322
لِأَنَّهُ صَحَّ الِاسْتِئْجَارُ حَتَّى اسْتَحَقُّوا الْأَجْرَ وَوَقَعَ فِعْلُهُمْ عِمَارَةً وَإِصْلَاحًا فَانْتَقَلَ فِعْلُهُمْ إلَيْهِ فَكَأَنَّهُ فَعَلَ بِنَفْسِهِ فَلِهَذَا يَضْمَنُهُ (وَكَذَا إذَا صَبَّ الْمَاءَ فِي الطَّرِيقِ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ، وَكَذَا إذَا رَشَّ الْمَاءَ أَوْ تَوَضَّأَ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيهِ بِإِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالْمَارَّةِ (بِخِلَافِ مَا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ قَعَدَ أَوْ وَضَعَ مَتَاعَهُ) لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِيهَا لِكَوْنِهِ مِنْ ضَرُورَاتِ السُّكْنَى كَمَا فِي الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ. قَالُوا: هَذَا إذَا رَشَّ مَاءً كَثِيرًا بِحَيْثُ يُزْلَقُ بِهِ عَادَةً، أَمَّا إذَا رَشَّ مَاءً قَلِيلًا كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُزْلَقُ بِهِ
الْمُسْتَأْجِرُ لِلْأُجَرَاءِ: اشْرَعُوا لِي جَنَاحًا عَلَى فِنَاءِ دَارِي وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ إشْرَاعِ الْجَنَاحِ أَوْ لَمْ يُخْبِرْهُمْ حَتَّى بَنَوْا جَنَاحًا بِأَمْرِهِ ثُمَّ سَقَطَ فَأَتْلَفَ شَيْئًا، إنْ سَقَطَ قَبْلَ فَرَاغِهِمْ مِنْ الْعَمَلِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأُجَرَاءِ وَلَمْ يَرْجِعُوا قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَإِنْ سَقَطَ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ الْعَمَلِ فَكَذَلِكَ عَلَى جَوَابِ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِمَا لَمْ يَمْلِكْ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ وَقَدْ عَلِمُوا بِفَسَادِ الْأَمْرِ فَلَمْ يُحْكَمْ بِالضَّمَانِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ لِيَذْبَحَ شَاةَ جَارٍ لَهُ فَذَبَحَ ثُمَّ ضَمِنَ الذَّابِحُ لِلْجَارِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْآمِرِ، وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُمْ لِيَبْنُوا بَيْتًا فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ ثُمَّ سَقَطَ فَأَتْلَفَ شَيْئًا لَمْ يَرْجِعُوا بِهِ عَلَى الْآمِرِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ لِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِنَاءَ دَارِهِ مَمْلُوكٌ لَهُ مِنْ وَجْهٍ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ، فَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَمْرَ صَحِيحٌ يَكُونُ قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْآمِرِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ فَاسِدٌ يَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الْعَامِلِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ عَمَلًا بِهِمَا.
وَإِظْهَارُ شِبْهِ الصِّحَّةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ أَوْلَى مِنْ إظْهَارِهِ قَبْلَ الْفَرَاغِ، لِأَنَّ أَمْرَ الْآمِرِ إنَّمَا صَحَّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ الْمَنْفَعَةُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ، كَذَا ذَكَرَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ هُنَا. أَقُولُ: هَذِهِ الْوُجُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِهَذَا التَّفْصِيلِ وَالْبَيَانِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَارْتِضَاءُ جُمْهُورِ الشُّرَّاحِ لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ عِنْدِي مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي تَعْلِيلِ جَوَابِ الْقِيَاسِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوهَا لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِمَا لَا يَمْلِكُ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ وَقَدْ عَلِمُوا بِفَسَادِ الْأَمْرِ، وَهُوَ إنَّمَا يَتِمُّ فِيمَا إذَا أَخْبَرَهُمْ بِأَنْ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ فِي ذَلِكَ لَا فِيمَا إذَا لَمْ يُخْبِرْهُمْ بِذَلِكَ، إذْ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِفَسَادِ الْأَمْرِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَقَدْ سَوَّوْهُمَا فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ حَيْثُ قَالُوا: وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ إشْرَاعِ الْجَنَاحِ مِنْ الْقَدِيمِ أَوْ لَمْ يُخْبِرْهُمْ. وَالثَّانِي أَنَّهُمْ قَالُوا فِي بَيَانِ وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ أَنَّ أَمْرَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِنَاءَ دَارِهِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ، وَجَعَلُوا الضَّمَانَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ عَلَى الْعَامِلِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ، مَعَ أَنَّ مَدْخَلِيَّةَ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ فِي فَسَادِ أَمْرِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِبَيْعِهِ وَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى يَفْسُدَ أَمْرُهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْفَعَلَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ، بَلْ أَمَرَهُمْ بِالِانْتِفَاعِ بِذَلِكَ بِإِشْرَاعِ الْجَنَاحِ إلَيْهِ وَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَكَيْفَ يَفْسُدُ أَمْرُهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ حَتَّى يَجِبَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ بِنَاءً عَلَى فَسَادِ الْأَمْرِ.
وَالثَّالِثُ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الضَّمَانُ عَلَى الْأُجَرَاءِ وَيَرْجِعُونَ بِهِ عَلَى الْآمِرِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا سَوَاءٌ سَقَطَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ. وَقَالُوا فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ: وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَكُونُ الضَّمَانُ
стр. 1323
عَادَةً لَا يَضْمَنُ (وَلَوْ تَعَمَّدَ الْمُرُورَ فِي مَوْضِعِ صَبِّ الْمَاءِ فَسَقَطَ لَا يَضْمَنُ الرَّاشُّ) لِأَنَّهُ صَاحِبُ عِلَّةٍ. وَقِيلَ: هَذَا إذَا رَشَّ بَعْضَ الطَّرِيقِ لِأَنَّهُ يَجِدُ مَوْضِعًا لِلْمُرُورِ لَا أَثَرَ لِلْمَاءِ فِيهِ، فَإِذَا تَعَمَّدَ الْمُرُورَ عَلَى مَوْضِعِ صَبِّ الْمَاءِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّاشِّ شَيْءٌ، وَإِنْ رَشَّ جَمِيعَ الطَّرِيقِ يَضْمَنُ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ فِي الْمُرُورِ؛ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْخَشَبَةِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الطَّرِيقِ فِي أَخْذِهَا جَمِيعَهُ أَوْ بَعْضَهُ (وَلَوْ رَشَّ فِنَاءَ حَانُوتٍ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ فَضَمَانُ
عَلَى الْآمِرِ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ فِي جَوَابِ الِاسْتِحْسَانِ عَلَى الْآمِرِ ابْتِدَاءً مَعَ أَنَّ الْفِقْهَ يَقْتَضِي أَوْلَوِيَّةَ كَوْنِ الضَّمَانِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَيْضًا إذَا كَانَ السُّقُوطُ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ الْعَمَلِ عَلَى الْآمِرِ ابْتِدَاءً، لِأَنَّ الْفَعَلَةَ كَانُوا فِيهِ مَغْرُورِينَ بِقَوْلِ الْآمِرِ: إنَّهُ مِلْكِي أَوْ لِي حَقُّ ذَلِكَ الْفِعْلِ مِنْ الْقَدِيمِ، بِخِلَافِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ فِي الْغُرُورِ مَعَ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَهُمَا فِي سَائِرِ الْأُمُورِ كَمَا تَرَى. ثُمَّ أَقُولُ: تَقْرِيرُ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَتَعْلِيلُهَا لَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ هُنَا مِنْ التَّفْصِيلِ الْمَنْقُولِ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، بَلْ يَأْبَاهُ جِدًّا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: جَعَلَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا السُّقُوطُ قَبْلَ فَرَاغِهِمْ مِنْ الْعَمَلِ، وَالْآخَرُ السُّقُوطُ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْهُ، وَجَعَلَ حُكْمَ أَحَدِهِمَا مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْآخَرِ مُطْلَقًا. وَقَالَ فِي تَعْلِيلِ الْأَوَّلِ: إنَّ التَّلَفَ كَانَ بِفِعْلِهِمْ، وَإِنَّ فِعْلَهُمْ انْقَلَبَ قَتْلًا حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْكَفَّارَةُ، وَالْقَتْلُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي عَقْدِهِ فَلَمْ يُتَسَلَّمْ فِعْلُهُمْ إلَى رَبِّ الدَّارِ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِمْ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ لَا يَرْجِعُوا بِهِ عَلَى الْآمِرِ فِي صُورَةِ السُّقُوطِ قَبْلَ فَرَاغِهِمْ مِنْ الْعَمَلِ مُطْلَقًا: أَيْ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَيْضًا مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشُّرَّاحُ نَقْلًا عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مَا إذَا أَخْبَرَهُمْ الْآمِرُ بِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ فِعْلَهُمْ لَمَّا انْقَلَبَ قَتْلًا وَصَارَ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي عَقْدِ الْآمِرِ وَلَمْ يَتَسَلَّمْ إلَيْهِ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِمْ كَانَ إخْبَارُهُ لَهُمْ بِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي ذَلِكَ، وَعَدَمُ إخْبَارِهِ لَهُمْ بِذَلِكَ سَيَتَبَيَّنُ قَطْعًا، وَيَقْتَضِي أَنْ لَا يَتِمَّ فِي صُورَةِ السُّقُوطِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ التَّعْلِيلُ الَّذِي ذَكَرُوهُ لِرُجُوعِهِمْ بِالضَّمَانِ عَلَى الْآمِرِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوهَا سَوَاءٌ سَقَطَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِمْ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَجَبَ عَلَى الْعَامِلِ بِأَمْرِ الْآمِرِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ فِعْلَهُمْ لَمَّا انْقَلَبَ قَتْلًا فِي صُورَةِ السُّقُوطِ قَبْلَ فَرَاغِهِمْ مِنْ الْعَمَلِ صَارَ مُخَالِفًا لِأَمْرِ الْآمِرِ خَارِجًا عَنْ عَقْدِهِ فَلَمْ يَكُنْ بِأَمْرِ الْآمِرِ، فَمَا كَانَ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ بِأَمْرِهِ بَلْ كَانَ بِفِعْلِ أَنْفُسِهِمْ، وَيَقْتَضِي أَيْضًا أَنْ لَا يَتِمُّ تَنْظِيرُهُمْ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ بِمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ غَيْرَهُ لِيَذْبَحَ شَاةً لَهُ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ الذَّبْحِ فَلِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُضَمِّنَ الذَّابِحَ وَيَرْجِعُ الذَّابِحُ بِهِ عَلَى الْآمِرِ فِي صُورَةِ السُّقُوطِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ، فَإِنْ فَعَلَ الذَّابِحُ هُنَاكَ لَمْ يَنْقَلِبْ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ الْعَقْدِ بَلْ وَقَعَ عَلَى مَا هُوَ الدَّاخِلُ فِي الْعَقْدِ، فَإِذَا ضَمِنَ الذَّابِحُ كَانَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْآمِرِ بِحُكْمِ التَّغْرِيرِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فِي صُورَةِ السُّقُوطِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ كَمَا عَرَفْت آنِفًا.
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَالَ هُنَا: لَا يُقَالُ فَرَّقَ بَيْنَ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ وَهَذَا الْمَنْقُولِ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ مَحْمَلُهُ الْمُبَاشَرَةُ وَلِهَذَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ عِلْمِ الْعَمَلَةِ وَعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِفَسَادِ الْأَمْرِ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ قَبْلَ الْفَرَاغِ، وَلَا تُتَصَوَّرُ الْمُبَاشَرَةُ بَعْدَهُ فَيَكُونُ بِالتَّسْبِيبِ. لِأَنَّا نَقُولُ: إشْرَاعُ الْجَنَاحِ مُطْلَقًا مُبَاشَرَةٌ فَلِهَذَا شُبِّهَ بِذَبْحِ الشَّاةِ، وَسَيَجِيءُ مِنْ الشَّارِحِ أَيْضًا: يَعْنِي صَاحِبَ الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: جَوَابُهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ إشْرَاعَ الْجَنَاحِ مُبَاشَرَةٌ لِلْقَتْلِ فِي صُورَةِ السُّقُوطِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ، كَيْفَ وَلَوْ كَانَ مُبَاشَرَةً لَهُ بَعْدَهُ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُبَاشَرَةً مِنْ الْفَعَلَةِ أَوْ مِنْ الْآمِرِ، فَلَوْ كَانَ مُبَاشَرَةً مِنْ الْفَعَلَةِ لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الضَّمَانُ وَالْكَفَّارَةُ قَطْعًا كَمَا فِي السُّقُوطِ قَبْلَ الْفَرَاغِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ شَيْءٌ مِنْهُمَا بَلْ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ وَهُوَ رَبُّ الدَّارِ اسْتِحْسَانًا كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَلَوْ كَانَ مُبَاشَرَةً مِنْ الْآمِرِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لَا مَحَالَةَ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَالتَّشْبِيهُ بِذَبْحِ الشَّاةِ إنَّمَا وَقَعَ فِي صُورَةِ السُّقُوطِ قَبْلَ الْفَرَاغِ لَا فِي صُورَةِ السُّقُوطِ بَعْدَهُ، وَاَلَّذِي سَيَجِيءُ مِنْ الشَّارِحِ أَيْضًا لَا بُدَّ وَأَنْ يُحْمَلَ عَلَى كَوْنِ إشْرَاعِ الْجَنَاح مُبَاشَرَةً فِي الصُّورَةِ الْأُولَى لَا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ.
وَأَمَّا كَوْنُ إشْرَاعِ الْجَنَاحِ مُبَاشَرَةً مُطْلَقًا لِفِعْلٍ مَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَاشَرَةً لِلْقَتْلِ فِي صُورَةِ السُّقُوطِ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَبِمَعْزِلٍ عَمَّا فِيهِ الْكَلَامُ وَغَيْرِ مُفِيدٍ فِي دَفْعِ السُّؤَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَلَوْ تَعَمَّدَ الْمُرُورَ فِي مَوْضِعِ صَبِّ الْمَاءِ فَسَقَطَ لَا يَضْمَنُ الرَّاشُّ)
стр. 1324
مَا عَطِبَ عَلَى الْآمِرِ اسْتِحْسَانًا. وَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَبْنِيَ لَهُ فِي فِنَاءِ حَانُوتِهِ فَتَعَقَّلَ بِهِ إنْسَانٌ بَعْدَ فَرَاغِهِ فَمَاتَ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ اسْتِحْسَانًا، وَلَوْ كَانَ أَمَرَهُ بِالْبِنَاءِ فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَجِيرِ) لِفَسَادِ الْأَمْرِ.
قَالَ: (وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ وَضَعَ حَجَرًا فَتَلِفَ بِذَلِكَ إنْسَانٌ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَإِنْ تَلِفَتْ بِهِ بَهِيمَةٌ فَضَمَانُهَا فِي مَالِهِ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيهِ فَيَضْمَنُ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ، غَيْرَ أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَتَحَمَّلُ النَّفْسَ دُونَ الْمَالِ فَكَانَ ضَمَانُ الْبَهِيمَةِ فِي مَالِهِ وَإِلْقَاءُ التُّرَابِ وَاِتِّخَاذُ الطِّينِ فِي الطَّرِيقِ بِمَنْزِلَةِ إلْقَاءِ الْحَجَرِ وَالْخَشَبَةِ لِمَا ذَكَرْنَا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَنَسَ الطَّرِيقَ فَعَطِبَ بِمَوْضِعِ كَنْسِهِ إنْسَانٌ حَيْثُ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ فَإِنَّهُ مَا أَحْدَثَ شَيْئًا فِيهِ إنَّمَا قَصَدَ دَفْعَ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، حَتَّى لَوْ جَمَعَ الْكُنَاسَةَ فِي الطَّرِيقِ وَتَعَقَّلَ بِهَا إنْسَانٌ كَانَ ضَامِنًا لِتَعَدِّيهِ بِشَغْلِهِ (وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا فَنَحَّاهُ غَيْرُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي نَحَّاهُ) لِأَنَّ حُكْمَ فِعْلِهِ قَدْ انْتَسَخَ لِفَرَاغِ مَا شَغَلَهُ، وَإِنَّمَا اُشْتُغِلَ بِالْفِعْلِ الثَّانِي مَوْضِعٌ آخَرُ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي الْبَالُوعَةِ يَحْفِرُهَا الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ، فَإِنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِذَلِكَ أَوْ أَجْبَرَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ حَيْثُ فَعَلَ مَا فَعَلَ بِأَمْرِ مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ فِي حُقُوقِ الْعَامَّةِ (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ) إمَّا بِالتَّصَرُّفِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ أَوْ بِالِافْتِيَاتِ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ أَوْ هُوَ مُبَاحٌ
أَقُولُ: فِي تَحْرِيرِ الْمُصَنِّفِ هُنَا شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ آنِفًا، وَكَذَا إذَا رَشَّ الْمَاءَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَكَذَا إذَا صَبَّ الْمَاءَ أَنَّ مَسْأَلَةَ رَشِّ الْمَاءِ تَغَايُرُ مَسْأَلَةَ صَبِّ الْمَاءِ، وَقَدْ ذَكَرَ هُنَا الصَّبَّ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ تَعَمَّدَ الْمُرُورَ فِي مَوْضِعِ صَبِّ الْمَاءِ وَذَكَرَ الرَّشَّ فِي جَوَابِهَا حَيْثُ قَالَ: لَا يَضْمَنُ الرَّاشُّ فَلَمْ يُطَابِقْ جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُعْتَذَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ هَكَذَا إيمَاءً إلَى اتِّحَادِ مَسْأَلَتَيْ الصَّبِّ وَالرَّشِّ فِي هَذَا الْحُكْمِ مَعَ الِاعْتِمَادِ إلَى الْعِلْمِ بِمُغَايِرَتِهِمَا مِمَّا ذَكَرَهُ مِنْ قَبْلُ (قَوْلُهُ وَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَبْنِيَ لَهُ فِي فِنَاءِ حَانُوتِهِ فَتَعَقَّلَ بِهِ إنْسَانٌ بَعْدَ فَرَاغِهِ فَمَاتَ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ اسْتِحْسَانًا) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ ذَلِكَ إذَا عَلِمَ الْأَجِيرُ أَنَّ الْفِنَاءَ لِغَيْرِ الْآمِرِ أَوْ إذَا لَمْ يَعْلَمْ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ فِيمَا إذَا كَانَ الْأَجِيرُ يَحْسِبُ أَنَّهُ لِلْمُسْتَأْجِرِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحْفِرَ لَهُ بِئْرًا فِي الْفِنَاءِ فَحَفَرَ وَمَاتَ فِيهِ إنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ وَالْفِنَاءُ لِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْأَجِيرُ عَالِمًا بِهِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَجِيرِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْأَجِيرُ أَنَّ الْفِنَاءَ لِلْغَيْرِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّ الْأَجِيرَ لَمْ يَعْلَمْ بِفَسَادِ الْأَمْرِ انْتَهَى. أَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ فِي جَامِعِهِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَوَابَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ فِيمَا إذَا كَانَ الْأَجِيرُ يَحْسِبُ أَنَّ الْفِنَاءَ لِلْمُسْتَأْجِرِ إلَّا أَنَّهُ يَدُلُّ بِإِطْلَاقِهِ عَلَى أَنَّ الْجَوَابَ فِي مَوْتِ إنْسَانٍ فِيهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَجِيرِ مِنْ الْعَمَلِ وَقَبْلَهُ سَوَاءٌ، وَاَلَّذِي ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِ مَوْتِهِ بَعْدَ تَعَقُّلِهِ بِهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَجِيرِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الشَّارِحُ أَيْضًا فَتَبَصَّرْ.
(قَوْلُهُ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي الْبَالُوعَةِ يَحْفِرُهَا الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ فَإِنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِذَلِكَ أَوْ أَجْبَرَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْ)
стр. 1325
مُقَيِّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، وَكَذَا الْجَوَابُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فِي جَمِيعِ مَا فُعِلَ فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ (وَكَذَا إنْ حَفَرَهُ فِي مِلْكِهِ لَا يَضْمَنُ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: الْأَمْرُ مِنْ السُّلْطَانِ إكْرَاهٌ؛ فَقَوْلُهُ أَوْ أَجْبَرَهُ كَالْعِطْفِ التَّفْسِيرِيِّ اهـ. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ، لِأَنَّ كَوْنَ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ مِنْ السُّلْطَانِ إكْرَاهًا لَيْسَ بِقَوْلٍ مُخْتَارٍ سِيَّمَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ حَيْثُ قَالَ: إنَّ مُجَرَّدَ أَمْرِ الْإِمَامِ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ. فَجَازَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَوْ أَجْبَرَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَإِنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلَى ذَلِكَ، وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ كَوْنَهُ إكْرَاهًا قَوْلٌ مُخْتَارٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ الْإِذْنِ لِاسْتِلْزَامِ الْأَمْرِ الْإِذْنَ، وَعَطْفُ أَجْبَرَ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَذَلِكَ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةً عَامَّةً فَلَا يَضْمَنُ مَا فَعَلَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَذَكَرَ رِوَايَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى بَيَانِ إذْنِ الْإِمَامِ انْتَهَى.
وَلَا شَكَّ أَنَّ مُجَرَّدَ إذْنِ السُّلْطَانِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ يَدْفَعُ الضَّمَانَ عَنْ الْفَاعِلِ، صَرَّحَ بِهِ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ أَوْ أَجْبَرَهُ عَلَيْهِ مَسْأَلَةً أُخْرَى لَا مَحَالَةَ. وَأَمَّا كَوْنُ قَوْلِهِ أَوْ أَجْبَرَهُ عَلَيْهِ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا فَمِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّ الْعَطْفَ التَّفْسِيرِيَّ لَمْ يُسْمَعْ فِي كَلِمَةِ أَوْ وَمَعْنَاهَا أَيْضًا لَا يُسَاعِدُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا شَاعَ ذَلِكَ فِي كَلِمَةِ الْوَاوِ لِمُسَاعَدَةِ مَعْنَاهَا إيَّاهُ، وَلَكِنْ بَقِيَ لَنَا شَيْءٌ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَوْ أَجْبَرَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَإِنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ عَدَمَ ضَمَانِ الْفَاعِلِ فِيمَا إذَا أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِمَا فَعَلَهُ يَعْلَمُ عَدَمَ ضَمَانِهِ قَطْعًا فِيمَا إذَا أَجْبَرَهُ عَلَيْهِ فَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِ قَوْلِهِ أَوْ أَجْبَرَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَإِنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِذَلِكَ، نَعَمْ لَوْ قَالَ: فَإِنْ أَجْبَرَهُ السُّلْطَانُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ أَمَرَهُ بِهِ لَكَانَ لَهُ حُسْنٌ لِكَوْنِ الثَّانِي مِنْ قَبِيلِ التَّرَقِّي تَأَمَّلْ تَفْهَمْ (قَوْلُهُ وَكَذَا الْجَوَابُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فِي جَمِيعِ مَا فُعِلَ فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَغَيْرِهِ) قَالَ عَامَّةُ الشُّرَّاحُ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَوَّلِ الْبَابِ إلَى هُنَا مِنْ إخْرَاجِ الْكَنِيفِ أَوْ الْمِيزَابِ أَوْ الْجُرْصُنِ إلَى الطَّرِيقِ وَبِنَاءِ الدُّكَّانِ فِيهِ وَإِشْرَاعِ الرَّوْشَنِ وَحَفْرِ الْبِئْرِ، وَزَادَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: وَوَضْعِ الْحَجَرِ.
وَقَالُوا: أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَغَيْرِهِ غَيْرَ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ كَبِنَاءِ الظُّلَّةِ وَغَرْسِ الشَّجَرِ وَرَمْيِ الثَّلْجِ وَالْجُلُوسِ لِلْبَيْعِ. أَقُولُ: مِمَّا ذَكَرَهُ مِنْ أَوَّلِ الْبَابِ إلَى هُنَا صَبُّ الْمَاءِ فِي الطَّرِيقِ وَكَذَا رَشُّ الْمَاءِ أَوْ التَّوَضُّؤُ فِيهِ وَكَذَا وَضْعُ الْخَشَبَةِ فِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ الشُّرَّاحِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مَعَ الْتِزَامِهِمْ الْبَيَانَ وَالتَّفْصِيلَ حَتَّى ذَكَرُوا جَمِيعَ مَا وَقَعَ فِي الْبَابِ قَبْلَ مَا تَرَكُوهُ وَمَا بَعْدَهُ، وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ الْجَوَابَ فِيمَا تَرَكُوهُ خِلَافُ الْجَوَابِ فِيمَا ذَكَرُوهُ كَانَ عَلَيْهِمْ الْبَيَانُ وَالنَّقْلُ. ثُمَّ إنَّهُمْ جَعَلُوا بِنَاءَ الظُّلَّةِ مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَبُّ الدَّارِ الْفَعَلَةَ لِإِخْرَاجِ الْجَنَاحِ أَوْ الظُّلَّةِ فَوَقَعَ وَقَتَلَ إنْسَانًا إلَخْ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُعْتَذَرَ عَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِيمَا فَعَلَ فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ، وَقَدْ حَمَلَ الشُّرَّاحُ مَسْأَلَةَ اسْتِئْجَارِ الْفَعَلَةِ لِإِخْرَاجِ الْجَنَاحِ أَوْ الظُّلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ فِيمَا مَرَّ عَلَى مَا فُعِلَ فِي فِنَاءِ الدَّارِ لَا فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ فَلَمْ يَجْعَلُوهَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ هُنَا، وَأَرَادُوا بِبِنَاءِ الظُّلَّةِ الَّذِي عَدُوّهُ مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ بِنَاءَهَا فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ، أَوْ أَنَّهُمْ حَمَلُوا الْمُرَادَ بِمَا فُعِلَ فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ فِي قَوْلِهِ فِي جَمِيعِ مَا فُعِلَ فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا فَعَلَهُ الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ دُونَ مَا اسْتَأْجَرَ الْغَيْرَ لِفِعْلِهِ فَلَمْ يَعُدُّوا مَا اسْتَأْجَرَ رَبُّ الدَّارِ الْفَعَلَةَ لِإِخْرَاجِ الظُّلَّةِ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ هُنَا، وَأَرَادُوا بِبِنَاءِ الظُّلَّةِ الَّذِي عَدُّوهُ مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ بِنَاءَهُ بِنَفْسِهِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْجَوَابَ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ضَمِنَ مُتَمَشٍّ فِيمَا فُعِلَ فِي فِنَاءِ الدَّارِ أَيْضًا، وَفِيمَا فُعِلَ بِاسْتِئْجَارِ الْغَيْرِ لِفِعْلِهِ أَيْضًا فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّخْصِيصِ بَلْ لَا وَجْهَ لَهُ تَفَكَّرْ.
стр. 1326
(وَكَذَا إذَا حَفَرَهُ فِي فِنَاءِ دَارِهِ) لِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ دَارِهِ وَالْفِنَاءُ فِي تَصَرُّفِهِ. وَقِيلَ هَذَا إذَا كَانَ الْفِنَاءُ مَمْلُوكًا لَهُ أَوْ كَانَ لَهُ حَقُّ الْحَفْرِ فِيهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، أَمَّا إذَا كَانَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مُشْتَرَكًا بِأَنْ كَانَ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِأَنَّهُ مُسَبِّبٌ مُتَعَدٍّ وَهَذَا صَحِيحٌ.
(وَلَوْ حَفَرَ فِي الطَّرِيقِ وَمَاتَ الْوَاقِعُ فِيهِ جُوعًا أَوْ غَمًّا لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّهُ مَاتَ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ فَلَا يُضَافُ إلَى الْحَفْرِ، وَالضَّمَانُ إنَّمَا يَجِبُ إذَا مَاتَ مِنْ الْوُقُوعِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: إنْ مَاتَ جُوعًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ مَاتَ غَمًّا فَالْحَافِرُ ضَامِنٌ لَهُ لِأَنَّهُ لَا سَبَبَ لِلْغَمِّ سِوَى الْوُقُوعِ، أَمَّا الْجُوعُ فَلَا يَخْتَصُّ بِالْبِئْرِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ ضَامِنٌ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، لِأَنَّهُ إنَّمَا حَدَثَ بِسَبَبِ الْوُقُوعِ، إذْ لَوْلَاهُ لَكَانَ الطَّعَامُ قَرِيبًا مِنْهُ. .
قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَحَفَرُوهَا لَهُ فِي غَيْرِ فِنَائِهِ فَذَلِكَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأُجَرَاءِ إنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهَا فِي غَيْرِ فِنَائِهِ) لِأَنَّ الْإِجَارَةَ صَحَّتْ ظَاهِرًا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا فَنُقِلَ فِعْلُهُمْ إلَيْهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَغْرُورِينَ، فَصَارَ كَمَا إذَا أَمَرَ آخَرَ بِذَبْحِ هَذِهِ الشَّاةِ فَذَبَحَهَا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الشَّاةَ لِغَيْرِهِ، إلَّا أَنَّ
قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا حَفَرَهُ فِي فِنَاءِ دَارِهِ) يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْفِنَاءُ مِلْكَهُ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا. أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُنَافِي مَا ذَكَرَ فِيمَا مَرَّ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْمُقَرَّرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُهُ وَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَبْنِيَ لَهُ فِي فِنَاءِ حَانُوتِهِ فَتَعَقَّلَ بِهِ إنْسَانٌ بَعْدَ فَرَاغِهِ فَمَاتَ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ اسْتِحْسَانًا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَقِيلَ هَذَا إذَا كَانَ الْفِنَاءُ مَمْلُوكًا أَوْ كَانَ لَهُ حَقُّ الْحَفْرِ فِيهِ) قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ أَوْ كَانَ لَهُ حَقُّ الْحَفْرِ فِيهِ بِأَنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِأَحَدِ أَوْ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ. أَقُولُ: فِي كُلٍّ مِنْ وَجْهَيْ تَفْسِيرِهِمْ خَلَلٌ. أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ أَمَّا إذَا كَانَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مُشْتَرَكًا إلَخْ يَأْبَاهُ جِدًّا، فَإِنَّ عَدَمَ الضَّرَرِ لِأَحَدٍ قَدْ يَتَحَقَّقُ فِي صُورَةِ كَوْنِهِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مُشْتَرَكًا أَيْضًا، وَقَدْ جُعِلَ الْحُكْمُ فِيهَا خِلَافَ مَا إذَا كَانَ لَهُ حَقُّ الْحَفْرِ فِيهِ.
وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ أَيْضًا فَلَا يَضْمَنُ مَا عَطِبَ فِيهِ كَمَا مَرَّ آنِفًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ بَيَانِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ حَفَرَ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَكَذَلِكَ إذَا حَفَرَهُ فِي فِنَاءِ دَارِهِ هُوَ أَنَّ الْحَافِرَ لَا يَضْمَنُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ بِدُونِ إذْنِ الْإِمَامِ أَيْضًا، وَعَنْ هَذَا قَالَ الشُّرَّاحُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ إنْ حَفَرَهُ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ: يَعْنِي كَمَا إذَا أَذِنَ لَهُ فَحَفَرَهُ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَضْمَنْ، كَذَلِكَ إنْ حَفَرَهُ فِي مِلْكِهِ بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ لَمْ يَضْمَنْ، فَلَا مَعْنَى لِحَمْلِ مَا قِيلَ
стр. 1327
هُنَاكَ يَضْمَنُ الْمَأْمُورُ وَيَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ لِأَنَّ الذَّابِحَ مُبَاشِرٌ وَالْآمِرُ مُسَبِّبٌ وَالتَّرْجِيحُ لِلْمُبَاشَرَةِ فَيَضْمَنُ الْمَأْمُورُ وَيَرْجِعُ الْمَغْرُورُ، وَهُنَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ابْتِدَاءً لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَبِّبٌ وَالْأَجِيرُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ وَالْمُسْتَأْجِرُ مُتَعَدٍّ فَيُرَجَّحُ جَانِبُهُ (وَإِنْ عَلِمُوا ذَلِكَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأُجَرَاءِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أَمْرُهُ بِمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ وَلَا غُرُورَ فَبَقِيَ الْفِعْلُ مُضَافًا إلَيْهِمْ (وَإِنْ قَالَ لَهُمْ: هَذَا فِنَائِي وَلَيْسَ لِي فِيهِ حَقُّ الْحَفْرِ فَحَفَرُوا وَمَاتَ فِيهِ إنْسَانٌ) فَالضَّمَانُ
فِي مَسْأَلَةِ الْحَفْرِ فِي فِنَاءِ دَارِهِ الَّتِي جَوَابُهَا عَدَمُ الضَّمَانِ بِدُونِ إذْنِ الْإِمَامِ أَيْضًا عَلَى التَّقْيِيدِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: وَقِيلَ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَحْفِرَ فِي فِنَاءِ دَارِهِ إذَا كَانَ الْفِنَاءُ مَمْلُوكًا لَهُ، أَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُ الضَّرَرُ بِغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَلْحَقْ الضَّرَرُ بِغَيْرِهِ يَكُونُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ مُقَيَّدًا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ بِعَدَمِ التَّعَدِّي.
أَمَّا إذَا كَانَ الْفِنَاءُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا كَمَا إذَا كَانَ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ يَجِبُ الضَّمَانُ لِوُجُودِ التَّعَدِّي انْتَهَى. أَقُولُ: قَدْ زَادَ ذَلِكَ الشَّارِحُ نَغْمَةً فِي الطُّنْبُورِ مِنْ جِهَةِ الْفَسَادِ حَيْثُ شَرَحَ قَوْلَهُ أَوْ كَانَ لَهُ حَقُّ الْحَفْرِ فِيهِ بِأَنْ قَالَ: أَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُ الضَّرَرُ بِغَيْرِهِ، فَاشْتَرَكَ مَعَ جُمْهُورِ الشُّرَّاحِ فِي أَنْ يَرِدَ عَلَيْهِ مَا يَرِدُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهَيْ تَفْسِيرِهِمْ كَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ، وَقَالَ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ: لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَلْحَقْ الضَّرَرُ بِالْغَيْرِ يَكُونُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ مُقَيَّدًا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ لِعَدَمِ التَّعَدِّي. وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ يَقْتَضِي الضَّمَانَ عِنْدَ الْهَلَاكِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ، وَجَوَابُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَدَمُ الضَّمَانِ عِنْدَ الْهَلَاكِ لِعَدَمِ التَّعَدِّي فَلَا مَعْنَى لِلتَّقْيِيدِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَمَا لَا يَخْفَى. ثُمَّ أَقُولُ: الصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ أَوْ كَانَ لَهُ حَقُّ الْحَفْرِ فِيهِ إنْ كَانَ لَهُ حَقُّ الِاخْتِصَاصِ بِالْحَفْرِ فِيهِ بِأَنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ بِالِانْتِفَاعِ فِيهِ أَوْ كَانَ مِمَّا اسْتَأْجَرَهُ لِلِانْتِفَاعِ فِيهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ السِّبَاقُ وَاللِّحَاقُ بِلَا غُبَارٍ كَمَا تَرَى.
(قَوْلُهُ وَإِنْ عَلِمُوا بِذَلِكَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأُجَرَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أَمْرُهُ بِمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ وَلَا غُرُورَ فَبَقِيَ الْفِعْلُ مُضَافًا إلَيْهِمْ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ تَسَامُحٌ، لِأَنَّ صِحَّةَ الْأَمْرِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا تَحْتَاجُ إلَى كَوْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي مِلْكِهِ حَتَّى يَصِحَّ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أَمْرُهُ بِمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ، بَلْ الْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَصِحَّ ظَاهِرًا حَيْثُ عَلِمُوا اهـ. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ، لِأَنَّ مَدَارَ زَعْمِهِ التَّسَامُحَ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْغَفْلَةِ عَنْ دُخُولِ قَوْلِهِ وَلَا غُرُورَ فِي تَمَامِ التَّعْلِيلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ، فَقَوْلُهُ لَمْ يَصِحَّ أَمْرُهُ بِمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ إشَارَةٌ إلَى انْتِفَاءِ صِحَّةِ أَمْرِهِ حَقِيقَةً. وَقَوْلُهُ وَلَا غُرُورَ إشَارَةٌ إلَى انْتِفَاءِ صِحَّتِهِ ظَاهِرًا، وَالْمَعْنَى لَمْ يَصِحَّ أَمْرُهُ حَقِيقَةً لِانْتِفَاءِ الْمِلْكِ فِي الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَا ظَاهِرًا لِعَدَمِ الْغُرُورِ حَيْثُ عَلِمُوا، فَظَهَرَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ تَعْلِيلٌ مُفِيدٌ وَاسِعٌ لَيْسَ بِمَثَابَةِ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَصِحَّ ظَاهِرًا حَيْثُ عَلِمُوا كَمَا تَرَى، فَلَمْ يَتِمَّ الْقَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ
стр. 1328
عَلَى الْأُجَرَاءِ قِيَاسًا (لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا بِفَسَادِ الْأَمْرِ فَمَا غَرَّهُمْ) وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ (لِأَنَّ كَوْنَهُ فِنَاءً لَهُ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لَهُ لِانْطِلَاقِ يَدِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْ إلْقَاءِ الطِّينِ وَالْحَطَبِ وَرَبْطِ الدَّابَّةِ وَالرُّكُوبِ وَبِنَاءِ الدُّكَّانِ فَكَانَ الْأَمْرُ بِالْحَفْرِ فِي مِلْكِهِ ظَاهِرًا بِالنَّظَرِ إلَى مَا ذَكَرْنَا فَكَفَى ذَلِكَ لِنَقْلِ الْفِعْلِ إلَيْهِ. قَالَ): وَمَنْ جَعَلَ قَنْطَرَةً بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَتَعَمَّدَ رَجُلٌ الْمُرُورَ عَلَيْهَا فَعَطِبَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي عَمِلَ الْقَنْطَرَةَ، وَكَذَلِكَ (إذَا وَضَعَ خَشَبَةً فِي الطَّرِيقِ فَتَعَمَّدَ رَجُلٌ الْمُرُورَ عَلَيْهَا) لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَعَدٍّ هُوَ تَسْبِيبٌ، وَالثَّانِي تَعَدٍّ هُوَ مُبَاشَرَةٌ فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَى الْمُبَاشِرِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ تَخَلُّلَ فِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ يَقْطَعُ النِّسْبَةَ كَمَا فِي الْحَافِرِ مَعَ الْمُلْقِي. .
قَالَ (وَمَنْ حَمَلَ شَيْئًا فِي الطَّرِيقِ فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَكَذَا إذَا سَقَطَ فَتَعَثَّرَ بِهِ إنْسَانٌ وَإِنْ كَانَ رِدَاءً قَدْ لَبِسَهُ فَسَقَطَ عَنْهُ فَعَطِبَ
هُوَ الْمُنَاسِبُ (قَوْلُهُ فَكَانَ الْأَمْرُ بِالْحَفْرِ فِي مِلْكِهِ ظَاهِرًا بِالنَّظَرِ إلَى مَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي قَوْلَهُ لِأَنَّ كَوْنَهُ فِنَاءً لَهُ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لَهُ لِانْطِلَاقِ يَدِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ إلَخْ.
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ لَيْسَ لِي فِيهِ حَقُّ الْحَفْرِ يُخَالِفُ هَذَا الظَّاهِرَ وَهُوَ صَرِيحٌ فَلَا تُعْتَبَرُ الدَّلَالَةُ بِمُقَابَلَتِهِ. أُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ لِي فِيهِ حَقُّ الْحَفْرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ لَيْسَ لِي ذَلِكَ فِي الْقَدِيمِ، وَهَكَذَا لَفْظُ الْمَبْسُوطِ، فَيَكُونُ الصَّرِيحُ مُشْتَرَكُ الدَّلَالَةِ فَلَا يُعَارِضُ الدَّلَالَةَ انْتَهَى. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ بَحْثٌ، لِأَنَّ كَلِمَةَ لَيْسَ لِنَفْيِ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ حَالًا عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحَاةِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ لَيْسَ لِي فِيهِ حَقُّ الْحَفْرِ غَيْرَ نَفْيِ حَقِّ الْحَفْرِ عَنْهُ حَالًا. وَأَمَّا عِنْدَ بَعْضِ النُّحَاةِ فَكَلِمَةُ لَيْسَ وَإِنْ كَانَتْ لِلنَّفْيِ مُطْلَقًا، إلَّا أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَضْمُونَ الْجُمْلَةِ إذَا قُيِّدَ بِزَمَانٍ مِنْ الْأَزْمِنَةِ فَهُوَ عَلَى مَا قُيِّدَ بِهِ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يُقَيَّدْ بِزَمَانٍ فَيُحْمَلُ عَلَى الْحَالِ كَمَا يُحْمَلُ الْإِيجَابُ عَلَيْهِ فِي نَحْوِ: زَيْدٌ قَائِمٌ كَذَا حَقَّقَهُ الْأَنْدَلُسِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ الرَّضِيُّ، وَفِيمَا وَقَعَ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لَمْ يُقَيَّدْ بِزَمَانٍ فَيُحْمَلُ عَلَى الْحَالِ كَمَا يُحْمَلُ الْإِيجَابُ عَلَيْهِ قَطْعًا فَلَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكَ الدَّلَالَةِ، كَيْفَ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا صَحَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي تَعْلِيلِ كَوْنِ الضَّمَانِ عَلَى الْأُجَرَاءِ قِيَاسًا لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا بِفَسَادِ الْأَمْرِ فَمَا غَرَّهُمْ، إذْ الْعِلْمُ بِفَسَادِ الْأَمْرِ لَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ اشْتِرَاكِ دَلَالَةِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي لَفْظِ الْمَبْسُوطِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ لَيْسَ لِي ذَلِكَ مِنْ الْقَدِيمِ لَكِنَّهُ لِي فِي الْحَالِ وَإِلَّا لَمَا تَمَّ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ. ثُمَّ أَقُولُ: الْحَقُّ عِنْدِي فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ لَيْسَ لِي عَلَى الِاخْتِصَاصِ حَقُّ الْحَفْرِ فِيهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ اللَّامُ فِي لِي لِلِاخْتِصَاصِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِنَاءُ دَارِهِ حَقَّ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مُشْتَرَكًا بِأَنْ كَانَتْ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ كَمَا مَرَّ مِثْلُهُ فَلَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ مِنْ انْطِلَاقِ يَدِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ، إذْ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ التَّصَرُّفُ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، وَلَا يُنَافِي أَيْضًا قَوْلَ الْمُصَنَّفِ فِي تَعْلِيلِ وَجْهِ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا بِفَسَادِ الْأَمْرِ فَمَا غَرَّهُمْ؟ لِأَنَّ فَسَادَ الْأَمْرِ مُقَرَّرٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ. أَمَّا عَلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَيْسَ لِي فِيهِ حَقُّ الْحَفْرِ أَصْلًا: أَيْ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَلَا عَلَى الِاشْتِرَاكِ فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا عَلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَيْسَ لِي فِيهِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ حَقُّ الْحَفْرِ فَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْحَفْرِ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ أَوْ فِي الْحَقِّ الْمُشْتَرَكِ بِدُونِ إذْنِ الشَّرِيكِ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ تَعَدٍّ، وَلِهَذَا لَوْ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ فَتَلِفَ بِهِ إنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ
стр. 1329
بِهِ إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْ) وَهَذَا اللَّفْظُ يَشْمَلُ الْوَجْهَيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ حَامِلَ الشَّيْءِ قَاصِدٌ حِفْظَهُ فَلَا حَرَجَ فِي التَّقْيِيدِ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ، وَاللَّابِسُ لَا يَقْصِدُ حِفْظَ مَا يَلْبَسُهُ فَيَخْرُجُ بِالتَّقْيِيدِ بِمَا ذَكَرْنَا فَجَعَلْنَاهُ مُبَاحًا مُطْلَقًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا لَبِسَ مَا لَا يَلْبَسُهُ عَادَةً فَهُوَ كَالْحَامِلِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى لُبْسِهِ. .
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ
قَوْلُهُ وَهَذَا اللَّفْظُ يَشْمَلُ الْوَجْهَيْنِ) قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَهَذَا اللَّفْظُ إلَى قَوْلِهِ فَعَطِبَ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ وَأَرَادَ بِالْوَجْهَيْنِ فِي قَوْلِهِ يَشْمَلُ الْوَجْهَيْنِ تَلَفَ الْإِنْسَانِ بِوُقُوعِ الشَّيْءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهِ وَتَلَفَهُ بِالتَّعَثُّرِ بِهِ بَعْدَمَا وَقَعَ فِي الطَّرِيقِ.
أَقُولُ: مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ كَوْنِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَهَذَا اللَّفْظُ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ فَعَطِبَ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ فَعَطِبَ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ يَشْمَلُ الْوَجْهَيْنِ وَهُمَا تَلَفُ الْإِنْسَانِ بِسُقُوطِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهِ وَتَلَفُهُ بِتَعَثُّرِهِ بِهِ بَعْدَ سُقُوطِ ذَلِكَ لَكَانَ قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا سَقَطَ فَتَعَثَّرَ بِهِ إنْسَانٌ بَعْدَ قَوْلِهِ فَعَطِبَ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ مُسْتَدْرَكًا مَحْضًا. وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ ذَلِكَ لَذَكَرَ قَوْلَهُ وَهَذَا اللَّفْظُ يَشْمَلُ الْوَجْهَيْنِ قَبْلَ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ رِدَاءٌ قَدْ لَبِسَهُ فَسَقَطَ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْ، إذْ لَا وَجْهَ لِتَأْخِيرِ بَيَانِ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عَنْ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ بِلَا أَمْرٍ دَاعٍ إلَيْهِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ أَنْ شَرَحَ الْمَقَامَ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَعَطِبَ بِهِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ وَذَلِكَ لَا يَشْمَلُ التَّعَثُّرَ بِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ نَظَرَ إلَى الْمَعْطُوفِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ انْتَهَى. أَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ نَظَرَ إلَى الْمَعْطُوفِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مِمَّا لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّ قَوْلَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ جَوَابُ مَجْمُوعِ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ صِحَّةُ الْمَعْنَى مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وَأَنَا أَتَعَجَّبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحِ كَيْفَ حَمَلُوا مُرَادَ الْمُصَنِّفِ ذَلِكَ الْمُتْقِنِ التَّحْرِيرَ عَلَى مَا يَأْبَاهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى دُرْبَةً بِأَسَالِيبِ الْكَلَامِ. وَجَعَلَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَهَذَا اللَّفْظُ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْ، وَهُوَ الْحَقُّ الصَّرِيحُ عِنْدِي أَيْضًا فَإِنَّهُ مَصُونٌ عَنْ الْمَحْذُورَاتِ الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا. وَرَدَّهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَهُ حَيْثُ قَالَ: وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ جَعَلَ قَوْلَهُ وَهَذَا اللَّفْظُ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرِّدَاءِ فَاسِدٌ، لِأَنَّ مَوْتَ الْإِنْسَانِ بِسُقُوطِ الرِّدَاءِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ انْتَهَى. أَقُولُ: رَدُّهُ مَرْدُودٌ، إذْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَسْقُطَ الرِّدَاءُ عَلَى فَمِ الصَّغِيرِ بَلْ عَلَى فَمِ الْكَبِيرِ أَيْضًا فِي حَالَةِ النَّوْمِ بَلْ فِي حَالَةِ الْيَقِظَةِ أَيْضًا فَيَخْتَنِقَ بِذَلِكَ فَيَمُوتَ. نَعَمْ تَحَقُّقُ مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ نَادِرٌ، لَكِنْ إمْكَانُ وُقُوعِهِ كَافٍ فِي تَعْمِيمِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا لَا يَخْفَى.
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَصَدَ الْجَوَابَ عَنْ رَدِّ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: وَلَك أَنْ تَقُولَ: قَوْلُهُ فَسَقَطَ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ: يَعْنِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَشْمَلُ الْوَجْهَيْنِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ فَعَطِبَ فَمُرَادُهُ
стр. 1330
لِلْعَشِيرَةِ فَعَلَّقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فِيهِ قِنْدِيلًا أَوْ جَعَلَ فِيهِ بَوَارِي أَوْ حَصَاةً فَعَطِبَ بِهِ رَجُلٌ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْعَشِيرَةِ ضَمِنَ) قَالُوا: هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ الْقُرَبِ وَكُلُّ أَحَدٍ مَأْذُونٌ فِي إقَامَتِهَا فَلَا يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، كَمَا إذَا فَعَلَهُ بِإِذْنِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْفَرْقُ أَنَّ التَّدْبِيرَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ لِأَهْلِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ كَنَصْبِ الْإِمَامِ وَاخْتِيَارِ الْمُتَوَلِّي وَفَتْحِ بَابِهِ وَإِغْلَاقِهِ وَتَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ إذَا سَبَقَهُمْ بِهَا غَيْرُ أَهْلِهِ فَكَانَ فِعْلُهُمْ مُبَاحًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَفِعْلُ غَيْرِهِمْ تَعَدِّيًا أَوْ مُبَاحًا مُقَيَّدًا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، وَقَصْدُ الْقُرْبَةِ لَا يُنَافِي الْغَرَامَةَ إذَا أَخْطَأَ الطَّرِيقَ كَمَا إذَا تَفَرَّدَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا وَالطَّرِيقُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَهْلِهِ. قَالَ: (وَإِنْ جَلَسَ فِيهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَعَطِبَ بِهِ رَجُلٌ لَمْ يَضْمَنْ إنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ضَمِنَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ نَفْسِهِمَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْغَيْرِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْمُرَادُ بِالرِّدَاءِ مُطْلَقُ اللِّبَاسِ مَجَازًا لَا خُصُوصُهُ؛ أَلَا يَرَى إلَى دَلِيلِهِ إلَى هُنَا لَفْظُهُ. أَقُولُ: كُلٌّ مِنْ مُقَدِّمَاتِ كَلَامِهِ كَاسِدٌ. أَمَّا قَوْلُهُ يَعْنِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَشْمَلُ الْوَجْهَيْنِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ فَمُرَادُهُ الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ نَفْسِهِمَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْغَيْرِ، فَلِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ نَفْسِهِمَا بِدُونِ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ يَكُونُ خَارِجًا مِنْ الْفِقْهِ بَلْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اللَّغْوِ مِنْ الْكَلَامِ هَاهُنَا، وَمِثْلُهُ لَا يَلِيقُ بِمَنْ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ فَضْلًا عَنْ الْمُصَنِّفِ الَّذِي هُوَ عَلَمٌ فِي التَّحْقِيقِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَوْ سُلِّمَ فَالْمُرَادُ بِالرِّدَاءِ مُطْلَقُ اللِّبَاسِ مَجَازًا لَا خُصُوصُهُ، فَلِأَنَّ الْمَجَازَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَرِينَةٍ وَلَا قَرِينَةَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ أَلَا يَرَى إلَى دَلِيلِهِ فَلِأَنَّ عُمُومَ الدَّلِيلِ لَا يَقْتَضِي عُمُومَ الْمَسْأَلَةِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ كُلِّيَّةَ الْكُبْرَى شَرْطٌ فِي إنْتَاجِ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ مَعَ كَوْنِ النَّتِيجَةِ خَاصَّةً
(قَوْلُهُ وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا) أَيْ فِيمَا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْعَشِيرَةِ، وَفِيمَا إذَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ الْعَشِيرَةِ. قَالَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: قَوْلُهُ وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَهُمَا إذْنُ الْإِمَامِ أَوْ الْعَشِيرَةِ أَوْ عَدَمُ إذْنِهِمَا، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ.
أَقُولُ: تَفْسِيرُ الْوَجْهَيْنِ هُنَا بِمَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الشَّارِحَانِ لَا يُطَابِقُ الْمَشْرُوحَ كَمَا
стр. 1331
وَلَوْ كَانَ جَالِسًا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ لِلتَّعْلِيمِ أَوْ لِلصَّلَاةِ أَوْ نَامَ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَوْ مَرَّ فِيهِ مَارًّا أَوْ قَعَدَ فِيهِ لِحَدِيثٍ فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ، وَأَمَّا الْمُعْتَكِفُ فَقَدْ قِيلَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ، وَقِيلَ لَا يَضْمَنُ
لَا يَخْفَى عَلَى ذِي مُسْكَةٍ (قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ جَالِسًا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ لِلتَّعْلِيمِ أَوْ لِلصَّلَاةِ أَوْ نَامَ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَوْ مَرَّ فِيهِ مَارًّا أَوْ قَعَدَ فِيهِ لِحَدِيثٍ فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: وَلَوْ كَانَ جَالِسًا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ لِلتَّعْلِيمِ: أَيْ تَعْلِيمِ الْفِقْهِ أَوْ الْحَدِيثِ أَوْ لِلصَّلَاةِ: يَعْنِي مُنْتَظِرًا لَهَا أَوْ نَامَ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَوْ مَرَّ فِيهِ مَارًّا أَوْ قَعَدَ فِيهِ لِحَدِيثٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ: لَيْسَ فِيهَا خِلَافٌ، بَلْ لَا ضَمَانَ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ انْتَهَى. أَقُولُ: فِي تَقْرِيرِهِ خَلَلٌ، فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ قَوْلَ الْبَعْضِ الْآخَرِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا قَعَدَ لِلْعِبَادَةِ بِأَنْ كَانَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ أَوْ قَعَدَ لِلتَّدْرِيسِ وَتَعْلِيمِ الْفِقْهِ أَوْ الِاعْتِكَافِ أَوْ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ أَوْ يُسَبِّحُهُ أَوْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ فَمَاتَ، وَأَمَّا فِيمَا إذَا قَعَدَ لِحَدِيثٍ أَوْ نَامَ فِيهِ أَوْ أَقَامَ فِيهِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ أَوْ مَرَّ فِيهِ مَارًّا فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ فَمَاتَ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَيْنَ صَاحِبَيْهِ بِلَا خِلَافٍ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى مَا بُيِّنَ، وَفَصَّلَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيُّ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَيْضًا نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا مِنْ الصُّوَرِ فَقَالَ: فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ يَشْمَلُ الْقِسْمَيْنِ فَكَيْفَ يَتِمُّ قَوْلُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا إلَى آخِرِ كَلَامِهِ.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ تَكْرَارٌ، لِأَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ضَمِنَ وَغَيْرُ الصَّلَاةِ يَشْمَلُ هَذَا الْمَذْكُورَ كُلَّهُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ضَمِنَ لَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ جَالِسًا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ بَيَانٌ لِذَلِكَ انْتَهَى. أَقُولُ: فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ سُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ سَقَامَةٌ. أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا قَالَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ إنَّمَا كَانَ فِي الْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ فَكَيْفَ يَشْمَلُ قَوْلَهُ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ضَمِنَ هَذَا الْمَذْكُورَ كُلَّهُ، وَمِنْهُ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْجُلُوسِ كَالنَّوْمِ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَالْمُرُورِ فِيهِ مَارًّا. وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّ لَفْظَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُخْتَصٌّ بِالْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَفْظُ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لِلْجُلُوسِ وَغَيْرِهِ كَمَا عَرَفْت آنِفًا فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا بَيَانًا لِذَاكَ.
ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُ فَهُوَ عَلَى هَذَا
стр. 1332
بِالِاتِّفَاقِ. لَهُمَا أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ إلَّا بِانْتِظَارِهَا فَكَانَ الْجُلُوسُ فِيهِ مُبَاحًا لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ الصَّلَاةِ، أَوْ لِأَنَّ الْمُنْتَظِرَ لِلصَّلَاةِ فِي الصَّلَاةِ حُكْمًا بِالْحَدِيثِ فَلَا يَضْمَنُ كَمَا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ.
وَلَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مُلْحَقَةٌ بِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِ التَّفَاوُتِ فَجَعَلْنَا الْجُلُوسَ لِلْأَصْلِ مُبَاحًا مُطْلَقًا وَالْجُلُوسَ لِمَا يُلْحَقُ بِهِ مُبَاحًا مُقَيَّدًا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَلَا غَرْوَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا إلَيْهِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالرَّمْيِ إلَى الْكَافِرِ أَوْ إلَى الصَّيْدِ وَالْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ وَالْمَشْيِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا وَطِئَ غَيْرَهُ وَالنَّوْمِ فِيهِ إذَا انْقَلَبَ عَلَى غَيْرِهِ (وَإِنْ جَلَسَ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ الْعَشِيرَةِ فِيهِ لِلصَّلَاةِ فَتَعَقَّلَ بِهِ إنْسَانٌ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ) لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِلصَّلَاةِ وَأَمْرُ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ إنْ كَانَ مُفَوَّضًا إلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَحْدَهُ. .
الِاخْتِلَافِ يُفِيدُ اتِّفَاقَ الْمَشَايِخِ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ كَمَا رَأَيْت. أَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُفِيدُ اتِّفَاقَ الْمَشَايِخِ عَلَى ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا مَا اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ، فَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ الْقَوْلَ الْآخَرَ، وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِعَزِيزٍ فِي كَلِمَاتِ الْمَشَايِخِ. ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ: فَقَدْ قِيلَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ، وَقِيلَ لَا يَضْمَنُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا قَالَ فِي الِاعْتِكَافِ انْتَهَى. أَقُولُ: لَعَلَّ سِرَّ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَقُلْ هَكَذَا هُوَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الصُّوَرِ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْعِبَادَةِ أَيْضًا، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ فِي هَذَا الْقِسْمِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا قَبْلُ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ مِثْلَ مَا زَعَمَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ حَقَّ الْكَلَامِ لَاخْتَلَّ كَلَامُهُ كَاخْتِلَالِ كَلَامِ ذَلِكَ الشَّارِحِ فِي شَرْحِهِ كَمَا مَرَّ حَيْثُ يَلْزَمُ أَنْ يُدْرِجَ فِي اخْتِلَافِ الْمَشَايِخِ مَحَلَّ الْوِفَاقِ أَيْضًا فَقَالَ: وَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ بِالْبَتَاتِ جَرْيًا عَلَى اتِّفَاقِهِمْ عَلَى وُقُوعِ الِاخْتِلَافِ فِيمَا هُوَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْعِبَادَةِ وَاخْتِيَارًا لِمَا اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِيمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْعِبَادَةِ تَأَمَّلْ، فَإِنَّ هَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ وَتَوْجِيهٌ حَسَنٌ (قَوْلُهُ لَهُمَا أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ إلَّا بِانْتِظَارِهَا فَكَانَ الْجُلُوسُ مُبَاحًا إلَخْ).
أَقُولُ: هَذَا التَّعْلِيلُ قَاصِرٌ عَنْ إفَادَةِ مُدَّعَاهُمَا فِي بَعْضٍ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ كَالنَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ وَالْمُرُورِ فِيهِ وَالْقُعُودِ فِيهِ لِحَدِيثٍ: فَإِنَّ شَيْئًا مِنْهَا لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَا مِنْ الذِّكْرِ وَلَا مِنْ ضَرُورَاتِ الصَّلَاةِ وَلَا مِنْ الِانْتِظَارِ لِلصَّلَاةِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ. .
стр. 1333
(فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْحَائِطِ الْمَائِلِ)
قَالَ: (وَإِذَا مَالَ الْحَائِطُ إلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَطُولِبَ صَاحِبُهُ بِنَقْضِهِ وَأُشْهِدَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْقُضْهُ فِي مُدَّةٍ يَقْدِرُ عَلَى نَقْضِهِ حَتَّى سَقَطَ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَضْمَنَ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ مِنْهُ مُبَاشَرَةً، وَالْمُبَاشَرَةُ شَرْطٌ هُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ، لِأَنَّ أَصْلَ الْبِنَاءِ كَانَ فِي مِلْكِهِ، وَالْمَيَلَانُ وَشَغْلُ الْهَوَاءِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ فَصَارَ كَمَا قَبْلَ الْإِشْهَادِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَائِطَ لَمَّا مَالَ إلَى الطَّرِيقِ فَقَدْ اشْتَمَلَ هَوَاءَ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ بِمِلْكِهِ وَرَفْعُهُ فِي يَدِهِ، فَإِذَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ وَطُولِبَ بِتَفْرِيغِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ فَإِذَا امْتَنَعَ صَارَ مُتَعَدِّيًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَقَعَ ثَوْبُ إنْسَانٍ فِي حِجْرِهِ يَصِيرُ مُتَعَدِّيًا بِالِامْتِنَاعِ عَنْ التَّسْلِيمِ إذَا طُولِبَ بِهِ كَذَا هَذَا، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْإِشْهَادِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ هَلَاكِ الثَّوْبِ قَبْلَ الطَّلَبِ، وَلِأَنَّا لَوْ لَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ الضَّمَانَ يَمْتَنِعُ عَنْ التَّفْرِيغِ فَيَنْقَطِعُ الْمَارَّةُ حَذَرًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَتَضَرَّرُونَ بِهِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ الْعَامِّ مِنْ الْوَاجِبِ وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالْحَائِطِ فَيَتَعَيَّنُ لِدَفْعِ هَذَا الضَّرَرِ، وَكَمْ مِنْ ضَرَرٍ خَاصٍّ يُتَحَمَّلُ لِدَفْعِ الْعَامِّ مِنْهُ، ثُمَّ فِيمَا تَلِفَ بِهِ مِنْ النُّفُوسِ تَجِبُ الدِّيَةُ وَتَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ، لِأَنَّهُ فِي كَوْنِهِ جِنَايَةً دُونَ الْخَطَأِ فَيُسْتَحَقُّ فِيهِ التَّخْفِيفُ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى اسْتِئْصَالِهِ وَالْإِجْحَافِ بِهِ، وَمَا تَلِفَ بِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ كَالدَّوَابِّ وَالْعُرُوضِ يَجِبُ ضَمَانُهَا فِي مَالِهِ، لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْمَالَ وَالشَّرْطُ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ وَطَلَبُ النَّقْضِ مِنْهُ دُونَ الْإِشْهَادِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْإِشْهَادَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ إثْبَاتِهِ عِنْدَ إنْكَارِهِ فَكَانَ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ. وَصُورَةُ الْإِشْهَادِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ:
(فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْحَائِطِ الْمَائِلِ)
لَمَّا ذَكَرَ أَحْكَامَ الْقَتْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْإِنْسَانِ مُبَاشَرَةً أَوْ تَسَبُّبًا شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْقَتْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْجَمَادِ وَهُوَ الْحَائِطُ الْمَائِلُ، وَكَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ تُؤَخَّرَ عَنْ مَسَائِلِ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ تَقْدِيمًا لِلْحَيَوَانِ عَلَى الْجَمَادِ، إلَّا أَنَّ الْحَائِطَ الْمَائِلَ لَمَّا نَاسَبَ الْجُرْصُنَ وَالرَّوْشَنَ وَالْجَنَاحَ وَالْكَنِيفَ وَغَيْرَهَا أَلْحَقَ مَسَائِلَهُ بِهَا وَلِهَذَا أَتَى بِلَفْظِ الْفَصْلِ لَا بِلَفْظِ الْبَابِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا
стр. 1334
اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ تَقَدَّمْت إلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي هَدْمِ حَائِطِهِ هَذَا، وَلَا يَصِحُّ الْإِشْهَادُ قَبْلَ أَنْ يَهِيَ الْحَائِطُ لِانْعِدَامِ التَّعَدِّي. .
قَالَ: (وَلَوْ بَنَى الْحَائِطَ مَائِلًا فِي الِابْتِدَاءِ قَالُوا: يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِسُقُوطِهِ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ) لِأَنَّ الْبِنَاءَ تَعَدٍّ ابْتِدَاءً كَمَا فِي إشْرَاعِ الْجَنَاحِ. قَالَ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى التَّقَدُّمِ) لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ عَلَى الْقَتْلِ، وَشَرْطُ التَّرْكِ فِي مُدَّةٍ يَقْدِرُ عَلَى نَقْضِهِ فِيهَا لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إمْكَانِ النَّقْضِ لِيَصِيرَ بِتَرْكِهِ جَانِيًا، وَيَسْتَوِي أَنْ يُطَالِبَهُ بِنَقْضِهِ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ، لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْمُرُورِ فَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً حُرًّا كَانَ أَوْ مُكَاتَبًا، وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ مُطَالَبَةٌ بِالتَّفْرِيغِ فَيَتَفَرَّدُ كُلُّ صَاحِبِ حَقٍّ بِهِ. .
قَالَ: (وَإِنْ مَالَ إلَى دَارِ رَجُلٍ فَالْمُطَالَبَةُ إلَى مَالِكِ الدَّارِ خَاصَّةً) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ عَلَى الْخُصُوصِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا سُكَّانٌ لَهُمْ أَنْ يُطَالِبُوهُ لِأَنَّ لَهُمْ الْمُطَالَبَةَ بِإِزَالَةِ مَا شَغَلَ الدَّارَ فَكَذَا بِإِزَالَةِ مَا شَغَلَ هَوَاءَهَا، وَلَوْ أَجَّلَهُ صَاحِبُ الدَّارِ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهَا أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ سَاكِنُوهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ بِالْحَائِطِ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَالَ إلَى الطَّرِيقِ فَأَجَّلَهُ الْقَاضِي أَوْ مَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الْحَقَّ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ إلَيْهِمَا إبْطَالُ حَقِّهِمْ. .
وَلَوْ بَاعَ الدَّارَ بَعْدَمَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ وَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي بَرِئَ مِنْ ضَمَانِهِ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِتَرْكِ الْهَدْمِ مَعَ تَمَكُّنِهِ وَقَدْ زَالَ تَمَكُّنُهُ بِالْبَيْعِ، بِخِلَافِ إشْرَاعِ الْجَنَاحِ لِأَنَّهُ كَانَ جَانِيًا بِالْوَضْعِ وَلَمْ يَنْفَسِخْ بِالْبَيْعِ فَلَا يَبْرَأُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بَعْدَ شِرَائِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِتَرْكِهِ التَّفْرِيغَ مَعَ تَمَكُّنِهِ بَعْدَ مَا طُولِبَ بِهِ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ يَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَى كُلِّ مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ الْحَائِطِ وَتَفْرِيغِ الْهَوَاءِ، وَمَنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ لَا يَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ كَالْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُودَعِ وَسَاكِنِ الدَّارِ، وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَى الرَّاهِنِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الْفِكَاكِ وَإِلَى الْوَصِيِّ وَإِلَى أَبِي الْيَتِيمِ أَوْ أُمِّهِ فِي حَائِطِ الصَّبِيِّ لِقِيَامِ الْوِلَايَةِ، وَذَكَرَ الْأُمَّ فِي الزِّيَادَاتِ وَالضَّمَانُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ لِأَنَّ فِعْلَ هَؤُلَاءِ كَفِعْلِهِ، وَإِلَى الْمُكَاتَبِ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُ، وَإِلَى الْعَبْدِ التَّاجِرِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ
قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ أَنَّهُ يَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَى كُلِّ مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ الْحَائِطِ وَتَفْرِيغِ الْهَوَاءِ وَمَنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ لَا يَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يَنْتَقِضُ هَذَا الْأَصْلُ بِمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَى أَحَدِ الْوَرَثَةِ فِي نَصِيبِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ الْحَائِطِ وَحْدَهُ. وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْأَصْلُ عَلَى مُوجِبِ الْقِيَاسِ وَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ. وَوَجْهُهُ مَا ذُكِرَ هُنَاكَ. وَأَمَّا جَوَابُ الْقِيَاسِ فِيهِ فَهُوَ أَنْ لَا يَضْمَنَ أَحَدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ شَيْئًا، أَمَّا الَّذِي تَقَدَّمَ إلَيْهِ فَلِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ النَّقْضِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْوَرَثَةِ فَلِعَدَمِ التَّقَدُّمِ إلَيْهِمْ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمَبْسُوطِ، وَذُكِرَ فِي الشُّرُوحِ أَيْضًا فِيمَا سَيَجِيءُ. وَثَانِيهمَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُنَا بِمَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ الْحَائِطِ مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْهُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ، وَبِمَنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ مَنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ أَصْلًا، وَأَحَدُ الْوَرَثَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ نَقْضِ الْحَائِطِ وَحْدَهُ إلَّا أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْهُ مَعَ مُشَارَكَةِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ فَلَا انْتِقَاضَ (قَوْلُهُ وَالضَّمَانُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ) أَقُولُ: فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ نَوْعُ قُصُورٍ،
стр. 1335
دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّ وِلَايَةَ النَّقْضِ لَهُ، ثُمَّ التَّلَفُ بِالسُّقُوطِ إنْ كَانَ مَا لَا فَهُوَ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ نَفْسًا فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَوْلَى لِأَنَّ الْإِشْهَادَ مِنْ وَجْهٍ عَلَى الْمَوْلَى وَضَمَانُ الْمَالِ أَلْيَقُ بِالْعَبْدِ وَضَمَانُ النَّفْسِ بِالْمَوْلَى، وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَى أَحَدِ الْوَرَثَةِ فِي نَصِيبِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ الْحَائِطِ وَحْدَهُ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إصْلَاحِ نَصِيبِهِ بِطَرِيقِهِ وَهُوَ الْمُرَافَعَةُ إلَى الْقَاضِي.
(وَلَوْ سَقَطَ الْحَائِطُ الْمَائِلُ عَلَى إنْسَانٍ بَعْدَ الْإِشْهَادِ فَقَتَلَهُ فَتَعَثَّرَ بِالْقَتِيلِ غَيْرُهُ فَعَطِبَ لَا يَضْمَنُهُ) لِأَنَّ التَّفْرِيغَ عَنْهُ إلَى الْأَوْلِيَاءِ لَا إلَيْهِ (وَإِنْ عَطِبَ بِالنَّقْضِ ضَمِنَهُ) لِأَنَّ التَّفْرِيغَ إلَيْهِ إذْ النَّقْضُ مِلْكُهُ وَالْإِشْهَادُ عَلَى الْحَائِطِ إشْهَادٌ عَلَى النَّقْضِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ امْتِنَاعُ الشَّغْلِ (وَلَوْ عَطِبَ بِجَرَّةِ كَانَتْ عَلَى الْحَائِطِ فَسَقَطَتْ بِسُقُوطِهِ وَهِيَ مِلْكُهُ ضَمِنَهُ) لِأَنَّ التَّفْرِيغَ إلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ مِلْكَ غَيْرِهِ لَا يَضْمَنُهُ) لِأَنَّ التَّفْرِيغَ إلَى مَالِكِهَا قَالَ
لِأَنَّ مَا تَلِفَ بِالْحَائِطِ الْمَائِلِ إنْ كَانَ مِنْ النُّفُوسِ يَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبِ الْحَائِطِ لَا فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَمْوَالِ كَالدَّوَابِّ وَالْعُرُوضِ يَجِبُ ضَمَانُهَا فِي مَالِهِ، وَقَدْ مَرَّ هَذَا كُلُّهُ فِي الْكِتَابِ، فَكَوْنُ الضَّمَانِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي تَلَفِ الْأَمْوَالِ
следующие страницы →