← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1496

تكملة فتح القدير نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار

قاضي زاده

Полный текст (1 541 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَلَا إِقْرَارَ لَهُ بِالدَّيْنِ» مَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: رَجُلٌ أَوْدَعَ أَبَاهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي حَالِ صِحَّةِ الْأَبِ أَوْ مَرَضِهِ بِمُعَايَنَةِ الشُّهُودِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: اسْتَهْلَكْتُهَا، ثُمَّ مَاتَ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ، فَإِنَّ إِقْرَارَ الْمَرِيضِ جَائِزٌ وَالْأَلْفُ مِنْ تَرِكَتِهِ لِلِابْنِ الْمُقَرِّ لَهُ خَاصَّةً. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ: وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّا لَوْ لَمْ نَعْتَبِرْ إِقْرَارَهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ مَاتَ مُجْهَلًا فَيَجِبُ الضَّمَانُ فَلَا يُفِيدُ رَدُّ إِقْرَارِهِ؛ وَلِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ إِنَّمَا رُدَّ لِلتُّهْمَةِ وَلَا تُهْمَةَ فِي الْمُعَايَنَةِ، انْتَهَى. أَقُولُ: جَوَابُهُمُ الثَّانِي لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْمُعَايَنَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ إِنَّمَا هُوَ إِيدَاعُ الْوَارِثِ تِلْكَ الْوَدِيعَةِ لَا اسْتِهْلَاكُ الْمُوَرِّثِ إِيَّاهَا، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الِاسْتِهْلَاكُ بِإِقْرَارِ الْمُوَرِّثِ لَا غَيْرَ، كَمَا هُوَ الْمَفْرُوضُ فِي هَاتِيكَ الْمَسْأَلَةِ، فَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي صِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالِاسْتِهْلَاكِ، فَالصَّوَابُ مِنْ جَوَابِهِمْ هُوَ الْأَوَّلُ، كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ مِنْ تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ إِنَّمَا يُرَدُّ لِلتُّهْمَةِ لَا لِخَلَلٍ فِيهِ وَلَا تُهْمَةَ فِي هَذَا، أَلَا يُرَى أَنَّا إِذَا كَذَّبْنَاهُ فَمَاتَ وَجَبَ الضَّمَانُ أَيْضًا فِي تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مُجْهَلًا، انْتَهَى. وَكَأَنَّ تِلْكَ الْجَمَاعَةَ مِنَ الشُّرَّاحِ اغْتَرُّوا بِمَا فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا تُهْمَةَ فِي هَذَا، فَفَهِمُوا أَنَّ وَجْهَ عَدَمِ التُّهْمَةِ فِيهِ ثُبُوتُهُ بِالْمُعَايَنَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ وَجْهُ ذَلِكَ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُقِرِّ، سَوَاءٌ صَدَقَ فِي إِقْرَارِهِ أَمْ كَذَبَ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مُجْهَلًا، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ التَّنْوِيرِ الْمَذْكُورِ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ لَمْ يُصِبْ أَيْضًا فِي تَحْرِيرِ هَذَا الْمَقَامِ؛ حَيْثُ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الْمَذْكُورَةَ مَعَ تَعْلِيلِهَا الْمَذْكُورِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ عِنْدَ تَقْرِيرِ دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ، مَعَ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ لَا لَهُ، وَإِنَّمَا الصَّوَابُ أَنْ يَذْكُرَ مَضْمُونَ ذَلِكَ التَّعْلِيلِ هَاهُنَا عَلَى وَجْهِ الْجَوَابِ عَنْ قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ مَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ. (وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَلَا إِقْرَارَ لَهُ بِالدَّيْنِ»)، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ نُوحِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ ثَعْلَبٍ عَنْ جَعْفَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَلَا إِقْرَارَ لَهُ بِالدَّيْنِ». قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ: وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊: «أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَلَا إِقْرَارَ لَهُ بِالدَّيْنِ»، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ شَاذَّةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ، وَإِنَّمَا الْمَشْهُورُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ﵄: إِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِرَجُلٍ غَيْرُ وَارِثٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَإِنْ أَحَاطَ ذَلِكَ بِمَالِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْوَرَثَةُ، وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا، وَقَوْلُ الْوَاحِدِ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ عِنْدَنَا مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ، انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِيهِ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا، انْتَهَى. أَقُولُ: كُلٌّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْأَثَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ إِقْرَارِ الْمَرِيضِ لِوَارِثٍ بِالدَّيْنِ بِدُونِ تَصْدِيقِ الْوَرَثَةِ، وَمَسْأَلَتُنَا تَعُمُّ بُطْلَانَ إِقْرَارِهِ لَهُ بِالدَّيْنِ وَبِالْعَيْنِ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، فَكَانَ الدَّلِيلُ قَاصِرًا عَنْ إِفَادَةِ تَمَامِ

стр. 387

وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ فِي مَرَضِهِ وَلِهَذَا يُمْنَعُ مِنَ التَّبَرُّعِ عَلَى الْوَارِثِ أَصْلًا، فَفِي تَخْصِيصِ الْبَعْضِ بِهِ إِبْطَالُ حَقِ الْبَاقِينَ، وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ حَالَةَ الِاسْتِغْنَاءِ، وَالْقَرَابَةُ سَبَبُ التَّعَلُّقِ، الْمُدَّعِي، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى إِفَادَةِ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الْآتِي كُلِّيَّةَ الْمُدَّعِي، فَتَأَمَّلْ. (وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ فِي مَرَضِهِ وَلِهَذَا يُمْنَعُ)، أَيِ: الْمَرِيضُ (مِنَ التَّبَرُّعِ عَلَى الْوَارِثِ)، كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ لَهُ (أَصْلًا)، أَيْ: بِالْكُلِّيَّةِ، (فَفِي تَخْصِيصِ الْبَعْضِ بِهِ)، أَيْ: فَفِي تَخْصِيصِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ (إِبْطَالُ حَقِّ الْبَاقِينَ)، أَيْ: إِبْطَالُ حَقِّ بَاقِي الْوَرَثَةِ، وَهُوَ جَوْرٌ عَلَيْهِمْ فَيُرَدُّ، وَتَذَكَّرْ هَاهُنَا مَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنِ الْإِشْكَالِ بِالْإِقْرَارِ فِي الْمَرَضِ بِوَارِثٍ آخَرَ وَجَوَابَهُ، فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَرَّ نَقْلًا عَنِ الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ. فَإِنْ قِيلَ: حَقَّ الْوَرَثَةِ إِنَّمَا يَظْهَرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنْ حَاجَتِهِ، فَإِذَا أَقَرَّ بِالدَّيْنِ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ فَقَدْ ظَهَرَ حَاجَتُهُ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكْذِبُ عَلَى نَفْسِهِ خِرَافًا، وَبِالْمَرَضِ تَزْدَادُ جِهَةُ الصِّدْقِ؛ لِأَنَّ الْبَاعِثَ الشَّرْعِيَّ يَنْضَمُّ إِلَى الْعَقْلِيِّ فَيَبْعَثُهُ عَلَى الصِّدْقِ. قُلْنَا: الْإِقْرَارُ لِلْوَارِثِ إِيصَالُ نَفَعٍ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ، وَفِيهِ إِبْطَالُ حَقِّ الْبَاقِينَ، وَوُجُوبُ الدَّيْنِ لَمْ يُعَرَفْ إِلَّا بِقَوْلِهِ وَهُوَ مُتَّهَمٌ فِيهِ لِجَوَازِ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِيثَارَ بِهَذَا الطَّرِيقِ؛ حَيْثُ عَجَزَ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ فَوَجَبَ أَنْ تَتَوَقَّفَ صِحَّتُهُ عَلَى رِضَا الْبَاقِينَ، دَفَعَا لِلْوَحْشَةِ وَالْعَدَاوَةِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهِمٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إِيصَالَ النَّفْعِ إِلَيْهِ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ، وَكُلُّ تَصَرُّفٍ يَتَمَكَّنُ الْمَرْءُ فِي تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ بِهِ إِنْشَاءً لَا تَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ فِي إِقْرَارِهِ، كَذَا فِي الْكِفَايَةِ، وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. (وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ حَالَةُ الِاسْتِغْنَاءِ) عَنِ الْمَالِ لِظُهُورِ أَمَارَاتِ الْمَوْتِ الْمُوجِبِ لِانْتِهَاءِ الْآمَالِ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَالْإِقْرَارُ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ فِيهِ يُورِثُ تُهْمَةَ تَخْصِيصِهِ، (وَالْقَرَابَةُ) تَمْنَعُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا. (سَبَبُ التَّعَلُّقِ)، أَيْ: سَبَبُ تَعَلُّقِ حَقِّ الْأَقْرِبَاءِ بِالْمَالِ، وَتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ يَمْنَعُ تَخْصِيصَ بَعْضِهِمْ بِشَيْءٍ مِنْهُ بِلَا مُخَصَّصٍ، وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ الَّذِي هُوَ مُخْتَارُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ يَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ حَالَةَ الِاسْتِغْنَاءِ … إِلَخْ. دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا عَلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أُسْلُوبِ تَحْرِيرِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: قَوْلُهُ: "وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ حَالَةُ الِاسْتِغْنَاءِ" عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: "وَلِهَذَا يُمْنَعُ … إِلَخْ". فَإِنَّهُ كَانَ دَلِيلًا إِنِّيًا، وَهَذَا دَلِيلٌ لِمَا انْتَهَى. أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ فَفِي تَخْصِيصِ الْبَعْضِ بِهِ إِبْطَالُ حَقِّ الْبَاقِينَ يَأْبَى عَنْ ذَلِكَ جِدًّا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ فِي مَرَضِهِ مُقَدِّمَةٌ لِدَلِيلِ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَوْلَهُ: "فَفِي تَخْصِيصِ الْبَعْضِ بِهِ إِبْطَالُ حَقِّ الْبَاقِينَ"، مُقَدِّمَةٌ أُخْرَى لَهُ مَرْبُوطَةٌ بِالْأُولَى، وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ حَالَةَ الِاسْتِغْنَاءِ، مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: وَلِهَذَا يُمْنَعُ مِنَ التَّبَرُّعِ، لَكَانَ دَلِيلًا عَلَى الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى كَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُ تَوْسِيطُ الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ بَيْنَ دَلِيلَيِ الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، نَعَمْ يَصْلُحُ قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ حَالَةُ الِاسْتِغْنَاءِ، وَالْقَرَابَةُ سَبَبُ التَّعَلُّقِ؛ لِأَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى قَوْلِهِ: وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ فِي مَرَضِهِ لَوْلَا تَوْسِيطُ قَوْلِهِ: "فَفِي تَخْصِيصِ الْبَعْضِ بِهِ إِبْطَالُ حَقِّ الْبَاقِينَ". وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْكَافِي: وَلِأَنَّهُ آثَرَ بَعْضَ وَرَثَتِهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ تَعَلُّقِ حَقِّ الْكُلِّ بِمَا لَهُ فَيُرَدُّ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، وَهَذَا؛ لَأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ حَالَةُ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ مَالِهِ لِظُهُورِ آثَارِ الْمَوْتِ فِيهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَالِهِ لِانْتِهَاءِ آمَالِهِ عِنْدَ إِقْبَالِهِ عَلَى الْآخِرَةِ فَيَظْهَرُ عِنْدَ اسْتِغْنَائِهِ حَقُّ أَقْرِبَائِهِ؛ وَلِهَذَا مُنِعَ مِنَ التَّبَرُّعِ عَلَى وَارِثِهِ أَصْلًا فَلَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُهُ لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ إِبْطَالَ حَقِّ الْبَاقِينَ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّبْيِينِ: وَلِأَنَّ فِيهِ إِيثَارُ

стр. 388

إِلَّا أَنَّ هَذَا التَّعَلُّقَ لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِ الْأَجْنَبِيِّ لِحَاجَتِهِ إِلَى الْمُعَامَلَةِ فِي الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوِ انْحَجَرَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالْمَرَضِ يَمْتَنِعُ النَّاسُ عَنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَهُ، وَقَلَّمَا تَقَعُ الْمُعَامَلَةُ مَعَ الْوَارِثِ وَلَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِ الْإِقْرَارِ بِوَارِثٍ آخَرَ لِحَاجَتِهِ أَيْضًا، ثُمَّ هَذَا التَّعَلُّقُ حَقُ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا صَدَّقُوهُ فَقَدْ أَبْطَلُوهُ فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ قَالَ (وَإِذَا أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ جَازَ وَإِنْ أَحَاطَ بِمَالِهِ) لِمَا بَيَّنَّا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ إِلَّا فِي الثُّلُثِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ بَعْدَ تَعَلُّقِ حَقِّ جَمِيعِهِمْ بِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْبَقِيَّةِ كَالْوَصِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِهِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّهِمْ بِالْإِقْرَارِ لِوَرَثَتِهِ، كَمَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ بِالْوَصِيَّةِ لَهُمْ، انْتَهَى، تَبَصَّرْ. (إِلَّا أَنَّ هَذَا التَّعَلُّقَ)، أَيْ: تُعَلِّقُ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِمَالِ الْمَرِيضِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ (لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ)؛ حَيْثُ لَمْ يُمْنَعْ إِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِأَجْنَبِيٍّ (لِحَاجَتِهِ)، أَيْ: لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ (إِلَى الْمُعَامَلَةِ) مَعَ النَّاسِ (فِي الصِّحَّةِ)، أَيْ: فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُهُ بِالْكُلِّيَّةِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ لَمْ تُقْضَ حَاجَتُهُ فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ؛ (لِأَنَّهُ لَوِ انْحَجَرَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالْمَرَضِ يَمْتَنِعُ النَّاسُ عَنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَهُ) فِي الصِّحَّةِ بِنَاءً عَلَى جَوَازٍ أَنْ يَعْرِضَهُ الْمَرَضُ، فَتَخْتَلُّ مَصَالِحُهُ فَيَقَعُ فِي الْحَرَجِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ شَرْعًا. وَلَمَا اسْتَشْعَرَ أَنْ يُقَالَ: الْحَاجَةُ مَوْجُودَةٌ فِي حَقِّ الْوَارِثِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَمَا يُعَامَلُونَ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ يُعَامَلُونَ مَعَ الْوَارِثِ، أَجَابَ بِقَوْلِهِ: (وَقَلَّمَا تَقَعُ الْمُعَامَلَةُ مَعَ الْوَارِثِ)؛ لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ لِلِاسْتِرْبَاحِ وَلَا اسْتِرْبَاحَ مَعَ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَيَا مِنَ الْمُمَاكَسَةِ مَعَهُ، فَلَا يُحَصَّلُ الرِّبْحَ. (وَلَمْ يَظْهَرْ)، أَيْ: وَكَذَا لَمْ يَظْهَرْ هَذَا التَّعَلُّقُ (فِي حَقِّ الْإِقْرَارِ بِوَارِثٍ آخَرَ لِحَاجَتِهِ أَيْضًا)، أَيْ: لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى الْإِقْرَارِ بِالْوَارِثِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِبْقَاءِ نَسْلِهِ فَلَا يَنْحَجِرُ عَنْهُ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، (ثُمَّ هَذَا التَّعَلُّقُ)، أَيْ: تَعَلُّقُ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِمَالِ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِهِ (حَقُّ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا صَدَّقُوهُ)، أَيْ: إِذَا صَدَّقَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ الْمُقِرَّ لِوَارِثٍ، (فَقَدْ أَبْطَلُوهُ)، أَيْ: أَبْطَلُوا حَقَّهُمْ، (فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ)، وَهَذَا الْكَلَامُ مِنَ الْمُصَنِّفِ بَيَانٌ لِوَجْهِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ: إِلَّا أَنَّ تَصَدِّقَهُ فِيهِ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ. (وَإِذَا أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ جَازَ وَإِنْ أَحَاطَ بِمَالِهِ لِمَا بَيَّنَّا) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: وَلِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَصَاحِبُ الْعِنَايَةِ، وَإِلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ لَوِ انْحَجَرَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالْمَرَضِ يَمْتَنِعُ النَّاسُ عَنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَهُ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. وَفِي الْعِنَايَةِ وَكَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مَعْلُومَةً مِمَّا تَقَدَّمَ إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهَا تَمْهِيدًا لِذِكْرِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ، (وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ إِلَّا فِي الثُّلُثِ)، وَهُوَ مَذْهَبُ

стр. 389

لِأَنَّ الشَّرْعَ قَصَرَ تَصَرُّفَهُ عَلَيْهِ. إِلَّا أَنَّا نَقُولُ: لَمَّا صَحَّ إِقْرَارُهُ فِي الثُّلُثِ كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي ثُلُثِ الْبَاقِي لِأَنَّهُ الثُّلُثُ بَعْدَ الدَّيْنِ ثُمَّ وَثُمَّ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى الْكُلِّ. قَالَ (وَمَنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ ثُمَّ قَالَ: هُوَ ابْنِي ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَبَطَلَ إِقْرَارُهُ، فَإِنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَبْطُلْ إِقْرَارُهُ لَهَا) وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ دَعْوَةَ النَّسَبِ تَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَقَرَّ لِابْنِهِ فَلَا يَصِحُّ وَلَا كَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةُ لِأَنَّهَا تَقْتَصِرُ عَلَى زَمَانِ التَّزَوُّجِ فَبَقِيَ إِقْرَارُهُ لِأَجْنَبِيَّةٍ. بَعْضِ النَّاسِ، كَمَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ؛ (لِأَنَّ الشَّرْعَ قَصَرَ تَصَرُّفَهُ)، أَيْ: تَصَرُّفِ الْمَرِيضِ. (عَلَيْهِ)، أَيْ: عَلَى الثُّلُثِ وَتَعَلَّقَ بِالثُّلُثَيْنِ حَقُّ الْوَرَثَةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ تَبَرَّعَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لَمْ يُنَفَّذْ إِلَّا فِي الثُّلُثِ، فَكَذَا الْإِقْرَارُ وَجَبَ أَنْ لَا يَنْفُذُ إِلَّا فِي الثُّلُثِ، كَذَا قَالُوا. أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الشَّرْعُ إِنَّمَا قَصَرَ عَلَى الثُّلُثِ تَصَرُّفَهُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ دُونَ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفَهُ فِي نَحْوِ ثَمَنِ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ إِلَّا فِي مِقْدَارِ الثُّلُثِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ، فَلَمْ يَجْرِ الْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَدَّعِي أَنَّ كَوْنَ قَضَاءِ الدَّيْنِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ عَلَى مُوجَبِ الِاسْتِحْسَانِ أَيْضًا دُونَ الْقِيَاسِ. (إِلَّا أَنَّا نَقُولُ) فِي وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ: (لَمَا صَحَّ إِقْرَارُهُ فِي الثُّلُثِ) لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْ إِقْرَارِهِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ لِعَدَمِ تُعَلِّقِ الْوَرَثَةِ بِهِ، (كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي ثُلْثِ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ الثُّلُثُ بَعْدَ الدَّيْنِ)، وَالثُّلُثُ بَعْدَ الدَّيْنِ مَحَلُّ التَّصَرُّفِ قَطْعًا فَيَنْفُذُ الْإِقْرَارُ فِي الثُّلُثِ الثَّانِي. (ثُمَّ وَثُمَّ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى الْكُلِّ)، كَذَا فِي الْإِيضَاحِ وَعَامَّةِ الْمُعْتَبِرَاتِ. أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ الْإِتْيَانَ عَلَى الْكُلِّ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي الْوَجْهِ الْمَزْبُورِ، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَظَاهَرٌ؛ لِأَنَّ التَّثْلِيثَ إِذَا انْتَهَى إِلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ فَأُخْرِجَ مِنْهَا أَحَدُهَا، وَبَقِيَ الْجُزْآنِ امْتَنَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إِخْرَاجُ الثُّلُثِ مِنْ ذَيْنِكَ الْجُزْأَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّجَزُّؤِ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِإِمْكَانِ الْقِسْمَةِ إِلَى غَيْرِ النِّهَايَةِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْحُكَمَاءِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَيْنَ الْكُلِّ لِلْقَطْعِ بِمُغَايَرَةِ الْجُزْءِ لِلْكُلِّ. لَا يُقَالُ: مُرَادُهُمُ الْإِتْيَانُ عَلَى قَرِيبٍ مِنَ الْكُلِّ لَا عَلَى الْكُلِّ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّا نَقُولُ: فَحِينَئِذٍ لَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِي جَوَازَ الْإِقْرَارِ لِأَجْنَبِيٍّ، وَإِنْ أَحَاطَ بِكُلِّ مَالِهِ حَقِيقَةً، تَدَبَّرْ، وَنَقْضُ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَبِالْوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْوَرَثَةِ مَعَ جَرَيَانِ الطَّرِيقِ الْمَزْبُورِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ فِي ثُلْثِ مَالِهِ بِدُونِ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَلَمَّا صَحَّ تَصَرُّفُهُ فِي ثُلْثِ مَالِهِ كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي ثُلْثِ الْبَاقِي لِمَا أَنَّ جَمِيعَ مَالِهِ بَعْدَ الثُّلُثِ الْخَارِجِ جُعِلَ كَأَنَّهُ هُوَ مِنْ الِابْتِدَاءِ فَيَجِبُ أَنْ تَنْفُذَ وَصِيَّتُهُ فِي ثُلْثِهِ أَيْضًا ثُمَّ وَثُمَّ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ عَلَى الْكُلِّ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الثُّلُثَ بَعْدَ الدَّيْنِ مَحَلُّ تَصَرُّفِ الْمَرِيضِ، فَلَمَّا أَقَرَّ بِدَيْنٍ انْتَقَلَ مَحَلُّ التَّصَرُّفِ إِلَى ثُلْثِ مَا بَعْدَهُ، وَلَيْسَ الثُّلُثُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ بِشَيْءٍ مُحَلَّ تَصَرُّفِ الْمَرِيضِ وَصِيَّةً، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْوَصِيَّةِ ثُلْثُ الْمَجْمُوعِ لَا غَيْرَ فَافْتَرَقَا. (قَالَ)، أَيْ: الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: (وَمَنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ) فِي مَرَضِهِ بِمَالٍ، (ثُمَّ قَالَ: هُوَ ابْنِي ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ)، أَيْ: ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ لَهُ مِنَ الْمُقِرِّ، (وَبَطَلَ إِقْرَارُهُ) بِالْمَالِ. (فَإِنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَبْطُلْ إِقْرَارُهُ لَهَا)، بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ؛ حَيْثُ بَطَلَتَا لَهَا أَيْضًا. وَقَالَ زُفَرُ: بَطَلَ الْإِقْرَارُ لَهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا وَارِثَةٌ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَحَصَلَتِ التُّهْمَةُ وَهِيَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ، وَلَنَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَوَجْهُ الْفَرْقِ)، أَيْ: بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ (أَنَّ دَعْوَةَ النَّسَبِ تَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَقَرَّ لِابْنِهِ فَلَا يَصِحُّ)، يَعْنِي: أَنَّ النَّسَبَ إِذَا ثَبَتَ ثَبَتَ مُسْتَنِدًا إِلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ إِقْرَارَ الْمَرِيضِ وَقَعَ لِوَارِثِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ. (وَلَا كَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَصِرُ عَلَى زَمَانِ التَّزَوُّجِ)، يَعْنِي: أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ إِذَا ثَبَتَتْ ثَبَتَتْ مُقْتَصِرَةً عَلَى زَمَانِ الْعَقْدِ، (فَبَقِيَ إِقْرَارُهُ لِأَجْنَبِيَّةٍ)، فَيَصِحُّ بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهِيَ وَارِثَةٌ حِينَئِذٍ، وَالْهِبَةُ

стр. 390

قَالَ: (وَمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنَ الدَّيْنِ وَمِنْ مِيرَاثِهَا مِنْهُ) فِي الْمَرَضِ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ، وَفِي وَصَايَا الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَلَوْ أَنَّ الْمَرِيضَ أَقَرَّ بِدِينٍ لِابْنِهِ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَبْدٌ ثُمَّ أَسْلَمَ الِابْنُ أَوْ أُعْتِقَ الْعَبْدُ ثُمَّ مَاتَ الرَّجُلُ فَالْإِقْرَارُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَقَرَّ كَانَ سَبَبُ التُّهْمَةِ بَيْنَهُمَا قَائِمًا وَهُوَ الْقُرَابَةُ الَّتِي صَارَ بِهَا وَارِثًا فِي ثَانِيَ الْحَالِ، وَلَيْسَ هَذَا كَالَّذِي أَقَرَّ لِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ التُّهْمَةِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَائِمًا وَقْتَ الْإِقْرَارِ، انْتَهَى. (قَالَ)، أَيِ: الْقُدُورِيَّ فِي مُخْتَصَرِهِ: (وَمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنَ الدَّيْنِ وَمِنْ مِيرَاثِهَا مِنْهُ)، أَيْ: مِنَ الزَّوْجِ، قَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: هَذَا إِذَا طَلَّقَهَا بِسُؤَالِهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا بِلَا سُؤَالِهَا فَلَهَا الْمِيرَاثُ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لَهَا؛ لِأَنَّهَا وَارِثَةٌ إِذْ هُوَ فَارٌّ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي طَلَاقِ الْمَرِيضِ، انْتَهَى. وَقَالَ نَجْمُ الدِّينِ الزَّاهِدِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالشُّرُوحِ: وَمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا بِسُؤَالِهَا، ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنِ، وَالْمَوْضِعَانِ صَحِيحَانِ، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا وَاحِدٌ عَلَى مَا قَرَّرَهُ فِي الْجَامِعِ وَالْمُحِيطِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَوْلَا الْإِقْرَارُ، فَفِي الْوَضْعِ الْأَوَّلِ: تَرِثُهُ إِذَا مَاتَ فِي الْعِدَّةِ، وَفِي الْوَضْعِ الثَّانِي: لَا تَرِثُهُ، وَمَعَ هَذَا إِذَا أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنَ الدَّيْنِ وَمِنَ الْمِيرَاثِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: قَدْ اخْتَلَفَ رَأْيَاهُمَا فِي اسْتِخْرَاجِ هَذَا الْمَقَامِ. وَالَّذِي يُطَابِقُ مَا مَرَّ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ بِأَمْرِهَا، ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ أَوْ أَوْصَى لَهَا بِوَصِيَّةٍ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنَ الْمِيرَاثِ، فَكَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مُقَيَّدَةً هُنَاكَ بِمَا قَيَّدَهُ الزَّيْلَعِيُّ هَا هُنَا، وَلَا يَرَى لِلتَّقْيِيدِ فَائِدَةً سِوَى الِاحْتِرَازِ عَمَّا إِذَا طَلَّقَهَا بِغَيْرِ أَمْرِهَا، ثُمَّ إِنِّي تَتَبَّعْتُ عَامَّةَ الْمُعْتَبَرَاتِ حَتَّى الْجَامِعِ وَالْمُحِيطِ وَلَمْ أَظْفَرْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بِكَوْنِ الْحُكْمِ وَاحِدًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، بَلْ أَيْنَمَا وَجَدْتُ الْمَسْأَلَةَ الْمَزْبُورَةَ مَذْكُورَةٌ مَعَ الْحُكْمِ الْمَسْفُورِ وَجَدْتُهَا مُقَيَّدَةً بِكَوْنِ الطَّلَاقِ بِسُؤَالِ الْمَرْأَةِ أَوْ بِأَمْرِهَا: فَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ. وَأَمَّا عَدَمُ تَعَرُّضِ الْمُصَنِّفِ وَصَاحِبِ الْكَافِي وَكَثِيرٍ مِنَ الشُّرَّاحِ هَاهُنَا لِلتَّقْيِيدِ الْمَذْكُورِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِنَاءً عَلَى ظُهُورِهِ مِمَّا صَرَّحَ بِهِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ مِنَ الشُّرَّاحِ وَإِنْ قَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ هَاهُنَا أَيْضًا بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ إِلَّا أَنَّهُ فَسَّرَهَا؛ حَيْثُ جَعَلَهَا مِثَالًا لِمَا إِذَا كَانَ الْمُقِرُّ لَهُ وَارِثًا حَالَةَ الْإِقْرَارِ دُونَ الْمَوْتِ، فَغَيَّرَهَا عَنْ وَضْعِهِمَا الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ، فَقَالَ: كَمَا إِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا بِأَمْرِهَا، وَقَدْ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ، فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنَ الدَّيْنِ وَالْمِيرَاثِ

стр. 391

لِأَنَّهُمَا مُتَّهَمَانِ فِيهِ لِقِيَامِ الْعِدَّةِ، وَبَابُ الْإِقْرَارِ مَسْدُودٌ لِلْوَارِثِ، فَلَعَلَّهُ أَقْدَمَ عَلَى هَذَا الطَّلَاقِ لِيَصِحَّ إِقْرَارُهُ لَهَا زِيَادَةً عَلَى مِيرَاثِهَا وَلَا تُهْمَةَ فِي أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ فَيَثْبُتُ. (وَمَنْ أَقَرَّ بِغُلَامٍ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ، وَلَيْسَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ ابْنُهُ وَصَدَّقَهُ الْغُلَامُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا) لِأَنَّ النَّسَبَ مِمَّا يَلْزَمُهُ خَاصَّةً، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِهِ، وَشَرْطٌ أَنْ يُولَدَ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ كَيْ لَا يَكُونَ مُكَذَّبًا فِي الظَّاهِرِ، وَشَرْطٌ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ تَصْدِيقَهُ لِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ إِذِ الْمَسْأَلَةُ فِي غُلَامٍ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ: ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا، وَبَيْنَهُمَا بَوْنٌ لَا يَخْفَى. قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِي تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ: (لِأَنَّهُمَا)، أَيِ: الزَّوْجَيْنِ (مُتَّهَمَانِ فِيهِ)، أَيْ: فِي هَذَا الْإِقْرَارِ؛ (لِقِيَامِ الْعِدَّةِ) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إِذَا كَانَ مَوْتُ الْمُقِرِّ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا فَإِقْرَارُهُ لَهَا جَائِزٌ. (وَبَابُ الْإِقْرَارِ مَسْدُودٌ لِلْوَارِثِ فَلَعَلَّهُ)، أَيْ: فَلَعَلَّ الزَّوْجَ (أَقْدَمَ عَلَى هَذَا الطَّلَاقِ لِيَصِحَّ إِقْرَارُهُ لَهَا زِيَادَةً عَلَى مِيرَاثِهَا)، فَوَقَعَتِ التُّهْمَةُ فِي إِقْرَارِهِ. (وَلَا تُهْمَةَ فِي أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ فَيَثْبُتُ)، أَيْ: أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ. قَالَ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي: وَلَوْ أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ بِدَيْنٍ مِنْ مَهْرِهَا صُدِّقَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَهْرِ مَثْلِهَا، وَتَحَاصَّ غُرَمَاءُ الصِّحَّةِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَمْلِكُ إِنْشَاءَهُ، فَانْعَدَمَتِ التُّهْمَةُ، وَلَوْ أَقَرَّتِ الْمَرْأَةُ فِي مَرَضِهَا بِقَبْضِ الْمَهْرِ مِنْ زَوْجِهَا لَمْ تُصَدَّقْ؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِدَيْنٍ لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ يُوجِبُ مِثْلَ الْمَقْبُوضِ فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ يَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا، وَالْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ لِلْوَارِثِ لَا يَصِحُّ، انْتَهَى. وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: الْمَرِيضَةُ إِذَا أَقَرَّتْ بِاسْتِيفَاءِ مَهْرِهَا فَإِنْ مَاتَ وَهِيَ مَنْكُوحَةٌ أَوْ مُعْتَدَّةٌ لَا يَصِحُّ إِقْرَارُهَا، وَإِنْ مَاتَتْ غَيْرَ مَنْكُوحَةٍ وَلَا مُعْتَدَّةٍ بِأَنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ يَصِحُّ. (فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ) قَدَّمَ الْإِقْرَارَ بِالْمَالِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الْأَوَّلِ وَقِلَّةِ وُقُوعِ الثَّانِي، وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ مَا هُوَ كَثِيرُ الدَّوَرَانِ أَهَمُّ بِالْبَيَانِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَ الثَّانِي بِفَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ لِانْفِرَادِهِ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ وَالْأَحْكَامِ، كَمَا سَيَظْهَرُ، (وَمَنْ أَقَرَّ بِغُلَامٍ يُولَدُ مِثْلهُ)، أَيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الْغُلَامِ (لِمَثَلِهِ)، أَيْ: لِمِثْلِ الْمُقِرِّ، يَعْنِي: هُمَا فِي السِّنِّ، بِحَيْثُ يَجُوزُ أَنْ يُولَدَ الْمُقَرُّ لَهُ لِلْمُقِرِّ، (وَلَيْسَ لَهُ)، أَيْ: لِلْغُلَامِ (نَسَبٌ مَعْرُوفٌ) بَلْ كَانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ (أَنَّهُ ابْنُهُ)، أَيْ: أَقَرَّ أَنَّهُ ابْنُهُ. (وَصَدَّقَهُ الْغُلَامُ)، أَيْ: فِيمَا إِذَا كَانَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ تَصْدِيقهُ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً. (ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ) جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ، أَيْ: ثَبَتَ نَسَبُ الْغُلَامِ مِنَ الْمُقِرِّ، (وَإِنْ كَانَ) الْمُقِرُّ (مَرِيضًا) إِلَى هُنَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ: (لِأَنَّ النَّسَبَ مِمَّا يَلْزَمُهُ خَاصَّةً) يَعْنِي أَنَّ النَّسَبَ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ مِمَّا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ خَاصَّةً، لَيْسَ فِيهِ حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، (فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِهِ)، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا؛ لِأَنَّ إِقْرَارَ الْمَرِيضِ إِنَّمَا لَا يَصِحُّ فِيمَا فِيهِ التُّهْمَةُ لِحَقِّ الْغَيْرِ وَلَا تُهْمَةَ هَاهُنَا. (وَشَرْطٌ أَنْ يُولَدَ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ كَيْ لَا يَكُونَ مُكَذَّبًا فِي الظَّاهِرِ)، فَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ. (وَشَرْطٌ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّهُ)، أَيْ: لِأَنَّ كَوْنَ نَسَبِهِ مَعْرُوفًا (يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ مِنْ غَيْرِهِ)؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ. (وَإِنَّمَا شَرَطَ تَصْدِيقَهُ)، أَيْ: تَصْدِيقَ الْغُلَامِ. (لِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ؛ إِذِ الْمَسْأَلَةُ فِي غُلَامٍ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ) وَإِذَا

стр. 392

بِخِلَافِ الصَّغِيرِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَلَا يَمْتَنِعُ بِالْمَرَضِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ (وَيُشَارِكُ الْوَرَثَةَ فِي الْمِيرَاثِ)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ صَارَ كَالْوَارِثِ الْمَعْرُوفِ فَيُشَارِكُ وَرَثَتَهُ. قَالَ (وَيَجُوزُ إِقْرَارُ الرَّجُلِ بِالْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ وَالْمَوْلَى) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَلْزَمُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ تَحْمِيلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ. كَانَ فِي يَدِ نَفْسِهِ يُعَبِّرُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَلَا يَثْبُتُ بِدُونِ تَصْدِيقِهِ، كَذَا ذَكَرَ فِي التَّبْيِينِ. أَقُولُ: يَنْتَقِضُ هَذَا التَّعْلِيلُ بِالْإِقْرَارِ بِغَيْرِ النَّسَبِ كَالْمَالِ وَنَحْوِهِ؛ إِذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ مَا أَقَرَّ بِهِ هُنَاكَ تَصْدِيقُ الْمُقَرِّ لَهُ، وَلَكِنْ يُرَدُّ التَّعْلِيلُ بِإِقْرَارٍ بِرَدِّهِ، عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي صَدْرِ كِتَابِ الْإِقْرَارِ مَعَ جَرَيَانِ أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا: إِنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ بِدُونِ تَصْدِيقِهِ، وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ: لِأَنَّ إِقْرَارَهُ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ يَدِهِ فَلَا يَبْطُلُ إِلَّا بِرِضَاهُ، انْتَهَى. أَقُولُ: تَضَمَّنَ الْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ إِبْطَالَ يَدِ الْمُقَرِّ لَهُ مَحَلَّ الْمَنْعِ، فَتَأَمَّلْ. وَقَالَ فِي التَّسْهِيلِ: لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْزَامِ حُقُوقِ النَّسَبِ فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بِالْتِزَامِهِ، انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا أَظْهَرُ الْوُجُوهِ وَهُوَ الْحَقُّ عِنْدِي؛ إِذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ حُقُوقٌ كَثُبُوتِ الْإِرْثِ وَلُزُومِ النَّفَقَةِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا، وَفِي بَعْضِهَا مَشَقَّةٌ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ، فَفِي الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ إِلْزَامُ تِلْكَ الْحُقُوقِ، فَلَا بُدَّ مِنِ الْتِزَامِ الْمُقَرِّ لَهُ إِيَّاهَا حَتَّى لَا يَتَضَرَّرَ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ وَنَحْوِهِ؛ إِذْ هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ لِلْمُقَرِّ لَهُ فَفِيهِ بُدٌّ مِنِ الْتِزَامِهِ، (بِخِلَافِ الصَّغِيرِ) الَّذِي لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ، فَلَا يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُهُ (عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ)، أَيْ: فِي بَابِ دَعْوَى النَّسَبِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى. (وَلَا يَمْتَنِعُ بِالْمَرَضِ)، أَيْ: لَا يَمْتَنِعُ الْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ؛ (لِأَنَّ النَّسَبَ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ)، فَصَارَ كَالنِّكَاحِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، (وَيُشَارِكُ الْوَرَثَةُ فِي الْمِيرَاثِ)، هَذَا مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ، أَيْ: وَيُشَارِكُ الْغُلَامُ الْمُقَرُّ لَهُ بِالْبُنُوَّةِ سَائِرَ الْوَرَثَةِ فِي مِيرَاثِ الْمُقِرِّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهِ: (لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ صَارَ كَالْوَارِثِ الْمَعْرُوفِ فَيُشَارِكُ وَرَثَتَهُ)، أَيْ: وَرَثَةَ الْمُقِرِّ بِالنَّسَبِ. (قَالَ)، أَيِ: الْقُدُورِيَّ فِي مُخْتَصَرِهِ: (وَيَجُوزُ إِقْرَارُ الرَّجُلِ بِالْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ)، أَيْ: بِالشَّرَائِطِ الَّتِي مَرَّ بَيَانُهَا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَسَائِرِ الْمُعْتَبَرَاتِ. أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَيْكَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ مُنْدَرِجَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ إِذْ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا صَرَاحَةً قَوْلُهُ هَاهُنَا: وَالْوَلَدِ، فَإِذَا كَانَتِ الشَّرَائِطُ الْمُعْتَبَرَةُ هُنَاكَ مُعْتَبَرَةٌ هَاهُنَا أَيْضًا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا قَبْلُ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ، كَمَا وَقَعَ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ وَعَامَّةِ الْمُتُونِ فَائِدَةٌ يَعْتَدُّ بِهَا، كَمَا لَا يَخْفَى، وَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ كَذَلِكَ فِي الْأَصْلِ وَالْمُحِيطِ وَعَامَّةِ مُعْتَبَرَاتِ الْفَتَاوَى. (وَالزَّوْجَةِ)، أَيْ: وَيَجُوزُ إِقْرَارُ الرَّجُلِ بِالزَّوْجَةِ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ هَاهُنَا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ خَالِيَةً عَنْ زَوْجٍ آخَرَ وَعِدَّتِهِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ تَحْتَ الْمُقِرِّ أُخْتُهَا وَلَا أَرْبَعٌ سِوَاهَا. نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَالشُّرُوحِ. (وَالْمَوْلَى)، أَيْ: وَيَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالْمَوْلَى: يَعْنِي مَوْلَى الْعَتَاقَةِ سَوَاءً كَانَ أَعْلَى أَوْ أَسْفَلَ، هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَاؤُهُ ثَابِتًا مِنَ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ، وَثُبُوتُ النَّسَبِ مِنَ الْغَيْرِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ، فَكَذَلِكَ فِي الْوَلَاءِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هَاهُنَا مِنْ صِحَّةِ إِقْرَارِ الْمُقِرِّ بِالْأُمِّ؛ حَيْثُ قَالَ: بِالْوَالِدَيْنِ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ وَرِوَايَةِ شَرْحِ الْفَرَائِضِ لِلْإِمَامِ سِرَاجِ الدِّينِ وَالْمُصَنِّفِ، وَمُخَالِفٌ لِعَامَّةِ النُّسَخِ مِنَ الْمَبْسُوطِ وَالْإِيضَاحِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ وَغَيْرِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِي تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ: (لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَلْزَمُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ تَحْمِيلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ) فَتَحَقَّقَ الْمُقْتَضَى وَانْتَفَى الْمَانِعُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِجَوَازِهِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَهَذَا الدَّلِيلُ، كَمَا تَرَى يَدُلُّ

стр. 393

(وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الْمَرْأَةِ بِالْوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجِ وَالْمَوْلَى)؛ لِمَا بَيَّنَّا (وَلَا يُقْبَلُ بِالْوَلَدِ)؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى صِحَّةِ إِقْرَارِهِ بِالْأُمِّ كَصِحَّتِهِ بِالْأَبِ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، وَقَدْ عَرَفْتَ صِحَّتَهُ بِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ، انْتَهَى. يَعْنِي: أَنَّ صِحَّتَهُ مُقَرَّرَةٌ بِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهَا، فَلَا وَجْهَ لِتَرَدُّدِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ فِيهَا، كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ: أَمَّا أَوَّلًا؛ فَلِأَنَّ دَلَالَةَ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ عَلَى صِحَّةِ إِقْرَارِهِ بِالْأُمِّ مَمْنُوعَةٌ؛ فَإِنَّ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ إِقْرَارِهِ بِالْأُمِّ تَصْدِيقَ الْأُمِّ إِيَّاهُ، وَفِيهِ تَحْمِيلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، وَهُوَ الزَّوْجُ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ الْأُمِّ بِالْوَلَدِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ، كَمَا سَيَأْتِي، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ تَصْدِيقُهَا إِيَّاهُ لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ بِهَا لِاسْتِلْزَامِ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ انْتِفَاءَ الْمَشْرُوطِ، وَأَمَّا ثَانِيًا؛ فَلِأَنَّ تَرَدُّدَ صَاحِبِ النِّهَايَةِ فِي صِحَّةِ إِقْرَارِهِ بِالْأُمِّ إِنَّمَا نَشَأَ مِمَّا صَرَّحَ بِهِ فِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ إِقْرَارَ الرَّجُلِ يَصِحُّ بِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ بِالْأَبِ وَالِابْنِ وَالْمَرْأَةِ وَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ، وَذِكْرُ الْعَدَدِ يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ بِالْأُمِّ عَلَى مُقْتَضَى مَا ذُكِرَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَاتِ جَازَ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ ذَلِكَ أَقْوَى مِنَ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ لِلْجَوَازِ؛ فَإِنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ هُوَ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ عَدَمِ الْجَوَازِ هُوَ النَّصُّ أَوِ الْإِجْمَاعُ أَوِ الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ الَّذِي هُوَ الِاسْتِحْسَانُ، وَبِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُتْرَكُ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ، وَإِنْ كَانَ دَلِيلُ ذَلِكَ هُوَ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ أَيْضًا فَلَا أَقَلَّ مِنَ الْمُسَاوَاةِ، وَعَدَمُ اطِّلَاعِنَا عَلَى دَلِيلِ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ ثُبُوتِهِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَالْمَدَارُ فِي صِحَّةِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ صِحَّةُ النَّقْلِ عَنْهُمْ لَا غَيْرُ، فَتَأَمَّلْ. وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ وَالدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ فِيهِ بِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِأُمُومِيَّةِ الْمَرْأَةِ فِيهِ تَحْمِيلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ إِذَا كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْبَلَ. فَإِنْ قُيِّدَ بِعَدَمِ الزَّوْجِ لَمْ يَبْقَ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِقْرَارِهَا بِالْوَلَدِ؛ فَإِنَّ إِقْرَارَهَا بِالْوَلَدِ يَصِحُّ أَيْضًا إِذَا أُخِذَ بِهَذَا الْقَيْدِ فَلَا يَظْهَرُ وَجْهٌ لِإِثْبَاتِ هَذَا وَنَفْيِ ذَلِكَ، انْتَهَى. أَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِأُمُومِيَّةِ الْمَرْأَةِ فِيهِ تَحْمِيلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً، بَلْ فِيهِ تَحْمِيلُ أُبُوَّةِ الزَّوْجِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ الْأَصْلَ فِي النَّسَبِ، فَكَأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالِانْتِسَابِ إِلَيْهِ أَيْضًا، وَعَنْ هَذَا قَالُوا فِي الْإِقْرَارِ بِالْأَبِ صَرَاحَةً: إِنَّ الْمُقِرَّ بِالْأَبِ أَلْزَمَ نَفْسَهُ بِالِانْتِسَابِ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّ فِيهِ تَحْمِيلَ نَسَبِ نَفْسِهِ عَلَى الْغَيْرِ، بِخِلَافِ إِقْرَارِ الْمَرْأَةِ بِالْوَلَدِ فَإِنَّ فِيهِ تَحْمِيلَ نَسَبِ الْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ، وَهُوَ نَسَبُ الْوَلَدِ عَلَى الزَّوْجِ، وَالْإِقْرَارُ الَّذِي فِيهِ حَمْلُ نَسَبِ الْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ إِقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ، فَكَأَنَّهُ دَعْوَى أَوْ شَهَادَةٌ، وَالدَّعْوَى الْمُفْرَدَةُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، وَشَهَادَةُ الْمُفْرَدِ فِيمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ حُقُوقِ الْعِبَادِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ. (وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الْمَرْأَةِ بِالْوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجِ وَالْمَوْلَى؛ لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَلْزَمُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ تَحْمِيلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، وَالْأُنُوثَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ إِقْرَارِهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَيَسْتَوِي فِي صِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ حَالَةَ الصِّحَّةِ، وَحَالَةَ الْمَرَضِ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ إِنَّمَا تُخَالِفُ حَالَةَ الصِّحَّةِ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ بِالتَّرِكَةِ، فَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ كَانَ الْإِقْرَارُ بِهِ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ سَوَاءٌ، وَالنَّسَبُ وَالنِّكَاحُ وَالْوَلَاءُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، (وَلَا يُقْبَلُ)، أَيْ: لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ الْمَرْأَةِ (بِالْوَلَدِ) وَإِنْ صَدَّقَهَا؛ (لِأَنَّ فِيهِ)، أَيْ: فِي إِقْرَارِهَا بِالْوَلَدِ (تَحْمِيلَ النَّسَبِ)، أَيْ: تَحْمِيلَ نَسَبِ الْوَلَدِ

стр. 394

عَلَى الْغَيْرِ وَهُوَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ مِنْهُ (إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهَا الزَّوْجُ)؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ (أَوْ تَشْهَدَ بِوِلَادَتِهِ قَابِلَةٌ)؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَابِلَةِ فِي هَذَا مَقْبُولٌ، وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي إِقْرَارِ الْمَرْأَةِ تَفْصِيلًا فِي كِتَابِ الدَّعْوَى، وَلَا بُدَّ مِنْ (عَلَى الْغَيْرِ، وَهُوَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ مِنْهُ). قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، (إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهَا الزَّوْجُ)، اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يُقْبَلُ بِالْوَلَدِ، يَعْنِي: إِذَا صَدَّقَهَا الزَّوْجُ يُقْبَلُ إِقْرَارُهَا بِالْوَلَدِ؛ (لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ)، أَيْ: لِلزَّوْجِ، فَيَثْبُتُ بِتَصْدِيقِهِ، (أَوْ تَشْهَدَ بِوِلَادَتِهِ قَابِلَةٌ)، أَيْ: أَوْ إِلَّا أَنْ تَشْهَدَ قَابِلَةٌ بِوِلَادَتِهِ، أَيْ: بِتَوَلُّدِ ذَلِكَ الْوَلَدِ مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِوِلَادَتِهَا، أَيْ: بِوِلَادَتِهَا إِيَّاهُ، فَفِي هَذِهِ النُّسْخَةِ أُضِيفَ الْمَصْدَرُ إِلَى الْفَاعِلِ وَتُرِكَ الْمَفْعُولُ، وَفِي الْأُولَى عَكْسُ الْأَمْرِ؛ (لِأَنَّ قَوْلَ الْقَابِلَةِ فِي هَذَا)، أَيْ: فِي هَذَا الْخُصُوصِ (مَقْبُولٌ)؛ إِذِ الْفَرْضُ أَنَّ الْفِرَاشَ قَائِمٌ، فَيُحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينِ الْوَلَدِ، وَشَهَادَتُهَا فِي ذَلِكَ مَقْبُولَةٌ. (وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ)، أَيْ: فِي بَابِ ثُبُوتِ النَّسَبِ عِنْدَ قَوْلِهِ: فَإِنَّ جَحْدَ الْوِلَادَةِ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، تَشَهَدُ بِالْوِلَادَةِ حَتَّى لَوْ نَفَاهُ الزَّوْجُ يُلَاعِنُ؛ لَأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِالْفِرَاشِ الْقَائِمِ، (وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي إِقْرَارِ الْمَرْأَةِ تَفْصِيلًا فِي كِتَابِ الدَّعْوَى) مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَذَلِكَ التَّفْصِيلُ هُوَ أَنَّ إِقْرَارَهَا بِالْوَلَدِ إِنَّمَا لَا يَصِحُّ بِدُونِ شَهَادَةِ قَابِلَةٍ بِالْوِلَادَةِ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً فَلَا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ تَامَّةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ مَنْكُوحَةً وَلَا مُعْتَدَّةً قَالُوا: يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهَا بِقَوْلِهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ إِلْزَامًا عَلَى نَفْسِهَا دُونَ غَيْرِهَا. وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ يَلْزَمُهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِقْرَارُهُ مَقْبُولٌ، كَمَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَمَنْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ يَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ، كَمَا لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ. فَإِنْ قُلْتَ: لِأَيِّ مَعْنًى يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنَ الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ مَعَ أَنَّ الْوَلَدَ وُلِدَ مِنْهُمَا، وَمَا فَائِدَةُ ثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنَ الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ، وَمَا فَائِدَةُ ثُبُوتُ النَّسَبِ مِنَ الرَّجُلِ فِي الْأَرْبَعَةِ أَوِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، مَعَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَقَرَّ بِالْأَخِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ يُشَارِكُهُ فِي تَرِكَةِ أَبِيهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْأَخِ الْمُقَرِّ لَهُ حَالَ حَيَاتِهِ، كَمَا ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ. قُلْتُ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْوَلَدَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾؛ حَيْثُ أَضَافَ الْوَلَدَ إِلَى الْأَبِ بِلَامِ الْمِلْكِ، وَلِذَلِكَ اخْتُصَّ الْأَبُ بِالنَّسَبِ. وَأَمَّا فَائِدَةُ اخْتِصَاصِ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنَ الْأَبِ فَهِيَ صِحَّةُ إِقْرَارِ الْأَبِ بِالْوَلَدِ، وَوُجُوبُ نَفَقَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَاصِ حَتَّى لَا يُشَارِكَهُ فِيهَا أَحَدٌ، كَمَا لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي نَسَبِهِ. وَأَمَّا فَائِدَةُ ثُبُوتِ النَّسَبِ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَوِ الْخَمْسَةِ فَهِيَ ثُبُوتٌ عَلَى طَرِيقِ الْعُمُومِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْخُصُوصِ، أَيْ: أَنَّ حُقُوقَ الْمُقَرِّ لَهُ، كَمَا تَلْزَمُ عَلَى الْمُقِرِّ كَذَلِكَ تَلْزَمُ عَلَى غَيْرِ الْمُقِرِّ تَقْرِيرًا لِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ، حَتَّى أَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ بِالِابْنِ مَثَلًا، فَالِابْنُ الْمُقَرُّ لَهُ يَرِثُ مِنَ الْمُقَرِّ مَعَ سَائِرِ وَرَثَتِهِ، وَإِنْ جَحَدَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ ذَلِكَ، وَيَرِثُ مِنْ أَبِي الْمُقِرِّ وَهُوَ جَدُّ الْمُقَرِّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْجَدُّ يَجْحَدُ بُنُوَّتَهُ لِابْنِهِ. وَأَمَّا فِيمَا سِوَى الْأَرْبَعَةِ أَوِ الْخَمْسَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُ الْمُقِرِّ بِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَدَمُ اعْتِبَارِ إِقْرَارِهِ فِيمَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ مِنَ الْحُقُوقِ، حَتَّى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَخٍ وَلَهُ وَرَثَةٌ سِوَاهُ يَجْحَدُونَ أُخُوَّتَهُ فَمَاتَ الْمُقِرُّ لَا يَرِثُ الْأَخُ مَعَ سَائِرِ وَرَثَتِهِ، وَلَا يَرِثُ مِنْ أَبِي الْمُقِرِّ وَأُمِّهِ، بِخِلَافِ مَنْ صَحَّ إِقْرَارُهُ فِي حَقِّهِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَالثَّانِي: صِحَّةُ رُجُوعِ الْمُقِرِّ عَمَّا أَقَرَّ فِي حَقٍّ مِنْ سِوَى الْأَرْبَعَةِ أَوِ الْخَمْسَةِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ؛ فَإِنَّ مَنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِأَخٍ وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، ثُمَّ رَجَعَ عَمَّا أَقَرَّ يَصِحُّ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِمَالِهِ كُلِّهِ لِإِنْسَانٍ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِأَخٍ كَانَ مَالُهُ كُلُّهُ لِلْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ كَانَ إِقْرَارُهُ بِالْأَخِ وَقَعَ بَاطِلًا، فَيَصِحُّ رُجُوعُهُ عَمَّا أَقَرَّ، وَأَمَّا أَخْذُ الْأَخِ الْمُقَرِّ لَهُ تَرِكَةُ الْمُقِرِّ عِنْدَ عَدَمِ الْمُزَاحِمِ، فَلَيْسَ بِاعْتِبَارِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ، بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ ذَلِكَ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُوصِي بِجَمِيعِ الْمَالِ، وَبِاعْتِبَارِ أَنَّ إِقْرَارَهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا بِاسْتِحْقَاقِ الْمُقَرِّ لَهُ النَّفَقَةَ عَلَى الْمُقِرِّ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، إِلَى هَذَا كُلِّهِ أَشَارَ فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَلَا بُدَّ مِنْ

стр. 395

تَصْدِيقِ هَؤُلَاءِ، وَيَصِحُّ التَّصْدِيقُ فِي النَّسَبِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ، وَكَذَا تَصْدِيقُ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النِّكَاحِ بَاقٍ، وَكَذَا تَصْدِيقُ الزَّوْجِ بَعْدَ مَوْتِهَا؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ مِنْ أَحْكَامِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ، وَلِهَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ غَسْلُهَا عِنْدَنَا، وَلَا يَصِحُّ التَّصْدِيقُ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِرْثِ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ حَالَةَ الْإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالتَّصْدِيقُ يَسْتَنِدُ إِلَى أَوَّلِ الْإِقْرَارِ. تَصْدِيقِ هَؤُلَاءِ)، أَيْ: لَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِ الْمُقَرِّ لَهُمُ الْمَذْكُورِينَ؛ لِأَنَّهُمْ فِي أَيْدِي أَنْفُسِهِمْ فَيَتَوَقَّفُ نَفَاذُ الْإِقْرَارِ عَلَى تَصْدِيقِهِمْ، كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، إِلَّا إِذَا كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ صَغِيرًا فِي يَدِ الْمُقِرِّ وَهُوَ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَبْدًا لَهُ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ بِمُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا لِغَيْرِهِ يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُ مَوْلَاهُ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ، (وَيَصِحُّ التَّصْدِيقُ فِي النَّسَبِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ)، يَعْنِي: أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ بِالنَّسَبِ إِذَا صَدَّقَ فِي حَالِ حَيَاةِ الْمُقِرِّ يَصِحُّ، فَكَذَا إِذَا صَدَّقَ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ (لِأَنَّ النَّسَبَ يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ)، فَيَصِحُّ تَصْدِيقُ الْمُقَرِّ لَهُ بِالنَّسَبِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ حَتَّى يَثْبُتَ بِهِ أَحْكَامُ النِّسَبِ بِأَسْرِهَا، قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: وَلَا يُشْكِلُ هَذَا بِإِيجَابِ الْبَائِعِ إِذَا مَاتَ قَبْلَ قَبُولِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ تَامٌّ فِي نَفْسِهِ وَالتَّصْدِيقَ شَرْطٌ، فَكَانَ كَمَا إِذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي، ثُمَّ مَاتَ الْبَائِعُ لَا يَبْطُلُ، أَمَّا الْإِيجَابُ ثَمَّةَ فَلَيْسَ بِتَامٍّ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ رُكْنٌ، انْتَهَى. (وَكَذَا تَصْدِيقُ الزَّوْجَةِ)، أَيْ: وَكَذَا يَصِحُّ تَصْدِيقُ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا فِي الْإِقْرَارِ بِالزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ الْمُقِرِّ بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى يَكُونَ لَهَا الْمَهْرُ وَالْمِيرَاثُ؛ (لِأَنَّ حُكْمَ النِّكَاحِ) وَهُوَ الْعِدَّةُ (بَاقٍ) بَعْدَ الْمَوْتِ؛ فَإِنَّ الْعِدَّةَ وَاجِبَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهِيَ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ، أَلَا يُرَى أَنَّهَا تُغَسِّلُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِقِيَامِ النِّكَاحِ مِنْ وَجْهٍ. (وَكَذَا تَصْدِيقُ الزَّوْجِ بَعْدَ مَوْتِهَا)، أَيْ: وَكَذَا يَصِحُّ تَصْدِيقُ الزَّوْجِ الْمَرْأَةَ بَعْدَ مَوْتِهَا فِي الْإِقْرَارِ بِالزَّوْجِيَّةِ فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا وَلَهُ الْمِيرَاثُ مِنْهَا؛ (لِأَنَّ الْإِرْثَ مِنْ أَحْكَامِهِ)، أَيْ: مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، وَهُوَ مِمَّا يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْعِدَّةِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ) تَصْدِيقُ الزَّوْجِ بَعْدَ مَوْتِهَا؛ (لِأَنَّ النِّكَاحَ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ)، حَتَّى يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا وَأَرْبَعًا سِوَاهَا؛ (وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ لَهُ غَسْلُهَا) بَعْدَ مَوْتِهَا (عِنْدَنَا) وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهِ لِيَصِحَّ بِاعْتِبَارِهَا، كَمَا فِي الْعَكْسِ، (وَلَا يَصِحُّ التَّصْدِيقُ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِرْثِ) هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ يَرُدُّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ تَقْرِيرَهُ: سَلَّمْنَا أَنَّ تَصْدِيقَ الزَّوْجِ إِيَّاهَا بَعْدَ مَوْتِهَا لَا يَصِحُّ نَظَرًا إِلَى انْقِطَاعِ النِّكَاحِ بِالْمَوْتِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُغَسِّلَ زَوْجَتَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا، وَلَكِنْ لِمَ لَا يَصِحُّ تَصْدِيقُهُ إِيَّاهَا بَعْدَ مَوْتِهَا نَظَرًا إِلَى الْإِرْثِ الَّذِي هُوَ مِنْ حَقِّ آثَارِ النِّكَاحِ أَيْضًا؟ فَقَالَ: لَا يَصِحُّ التَّصْدِيقُ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِرْثِ؛ (لِأَنَّهُ)، أَيْ: لِأَنَّ الْإِرْثَ (مَعْدُومٌ حَالَةَ الْإِقْرَارِ)، أَيْ: حَالَةَ إِقْرَارِ الزَّوْجَةِ بِالنِّكَاحِ، (وَإِنَّمَا يَثْبُتُ)، أَيِ: الْإِرْثَ (بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالتَّصْدِيقُ يَسْتَنِدُ إِلَى أَوَّلِ الْإِقْرَارِ). قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: مَعْنَاهُ أَنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الْمُوجِبُ لِثُبُوتِ النِّكَاحِ الْمُوجِبِ لِلْإِرْثِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِالْإِرْثِ، انْتَهَى. أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا أَنَّ التَّصْدِيقَ يَسْتَنِدُ إِلَى أَوَّلِ الْإِقْرَارِ بِالنِّكَاحِ، وَالْإِرْثُ مَعْدُومٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ صِحَّةِ

стр. 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التَّصْدِيقِ بِاعْتِبَارِ الْإِرْثِ الْمَعْدُومِ وَقْتَئِذٍ، وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فَمَعَ كَوْنِهِ مِمَّا لَا يُسَاعِدُهُ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَصْلًا لَيْسَ بِسَدِيدٍ هَاهُنَا. أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ التَّصْدِيقَ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْإِرْثِ حَتَّى يَتِمَّ أَنْ يُقَالَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ التَّصْدِيقُ بِالْإِرْثِ لِثُبُوتِ الْإِرْثِ بِهِ، بَلْ قِيلَ: صِحَّةُ التَّصْدِيقِ بِاعْتِبَارِ مُصَادَفَتِهِ وَقْتَ الْإِرْثِ الَّذِي هُوَ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ، وَلَا يُنَافِيهِ ثُبُوتُ نَفْسِ الْإِرْثِ بِالتَّصْدِيقِ. وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ ذَلِكَ يَنْتَقِضُ بِمَا إِذَا كَانَ التَّصْدِيقُ قَبْلَ مَوْتِهَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ اتِّفَاقًا لِمُصَادَفَتِهِ وَقْتَ ثُبُوتِ النِّكَاحِ مَعَ أَنَّهُ يَجْرِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الْمُوجِبُ لِثُبُوتِ النِّكَاحِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِثُبُوتِ النِّكَاحِ. وَأَمَّا ثَالِثًا: فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ حَالَةَ الْإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ ضَائِعًا مُسْتَدْرِكًا لِجَرَيَانِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الْإِرْثَ مَوْجُودٌ حَالَةَ الْإِقْرَارِ ثَابِتٌ قَبْلَ الْمَوْتِ، تَدَبَّرْ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يُعَارِضَ فَيَقُولَ: لَا يَصِحُّ التَّصْدِيقُ عَلَى اعْتِبَارِ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا مَعْدُومَةٌ حَالَةَ الْإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالتَّصْدِيقُ يَسْتَنِدُ إِلَى أَوَّلِ الْإِقْرَارِ، وَيُفَسَّرُ بِمَا ذَكَرْتُمْ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْعِدَّةَ لَازِمَةٌ لِلْمَوْتِ عَنْ نِكَاحٍ بِالْإِجْمَاعِ، فَجَازَ أَنْ يُعْتَبَرَ النِّكَاحُ الْمُعَايِنُ قَائِمًا بِاعْتِبَارِهِمَا، فَكَذَا الْمُقَرُّ بِهِ، وَأَمَّا الْإِرْثُ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ لَهُ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ كِتَابِيَّةً فَلَمْ يُعْتَبَرْ قَائِمًا بِاعْتِبَارِهِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: جَوَابُهُ لَيْسَ بِتَامٍّ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ أَيْضًا غَيْرُ لَازِمَةٍ لِلْمَوْتِ عَنْ نِكَاحٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ ذِمِّيَّةً مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا الذِّمِّيُّ، أَوْ تَكُونَ حَرْبِيَّةً خَرَجَتْ إِلَيْنَا مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً أَوْ مُسْتَأْمِنَةً أَوْ صَارَتْ ذِمِّيَّةً، فَإِنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ، وَالْمُعَارَضَةُ الْمَذْكُورَةُ إِنَّمَا تَرُدُّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَالْجَوَابُ الْمَزْبُورُ لَا يَدْفَعُهَا عَلَى أَصْلِهِ. ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: الظَّاهِرُ أَنًّ مُرَادَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَنَّ التَّصْدِيقَ يَسْتَنِدُ إِلَى حَالَةِ الْإِقْرَارِ، وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يَجِبُ الْإِرْثُ بَلْ هُوَ حُكْمٌ يَجِبُ وَيَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَمَتَى صَحَّحْنَا الْإِقْرَارَ صَحَّحْنَا لِإِثْبَاتِ الْإِرْثِ ابْتِدَاءً، فَيَكُونُ التَّصْدِيقُ وَاقِعًا فِي شَيْءٍ، وَهُوَ فِي الْحَالِ مَعْدُومٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهُوَ النِّكَاحُ، وَأُشِيرَ إِلَى هَذَا فِي النِّهَايَةِ، فَلَا تَرِدُ الْمُعَارَضَةُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْعِدَّةِ ثَابِتٌ قَبْلَ الْمَوْتِ فَلَا يَكُونُ التَّصْدِيقُ وَاقِعًا فِي نِكَاحٍ مَعْدُومٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، إِلَى هَاهُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: نَعَمْ، أُشِيرَ إِلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَكِنْ قَوْلُهُ: فَلَا تَرُدُّ الْمُعَارَضَةُ أَصْلًا مَمْنُوعٌ، قَوْلُهُ: لِأَنَّ وُجُوبَ الْعِدَّةَ ثَابِتٌ قَبْلَ الْمَوْتِ إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ وُجُوبَهَا ثَابِتٌ قَبْلَ الْمَوْتِ فِي الْمُعْتَدَّةِ بِالطَّلَاقِ فَمُسَلَّمٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يُجْدِي نَفْعًا؛ إِذِ الْكَلَامُ فِي الْمُعْتَدَّةِ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ وُجُوبَهَا ثَابِتٌ قَبْلَ الْمَوْتِ فِي الْمُعْتَدَّةِ بِالْمَوْتِ أَيْضًا فَمَمْنُوعٌ، بَلْ وُجُوبُهَا فِي الْمُعْتَدَّةِ بِالْمَوْتِ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَمَا لَا يَخْفَى وَصَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ مَدْفُوعَةٌ عَنِ الْمُصَنِّفِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ حُكْمِ النِّكَاحِ فِي قَوْلِهِ: حُكْمُ النِّكَاحِ بَاقٍ، هُوَ الْعِدَّةُ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ مِثْلَ حُرْمَةِ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ وَحِلِّ غَسْلِهَا؛ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ فِي حَالِ النِّكَاحِ أَيْضًا، وَلَوْ عَيَّنَهُ لَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِالْعِدَّةِ مَا يُلَازِمُهَا مِنْ أَمْثَالِ مَا ذَكَرْنَا مَجَازًا، فَلَا إِشْكَالَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ مِثْلِ حُرْمَةِ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ وَحِلِّ غَسْلِهَا لَيْسَ بِحُكْمٍ مُسْتَقِلٍّ لِلنِّكَاحِ بَعْدَ الْمَوْتِ بَلْ هُوَ مِنْ مُتَفَرِّعَاتَ الْعِدَّةِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْعَارِفِ بِالْفِقْهِ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ التَّصْدِيقُ عَلَى اعْتِبَارِ الْعِدَّةِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَلَى اعْتِبَارِ مَا هُوَ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْأَصْلِ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبَارِ يَقْتَضِي سُقُوطَ الْفَرْعِ عَنْ حَيِّزِ ذَلِكَ أَيْضًا فَالْإِشْكَالُ بَاقٍ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا أَقَرَّ رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ، فَمَاتَ الْعَبْدُ وَتَرَكَ كَسْبًا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، ثُمَّ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ اسْتَحَقَّ الْكَسْبَ وَالْإِرْثَ فِي مَسْأَلَتِنَا كَذَلِكَ. قُلْنَا: الْكَسْبُ يَقَعُ مِلْكًا مِنْ الِابْتِدَاءِ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَنْفَعَةِ. وَمَنْ مَلَكَ رَقَبَةً مَلَكَ مَنَافِعَهَا حُكْمًا لَهَا، فَيَصِيرُ الْإِقْرَارً بِالْعَبْدِ إِقْرَارًا بِأَنَّ الْكَسْبَ لِلْمُقَرِّ لَهُ، فَيَصِيرُ قِيَامُهُ بِمَنْزِلَةِ قِيَامِ الْعَبْدِ، فَأَمَّا الْإِرْثُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَرْأَةِ عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ عَنْهَا بِسَبَبِ الزَّوْجِيَّةِ لَا بِحُكْمِ الْإِقْرَارِ، وَالْمُسْتَحِقُّ عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ يَفُوتُ بِمَوْتِهَا، فَيَبْقَى تَصْدِيقُهَا بَعْدَ ذَلِكَ دَعْوَى إِرْثٍ مُبْتَدَأٍ، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَالْإِيضَاحِ وَغَيْرِهِمَا

стр. 397

قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ مِنْ غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ نَحْوَ الْأَخِ وَالْعَمِّ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي النَّسَبِ) لِأَنَّ فِيهِ حَمْلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ (فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ مَعْرُوفٌ قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ فَهُوَ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنَ الْمُقَرِّ لَهُ) لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ لَا يُزَاحِمُ الْوَارِثَ الْمَعْرُوفَ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ اسْتَحَقَّ الْمُقَرُّ لَهُ مِيرَاثَهُ) لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ نَفْسِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِجَمِيعِهِ فَيَسْتَحِقَّ جَمِيعَ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ حَمْلِ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ وَصِيَّةً حَقِيقَةً حَتَّى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَخٍ ثُمَّ أَوْصَى لِآخَرَ بِجَمِيعِ مَالِهِ كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ خَاصَّةً، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ وَصِيَّةً لَاشْتَرَكَا نِصْفَيْنِ لَكِنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِأَخٍ وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْمُقِرُّ وِرَاثَتَهُ ثُمَّ أَوْصَى بِمَالِهِ كُلِّهِ لِإِنْسَانٍ كَانَ مَالُهُ لِلْمُوصَى لَهُ؛ وَلَوْ لَمْ يُوصِ لِأَحَدٍ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ رُجُوعَهُ (قَالَ)، أَيْ: الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ مِنْ غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ) الصُّلْبِيِّ، (نَحْوَ الْأَخِ وَالْعَمِّ)، وَنَحْوَ الْجَدِّ وَابْنِ الِابْنِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِمَا أَيْضًا فِي الْكَافِي (لَا يُقْبَلُ إِقْرَارهُ فِي النَّسَبِ)، وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ بَلْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْبَيِّنَةِ، كَمَا ذَكَرَ فِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهَا؛ (لِأَنَّ فِيهِ)، أَيْ: فِي هَذَا الْإِقْرَارِ (حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ)؛ فَإِنَّ فِي الْإِقْرَارِ بِالْأَخِ حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى الْأَبِ؛ إِذِ الْمُقَرُّ لَهُ بِالْأُخُوَّةِ مَا لَمْ يَكُنِ ابْنَ أَبِي الْمُقِرِّ لَا يَكُونُ أَخًا لَهُ، وَفِي الْإِقْرَارِ بِالْعَمِّ حَمَلُ النَّسَبِ عَلَى الْجَدِّ؛ إِذِ الْمُقَرُّ لَهُ بِالْعُمُومَةِ مَا لَمْ يَكُنِ ابْنَ جَدِّ الْمُقِرِّ لَا يَكُونُ عَمًّا لَهُ، وَفِي الْإِقْرَارِ بِابْنِ الِابْنِ حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى الِابْنِ؛ إِذِ الْمُقَرُّ لَهُ لَا يَكُونُ ابْنَ ابْنِ الْمُقِرِّ مَا لَمْ يَثْبُتْ بُنُوَّتُهُ مِنِ ابْنِ الْمُقِرِّ، وَفِي الْإِقْرَارِ بِالْجَدِّ حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى الْأَبِ؛ إِذِ الْمُقَرُّ لَهُ لَا يَكُونُ جَدَّ الْمُقِرِّ مَا لَمْ يَثْبُتْ أُبُوَّتُهُ مِنْ أَبِيهِ. (فَإِنْ كَانَ لَهُ)، أَيْ: لِلْمُقِرِّ - بِنَحْوِ مَا ذَكَرَ - (وَارِثٌ مَعْرُوفٌ قَرِيبٌ) كَأَصْحَابِ الْفُرُوضِ وَالْعَصَبَاتِ، (أَوْ بَعِيدٌ) كَذَوِي الْأَرْحَامِ، (فَهُوَ)، أَيِ: الْوَارِثَ الْمَعْرُوفَ (أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنَ الْمُقَرِّ لَهُ) حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بِأَخٍ وَلَهُ عَمَّةٌ أَوْ خَالَةٌ، فَالْإِرْثُ لِلْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ؛ (لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ)، أَيْ: نَسَبُ الْمُقَرِّ لَهُ. (مِنْهُ)، أَيْ: مِنَ الْمُقَرِّ (لَا يُزَاحِمُ الْوَارِثَ الْمَعْرُوفَ). قَالَ فِي النِّهَايَةِ: قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ بِالْفَاءِ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي النَّسَبِ وَقْعَ فِي مَحَزِّهِ؛ لِأَنَّ هَذَا نَتِيجَةُ ذَلِكَ، فَصُورَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِأَخٍ لَهُ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ أَوْ بِابْنِ ابْنٍ لَهُ، ثُمَّ مَاتَ وَلَهُ عَمَّةٌ أَوْ خَالَةٌ أَوْ مَوْلَى مُوَالَاةٍ، فَالْمِيرَاثُ لِلْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ أَوِ الْمَوْلَى، وَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُقَرُّ لَهُ مَعَ وَارِثٍ مَعْرُوفٍ، انْتَهَى. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ)، أَيْ: لِمُقِرٍّ (وَارِثٌ) مَعْرُوفٌ (اسْتَحَقَّ الْمُقَرُّ لَهُ مِيرَاثَهُ)؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِشَيْئَيْنِ بِالنَّسَبِ وَبِاسْتِحْقَاقِ مَالِهِ بَعْدَهُ، وَهُوَ فِي الْأَوَّلِ مُقِرٌّ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِقْرَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ إِذْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَفَى الثَّانِي مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ مُعْتَبَرٌ؛ (لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ نَفْسِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ، أَلَا يَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِجَمِيعِهِ)، أَيْ: بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَقَدْ جَعَلَ مَالَهُ لِلْمُقَرِّ لَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِإِقْرَارِهِ بِاسْتِحْقَاقِهِ ذَلِكَ بَعْدَهُ، (فَيَسْتَحِقُّ) الْمُقَرُّ لَهُ (جَمِيعَ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ) مِنَ الْمُقِرِّ؛ (لِمَا فِيهِ)، أَيْ: فِي الْإِقْرَارِ الْمَزْبُورِ (مِنْ حَمْلِ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ)، أَيْ: هَذِهِ الصُّورَةُ أَوِ الْقَضِيَّةُ: يَعْنِي الْإِقْرَارَ الْمَذْكُورَ (وَصِيَّةً حَقِيقَةً) أَوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (حَتَّى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَخٍ ثُمَّ أَوْصَى لِآخَرَ بِجَمِيعِ مَالِهِ كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلْثُ جَمِيعِ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ)، يَعْنِي: الْإِقْرَارُ بِالْأَخِ (وَصِيَّةً لَاشْتَرَكَا)، أَيِ: الْأَخَ وَالْمُوصَى لَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ (نِصْفَيْنِ، لَكِنَّهُ)، اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَيْسَتْ هَذِهِ وَصِيَّةً حَقِيقَةً، أَيْ: لَكِنَّ الْإِقْرَارَ الْمَذْكُورَ (بِمَنْزِلَتِهِ)، أَيْ: بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِتَأْوِيلِ الْإِيصَاءِ، وَلَعَمْرِي إِنَّ الْمُصَنِّفَ يُفْرِطُ فِي الْمُسَاهَلَةِ فِي أَمْرِ التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ فِي كِتَابِهِ هَذَا، كَمَا تَرَى، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَشَارَ فِيمَا مَرَّ آنِفًا إِلَى الْإِقْرَارِ بِلَفْظَةِ هَذِهِ، وَأَرْجَعَ هَاهُنَا إِلَى الْوَصِيَّةِ ضَمِيرَ الْمُذَكَّرِ، (حَتَّى لَوْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِأَخٍ وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْمُقِرُّ وِرَاثَتَهُ، ثُمَّ أَوْصَى بِمَالِهِ كُلِّهِ لِإِنْسَانٍ) وَمَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ. (كَانَ مَالُهُ) جَمِيعًا. (لِلْمُوصَى لَهُ، وَلَوْ لَمْ يُوصِ لِأَحَدٍ كَانَ) مَالُهُ. (لِبَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ)، أَيْ: رُجُوعَ الْمُقِرِّ الْمَزْبُورِ

стр. 398

صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَمْ يَثْبُتْ فَبَطَلَ إِقْرَارُهُ. قَالَ: (وَمَنْ مَاتَ أَبُوهُ فَأَقَرَّ بِأَخٍ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ أَخِيهِ)؛ لِمَا بَيَّنَّا (وَيُشَارِكُهُ فِي الْإِرْثِ)؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ تَضَمَّنَ شَيْئَيْنِ: حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَالِاشْتِرَاكُ فِي الْمَالِ وَلَهُ فِيهِ وِلَايَةٌ فَيَثْبُتُ كَالْمُشْتَرِي، وَإِذَا أَقَرَّ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعِتْقِ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ حَتَّى لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ، وَلَكِنَّهُ يُقْبَلُ فِي حَقِّ الْعِتْقِ (صَحِيحٌ)، يَعْنِي: أَنَّ إِنْكَارَهُ رُجُوعٌ، وَالرُّجُوعُ عَنْ مِثْلِ هَذَا صَحِيحٌ بِمَنْزِلَةِ الرُّجُوعِ عَنِ الْوَصِيَّةِ؛ (لِأَنَّ النَّسَبَ لَمْ يَثْبُتْ فَبَطَلَ إِقْرَارُهُ)، وَيَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ الرُّجُوعَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ الرُّجُوعُ قَبْلَ ثُبُوتِ النَّسَبِ، كَمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَمْ يَثْبُتْ لِكَوْنِهِ تَحْمِيلًا عَلَى الْغَيْرِ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَأَمَّا إِذَا ثَبَتَ النَّسَبُ فَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ. (قَالَ)، أَيْ: الْقُدُورِيَّ فِي مُخْتَصَرِهِ: (وَمَنْ مَاتَ أَبُوهُ فَأَقَرَّ بِأَخٍ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ أَخِيهِ لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّ فِيهِ حَمْلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، (وَيُشَارِكُهُ فِي الْإِرْثِ)، أَيْ: يُشَارِكُ الْمُقَرُّ لَهُ بِالْأُخُوَّةِ الْمُقِرَّ فِي الْإِرْثِ مِنْ أَبِيهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُشَارِكُهُ فِي الْإِرْثِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ النَّسَبِ، وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِي تَعْلِيلِ الْمُشَارَكَةِ: (لِأَنَّ إِقْرَارَهُ تَضَمَّنَ شَيْئَيْنِ) أَحَدُهُمَا: (حَمْلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ)، أَيْ: لِلْمُقِرِّ. (عَلَيْهِ)، أَيْ: عَلَى الْغَيْرِ فَلَا يَثْبُتُ. (وَ) الثَّانِي: (الِاشْتِرَاكُ فِي الْمَالِ وَلَهُ فِيهِ وِلَايَةٌ)؛ لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ وَلَهُ وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهِ، (فَيَثْبُتُ) وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ، (كَالْمُشْتَرِي إِذَا أَقَرَّ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعِتْقِ)، أَيْ: بِعِتْقِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ الْبَائِعِ (لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ) فِي حَقِّ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ (حَتَّى لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ)؛ لِكَوْنِهِ إِقْرَارًا عَلَى الْغَيْرِ فِي حَقِّ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ، (وَلَكِنَّهُ يُقْبَلُ) إِقْرَارُهُ (فِي حَقِّ الْعِتْقِ)، حَتَّى يَعْتِقَ عَلَيْهِ مَا اشْتَرَاهُ؛ لِكَوْنِهِ إِقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ فِي حَقِّ ذَلِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا قُبِلَ إِقْرُارُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ يَسْتَحِقُّ الْمُقَرُّ لَهُ نِصْفَ نَصِيبِ الْمُقِرِّ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى يُجْعَلُ إِقْرَارُهُ شَائِعًا فِي التَّرِكَةِ، فَيُعْطِي الْمُقِرُّ مِنْ نَصِيبِهِ مَا يَخُصُّهُ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى لَوْ كَانَ لِشَخْصٍ مَاتَ أَبُوهُ أَخٌ مَعْرُوفٌ، فَأَقَرَّ بِأَخٍ آخَرَ فَكَذَّبَهُ أَخُوهُ الْمَعْرُوفُ فِيهِ، أَعْطَى الْمُقِرُّ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُمَا ثُلْثُ مَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِثُلْثٍ شَائِعٍ فِي النِّصْفَيْنِ فَيَنْفُذُ إِقْرَارُهُ فِي حِصَّتِهِ، وَبَطَلَ مَا كَانَ فِي حِصَّةِ أَخِيهِ، فَيَكُونُ لَهُ ثُلْثُ مَا فِي يَدِهِ وَهُوَ سُدْسُ جَمِيعِ الْمَالِ، وَالسُّدْسُ الْآخَرُ فِي نَصِيبِ أَخِيهِ فَبَطَلَ إِقْرَارُهُ فِيهِ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ فِي زَعْمِ الْمُقِرِّ أَنَّهُ يُسَاوِيهِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالْمُنْكِرُ ظَالِمٌ بِإِنْكَارِهِ، فَيُجْعَلُ مَا فِي يَدِهِ كَالْهَالِكِ فَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِأُخْتٍ تَأْخُذُ ثُلْثَ مَا فِي يَدِهِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُمَا تَأْخُذُ خُمُسَهُ، وَلَوْ أَقَرَّ ابْنٌ وَبِنْتٌ بِأَخٍ وَكَذَّبَهُمَا ابْنٌ آخَرُ مَعْرُوفٌ يُقَسَّمُ نَصِيبُ الْمُقِرِّينَ عِنْدَنَا أَخْمَاسًا، وَعِنْدَهُمَا أَرْبَاعًا، وَالتَّخْرِيجُ ظَاهِرٌ، وَلَوْ أَقَرَّ بِامْرَأَةٍ أَنَّهَا زَوْجَةُ أَبِيهِ أَخَذَتْ ثُمُنَ مَا فِي يَدِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِجَدَّةٍ صَحِيحَةٍ أَخَذَتْ سُدْسَ مَا فِي يَدِهِ فَيُعَامَلُ فِيمَا فِي يَدِهِ، كَمَا يُعَامَلُ لَوْ ثَبَتَ مَا أَقَرَّ بِهِ وَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الِابْنَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ بِامْرَأَةٍ أَنَّهُمَا زَوْجَةُ أَبِيهِمَا وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ أَخَذَتْ تُسْعَيْ مَا فِي يَدِهِ عِنْدَنَا. وَعِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى لَهُمَا ثُمُنُ مَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِ الْمُقِرِّ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ ثُمُنَ مَا فِي يَدَيْ الِابْنَيْنِ، إِلَّا أَنَّ إِقْرَارَهُ صَحَّ فِيمَا بِيَدِ نَفْسِهِ وَلَا يَصِحُّ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ، وَإِذَا صَحَّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ يُعْطِيهَا ثُمُنَ مَا فِي يَدِهِ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ زَعْمَ الْمُقِرِّ أَنَّ التَّرِكَةَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا لِلزَّوْجَةِ سَهْمَانِ وَلِكُلِّ ابْنٍ سَبْعَةُ أَسْهُمٍ، فَلَمَّا أَخَذَ أَخُوهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ فِي زَعْمِهِمَا صَارَ ذَلِكَ كَالْهَالِكِ، فَيُقَسَّمُ النِّصْفُ الَّذِي فِي يَدِ الْمُقِرِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا

стр. 399

قَالَ: (وَمَنْ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ وَلَهُ عَلَى آخَرَ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَبُوهُ قَبَضَ مِنْهَا خَمْسِينَ لَا شَيْءَ لِلْمُقِرِّ وَلِلْآخَرِ خَمْسُونَ)؛ لِأَنَّ هَذَا إِقْرَارٌ بِالدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بِقَبْضٍ مَضْمُونٍ، فَإِذَا كَذَّبَهُ أَخُوهُ اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ نَصِيبَهُ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى كَوْنِ الْمَقْبُوضِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا، وَيُجْعَلُ مَا يَحْصُلُ لِلْمُقِرِّ وَهُوَ سَبْعَةٌ عَلَى تِسْعَةِ أَسْهُمٍ. فَتَضْرِبُ هِيَ بِقَدْرِ حَقِّهَا وَهُوَ سَهْمَانِ، وَيَضْرِبُ الْمُقِرُّ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَهُوَ سَبْعَةُ أَسْهُمٍ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَالْبَدَائِعِ وَالْإِيضَاحِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ بِإِقْرَارِ وَارِثٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُ بِإِقْرَارِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ مِنَ الْوَرَثَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالْحَسَنُ وَالشَّافِعِيُّ: كُلُّ مَنْ يَحُوزُ الْمِيرَاثَ يُثْبِتُ النَّسَبَ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اعْتِبَارًا لِلْإِقْرَارِ بِالشَّهَادَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ الزَّاهِدِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الْأَقْطَعِ، وَتَوْضِيحُهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ الْإِقْرَارَ، بِنَحْوِ الْأُخُوَّةِ إِقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ حَمْلِ نَسَبِ غَيْرِهِ عَلَى غَيْرِهِ، فَكَانَ شَهَادَةً، وَشَهَادَةُ الْفَرْدِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي النَّسَبِ مَقْبُولَةٌ. (قَالَ)، أَيْ: مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: (وَمَنْ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ، وَلَهُ)، أَيْ: وَلِلْمَيِّتِ (عَلَى آخَرَ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا)، أَيْ: أَحَدُ الِابْنَيْنِ (أَنَّ أَبَاهُ قَبَضَ مِنْهَا)، أَيْ: مِنَ الْمِائَةِ (خَمْسِينَ) دِرْهَمًا (لَا شَيْءَ لِلْمُقِرِّ)، أَيْ: لَا شَيْءَ مِنَ الْمِائَةِ لِلِابْنِ الْمُقِرِّ. (وَلِلْآخَرِ)، أَيْ: وَلِلِابْنِ الْآخَرِ (خَمْسُونَ) مِنْهَا، يَعْنِي: كَانَ لِلِابْنِ الْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ الْخَمْسِينَ مِنَ الْغَرِيمِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّ أَبَاهُ قَبَضَ مِنْهُ الْمِائَةَ؛ (لِأَنَّ هَذَا)، أَيْ: لِأَنَّ إِقْرَارَ أَحَدِ الِابْنَيْنِ بِمَا ذُكِرَ (إِقْرَارٌ بِالدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ)، أَيِ: اسْتِيفَاءَ الدَّيْنِ (إِنَّمَا يَكُونُ بِقَبْضٍ مَضْمُونٍ) لِمَا مَرَّ أَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا فَيَجِبُ لِلْمَدْيُونِ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ مِثْلُ مَا لِصَاحِبِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، فَيَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا، وَإِقْرَارُ الْوَارِثِ بِالدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ يُوجِبُ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ مِنْ حِصَّتِهِ خَاصَّةً. (فَإِذَا كَذَّبَهُ)، أَيْ: كَذَّبَ الْمُقِرَّ. (أَخُوهُ اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ نَصِيبَهُ)، أَيْ: نَصِيبَ الْمُقِرِّ، (كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا)، احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى؛ فَإِنَّ هَلَاكَ الدَّيْنِ عَلَى الْغَيْرِ بِسَبَبِ الْإِقْرَارِ يَخْتَصُّ عِنْدَنَا بِنَصِيبِ الْمُقِرِّ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى يَشِيعُ فِي النَّصِيبَيْنِ، وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الشُّرُوحِ. وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. فَعِنْدَهُ يَشِيعُ فِي النَّصِيبَيْنِ. وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: وَبِمَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ، وَأَحْمَدُ: يَلْزَمُهُ نِصْفُ الدَّيْنِ وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِ مَالِكٍ،، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ، انْتَهَى. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَعُورِضَ بِأَنَّ صَرْفَ إِقْرَارِهِ إِلَى نَصِيبِهِ خَاصَّةً يَسْتَلْزِمُ قِسْمَةَ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَهِيَ لَا تَجُوزُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ قِسْمَةَ الدَّيْنِ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ وُجُودِ الدَّيْنِ، وَإِذَا أَقَرَّ الْمُقِرُّ بِقَبْضِ خَمْسِينَ قَبْلَ الْوَرَثَةِ لَمْ يَنْتَقِلْ عَلَى زَعْمِهِ مِنَ الدَّيْنِ إِلَّا الْخَمْسُونَ فَلَمْ تَتَحَقَّقِ الْقِسْمَةُ، انْتَهَى. أَقُولُ. الْجَوَابُ الْمَزْبُورُ لَيْسَ بِشَافٍ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ عَدَمُ لُزُومِ قِسْمَةِ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى زَعْمِ الْمُقِرِّ، وَزَعْمُ الْمُقِرِّ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ الْغَيْرِ فَيَكْفِي فِي الْمَحْذُورِ لُزُومُ ذَلِكَ عَلَى زَعْمِ الْآخَرِ؛ فَإِنَّ قِسْمَةَ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا تَجُوزُ بِالنَّظَرِ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: قِسْمَةُ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ إِنَّمَا لَا تَجُوزُ فِي الْقِسْمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَأَمَّا فِي الْقِسْمَةِ الْحُكْمِيَّةِ، كَمَا نَحْنُ فِيهِ فَعَدَمُ جَوَازِهَا مَمْنُوعٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي فَصْلِ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ كِتَابِ الصُّلْحِ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ إِنَّمَا لَا تَجُوزُ قَصْدًا لَا ضِمْنًا فَتَأَمَّلْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: (غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمَا)، أَيْ: الِابْنَيْنِ. (تَصَادَقَا عَلَى كَوْنِ الْمَقْبُوضِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا)، أَيْ: عَلَى كَوْنِ

стр. 400

لَكِنَّ الْمُقِرَّ لَوْ رَجَعَ عَلَى الْقَابِضِ بِشَيْءٍ لَرَجَعَ الْقَابِضُ عَلَى الْغَرِيمِ وَرَجَعَ الْغَرِيمُ عَلَى الْمُقِرِّ فَيُؤَدِّي إِلَى الدَّوْرِ. الْخَمْسِينَ الْبَاقِي عَلَى الْغَرِيمِ الَّذِي يَقْبِضُهُ الِابْنُ الْمُنْكِرُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الِابْنِ الْمُقِرِّ وَالِابْنِ الْمُنْكِرِ، هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، تَقْرِيرُهُ أَنَّ جَمِيعَ الدَّيْنِ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَكَذَلِكَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَمَا هَلَكَ يَهْلَكُ مُشْتَرَكًا، وَمَا بَقِيَ يَبْقَى مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَالِابْنُ الْمُنْكِرُ لَمَّا جَحَدَ الْهَلَاكَ لَمْ يُنْكِرْ الِاشْتِرَاكَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَالِابْنُ الْمُقِرُّ وَإِنْ زَعْمَ أَنَّ بَعْضَ أَجْزَائِهِ هَالِكٌ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ الِاشْتِرَاكَ فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ الْهَلَاكِ، فَهُمَا مُتَصَادِقَانِ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الْبَاقِي الْمَقْبُوضِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَيَرْجِعُ الْمُقِرُّ عَلَى الْقَابِضِ بِنِصْفِ مَا قَبَضَهُ، فَأَجَابَ بِأَنَّهُمَا وَإِنْ تَصَادَقَا عَلَى كَوْنِ الْمَقْبُوضِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، (لَكِنَّ الْمُقِرَّ) لَا يَرْجِعُ عَلَى الْقَابِضِ بِشَيْءٍ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ؛ إِذْ (لَوْ رَجَعَ عَلَى الْقَابِضِ بِشَيْءٍ لَرَجَعَ الْقَابِضُ عَلَى الْغَرِيمِ) بِقَدْرِ ذَلِكَ؛ لِزَعْمِهِ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا مِنَ الْغَرِيمِ، وَلَهُ تَمَامُ الْخَمْسِينَ بِسَبَبٍ سَابِقٍ، (وَرَجَعَ الْغَرِيمُ) أَيْضًا (عَلَى الْمُقِرِّ) بِقَدْرِ ذَلِكَ لِانْتِقَاضٍ الْمُقَاصَّةِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَبَقَائِهِ دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ بِمُوجَبِ إِقْرَارِهِ، وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِرْثِ، (فَيُؤَدِّي إِلَى الدَّوْرِ) وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ. وَقَدْ قَرَّرَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ هَاهُنَا بِوَجْهٍ آخَرَ؛ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: زَعْمُ الْمُقِرِّ يُعَارِضُهُ زَعْمُ الْمُنْكِرِ، فَإِنَّ فِي زَعْمِهِ أَنَّ الْمَقْبُوضَ عَلَى التَّرِكَةِ، كَمَا فِي زَعْمِ الْمُقِرِّ، وَالْمُنْكِرُ يَدَّعِي زِيَادَةً عَلَى الْمَقْبُوضِ، فَتَصَادَقَا عَلَى كَوْنِ الْمَقْبُوضِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَمَا الْمُرَجِّحُ لِزَعْمِ الْمُقِرِّ عَلَى زَعْمِ الْمُنْكِرِ حَتَّى انْصَرَفَ الْمُقَرُّ بِهِ إِلَى نَصِيبِ الْمُقِرِّ خَاصَّةً، وَلَمْ يَكُنِ الْمَقْبُوضُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا. أَجَابَ بِقَوْلِهِ: غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى كَوْنِ الْمَقْبُوضِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، لَكِنَّ الْمُقِرَّ لَوْ رَجَعَ، يَعْنِي أَنَّ الْمُرَجِّحَ هُوَ أَنَّ اعْتِبَارَ زَعْمَ الْمُنْكِرِ يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ الْفَائِدَةِ بِلُزُومِ الدَّوْرِ، انْتَهَى. أَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تَقْرِيرَيِ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُخْتَلٌّ، أَمَّا تَقْرِيرُ السُّؤَالِ؛ فَلِأَنَّ حَدِيثَ مُعَارِضَةِ زَعْمَ الْمُقِرِّ لِزَعْمِ الْمُنْكِرِ، وَتَرْجِيحِ زَعْمِ الْمُقِرِّ عَلَى زَعْمِ الْمُنْكِرِ مِمَّا لَا مَسَاسَ لَهُ بِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى كَوْنِ الْمَقْبُوضِ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُمَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّصَادُقَ يُنَافِي التَّعَارُضَ وَالتَّرْجِيحَ فَكَيْفَ يَحْمِلُ كَلَامَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْعَجَبُ أَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ أَدْرَجَ تَصَادُقَهُمَا أَيْضًا فِي أَثْنَاءِ تَقْرِيرِ السُّؤَالِ، وَفَرَّعَ عَلَى تَعَارُضِ زَعْمَيْهِمَا؛ حَيْثُ قَالَ: فَتَصَادَقَا عَلَى كَوْنِ الْمَقْبُوضِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، ثُمَّ طَلَبَ الْمُرَجِّحَ بِقَوْلِهِ: فَمَا الْمُرَجِّحُ لِزَعْمِ الْمُقِرِّ عَلَى زَعْمِ الْمُنْكِرِ؟ وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي نَفْسِ هَذَا التَّقْرِيرِ تَعَارُضًا وَتَنَاقُضًا، وَأَمَّا تَقْرِيرُ الْجَوَابِ فَلِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ: يَعْنِي أَنَّ الْمُرَجِّحَ، هُوَ أَنَّ اعْتِبَارَ زَعْمَ الْمُنْكِرِ يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ الْفَائِدَةِ بِلُزُومِ الدَّوْرِ هُوَ أَنَّ

стр. 401

(كِتَابُ الصُّلْحِ) لُزُومَ الدَّوْرِ إِنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ زَعْمِ الْمُنْكِرِ دُونَ الْمُقِرِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لُزُومُ الدَّوْرِ إِنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ زَعْمِ الْمُقِرِّ دُونَ زَعْمِ الْمُنْكِرِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَ الْغَرِيمِ عَلَى الْمُقِرِّ بِالْآخِرَةِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى زَعْمِ الْمُقِرِّ أَنَّ أَبَاهُ قَبَضَ مِنْهُ الْخَمْسِينَ، وَإِنَّمَا بَقِيَ عَلَيْهِ الْخَمْسُونَ الْمَقْبُوضُ. وَأَمَّا عَلَى زَعْمِ الْمُنْكِرِ وَهُوَ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ شَيْئًا فَلَا يَرْجِعُ الْغَرِيمَ عَلَى الْمُقِرِّ بِشَيْءٍ، بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعْطِيَ الْمُقِرَّ أَيْضًا مِثْلَ مَا أَعْطَاهُ الْمُنْكِرُ، فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ، وَتَدَبَّرْ تَقَفْ، ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِذَا كَانَ مِنْ زَعْمِ الْمُنْكِرِ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا كَانَ مِنْ زَعْمِهِ أَنَّ أَخَاهُ فِي إِقْرَارِهِ ظَالِمٌ، وَهُوَ فِيمَا يَقْبِضُهُ أَخُوهُ مِنْهُ مَظْلُومٌ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَرِيمِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَظْلُومَ لَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَظْلُومَ لَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ، وَلَكِنَّهُ فِي زَعْمِهِ لَيْسَ فِي الرُّجُوعِ بِظَالِمٍ بَلْ طَالِبٌ لِتَمَامِ حَقِّهِ، انْتَهَى. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ الَّذِي قَبَضَهُ الْمُنْكِرُ مِنَ الْغَرِيمِ أَوَّلًا إِنْ كَانَ بِتَمَامِهِ حَقُّ الْمُنْكِرِ لَمْ يَكُنْ هُوَ فِي رُجُوعِهِ عَلَى الْغَرِيمِ بَعْدَ ذَلِكَ طَالِبًا لِتَمَامِ حَقِّهِ؛ إِذْ لَيْسَ حَقُّهُ فِي الْمِائَةِ بِزَائِدٍ عَلَى الْخَمْسِينَ حَتَّى يَكُونَ طَالِبًا لِتَمَامِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَقْبُوضُ أَوَّلًا بِتَمَامِهِ حَقَّهُ بَلْ كَانَ بَعْضُهُ حَقُّ أَخِيهِ لَمْ يَكُنْ هُوَ فِيمَا يَقْبِضُهُ أَخُوهُ مِنْهُ مَظْلُومًا، وَسَوْقُ الْجَوَابِ الْمَزْبُورِ عَلَى تَسْلِيمِ مَظْلُومِيَّتِهِ، كَمَا تَرَى. فَالْحَقُّ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَنْ زَعْمِ الْمُنْكِرِ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا كَانَ فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ فِيمَا يَقْبِضُهُ أَخُوهُ مِنْهُ مَظْلُومٌ، كَيْفَ وَهُمَا مُتَصَادِقَانِ عَلَى كَوْنِ مَا قَبَضَهُ مِنَ الْغَرِيمِ أَوَّلًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، كَمَا تَقَرَّرَ. نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ زَعْمِ الْمُنْكِرِ ذَلِكَ أَنَّ أَخَاهُ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ؛ حَيْثُ أَبْطَلَ حَقَّهُ فِي الْمِائَةِ بِإِقْرَارِهِ بِأَنَّ أَبَاهُ قَبَضَ مِنْهَا الْخَمْسِينَ. (كِتَابُ الصُّلْحِ) قَدْ مَرَّ مُنَاسَبَةُ الصُّلْحِ بِالْإِقْرَارِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِقْرَارِ. وَالصُّلْحُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لِلْمُصَالَحَةِ الَّتِي هِيَ الْمُسَالَمَةُ خِلَافَ الْمُخَاصَمَةِ. وَأَصْلُهُ مِنَ الصَّلَاحِ، وَهُوَ اسْتِقَامَةُ الْحَالِ فَمَعْنَاهُ دَالٌّ عَلَى حُسْنِهِ الذَّاتِيِّ. وَفِي الشَّرِيعَةِ: عِبَارَةٌ عَنْ عَقْدٍ وُضِعَ لِرَفْعِ الْمُنَازَعَةِ.

стр. 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَسَبَبُهُ: تَعَلُّقُ الْبَقَاءِ الْمُقَدَّرِ بِتَعَاطِيهِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ. وَرُكْنُهُ: الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، كَذَا ذُكِرَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْكَافِي وَكَثِيرٍ مِنَ الشُّرُوحِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنَ النِّهَايَةِ: وَرُكْنُهُ الْإِيجَابُ مُطْلَقًا وَالْقَبُولُ فِيمَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَأَمَّا إِذَا وَقَعَ الدَّعْوَى فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَطَلَبِ الصُّلْحِ عَلَى ذَلِكَ الْجِنْسِ فَقَدْ تَمَّ الصُّلْحُ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي: قَبِلْتُ، وَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى قَبُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ لِبَعْضِ الْحَقِّ، وَهُوَ يَتِمُّ بِالْمُسْقِطِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ طَلَبُ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ، وَمَنْ طَلَبَ الْبَيْعَ مِنْ غَيْرِهِ فَقَالَ ذَلِكَ الْغَيْرُ: بِعْتُ، لَا يَتِمُّ الْبَيْعُ مَا لَمْ يَقُلِ الطَّالِبُ قَبِلْتُ، انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ أَنَّ الصُّلْحَ إِذَا وَقَعَ عَنْ إِقْرَارٍ فَإِنْ كَانَ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ اعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبِيَاعَاتِ. وَإِنْ كَانَ عَنْ مَالٍ بِمَنَافِعَ اعْتُبِرَ بِالْإِجَارَاتِ، وَإِذَا وَقَعَ عَنْ سُكُوتٍ أَوْ إِنْكَارٍ كَانَ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِافْتِدَاءِ الْيَمِينِ وَقَطْعِ الْخُصُومَةِ وَفِي حَقِّ الْمُدَّعِي بِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الضَّابِطَةُ، فَلَوْ وَقَعَ الدَّعْوَى فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَطَلَبِ الصُّلْحِ عَلَى ذَلِكَ الْجِنْسِ، وَكَانَ وُقُوعُ الصُّلْحِ عَنْ سُكُوتٍ أَوْ إِنْكَارٍ وَجَبَ أَنْ لَا يَتِمَّ الصُّلْحُ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي: قَبِلْتُ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ إِسْقَاطًا لِبَعْضِ الْحَقِّ وَاسْتِيفَاءً لِبَعْضِهِ الْآخَرِ فِيمَا إِذَا وَقَعَ عَنْ سُكُوتٍ أَوْ إِنْكَارٍ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي. وَأَمَّا فِي حَقّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنَّمَا هُوَ لِافْتِدَاءِ الْيَمِينِ وَقَطْعِ الْخُصُومَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهِ أَيْضًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ الِافْتِدَاءُ وَتَنْقَطِعَ الْخُصُومَةُ. وَأَمَا ثَانِيًا: فَلِأَنَّهُ إِذَا وَقَعَ الدَّعْوَى فِيمَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَالدَّارِ مَثَلًا، فَصُولِحَ عَلَى قِطْعَةٍ مِنْهَا وَأُلْحِقَ بِهِ ذِكْرُ الْبَرَاءَةِ عَنْ دَعْوَى الْبَاقِي كَانَ الصُّلْحُ صَحِيحًا عَلَى مَا سَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ هُنَاكَ أَيْضًا بِقَوْلِ الْمُدَّعِي: قَبِلْتُ، بِدُونِ قَبُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ إِسْقَاطًا لِدَعْوَى بَعْضِ الْحَقِّ بِمِثْلِ مَا قَالَ فِيمَا إِذَا وَقَعَ الدَّعْوَى فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَطَلَبِ الصُّلْحِ عَلَى ذَلِكَ الْجِنْسِ فَلَا يَتِمُّ إِطْلَاقُ قَوْلِهِ وَالْقَبُولِ فِيمَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ. وَأَمَا ثَالِثًا: فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: " لِأَنَّهُ طَلَبُ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ. . . " إِلَخْ، فِي تَعْلِيلِ قَوْلِهِ: بِخِلَافِ الْأَوَّلِ قَاصِرٌ عَنْ إِفَادَةِ كُلِّيَّةِ الْمُدَّعِي، وَهُوَ رُكْنِيَّةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مَعًا فِيمَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ مُطْلَقًا؛ فَإِنَّ طَلَبَ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ لَا يَتَمَشَّى فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْمُنْدَرِجَةِ فِي الضَّابِطَةِ الْمَذْكُورَةِ لِلصُّلْحِ. بَلْ إِنَّمَا يَتَمَشَّى فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَهِيَ مَا إِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إِقْرَارٍ وَكَانَ مَالًا بِمَالٍ، فَتَأَمَّلْ. وَشَرْطُ مُطْلَقِ الصُّلْحِ: كَوْنُ الْمَصَالَحِ عَنْهُ مِمَّا يَجُوزُ عَنْهُ الِاعْتِيَاضُ. وَلِأَنْوَاعِهِ شُرُوطٌ أُخَرُ سَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا فِي الْكِتَابِ. وَحُكْمُهُ: وُقُوعُ الْبَرَاءَةِ عَنْ دَعْوَى الْمُدَّعِي، كَذَا فِي الْكَافِي وَبَعْضِ الشُّرُوحِ. قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنَ النِّهَايَةِ: وَحُكْمُهُ تَمَلُّكُ الْمُدَّعِي الْمُصَالَحَ عَلَيْهِ مُنْكِرًا كَانَ الْخَصْمُ أَوْ مُقِرًّا، وَوُقُوعُهُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْمُصَالِحِ عَنْهُ إِنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ وَالْبَرَاءَةَ لَهُ فِي غَيْرِهِ إِنْ كَانَ مُقِرًّا، وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا فَحُكْمُهُ وُقُوعُ الْبَرَاءَةِ عَنْ دَعْوَى الْمُدَّعِي احْتَمَلَ الْمُصَالَحُ عَنْهُ التَّمْلِيكَ أَوْ لَا، انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُصَالَحَ عَلَيْهِ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ كَتَرْكِ الدَّعْوَى، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إِذَا ادَّعَى حَقًّا فِي دَارِ رَجُلٍ وَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا فِي أَرْضٍ بِيَدِ الْمُدَّعِي فَاصْطَلَحَا عَلَى تَرْكِ الدَّعْوَى، فَإِنَّهُ جَائِزٌ، فَجُعِلَ حُكْمُ الصُّلْحِ فِي جَانِبِ الْمُصَالَحِ عَنْهُ قِسْمَيْنِ: تَمَلُّكُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِيَّاهُ، وَبَرَاءَتُهُ عَنْ دَعْوَى الْمُدَّعِي. وَفِي جَانِبِ الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ قِسْمًا وَاحِدًا هُوَ تَمَلُّكُ الْمُدَّعِي إِيَّاهُ مَعَ جَرَيَانِ احْتِمَالِ التَّمْلِيكِ وَعَدَمِ احْتِمَالِهِ فِي الْجَانِبَيْنِ مَعًا، مِمَّا لَا يَخْلُو عَنْ تَحَكُّمٍ، فَإِنْ نُوقِشَ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ كَوْنَ الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ تَرْكُ الدَّعْوَى فِي ذَلِكَ أَمْرٌ ظَاهِرِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَإِنَّمَا الْمَصَالَحُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً فِي ذَلِكَ مَا ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْحَقِّ فِيمَا بِيَدِ الْآخَرِ؛ فَإِنَّهُ يَقَعُ مُصَالَحًا عَنْهُ بِالنَّظَرِ إِلَى ذِي الْيَدِ، وَمُصَالَحًا عَلَيْهِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْآخَرِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ قَطْعًا. قُلْنَا: فَمَاذَا يُقَالُ فِيمَا إِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ قِصَاصًا فَاصْطَلَحَا عَلَى تَرْكِ الدَّعْوَى وَالْعَفْوِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ؛ إِذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ تَرْكَ الدَّعْوَى وَالْعَفْوَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ، كَذَلِكَ نَفْسُ الْقِصَاصِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُهُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ تَمَلُّكُ الْمُدَّعِي الْمَصَالَحَ عَلَيْهِ، بَلْ إِنَّمَا يَتَيَسَّرُ فِيهَا بَرَاءَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ دَعْوَى الْآخَرِ. بَقِيَ هَاهُنَا كَلَامٌ آخَرُ، وَهُوَ: أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ دَارًا وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَدَفَعَ الْمُدَّعِي إِلَى ذِي الْيَدِ شَيْئًا بِطَرِيقِ الصُّلْحِ وَأَخَذَ الدَّارَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الشُّرُوحِ. وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْفَصْلِ السَّابِعِ مِنْ فَصُولِ الْإِسْتَرُوشَنِيِّ مَعَ أَنَّهُ يَمْلِكُ هُنَاكَ الْمُدَّعِي الْمُصَالَحَ عَنْهُ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُصَالَحَ عَلَيْهِ فَيَنْتَقِضُ

стр. 403

قَالَ: (الصُّلْحُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: صُلْحٌ مَعَ إِقْرَارٍ، وَصُلْحٌ مَعَ سُكُوتٍ، وَهُوَ أَنْ لَا يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يُنْكِرَ، وَصُلْحٌ مَعَ إِنْكَارٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ)؛ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وَلِقَوْلِهِ ﵊: مَا ذُكِرَ مِنْ حُكْمِ الصُّلْحِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ طَرْدًا وَعَكْسًا، فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: الصُّلْحُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ. . .) إِلَخْ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: الْحَصْرُ عَلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ ضَرُورِيٌّ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ وَقْتَ الدَّعْوَى إِمَّا أَنْ يَسْكُتَ أَوْ يَتَكَلَّمَ مُجِيبًا وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ. لَا يُقَالُ: قَدْ يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يَتَّصِلُ بِمَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ بِقَوْلِنَا: مُجِيبًا، انْتَهَى. أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَى ظَاهِرِ جَوَابِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا يُفِيدُ انْحِصَارَ تَقْسِيمِهِ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَلَا يُفِيدُ انْحِصَارَ تَقْسِيمِهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّ الْخَصْمَ وَقْتَ الدَّعْوَى إِمَّا أَنْ يَسْكُتَ أَوْ يَتَكَلَّمَ مُجِيبًا؛ إِذْ تَخْرُجُ صُورَةُ التَّكَلُّمِ بِمَا لَا يَتَّصِلُ بِمَحَلِّ النِّزَاعِ عَنْ قَسَمَيْهِ مَعًا، فَيَبْقَى الِاعْتِرَاضُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى قَوْلِهِ: الْحَصْرُ عَلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ ضَرُورِيٌّ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالسُّكُوتِ فِي قَوْلِهِ: إِمَّا أَنْ يَسْكُتَ أَوْ يَتَكَلَّمَ مُجِيبًا، هُوَ السُّكُوتُ عَنِ التَّكَلُّمِ مُجِيبًا لَا السُّكُوتُ مُطْلَقًا وَهُوَ عَدَمُ التَّكَلُّمِ أَصْلًا، فَتَدْخُلُ الصُّورَةُ الْمَزْبُورَةُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ تَقْسِيمِهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِمَّا أَنْ يَسْكُتَ، فَيَصِحُّ قَوْلُهُ: الْحَصْرُ عَلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ ضَرُورِيٌّ، وَتَفْسِيرُ السُّكُوتِ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ أَنْ لَا يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يُنْكِرَ لَا يَخْلُو عَنْ إِيمَاءٍ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّكُوتِ هَاهُنَا هُوَ السُّكُوتُ عَنِ الْجَوَابِ دُونَ مُطْلَقِ السُّكُوتِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى مُطْلَقِ السُّكُوتِ مَعَ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ التَّفْسِيرِ لَيْسَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ بَلْ هُوَ أَلَّا يَتَكَلَّمَ أَصْلًا. (قَوْلُهُ: وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِإِطْلَاقِ. . .) إِلَخْ تَسَامَحَ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا فِي التَّعْبِيرِ؛ حَيْثُ قَالَ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، مَعَ أَنَّهُ لَا يَذْهَبُ عَلَيْكَ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى جَوَازِ كُلِّ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلُهُ: الْمُطْلَقُ، لَا إِطْلَاقَ قَوْلِهِ إِلَّا أَنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يَتَسَامَحُونَ فِي الْعِبَارَةِ فِي أَمْثَالِ هَذَا بِنَاءً عَلَى ظُهُورِ الْمُرَادِ وَتَنْبِيهًا عَلَى فَائِدَةٍ تُفِيدُهَا تِلْكَ الْعِبَارَةُ، كَمَا فِي تَعْرِيفِهِمُ الْعِلْمَ بِحُصُولِ صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْعَقْلِ مَعَ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الصُّورَةُ الْحَاصِلَةُ فِي الْعَقْلِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْفَاضِلُ الشَّرِيفُ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي حَلِّ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى، أَيْ: لِقَوْلِهِ الْمُطْلَقِ: فَالْإِضَافَةُ مِنْ قَبِيلِ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ، انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ، أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ إِضَافَةَ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ لَيْسَتْ بِجَائِزَةٍ كَإِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُخْتَارُ الْمُقَرَّرُ فِي كُتُبِ النَّحْوِ، حَتَّى أَنَّهُمْ أَوَّلُوا مِثْلَ: جُرْدُ قَطِيفَةٍ، وَأَخْلَاقُ ثِيَابٍ

стр. 404

«كُلُّ صُلْحٍ جَائِزٌ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» بِمَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ فَمَا مَعْنَى حَمْلَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ الصِّفَةَ فِي " لِقَوْلِهِ لِمُطْلَقٍ "، هُوَ الْمُطْلَقُ لَا الْإِطْلَاقُ وَالْكَلَامُ فِي تَوْجِيهِ إِطْلَاقِ قَوْلِهِ: فَلَا يُجْدِي حَدِيثُ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ شَيْئًا، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْمَصِيرِ إِلَى الْمُسَامَحَةِ، كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَالَ صَاحِبٌ الْعِنَايَةِ: فَإِنَّ مَنْعَ الْإِطْلَاقِ لِوُقُوعِهِ فِي سِيَاقٍ صَلَحَ الزَّوْجَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، فَكَانَ لِلْعَهْدِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَبِأَنَّهُ ذُكِرَ لِلتَّعْلِيلِ، أَيْ: لَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصَالِحَا؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ خَيْرٌ فَكَانَ عَامًّا؛ وَلِأَنَّهُ وَقَعَ قَوْله تَعَالَى أَنْ يُصَالِحَا فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَكَانَ مُسْتَقْبَلًا، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ كَانَ فِي الْحَالِ فَلَمْ يَكُنْ إِيَّاهُ بَلْ جِنْسُهُ، انْتَهَى. أَقُولُ: إِنَّ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَ مِنْ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ بِتَامَّيْنِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ كَوْنُ الِاعْتِبَارِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ لَا يُجْدِي شَيْئًا فِي دَفْعِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ مَنْعُ عُمُومِ اللَّفْظِ بِحَمْلِ اللَّامِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ عَلَى الْعَهْدِ. فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ خَاصًّا وَإِنَّمَا يُجْدِي نَفْعًا لَوْ سَلَّمَ عُمُومَ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ وَأُرِيدَ تَخْصِيصُهُ بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَلِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ كَانَ فِي الْحَالِ أَنَّ التَّكَلُّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ وَالْإِخْبَارِ بِهَذَا الْخَبَرِ كَانَ فِي الْحَالِ، أَيْ: فِي حَالِ وُرُودِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَمُسَلَّمٌ، لَكِنَّ هَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ تَحَقُّقُ مَدْلُولِهِ فِي الِاسْتِقْبَالِ، أَلَا يَرَى أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: الْأَمْرُ الَّذِي يَحْدُثُ غَدًا خَيْرٌ، فَلَا شَكَّ أَنَّ تَكَلُّمَكَ بِهَذَا الْكَلَامِ وَإِخْبَارُكَ بِهِ كَائِنٌ فِي الْحَالِ، وَأَمَّا تَحَقُّقُ ذَلِكَ الْأَمْرِ وَاتِّصَافُهُ بِالْخَيْرِيَّةِ، فَيَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَلَمْ يَتِمَّ قَوْلُهُ: فَلَمْ يَكُنْ إِيَّاهُ بَلْ جِنْسُهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الصُّلْحَ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ خَيْرٌ كَانَ فِي الْحَالِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، فَالصَّوَابُ مِنْ بَيْنِ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ هُوَ الْجَوَابُ الثَّانِي، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكَافِي وَفِي سَائِرِ الشُّرُوحِ أَخْذًا مِنَ الْأَسْرَارِ. وَوَجْهُ كَوْنُ الصُّلْحِ عَامًّا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ ذِكْرٌ لِلتَّعْلِيلِ هُوَ أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَتَقَيَّدُ بِمَحَلِّ الْحُكْمِ الَّذِي عُلِّلَ فِيهِ، بَلْ أَيْنَمَا وُجِدَتِ الْعِلَّةُ يَتْبَعُهَا الْحُكْمُ، كَذَا قَالُوا، وَهُوَ التَّقْرِيرُ الْمُنَاسِبُ لِقَوَاعِدِ الْأُصُولِ. وَأَمَّا التَّقْرِيرُ الْمُطَابِقُ لِقَوَاعِدِ الْمَعْقُولِ فَلِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ خَارِجًا مَخْرَجَ الْكُبْرَى مِنَ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ كَأَنَّهُ قِيلَ: فَإِنَّ هَذَا صُلْحٌ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ، وَكُلِّيَةُ الْكُبْرَى شَرْطٌ لِإِنْتَاجِ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْمِيزَانِ. وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَيْضًا؛ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَعْلِيلًا لَأَبْدَلَ الْفَاءَ بِالْوَاوِ، انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ ذَاكَ الْإِبْدَالَ إِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ تَعْلِيلًا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ تَعْلِيلٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَعَنْ هَذَا قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ التَّعْلِيلِ لِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ كَأَنَّهُ قَالَ: صَالِحُوا؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ خَيْرٌ. وَفَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ، كَمَا يُقَالُ: صَلِّ وَالصَّلَاةُ خَيْرٌ عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ بِمَنْزِلَةِ الْكُبْرَى مِنَ الدَّلِيلِ وَالصُّغْرَى مَطْوِيَّةٌ، كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِيمَا مَرَّ، وَأَدَاةُ التَّعْلِيلِ كَاللَّامِ وَالْفَاءِ إِذَا ذُكِرَتْ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى أَوَّلِ الدَّلِيلِ وَهُوَ الصُّغْرَى دُونَ الْكُبْرَى، فَلَا يَلْزَمُ الْإِبْدَالُ هَاهُنَا أَصْلًا، تَدَبَّرْ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَاهُ، يَعْنِي الْإِطْلَاقَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وَلَكِنْ صَرْفُهُ إِلَى الْكُلِّ مُتَعَذِّرٌ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ بَعْدَ الْيَمِينِ، وَصُلْحُ الْمُودِعِ وَصُلْحُ مَنِ ادَّعَى قَذْفًا عَلَى آخَرَ وَصُلْحُ مَنِ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا فَأَنْكَرَتْ لَا يَجُوزُ، فَيُصْرَفُ إِلَى الْأَدْنَى وَهُوَ الصُّلْحُ عَنْ إِقْرَارٍ. أُجِيبَ بِأَنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالْإِطْلَاقِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِمَانِعٍ لَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكَهُ عِنْدَ عَدَمِهِ، انْتَهَى. أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ: وَصُلْحُ مَنِ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا فَأَنْكَرَتْ لَا يَجُوزُ أَنَّهُ خَبْطٌ؛ إِذْ هُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ مَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ حَتَّى الْهِدَايَةِ وَالْبِدَايَةِ، فِيمَا سَيَأْتِي، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا وَهِيَ تَجْحَدُ فَصَالَحَتْهُ عَلَى مَالٍ بَذَلَتْهُ حَتَّى يَتْرُكَ الدَّعْوَى جَازَ، فَكَأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْخُلْعِ. ثُمَّ أَقُولُ: تَوْجِيهُهُ: إِنَّ لِعَدَمِ الْجَوَازِ رِوَايَةً فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ بِخِلَافِهَا، وَالسُّؤَالُ الْمَزْبُورُ مِمَّا أَوْرَدَتْهُ الشَّافِعِيَّةُ فَهُمْ أَخَذُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَخَوَاتِهَا بِمَا هُوَ الْمُلَائِمُ لِغَرَضِهِمْ. وَالْحَنَفِيَّةُ أَجَابُوا عَنْهُ تَارَةً بِمَنْعِ عَدَمِ الْجَوَازِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ، وَأُخْرَى بِأَنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالْإِطْلَاقِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِمَانِعٍ لَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكَهُ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَصَاحِبُ الْعِنَايَةِ: اكْتَفَى بِالثَّانِي وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَنْعِ، وَأَمَّا صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ فَتَعْرَّضَ لَهُمَا مَعًا حَتَّى قَالَ فِي الْجَوَابِ هَاهُنَا: عَلَى أَنَّا نَمْنَعُ عَدَمَ جَوَازِ

стр. 405

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ مَعَ إِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ لِمَا رَوَيْنَا، وَهَذَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأَنَّ الْبَدَلَ كَانَ حَلَالًا عَلَى الدَّافِعِ حَرَامًا عَلَى الْآخِذِ، فَيَنْقَلِبُ الْأَمْرُ، وَلِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدْفَعُ الْمَالَ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ وَهَذَا رِشْوَةٌ. وَلَنَا مَا تَلَوْنَا، وَأَوَّلُ مَا رَوَيْنَا وَتَأْوِيلُ آخِرِهِ أَحَلَّ حَرَامًا لِعَيْنِهِ كَالْخَمْرِ، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا لِعَيْنِهِ كَالصُّلْحِ عَلَى أَنْ لَا يَطَأَ الضَّرَّةَ الصُّلْحِ فِي دَعْوَى النِّكَاحِ عَلَيْهَا إِذَا أَنْكَرَتْهُ فَصَالَحَتْ عَلَى مَالٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ. وَبِهِ صَرَّحَ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَسَيَجِيءُ ذَلِكَ فِي فَصْلٍ عُقَيْبِ هَذَا، انْتَهَى. وَقَالَ فِي ذَلِكَ الْفَصْلِ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ هُوَ ظَاهِرُ الْجَوَابِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْكَافِي وَشَرْحِهِ كَذَلِكَ. فَعَلَى هَذَا لَا يَرُدُّ عَلَيْنَا سُؤَالُ الشَّافِعِيَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ بِقَوْلِهِمْ: إِذَا ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا فَأَنْكَرَتْ فَصَالَحَتْ عَلَى مَالٍ لَا يَجُوزُ، وَلَئِنْ صَحَّتْ تِلْكَ الْمَسْأَلَةُ، كَمَا أَوْرَدُوهَا فِي نَسْخِ طَرِيقَةِ الْخِلَافِ. فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا مَرَّ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، انْتَهَى. (قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ مَعَ إِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ لِمَا رَوَيْنَا. . .) إِلَخْ. قُلْتُ: كَانَ الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: لِآخِرِ مَا رَوَيْنَا لَا أَنَّ أَوَّلَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لَا لَهُ. (قَوْلُهُ: وَلَنَا مَا تَلَوْنَا وَأَوَّلُ مَا رَوَيْنَا. . .) إِلَخْ، كَرَّرَ ذِكْرَهُمَا تَأْكِيدًا وَتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: وَتَأْوِيلُ آخِرِهِ. . . إِلَخْ. وَإِلَّا لَكَفَى هَاهُنَا بَيَانُ هَذَا التَّأْوِيلِ مَعَ بَيَانِ أَنَّ دَفْعَ الرِّشْوَةِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ جَائِزٌ فِي الشَّرْحِ؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ الْجَوَابِ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْجَوَابُ عَنْهُ يَتِمُّ بِبَيَانِهِمَا. أَقُولُ: بَقِيَ هَاهُنَا إِشْكَالٌ فِي قَوْلِهِ: وَأَوَّلُ مَا رَوَيْنَا: وَهُوَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ دَلِيلًا لَنَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ آخِرِهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ آخِرَهُ مُسْتَثْنًى مِنْ أَوَّلِهِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَتَأَخَّرَ حُكْمُ صَدْرِ الْكَلَامِ عَنْ إِخْرَاجِ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَلَا يَكُونُ لِأَوَّلِ الْكَلَامِ فِي صُورَةِ الِاسْتِثْنَاءِ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِدُونِ آخِرِهِ، بَلْ لَا يَتِمُّ الْمَعْنَى إِلَّا بِمَجْمُوعِ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: " وَتَأْوِيلُ آخِرِهِ أَحَلَّ حَرَامًا لِعَيْنِهِ. . . " إِلَخْ، مُتَّصِلٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: وَأَوَّلُ مَا رَوَيْنَا. فَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ لَنَا أَوَّلَ مَا رَوَيْنَاهُ مَعَ تَأْوِيلِ آخِرِهِ، فَالدَّلِيلُ مَجْمُوعُ الْحَدِيثِ بِمُلَاحَظَةِ هَذَا التَّأْوِيلِ، وَلَكِنَّ الْإِنْصَافَ أَنَّ لَفْظَةَ أَوَّلَ هَاهُنَا مَعَ كَوْنِهَا زَائِدَةً لَا فَائِدَةَ لَهَا مُوهِمَةٌ لِمَا يُخِلُّ بِالْكَلَامِ وَيَضُرُّ بِالْمَقَامِ، كَمَا نَبَّهَنَا عَلَيْهِ، فَالْأَوْلَى أَنْ تُطْرَحَ مِنَ الْبَيْنِ. (قَوْلُهُ: وَتَأْوِيلُ آخِرهِ أَحَلَّ حَرَامًا لِعَيْنِهِ كَالْخَمْرِ أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا لِعَيْنِهِ كَالصُّلْحِ عَلَى أَنْ لَا يَطَأُ الضَّرَّةَ) وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا أَحَقُّ؛ لِأَنَّ الْحَرَامَ الْمُطْلَقَ مَا هُوَ حَرَامٌ لِعَيْنِهِ، وَالْحَلَالُ

стр. 406

وَلِأَنَّ هَذَا صُلْحٌ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ فَيُقْضَى بِجَوَازِهِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَأْخُذُهُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ فِي زَعْمِهِ وَهَذَا مَشْرُوعٌ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدْفَعُهُ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ وَهَذَا مَشْرُوعٌ أَيْضًا؛ إِذِ الْمَالُ وِقَايَةُ الْأَنْفُسِ وَدَفْعُ الرِّشْوَةِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ أَمْرٌ جَائِزٌ. الْمُطْلَقُ مَا هُوَ حَلَالٌ لِعَيْنِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ؛ إِذِ الصُّلْحُ مَعَ الْإِقْرَارِ لَا يَخْلُو عَنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الصُّلْحَ يَقَعُ عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ فِي الْعَادَةِ، فَمَا زَادَ عَلَى الْمَأْخُوذِ إِلَى تَمَامِ الْحَقِّ كَانَ حَلَالًا لِلْمُدَّعِي أَخْذُهُ قَبْلَ الصُّلْحِ وَحَرُمَ بِالصُّلْحِ، وَكَانَ حَرَامًا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْعُهُ قَبْلَ الصُّلْحِ وَقَدْ حَلَّ بِالصُّلْحِ. كَذَا فِي الْكَافِي. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: وَالْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ وَاجِبٌ؛ لِئَلَّا يَبْطُلَ الْعَمَلُ بِهِ أَصْلًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ حَمَلَ عَلَى الصُّلْحِ عَلَى الْإِقْرَارِ خَاصَّةً لَكَانَ كَالصُّلْحِ عَلَى غَيْرِهِ؛ لَأَنَّ الصُّلْحَ فِي الْعَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ، فَمَا زَادَ عَلَى الْمَأْخُوذِ إِلَى تَمَامِ الْحَقِّ كَانَ حَلَالًا لِلْمُدَّعِي أَخْذَهُ قَبْلَ الصُّلْحِ، وَحَرُمَ بِالصُّلْحِ، وَكَانَ حَرَامًا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنَعُهُ قَبْلَهُ، وَحَلَّ بَعْدَهُ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا كَانَ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا لِعَيْنِهِ، انْتَهَى. أَقُولُ: فِي تَقْرِيرِهِ خَلَلٌ؛ إِذْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْإِقْرَارِ خَاصَّةً لَكَانَ كَالصُّلْحِ عَلَى غَيْرِهِ؛ لَأَنَّ الْكَلَامَ فِي حَمْلِ آخِرِ الْحَدِيثِ عَلَى الْحَرَامِ لِعَيْنِهِ وَالْحَلَالِ لِعَيْنِهِ خَاصَّةً، لَا فِي حَمْلِهِ عَلَى الصُّلْحِ عَلَى الْإِقْرَارِ خَاصَّةً؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّلْحِ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالصُّلْحِ عَلَى غَيْرِهِ فِي الصِّحَّةِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُحْمَلَ آخِرُ الْحَدِيثِ عَلَى الْحَرَامِ لِعَيْنِهِ وَالْحَلَالِ لِعَيْنِهِ خَاصَّةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَحْمِلَ آخِرَهُ عَلَى مَا يَعُمُّ الْحَرَامَ لِغَيْرِ عَيْنِهِ وَالْحَلَالَ لِغَيْرِ عَيْنِهِ أَيْضًا. فَمَدَارُ التَّأْوِيلِ وَالْحَمْلِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ لَفْظُ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ وَإِطْلَاقُهُ دُونَ لَفْظِ الصُّلْحِ. فَالْحَقُّ فِي التَّقْرِيرِ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى مَا يَعُمُّ الْحَرَامَ وَالْحَلَالَ لِعَيْنِهِمَا وَلِغَيْرِ عَيْنِهِمَا لَكَانَ الصُّلْحُ عَلَى الْإِقْرَارِ كَالصُّلْحِ عَلَى غَيْرِهِ فِي الِاشْتِمَالِ عَلَى إِحْلَالِ الْحَرَامِ وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ، ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ أَوْرَدَ عَلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّ الصُّلْحَ فِي الْعَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ بِأَنْ قَالَ: هَذَا يَخْتَصُّ بِالدَّيْنِ لِظُهُورِ عَدَمِ جَرَيَانِهِ فِي الْعَيْنِ، فَلَا يَلْزَمُ بُطْلَانُ الْعَمَلِ بِهِ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ إِلَّا بِالْإِبْرَاءِ عَنْ دَعْوَى الْبَاقِي، كَمَا سَيَجِيءُ، انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا كَلَامٌ خَالٍ عَنِ التَّحْصِيلِ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الصُّلْحِ عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ إِلَّا بِالْإِبْرَاءِ عَنْ دَعْوَى الْبَاقِي عَدَمُ جَوَازِهِ عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ أَصْلًا، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ جَوَازُ الصُّلْحِ عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ مَشْرُوطًا بِالْإِبْرَاءِ عَنْ دَعْوَى الْبَاقِي، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ أَيْضًا؛ إِذْ لِجَوَازِ الصُّلْحِ عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ طَرِيقٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ دِرْهَمًا فِي بَدَلِ الصُّلْحِ، وَسَيَأْتِي كِلَا الطَّرِيقَيْنِ فِي الْكِتَابِ، وَعَلَى كِلَيْهِمَا يَجْرِي قَوْلُهُ: لِأَنَّ الصُّلْحَ فِي الْعَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ أَيْضًا). (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ هَذَا صُلْحٌ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ، فَيُقْضَى بِجَوَازِهِ، إِلَى قَوْلِهِ: وَدَفْعُ الرَّشْوَةِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ أَمْرٌ جَائِزٌ) هَذَا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَئِمَّتُنَا مِنْ جَوَازٍ الصُّلْحُ مَعَ إِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ أَيْضًا مُتَضَمِّنٌ لِلْجَوَابِ عَنْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ لِلشَّافِعِيِّ مَذْكُورٌ فِيمَا قَبْلُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدْفَعُ

стр. 407

قَالَ: (فَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَنْ إِقْرَارٍ اعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبِيَاعَاتِ إِنْ وَقَعَ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ) لِوُجُودِ مَعْنَى الْبَيْعِ، وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ فِي حَقِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِتَرَاضِيهِمَا (فَنُجْرِي فِيهِ الشُّفْعَةُ إِذَا كَانَ عَقَارًا، وَيُرَدُّ بِالْعَيْبِ، وَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ، وَيُفْسِدُهُ جَهَالَةُ الْبَدَلِ) لِأَنَّهَا هِيَ الْمُفْضِيَةُ إِلَى الْمُنَازَعَةِ دُونَ جَهَالَةِ الْمُصَالَحِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ وَيُشْتَرَطُ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِ الْبَدَلِ (وَإِنْ وَقَعَ عَنْ مَالٍ بِمَنَافِعَ يُعْتَبَرُ بِالْإِجَارَاتِ) لِوُجُودِ مَعْنَى الْإِجَارَةِ وَهُوَ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ بِمَالٍ وَالِاعْتِبَارُ فِي الْعُقُودِ لِمَعَانِيهَا الْمَالَ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ، وَهَذَا رَشْوَةٌ. قَالَ الشُّرَّاحُ: لَا يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ جَوَازَ دَفْعِ الرَّشْوَةِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» عَامٌّ. لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِّ ضَرَرٌ مَحْضٌ فِي أَمْرٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، كَمَا إِذَا دَفَعَ الرَّشْوَةَ حَتَّى أَخْرَجَ الْوَالِي أَحَدَ الْوَرَثَةِ عَنِ الْإِرْثِ، وَأَمَّا إِذَا دَفَعَ الرَّشْوَةَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فَجَائِزٌ لِلدَّافِعِ، انْتَهَى. وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى الْجَوَابِ؛ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: إِنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ عُمُومُ اللَّفْظِ وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذُكِرَ غَيْرُ مُجْرًى عَلَى عُمُومِهِ، انْتَهَى. أَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ مِنَ النُّصُوصِ فِي أَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ دَفْعَ الْحَرَجِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَنْ إِقْرَارٍ اعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبِيَاعَاتِ إِنْ وَقْعَ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ. . .) إِلَخْ، هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَلَمَّا كَانَ الْأَصْلُ أَنَّ الصُّلْحَ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَقْرَبِ الْعُقُودِ إِلَيْهِ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ ضَابِطَهُ يَعْرِفُ بِهَا أَنَّهُ عَلَى أَيِّ عَقْدٍ يَحْمِلُ. أَقُولُ: لَيْسَتْ هَذِهِ الضَّابِطَةُ بِتَامَّةٍ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَنْ إِقْرَارٍ قَدْ يَقَعُ عَنْ مَنَافِعَ بِمَالٍ أَوْ بِمَنْفَعَةٍ، كَمَا إِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِسُكْنَى دَارِهِ سَنَةً، فَمَاتَ وَادَّعَى الْمُوصَى لَهُ السُّكْنَى فَصَالَحَهُ الْوَرَثَةُ عَنْ ذَلِكَ عَلَى دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ أَوْ عَلَى خِدْمَةِ عَبْدٍ شَهْرًا أَوْ عَلَى رُكُوبِ دَابَّةٍ شَهْرًا، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الْآتِي مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذِهِ الضَّابِطَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى عَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَكَذَا يَقَعُ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا مَنْفَعَةٍَ كَالصُّلْحِ عَنْ جِنَايَةِ الْعَمْدِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النِّكَاحِ، حَتَّى أَنَّ مَا صَلَحَ مُسَمَّى فِيهِ صُلْحٌ هَاهُنَا أَيْضًا، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ أَيْضًا فِي هَاتِيكَ الضَّابِطَةِ، وَلَيْسَ فِي مَعْنَى عَقْدِ الْبَيْعِ وَلَا فِي مَعْنَى عَقْدِ الْإِجَارَةِ، بَلْ هُوَ

стр. 408

فَيُشْتَرَطُ التَّوْقِيتُ فِيهَا، وَيَبْطُلُ الصُّلْحُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا فِي الْمُدَّةِ لِأَنَّهُ إِجَارَةٌ (وَالصُّلْحُ عَنِ السُّكُوتِ وَالْإِنْكَارِ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِافْتِدَاءِ الْيَمِينِ وَقَطْعِ الْخُصُومَةِ وَفِي حَقِّ الْمُدَّعَى بِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ) لِمَا بَيَّنَّا (وَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ حُكْمُ الْعَقْدِ فِي حَقِّهِمَا كَمَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْإِقَالَةِ فِي حَقِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا) وَهَذَا فِي الْإِنْكَارِ ظَاهِرٌ، وَكَذَا فِي السُّكُوتِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَالْجُحُودَ، فَلَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ عِوَضًا فِي حَقِّهِ بِالشَّكِّ. قَالَ: (وَإِذَا صَالَحَ عَنْ دَارٍ لَمْ يَجِبْ فِيهَا الشُّفْعَةُ) مَعْنَاهُ إِذَا كَانَ عَنْ إِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهَا عَلَى أَصْلِ حَقِّهِ وَيَدْفَعُ الْمَالَ دَفْعًا لِخُصُومَةِ الْمُدَّعِي، وَزَعْمُ الْمُدَّعِي لَا يَلْزَمُهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا صَالَحَ عَلَى دَارٍ حَيْثُ يَجِبُ فِيهَا الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَأْخُذُهَا عِوَضًا عَنِ الْمَالِ فَكَانَ مُعَاوَضَةً فِي حَقِّهِ، فَتَلْزَمُهُ الشُّفْعَةُ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُكَذِّبُهُ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إِقْرَارٍ وَاسْتَحَقَّ بَعْضَ الْمُصَالَحِ عَنْهُ رَجَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحِصَّةٍ ذَلِكَ مِنَ الْعِوَضِ)؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ مُطْلَقَةٌ كَالْبَيْعِ وَحُكْمِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي الْبَيْعِ هَذَا (وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَنْ سُكُوتٍ أَوْ إِنْكَارٍ فَاسْتَحَقَّ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ رَجَعَ الْمُدَّعِي بِالْخُصُومَةِ وَرَدَّ الْعِوَضَ)؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا بَذَلَ الْعِوَضَ إِلَّا لِيَدْفَعَ خُصُومَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِذَا ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ تَبَيَّنَ أَنْ لَا خُصُومَةَ لَهُ فَيَبْقَى الْعِوَضُ فِي يَدِهِ غَيْرَ مُشْتَمِلٍ عَلَى غَرَضِهِ فَيَسْتَرِدُّهُ، فِي مَعْنَى عَقْدِ النِّكَاحِ، فَلَمْ يُفْهَمْ مِنَ الضَّابِطَةِ الْمَذْكُورَةِ قَطُّ، وَكَذَا يَقَعُ الصُّلْحُ عَنْ دَعْوَى الرِّقِّ بِمَالٍ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ وَعَنْ دَعْوَى الزَّوْجِ النِّكَاحِ بِمَالٍ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الْخَلْعِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُمَا بِدَاخِلٍ أَيْضًا فِي الضَّابِطَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَا مَفْهُومٌ مِنْهَا أَصْلًا، فَكَانَتْ قَاصِرَةً عَنْ إِفَادَةِ تَمَّامِ الْمُرَادِ. لَا يُقَالُ: يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ تِلْكَ الصُّوَرِ هَاهُنَا بِمَا ذُكِرَ فِي الْفَصْلِ الْآتِي عَنْ قَرِيبٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ ذَكَرَ هُنَاكَ مَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا أَيْضًا بِأَنْ قَالَ: وَالصُّلْحُ جَائِزٌ عَنْ دَعْوَى الْأَمْوَالِ وَالْمَنَافِعِ فَلَا يَتِمُّ الْعُذْرُ. ثُمَّ إِنَّ كَوْنَ الصُّلْحِ عَنْ إِقْرَارٍ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ إِذَا وَقَعَ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا وَقَعَ عَلَى خِلَافِ جِنْسِ الْمُدَّعَى، وَأَمَّا فِيمَا إِذَا وَقَعَ عَلَى جِنْسِهِ فَإِنْ كَانَ بِأَقَلَّ مِنَ الْمُدَّعَى فَهُوَ حَطٌّ وَإِبْرَاءٌ، وَإِنْ كَانَ بِمِثْلِهِ فَهُوَ قَبْضٌ وَاسْتِيفَاءٌ، وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ فَهُوَ فَضْلٌ وَرِبًا، صَرَّحَ بِهِ فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: وَالصُّلْحُ عَنِ السُّكُوتِ وَالْإِنْكَارِ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِافْتِدَاءِ الْيَمِينِ وَقَطْعِ الْخُصُومَةِ، وَفِي حَقِّ الْمُدَّعِي بِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ لِمَا بَيَّنَّا. . .) إِلَخْ، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَأْخُذُهُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ فِي زَعْمِهِ. أَقُولُ: هَاهُنَا كَلَامٌ.

стр. 409

وَإِنِ اسْتَحَقَّ بَعْضَ ذَلِكَ رَدَّ حِصَّتَهُ وَرَجَعَ بِالْخُصُومَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ خَلَا الْعِوَضُ فِي هَذَا الْقَدْرِ عَنِ الْغَرَضِ. وَلَوِ اسْتَحَقَّ الْمُصَالَحَ عَلَيْهِ عَنْ إِقْرَارٍ رَجَعَ بِكُلِ الْمُصَالَحِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ، وَإِنِ اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ رَجَعَ بِحِصَّتِهِ. وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ رَجَعَ إِلَى الدَّعْوَى فِي كُلِّهِ أَوْ بِقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ إِذَا اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ؛ لِأَنَّ الْمُبْدَلَ فِيهِ هُوَ الدَّعْوَى، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ مِنْهُ عَلَى الْإِنْكَارِ شَيْئًا حَيْثُ يَرْجِعُ بِالْمُدَّعَى؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْبَيْعِ إِقْرَارٌ مِنْهُ بِالْحَقِّ لَهُ، وَلَا كَذَلِكَ الصُّلْحُ لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ، وَلَوْ هَلَكَ بَدَلُ الصُّلْحِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ فِي الْفَصْلَيْنِ. قَالَ: (وَإِنِ ادَّعَى حَقًّا فِي دَارٍ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ فَصُولِحَ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَحَقَّ بَعْضَ الدَّارِ لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا مِنِ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا بَقِيَ) بِخِلَافِ مَا إِذَا اسْتَحَقَّ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْرَى الْعِوَضُ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ شَيْءٍ يُقَابِلُهُ فَيَرْجِعُ بِكُلِّهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْبُيُوعِ. وَلَوِ ادَّعَى دَارًا فَصَالَحَهُ عَلَى وَهُوَ أَنَّ كَوْنَ الصُّلْحِ عَنِ السُّكُوتِ وَالْإِنْكَارِ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي مُطْلَقًا بِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّهُ إِذَا ادَّعَى عَيْنًا وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ سَكَتَ وَدَفَعَ الْمُدَّعِي إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ شَيْئًا بِطَرِيقِ الصُّلْحِ وَأَخَذَ الْعَيْنَ كَانَ ذَلِكَ الصُّلْحُ جَائِزًا عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ، مَعَ أَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي لَيْسَ بِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِ الْمُدَّعِي أَنَّ الْعَيْنَ الَّذِي ادَّعَاهُ حَقُّهُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُعَاوِضَ إِنْسَانٌ مِلْكَ نَفْسِهِ بَلْ هُوَ

стр. 410

قِطْعَةٍ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ لِأَنَّ مَا قَبَضَهُ مِنْ عَيْنِ حَقِّهِ وَهُوَ عَلَى دَعْوَاهُ فِي الْبَاقِي. وَالْوَجْهُ فِيهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَزِيدَ دِرْهَمًا فِي بَدَلِ الصُّلْحِ فَيَصِيرَ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ فِيمَا بَقِيَ، أَوْ يَلْحَقَ بِهِ ذِكْرُ الْبَرَاءَةِ عَنْ دَعْوَى الْبَاقِي. فِي حَقِّ الْمُدَّعِي فِي تِلْكَ الصُّورَةِ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: أَوْ يَلْحَقَ بِهِ ذِكْرُ الْبَرَاءَةِ عَنْ دَعْوَى الْبَاقِي). قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ صُورَةُ الْبَرَاءَةِ؟ قُلْتُ: هِيَ أَنْ يَقُولَ: قَدْ بَرِئْتَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ، أَوْ يَقُولَ: قَدْ بَرِئْتَ مِنْ دَعْوَايَ فِي هَذِهِ الدَّارِ، فَهَذَا جَائِزٌ، حَتَّى لَوِ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ وَجَاءَ بِبَيِّنَةٍ لَا تُقْبَلُ. أَمَّا لَوْ قَالَ: أَبْرَأْتُكَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ، أَوْ قَالَ: قَدْ أَبْرَأْتُكَ عَنْ خُصُومَتِي فِي هَذِهِ الدَّارِ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ بَاطِلٌ، وَلَهُ أَنْ يُخَاصِمَ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: بَرِئْتَ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَبْرَأْتُكَ؛ فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ: أَبْرَأْتُكَ إِنَّمَا أَبْرَأَهُ مِنْ ضَمَانِهِ لَا مِنَ الدَّعْوَى، وَعَنْ هَذَا قَالُوا: إِنَّ عَبْدًا فِي يَدِ رَجُلٍ لَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: بَرِئْتَ مِنْهُ، كَانَ بَرِيئًا مِنْهُ، وَلَوْ قَالَ: " أَبْرَأْتُكَ مِنْهُ "، كَانَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ، وَإِنَّمَا أَبْرَأَهُ مِنْ ضَمَانِهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ، إِلَى هَاهُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ: أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ بَيَانَ صُورَةِ الْبَرَاءَةِ بِقَوْلِهِ: بَرِئْتَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِلْمَشْرُوحِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: أَوْ يَلْحَقَ بِهِ ذِكْرُ الْبَرَاءَةِ عَنْ دَعْوَى الْبَاقِي، يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَدَارَ عَدَمِ صِحَّةِ الصُّلْحِ عَنْ بَعْضِ الْمُدَّعَى فِي الْعَيْنِ بِدُونِ الْحِيلَةِ فِي تَصْحِيحِهِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إِنَّمَا هُوَ عَدَمُ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَإِلَّا لَصَحَّ الصُّلْحُ عَلَى ذَلِكَ، بِأَنْ كَانَ اسْتِيفَاءً لِبَعْضِ الْحَقِّ وَإِسْقَاطًا لِبَعْضِهِ الْبَاقِي، كَمَا فِي الصُّلْحِ عَلَى بَعْضِ الْمُدَّعَى فِي الدَّيْنِ، فَالصُّورَةُ الصَّحِيحَةُ الْمُطَابِقَةُ لِلْمَشْرُوحِ إِنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ: بَرِئْتَ مِنْ دَعْوَايَ فِي هَذِهِ الدَّارِ. وَأَمَا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ: " أَبْرَأْتُكَ "، إِنَّمَا أَبْرَأَهُ مِنْ ضَمَانِهِ، لَا مِنَ الدَّعْوَى، إِنَّمَا يَتَمَشَّى فِي قَوْلِهِ: أَبْرَأْتُكَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ، لَا فِي قَوْلِهِ: أَبْرَأْتُكَ عَنْ خُصُومَتِي؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ مِنَ الْخُصُومَةِ هُوَ الْإِبْرَاءُ مِنَ الدَّعْوَى، وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: أَبْرَأَتُكَ عَنْ خُصُومَتِي فِي هَذِهِ الدَّارِ بَاطِلٌ أَيْضًا بِخِلَافِ مَا قَالُوا فِي عَبْدٍ فِي يَدِ رَجُلٍ؛ فَإِنَّ الْمَذْكُورَ هُنَاكَ فِي جَانِبِ الْإِبْرَاءِ إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ الْآخَرِ: أَبْرَأْتُكَ مِنْهُ، لَا غَيْرَ، تَبَصَّرْ.

стр. 411

(فَصْلٌ) (وَالصُّلْحُ جَائِزٌ عَنْ دَعْوَى الْأَمْوَالِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ، عَلَى مَا مَرَّ. قَالَ: (وَالْمَنَافِعِ؛ لِأَنَّهَا تُمْلَكُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ فَكَذَا بِالصُّلْحِ) (فَصْلٌ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الصُّلْحِ، وَشَرَائِطِهِ وَأَنْوَاعِهِ شَرَعَ فِي بَيَانٍ مَا يَجُوزُ عَنْهُ الصُّلْحُ وَمَا لَا يَجُوزُ. (قَوْلُهُ: وَالصُّلْحُ جَائِزٌ عَنْ دَعْوَى الْأَمْوَالِ) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهِ: (لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ عَلَى مَا مَرَّ، أَقُولُ: هَاهُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ الْقُدُورِيِّ: وَالصُّلْحُ جَائِزٌ عَنْ دَعْوَى الْأَمْوَالِ مُطْلَقٌ يَتَنَاوَلُ الصُّلْحَ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ وَالصُّلْحَ عَنْ مَالٍ بِمَنْفَعَةٍ، فَإِنْ أُجْرِيَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ لَمْ يَتِمَّ تَعْلِيلُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ عَلَى مَا مَرَّ؛ لِظُهُورِ أَنَّ الصُّلْحَ عَنْ مَالٍ بِمَنْفَعَةٍ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ، بَلْ هُوَ فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِيمَا مَرَّ، وَإِنْ قَيَّدَ بِمَا كَانَ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ، كَمَا فَعَلَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ لَزِمَ أَنْ لَا يَنْدَرِجَ مَا كَانَ عَنْ مَالٍ بِمَنْفَعَةٍ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَعَ أَنَّهُ مَعْقُودٌ لِبَيَانِ أَنْوَاعِ مَا يَجُوزُ عَنْهُ الصُّلْحُ وَمَا لَا يَجُوزُ، فَكَانَ تَقْصِيرًا مِنَ الْمُقَيِّدِ بِلَا ضَرُورَةٍ، لَا يُقَالُ: إِنَّمَا تَرَكَ ذَلِكَ النَّوْعَ فِي هَذَا الْفَصْلِ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ مَعْلُومًا فِيمَا مَرَّ. لِأَنَّا نَقُولُ: يَنْتَقِضُ ذَلِكَ بِمَا كَانَ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ؛ فَإِنَّهُ أَيْضًا كَانَ مَعْلُومًا فِيمَا مَرَّ. (قَوْلُهُ: وَالْمَنَافِعِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الْأَمْوَالِ وَعَنْ دَعْوَى الْمَنَافِعِ، وَهُوَ مِنْ تَمَامِ لَفْظِ الْقُدُورِيِّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِي تَعْلِيلِهِ: (لِأَنَّهَا تُمْلَكُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ، فَكَذَا بِالصُّلْحِ). أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يُشْكِلُ هَذَا التَّعْلِيلُ بِمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الإِسْبِيجَابِيُّ

стр. 412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فِي شَرْحِ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ فِي بَابِ الصُّلْحِ فِي الْوَصَايَا؛ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ لِرَجُلٍ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلْثِهِ فَصَالَحَهُ الْوَارِثُ مِنْ خِدْمَتِهِ عَلَى دَرَاهِمَ أَوْ عَلَى سُكْنَى بَيْتٍ، أَوْ عَلَى خِدْمَةِ عَبْدٍ آخَرَ، أَوْ عَلَى رُكُوبِ دَابَّةٍ، أَوْ عَلَى لُبْسِ ثَوْبٍ شَهْرًا فَهُوَ جَائِزٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ مِنْ أَحَدٍ بِبَدَلٍ، وَلِهَذَا لَوْ آجَرَ مِنْهُمْ لَا يَصِحُّ، إِلَّا أَنَّا نَقُولُ: لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَمْلِيكِ إِيَّاهُمْ بِبَدَلٍ، بَلْ هُوَ إِسْقَاطُ حَقِّهِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ بِعَقْدِ الْوَصِيَّةِ بِبَدَلٍ، وَلَفْظَةُ الصُّلْحِ لِفَظَّةٌ تَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ وَتَحْتَمِلُ الْإِسْقَاطَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُهُ تَمْلِيكًا أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ إِسْقَاطًا فَصَحَّحْنَاهُ إِسْقَاطًا، وَهُوَ حَقٌّ مُعْتَبَرٌ يُوَازِي الْمِلْكَ فَاحْتَمَلَ التَّقْوِيمَ بِالشَّرْطِ، إِلَى هُنَا كَلَامُهُ. فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ الْمُوصَى بِهَا مِنْ أَحَدٍ لَمْ يَصِحَّ تَعْلِيلُ جَوَازِ الصُّلْحِ عَنْ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ تُمْلَكُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ فَكَذَا بِالصُّلْحِ، ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمُوصَى لَهُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَمْلِيكِهِ الْمَنْفَعَةَ الْمُوصَى بِهَا حَقِيقَةً إِلَّا أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَمْلِيكِهَا حُكْمًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إِسْقَاطِهَا بِبَدَلٍ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ حَقٌّ مُعْتَبَرٌ يُوَازِي الْمِلْكَ فَاحْتَمَلَ التَّقْوِيمَ، فَمَعْنَى تَعْلِيلِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ جِنْسَ الْمَنَافِعِ يُمْلَكُ حَقِيقَةً بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ، كَمَا إِذَا آجَرَ مِلْكَهُ، فَكَذَا يُمْلَكُ حُكْمًا بِالصُّلْحِ، كَمَا إِذَا صَالَحَ عَنِ الْمَنْفَعَةِ الْمُوصَى بِهَا، فَعَلَى هَذَا يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ كَلَامَيْ الشَّيْخَيْنِ. قَالَ الْإِمَامُ النَّسَفِيُّ فِي الْكَافِي: الصُّلْحُ جَائِزٌ عَنْ دَعْوَى الْمَنَافِعِ بِأَنِ ادَّعَى فِي دَارٍ سُكْنَى سَنَةً وَصِيَّةً مِنْ رَبِّ الدَّارِ، فَجَحَدَهُ أَوْ أَقَرَّ بِهِ فَصَالَحَهُ الْوَارِثُ عَلَى شَيْءٍ جَازَ؛ لِأَنَّهُ جَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا بِالْإِجَارَةِ فَكَذَا بِالصُّلْحِ، انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بَعْدَ نَقْلِ هَذَا: وَنَقَلَ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِىُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ عَلَى مَا مَرَّ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِمَا بَيْنَ مَا نَقَلَ مِنَ الإسبيجابي وَالْكَافِي مِنَ الْمُخَالَفَةِ، وَلَعَلَّ فِي جَوَازِ الْإِجَارَةِ رِوَايَتَيْنِ، فَلْيَتَأَمَّلْ، انْتَهَى. أَقُولُ: الْمُخَالَفَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْفَهْمِ لَا فِي الْمُفْهِمِ؛ لِأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْكَافِي هُوَ أَنَّهُ جَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ جِنْسِ الْمَنَافِعِ بِالْإِجَارَةِ، كَمَا إِذَا آجَرَ مِلْكَهُ، فَكَذَا جَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ بِالصُّلْحِ، كَمَا إِذَا صَالَحَ عَنِ الْمَنْفَعَةِ الْمُوصَى بِهَا كَسُكْنَى دَارٍ سَنَةً مَثَلًا، وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ كَمَا جَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ مَنْفَعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، هِيَ سُكْنَى دَارٍ مَثَلًا وَصِيَّةً مِنْ رَبِّ الدَّارِ بِالْإِجَارَةِ، كَذَلِكَ جَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ بِالصُّلْحِ عَنْهَا حَتَّى تَلْزَمَ الْمُخَالَفَةُ، ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ هَاهُنَا كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي مِنْ أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ لِرَجُلٍ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ سَنَةً وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلْثِهِ فَصَالَحَهُ الْوَارِثُ مِنْ خَدَمْتِهِ عَلَى دَرَاهِمَ أَوْ عَلَى سُكْنَى بَيْتٍ أَوْ عَلَى خِدْمَةِ عَبْدٍ آخَرَ أَوْ عَلَى رُكُوبِ دَابَّةٍ أَوْ عَلَى لُبْسِ ثَوْبٍ شَهْرًا فَهُوَ جَائِزٌ، وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنِ الْمُغْنِي مِنْ أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ لِرَجُلٍ

стр. 413

وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الصُّلْحَ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَقْرَبِ الْعُقُودِ إِلَيْهِ وَأَشْبَهِهَا بِهِ احْتِيَالًا لِتَصْحِيحِ تَصَرُّفِ الْعَاقِدِ مَا أَمْكَنَ قَالَ: (وَيَصِحُّ عَنْ جِنَايَةِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ﴾، الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النِّكَاحِ، حَتَّى أَنَّ مَا صَلَحَ مُسَمًّى فِيهِ صَلَحَ هَاهُنَا إِذْ كُلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِغَيْرِ الْمَالِ إِلَّا أَنَّ عِنْدَ فَسَادِ التَّسْمِيَةِ هُنَا يُصَارُ إِلَى الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا مُوجَبُ الدَّمِ. وَلَوْ صَالَحَ عَلَى خَمْرٍ لَا يَجِبُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِمُطْلَقِ الْعَفْوِ. بِخِدْمَةِ عَبْدٍ سَنَةً وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلْثِ مَالِهِ فَصَالَحَهُ الْوَارِثُ مِنِ الْخِدْمَةِ عَلَى دَرَاهِمَ جَازَ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَالَحَهُ عَلَى خِدْمَةِ عَبْدٍ آخَرَ يَجُوزُ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ لَوْ صَالَحَهُ عَلَى رُكُوبِ دَابَّةٍ شَهْرًا، وَلُبْسِ ثَوْبٍ شَهْرًا فَهُوَ جَائِزٌ، انْتَهَى مُخَالِفٌ لِمَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ؛ فَإِنَّ مَدْلُولَهُمَا جَوَازُ الصُّلْحِ عَنِ الْمَنْفَعَةِ وَإِنِ اتَّحَدَ جِنْسُ الْمَنْفَعَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ جُوِّزَ فِيهِمَا مُصَالَحَةُ الْوَارِثِ عَنْ خِدْمَةِ عَبْدٍ عَلَى خِدْمَةِ عَبْدٍ آخَرَ، وَالْمُصَرَّحُ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُعْتَبَرَاتِ عَدَمُ جَوَازِ الصُّلْحِ عِنْدَ اتِّحَادِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: فَإِنْ كَانَ الْمَنْفَعَتَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، كَمَا إِذَا صَالَحَ مِنْ سُكْنَى دَارٍ عَلَى خِدْمَةِ عَبْدٍ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا، وَمَوْضِعُ الْمَسْأَلَةِ كِتَابُ الْإِجَارَاتِ، وَإِذَا اعْتُبِرَ الصُّلْحُ عَلَى الْمَنَافِعِ إِجَارَةً يَصِحُّ بِمَا يَصِحُّ بِهِ الْإِجَارَاتُ، وَيَفْسُدُ بِمَا يَفْسُدُ بِهِ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّبْيِينِ: إِنَّمَا يَجُوزُ عَنِ الْمَنَافِعِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ إِذَا كَانَتَا مُخْتَلِفَتَيِ الْجِنْسِ، وَإِنْ كَانَتَا مُتَّفِقَتَيْنِ بِأَنْ يُصَالِحَ عَنِ السُّكْنَى عَلَى السُّكْنَى، أَوْ عَنِ الزِّرَاعَةِ عَلَى الزِّرَاعَةِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْمَنْفَعَةِ بِجِنْسِهَا فَكَذَا الصُّلْحُ. وَعِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا بِالْمَنْفَعَةِ فَكَذَا الصُّلْحُ، انْتَهَى إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْتَبَرَاتِ، فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الصُّلْحَ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَقْرَبِ الْعُقُودِ إِلَيْهِ وَأَشْبَهَهَا بِهِ احْتِيَالًا لِتَصْحِيحِ تَصَرُّفِ الْعَاقِلِ مَا أَمْكَنَ). أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ يَقَعُ الصُّلْحُ عَلَى مُجَرَّدِ تَرْكِ الدَّعْوَى مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَيَجُوزُ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، فَإِمْكَانُ حَمْلِ مِثْلِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْعُقُودِ غَيْرُ ظَاهِرٍ سِيَّمَا إِذَا وَقَعَ عَلَى تَرْكِ دَعْوَى جِنَايَةِ الْعُمَدِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النِّكَاحِ حَتَّى أَنَّ مَا صَلَحَ مُسَمَّى فِيهِ صُلْحٌ هَاهُنَا؛ إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِغَيْرِ الْمَالِ)

стр. 414

وَفِي النِّكَاحِ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْفَصْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ الْمُوجَبُ الْأَصْلِيُّ، وَيَجِبُ مَعَ السُّكُوتِ عَنْهُ حُكْمًا، وَيَدْخُلُ فِي إِطْلَاقِ جَوَابِ الْكِتَابِ الْجِنَايَةُ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ الصُّلْحِ عَنْ حَقِ الشُّفْعَةِ عَلَى مَالٍ حَيْثُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ التَّمَلُّكِ، وَلَا حَقَّ فِي الْمَحَلِّ قَبْلَ التَّمَلُّكِ. وَأَمَّا الْقِصَاصُ فَمِلْكُ الْمَحَلِّ فِي حَقِّ الْفِعْلِ فَيَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ تَبْطُلُ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهَا تَبْطُلُ بِالْإِعْرَاضِ وَالسُّكُوتِ، وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ بِمَنْزِلَةِ حَقِ الشُّفْعَةِ حَتَّى لَا يَجِبَ الْمَالُ بِالصُّلْحِ عَنْهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي بُطْلَانِ الْكَفَالَةِ رِوَايَتَيْنِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. قَالَ الشُّرَّاحُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: إِنَّ مَا صَالَحَ مُسَمَّى فِيهِ صُلْحٌ هَاهُنَا، وَلَا يَنْعَكِسُ هَذَا، أَيْ: لَا يُقَالُ: كُلُّ مَا يَصْلُحُ بَدَلًا فِي الصُّلْحِ يَصْلُحُ مُسَمًّى فِي النِّكَاحِ؛ فَإِنَّ هَذَا الْعَكْسَ غَيْرُ لَازِمٍ وَلَا مُلْتَزَمٍ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى أَقَلِّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ مَا دُونُ الْعَشْرَةِ صَدَاقًا، وَلِأَنَّهُ لَوْ صَالَحَ مَنْ عَلَيْهِ الْقَصَاصَ عَلَى أَنْ يَعْفُوَ عَنْ قَصَاصٍ لَهُ عَلَى آخَرَ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحِ الْعَفْوُ عَنِ الْقَصَاصِ صَدَاقًا؛ لِأَنَّ كَوْنَ الصَّدَاقِ مَالًا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، وَبَدَلُ الصُّلْحِ فِي الْقَصَاصِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيُكْتَفَى بِكَوْنِ الْعِوَضِ فِيهِ مُتَقَوَّمًا، وَالْقَصَاصُ مُتَقَوَّمٌ حَتَّى صَلَحَ الْمَالُ عِوَضًا عَنْهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ عِوَضًا عَنْ قَصَاصٍ آخَرَ، انْتَهَى كَلَامُهُمْ. أَقُولُ: هُنَا إِشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ بَدَلُ الصُّلْحِ فِي جِنَايَةِ الْعَمْدِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ كَالْعَفْوِ عَنِ الْقَصَاصِ لَزِمَ أَنْ لَا يَصِحَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ؛ إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِغَيْرِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَنْ جِنَايَةِ الْعَمْدِ فِي صُورَةِ أَنْ صَالَحَ مَنْ صَالَحَ مَنْ عَلَيْهِ الْقَصَاصُ عَلَى الْعَفْوِ عَنْ قَصَاصٍ لَهُ عَلَى آخَرَ لَيْسَ بِمُبَادَلَةِ الْمَالِ بِغَيْرِ الْمَالِ بَلْ هُوَ هُنَاكَ مُبَادَلَةُ غَيْرِ الْمَالِ بِغَيْرِ الْمَالِ، كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَالَ الشُّرَّاحُ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: حَتَّى أَنَّ مَا صَلَحَ مُسَمَّى فِيهِ صُلْحٌ هَاهُنَا، فَلَوْ صَالَحَ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى سُكْنَى دَارٍ أَوْ خِدْمَةِ عَبْدٍ سَنَةً جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَعْلُومَةَ صَلَحَتْ صَدَاقًا فَكَذَا بَدَلًا فِي الصُّلْحِ، وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبَدًا

стр. 415

وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ جِنَايَةُ الْخَطَأِ فَلِأَنَّ مُوجِبَهَا الْمَالُ، فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الزِّيَادَةُ عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ شَرْعًا، فَلَا يَجُوزُ إِبْطَالُهُ فَتُرَدُّ الزِّيَادَةُ، بِخِلَافِ الصُّلْحِ عَنِ الْقِصَاصِ حَيْثُ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِمَالٍ وَإِنَّمَا يَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ، وَهَذَا إِذَا صَالَحَ عَلَى أَحَدِ مَقَادِيرِ الدِّيَةِ، أَمَّا إِذَا صَالَحَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ جَازَ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ بِهَا، إِلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ كَيْ لَا يَكُونَ افْتِرَاقًا عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِأَحَدِ مَقَادِيرِهَا فَصَالَحَ عَلَى جِنْسٍ آخَرَ مِنْهَا بِالزِّيَادَةِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ الْحَقُّ بِالْقَضَاءِ فَكَانَ مُبَادَلَةً، بِخِلَافِ الصُّلْحِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ تَرَاضِيَهُمَا عَلَى بَعْضِ الْمَقَادِيرِ بِمَنْزِلَةِ الْقَضَاءِ فِي حَقِّ التَّعْيِينِ فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا تَعَيَّنَ. أَوْ عَلَى مَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ أَوْ عَلَى غَلَّةِ نَخْلِهِ سِنِينَ مَعْلُومَةً لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْلُحْ صَدَاقًا، فَكَذَا بَدَلًا فِي الصُّلْحِ، انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَهُمْ عَدَمَ جَوَازِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ بِقَوْلِهِمْ: لِأَنَّهُ لَمْ يَصْلُحْ صَدَاقًا، فَكَذَا بَدَلًا فِي الصُّلْحِ، يُنَافِي قَوْلَهُمْ بِأَنَّ الْعَكْسَ هَاهُنَا غَيْرُ لَازِمٍ وَلَا مُلْتَزَمٍ؛ فَإِنَّ صِحَّةَ التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرُوا يُبْتَنَى عَلَى لُزُومِ الْعَكْسِ وَالْتِزَامِهِ. فَالصَّوَابُ تَعْلِيلُ عَدَمِ جَوَازِ الصُّلْحِ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ بِجَهَالَةِ الْمَصَالَحِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ؛ لِئَلَّا يَصْلُحَ صَدَاقًا فَإِنَّ جَهَالَتَهُ تُفْسِدُ الصُّلْحَ فِيمَا احْتِيجَ فِيهِ إِلَى التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي حَاشِيَتِهِ عَنْ قَوْلِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ: وَلَا يُتَوَهَّمُ لُزُومُ الْعَكْسِ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ وَلَا مُلْتَزَمٍ، لَكِنْ قَالَ فِي الْمُحِيطِ: إِذَا صَالَحَهُ عَلَى وَصَيْفٍ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ شَرْعِ الْمَسَائِلِ أَنَّ مَا صَلَحَ مَهْرًا فِي النِّكَاحِ صَلَحَ بَدَلًا فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَمَا لَا فَلَا، وَالْوَصِيفُ يَصْلُحُ مَهْرًا فِي النِّكَاحِ وَيَصْرِفُ مُطْلَقَهُ إِلَى الْوَسَطِ فَكَذَا يَصْلُحُ بَدَلًا فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَمُطَلَقُهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْوَسَطِ، انْتَهَى. وَالْمَقْصُودُ قَوْلُهُ: وَمَا لَا فَلَا، فَلْيَتَأَمَّلْ، فَإِنَّ فِيهِ مُخَالَفَةً أُخْرَى لِقَوْلِهِ عِنْدَ فَسَادِ التَّسْمِيَةِ: يُصَارُ إِلَى الدِّيَةِ، إِلَى هُنَا كَلَامُ ذَلِكَ الْبَعْضِ. أَقُولُ: لَا مُخَالَفَةَ فِيهِ لِقَوْلِهِ عِنْدَ فَسَادِ التَّسْمِيَةِ: يُصَارُ إِلَى الدِّيَةِ؛ إِذْ لَا فَسَادَ فِي التَّسْمِيَةِ فِيمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ؛ لِأَنَّ فَسَادَ التَّسْمِيَةِ بِجَهَالَةٍ فَاحِشَةٍ وَلَيْسَ فِي الْوَصِيفِ جَهَالَةٌ فَاحِشَةٌ سِيَّمَا إِذَا انْصَرَفَ مُطَلَقُهُ إِلَى الْوَسَطِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ، وَلِهَذَا يَصْلُحُ مَهْرًا فِي النِّكَاحِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا سُتْرَةَ بِهِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ جِنَايَةُ الْخَطَأِ فَلِأَنَّ مُوجِبَهَا الْمَالُ، فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ). أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الصُّلْحَ إِذَا كَانَ عَلَى جِنْسِ مَا اسْتَحَقَّهُ

стр. 416

قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ عَنْ دَعْوَى حَدِّ) لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا حَقُّهُ، وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْ حَقِّ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ نَسَبَ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْوَلَدِ لَا حَقُّهَا، وَكَذَا لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَمَّا أَشْرَعَهُ إِلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَامَّةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالَحَ وَاحِدٌ عَلَى الِانْفِرَادِ عَنْهُ؛ وَيَدْخُلُ فِي إِطْلَاقِ الْجَوَابِ حَدُّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ حَقُّ الشَّرْعِ. قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا وَهِيَ تَجْحَدُ فَصَالَحَتْهُ عَلَى مَالٍ بَذَلَتْهُ حَتَّى يَتْرُكَ الدَّعْوَى جَازَ، وَكَانَ فِي مَعْنَى الْخُلْعِ)؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ خُلْعًا فِي جَانِبِهِ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِ، وَفِي جَانِبِهَا بَدَلًا لِلْمَالِ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ. قَالُوا: وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا كَانَ مُبْطِلًا فِي دَعْوَاهُ. قَالَ (وَإِذَا ادَّعَتِ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ نِكَاحًا فَصَالَحَهَا عَلَى مَالٍ بَذَلَهُ لَهَا جَازَ) قَالَ ﵁: هَكَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُخْتَصَرِ، وَفِي بَعْضِهَا قَالَ: لَمْ يَجُزْ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنْ يَجْعَلَ زِيَادَةً فِي مَهْرِهَا. وَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ بَذَلَ لَهَا الْمَالَ لِتَتْرُكَ الدَّعْوَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اسْتَوْفَى بَعْضَ حَقِّهِ وَأَسْقَطَ بَاقِيَهُ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ أَيْضًا فِي بَابِ الصُّلْحِ فِي الدَّيْنِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الصُّلْحَ عَنْ جِنَايَةِ الْخَطَأِ إِذَا كَانَ عَلَى أَحَدِ مَقَادِيرُ الدِّيَةَ مُطْلَقًا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِأَحَدٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ أَوْ كَانَ عَلَى جِنْسِ مَا قَضَى الْقَاضِي بِهِ بَعْدَ أَنْ قَضَى بِأَحَدِ مَقَادِيرِهَا بِعَيْنِهِ كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ فَلَمْ يَتِمَّ إِطْلَاقُ قَوْلِهِ: فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنْ يَجْعَلَ زِيَادَةً فِي مَهْرِهَا)، أَيْ: أَنْ يَجْعَلَ كَأَنَّهُ زَادَ فِي مَهْرِهَا، ثُمَّ خَالَعَهَا عَلَى أَصْلِ الْمَهْرِ دُونَ الزِّيَادَةِ، فَسَقَطَ الْأَصْلُ دُونَ الزِّيَادَةِ، كَذَا فِي الْكَافِي وَكَثِيرٍ مِنَ الشُّرُوحِ. قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَفِيهِ نَظَرُ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي دَعْوَاهَا النِّكَاحُ وَصُلْحُ الرَّجُلِ عَنْهُ عَلَى مَالٍ، وَالصُّلْحُ عَنْ نِكَاحٍ عَلَى مَالٍ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْكِ النِّكَاحِ بِمَالٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْمَهْرِ، اهـ. أَقُولُ: هَذَا كَلَامٌ خَالٍ عَنِ التَّحْصِيلِ، فَإِنَّ كَوْنَ الصُّلْحِ عَنِ النِّكَاحِ عَلَى مَالٍ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْكِ النِّكَاحِ بِمَالٍ لَا يُنَافِي كَوْنَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْمَهْرِ، بَلْ يَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ النِّكَاحِ بِلَا فُرْقَةٍ مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ شَرْعًا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَجْعَلَ تَرْكَ النِّكَاحِ بِمَالٍ فُرْقَةً بِبَدَلٍ وَهِيَ الْخُلْعُ، وَلَمَّا جُعِلَ خُلْعًا سَقَطَ أَصْلُ الْمَهْرِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُجْعَلَ مَا بَذَلَهُ لَهَا زِيَادَةً فِي الْمَهْرِ، وَهَذَا وَجْهٌ

стр. 417

فَإِنْ جُعِلَ تَرْكُ الدَّعْوَى مِنْهَا فُرْقَةً فَالزَّوْجُ لَا يُعْطِي الْعِوَضَ فِي الْفُرْقَةِ، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ فَالْحَالُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّعْوَى، فَلَا شَيْءَ يُقَابِلُهُ الْعِوَضُ، فَلَمْ يَصِحَّ. قَالَ: (وَإِنِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ، فَصَالَحَهُ عَلَى مَالٍ أَعْطَاهُ جَازَ، وَكَانَ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي بِمَنْزِلَةِ الْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ)؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي حَقِّهِ لِزَعْمِهِ؛ وَلِهَذَا يَصِحُّ عَلَى حَيَوَانٍ فِي الذِّمَّةِ إِلَى أَجَلٍ وَفِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَكُونُ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ حُرًّا فَجَازَ إِلَّا أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لَهُ لِإِنْكَارِ الْعَبْدِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ فَتُقْبَلَ وَيَثْبُتَ الْوَلَاءُ. قَالَ (وَإِذَا قَتَلَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ رَجُلًا عَمْدًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ لَهُ رَجُلًا عَمْدًا فَصَالَحَهُ جَازَ) وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ رَقَبَتَهُ لَيْسَتْ مِنْ تِجَارَتِهِ؛ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بَيْعًا فَكَذَا اسْتِخْلَاصًا بِمَالِ الْمَوْلَى وَصَارَ كَالْأَجْنَبِيِّ، لَا غُبَارَ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ جَعَلَ تَرْكَ الدَّعْوَى مِنْهَا فُرْقَةً، فَالزَّوْجُ لَا يُعْطَى الْعِوَضَ فِي الْفُرْقَةِ)؛ إِذْ لَا يُسَلَّمُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْفُرْقَةِ، وَإِنَّمَا الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي تُسَلَّمُ لَهَا نَفْسُهَا، وَتَتَخَلَّصُ عَنِ الزَّوْجِ، كَذَا فِي الْكَافِي وَكَثِيرٍ مِنَ الشُّرُوحِ. أَقُولُ: لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ قَوْلَهُمْ؛ إِذْ لَا يُسَلَّمُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْفُرْقَةِ؛ فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ لَهُ مِنْهَا أَصْلُ الْمَهْرِ؛ إِذْ لَوْلَا هَذِهِ الْفُرْقَةُ لَلَزِمَهُ مَهْرُهَا عِنْدَ إِثْبَاتِهَا النِّكَاحَ، فَجَازَ أَنْ يُعْطَى الزَّوْجُ الْعِوَضَ لِيُسَلَّمَ لَهُ الْمَهْرُ فِي ضِمْنِ هَاتِيكَ الْفُرْقَةِ الَّتِي هِيَ فِي مَعْنَى الْخُلْعِ. فَإِنْ قُلْتَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ فَالزَّوْجُ لَا يُعْطَى الْعِوَضَ بِنَاءً عَلَى وُقُوعِ هَذِهِ الْفُرْقَةِ مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ، كَمَا يُشْعِرُ بِهِ تَقْرِيرُ تَاجِ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ؛ حَيْثُ قَالَ: يَعْنِي أَنَّ هَذَا الصُّلْحَ إِنْ جَعَلَ فُرْقَةً فَلَا عِوَضَ فِي الْفُرْقَةِ مِنْ جَانِبِهَا عَلَى الزَّوْجِ، كَالْمَرْأَةِ إِذَا مَكَّنَتِ ابْنَ زَوْجِهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، انْتَهَى. وَيُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ: فَإِنْ جُعِلَ تَرْكُ الدَّعْوَى مِنْهَا فُرْقَةً فَلَا عِوَضَ عَلَى الزَّوْجِ فِي الْفُرْقَةِ، كَمَا إِذَا مَكَّنَتِ

стр. 418

أَمَّا عَبْدُهُ فَمِنْ تِجَارَتِهِ، وَتَصَرُّفُهُ فِيهِ نَافِذٌ بَيْعًا فَكَذَا اسْتِخْلَاصًا، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ كَالزَّائِلِ عَنْ مِلْكِهِ وَهَذَا شِرَاؤُهُ فَيَمْلِكُهُ. قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ ثَوْبًا يَهُودِيًّا قِيمَتُهُ دُونَ الْمِائَةِ فَاسْتَهْلَكَهُ فَصَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَبْطُلُ الْفَضْلُ عَلَى قِيمَتِهِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ هِيَ الْقِيمَةُ، وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ، فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا تَكُونُ رِبًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا صَالَحَ عَلَى عَرَضٍ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَظْهَرُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَبِخِلَافِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَلَا تَظْهَرُ الزِّيَادَةُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حَقَّهُ فِي الْهَالِكِ بَاقٍ حَتَّى لَوْ كَانَ عَبْدًا وَتَرَكَ أَخْذَ الْقِيمَةِ يَكُونُ الْكَفَنُ عَلَيْهِ، أَوْ حَقَّهُ فِي مِثْلِهِ صُورَةً وَمَعْنًى؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْعُدْوَانِ بِالْمِثْلِ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْقِيمَةِ بِالْقَضَاءِ، فَقَبِلَهُ إِذَا تَرَاضَيَا عَلَى الْأَكْثَرِ كَانَ اعْتِيَاضًا فَلَا يَكُونُ رِبًا، بِخِلَافِ الصُّلْحِ بَعْدَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ انْتَقَلَ إِلَى الْقِيمَةِ. ابْنَ زَوْجِهَا، انْتَهَى. فَمَاذَا حَالُ هَذَا الْمَعْنَى؟ قُلْتُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: وُقُوعُ الْفُرْقَةِ مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ إِنَّمَا يَمْنَعُ إِعْطَاءَ الزَّوْجِ الْعِوَضُ لَوْ كَانَتْ هِيَ مُسْتَقِلَّةٌ فِي مُبَاشَرَةِ سَبَبِ الْفُرْقَةِ، كَمَا إِذَا مَكَّنَتِ ابْنَ زَوْجِهَا، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مُبَاشَرَتُهَا بِسَبَبِ الْفُرْقَةِ بِرَأْيِ الزَّوْجِ وَرِضَاهُ، كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ إِذَا كَانَ تَرْكُهَا دَعْوَى النِّكَاحِ فِيهِ بِطَلَبِ الزَّوْجِ وَرِضَاهُ؛ حَيْثُ تَصَالَحَا عَنْهُ عَلَى مَالٍ بَذَلَهُ لَهَا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ يَمْنَعُ إِعْطَاءَ الزَّوْجِ الْعِوَضَ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَكِ أَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي يَنْوِي بِذَلِكَ الطَّلَاقَ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا ذَلِكَ، فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ لَزِمَهُ مَهْرُهَا قَطْعًا، فَلَمْ يَكُنْ وُقُوعُ الْفُرْقَةِ مِنْ جَانِبِهَا هُنَاكَ مَانِعًا عَنْ وُجُوبِ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجِ، كَمَا كَانَ مَانِعًا عَنْهُ فِيمَا إِذَا مَكَّنَتِ ابْنَ زَوْجِهَا، فَكَذَا هَاهُنَا لَا يَكُونُ وُقُوعُهَا مِنْ جَانِبِهَا مَانِعًا عَنْ لُزُومِ إِعْطَاءِ الزَّوْجِ الْعِوَضَ، فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: أَوْ حَقَّهُ فِي مِثْلِهِ صُورَةً وَمَعْنًى؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْعُدْوَانِ بِالْمِثْلِ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْقِيمَةِ بِالْقَضَاءِ … إِلَخْ). قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَفِى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ

стр. 419

قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ، فَصَالَحَهُ الْآخَرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ فَالْفَضْلُ بَاطِلٌ)، وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِمَا بَيَّنَّا. وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْقِيمَةَ فِي الْعِتْقِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي الْقِيَمِيِّ، وَذَكَرَ فِي الدَّلِيلِ الْمِثْلَ، فَإِنَّ وُجُوبَ الْمِثْلِ صُورَةٌ وَمَعْنًى إِنَّمَا هُوَ فِي الْمِثْلِيَّاتِ، وَلَا يُصَارُ فِيهَا إِلَى الْقِيمَةِ إِلَّا إِذَا انْقَطَعَ الْمُثْلَى فَحِينَئِذٍ يُصَارُ إِلَيْهَا، انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: قَدْ غَلِطَ فِي اسْتِخْرَاجِ هَذَا الْمَقَامِ، فَحَمَلَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى التَّسَامُحِ، وَمَنْشَأُ ذَلِكَ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِالْحَقِّ فِي قَوْلِهِ: أَوْ حَقَّهُ فِي مِثْلِهِ صُورَةً وَمَعْنًى هُوَ حَقُّ الْأَخْذِ، وَهَذَا غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي الْقِيمِيَّاتِ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْمِثْلِ فَرَّعٌ وَجَوَّدَهُ، وَوُجُودُ الْمِثْلِ صُورَةً وَمَعْنًى إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمِثْلِيَّاتِ، وَلَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِهِ ذَلِكَ قَطْعًا، بَلْ إِنَّمَا مُرَادُهُ بِهِ حَقُّ تَعَلُّقِ الْمِلْكِ بِجِهَةِ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّةِ الْغَاصِبِ حَقٌّ لِلْمَالِكِ مِثْلَ الْهَالِكِ صُورَةً وَمَعْنًى، وَهَذَا الْحَقُّ يُتَصَوَّرُ فِي الْقِيمِيَّاتِ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ حَقُّ الْأَخْذِ إِلَّا فِي الْمِثْلِيَّاتِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقِيمِيَّاتِ فِي الذِّمَّةِ مُمْكِنٌ كَالْحَيَوَانِ وَالثَّوْبِ فِي النِّكَاحِ وَالدِّيَةِ وَغَيْرِهِمَا عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ. وَمِمَّا يُفْصِحُ عَمَّا قُلْنَا مَا ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَنُقِلَ عَنْهَا فِي النِّهَايَةِ بِأَنْ قَالَ: وَالْوَجْهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ هَذَا اعْتِيَاضٌ عَنِ الثَّوْبِ وَالْحَيَوَانِ حُكْمًا، فَيَجُوزُ بَالِغًا مَا بَلَغَ كَالِاعْتِيَاضِ عَنِ الثَّوْبِ الْقَائِمِ وَالْحَيَوَانِ الْقَائِمِ حَقِيقَةً. وَإِنَّمَا قُلْنَا:

стр. 420

وَتَقْدِيرُ الشَّرْعِ لَا يَكُونُ دُونَ تَقْدِيرِ الْقَاضِي، فَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، وَبِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا (وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى عُرُوضٍ جَازَ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ الْفَضْلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (بَابُ التَّبَرُّعِ بِالصُّلْحِ وَالتَّوْكِيلِ بِهِ) (وَمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا بِالصُّلْحِ عَنْهُ فَصَالَحَ لَمْ يَلْزَمِ الْوَكِيلَ مَا صَالَحَ عَنْهُ إِلَّا أَنْ يَضْمَنَهُ، إِنَّ هَذَا اعْتِيَاضٌ عَنِ الثَّوْبِ وَالْحَيَوَانِ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّةِ الْغَاصِبِ حَقًّا لِلْمَالِكِ مِثْلَ الْحَيَوَانِ وَالثَّوْبِ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ عُدْوَانٍ، فَيَكُونُ مُقَيَّدًا بِالْمِثْلِ. وَالْمِثْلُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ هُوَ الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى؛ وَلِهَذَا كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِهِ فِي غَيْرِ الثَّوْبِ وَالْحَيَوَانِ، نَحْوَ الْمُكَيَّلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ، وَإِيجَابُ الْحَيَوَانِ وَالثَّوْبِ فِي الذِّمَّةِ مُمْكِنٌ، كَمَا فِي النِّكَاحِ وَالدِّيَةِ، إِلَّا أَنَّ عِنْدَ الْأَخْذِ يُصَارُ إِلَى الْقِيمَةِ ضَرُورَةَ أَنَّ أَخْذَ الْمِثْلِ صُورَةً وَمَعْنًى غَيْرُ مُمْكِنٍ إِلَّا بِسَابِقَةِ التَّقْوِيمِ، وَالْآخِذُ وَالدَّافِعُ لَا يَعْرِفَانِ ذَلِكَ حَقِيقَةً لِمَا فِيهِ مِنَ التَّفَاوُتِ الْفَاحِشِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِذَلِكَ، فَصَحَّ مَا ادَّعَيْنَا أَنَّ هَذَا اعْتِيَاضٌ عَنِ الثَّوْبِ وَالْحَيَوَانِ، فَيَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ، انْتَهَى. وَالْعَجَبُ مِنْ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ أَنَّهُ بَعْدَ مَا نَظَرَ إِلَى النِّهَايَةِ وَسَائِرِ الْمُعْتَبِرَاتِ وَاطَّلَعَ عَلَى مَا فِيهَا كَيْفَ وَقَعَ فِي تِلْكَ الْوَرْطَةِ؟ ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمِثْلِيَّ إِذَا انْقَطَعَ حُكْمُهُ كَالْقِيمِيِّ لَا يُنْتَقَلُ فِيهِ إِلَى الْقِيمَةِ إِلَّا بِالْقَضَاءِ فَقَبِلَهُ إِنْ تَرَاضَيَا عَلَى الْأَكْثَرِ كَانَ اعْتِيَاضًا فَلَا يَكُونُ رِبًا بِخِلَافِ الصُّلْحِ بَعْدَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدِ انْتَقَلَ إِلَى الْقِيمَةِ، انْتَهَى. أَقُولُ: عُذْرُهُ أَقْبَحُ مِنْ ذَنْبِهِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ هَاهُنَا لَيْسَ بِصَدَدِ بَيَانِ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى تُفِيدَ إِشَارَتُهُ إِلَى اشْتِرَاكِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْحُكْمِ شَيْئًا، بَلْ هُوَ هَاهُنَا فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الصُّلْحِ عَنِ الثَّوْبِ الْمُسْتَهْلَكِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ قِيمَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يُفِدِ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُدَّعِي بِنَاءً عَلَى كَوْنِ الْمُدَّعِي فِي الْقِيمِيِّ، وَكَوْنِ الدَّلِيلِ مَخْصُوصًا بِالْمِثْلِيِّ، كَمَا زَعَمَهُ لَا يُتِمُّ الْمَطْلُوبُ، فَيَخْتَلُّ الْكَلَامُ لِعَدَمِ إِيفَائِهِ حَقَّ الْمَقَامِ، وَلَا تُجْدِي الْإِشَارَةُ إِلَى أَمْرٍ أَجْنَبِيٍّ عَنِ الصَّدَدِ نَفْعًا، كَمَا لَا يَخْفَى. (بَابُ التَّبَرُّعِ بِالصُّلْحِ وَالتَّوْكِيلِ بِهِ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: لِمَا كَانَ تَصَرُّفُ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ أَصْلًا قَدَّمَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالتَّبَرُّعِ بِالصُّلْحِ لِمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْعَمَلِ لِغَيْرِهِ مُتَبَرِّعٌ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ وَصَاحِبُ الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: إِنَّ قَوْلَهُمْ هُوَ الْمُرَادُ بِالتَّبَرُّعِ بِالصُّلْحِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالتَّبَرُّعِ بِالصُّلْحِ هَاهُنَا مُجَرَّدَ التَّصَرُّفِ لِغَيْرِهِ لَكَانَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالتَّوْكِيلِ بِهِ مُسْتَدْرِكًا لِتَنَاوُلِ التَّبَرُّعِ بِالصُّلْحِ بِمَعْنَى مُجَرَّدِ التَّصَرُّفِ لِغَيْرِهِ مَا حَصَلَ بِالتَّوْكِيلِ بِهِ أَيْضًا، فَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّبَرُّعِ بِالصُّلْحِ هَاهُنَا هُوَ الصُّلْحُ عَنْ آخَرَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَبِالتَّوْكِيلِ بِهِ هُوَ الصُّلْحُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ، وَكِلْتَا الصُّورَتَيْنِ مَذْكُورَتَانِ فِي هَذَا الْبَابِ فَيَسْلَمُ مَا ذُكِرَ فِي عُنْوَانِ الْبَابِ عَنْ الِاسْتِدْرَاكِ. بَقِيَ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالصُّلْحِ فِعْلُ الْمُوَكِّلِ، وَهُوَ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ لِنَفْسِهِ فَلَا يَتِمُّ وَجْهُ التَّقْدِيمِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِالنَّظَرِ

стр. 421

وَالْمَالُ لَازِمٌ لِلْمُوَكِّلِ) وَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ أَوْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ بَعْضِ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ مَحْضٌ فَكَانَ الْوَكِيلُ فِيهِ سَفِيرًا وَمُعَبِّرًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَالْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ إِلَّا أَنْ يَضْمَنَهُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ هُوَ مُؤَاخَذٌ بِعَقْدِ الضَّمَانِ لَا بِعَقْدِ الصُّلْحِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، فَتَرْجِعُ الْحُقُوقُ إِلَى الْوَكِيلِ فَيَكُونُ الْمُطَالِبُ بِالْمَالِ هُوَ الْوَكِيلُ دُونَ الْمُوَكِّلِ. إِلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الْعُنْوَانِ: وَالتَّوْكِيلِ بِهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّوْكِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الْعُنْوَانِ مُصْدَرٌ مِنَ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى التَّوَكُّلِ، وَهُوَ تَصَرُّفٌ لِلْغَيْرِ. فَإِنْ قُلْتَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ وَالتَّوَكُّلُ بِهِ بَدَلَ قَوْلُهُ: وَالتَّوْكِيلُ بِهِ، حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إِلَى الْبَيَانِ بِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنَ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ. قُلْتُ: فَائِدَةُ التَّعْبِيرِ عَنِ التَّوَكُّلِ بِالتَّوْكِيلِ هِيَ الْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّوَكُّلَ الْحَاصِلَ بِالتَّوْكِيلِ وَهُوَ التَّوَكُّلُ بِأَمْرِ الْغَيْرِ الَّذِي هُوَ الْمُوَكِّلُ، لَا الْمُبَاشَرَةُ بِنَفْسِهِ بِدُونِ أَمْرِ الْغَيْرِ، وَهُوَ التَّبَرُّعُ بِالصُّلْحِ، فَيَنْدَفِعُ بِهِ تَوَهَّمُ الِاسْتِدْرَاكِ، تَأْمَّلْ؛ فَإِنَّهُ مَعْنًى لَطِيفٌ. (قَوْلُهُ: وَالْمَالُ لَازِمٌ لِلْمُوَكِّلِ). قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ: وَالْمَالُ لَازِمٌ عَلَى الْمُوَكِّلِ، انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَاللَّامُ فِي لِلْمُوَكِّلِ بِمَعْنَى عَلَى، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، أَيْ: فَعَلَيْهَا. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ؛ حَيْثُ قَالَ: وَالْمَالُ لَازِمٌ لِلْمُوَكِّلِ، أَيْ: عَلَى الْمُوَكِّلِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، أَيْ: فَعَلَيْهَا، انْتَهَى. ٥٠ أَقُولُ: لَا وَجْهَ لِحَمْلِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: وَالْمَالُ لَازِمٌ لِلْمُوَكِّلِ عَلَى مَعْنَى "عَلَى"؛ لِأَنَّ لِلْمُوَكِّلِ مُتَعَلِّقٌ بِلَازِمٍ، وَكَلِمَةُ اللُّزُومِ تَتَعَدَّى بِنَفْسِهَا وَبِالْبَاءِ، يُقَالُ: لَزِمَهُ وَلَزِمَ بِهِ، وَلَا تَتَعَدَّى بِعَلَى، فَلَوْ جَعَلَ اللَّامَ هُنَا بِمَعْنَى عَلَى لَزِمَ تَعْدِيَةُ اللُّزُومِ بِعَلَى، وَلَمْ تُسْمَعْ قَطُّ، فَالصَّحِيحُ أَنْ تَبْقَى اللَّامُ فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ عَلَى حَالِهَا، وَيَكُونُ إِقْحَامُهَا لِتَقْوِيَةِ الْعَمَلِ، فَالْمَعْنَى وَالْمَالُ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ، وَإِدْخَالُ اللَّامِ عَلَى مَعْمُولِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ بِأَنْفُسِهَا لِتَقْوِيَةِ الْعَمَلِ شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾؛ لِأَنَّ اللَّامَ فِي " فَلَهَا " هُنَاكَ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ، كَمَا لَا يَخْفَى، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةً عَلَى صِلَةٍ لَهُ، فَلَا ضَيْرَ فِي أَنْ يَحْمِلَ اللَّامِ هُنَاكَ عَلَى مَعْنَى عَلَى، تَأَمَّلْ تَقَفَّ. (قَوْلُهُ: وَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ أَوْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ بَعْضِ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الدَّيْنِ … إِلَخْ). قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنَ التَّأْوِيلِ لَا يَكْفِي لِتَأْوِيلِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ فِيهِ قَيْدًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ فَلَا يَجِبُ بَدَلَ الصُّلْحِ عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي بَابِ الصُّلْحِ فِي الْعَقَارِ: وَلَوِ ادَّعَى رَجُلٌ فِي دَارِ رَجُلٍ حَقًّا فَصَالَحَهُ عَنْهُ آخَرُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَلَا يَجِبُ الْمَالُ عَلَى الْمُصَالِحِ إِلَّا أَنْ يُضَمِّنَهُ الَّذِي صَالَحَهُ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الْإِنْكَارِ مُعَاوَضَةٌ بِإِسْقَاطِ الْحَقِّ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ بِجُعْلٍ وَالْعَفْوِ عَنِ الْقَصَّاصِ بِمَالٍ، وَذَلِكَ جَائِزٌ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، كَمَا يَجُوزُ مَعَ الْخَصْمِ، انْتَهَى. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ الشُّرَّاحِ فِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يَكْفِي لِتَأْوِيلِ الْمَسْأَلَةِ، بَلْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَيْدٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الصُّلْحُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ عَلَى الْإِنْكَارِ. أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ:

стр. 422

قَالَ (وَإِنْ صَالَحَ رَجُلٌ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إِنْ صَالَحَ بِمَالٍ وَضَمِنَهُ تَمَّ الصُّلْحُ) لِأَنَّ الْحَاصِلَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَيْسَ إِلَّا الْبَرَاءَةَ وَفِي حَقِّهَا هُوَ وَالْأَجْنَبِيُّ سَوَاءٌ، فَصُلْحٌ أَصِيلًا فِيهِ إِذَا ضَمِنَهُ، كَالْفُضُولِيِّ بِالْخُلْعِ إِذَا ضَمِنَ الْبَدَلَ، وَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ بِأَمْرِهِ وَلَا يَكُونُ لِهَذَا الْمُصَالِحِ شَيْءٌ مِنَ الْمُدَّعَى، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ لِأَنَّ تَصْحِيحَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْقَاطِ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ مُقِرًّا أَوْ مُنْكِرًا (وَكَذَلِكَ إِنْ قَالَ صَالَحْتُكَ عَلَى أَلْفَيِّ هَذِهِ أَوْ عَلَى عَبْدِي هَذَا صَحَّ الصُّلْحُ وَلَزِمَهُ تَسْلِيمُهَا) لِأَنَّهُ لَمَّا أَضَافَهُ إِلَى مَالِ نَفْسِهِ فَقَدِ الْتَزَمَ تَسْلِيمَهُ فَصَحَّ الصُّلْحُ (وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَلْفٌ وَسَلَّمَهَا) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ إِلَيْهِ يُوجِبُ سَلَامَةَ الْعِوَضِ لَهُ فَيَتِمُّ الْعَقْدُ لِحُصُولِ مَقْصُودِهِ (وَلَوْ قَالَ صَالَحْتُكَ عَلَى أَلْفٍ فَالْعَقْدُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ أَجَازَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ جَازَ وَلَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ بَطَلَ) لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَقْدِ إِنَّمَا هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْخُصُومَةِ حَاصِلٌ لَهُ، إِلَّا أَنَّ الْفُضُولِيَّ يَصِيرُ أَصِيلًا بِوَاسِطَةِ إِضَافَةِ الضَّمَانِ إِلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا لَمْ يُضِفْهُ بَقِيَ عَاقِدًا مِنْ جِهَةِ الْمَطْلُوبِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ. قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ عَصَمَهُ اللَّهُ: وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنْ يَقُولَ صَالَحْتُكَ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفِ أَوْ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا عَيَّنَهُ لِلتَّسْلِيمِ صَارَ شَارِطًا سَلَامَتَهُ لَهُ فَيَتِمُّ بِقَوْلِهِ. وَلَوِ اسْتَحَقَّ الْعَبْدَ أَوْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّهُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْمُصَالِحِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْإِيفَاءَ مِنْ مَحَلٍّ بِعَيْنِهِ وَلَمْ يَلْتَزِمْ شَيْئًا سِوَاهُ، فَإِنْ سَلِمَ الْمَحَلُّ لَهُ تَمَّ الصُّلْحُ، وَإِنْ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. بِخِلَافِ مَا إِذَا صَالَحَ عَلَى دَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ وَضَمِنَهَا وَدَفَعَهَا ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ، أَوْ وَجَدَهَا زُيُوفًا؛ حَيْثُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ أَصِيلًا فِي حَقِ الضَّمَانِ؛ وَلِهَذَا يُجْبَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا سَلَّمَهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِبَدَلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ أَمَّا إِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، فَتَرْجِعُ الْحُقُوقُ إِلَى الْوَكِيلِ مِنْ تَتِمَّةِ تَأْوِيلِهِ. وَمَقْصُودُهُ مِنْهُ تَعْمِيمُ جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ لِكُلِّ مَا لَمْ يَكُنِ الصُّلْحُ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ لَا تَرْجِعُ الْحُقُوقُ إِلَى الْوَكِيلِ بَلْ تَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ، كَمَا ذَكَرَ فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ. وَفَائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي ابْتِدَاءِ التَّأْوِيلِ مِنَ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَالصُّلْحُ عَلَى بَعْضِ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الدَّيْنِ إِنَّمَا هُوَ بِطْرِيقِ التَّمْثِيلِ لَا بِطْرِيقِ تَخْصِيصِ جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِجَرَيَانِهِ قَطْعًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، كَالصُّلْحِ عَنْ جِنَايَةِ الْعَمْدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَالصُّلْحُ عَنْ كُلِّ عَقْدٍ يَكُونُ الْوَكِيلُ فِيهِ سَفِيرًا مَحْضًا كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَغَيْرِهِمَا، وَإِذْ قَدْ تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدَ فُهِمَ دُخُولُ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ فِي جَوَابِ هَاتِيكَ الْمَسْأَلَةِ وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ؛ إِذْ قَدْ تَحَقَّقَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الْإِنْكَارِ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ لِافْتِدَاءِ الْيَمِينِ وَقَطْعِ الْخُصُومَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُعَاوَضَةٌ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ حُكْمُ الْعَقْدِ فِي حَقِّهِمَا فَلَمْ يَكُنِ الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ صُلْحًا عَنْ مَالٍ بِمَالٍ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الْإِنْكَارِ مُعَاوَضَةٌ بِإِسْقَاطِ الْحَقِّ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ بِجُعْلٍ، وَالْعَفْوِ عَنِ الْقَصَّاصِ بِمَالٍ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ هُوَ الْوِكَالَةُ مِنْ قِبَلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَتَمَّ الْمَطْلُوبُ بِدُونِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى التَّصْرِيحِ بِقَيْدٍ آخَرَ، تَفَكَّرْ.

стр. 423

(بَابُ الصُّلْحِ فِي الدَّيْنِ) (وَكُلُّ شَيْءٍ وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اسْتَوْفَى بَعْضَ حَقِّهِ وَأَسْقَطَ بَاقِيَهُ، (بَابُ الصُّلْحِ فِي الدَّيْنِ) (قَوْلُهُ: وَكُلُّ شَيْءٍ وَقْعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اسْتَوْفَى بَعْضَ حَقِّهِ وَأَسْقَطَ بَاقِيَهِ). أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ كُلِّيَّةَ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَى قَوْلِهِ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ مُسَلَّمَةٌ، وَأَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى قَوْلِهِ وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اسْتَوْفَى بَعْضَ حَقِّهِ وَأَسْقَطَ بَاقِيَهُ فَمَمْنُوعَةٌ؛ لِأَنَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ إِذَا كَانَ عَلَى مِثْلِ حَقِّهِ قَدْرًا وَوَصْفًا، كَمَا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ جِيَادٍ فَصَالَحَ عَنْ ذَلِكَ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ جِيَادٍ يُحْمَلُ عَلَى اسْتِيفَاءِ عَيْنِ حَقِّهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُعْتَبِرَاتِ كَالْبَدَائِعِ وَالتُّحْفَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَيْسَ فِيهِ إِسْقَاطُ شَيْءٍ قَطُّ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْوِقَايَةِ: وَصُلْحُهُ عَلَى بَعْضٍ مِنْ جِنْسِ مَالِهِ عَلَيْهِ أَخْذًا لِبَعْضِ حَقِّهِ، وَحَطًّا لِبَاقِيهِ لَا مُعَاوَضَةً، انْتَهَى. وَيُمْكِنُ أَنْ يُعْتَذَرَ عَمَّا فِي الْكِتَابِ بِأَنَّهُ خَارِجٌ مُخْرِجٌ الْعَادَةَ، فَإِنَّ الْمُعْتَادَ أَنْ يَكُونَ الصُّلْحُ عَلَى أَقَلِّ مِنَ الْمُدَّعَى لَا عَلَى مِثْلِهِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ عَلَى مِثْلِ الْمُدَّعِي. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهَاهُنَا يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِي لَفْظِ الرِّوَايَةِ قَيْدٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: وَكُلُّ شَيْءٍ وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى بَيْعِ الصَّرْفِ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى بَيْعِ الصَّرْفِ

стр. 424

كَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ، وَكَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفٌ جِيَادٌ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ زُيُوفٍ جَازَ وَكَأَنَّهُ أَبْرَأَهُ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ) وَهَذَا لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْعَاقِلِ يَتَحَرَّى تَصْحِيحَهُ مَا أَمْكَنَ، وَلَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِهِ مُعَاوَضَةً لِإِفْضَائِهِ إِلَى الرِّبَا فَجُعِلَ إِسْقَاطًا لِلْبَعْضِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَلِلْبَعْضِ وَالصِّفَةِ فِي الثَّانِيَةِ (وَلَوْ صَالَحَ عَلَى أَلْفٍ مُؤَجَّلَةٍ جَازَ وَكَأَنَّهُ أَجَّلَ نَفْسَ الْحَقِّ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مُعَاوَضَةً لِأَنَّ بَيْعَ الدَّرَاهِمِ بِمِثْلِهَا نَسِيئَةً لَا يَجُوزُ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى التَّأْخِيرِ (وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ إِلَى شَهْرٍ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّأْخِيرِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ سِوَى الْمُعَاوَضَةِ، وَبَيْعُ الدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ نَسِيئَةً لَا يَجُوزُ فَلَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ (وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَلْفٌ مُؤَجَّلَةٌ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ حَالَّةً لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ الْمُعَجَّلَ خَيْرٌ مِنَ الْمُؤَجَّلِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِالْعَقْدِ فَيَكُونُ بِإِزَاءِ مَا حَطَّهُ عَنْهُ، يُحْمَلُ عَلَى بَيْعِ الصَّرْفِ وَهُوَ مُعَاوَضَةٌ؛ وَإِنْ كَانَ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ فَبَعْدَ ذَلِكَ يَنْظَرُ، إِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا بَطَلَ الصُّلْحُ وَإِلَّا فَلَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ سُودٍ حَالَّةٍ فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ بِخِّيَّةٍ إِلَى أَجَلٍ لَا يَجُوزُ. وَالْبَخِّيَّةُ: اسْمٌ لِمَا هُوَ أَجْوَدُ مِنَ السُّودِ، وَلَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُصَارَفَةً إِلَى أَجَلٍ، وَالصَّرْفُ إِلَى أَجَلٍ بَاطِلٌ، انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ الْكِتَابِ: وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ، يُخْرِجُ مَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى بَيْعِ الصَّرْفِ، فَإِنَّ مَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى بَيْعِ الصَّرْفِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ لَيْسَ مِمَّا هُوَ مُسْتَحَقٌّ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ، وَمَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ لَيْسَ مِمَّا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى بَيْعِ الصَّرْفِ عِنْدَهُمْ، يَشْهَدُ بِذَلِكَ كُلِّهِ الْأَمْثِلَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْمَسَائِلِ وَأَدِلَّتُهَا الْمُفَصَّلَةُ فِيهِ. وَأَمَّا الْمِثَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ سُودٍ حَالِّةٍ فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ بَخِّيَّةٍ إِلَى أَجَلٍ لَا يَجُوزُ، فَبِمَعْزِلٍ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ بِمَرَاحِلَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا هُوَ مُسْتَحَقٌّ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ وَلَا مِمَّا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى بَيْعِ الصَّرْفِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الْبَخِّيَّةَ أَجْوَدُ مِنَ السُّودِ فَفِيهَا زِيَادَةُ وَصَفَ وَهِيَ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ بِالسُّودِ، وَإِنَّمَا الْمُسْتَحَقُّ بِهِ السُّودُ لَا غَيْرَ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْأَجَلَ يُمْنَعُ عَنِ الْحَمْلِ عَلَى بَيْعِ الصَّرْفِ، كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ نَفْسُهُ؛ حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُصَارَفَةٌ إِلَى أَجَلٍ، وَالصَّرْفُ إِلَى أَجَلٍ بَاطِلٌ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْعَاقِلِ يَتَحَرَّى تَصْحِيحَهُ مَا أَمْكَنَ، وَلَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِهِ مُعَاوَضَةً لِإِفْضَائِهِ إِلَى الرِّبَا). أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا يُفْضِي إِلَى الرِّبَا لَوْ جُعِلَ الْمُصَالَحَ عَلَيْهِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٌ عِوَضًا عَنْ مَجْمُوعِ الْأَلْفِ الْمُدَّعَى، وَأَمَّا إِذَا جُعِلَ عِوَضًا عَمَّا يُسَاوِيهِ مِنْ بَعْضِ الْمُدَّعَى وَهُوَ الْخَمْسُمِائَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا لَا بِأَعْيَانِهَا فَلَا إِفْضَاءَ إِلَى الرِّبَا، فَمَا بَالُهُمْ حَمَلُوا الصُّلْحَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ اسْتَوْفَى بَعْضَ حَقِّهِ وَأَسْقَطَ بَاقِيَهُ وَلَمْ يَحْمِلُوا عَلَى أَنَّهُ صَارِفٌ بَعْضَ حَقِّهِ، وَأُسْقِطَ

стр. 425

وَذَلِكَ اعْتِيَاضٌ عَنِ الْأَجَلِ وَهُوَ حَرَامٌ (وَإِنْ كَانَ لَهُ أَلْفٌ سُودٌ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ بِيضٍ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ الْبِيضَ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ وَهِيَ زَائِدَةٌ وَصْفًا فَيَكُونُ مُعَاوَضَةُ الْأَلْفِ بِخَمْسِمِائَةٍ وَزِيَادَةِ وَصْفٍ وَهُوَ رِبًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا صَالَحَ عَنِ الْأَلْفِ الْبِيضِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ سُودٍ حَيْثُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ كُلُّهُ قَدْرًا وَوَصْفًا، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا صَالَحَ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ وَهُوَ أَجْوَدُ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةُ الْمِثْلِ بِالْمِثْلِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالصِّفَةِ إِلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَمِائَةُ دِينَارٍ فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ حَالَّةٍ أَوْ إِلَى شَهْرٍ صَحَّ الصُّلْحُ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ إِسْقَاطًا لِلدَّنَانِيرِ كُلِّهَا وَالدَّرَاهِمِ إِلَّا مِائَةً وَتَأْجِيلًا لِلْبَاقِي فَلَا يُجْعَلُ مُعَاوَضَةً تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ أَوْ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ فِيهِ أَلْزَمُ قَالَ (وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ أَدِّ إِلَيَّ غَدًا مِنْهَا خَمْسَمِائَةٍ عَلَى أَنَّكَ بَرِيءٌ مِنَ الْفَضْلِ فَفَعَلَ فَهُوَ بَرِيءٌ، فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ إِلَيْهِ الْخَمْسَمِائَةِ غَدًا عَادَ عَلَيْهِ الْأَلْفُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَعُودُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ مُطْلَقٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَعَلَ أَدَاءَ الْخَمْسِمِائَةِ عِوَضًا؛ حَيْثُ ذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ عَلَى وَهِيَ لِلْمُعَاوَضَةِ، بَاقِيهِ حَتَّى لَمْ يَشْتَرِطُوا الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ، وَجَوَّزُوا التَّأْجِيلَ، فَتَأَمَّلْ فِي الْجَوَابِ. (قَوْلُهُ: وَمِنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ: أَدِّ إِلَيَّ غَدًا مِنْهَا خَمْسَمِائَةٍ عَلَى أَنَّكَ بَرِيءٌ مِنَ الْفَضْلِ فَفَعَلَ فَهُوَ بَرِيءٌ). قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قِيلَ مَعْنَاهُ: فَقَبِلَ، فَهُوَ بَرِيءٌ فِي الْحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فَأَدَّى إِلَيْهِ ذَلِكَ غَدًا فَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ الْبَاقِي، انْتَهَى. أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى الْفَطِنِ أَنَّ قَوْلَهُ: فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ إِلَيْهِ الْخَمْسَمِائَةِ غَدًا عَادَ إِلَيْهِ الْأَلْفُ، يَأْبَى الْمَعْنَى الثَّانِي وَيُنَاسِبُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ عَوْدَ الْأَلْفِ إِلَيْهِ يَقْتَضِي تَحَقُّقَ الْبَرَاءَةِ عَنْهُ أَوَّلًا، لَكِنْ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْبَرَاءَةَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَى أَدَاءِ الْخَمْسِمِائَةِ إِلَيْهِ غَدًا مُتَحَقِّقَةٌ أَوَّلًا، وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقِ الْبَرَاءَةُ الْمَقْطُوعَةُ إِلَّا بِأَدَاءِ ذَلِكَ إِلَيْهِ غَدًا، فَفِيمَا إِذَا لَمْ يَدْفَعْ ذَلِكَ إِلَيْهِ غَدًا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: عَادَ إِلَيْهِ الْأَلْفُ نَظَرًا إِلَى تَحَقُّقِ الْبَرَاءَةِ الْمَوْقُوفَةِ مِنْ قَبْلُ، فَإِنَّ نِصْفَ الْأَلْفِ قَدْ خَرَجَ مَلِكَةُ خُرُوجًا مَوْقُوفًا عَلَى أَدَاءِ نِصْفِهِ الْآخَرِ إِلَيْهِ غَدًا، فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَيْهِ ذَلِكَ غَدًا عَادَ إِلَيْهِ الْأَلْفُ، كَمَا كَانَ، وَأَمَّا جَعْلُ الْعَوْدِ مَجَازًا عَنِ الْبَقَاءِ، كَمَا كَانَ، كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فَمِمَّا لَا تَقْبَلُهُ الْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ. (قَوْلُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَعَلَ أَدَاءَ الْخَمْسَمِائَةِ عِوَضًا؛ حَيْثُ ذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ عَلَى وَهِيَ لِلْمُعَاوَضَةِ). قُلْتُ: الْبَاءُ فِي: "بِكَلِمَةِ عَلَى" فِي قَوْلِهِ: حَيْثُ ذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ عَلَى، لِلْمُقَابَلَةِ، كَمَا فِي قَوْلِكَ: بِعْتُ هَذَا
следующие страницы →