← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف (١). وقال قتادة وعكرمة: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: بسيما القتال (٢). وقال مكحول: مسومين بالعمائم (٣). وروى ابن مردويه من حديث عبد القدوس بن حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال: "معلمين"، وكان سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم حُنين عمائم حُمُرٌ (٤). وروى من حديث حصين بن مخارق عن سعيد، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر (٥). وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن مقسم، عن ابن عباس، قال: كان سيما الملائكة يوم بدر، عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حُمُر. ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددًا ومددًا لا يضربون (٦). ثم رواه عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، فذكر نحوه (٧). وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا الأحمسي، حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا هشام بن عروة، عن يحيى بن عباد أن الزبير ﵁، كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجرًا بها، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر (٨). رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير … فذكره. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي: وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالهم إلا بشارة لكم وتطييبًا لقلوبكم وتطمينًا، وإلا فإنما النصر من عند الله الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالققال: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد: ٤ - ٦]، ولهذا قال ههنا: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ أي: هو ذو العزة التي لا ترام، والحكمة في قدره والأحكام. ثم قال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أمركم بالجهاد والجلاد لما له في ذلك من

стр. 1122

الحكمة في كل تقدير، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين (١)، فقال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ أي: ليهلك أمة ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي: يخزيهم ويردهم بغيظهم لما لم ينالوا منكم ما أرادوا. ولهذا قال: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا﴾ أي: يرجعوا ﴿خَائِبِينَ﴾ أي: لم يحصلوا على ما أملوا. ثم اعترض بجملة دلت على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: بل الأمر كله إليّ، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾] (٢). قال محمد بن إسحاق في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم (٣). ثم ذكر تعالى بقية الأقسام، فقال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: مما هم فيه من الكفر فيهديهم بعد الضلالة ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: يستحقون ذلك. وقال البخاري: حَدَّثَنَا حبان بن موسى، أنبأنا عبد الله، أنبأنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر يقول: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ … ﴾ الآية (٤). وهكذا رواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق، كلاهما عن معمر به (٥). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو النضر، حَدَّثَنَا أبو عقيل - قال أحمد: وهو عبد الله بن عقيل صالح الحديث ثقة - حَدَّثَنَا عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم العن فلانًا، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أُمية" فنزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ فتيب عليهم كلهم (٦). وقال أحمد: حَدَّثَنَا أبو معاوية الغَلابي، حَدَّثَنَا خالد بن الحارث، حَدَّثَنَا محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ كان يدعو على أربعة، قال: فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ … ﴾ إلى آخر الآية، قال: وهداهم الله للإسلام (٧). وقال محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: كان رسول الله يدعو على رجال

стр. 1123

من المشركين يسميهم بأسمائهم، حتَّى أنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ (١). وقال البخاري أيضًا: حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع وربما قال: إذا قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" لأحياء من أحياء العرب، حتَّى أنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٢). وقال البخاري: قال حميد وثابت، عن أنس بن مالك: شُجَّ النَّبِيّ ﷺ يوم أحد، فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ " فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٣). وقد أسند هذا الحديث الذي علقه البخاري في صحيحه، فقال البخاري في غزوة أُحد: حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الله السلمي، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم بن عبد الله عِن أبيه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. وعن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أُمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٤). هكذا ذكر هذه الزيادة البخاري معلقة مرسلة، وقد تقدمت مسندة متصلة في مسند أحمد أيضًا. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا هشيم، حَدَّثَنَا حميد، عن أنس ﵁، أن النَّبِيّ ﷺ ، كُسرت رباعيته يوم أحد، وشُجَّ في وجهه حتَّى سال الدم على وجهه، فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٥) انفرد به مسلم، فرواه عن القعنبي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس … فذكره (٦). وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن حميد، حَدَّثَنَا يحيى بن واضح: حَدَّثَنَا الحسين بن واقد، عن

стр. 1124

مطر، عن قتادة، قال: أُصيب النَّبِيّ ﷺ يوم أحد، وكُسرت رباعيته، وفرق حاجبه، فوقع وعليه درعان والدم يسيل، فمرَّ به سالم مولى أبي حذيفة فأجلسه ومسح عن وجهه، فأفاق وهو يقول: "كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى الله فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ (١)، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة بنحوه، ولم يقل: فأفاق (٢). ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الجميع ملك له، وأهلها عبيد بين يديه ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: هو المتصرف فلا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ يقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافًا مضاعفة كما كانوا يقولون في الجاهلية (٣): إذا حلَّ أجل الدين، إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضاه، وإلا زاده في المدة، وزاده الآخَر في القدر، وهكذا كلّ عام فربما تضاعف القليل حتَّى يصير كثيرًا مضاعفًا، وأمر تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى والأخرى، ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ ثم نذبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات، فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ أي: كما أعدت النار للكافرين. وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ تنبيه على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش الجنة: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]؛ أي: فما ظنك بالظهائر؟، وقيل: [بل] (٤) عرضها كطولها لأنها قُبة تحت العرش، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله، وقد دلَّ على ذلك ما ثبت في الصحيح: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفرودس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وسقفها عرش الرحمن" (٥).

стр. 1125

وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الحديد: ٢١] وقد روينا في مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النَّبِيّ ﷺ إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال النَّبِيّ ﷺ : "سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟ " (١). وقد رواه ابن جرير فقال: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن خُثيم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى بن مُرَّة، قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص شيخًا كبيرًا قد فُنِّد (٢)، فقال: قدمت على رسول الله ﷺ بكتاب هرقل فناول الصحيفة رجلًا عن يساره، قال: قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية، فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين، فأين النار (٣)؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟ " (٤). وقال الأعمش وسفيان الثوري وشعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: إن ناسًا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم إذا جاء النهار أين الليل؟ وإذا جاء الليل أين النهار؟ فقالوا: لقد نزعت مثلها من التوراة (٥). رواه ابن جرير من ثلاثة طرق. ثم قال: حَدَّثَنَا أحمد بن حازم، حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا جعفر بن برقان، أنبأنا يزيد بن الأصم: أن رجلًا من أهل الكتاب قال: يقولون: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ فقال ابن عَبَّاس ﵁: أين يكون الليل إذا جاء النهار؟ وأين يكون النهار إذا جاء الليل (٦)؟. وقد روي هذا مرفوعًا، فقال البزار: حَدَّثَنَا محمد بن معمر، حَدَّثَنَا المغيرة بن سلمة أبو هشام، حَدَّثَنَا عبد الواحد بن زياد، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه (٧) يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول اللّه ﷺ ، فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ قال: "أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شيء، فأين النهار؟ " قال: حيث شاء الله، قال: "وكذلك النار تكون حيث شاء الله ﷺ " (٨). وهذا يحتمل معنيين: (أحدهما): أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا

стр. 1126

يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث يشاء الله ، وهذا أظهر كما تقدم في حديث أبي هريرة عن البزار. (الثاني): أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش وعرضها، كما قال الله: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] والنار في أسفل سافلين فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض وبين وجود النار، واللّه أعلم. ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أي: في الشدة والرخاء والمنشط والمكره والصحة والمرض وفي جميع الأحوال، كما قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤] والمعنى: أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه. والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر. وقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه، وعفى مع ذلك عمن أساء إليه. وقد ورد في بعض الآثار: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت فلا أهلكك فيمن أهلك" رواه ابن أبي حاتم (١). وقد قال أبو يعلى في مسنده: حَدَّثَنَا أبو موسى الزمن، حَدَّثَنَا عيسى بن شعيب الضرير أبو الفضل، حدثني الربيع بن سليمان النميري، عن أبي عمرو بن أنس بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "من كفَّ غضبه، كفَّ الله عنه عذابه، ومن خزن لسانه، ستر الله عورته، ومن اعتذر إلى الله، قبل الله عذره" (٢). وهذا حديث غريب، وفي إسناده نظر. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، حَدَّثَنَا مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (٣). وقد رواه الشيخان من حديث مالك (٤). وقال الإمام أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثَنَا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله وهو ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله"؟ قال: قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: "اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالك من مالك إلا ما قدمت، ومالُ وارثك ما أخرْتَ" قال: وقال رسول الله ﷺ : "ما تعدون الصرعة فيكم؟ " قلنا: الذي لا تصرعه الرجال. قال: "لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب". قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تعدون فيكم الرقوب؟ " قلنا: الذي لا ولد له. قال: "لا، ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئًا" (٥)

стр. 1127

أخرج البخاري الفصل الأول منه (١)، وأخرج مسلم أصل هذا الحديث، من رواية الأعمش به (٢). (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، سمعت عروة بن عبد الله الجعفي يحدث، عن أبي حصبة (٣) أو ابن حصبة، عن رجل شهد النَّبِيّ ﷺ يخطب، فقال: "تدرون ما الرقوب؟ " قلنا: الذي لا ولد له، قال: "الرقوب كل الرقوب الذي له ولد فمات ولم يقدم منهم شيئًا" قال: "تدرون ما الصعلوك؟ " قالوا: الذي ليس له مال، فقال النَّبِيّ ﷺ : "الصعلوك كل الصعلوك الذي له مال فمات ولم يقدم منه شيئًا" قال: ثم قال النَّبِيّ ﷺ : "ما الصرعة؟ " قالوا: الصريع. قال: فقال ﷺ : "الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتدّ غضبه ويحمرّ وجهه ويقشعرّ شعره فيصرع غضبه" (٤). (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا ابن نمير، حَدَّثَنَا هشام بن عروة، عن أبيه، عن الأحنف بن قيس، عن عمٍّ له يقال له: حارثة بن قدامة السعدي، أنه سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، قل لي قولًا ينفعني وأقلل على لعلي أعيه، فقال رسول الله ﷺ : "لا تغضب" فأعاد عليه حتَّى أعاد عليه مرارًا كل ذلك يقول: "لا تغضب" (٥). وهكذا رواه عن أبي معاوية عن هشام به، ورواه أيضًا عن يحيى بن سعيد القحطان عن هشام به أن رجلًا قال: يا رسول الله، قل لي قولًا وأقلل عليّ لعلي أعقله، فقال: "لا تغضب" الحديث، انفرد به أحمد. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ قال: قال رجل: يا رسول الله أوصني، قال: "لا تغضب". قال الرجل: ففكرت حين قال النَّبِيّ ﷺ ما قال، فإذا الغضب يجمع الشرَّ كله (٦). انفرد به أحمد. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثَنَا داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود، عن أبي ذرّ ﵁ عنه قال: كان يسقي على حوض له فجاء قوم، فقالوا: أيكم يورد على أبي ذرٍّ ويحتسب شعرات من رأسه؟ فقال رجل: أنا، فجاء الرجل فأورد (٧) عليه الحوض فدقه، وكان أبو ذرّ قائمًا فجلس ثم اضطجع، فقيل له: يا أبا ذر لم

стр. 1128

جلست ثم اضطجعت، فقال: إن رسول الله ﷺ قال لنا: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع" (١). ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل بإسناده إلا أنه وقع في روايته عن أبي حرب عن أبي ذرّ (٢)، والصحيح أبو حرب (٣) عن أبيه، عن أبي ذرّ، كما رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا إبراهيم بن خالد، حَدَّثَنَا أبو وائل الصنعاني، قال: كنا جلوسًا عند عروة بن محمد إذا دخل عليه رجل فكلمه بكلام أغضبه، فلما أن غضب قام ثم عاد إلينا وقد توضأ، فقال: حدثني أبي عن جدي عطية هو ابن سعد السعدي (٤) - وقد كانت له صحبة - قال: قال رسول الله: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا أغضب أحدكم فليتوضأ" (٥). وهكذا رواه أبو داود من حديث إبراهيم بن خالد الصنعاني عن أبي وائل القاص المرادي الصنعانى، قال أبو داود: أراه عبد الله بن بحير. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الله بن يزيد، حَدَّثَنَا نوح بن جَعْونة السلمي، عن مقاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أنظر معسرًا أو وضع له، وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن (٦) بربوة - ثلاثًا - ألا إن عمل النار سهل بسهوة (٧). والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحبّ إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ما كظمها عبد الله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا" (٨)، انفرد به أحمد، وإسناده حسن ليس فيه مجروح، [ومتنه] (٩) حسن. (حديث آخر في معناه) قال أبو داود: حَدَّثَنَا عقبة بن مكرم، حَدَّثَنَا عبد الرحمن يعني ابن

стр. 1129

مهدي عن بشر - يعني ابن منصور -، عن محمد بن عجلان، عن سويد بن وهب، عن رجل من أبناء أصحاب النَّبِيّ ﷺ ، [عن أبيه] (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، ملأه الله أمنًا وإيمانًا، ومن ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه - قال بشر: أحسبه قال: تواضعًا - كساه الله حلة الكرامة ومن زوّج [لله] (٢) كساه الله تاج الملك" (٣). (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الله بن يزيد قال: حَدَّثَنَا سعيد، حدثني أبو مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه أن رسول الله قال: "من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتَّى يخيره من أي الحور شاء" (٤). ورواه أبو داود [والترمذي وابن ماجة من حديث سعيد بن أبي أيوب به، وقال الترمذي: حسن غريب (٥)] (٦). (حديث آخر) قال عبد الرزاق: أنبأنا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن رجل من أهل الشام يقال له: عبد الجليل، عن عمٍّ له، عن أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أن النَّبِيّ ﷺ قال: "من كظم غيظًا وهو يقدر (٧) على إنفاذه ملأه الله أمنًا وإيمانًا" رواه ابن جرير (٨). (حديث آخر) قال ابن مردويه: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن زياد، أنبأنا يحيى بن أبي طالب، أنبأنا علي بن عاصم، أخبرني يونس بن عبيد، عن الحسن، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول ﷺ : "ما تجرع عبد من جرعة أفضل أجرًا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله" وكذا رواه ابن ماجة عن بشر بن عمر، عن حماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد به (٩). فقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أي: لا يعملون غضبهم في الناس بل يكفون عنهم شرهم، ويحتسبون ذلك عند الله . ثم قال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم فلا يبقى في أنفسهم [موجِدة] (١٠) على أحد، وهذا أكمل الأحوال،

стр. 1130

ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فهذا من مقامات الإحسان، وفي الحديث: "ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، ومن تواضع للّه رفعه الله" (١)، وروى الحاكم في مستدركه من حديث موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن طلحة القرشي، عن عبادة بن الصامت، عن أُبي بن كعب أن رسول الله ﷺ ، قال: "من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه" ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (٢). وقد أورده ابن مردويه من حديث علي (٣) وكعب بن عجرة (٤) وأبي هريرة (٥) وأم سلمة ﵃ بنحو ذلك. وروي عن طريق الضحاك عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس؟ هلمّوا إلى ربكم وخذوا أجوركم، وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة" (٦). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار. قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إن رجلًا أذنب ذنبًا، فقال: ربِّ إني أذنبت ذنبًا فاغفره، فقال الله : عبدي [عمل] (٧) ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبًا آخر، فقال: ربِّ إني عملت ذنبًا فاغفره، فقال ﵎: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبًا آخر فقال: ربِّ إني عملت ذنبًا فاغفره لي، فقال الله : علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم عمل ذنبًا آخر فقال: ربِّ، إني عملت ذنبًا فاغفره، فقال : عبدي علم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء" (٨). أخرجاه في الصحيحين من حديث إسحاق بن أبي طلحة بنحوه (٩).

стр. 1131

(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو النضر وأبو عامر، قالا: حَدَّثَنَا زهير، حَدَّثَنَا سعد الطائي، حَدَّثَنَا أبو المدله مولى أُم المؤمنين، سمع أبا هريرة، قلنا: يا رسول الله، إذا رأيناك رقت قلوبنا، وكنا من أهل الآخرة، وإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا، وشممنا النساء والأولاد، فقال: "لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفِّهم، ولزارتكم في بيوتكم. ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم". قلنا: يا رسول الله، حَدَّثَنَا عن الجنة، ما بناؤها؟ قال: "لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتَّى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين" (١). ورواه الترمذي وابن ماجة من وجه آخر من حديث سعد به (٢). ويتأكد الوضوء وصلاة ركعتين عند التوبة لما رواه الإمام أحمد بن حنبل: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا مسعر وسفيان الثوري، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن علي بن ربيعة، عن أسماء بن الحكم الفزاري عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا، نفعني الله بما شاء منه. وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر ﵁ حدثني - وصدق أبو بكر - أنه سمع رسول الله ﷺ ، قال: "ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ فيحسن الوضوء - قال مسعر: - فيصلي - وقال سفيان: - ثم يصلي ركعتين، فيستغفر الله إلا غفر له" (٣). وهكذا (٤) رواه علي بن المديني والحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والبزار والدارقطني من طرق عن عثمان بن المغيرة [به] (٥)، وقال الترمذي: هو حديث حسن (٦)، وقد ذكرنا طرقه، والكلام عليه مستقصى في مسند أبي بكر الصديق ﵁، وبالجملة فهو حديث حسن، وهو من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن خليفة النَّبِيّ أبي بكر الصديق ﵁. ومما يشهد بصحة هذا الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء" (٧).

стр. 1132

وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: أنه توضأ لهم وضوء النَّبِيّ ﷺ ، [ثم قال: سمعت النَّبِيّ ﷺ ] (١) يقول: "من تَوَضَّأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه" (٢) فقد ثبت هذا الحديث من رواية الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، عن سيد الأولين والآخرين، ورسول رب العالمين كما دلَّ عليه الكتاب المبين، من أن الاستغفار من الذنب ينفع العاصين، وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁، قال: بلغني أن إبليس لعنه الله حين نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ .. ﴾ الآية، بكى (٣). وقال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا محرز بن عون، حَدَّثَنَا عثمان بن مطر، حَدَّثَنَا عبد الغفور، عن أبي نُصَيرة، عن أبي رجاء، عن أبي بكر ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ ، قال: "عليكم بلا إله إلا الله، والاستغفار، فأكثروا منهما، فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون" (٤) عثمان بن مطر وشيخه ضعيفان. وروى الإمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم العتواري عن أبي سعيد، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "قال إبليس: يا ربّ، وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني" (٥). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا عمر بن أبي خليفة، سمعت أبا بدر يحدث، عن ثابت، عن أنس، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله، أذنبت ذنبًا، فقال رسول الله ﷺ : "إذا أذنبت فاستغفر ربك". قال: فإني أستغفر ثم أعود فأذنب، قال: "فإذا أذنبت فعد فاستغفر ربك"، فقالها في الرابعة: "استغفر ربك حتَّى يكون الشيطان هو [المحسور] (٦) " (٧). وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: لا يغفرها أحد سواه، كما قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن مصعب، حَدَّثَنَا سلام بن مسكين والمبارك، عن الحسن، عن الأسود بن

стр. 1133

سريع أن النَّبِيّ ﷺ أُتي بأسير، فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، فقال النَّبِيّ ﷺ : "عرف الحق لأهله" (١). وقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا عنه، كما قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حَدَّثَنَا إسحاق بن أبي إسرائيل وغيره، قالوا: حَدَّثَنَا أبو يحيى عبد الحميد الحماني، عن عثمان بن واقد، عن أبي نُصَيرة، عن مولى لأبي بكر، [عن أبي بكر] (٢) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أصرَّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" (٣). ورواه أبو داود والترمذي والبزار في مسنده من حديث عثمان بن واقد (٤) - وقد وثقه يحيى بن معين به - وشيخه أبو نُصَيرة الواسطي واسمه: مسلم بن عبيد، وثقه الإمام أحمد وابن حبان، وقول علي بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك، فالظاهر أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر (٥)، ولكن جهالة مثله لا تضر لأنَّهُ تابعي كبير، ويكفيه نسبته إلى أبي بكر، فهو حديث حسن، والله أعلم. وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال مجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن من تاب تاب الله عليه (٦)، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤] وكقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠] ونظائر هذا كثيرة جدًّا. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، أنبأنا جرير، حَدَّثَنَا حبان هو ابن زيد الشرعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال وهو على المنبر: "ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويلٌ لأقماع (٧) القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون" (٨) تفرد به

стр. 1134

أحمد. ثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: جزاؤهم على هذه الصفات ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من أنواع المشروبات ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يمدح تعالى الجنة. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾. يقول تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين الذين أصيبوا يوم أُحد وقتل منهم سبعون: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أي: قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم، والدائرة على الكافرين، ولهذا قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ يعني: القرآن فيه بيان الأمور على جليتها وكيف كان الأمم الأقدمون مع أعدائهم ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يعني: القرآن فيه خبر ما قبلكم. ﴿وَهُدًى﴾ لقلوبكم، ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: زاجر عن المحارم والمآثم. ثم قال تعالى مسليًا للمؤمنين: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعفوا بسبب ما جرى ﴿وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أي: إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل منكم طائفة، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عَبَّاس: في مثل هذا لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يعني يقتلون في سبيله ويبذلون مُهجهم في مرضاته ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب. وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به. وقوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم، ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد، كما قال تعالى في سورة البقرة ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤]. وقال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] ولهذا قال ههنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتَّى تُبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على

стр. 1135

مقاومة الأعداء. وقوله ﷺ ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ أي: قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم، تتمنون لقاء العدو وتتحرّقون عليهم وتودون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا وصابروا، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" (١). ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يعني: الموت شاهدتموه وقت لمعان السيوف وحدّ الأسنة، واشتباك الرماح، وصفوف الرجال للقتال، والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل. وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس كما تتخيل الشاة صداقة الكبش، وعداوة [الذئب] (٢). ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾. لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أُحد وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قتل، ورجع [بن قميئة] (٣) إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمدًا، وإنما كان قد ضرب رسول الله ﷺ فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله ﷺ قد قتل، وجَوّزوا عليه ذلك، كما [قد قصَّ الله عن] (٤) كثير من الأنبياء ﵈، فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (٥) أي: له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه. قال ابن أبي نجيح، عن أبيه: أن رجلًا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أن محمدًا ﷺ قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل ﷺ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة (٦).

стр. 1136

ثم قال تعالى منكِرًا على من حصل له ضعف: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أي: رجعتم القهقري ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: الذين قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه، واتبعوا رسوله حيًا وميتًا. وكذلك ثبت في الصحاح والمساند والسنن وغيرها من كتب الإسلام من طرق متعددة تفيد القطع، وقد ذكرت ذلك في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ أن الصديق ﵁، تلا هذه الآية لما مات رسول الله ﷺ . وقال البخاري: حَدَّثَنَا يحيى بن بكير، حَدَّثَنَا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة، أن عائشة ﵂، أخبرته أن أبا بكر ﵁، أقبل على فرس من مسكنه بالسُنح (١) حتَّى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتَّى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله ﷺ يلّى وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكبَّ عليه وقبَّله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأُمي واللّهِ لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد منها، وقال الزهري: حدثني أبو سلمة عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يحدّث الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس فاقبل الناس إليه وتركها عمر فقال أبو بكر: أما بعد من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى قوله: ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ قال: فواللّه لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتَّى تلاها عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس كلهم فما سمعها بشر من الناس إلا يتلوها، وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: واللّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فَعَقِرتُ حتَّى ما تقلني رجلاي، وحتى هَوَيت إلى الأرض (٢). وقال أبو القاسم الطبراني: حَدَّثَنَا علي بن عبد العزيز، حَدَّثَنَا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حَدَّثَنَا أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عليًا كان يقول في حياة رسول الله ﷺ ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، واللّهِ لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتَّى أموت، واللّه إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه، فمن أحق به مني (٣)؟ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ أي: لا يموت أحد إلا بقدر الله وحتى يستوفي المدة التي [ضربها] (٤) الله له، ولهذا قال: كقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١] وكقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه، كما قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا العباس بن يزيد العبدي قال: سمعت أبا معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن صُهبان، قال: قال رجل من المسلمين وهو حُجْر بن عدي: ما يمنعكم أن تعبروا إلى هؤلاء العدو وهذه النطفة - يعني دجلة -

стр. 1137

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ثم أقحم فرسه دجلة، فلما أقحم، أقحم الناس، فلما رآهم العدو قالوا: ديوان (١) فهربوا (٢). وقولهْ ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي: من كان عمله للدنيا فقط نال منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء] ولهذا قال ههنا: ﴿وَسَنَجْزِى الشَّاكِرينَ﴾ أي: سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم. ثم قال تعالى مسليًا للمؤمنين عمّا كان وقع في نفوسهم يوم أُحد: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قيل: معناه كم من نبي قتل وقتل معه ربيّون من أصحابه كثير. وهذا القول هو اختيار ابن جرير فإنه قال: وأما الذين قرأوا: ﴿قَاتَلَ (٣) مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ فإنهم قالوا: إنما عنى بالقتل: النَّبِيّ وبعض من معه من الربيين دون جميعهم، وإنما نفى الوهن والضعف عمّن بقي من الربيين ممن لم يقتل، قال: ومن قرأ قاتل فإنه اختار ذلك، لأنَّهُ قال: لو قتلوا لم يكن لقول الله: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ وجه معروف لأنَّهُ يستحيل أن [يوصفوا] (٤) بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا، ثم اختار قراءة من قرأ ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ لأن الله عاتب بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم يوم أُحد وتركوا القتال لما سمعوا الصائح يصيح بأن محمدًا قد قتل، فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال، فقال لهم: (﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وقيل: وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير، وكلام ابن إسحاق في السيرة يقتضي قولًا آخر، فإنه قال: أي: و ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ كأين من نبي أصابه القتل ومعه ربيون أي: جماعات فما وهنوا بعد نبيهم، وما ضعفوا عن عدوهم، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٥) فجعل قوله: حالًا، وقد نصر هذا القول السهيلي وبالغ فيه (٦)، وله اتجاه لقوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ﴾ الآية، وكذا حكاه الأُموي (٧) في مغازيه عن كتاب محمد بن إبراهيم ولم يحكِ غيره، وقرأ بعضهم ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زرّ (٨) عن ابن مسعود ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي:

стр. 1138

ألوف (١)، وقال ابن عَبَّاس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي والربيع وعطاء الخراساني: الربيون الجموع الكثيرة (٢). وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي: علماء كثير (٣)، وعنه أيضًا: علماء صبر أبرار وأتقياء (٤). وَحُكِىَ ابن جرير عن بعض نحاة البصرة أن الربيين هم الذين يعبدون الرب . قال: وردَّ بعضهم عليه، فقال: لو كان كذلك لقيل: الرَبيون بفتح الراء (٥). وقال ابن زيد: الربيون: الأتباع والرعية، والربانيون: الولاة (٦). ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [قال قتادة والربيع بن أنس: ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ بقتل نبيهم ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾] (٧) يقول: فما ارتدوا عن نصرتهم ولا عن دينهم أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتَّى لحقوا باللّه (٨). وقال ابن عَبَّاس: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ تخشعوا (٩). وقال السدي وابن زيد: وما ذلوا لعدوهم (١٠). وقال محمد بن إسحاق والسدي وقتادة: أي ما أصابهم ذلك حين قتل نبيهم (١١). ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)﴾ أي: لم يكن لهم هجير إلا ذلك ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي: النصر والظفر والعاقبة ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ أي: جمع لهم ذلك مع هذا ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

стр. 1139

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾. يحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ ثم أمرهم بطاعته وموالاته والاستعانة به والتوكل عليه، فقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)﴾ ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم بسبب كفرهم وشركهم، مع ما ادخره (١) لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال، فقال: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)﴾ وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال: "أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُحلت لي الغنائم، وأُعطيت الشفاعة، وكان النَّبِيّ يبعث إلى قومه خاصة وبُعثتُ إلى الناس عامة" (٢). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن أبي عدي عن سليمان يعني: التيمي، عن سيار (٣)، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "فضلني ربي على الأنبياء - أو قال على الأمم - بأربع: قال: أُرسلت إلى الناس كافة، وجُعلت لي الأرض كلها ولأُمتي مسجدًا وطهورًا فأينما أدركت رجلًا من أُمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده وطهوره، ونُصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي، وأُحلت لي الغنائم" (٤). ورواه من حديث سليمان التيمي عن سيار القرشي الأموي مولاهم الدمشقي سكن البصرة، عن أبي أُمامة [صُدي] (٥) بن عجلان ﵁ به، وقال: حسن صحيح (٦). وقال سعيد بن منصور: أنبأنا ابن وهب، أخبرني [عمرو بن] (٧) الحارث، أن أبا يونس حدثه،

стр. 1140

عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ، قال: "نُصرت بالرعب على العدو"، ورواه مسلم من حديث ابن وهب (١). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حسين بن محمد، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعطيت خمسًا: بُعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب شهرًا، وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سأل شفاعته وإني اختبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات لا يشرك باللّه شيئًا" (٢). تفرد به أحمد. وروى العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ قال: قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة، فقال النَّبِيّ ﷺ : "إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفًا، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب" رواه ابن أبي حاتم (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ قال ابن عَبَّاس: وعدهم الله النصر (٤). وقد يستدل بهذه الآية على أحد القولين المتقدمين في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران] أن ذلك كان يوم أُحد، لأن عددهم كان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام، فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة وفشل بعض المقاتلة، تأخر الوعد الذي كان مشروطًا بالثبات والطاعة، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: أول النهار ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ أي: تقتلونهم ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بتسليطه إياكم عليهم ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾. وقال ابن جريج: قال ابن عَبَّاس: الفشل الجبن (٥) ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ كما وقع للرماة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ وهو الظفر منهم ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ وهم الذين رغبوا في المغنم حين [رأوا] (٦) الهزيمة ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ ثم أي: غفر لكم ذلك الصنيع، وذلك، واللّه أعلم، لكثرة عدد العدو وعددهم وقلة عدد المسلمين وعددهم. قال ابن جريج: قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ قال: لم يستأصلكم، وكذا قال محمد بن إسحاق: رواهما ابن جرير (٧) ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 1141

وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عُبيد الله، عن ابن عباس أنه قال: ما نصر الله في موطن كما نصر يوم أُحد، قال: فأنكرنا ذلك، فقال ابن عَبَّاس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله، إن الله يقول في يوم أُحد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ يقول ابن عباس الحس: القتل ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا﴾ الله ﴿عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، وإنما عنى بهذا الرماة، وذلك أن النَّبِيّ ﷺ أقامهم (١) في موضع ثم قال: "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا [قد غنمنا] (٢) فلا تشركونا" فلما غنم النبي ﷺ ، وأباحوا عسكر المشركين، أكبَّت الرماة جميعًا فدخلوا في العسكر ينهبون، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول الله ﷺ فهم هكذا - وشبك بين يديه - وانتشبوا، فلما أخلَّ الرماة تلك الخلّة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول اللّه ﷺ ، فضرب بعضهم بعضًا، والتبسوا وقُتل من المسلمين، ناس كثير، وقد كان لرسول الله ﷺ وأصحابه أول النهار حتَّى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار، إنما كانوا تحت المهراس (٣)، وصاح الشيطان: قُتل محمد، فلم يشك فيه أنه حق، فلا زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتَّى طلع رسول الله ﷺ بين السعدين نعرفه بتكفئه إذا مشى، قال: ففرحنا حتَّى كأنه لم يصبنا ما أصابنا، قال: فرقى نحونا وهو يقول: "اشتد غضب الله على قوم دَمَّوا وجه رسول الله" ويقول مرة أخرى: "اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا" حتَّى انتهى إلينا فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل اعلُ هبل - مرتين يعني إلهه - أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر ﵁: يا رسول الله ألا أُجيبه؟ قال: "بلى". فلما قال: اعلُ هبل. قال عمر: الله أعلى وأجلّ. فقال أبو سفيان: قد أنعمت [عينها فعاد عنها أو فَعَالَ عنها] (٤) فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله ﷺ ، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا عمر. قال: فقال أبو سفيان، يوم بيوم بدر، الأيام دول، وإن الحرب سجال، قال: فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. قال: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا وخسرنا إذن، فقال أبو سفيان: إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا. قال: ثم أدركته حمية الجاهلية، فقال: أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه (٥). هذا حديث غريب وسياق عجيب، وهو من مرسلات ابن عباس، فإنه لم

стр. 1142

يشهد أُحدًا ولا أبوه، وقد أخرجها الحاكم في مستدركه عن أبي النضر الفقيه، عن عثمان بن سعيد، عن سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس به (١). وهكذا رواه ابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة من حديث سليمان بن داود الهاشمي به. ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها، فقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود، قال: إن النساء كن يوم أُحد خلف المسلمين يجهزنَّ على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبرّ أنه ليس منا أحد يريد الدنيا، حتى أنزل الله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ فلما خالف أصحاب رسول الله ﷺ ، وعصوا ما أمروا به، [أفرد] (٢) النبي ﷺ في تسعة: سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، وهو عاشرهم ﷺ ، فلما رهقوه [قال: "رحم الله رجلًا ردهم عنا" قال: فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل، فلما رهقوه] (٣) أيضًا قال: "رحم الله رجلًا ردَّهم عنا" فلم يزل يقول ذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: "ما أنصفنا أصحابنا" فجاء أبو سفيان فقال: اعلُ هبل: فقال رسول الله ﷺ : "قولوا: الله أعلى وأجلّ"، فقالوا: الله أعلى وأجلّ. فقال أبو سفيان لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله ﷺ : "قولوا: الله مولانا والكافرون لا مولى لهم" فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر: فيوم علينا ويوم لنا … يوم نساء ويوم نُسَر حنظلة بحنظلة وفلان بفلان وفلان بفلان. فقال رسول الله ﷺ : "لا سواء: أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون" فقال أبو سفيان: لقد كان في القوم مثلة، وإن كان لَعَنْ غير ملأ منا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني، قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها. فقال: رسول الله ﷺ : "أكلت شيئًا"؟ قالوا: لا. قال: "ما كان الله ليدخل شيئًا من حمزة في النار" قال: فوضع رسول الله ﷺ : حمزة فصلى عليه، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه، فرفع الأنصاري وترك حمزة حتى جيء بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة، حتى صلى عليه يومئذٍ سبعين صلاة (٤). تفرد به أحمد أيضًا. وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لقينا المشركين يومئذٍ وأجلس النبي ﷺ جيشًا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير، وقال: "لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا" فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في

стр. 1143

الجبل رفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله بن جبير: عهد إليّ النبي ﷺ أن لا تبرحوا فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم فأصيب سبعون قتيلًا، فأشرف أبو سفيان، فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: "لا تجيبوه". فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: "لا تجيبوه". فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قتلوا فلو كان أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه، فقال له: كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يحزنك، قال أبو سفيان: اعلُ هبل. فقال النبي ﷺ : "أجيبوه" قالوا: ما نقول قال: "قولوا: الله أعلى وأجل". قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي ﷺ : "أجيبوه" قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم". قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني (١). تفرد به البخاري من هذا الوجه، ثم رواه عن عمرو بن خالد، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن البراء بنحوه (٢)، وسيأتي بأبسط من هذا. وقال البخاري أيضًا: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أُسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: لما كان يوم أُحد هزم المشركون، فصرخ إبليس: أي: عباد الله أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة، فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله أبي أبي. قال: قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فواللّه ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله (٣). وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده أن الزبير بن العوام قال: واللّهِ لقد رأيتني أنظر إلى خدم هِند وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أخذهن كثير ولا قليل، ومالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتتنا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم (٤). قال محمد بن إسحاق: فلم يزل لواء المشركين صريعًا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فدفعته لقريش فلاثوا بها (٥). وقال السدي، عن عبد خير قال: قال عبد الله بن مسعود: ما كنت أرى أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أُحد ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (٦)، وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود، وكذا روي عن عبد الرحمن بن عوف وأبي طلحة، رواهن ابن مردويه في تفسيره.

стр. 1144

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ قال ابن إسحاق: حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أحد بني عدي بن النجار، قال: انتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ فقالوا: قتل رسول الله ﷺ ، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل ﵁ (١). وقال البخاري: حدثنا حسان بن حسان، حدثنا محمد بن طلحة، حدثنا حميد، عن أنس بن مالك، أن عمَّه - يعني: أنس بن النضر -، غاب عن بدر فقال: غبت عن أول قتال النبي ﷺ لئن أشهدني الله مع رسول الله ليرين الله ما أجد، فلقي يوم أُحد فهزم الناس، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه أو بشامة، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم (٢). هذا لفظ البخاري، وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس بنحوه (٣). وقال البخاري أيضًا: حدثنا عبدان، حدثنا أبو حمزة، عن عثمان بن موهب، قال: جاء رجل حجَّ البيت فرأى قومًا جلوسًا، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء فحدثني، قال: سل، قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيَّب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. فكبر، فقال ابن عمر: تعالى لأخبرك ولأبيّن لك عما سالتني عنه، أما فراره يوم أُحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيّبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه " وأما تغيّبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعزّ ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث عثمان، فكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي ﷺ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان" فضرب بها على يده فقال: "هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك" (٤). ثم رواه البخاري من وجه آخر عن أبي عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب (٥). وقوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: صرفكم عنهم ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾؛ أي في الجبل هاربين من أعدائكم. وقرأ الحسن وقتادة (إذ تَصْعَدون) (٦) أي: في الجبل ﴿وَلَا

стр. 1145

تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ أي: وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة. قال السدي: لما شدّ المشركون على المسلمين بأُحد فهزموهم دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها. فجعل الرسول ﷺ يدعو الناس: "إليّ عباد الله، إليَّ عباد الله" فذكر [الله] (١) صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبي ﷺ إياهم، فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (٢). وكذا قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد (٣). وقال عبد الله بن الزبعري (٤): يذكر هزيمة المسلمين يوم أُحد في قصيدته وهو مشرك بعد لم يسلم التي يقول في أولها: يا غراب البين أسمعت … إنما تنطبق شيئًا قد فعل إن للخير وللشر مدى … وكلا ذلك وجه وقَبَل إلى أن قال: ليت أشياخي ببدر شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل حين حكّت بقباء بركها … واستحرّ القتل في عبد الأشل ثم خفّوا عند ذاكم رُقّصا … وقصّ الحفّان يعلو في الجبل فقتلنا الضعف من إشرافهم … وعدلنا ميل بدر فاعتدل (٥) الحفان: صغار النعم. وقد كان النبي ﷺ قد أفرد في اثني عشر رجلًا من أصحابه كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب ﵁، قال: جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أُحد - وكانوا خمسين رجلًا - عبد الله بن جبير قال: ووضعهم موضعًا، وقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم" [وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم] (٦)، قال: فهزموهم قال: فأنا واللهِ رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسواقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن، فقال: أصحاب عبد الله الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أفنسيتم ما قاله

стр. 1146

لكم رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: إنا واللهِ لنأتينّ الناس، فلنصيبنّ من الغنيمة. فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبقَ مع رسول الله إلا اثنا عشر رجلًا، فأصابوا مِنَّا سبعين، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين، سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا. قال أبو سفيان: أفي القوم محمد، أفي القوم محمد؟ - ثلاثًا - قال: فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد [كفيتموهم] (١)، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبتَ واللهِ يا عدوَّ الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك، فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. وإنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها، ولم تسؤني (٢). ثم أخذ يرتجز يقول: اعلُ هبلْ اعلُ هبلْ، فقال رسول الله ﷺ : "ألا تجيبوه؟ " قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال: "قولوا: الله أعلى وأجلّ" قال: لنا العزى ولا عزى لكم. قال رسول الله ﷺ : "ألا تجيبونه؟ " قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم" (٣). وقد رواه البخاري من حديث زهير بن معاوية مختصرًا، ورواه من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق بأبسط من هذا كما تقدم، والله أعلم (٤). وروى البيهقي في دلائل النبوة من حديث عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: انهزم الناس عن رسول الله ﷺ يوم أُحد، وبقي معه أحد عشر رجلًا من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد من الجبل، فلقيهم المشركون، فقال: [ألا أحد لهؤلاء] (٥)، فقال طلحة: أنا يا رسول الله، فقال: "كما أنت يا طلحة" فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه، وصعد رسول الله ﷺ ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاري فلحقوه، فقال: "ألا رجل لهؤلاء"؟ فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله ﷺ مثل قوله، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه وأصحابه يصعدون، ثم قتل فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول، فيقول طلحة: فأنا يا رسول الله، فيحبسه فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال، فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله، حتى لم يبقَ معه إلا طلحة فغشوهما، فقال: رسول الله ﷺ : "من لهؤلاء"؟ فقال طلحة: أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، وأُصيب أنامله، فقال: حَس، فقال رسول الله: "لو قلت: باسم الله وذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج [بك] (٦) في جو السماء" ثم صعد رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم مجتمعون (٧). وقد روى البخاري عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي

стр. 1147

حازم، قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ - يعني يوم أُحد (١) - وفي الصحيحين من حديث معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يبقَ مع رسول الله ﷺ ، في بعض الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ ، إلا طلحة بن عبيد الله وسعد عن حديثهما (٢). وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية، عن هاشم بن هاشم الزهري، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: نَثَل لي رسول الله ﷺ كنانته يوم أُحد وقال: "ارمِ فداك أبي وأُمي"، وأخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد (٣)، عن مروان بن معاوية (٤). وقال محمد بن إسحاق: حدثني صالح بن كيسان، عن بعض آل سعد، عن سعد بن أبي وقاص، أنه رمى يوم أُحد دون رسول الله ﷺ ، قال سعد: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يناولني النبل ويقول: "ارمِ فداك أبي وأُمي" حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمي به (٥) وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: رأيت يوم أُحد عن يمين النبي ﷺ ، وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عند أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده (٦). يعني جبريل وميكائيل ﵇. وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد وثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، واثنين من قريش، فلما أرهقوه قال: "من يردّهم عنّا وله الجنة - أو وهو رفيقي في الجنة"؟ فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم أرهقوه أيضًا، فقال: "من يردّهم عنا وله الجنة"؟ فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: "ما أنصفنا أصحابنا" رواه مسلم عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة به نحوه (٧). وقال أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، قال: كان أُبي بن خلف أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلنّ رسول الله ﷺ ، فلما بلغت رسول الله حلفته، قال: "بل أنا أقتله إن شاء الله " فلما كان يوم أُحد، أقبل أُبي في الحديد مقنعًا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على

стр. 1148

رسول الله ﷺ يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير، أخو بني عبد الدار، يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فقُتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أُبي بن خلف، من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة وطعنه فيها بحربته، فوقع إلى الأرض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور، فقالوا له: ما أجزعك إنما هو خدش؟ فذكر لهم قول رسول الله ﷺ : "بل أنا أقتل أُبيًا" ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي، بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون، فمات إلى النار ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (١) [الملك: ١١]. وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب بنحوه (٢). وذكر محمد بن إسحاق، قال: لما أسند رسول الله ﷺ في الشعب، أُدركه أُبي بن خلف وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ، فقال القوم: يا رسول الله يعطف عليه رجل منا، فقال رسول الله ﷺ : "دعوه" فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، فقال بعض القوم - ما ذكر لي - فلما أخذها رسول الله ﷺ منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ (٣) منها عن فرسه مرارًا. وذكر الواقدي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، نحو ذلك. قال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أُبي بن خلف ببطن رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل، إذا أنا بنار تأجج فهبتها، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ . هذا أُبي بن خلف (٤). وثبت في الصحيحين من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن همَّام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "اشتدَّ غضب الله على قوم فعلوا برسول الله ﷺ - وهو حينئذٍ يشير إلى رباعيته - واشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله" (٥)، ورواه البخاري أيضًا من حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اشتدّ غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ بيده في سبيل الله، واشتدّ غضب الله على قوم دَمّوا وجه رسول الله ﷺ (٦). قال ابن إسحاق: أُصيبت رباعية رسول الله ﷺ ، وشُجَّ في وجنته، وكُلِمت (٧) شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص، فحدثني صالح بن كيسان، عمَّن حدثه، عن سعد بن أبي وقاص قال: ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص إن كان ما علمته

стр. 1149

لسيء الخلق مبغضًا في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول الله ﷺ : ["اشتدَّ غضب الله على من دَمّى وجه رسول الله ﷺ " (١)] (٢)، وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن عثمان الجزري (٣)، عن مقسم أن رسول الله ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أُحد حين كسر رباعيته ودَمّى وجهه، فقال: "اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرًا" فما حال عليه الحول حتى مات كافرًا إلى النار (٤). وذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة، عن إسحاق (٥) بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي الحويرث، عن نافع بن جبير، قال: سمعت رجلًا من المهاجرين يقول: شهدت أُحدًا فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ورسول الله ﷺ وسطها، كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذٍ: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه ليس معه أحد، ثم جاوزه فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: والله ما رأيته أحلف بالله إنه منا ممنوع! خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إلى ذلك، قال الواقدي: والثبت عندنا، أن الذي رمى في وجنتي رسول الله ﷺ ابن قميئه (٦)، والذي دَمّى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص (٧). وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا ابن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، أخبرني عيسى بن طلحة، عن أُم المؤمنين عائشة ﵄، قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أُحد، قال: ذاك يوم كله لطلحة ثم أنشأ يحدث، قال: كنت أول من فاء يوم أُحد، فرأيت رجلًا يقاتل مع رسول الله ﷺ دونه وأراه قال: حمية، فقال: فقلت: كن طلحة حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلًا من قومي أحب إلي وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه وأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ [منه] (٨)، وهو يخطف المشي خطفًا [لا أحفظه] (٩)، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهينا إلى رسول الله ﷺ ، وقد كُسرت رباعيته وشُجَّ في وجهه، وقد دخل في وجنته حلقتان من حِلَق المغفر، فقال رسول الله ﷺ : "عليكما صاحبكما" يريد طلحة، وقد نزف فلم نلتفت إلى قوله، قال: وذهبت لأن أنزع ذلك من وجهه، فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقي لما تركتني فتركته، فكره أن يتناولها بيده فيؤذي رسول الله ﷺ ، فأزّم عليه بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنيّته مع الحلقة، وذهبت لأصنع [ما صنع] (١٠)، فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، قال:

стр. 1150

ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة أحسن الناس هَتَمًا (١)، فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار، فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت أصبعه، فأصلحنا من شأنه (٢). ورواه الهيثم بن كليب والطبراني من حديث إسحاق بن يحيى به. وعند الهيثم فقال أبو عبيدة: أنشدك الله يا أبا بكر إلا تركتني؟ فأخذ أبو عبيدِة السهم بفيه، فجعل ينضنضه (٣) كراهية أن يؤذي رسول الله ﷺ ثم استلَّ السهم بفيه فندرت ثنية أبي عبيدة، وذكر تمامه، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه، وقد ضعّف علي بن المديني هذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى هذا فإنه تكلم فيه يحيى بن سعيد القطان وأحمد ويحيى بن معين والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد والنسائي وغيرهم. وقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، أن عمر بن السائب حدثه، أنه بلغه، أن مالكًا أبا أبي سعيد الخدري لما [جرح] (٤) النبي ﷺ يوم أُحد مصَّ الجرح حتى أنقاه ولاح أبيض فقيل له: مجه، فقال: لا والله لا أمجه أبدًا، ثم أدبر يقاتل، فقال النبي ﷺ : "من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" فاستشهد (٥). [وقد ثبت في الصحيحين من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، أنه سئل عن جرح رسول الله ﷺ فقال: جرح وجه رسول الله ﷺ وكُسرت رباعيته وهُشمت البيضة على رأسه ﷺ ، فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم وكان عليٌّ يسكب عليه الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها حتى إذا صارت رمادًا ألصقته بالجرح فاستمسك الدم (٦)] (٧). وقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: فجزاكم غمًّا على غمّ، كما تقول العرب: نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان. وقال ابن جرير: وكذا قوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: على جذوع النخل (٨). قال ابن عباس: الغمُّ الأول بسبب الهزيمة، وحين قيل: قتل محمد ﷺ ، والثاني: حين

стр. 1151

علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي ﷺ : "اللهم ليس لهم أن يعلونا" (١). وعن عبد الرحمن بن عوف: الغمُّ الأول: بسبب الهزيمة، والثاني: حين قيل: قُتل محمد ﷺ كان ذلك عندهم أشدّ وأعظم من الهزيمة، رواهما ابن مردويه، وروي عن عمر بن الخطاب نحو ذلك (٢)، وذكر ابن أبي حاتم، عن قتادة نحو ذلك أيضًا (٣). وقال السدي: الغمُّ الأول: بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والثاني: بإشراف العدو عليهم (٤). وقال محمد بن إسحاق: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: كربًا بعد كرب قتل مَنْ قتل من إخوانكم، وعلو عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال: قُتل نبيكم، فكان ذلك يُتتابع عليكم غمًّا بغمّ (٥). وقال مجاهد وقتادة: الغمُّ الأول: سماعهم قتل محمد، والثاني: ما أصابهم من القتل والجراح (٦). وعن قتادة والربيع بن أنس عكسه (٧). وعن السدي: الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والثاني: إشراف العدو عليهم (٨)، وقد تقدم هذا القول عن السدي. قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ فأثابكم بغمكم أيها المؤمنون بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين والظفر بهم والنصر عليهم، وما أصابكم من القتل والجراح، يومئذٍ بعد الذي كان قد أراكم في كل ذلك ما تحبون بمعصيتكم أمر ربكم، وخلافكم أمر نبيكم ﷺ غمّ ظنكم أن نبيكم قد قتل وميل العدو عليكم بعد فُلولكم [منهم] (٩). وقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: على ما فاتكم من الغنيمة والظفر بعدوكم ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من الجراح والقتل، قاله (١٠) ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف والحسن وقتادة والسدي (١١). ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سبحانه وبحمده] (١٢).

стр. 1152

﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾. يقول تعالى ممتنًا على عباده المؤمنين فيما أنزل عليهم من السكينة [والأمنة] (١) وهو النعاس الذي غشيهم وهم مُسْتَلئمو (٢) السلاح في حال همّهم وغمّهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان، كما قال تعالى في سورة الأنفال في قصة بدر: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال]. وقال الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم ووكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود، قال: النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان (٣). وقال البخاري: وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة ﵁، قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أُحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه (٤). وهكذا رواه في المغازي معلقًا، ورواه في كتاب التفسير مسندًا عن شيبان، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أُحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه (٥). وقد رواه الترمذي والنسائي والحاكم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: رفعت رأسي يوم أُحد وجعلت أنظر وما منهم يومئذٍ أُحد إلا يميد (٦) تحت حجفته من النعاس، لفظ الترمذي، وقال: حسن صحيح (٧)، ورواه النسائي أيضًا، عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن أبي قتيبة، عن ابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أنس قال: قال أبو طلحة: كنت فيمن ألقي عليه النعاس، الحديث. وهكذا رُوِي عن الزبير وعبد الرحمن بن عوف.

стр. 1153

وقال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسين محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أُحد فجعل سيفي يسقط من يدي واخذه ويسقط وآخذه. قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم أجبن قوم وأرعنه وأخذله للحق ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ كَذَبة أنما هم أهل شك وريب في الله (١). هكذا رواه بهذه الزيادة وكأنها من كلام قتادة ﵀ وهو كما قال: [فإن] (٢) الله يقول: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ يعني: أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق وهم الجازمون بأن الله سينصر رسوله وينجز له مأموله، ولهذا قال: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني: لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)﴾ [الفتح]، وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة وأن الإِسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك إِذا حصل أمر من الأمور الفظيعة تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم ﴿يَقُولُونَ﴾ في تلك الحال ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ ثم فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ أي: يسرون هذه المقالة عن رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول معتب، رواه ابن أبي حاتم (٣). قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: هذا قدر قدره الله وحكم حتم لا محيد عنه ولا مناص منه. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: يختبركم بما جرى عليكم ليميز الخبيث من الطيب ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس في الأقوال والأفعال ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بما يتخالج في الصدور من السرائر والضمائر، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ أي: ببعض ذنوبهم السالفة كما قال بعض السلف: إِن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإِن من جزاء السيئة السيئة بعدها. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أي: عما كان منهم من الفرار ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

стр. 1154

أي: يغفر الذنب ويحلم عن خلقه ويتجاوز عنهم، وقد تقدم حديث ابن عمر في شأن عثمان وتوليه يوم أُحد وأن الله قد عفا عنه مع من عفا عنهم عند قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ومناسب ذكره ههنا. قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عاصم، عن شقيق، قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم حنين، قال عاصم: يقول: يوم أُحد، ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سنة عمر، قال: فانطلق فأخبر بذلك عثمان، قال: فقال عثمان: أما قوله أني لم أفر يوم عينين، فكيف يعيرني بذلك وقد عفى الله عنه؟ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهم، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهم فقد شهد، وأما قوله أني تركت سنة عمر فإِني لا أطيقها ولا هو، فأتاه فحدثه بذلك (١). والله أعلم. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾. ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار أو الحروب، لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾ أي: عن إخوانهم ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافروا للتجارة [ونحوها] (٢) ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ أي: كانوا في الغزو ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾ أي: في البلد ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ أي: ما ماتوا في السفر، وما قتلوا في الغزو وقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم، ثم قال تعالى رادًّا عليهم: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: بيده الخلق وإليه يرجع الأمر، ولا يحيي أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: علمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه من أمورهم (٣) شيء. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾

стр. 1155

تضمن هذا أن القتل في سبيل الله والموت أيضًا، وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا جَمْع حطامها الفاني، ثم أخبر تعالى بأن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى الله ، فيجزيه بعمله إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾. يقول تعالى مخاطبًا رسوله، ممتنًا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أُمته المتَّبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: أي شيء جعلك لهم لينًا، لولا رحمة الله بك وبهم. وقال قتادة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ يقول: فبرحمة من الله لنت لهم (١). وما صلة، والعرب تصلها بالمعرفة كقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] وبالنكرة كقوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ وهكذا ههنا قال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي برحمة من الله. وقال الحسن البصري: هذا خلق محمد ﷺ بعثه الله به (٢). وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة]. وقال الإمام أحمد: حدثنا حيوة، حدثنا [بقية] (٣)، حدثنا محمد بن زياد، حدثني أبو راشد الحُبْراني قال: أخذ بيدي أبو أُمامة الباهلي وقال: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: "يا أبا أُمامة إن من المؤمنين من يلين لي قلبه" (٤). تفرد به أحمد. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ والفظ الغليظ، والمراد به ههنا غليظ الكلام [لقوله بعد ذلك: ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ أي: لو كنت سيء الكلام] (٥)، قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفًا لقلوبهم، كما قال

стр. 1156

عبد الله بن عمرو: "أنه رأى صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدمة إنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح" (١). وروى أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي: أنبأنا بشر بن عبيد الدارمي، حدثنا عمار بن عبد الرحمن، عن المسعودي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض" (٢) حديث غريب. ولهذا قال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وكذلك كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث تطييبًا لقلوبهم ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه، كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون؟ ولكن نقول: اذهب، فنحن معك، وبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك (٣) مقاتلون. وشاورهم أيضًا أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المُعْنق ليموت، بالتقدم إلى أمام القوم (٤). وشاورهم في أُحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذٍ، فأبى ذلك عليه السعدان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين؛ فقال له الصّديق: إنا لم نجئ لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال، وقال ﷺ في قصة الإفك: "أشيروا عليّ معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم بسوء، والله ما علمت عليه إلا خيرًا" واستشار عليًا وأُسامة في فراق عائشة ﵂ (٥). فكان ﷺ يشاورهم في الحروب ونحوها (٦). وقد اختلف الفقهاء هل كان ذلك واجبًا عليه أو من باب الندب تطييبًا لقلوبهم؟ على قولين. وقد قال الحاكم في مستدركه: أنبأنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي، حدثنا يحيى بن أيوب [العلاف] (٧) بمصر، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال: أبو بكر وعمر ﵄، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (٨)، وكذا رواه الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزلت

стр. 1157

في أبي بكر وعمر، وكانا حواريّي رسول الله ﷺ ووزيريه، وأبوي المسلمين (١). وقد روى الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبد الحميد، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله ﷺ ، قال لأبي بكر وعمر: "لو اجتمعنا في مشورة ما خالفتكما" (٢). وروى ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزم؟ فقال: "مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم" (٣). وقد قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن بكير، عن شيبان، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "المستشار مؤتمن" (٤) ورواه أبو داود والترمذي، وحسنه النسائي من حديث عبد الملك بن عمير بأبسط من هذا (٥). ثم قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "المستشار مؤتمن " (٦) تفرد به. و [قال أيضًا] (٧): حدثنا أبو بكر، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعلي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه" (٨) تفرد به أيضًا. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ وهذا كما تقدم من قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] ثم أمرهم بالتوكل عليه، فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، قال ابن عباس مجاهد والحسن وغير واحد: ما ينبغي لنبي أن يخون (٩). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن

стр. 1158

سفيان، عن خُصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا: لعلَّ رسول الله ﷺ أخذها، فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: يخون (١). وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا خُصيف، حدثنا مِقسم، حدثني ابن عباس أن هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعلَّ رسول الله أخذها، فأكثروا في ذلك، فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢). وكذا رواه أبو داود والترمذي جميعًا عن قتيبة، عن عبد الواحد بن زياد به. وقال الترمذي: حسن غريب (٣)، ورواه بعضهم، عن خُصيف، عن مِقسم؛ يعني مرسلًا. وروى ابن مردويه من طريق أبي عمرو بن العلاء، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: اتَّهم المنافقون رسولَ الله ﷺ بشيء فُقد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (٤). وروي من غير وجه عن ابن عباس نحو ما تقدم. وهذا تبرئة له - صلوات الله وسلامه عليه - من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك. وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضًا (٥). وكذا قال الضحاك. وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ بأن يترك بعض ما أنزل إليه فلا يبلغه أُمته (٦). وقرأ الحسن البصري وطاوس ومجاهد والضحاك ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ بضم الياء (٧)؛ أي يخان (٨). وقال قتادة والربيع بن أنس: نزلت هذه الآية يوم بدر، وقد غلَّ بعض أصحابه. رواه ابن جرير عنهما (٩)، ثم حكى عن بعضهم أنه فسر هذه القراءة بمعنى: يتهم بالخيانة.

стр. 1159

ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقد وردت السنة بالنهي عن ذلك أيضًا في أحاديث متعددة، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك، حدثنا زهير - يعني ابن محمد -، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عطاء بن يسار، عن أبي مالك الأشجعي، عن النبي ﷺ قال: "أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض [أو في الدار] (١)، فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعًا، فإذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين إلى يوم القيامة" (٢). وفي الصحيحين عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين" (٣). (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود (٤)، حدثنا ابن لهيعة، عن ابن هبيرة والحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت المستورد بن شداد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ولي لنا عملًا وليس له منزل فليتخذ منزلًا أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادمًا، أو ليست له دابّة فليتخذ دابّة، ومن أصاب شيئًا سوى ذلك فهو غالِّ" (٥). هكذا رواه الإمام أحمد. وقد رواه أبو داود بسند آخر وسياق آخر، فقال: حدثنا موسى بن مروان الرقي، حدثنا المعافى، حدثنا الأوزاعي، عن الحارث بن يزيد، عن جُبير بن نفير، عن المستورد بن شداد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا" قال: قال أبو بكر: أخبرت أن النبي ﷺ ، قال: "من اتخذ غير ذلك فهو غالّ - أو سارق" (٦). قال شيخنا الحافظ المزي ﵀: رواه جعفر بن محمد الفريابي عن موسى بن مروان: فقال: عن عبد الرحمن بن جبير بدل (٧) جبير بن نفير، وهو أشبه بالصواب (٨). [(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن بشر، حدثنا يعقوب القمي، حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء (٩)، فينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك

стр. 1160

لك من الله شيئًا قد بلغتك، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملًا له رغاء (١)، فيقول: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد بلغتك، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسًا له حمحمة ينادي: يا محمد، يا محمد. فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك. ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قَشْعًا من أدم (٢) ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد بلغتك" (٣). لم يروه أحد من أهل الكتب الستة] (٤). (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن الزهري، سمع عروة يقول: حدثنا أبو حميد الساعدي: قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلًا من الأزد يقال له: [ابن اللُتبية] (٥) على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي. فقام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: "ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي: أفلا جلس في بيت أبيه وأُمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر" (٦)، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه: ثم قال: "اللهم هل بلغت" ثلاثًا، وزاد هشام بن عروة: فقال أبو حميد: بصرته بعيني وسمعته بأذني واسألوا زيد بن ثابت (٧)، أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة، وعند البخاري: واسألوا زيد بن ثابت، ومن غير وجه عن الزهري ومن طريق عن هشام بن عروة، كلاهما عن عروة به (٨). (حديث آخر) قال الإمام أحمد: [حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى] (٩) بن سعيد، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد، أن رسول الله ﷺ قال: "هدايا العمال غلول" (١٠) وهذا الحديث من أفراد أحمد، وهو ضعيف الإسناد، وكأنه مختصر من الذي قبله، والله أعلم. (حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي في كتاب الأحكام: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أُسامة، عن داود بن يزيد الأودي، عن المغيرة بن شبل، عن قيس بن أبي حازم، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري فرددت، فقال: "أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبنَّ شيئًا بغير إذني فإنه غلول ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لهذا
следующие страницы →