← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

فترتب، وهو أنهم عموا عن الحق وصموا فلا يسمعون حقًّا ولا يهتدون إليه، ثم تاب الله عليهم؛ أي: مما كانوا فيه، ثم ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾ أي: بعد ذلك، ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: مطلع عليهم وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾. يقول تعالى حاكمًا بتكفير فرق النصارى من الملكية واليعقوبية والنسطورية (١)، ممن قال منهم: بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوًا كبيرًا، هذا وقد تقدم لهم أن المسيح عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق وهو صغير في المهد أن قال: إني عبد الله، ولم يقل أنا الله ولا ابن الله، بل قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مريم] وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته آمرًا لهم بعبادة ربه وربهم، وحده لا شريك له، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي: فيعبد معه غيره ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ أي: فقد أوجب له النار وحرم عليه الجنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾ [الأعراف] وفي الصحيح أن النَّبِيّ ﷺ بعث مناديًا ينادي في الناس: إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وفي لفظ: مؤمنة (٢). وتقدم في أول سورة النساء عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [٤٨] حديث يزيد بن بابنوس عن عائشة: الدواوين ثلاثة، فذكر منه ديوانًا لا يغفره الله، وهو الشرك بالله، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾، والحديث في مسند أحمد (٣)، ولهذا قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي: وما له عند الله ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه.

стр. 1647

وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسن الهسنجاني، حَدَّثَنَا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، حَدَّثَنَا الفضل، حدثني أبو صخر في قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ قال: هو قول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة (١). وهذا قول غريب في تفسير الآية أن المراد بذلك طائفتا اليهود والنصارى، والصحيح أنها نزلت في النصارى خاصة، قاله مجاهد (٢) وغير واحد، ثم اختلفوا في ذلك فقيل: المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة: وهو أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. قال ابن جرير وغيره: والطوائف الثلاثة من الملكية واليعقوبية والنسطورية تقول بهذه الأقانيم (٣)، وهم مختلفون فيها اختلافًا متباينًا ليس هذا موضع بسطه، وكل فرقة منهم تكفر الأخرى، والحق أن الثلاثة كافرة. وقال السدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة (٤) بهذا الاعتبار، قال السدي: وهي كقوله تعالى في آخر السورة ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ الآية [المائدة: ١١٦] وهذا القول هو الأظهر - واللّه أعلم - قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: ليس متعددًا بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات، ثم قال تعالى متوعدًا لهم ومتهددًا ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: من هذا الافتراء والكذب ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الآخرة من الأغلال والنكال، ثم قال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه. وقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي: له سوية أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه، وأنه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام، كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الزخرف: ٥٩]. وقوله ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي: مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدل على أنها ليست بنبية كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة [سارة] (٥) أُم إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى، استدلالًا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيًا إلا من الرجال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري ﵀ الإجماع على ذلك.

стр. 1648

وقول تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ أي: يحتاجان إلى التغذية به، وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، ثم قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: نوضحها ونظهرها ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون، وبأي قول يتمسكون، وإلى أي مذهب من الضلال يذهبون؟ ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾. يقول تعالى منكرًا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد [والأوثان] (١)، ومبينًا له أنها لا تستحق شيئًا من الإلهية، فقال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم ودخل في ذلك النصارى وغيرهم ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر على دفع ضر إليكم ولا إيجاد نفع إليكم، ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوال عباده، العليم بكل شيء، فلم عدلتم عنه إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئًا ولا يملك ضرًا ولا نفعًا لغيره ولا لنفسه؟ ثم قال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق ولا تطروا من أمرتهم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتَّى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهًا من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم، شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديمًا، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الرحمن، حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: وقد كان قائم قام عليهم فأخذ بالكتاب والسنة زمانأ، فأتاه الشيطان فقال: إنما تركت أثرًا أو أمرًا قد عمل قبلك، فلا تحمد عليه، ولكن ابتدع أمرًا من قبل نفسك، وادع إليه وأجبر الناس عليه، ففعل ثم ادّكرَ بعد فعله زمانًا، فأراد أن يتوب منه، فخلع سلطانه وملكه، وأراد أن يتعبد، فلبث في عبادته أيامًا، فأتي فقيل له: لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك عسى أن يتاب عليك، ولكن ضل فلان وفلان وفلان في سبيلك حتَّى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة، فكيف لك بهداهم فلا توبة لك أبدًا؟ ففيه سمعنا وفي أشباهه هذه الآية ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ (٢).

стр. 1649

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾. يخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل فيما أنزله على داود نبيه ﵇، وعلى لسان عيسى ابن مريم، بسبب عصيانهم للّه واعتدائهم على خلقه. قال العوفي، عن ابن عباس: لعنوا في التوراة والإنجيل وفي الزبور وفي الفرقان (١). ثم بين حالهم فيما كانوا يعتمدونه في زمانهم، فقال تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ أي: كان لا ينهى أحد منهم أحدًا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه، فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وقال الإمام أحمد ﵀: حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا شريك بن عبد الله، عن أعلي بن بذيمة، (٢)، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا: فجالسوهم في مجالسهم" قال يزيد: وأحسبه قال: "وأسواقهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم"، ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وكان رسول الله ﷺ متكئًا، فجلس فقال: "لا والذي نفسي بيده حتَّى تأطروهم على الحق أطرًا" (٣). وكذا رواه الترمذي وابن ماجة من طريق علي بن بذيمة به، وقال الترمذي: حسن غريب ثم رواه هو وابن ماجة عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة مرسلًا (٤). وقال أبو داود: حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد النفيلي، حَدَّثَنَا يونس بن راشد، عن [علي بن بذيمة] (٥)، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا

стр. 1650

يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض - ثم قال -: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿فاسقون﴾ - ثم قال -: كلا واللّه لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو تقصرنه على الحق قصرًا" (١). وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، وهارون بن إسحاق الهمداني، قالا: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيرًا، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه، أن يكون أكيله وخليطه وشريكه" وفي حديث هارون "وشريبه"، ثم اتفقا في المتن "فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون" ثم قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، أو ليلعنكم كما لعنكم" والسياق لأبي سعيد (٢)، كذا قال في رواية هذا الحديث، وقد رواه أبو داود أيضًا عن خلف بن هشام، عن أبي شهاب الحناط، عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن سالم - وهو ابن عجلان الأفطس -، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النَّبِيّ ﷺ بنحوه، ثم قال أبو داود: كذا رواه خالد، عن العلاء، عن عمرو بن مرة به، ورواه [المحاربي] (٣) عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله (٤). قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وقد رواه خالد بن عبد الله الواسطي عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن أبي موسى (٥). والأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدًّا، ولنذكر منها ما يناسب هذا المقام، قد تقدم حديث جابر عند قوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣] وسيأتي عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] حديث أبي بكر الصديق وأبي ثعلبة الخشني، فقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان أن النَّبِيّ ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم" (٦)، ورواه الترمذي عن علي بن

стр. 1651

حجر عن إسماعيل بن جعفر به، وقال: هذا حديث حسن. وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا معاوية بن هشام، عن هشام بن سعد، عن عمرو بن عثمان، عن عاصم بن عمر بن عثمان، عن عروة، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم" (١). تفرد به، وعاصم هذا مجهول. وفي الصحيح من طريق الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد، وعن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم (٢). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا ابن نمير، حَدَّثَنَا سيف - هو: ابن أبي سليمان -، سمعت عدي بن عدي الكندي يحدث عن مجاهد قال: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي - يعني عدي بن عميرة ﵁، يقول: سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول: "إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتَّى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك، عذب الله الخاصة والعامة"، ثم رواه أحمد عن أحمد بن الحجاج، عن عبد الله بن المبارك، عن سيف بن أبي سليمان، عن عيسى بن عدي الكندي، حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكره (٣)، هكذا رواه الإمام أحمد من هذين الوجهين. قال أبو داود: حَدَّثَنَا محمد بن العلاء، حَدَّثَنَا أبو بكر، حَدَّثَنَا المغيرة بن زياد الموصلي عن عدي بن عدي، عن العرس - يعني ابن عميرة -، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها، - وقال مرة فأنكرها - كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها" تفرد به أبو داود، ثم رواه عن أحمد بن يونس، عن أبي شهاب، عن [مغيرة بن زياد] (٤)، عن عدي بن عدي مرسلًا (٥). وقال أبو داود: حَدَّثَنَا سليمان بن حرب وحفص بن عمر، قالا: حَدَّثَنَا شعبة - وهذا لفظه -، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري قال: أخبرني من سمع النَّبِيّ ﷺ ، وقال سليمان، حدثني رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ أن النَّبِيّ ﷺ قال: "لن يهلك الناس حتَّى يَعذروا أو يُعذروا من أنفسهم" (٦).

стр. 1652

وقال ابن ماجة: حَدَّثَنَا عمران بن موسى، حَدَّثَنَا حماد بن زيد، حَدَّثَنَا علي بن زيد بن جدعان، عن [أبي نضرة] (١)، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا، فكان فيما قال: "ألا لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه". قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا (٢). وفي حديث إسرائيل عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الجهاد كلمة عدل (٣) عند سلطان جائر" ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه (٤). وقال ابن ماجة: حَدَّثَنَا راشد بن سعيد الرملي، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن أبي غالب، عن أبي أُمامة: قال: عرض لرسول الله ﷺ رجل عند الجمرة الأولى، فقال: يا رسول الله؛ أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب قال: "أين السائل؟ " قال: أنا يا رسول الله. قال: "كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر" (٥) تفرد به. وقال ابن ماجة: حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا عبد الله بن نمير وأبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرة، عن أبي البُختري عن أبي سعيد قال؛ قال رسول الله ﷺ : "لا يَحقِر أحدكم نفسه" قالوا يا رسول الله: كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: "يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى" (٦) تفرد به، وقال أيضًا: حَدَّثَنَا علي بن محمد، حَدَّثَنَا محمد بن فضيل، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا عبد الله بن عبد الرحمن أبو طوالة، حَدَّثَنَا نهار العبدي أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يسأل العبد يوم القيامة حتَّى يقول: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؛ فإذا لقّن الله عبدًا حجته قال: يا رب رجوتك] وفَرقْتُ (٧)

стр. 1653

الناس" (١) تفرد به أيضًا ابن ماجة، وإسناده لا بأس به. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عمرو بن عاصم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن جندب، عن حذيفة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه" قيل: وكيف يذل نفسه؟ قال: "يتعرض من البلاء لما لا يطيق". وكذا رواه الترمذي وابن ماجة جميعًا عن محمد بن بشار، عن عمرو بن عاصم به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب (٢). وقال ابن ماجة: حَدَّثَنَا العباس بن الوليد الدمشقي، حَدَّثَنَا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، حَدَّثَنَا الهيثم بن حميد، حَدَّثَنَا أبو معبد حفص بن غيلان الرعيني، عن مكحول، عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ قال: "إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم" قلنا يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: "الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالكم" قال زيد: تفسير معنى قول النَّبِيّ ﷺ والعلم في رذالكم إذا كان العلم في الفساق (٣)، تفرد به ابن ماجة، وسيأتي في حديث أبي ثعلبة عند قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] شاهد لهذا، إن شاء الله تعالى وبه الثقة. وقوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال مجاهد: يعني بذلك المنافقين (٤). وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني: بذلك موالاتهم للكافرين، وتركهم موالاة المؤمنين التي أعقبتهم نفاقًا في قلوبهم، وأسخطت الله عليهم سخطًا مستمرًا إلى يوم معادهم، ولهذا قال: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وفسر بذلك ما ذمهم به، ثم أخبر عنهم أنهم ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ يعني: يوم القيامة. قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا هشام بن عمار، حَدَّثَنَا مسلمة بن علي، عن الأعمش بإسناد ذكره، قال: "يا معشر المسلمين، إياكم والزنا، فإن فيه ست خصال: ثلاثًا في الدنيا، وثلاثًا في الآخرة، فأما التي في الدنيا فإنه يذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما التي في الآخرة فإنه يوجب سخط الرب، وسوء الحساب، والخلود في النار"، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ هكذا ذكره ابن أبي حاتم (٥). وقد رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عمار، عن مسلمة، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النَّبِيّ ﷺ فذكره، وساقه أيضًا من طريق سعيد بن [عُفير] (٦) عن مسلمة، عن أبي

стр. 1654

عبد الرحمن الكوفي، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النَّبِيّ ﷺ فذكر مثله (١). وهذا حديث ضعيف على كل حال، واللّه أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لو آمنوا حق الإيمان بالله والرسول والقرآن لما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن، ومعاداة المؤمنين باللّه والنبي وما أنزل إليه، ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن طاعة الله ورسوله، مخالفون لآيات وحيه وتنزيله. ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن، بكوا حتَّى [أخضلوا] (٢) لحاهم (٣). وهذا القول فيه نظر، لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة. وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النَّبِيّ ﷺ ليسمعوا كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه (٤). قال السدي: فهاجر النجاشي فمات بالطريق (٥). وهذا من أفراد السدي، فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة، وصلى عليه النَّبِيّ ﷺ يوم مات، وأخبر به أصحابه، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة. ثم اختلف في عدة هذا الوفد، فقيل: اثنا عشر: سبعة قساوسة وخمسة رهابين. وقيل: بالعكس. وقيل: خمسون. وقيل: بضع وستون. وقيل: سبعون رجلًا، فاللّه أعلم. وقال عطاء بن أبي رباح: هم قوم من أهل الحبشة أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين (٦).

стр. 1655

وقال قتادة: هم قوم كانوا على دين عيسى ابن مريم، فلما رأوا المسلمين، وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا (١)، واختار ابن جرير أن هذه الآيات نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة، سواء كانوا من الحبشة أو غيرها. فقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ ما ذاك إلا لأن كفر اليهود كفر عناد وجحود ومباهتة للحق وغمط للناس وتنقص بحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيرًا من الأنبياء حتَّى همّوا بقتل رسول الله ﷺ غير مرة، وسموه وسحروه، وألّبوا عليه أشباههم من المشركين عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. قال الحافظ أبو بكر بن مردويه عند تفسير هذه الآية: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن السري، حَدَّثَنَا محمد بن علي بن حبيب الرقي، حَدَّثَنَا علي بن سعيد العلاف، حَدَّثَنَا أبو النضر، عن [الأشجعي] (٢)، عن سفيان، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما خلا يهودي بمسلم قط إلا همّ بقتله"، ثم رواه عن محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري، حَدَّثَنَا أحمد بن سهل بن أيوب الأهوازي، حَدَّثَنَا فرج بن عبيد، حَدَّثَنَا عباد بن العوام، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما خلا يهودي بمسلم إلا حدث نفسه بقتله" (٣)، وهذا حديث غريب جدًّا. وقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ أي: الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: وَجَعَلنَا في قُلُوبِ ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً﴾ [الحديد: ٢٧] وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر. وليس القتال مشروعًا في ملتهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: يوجد فيهم القسيسون وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم قسيس وقس أيضًا، وقد يجمع على قسوس، والرهبان جمع راهب، وهو العابد، مشتق من الرهبة، وهي الخوف، كراكب وركبان، وفرسان. قال ابن جرير: وقد يكون الرهبان واحدًا وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، وجردان وجرادين، وقد يجمع على رهابنة، ومن الدليل على أنه يكون عند العرب واحدًا قول الشاعر: لو عاينت رُهبان دير في القلل … لانحدر الرهبان يمشي ونزل (٤) وقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا بشر بن آدم. حَدَّثَنَا نصير بن أبي الأشعث، حدثني الصلت الدهان، عن حامية (٥) بن رئاب، قال: سألت سلمان عن قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ

стр. 1656

مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فقال: دع القسيسين في البيع والخرب، أقرأني رسول الله ﷺ : "ذلك بأن منهم صديقين ورهبانًا" (١)، وكذا رواه ابن مردويه من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن نُصير بن زياد الطائي، عن صلت الدهان، عن حامية بن رئاب، عن سلمان به (٢). قال ابن أبي حاتم: ذكره أبي، حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الحميد الحِمّاني، حَدَّثَنَا نصير بن زياد الطائي، حَدَّثَنَا صلت الدهان، عن حامية بن رئاب قال: سمعت سلمان وسئل عن قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فقال: هم الرهبان الذين هم في الصوامع والخرب فدعوهم فيها، قال سلمان: وقرأت على النَّبِيّ ﷺ : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فأقرأني "ذلك بأن منهم صديقين ورهبانًا" (٣). فقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: مما عندهم من البشارة ببعثة محمد ﷺ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به. وقد روى النسائي عن عمرو بن علي الفلاس، عن عمر بن علي بن مقدم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وفي أصحابه ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ (٤). وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طريق [سماك] (٥)، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: مع محمد ﷺ وأمته هم الشاهدون، يشهدون لنبيهم ﷺ أنه قد بلغ وللرسل أنهم قد بلغوا، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (٦). وقال الطبراني: حَدَّثَنَا أبو شبيل عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا العباس بن الفضل، عن عبد الجبار بن نافع الضبي، عن قتادة، وجعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ قال: إنهم كانوا نوّاتين يعني: ملاحين (٧)، قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة،

стр. 1657

فلما قرأ رسول الله ﷺ عليهم القرآن، آمنوا وفاضت أعينهم، فقال رسول الله ﷺ : "لعلكم إذا رجعتم إلى أرضكم انتقلتم إلى دينكم" فقالوا: لن ننتقل عن ديننا، فأنزل الله ذلك من قولهم: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾ (١). وهذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩] وهم الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ إلى قوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥] ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: فجزاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا لا يحولون ولا يزولون ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان وأين كان ومع من كان، ثم أخبر عن حالٌ الأشقياء فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: جحدوا بها وخالفوها، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أي: هم أهلها والداخلون فيها. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب النَّبِيّ ﷺ ، قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النَّبِيّ ﷺ ، فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك، فقالوا: نعم، فقال النَّبِيّ ﷺ : "لكني أصوم وأفطر، وأصلي، وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني" رواه ابن أبي حاتم (٢)، وروى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس نحو ذلك (٣)، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النَّبِيّ ﷺ عن عمله في السر فقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا أنام على الفراش. فبلغ ذلك النَّبِيّ ﷺ فقال: "ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٤). وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن عصام الأنصاري، حَدَّثَنَا أبو عاصم الضحاك بن مخلد،

стр. 1658

عن عثمان يعني [ابن سعد] (١)، أخبرني عكرمة، عن ابن عباس أن رجلًا أتى النَّبِيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء، وإني حرمت عليّ اللحم، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢). وكذا رواه الترمذي وابن جرير جميعًا عن عمرو بن علي الفلاس عن أبي عاصم النبيل به. وقال: حسن غريب (٣). وقد روي من وجه آخر مرسلًا، وروي موقوفًا على ابن عباس، فاللّه أعلم. وقال سفيان الثوري ووكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا نغزو مع النَّبِيّ ﷺ وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية (٤)، أخرجاه من حديث إسماعيل (٥)، وهذا كان قبل تحريم نكاح المتعة، والله أعلم. وقال الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عمرو بن شرحبيل، قال: جاء معقل بن مقرن إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني حرمت فراشي، فتلا هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية (٦). وقال الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود، فجيء بضرع فتنحى رجل، فقال له عبد الله: ادْنُ، فقال: إني حرمت أن آكله، فقال عبد الله: اذنُ فاطعم وكفر عن يمينك، وتلا هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية: رواهن ابن أبي حاتم، وروى الحاكم هذا الأثر الأخير في مستدركه من طريق إسحاق بن راهويه، عن جرير، عن منصور به، ثم قال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (٧). ثم قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا يونس بن عبد الأعلى، حَدَّثَنَا ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد أن زيد بن أسلم حدثه أن عبد الله بن رواحة أضافه ضيف من أهله، وهو عند النَّبِيّ ﷺ ، ثم رجع إلى أهله فوجدهم، لم يطعموا ضيفهم انتظارًا له، فقال لامرأته حبست ضيفي من أجلي هو علي حرام، فقالت امرأته: هو علي حرام. وقال الضيف: هو علي حرام، فلما رأى ذلك وضع يده

стр. 1659

وقال: كلوا باسم الله، ثم ذهب إلى النَّبِيِّ ﷺ فذكر الذي كان منهم، ثم أنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١) وهذا أثر منقطع. وفي صحيح البخاري في قصة الصديق مع أضيافه شبيه بهذا (٢)، وفيه وفي هذه القصة دلالة لمن ذهب من العلماء كالشافعي وغيره إلى أن من حرم مأكلًا أو ملبسًا أو شيئًا ما عدا النساء أنه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضًا، ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ولأن الذي حرم اللحم على نفسه كما في الحديث المتقدم لم يأمره النَّبِيّ ﷺ بكفارة، وذهب آخرون منهم الإمام أحمد بن حنبل إلى أن من حرم مأكلًا أو مشربًا أو ملبسًا أو شيئًا من الأشياء، فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين، كما إذا التزم تركه باليمين، فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزامًا له بما التزمه، كما أفتي بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ [التحريم: ١] ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [التحريم: ٢] وكذلك ها هنا لما ذكر هذا الحكم، عقبه بن بن بالآية المبينة لتكفير اليمين، فدل على أن هذا منزل منزلة اليمين في اقتضاء التكفير، والله أعلم. وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا القاسم، حَدَّثَنَا الحسين، حَدَّثَنَا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا، ويخصوا أنفسهم، ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن جريج، عن عكرمة: أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالمًا مولى أبي حذيفة في أصحابه تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل، وصيام النهار، فنزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من الاختصاء، فلما نزلت فيهم بعث إليهم رسول الله ﷺ فقال: "إن لأنفسكم حقًّا، وإن لأعينكم حقًّا، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا" فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت (٣). وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين مرسلة، ولها شاهد في الصحيحين من رواية عائشة أم المؤمنين كما تقدم ذلك (٤)، ولله الحمد والمنة.

стр. 1660

وقال أسباط، عن السدي في قوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ جلس يومًا فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التخويف، فقال ناس من أصحاب النَّبِيّ ﷺ : كانوا عشرة منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون: ما حقنا إن لم نحدث عملًا، فإن النصارى قد حرموا على أنفسهم فنحن نحرم، فحرم بعضهم أن يأكل اللحم والودك، وأن يأكل بالنهار، وحرم بعضهم النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء فكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه، فأتت امرأته عائشة ﵂ وكان يقال لها الحولاء، فقالت لها عائشة ومن عندها من أزواج النَّبِيّ ﷺ : ما بالك يا حولاء متغيرة اللون، لا تمتشطين ولا تتطيبين؟ فقالت: وكيف أمتشط وأتطيب وما وقع علي زوجي، وما وقع عني ثوبًا منذ كذا وكذا؟ قال: فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله ﷺ وهن يضحكن، فقال: "ما يضحككن؟ " قالت: يا رسول الله إن الحولاء سألتها عن أمرها. فقالت: ما رفع عني زوجي ثوبًا منذ كذا وكذا، فأرسل إليه فدعاه فقال: "ما لك يا عثمان؟ " قال: إني تركته لله لكي أتخلى للعبادة، وقص عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يجبّ نفسه، فقال رسول الله ﷺ : "أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك". فقال: يا رسول الله إني صائم. فقال: "أفطر" فأفطر وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى عائشة وقد امتشطت واكتحلت وتطيبت، فضحكت عائشة وقالت: ما لك يا حولاء؟ فقالت: إنه أتاها أمس. وقال رسول الله ﷺ : "ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم، ألا إني أنام وأقوم وأفطر وأصوم وأنكح النساء، فمن رغب عني فليس مني" فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ يقول لعثمان: لا تجبّ نفسك، فإن هذا هو الاعتداء، وأمرهم أن يكفروا عن أيمانهم فقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] رواه ابن جرير (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ يحتمل أن يكون المراد منه ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم المباحات عليكم، كما قاله من قاله من السلف، ويحتمل أن يكون المراد كما لا تحرموا الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم ولا تجاوزوا الحد فيه: كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧] فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط، ولهذا قال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ أي: في حال كونه حلالًا طيبًا ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم، واتبعوا طاعته ورضوانه، واتركوا مخالفته وعصيانه ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.

стр. 1661

﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾. وقد تقدم الكلام على اللغو في اليمين في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا (١)، ولله الحمد والمنة، وأنه قول الرجل في الكلام من غير قصد: لا واللّه وبلى واللّه. وهذا مذهب الشافعي. وقيل: هو في الهزل. وقيل: في المعصية. [وقيل: على غلبة الظن، وهو قول أبي حنيفة وأحمد. وقيل: اليمين في الغضب] (٢) وقيل: في النسيان. وقيل: هو الحلف على ترك الماكل والمشرب والملبس ونحو ذلك (٣)، واستدلوا بقوله: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ أي: بما صممتم عليه منها وقصدتموها، ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ يعني: محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما يكفيه. وقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال ابن عَبَّاسٍ وسعيد بن جبير وعكرمة: أي من أعدل ما تطعمون أهليكم (٤). وقال عطاء الخراساني: من أمثل ما تطعمون أهليكم (٥). قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي قال: خبز ولبن، وخبز وسمن (٦). وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس بن عبد الأعلى - قراءة -، حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة، عن سليمان - يعني ابن أبي المغيرة -، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الرجل يقوت بعض أهله قوت دون، وبعضهم قوتًا فيه سعة، فقال الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي: من الخبز والزيت (٧). وحدثنا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: من عسرهم وشرهم (٨). وحدثنا عبد الرحمن بن خلف الحمصي. حَدَّثَنَا محمد بن شعيب - يعني ابن شابور -، وحدثنا

стр. 1662

[شيبان] (١) بن عبد الرحمن التميمي، عن ليث بن أبي سُليم، عن عاصم الأحول، عن رجل يقال له: عبد الرحمن، عن ابن ﵁ أنه قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، قال: الخبز واللحم، والخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والخل (٢). وحدثنا علي بن حرب الموصلي، حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن ابن عمر في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: الخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والتمر، ومن أفضل ما تطعمون أهليكم الخبز واللحم (٣). ورواه ابن جرير عن هناد وابن وكيع، كلاهما عن أبي معاوية (٤)، ثم روى ابن جرير عن عبيدة والأسود وشريح القاضي ومحمد بن سيرين والحسن والضحاك وأبي رزين، أنهم قالوا نحو ذلك (٥)، وحكاه ابن أبي حاتم عن مكحول أيضًا (٦). واختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي: في القلة والكثرة، ثم اختلف العلماء في مقدارما يطعمهم: فقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد، حَدَّثَنَا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن حصين الحارثي، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي ﵁ في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: يغديهم ويعشيهم (٧). وقال الحسن ومحمد بن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزًا ولحمًا، زاد الحسن: فإن لم يجد فخبزًا وسمنًا ولبنًا، فإن لم يجد فخبزًا وزيتًا وخلًا، حتَّى يشبعوا (٨). وقال آخرون: يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر ونحوهما، فهذا قول عمر وعلي وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وأبي مالك والضحاك والحكم ومكحول وأبي قلابة ومقاتل بن حيان. وقال أبو حنيفة: نصف صاع بُرّ وصاع مما عداه. وقد قال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن الحسن الثقفي، حَدَّثَنَا عبيد بن الحسن بن يوسف، حَدَّثَنَا محمد بن معاوية، حَدَّثَنَا زياد بن عبد الله بن الطفيل بن [سخبرة] (٩) بن أخي عائشة لأمه، حَدَّثَنَا عمر بن يعلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كفّر رسول الله ﷺ بصاع من تمر، وأمر الناس به، ومن لم يجد فنصف صاع من

стр. 1663

بُر (١). ورواه ابن ماجه عن العباس بن يزيد، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي، عن المنهال بن عمرو به (٢)، لا يصح هذا الحديث لحال عمر بن عبد الله هذا، فإنه مجمع على ضعفه، وذكروا أنه كان يشرب الخمر. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا ابن إدريس، عن داود - يعني ابن أبي هند -، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: مُد من بُرَ يعني: لكل مسكين ومعه إدامه (٣)، ثم قال: وروي عن ابن عمر وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء وعكرمة وأبي الشعثاء والقاسم وسالم وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار والحسن ومحمد بن سيرين والزهري، نحو ذلك (٤). وقال الشافعي: الواجب في كفارة اليمين مُد بمُد النَّبِيّ ﷺ لكل مسكين ولم يتعرض للأدم. واحتج بأمر النَّبِيّ ﷺ للذي جامع في رمضان بأن يطعم ستين مسكينًا من مكتل يسع خمسة عشر صاعا، لكل واحد منهم مُدّ. وقد ورد حديث آخر صريح في ذلك، فقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا أحمد بن علي بن الحسن المقري، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق السراج، حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا النضر بن زرارة الكوفي، عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان يقيم كفارة اليمين مُدًا من حنطة بالمد الأول (٥). وإسناده ضعيف لحال النضر بن زرارة بن عبد الأكرم الذهلي الكوفي نزيل بلخ، قال فيه أبو حاتم الرازي: هو مجهول مع أنه قد روى عنه غير واحد، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: روى عنه قتيبة بن سعيد أشياء مستقيمة، فالثه أعلم، ثم إن شيخه العمري ضعيف أيضًا. وقال أحمد بن حنبل: الواجب مُد من بُرّ أو مُدان من غيره، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال الشافعي: ﵀: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مَقْنَعة، أجزأه ذلك، واختلف أصحابه في القلنسوة: هل تجزئ أم لا؟ على وجهين، فمنهم من ذهب إلى الجواز احتجاجًا بما رواه ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج وعمار بن خالد الواسطي: قالا: حَدَّثَنَا القاسم بن مالك، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، قال: سألت عمران بن الحصين عن قوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال: لو أن وفدًا قدموا على أميركم فكساهم قلنسوة، قلنسوة قلتم: قد كُسُوا (٦)، ولكن هذا

стр. 1664

إسناد ضعيف لحال محمد بن الزبير هذا، والله أعلم. وهكذا حكى الشيخ أبو حامد الإسفراييني: في الخف وجهين أيضًا، والصحيح عدم الإجزاء. وقال مالك وأحمد بن حنبل: لا بدّ أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه، إن كان رجلًا أو امرأة كل بحسبه، واللّه أعلم. وقال العوفي، عن ابن عباس: عباءة لكل مسكين أو شملة (١). وقال مجاهد: أدناه ثوب وأعلاه ما شئت (٢). وقال ليث عن مجاهد: يجزئ في كفارة اليمين كل شيء إلا التبان (٣). وقال الحسن وأبو جعفر الباقر وعطاء وطاوس وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وأبو مالك: ثوب ثوب (٤). وعن إبراهيم النخعي أيضًا: ثوب جامع كالملحفة والرداء، ولا يرى الدرع والقميص والخمار ونحوه جامعًا (٥). وقال الأنصاري، عن أشعث، عن ابن سيرين والحسن: ثوبان ثوبان (٦). وقال الثوري، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب: عمامة يلف بها رأسه، وعباءة يلتحف بها (٧). وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا هناد، حَدَّثَنَا ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن أبي موسى أنه حلف على يمين، فكسا ثوبين من معقدة البحرين (٨) (٩). وقال ابن مردويه: حَدَّثَنَا سليمان بن أحمد، حَدَّثَنَا أحمد بن المعلى، حَدَّثَنَا هشام بن عمار، حَدَّثَنَا إسماعيل بن [عياش] (١٠)، عن مقاتل بن سليمان، عن أبي عثمان، عن أبي عياض، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال: "عباءة لكل مسكين" (١١)، حديث غريب.

стр. 1665

وقوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أخذ أبو حنيفة بإطلاقها فقال: تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة. وقال الشافعي وآخرون: لا بدّ أن تكون مؤمنة. وأخذ تقييدها بالإيمان من كفارة القتل لاتحاد الموجب وإن اختلف السبب. ومن حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي هو في موطأ مالك ومسند الشافعي وصحيح مسلم أنه ذكر أن عليه عتق رقبة، وجاء معه بجارية سوداء فقال لها رسول الله ﷺ : "أين الله؟ ". قالت: في السماء. قال: "من أنا؟ " قالت: رسول الله. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة … " الحديث بطوله (١). فهذه خصال ثلاث في كفارة اليمين؛ أيها فعل الحانث أجزأ عنه بالإجماع، وقد بدأ بالأسهل، فالإطعام أسهل وأيسر من الكسوة، كما أن الكسوة أيسر من العتق، فترقى فيها من الأدنى إلى الأعلى، فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفر بصيام ثلاثة أيام، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير والحسن البصري، أنهما قالا: من وجد ثلاثة دراهم لزمه الإطعام وإلا صام (٢). وقال ابن جرير حاكيًا عن بعض متأخري متفقهة زمانه أنه جائز لمن لم يكن له فضل عن رأس مال يتصرف فيه لمعاشه، ومن الفضل عن ذلك ما يكفر به عن يمينه، ثم اختار ابن جرير أنه الذي لا يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه ذلك ما يخرج به كفارة اليمين (٣). واختلف العلماء: هل يجب فيها التتابع أو يستحب ولا يجب، ويجزئ التفريق؟ قولان: أحدهما: لا يجب وهذا منصوص الشافعي في كتاب الأيمان، وهو قول مالك لإطلاق قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ وهو صادق على المجموعة والمفرقة، كما في قضاء رمضان لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ونص الشافعي في موضع آخر في الأم على وجوب التتابع، كما هو قول الحنفية والحنابلة، لأنَّهُ قد روي عن أُبيّ بن كعب وغيره أنهم كانوا يقرؤونها (فصيام ثلاثة أيام متتابعات). قال أبو جعفر الرازي: عن الربيع، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب أنه كان يقرؤها (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (٤) وحكاها مجاهد والشعبي وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود. وقال إبراهيم: في قراءة أصحاب عبد الله بن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (٥). وقال الأعمش: كان أصحاب ابن مسعود يقرؤونها كذلك (٦)، وهذه إذا لم يثبت كونها قرآنًا

стр. 1666

متواترًا، فلا أقل أن يكون خبرًا واحدًا أو تفسيرًا من الصحابة وهو في حكم المرفوع. وقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن علي، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر الأشعري، حَدَّثَنَا الهيثم بن خالد القرشي، حَدَّثَنَا يزيد بن قيس، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن جريج، عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا رسول الله، نحن بالخيار؟ قال: "أنت بالخيار إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات" (١) وهذا حديث غريب جدًّا. وقوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ أي: هذه كفارة اليمين الشرعية ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. قال ابن جرير: معناه لا تتركوها بغير تكفير ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: يوضحها ويفسرها ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾. يقول تعالى: ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر والميسر وهو: القمار، وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: الشطرنج من الميسر، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن [عُبيس] (٢) بن مرحوم، عن حاتم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي به (٣). وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن عطاء ومجاهد وطاوس قال سفيان: أو اثنين منهم قالوا: كل شيء من القمار فهو من الميسر حتَّى لعب الصبيان بالجوز (٤)، وروي عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب مثله (٥)، وقالا: حتَّى الكعاب (٦) والجوز والبيض التي تلعب بها الصبيان. وقال موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الميسر هو القمار (٧). وقال الضحاك، عن ابن عباس، قال: الميسر هو القمار، كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإسلام، فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة (٨). وقال مالك، عن داود بن الحصين أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: كان ميسر أهل الجاهلية

стр. 1667

بيع اللحم بالشاة والشاتين (١). وقال الزهري، عن الأعرج، قال: الميسر الضرب بالقداح على الأموال والثمار (٢). وقال القاسم بن محمد: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر (٣)، رواهن ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن منصور الرمادي، حَدَّثَنَا هشام بن عمار، حَدَّثَنَا صدقة، حَدَّثَنَا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة، عن أبي موسى الأشعري، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجرًا، فإنها من الميسر" (٤) حديث غريب، وكان المراد بهذا هو النرد الذي ورد الحديث به في صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : "من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه" (٥). وفي موطأ مالك ومسند أحمد وسنن أبي داود وابن ماجة، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله" (٦) وروي موقوفًا عن أبي موسى من قوله، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا [مكي] (٧) بن إبراهيم، حَدَّثَنَا الجعيد، عن موسى بن عبد الرحمن الخطمي، أنه سمع محمد بن كعب وهو يسأل عبد الرحمن يقول: أخبرني ما سمعت أباك يقول عن رسول الله ﷺ ، فقال عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي، مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي" (٨). وأما الشطرنج فقد قال عبد الله بن عمر إنه شرّ من النرد، وتقدم عن علي أنه قال: هو من الميسر، ونص على تحريمه مالك وأبو حنيفة وأحمد، وكرهه الشافعي، رحمهم الله تعالى. وأما الأنصاب، فقال ابن عَبَّاس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وغير واحد: هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها. وأما الأزلام فقالوا أيضًا: هي قداح كانوا يستقسمون بها (٩)، رواه ابن أبي حاتم.

стр. 1668

وقوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي سخط من عمل الشيطان (١). وقال سعيد بن جبير: إثم (٢). وقال زيد] بن أسلم: أي شر من عمل الشيطان (٣)، ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الضمير عائد إلى الرجس؛ أي: اتركوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وهذا أثر غريب. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ وهذا تهديد وترهيب. ذكر الأحاديث الواردة في بيان تحريم الخمر: قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سُريج، حَدَّثَنَا أبو معشر، عن أبي وهب مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ … ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ٢١٩]. فقال الناس: ما حُرّما علينا إنما قال: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، وكانوا يشربون الخمر حتَّى كان يومًا من الأيام، صلى رجل من المهاجرين، أمّ أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله أغلظ منها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فكان الناس يشربون حتَّى يأتي أحدهم الصلاة وهو مُغبق (٤)، ثم أنزلت آية أغلظ منها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ قالوا: انتهينا ربنا. وقال الناس: يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على فرشهم، كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسًا من عمل الشيطان، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾: "لو حرّم عليهم لتركوه كما تركتم" (٥) انفرد به أحمد. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا خلف بن الوليد، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب أنه قال لما نزل تحريم الخمر، قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في البقرة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في سورة

стр. 1669

النساء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فكان منادي رسول الله ﷺ إذا قال: حي على الصلاة، نادى: لا يقربنّ الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ قول الله تعالى: قال عمر: انتهينا انتهينا (١). وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي ميسرة واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني، عن عمر به، وليس له عنه سواه، قال أبو زرعة: ولم يسمع منه. وصحح هذا الحديث علي بن المديني والترمذي (٢). وقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته على منبر رسول الله ﷺ : أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل (٣). وقال البخاري: حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم، حَدَّثَنَا محمد بن بشر، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، حدثني نافع، عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذٍ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب (٤). (حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا محمد بن أبي حميد، عن المصري - يعني أبا طعمة قارئ مصر -، قال: سمعت ابن عمر يقول: نزلت في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء نزل ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية، فقيل: حَرُمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله، دعنا ننتفع بها كما قال الله تعالى، قال: فسكت عنهم، ثم نزلت هذه الآية ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله إنا لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم، ثم نزلت ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الآيتين، فقال رسول الله ﷺ : "حَرُمت الخمر" (٥). (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يعلى، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عن القعقاع بن حكيم، أن عبد الرحمن بن وعلة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر، فقال: كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف، أو من دوس، فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال رسول الله ﷺ : "يا فلان أما علمت أن الله حرَّمها؟ " فاقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبِعها، فقال رسول الله ﷺ : "يا فلان بماذا أمرته؟ " فقال: أمرته أن يبيعها. قال: "إن الذي حرّم شربها حرّم بيعها" فأمر بها فأفرغت في البطحاء، ورواه مسلم من طريق ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن

стр. 1670

أسلم، ومن طريق ابن وهب أيضًا عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، كلاهما عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس به (١)، ورواه النسائي عن قتيبة، عن مالك به. (حديث آخر) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حَدَّثَنَا محمد بن أبي بكر المقدمي، حَدَّثَنَا أبو بكر الحنفي، حَدَّثَنَا عبد الحميد بن جعفر، عن شهر بن حوشب، عن تميم الداري أنه كان يهدي لرسول الله ﷺ كل عام راوية من خمر، فلما أنزل الله تحريم الخمر جاء بها، فلما رآها رسول الله ﷺ ضحك وقال: "إنها قد حُرِّمت بعدك" قال: يا رسول الله فابيعها وأنتفع بثمنها، فقال رسول الله ﷺ : "لعن الله اليهود، حُرِّمت عليهم شحوم البقر والغنم، فأذابوه وباعوه، والله حَرَّم الخمر وثمنها" (٢). وقد رواه أيضًا الإمام أحمد فقال: حَدَّثَنَا روح، حَدَّثَنَا عبد الحميد بن بهرام قال: سمعت شهر بن حوشب قال: حدثني عبد الرحمن بن غُنم، أن الداري كان يهدي لرسول الله ﷺ كل عام راوية من خمر، فلما كان عام حُرِّمت، جاء براوية، فلما نظر إليه ضحك، فقال: "أشعرت أنها قد حُرِّمت بعدك" فقال: يا رسول الله، ألا أبيعها وأنتفع بثمنها؟ فقال رسول الله: "لعن الله اليهود انطلقوا إلى ما حُرِّم عليهم من شحم البقر والغنم، فأذابوه، فباعوا به ما يأكلون، وإن الخمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام" (٣). (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن نافع بن كيسان أن أباه أخبره أنه كان يتجر في الخمر في زمن رسول الله ﷺ وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق يريد بها التجارة، فأتى بها رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني جئتك بشراب جيد، فقال رسول الله ﷺ : "يا كيسان، إنها قد حُرِّمت بعدك" قال: فأبيعها يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنها قد حرمت وحرم ثمنها"، فانطلق كيسان إلى الزقاق فأخذ بأرجلها ثم هراقها (٤). (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، عن حميد، عن أنس قال: كنت [أسقي] (٥) أبا عبيدة بن الجراح وأُبي بن كعب وسعيد بن بيضاء ونفرًا من أصحابه عند أبي طلحة حتَّى كاد الشراب يأخذ منهم، فأتى آتٍ من المسلمين فقال: أما شعرتم أن الخمر قد حرمت؟ فقالوا: حتَّى ننظر ونسأل، فقالوا: يا أنس اسكب ما بقي في إنائك فواللّه ما عادوا فيها، وما هي

стр. 1671

إلا التمر والبسر، وهي خمرهم يومئذ (١)، أخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن أنس، وفي رواية حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ البُسر والتمر، فإذا منادٍ ينادي قال: اخرج فانظر، فإذا منادٍ ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، فجرت في سكك المدينة، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فهرقتها فقالوا أو قال بعضهم: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية (٢). وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا محمد بن بشار، حدثني [عبد الكبير] (٣) بن عبد المجيد، عن عباد بن راشد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيدة بن الجراح وأبي دُجانة ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء حتَّى مالت رؤوسهم من خليط بُسر وتمر، فسمعت مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حُرّمت. قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتَّى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا، واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أم سليم، ثم خرجنا إلى المسجد فإذا رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال رجل: يا رسول الله، فما ترى فيمن مات وهو يشربها؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية، فقال رجل لقتادة: أنت سمعته من أنس بن مالك قال: نعم، وقال رجل لأنس بن مالك، أنت سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: نعم، أو حدثني من لم يكذب، ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب (٤). (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى بن إسحاق، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عُبيد الله بن زَحر، عن [بكر] (٥) بن سوادة، عن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول الله ﷺ قال: "إن ربي ﵎، حَرّم الخمر والكوبةَ (٦) والقنِّين (٧)، وإياكم والغُبيراء (٨) فإنها ثلت خمر العالم" (٩). (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا فرج بن فضالة، عن إبراهيم بن

стр. 1672

عبد الرحمن بن رافع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو. قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر (١) والكوبة والقنِّين، وزادني صلاة الوتر" قال يزيد: القنين البرابط (٢) (٣)، تفرد به أحمد. وقال أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا أبو عاصم - وهو النبيل -، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، حَدَّثَنَا يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "من قال على ما لم أقل فليتبوأ مقعده من جهنم" قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة والغُبيراء وكل مسكر حرام" تفرد به أحمد أيضًا (٤). (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن أبي طعمة مولاهم، وعن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي أنهما سمعا ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "لعنت الخمر على عشرة أوجه: لعنت الخمر بعينها، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها"، ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث وكيع به (٥). وقال أحمد: حَدَّثَنَا حسن، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حَدَّثَنَا أبو طعمة، سمعت ابن عمر يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى [المربد] (٦) فخرجت معه، فكنت معه، فكنت عن يمينه، وأقبل أبو بكر فتأخرت عنه، فكان عن يمينه وكنت عن يساره، ثم أقبل عمر فتنحيت له فكان عن يساره، فأتى رسول الله ﷺ المربد فإذا بزقاق على المِربَد فيها خمر، قال ابن عمر: فدعاني رسول الله ﷺ بالمدية، قال ابن عمر: وما عرفت المدية إلا يومئذٍ، فأمر بالزقاق فشقت، ثم قال: "لُعنت الخمر وشاربها، وسا قيها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاصرها ومعتصرها، وآكل ثمنها" (٧). وقال أحمد: حَدَّثَنَا الحكم بن نافع، حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب قال: قال عبد الله بن عمر: أمرني رسول الله ﷺ يأن آتيه بمدية وهي: الشفرة، فأتيته بها، فأرسل بها، فأهرقت ثم أعطانيها، وقال: "اغدُ عليّ بها" ففعلت، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة، وفيها زقاق الخمر قد جُلبت من الشام، فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته ثم أعطانيها، وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي وأن يعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق

стр. 1673

كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته، ففعلت فلم أترك في أسواقها زقًا إلا شققته (١). (حديث آخر) قال عبد الله بن وهب: أخبرني عبد الرحمن بن شريح وابن لهيعة والليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن ثابت، عن يزيد الخولاني أخبره أنه كان له عم يبيع الخمر، وكان يتصدق، قال: فنهيته عنها فلم ينته، فقدمت المدينة فلقيت ابن عباس فسألته عن الخمر وثمنها، فقال: هي حرام، وثمنها حرام، ثم قال ابن عَبَّاس ﵁: يا معشر أمة محمد، إنه لو كان كتاب بعد كتابكم، ونبي بعد نبيكم، لأنزل فيكم كما أنزل قبلكم، ولكن أخّر ذلك من أمركم إلى يوم القيامة ولعمري لهو أشد عليكم، قال ثابت: فلقيت عبد الله بن عمر فسألته عن ثمن الخمر فقال: سأخبرك عن الخمر، إني كنت مع رسول الله ﷺ في المسجد فبينما هو محتب على حبوته، ثم قال: "من كان عنده من هذه الخمر شيء فليأتنا بها" فجعلوا يأتونه فيقول أحدهم: عندي راوية، ويقول الآخَر: عندي زق، أو ما شاء الله أن يكون عنده، فقال رسول الله ﷺ : "اجمعوه ببقيع كذا وكذا، ثم آذنوني" ففعلوا، ثم آذنوه، فقام وقمت معه ومشيت عن يمينه وهو متكئ عليّ، فلحقنا أبو بكر ﵁، فأخرني رسول الله ﷺ ، فجعلني عن شماله وجعل أبا بكر في مكاني، ثم لحقنا عمر بن الخطاب ﵁، فأخرني وجعله عن يساره، فمشى بينهما حتَّى إذا وقف على الخمر قال للناس"أتعرفون هذه؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، هذه الخمر، قال: "صدقتم"، ثم قال: "فإن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وسا قيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها ومشتريها، وآكل ثمنها" ثم دعا بسكين فقال: "اشحذوها" ففعلوا، ثم أخذها رسول الله ﷺ يخرق بها الزقاق، قال: فقال الناس: في هذه الزقاق منفعة، فقال: "أجل ولكني إنما أفعل ذلك غضبًا للّه لما فيها من سخطه" فقال عمر: أنا أكفيك يا رسول الله، قال: "لا" قال ابن وهب: وبعضهم يزيد على بعض في قصة الحديث، رواه البيهقي (٢). [(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر البيهقي] (٣) أنبأنا أبو الحسين بن بشر، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار، حَدَّثَنَا محمد بن عبيد الله المنادي، حَدَّثَنَا وهب بن جرير، حَدَّثَنَا شعبة، عن سماك، عن مصعب بن سعد. عن سعد قال: أنزلت في الخمر أربع آيات، فذكر الحديث قال: وصنع رجل من الأنصار طعامًا فدعانا، فشربنا الخمر قبل أن تحرم حتَّى انتشينا فتفاخرنا، فقالت الأنصار: نحن أفضل، وقالت قريش: نحن أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور، فضرب به أنف سعد ففزره، وكانت أنف سعد مفزورة، فنزلت ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أخرجه مسلم من حديث شعبة (٤).

стр. 1674

(حديث آخر) قال البيهقي: وأخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنبأنا أبو علي الرفاء، حَدَّثَنَا علي بن عبد العزيز، حَدَّثَنَا حجاج بن منهال، حَدَّثَنَا ربيعة بن كلثوم، حدثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا فلما أن ثمل القوم، عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ولحيته، فيقول صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فيقول: والله لو كان بي رؤوفًا رحيمًا ما صنع بي هذا، حتَّى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال أناس من المتكلفين: هي رجس وهي في بطن فلان، وقد قتل يوم أُحد: فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا … ﴾ إلى آخر الآية، ورواه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة، عن حجاج بن منهال (١). (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثني محمد بن خلف، حَدَّثَنَا سعيد بن محمد الحرمي، عن أبي تُميلة، عن سلام مولى حفص أبي القاسم، عن ابن بُريدة، عن أبيه قال بينا نحن قعود على شراب لنا، ونحن على رملة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطية (٢) لنا ونحن نشرب الخمر حلَا، إذ قمت حتَّى أتيتُ رسول الله ﷺ فأسلم عليه، إذ نزل تحريم الخمر ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ … ﴾ إلى آخر الآيتين، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال: وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضها وبقي بعض في الإناء فقال: بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا ربنا (٣). (حديث آخر) قال البخاري: حَدَّثَنَا صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر قال صبح أناس غَداةَ أُحد الخمر، فقتلوا من يومهم جميعًا شهداء، وذلك قبل تحريمها (٤)، هكذا رواه البخاري في تفسيره من صحيحه. وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حَدَّثَنَا أحمد بن عبدة، حَدَّثَنَا سفيان، عن عمرو بن دينار، سمع جابر بن عبد الله يقول: اصطبح ناس الخمر من أصحاب النَّبِيّ ﷺ ، ثم قتلوا شهداء يوم أُحد فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ثم قال: وهذا إسناد صحيح، وهو كما قال: ولكن في سياقه غرابة (٥).

стр. 1675

(حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: لما نزل تحريم الخمر قالوا: كيف بمن كان يشربها قبل أن تحرم؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية، ورواه الترمذي عن بُندار عن غُندر عن شعبة به نحوه، وقال: حسن صحيح (١). (حديث آخر) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حَدَّثَنَا جعفر بن حميد الكوفي، حَدَّثَنَا يعقوب [القمي] (٢)، عن عيسى بن جارية، عن جابر بن عبد الله قال: كان رجل يحمل الخمر من خيبر إلى المدينة فيبيعها من المسلمين، فحمل منها بمال فقدم بها المدينة فلقيه رجل من المسلمين فقال يا فلان، إن الخمر قد حُرّمت فوضعها حيث انتهى على تل، وسجى (٣) عليها بأكسية، ثم أتى النَّبِيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، بلغني أن الخمر قد حُرّمت؟ قال: "أجل" قال لي أن أردها على من ابتعتها منه؟ قال: "لا يصلح ردها". قال: لي أن أهديها إلى من يكافئني منها؟ قال: "لا". قال: فإن فيها مالًا ليتامى في حجري، قال: "إذا أتانا مال البحرين فأتنا نعوض أيتامك من مالهم" ثم نادى بالمدينة، فقال رجل: يا رسول الله، الأوعية ننتفع بها؟ قال: "فحلوا أوكيتها" فانصبت حتَّى استقرت في بطن الوادي (٤)، هذا حديث غريب. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا سفيان، عن السدي، عن [أبي هبيرة] (٥) - وهو يحيى بن عباد الأنصاري -، عن أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام في حجره ورثوا خمرًا فقال: "أهرقها". قال: أفلا نجعلها خلًا؟ قال: "لا" (٦). ورواه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث الثوري به نحوه (٧). (حديث آخر) قال ابن أبي حاتم حَدَّثَنَا عبد الله بن رجاء، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن سلمة، حَدَّثَنَا هلال بن أبي هلال، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: إن هذه الآية التي في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ قال: هي في التوراة إن الله أنزل الحق ليذهب به الباطل، ويبطل به اللعب والمزامير، والزفن (٨) والكنارات (٩)؛ يعني: البرابط والزمارات، يعني به الدف والطنابير والشعر والخمر مرة

стр. 1676

لمن طعمها، أقسم الله بيمينه وعزته من شربها بعد ما حرمتها لأعطشنه يوم القيامة، ومن تركها بعد ما حرمتها لأسقينه إياها في حظيرة القدس (١). وهذا إسناد صحيح. (حديث آخر) قال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، أن عمرو بن شعيب حدثهم، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ قال: "من ترك الصلاة سكرًا مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسُلبها، ومن ترك الصلاة سكرًا أربع مرات، كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال" قيل: وما طينة الخبال؟ قال: "عصارة أهل جهنم" ورواه أحمد من طريق عمرو بن شعيب (٢). (حديث آخر) قال أبو داود: حَدَّثَنَا محمد بن رافع، حَدَّثَنَا إبراهيم بن عمر الصنعاني قال: سمعت النعمان هو: ابن أبي شيبة الجندي يقول: عن طاوس، عن ابن عباس، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام ومن شرب مسكرًا بخست صلاته أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال" قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: "صديد أهل النار. ومن سقاه صغيرًا لا يعرف حلاله من حرامه، كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال" (٣) تفرد به أبو داود. (حديث آخر) قال الشافعي ﵀: أنبأنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من شرب الخمر في الدنيا لم يتب منها حرمها في الآخرة" أخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك به. وروى مسلم عن أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر فمات وهو يدمنها ولم يتب منها، لم يشربها في الآخرة" (٤). (حديث آخر) قال ابن وهب: أخبرني عمر بن محمد، عن عبد الله بن يسار أنه سمع سالم بن عبد الله يقول: قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى". ورواه النسائي عن عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد العمري به. وروى أحمد عن غندر، عن شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن أبي سعيد، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لا يدخل الجنة مِنَّان ولا عاق ولا مُدمن خمر". ورواه أحمد أيضًا عن عبد الصمد، عن عبد العزيز بن مسلم، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد به. وعن مروان بن شجاع، عن خُصيف، عن مجاهد به. ورواه النسائي عن القاسم بن زكريا، عن حسين الجعفي، عن زائدة، عن يزيد بن أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد ومجاهد، كلاهما عن أبي سعيد به (٥).

стр. 1677

(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لا يدخل الجنة عاق، ولا مدمن خمر، ولا منان، ولا ولد زنية" وكذا رواه عن يزيد، عن همام، عن منصور، عن سالم، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو به، وقد رواه أيضًا عن غندر وغيره، عن شعبة، عن منصور، عن سالم، عن نبيط بن شريط، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لا يدخل الجنة منان، ولا عاق والديه، ولا مدمن خمر". ورواه النسائي من حديث شعبة كذلك، ثم قال: ولا نعلم أحدًا تابع شعبة عن نبيط بن شريط. وقال البخاري: لا يعرف لجابان سماع عن عبد الله، ولا لسالم من جابان ولا نبيط، وقد روي هذا الحديث من طريق مجاهد عن ابن عباس، ومن طريقه أيضًا عن أبي هريرة، فالله أعلم (١). وقال الزهري: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن أباه قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث إنه كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت: إنّا ندعوك لشهادة فدخل معها فطفقت كلما دخل بابًا أغلقته دونه حتَّى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر فقالت إني والله ما دعوتك لشهادة ولكن دعوتك لتقع علي أو تقتل هذا الغلام أو تشرب هذا الخمر فسقته كأسًا فقال: زيدوني فلم يرم حتَّى وقع عليها وقتل النفس فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبدًا إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه. رواه البيهقي (٢) وهذا إسناد صحيح وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه"ذم المسكر" عن محمد بن عبد الله بن بزيع، عن الفضيل بن سليمان النميري، عن عمر بن سعيد، عن الزهري به مرفوعًا (٣) والموقوف أصح واللّه أعلم، وله شاهد في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق سرقة حين يسرقها وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" (٤). وقال أحمد بن حنبل: حَدَّثَنَا أسود بن عامر، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما حرمت الخمر قال ناس: يا رسول الله، أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ … إلى آخر الآية، ولما حولت القبلة قال ناس: يا رسول الله، إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٥) [البقرة: ١٤٣]. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا داود بن مهران الدباغ، حَدَّثَنَا داود - يعني: العطار - عن أبي

стр. 1678

خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد أنها سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول: "من شرب الخمر لم يرض الله عنه أربعين ليلة، إن مات مات كافرًا، وإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال" قالت: قلت: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: "صديد أهل النار" (١). وقال الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أن النَّبِيّ ﷺ قال: لما نزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ فقال النَّبِيّ ﷺ : "قيل لي: أنت منهم" وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريقه (٢). وقال عبد الله بن الإمام أحمد: قرأت على أبي، حَدَّثَنَا علي بن عاصم، حَدَّثَنَا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم وهاتان الكعبتان (٣) الموسومتان اللتان تزجران زجرًا فإنهما ميسر العجم" (٤). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾. قال الوالبي، عن ابن عباس قوله: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ قال: هو الضعيف من الصيد وصغيره، يبتلي الله به عباده في إحرامهم، حتَّى لو شاءوا لتناولوه بأيديهم، فنهاهم الله أن يقربوه (٥). وقال مجاهد: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ يعني: صغار الصيد وفراخه، ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ يعني: كباره (٦). وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية، فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم، لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ (٧) يعني: أنه تعالى يبتليهم بالصيد، يغشاهم في رحالهم يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سرًا وجهرًا، لتظهر طاعة من يطيع منهم في سره وجهره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].

стр. 1679

وقوله ههنا: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قال السدي وغيره: يعني بعد هذا الإعلام والإنذار والتقدم، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: لمخالفته أمر الله وشرعه. ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام، ونهي عن تعاطيه فيه، وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول وما يتولد منه ومن غيره، فأما غير المأكول من حيوانات البر، فعند الشافعي يجوز للمحرم قتلها، والجمهور على تحريم قتلها أيضًا، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت في الصحيحين من طريق الزهري عن عروة، عن عائشة أُم المؤمنين أن رسول الله قال: "خمس فواسق يقتلن في الحلّ والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" (١). وقال مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله قال: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" أخرجاه، ورواه أيوب عن نافع عن ابن عمر مثله. قال أيوب: فقلت لنافع: فالحية؟ قال الحية لا شكَّ فيها. ولا يختلف في قتلها (٢). ومن العلماء كمالك وأحمد من ألحق بالكلب العقور الذئب والسبع والنمر والفهد، لأنها أشد ضررًا منه، فاللّه أعلم. وقال زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة: الكلب العقور يشمل هذه السباع العادية كلها، واستأنس من قال بهذا بما روي أن رسول الله ﷺ لما دعا على عُتبة بن أبي لهب قال: "اللهم سلط عليه كلبك بالشام" فأكله السبع بالزرقاء (٣) (٤). قالوا: فإن قتل ما عداهن فداه، كالضبع والثعلب [وهرّ البر] (٥) ونحو ذلك، قال مالك: وكذا يستثنى من ذلك صغار هذه الخمس المنصوص عليها، وصغار الملحق بها من السباع العوادي. وقال الشافعي: يجوز للمحرم قتل كل ما لا يؤكل لحمه، ولا فرق بين صغاره وكباره، وجعل العِلّة الجامعة كونها لا تؤكل. وقال أبو حنيفة: يقتل المُحرم الكلب العقور والذئب، لأنَّهُ كلب بري، فإن قتل غيرهما فداه إلا أن يصول عليه سبع غيرهما فيقتله فلا فداء عليه، وهذا قول الأوزاعي والحسن بن صالح بن حي. وقال زُفر بن الهذيل: يفدي ما سوى ذلك وإن صال عليه. وقال بعض الناس: المراد بالغراب ههنا الأبقع، وهو الذي في بطنه وظهره بياض دون الأدرع

стр. 1680

وهو الأسود، والأعصم وهو الأبيض، لما رواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "خمس يقتلهن المحرم: الحية، والفأرة، والحدأة، والغراب الأبقع، والكلب العقور" (١). والجمهور على أن المراد به أعم من ذلك، لما ثبت في الصحيحين من إطلاق لفظه (٢). وقال مالك ﵀: لا يقتل المحرم الغراب إلا إذا صال عليه وآذاه. وقال مجاهد بن جبر وطائفة: لا يقتله بل يرميه، ويروى مثله عن علي. وقد روى هشيم: حَدَّثَنَا يزيد بن أبي زياد: عن عبد الرحمن بن أبي [نُعْم] (٣)، عن أبي سعيد، عن النَّبِيّ ﷺ أنه سئل عما يقتل المحرم؟ فقال: "الحية، والعقرب، والفُويسقة، ويرمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي" رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، والترمذي عن أحمد بن منيع، كلاهما عن هشيم وابن ماجة، عن أبي كريب، عن محمد بن فضيل، كلاهما عن يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا ابن عُلية، عن أيوب قال: نُبئت عن طاوس أنه قال: لا يحكم على من أصاب صيدًا خطأ، إنما يحكم على من أصابه متعمدًا (٥). وهذا مذهب غريب عن طاوس وهو متمسك بظاهر الآية، وقال مجاهد بن جبر: المراد بالمتعمد هنا القاصد إلى قتل الصيد، الناسي لإحرامه، فأما المتعمد لقتل الصيد مع ذكره لإحرامه، فذاك أمره أعظم من أن يكفر، وقد بطل إحرامه، ورواه ابن جرير عنه من طريق ابن أبي نجيح (٦)، وليث بن أبي سليم وغيرهما عنه (٧)، وهو قول غريب أيضًا، والذي عليه الجمهور أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه. وقال الزهري: دلّ الكتاب على العامد، وجرت السنة على الناسي (٨)، ومعنى هذا أن القرآن دلّ على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ وجاءت السنة من أحكام النَّبِيّ ﷺ وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في

стр. 1681

الخطأ، كما دلّ الكتاب عليه في العمد، وأيضًا فإن قتل الصيد إتلاف، والإتلاف مضمون في العمد وفي النسيان، لكن المتعمد مأثوم، والمخطئ غير ملوم. وقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قرأ بعضهم بالإضافة، وقرأ آخرون بعطفها ﴿فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١)، وحكَى ابن جرير، أن ابن مسعود قرأها ﴿فَجَزَاءُهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٢). وفي قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ على كل من القراءتين دليل لما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد والجمهور، من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم، إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي خلافًا لأبي حنيفة ﵀، حيث أوجب القيمة سواء كان للصيد المقتول مثليًا أو غير مثلي، قال: وهو مخير إن شاء تصدق بثمنه، وإن شاء اشترى به هديًا، والذي حكم به الصحابة في المثل أولى بالاتباع، فإنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الغزال بعنز، وذكر قضايا الصحابة وأسانيدها مقرر في كتاب الأحكام، وأما إذا لم يكن الصيد مثليًا فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه يحمل إلى مكة، رواه البيهقي. وقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني: أنه يحكم بالجزاء في المثل أو بالقيمة في غير المثل عدلان من المسلمين. واختلف العلماء في القاتل: هل يجوز أن يكون أحد الحكمين؟ على قولين: (أحدهما): لا، لأنَّهُ قد يتهم في حكمه على نفسه، وهذا مذهب مالك. (والثاني): نعم، لعموم الآية، وهو مذهب الشافعي وأحمد، واحتج الأولون بأن الحاكم لا يكون محكومًا عليه في صورة واحدة. قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو نعيم الفضل بن دكين، حَدَّثَنَا جعفر هو ابن برقان، عن ميمون بن مهران أن أعرابيًا أتى أبا بكر، فقال: قتلت صيدًا وأنا محرم، فما ترى علي من الجزاء؟ فقال أبو بكر ﵁ لأبي بن كعب وهو جالس عنده: ما ترى فيما قال؟ فقال الأعرابي: أتيتك وأنت خليفة رسول الله ﷺ أسألك، فإذا أنت تسأل غيرك؟ فقال أبو بكر: وما تنكر؟ يقول الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فشاورت صاحبي حتَّى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به (٣)، وهذا إسناد جيد، لكنه منقطع بين ميمون وبين الصديق، ومثله يحتمل ههنا، فبين له الصديق الحكم برفق وتؤدة لما رآه أعرابيًا جاهلًا، وإنما دواء الجهل التعليم، فأما إذا كان المعترض منسوبًا إلى العلم، فقد قال ابن جرير: حَدَّثَنَا هناد وأبو هشام الرفاعي، قالا: حَدَّثَنَا وكيع بن الجراح، عن المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: خرجنا حجاجًا، فكنا إذا صلينا الغداة اقتدنا رواحلنا، فنتماشى نتحدث. قال: فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي أو برح (٤)، فرماه رجل كان معنا بحجر فما

стр. 1682

أخطأ خُشّاءَهُ (١)، فركب رَدْعَه ميتًا (٢). قال: فَعَظّمْنا عليه، فلما قدمنا مكة، خرجت معه حتَّى أتينا عمر بن الخطاب ﵁، فقصَّ عليه القصة فقال: وإذا إلى جنبه رجل كأن وجهه قلب فضة، يعني عبد الرحمن بن عوف، فالتفت عمر إلى صاحبه فكلمه، قال: ثم أقبل على الرجل فقال: أعمدًا قتلته أم خطأ؟ فقال الرجل: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله، فقال عمر: ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها، واسق إهابها (٣)، قال: فقمنا من عنده، فقلت لصاحبي: أيها الرجل، [عظم] (٤) شعائر الله، فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتَّى سأل صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها. فلعل ذلك يعني أن يجزئ عنك، قال قبيصة: ولا أذكر الآية من سورة المائدة ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فبلغ عمر مقالتي، فلم يفجأنا منه إلا ومعه الدرّة، قال: فعلا صاحبي ضربًا بالدرة، أقتلت في الحرم وسفهت في الحكم؟ قال: ثم أقبل علي، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحلّ لك اليوم شيئًا يَحرُم عليك مني، فقال: يا قَبيصة بن جابر، إني أراك شاب السن، فسيح الصدر، بين اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيء، فيفسد الخلق السيء الأخلاق الحسنة، فإياك وعثرات الشباب (٥). وروى هشيم هذه القصة عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بنحوه. ورواها أيضًا عن حصين، عن الشعبي، عن قَبيصة بنحوه. وذكرها مرسلة عن عمر بن بكر بن عبد الله المزني ومحمد بن سيرين بنحوه (٦). وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا عبد الرحمن، حَدَّثَنَا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، أخبرني ابن جرير البجلي، قال: أصبت ظبيًا وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر، فقال: ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك، فأتيت عبد الرحمن وسعدًا فحكما عليّ بتيس أعفر (٧) (٨). وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن وكيع، حَدَّثَنَا ابن عيينة، عن مخارق، عن طارق، قال: أوطأ أربد (٩) ظبيًا فقتله وهو محرم، فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي، فحكما فيه جديًا قد جمع الماء والشجر، ثم قال عمر: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١٠). وفي هذا دلالة على جواز كون القاتل أحد الحكمين، كما قاله الشافعي وأحمد رحمهما الله.

стр. 1683

واختلفوا: هل تستأنف الحكومة في كل ما يصيبه المحرم، فيجب أن يحكم فيه ذوا عدل، وإن كان قد حكم في مثله الصحابة أو يكتفى بأحكام الصحابة المتقدمة؟ على قولين: فقال الشافعي وأحمد: يتبع في ذلك ما حكمت به الصحابة، وجعلاه شرعًا مقررًا لا يعدل عنه، وما لم يحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى عدلين. وقال مالك وأبو حنيفة: بل يجب الحكم في كل فرد فرد سواء وجد للصحابة في مثله حكم أم لا، لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أي: واصلًا إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك ويفرق لحمه على مساكين الحرم، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة. وقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أي: إذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام بين الجزاء والإطعام والصيام، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وأحد قولي الشافعي، والمشهور عن أحمد، ﵏، لظاهر "أو" بأنها للتخيير. والقول الآخر: أنها على الترتيب، فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة، فيقوم الصيد المقتول عند مالك وأبي حنيفة وأصحابه وحماد وإبراهيم. وقال الشافعي: يقوم مثله من النعم لو كان موجودًا، ثم يُشترى به طعام فيتصدق به فيصرف لكل مسكين مد منه، عند الشافعي ومالك وفقهاء الحجاز، واختاره ابن جرير. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يطعم كل مسكين مدين، وهو قول مجاهد. وقال أحمد: مد من حنطة أو مدان من غيره، فإن لم يجد أو قلنا بالتخيير، صام عن إطعام كل مسكين يومًا. وقال ابن جرير: وقال آخرون: يصوم مكان كل صاع يومًا كما في جزاء المترفه بالحلق ونحوه، فإن الشارع أمر كعب بن عجرة أن يقسم فرقًا بين ستة، أو يصوم ثلاثة أيام، والفرق ثلاثة آصع، واختلفوا في مكان هذا الإطعام، فقال الشافعي: مكانه الحرم، وهو قول عطاء. وقال مالك يطعم في المكان الذي أصاب فيه الصيد أو أقرب الأماكن إليه. وقال أبو حنيفة: إن شاء أطعم في الحرم، وإن شاء أطعم في غيره. ذكر قوال السلف في هذا المقام: قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا يحيى بن المغيرة، حَدَّثَنَا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم، فإن لم يجد، نظر كم ثمنه، ثم قوم ثمنه طعامًا، قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قال: إنما أريد بالطعام والصيام، أنه إذا وجد الطعام وجد جزاؤه (١). ورواه ابن جرير من طريق جرير.

стр. 1684

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، فإذا قتل المحرم شيئًا من الصيد حكم عليه فيه، فإن قتل ظبيًا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فإن قتل أيلًا أو نحوه، فعليه بقرة، فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينًا، فإن لم يجد صام عشرين يومًا، وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه، فعليه بدنة من الإبل، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينًا، فإن لم يجد صام ثلاثين يومًا" رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (١)، وزاد: الطعام مدّ مدّ يشبعهم. وقال جابر [الجعفي] (٢)، عن عامر الشعبي وعطاء ومجاهد ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قالوا: إنما الطعام لمن لا يبلغ الهدي رواه ابن جرير وكذا روى ابن جريج عن مجاهد وأسباط عن السدي أنها على الترتيب. وقال عطاء وعكرمة ومجاهد في رواية الضحاك وإبراهيم النخعي: هي على الخيار (٣)، وهي رواية الليث عن مجاهد، عن ابن عباس، واختار ذلك ابن جرير ﵀. وقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أي: أوجبنا عليه الكفارة ليذوق عقوبة فعله الذي ارتكب فيه المخالفة ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ أي: في زمان الجاهلية لمن أحسن في الإسلام واتبع شرع الله، ولم يرتكب المعصية، ثم قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أي: ومن فعل ذلك بعد تحريمه في الإسلام وبلوغ الحكم الشرعي إليه ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. قال ابن جريج: قلت لعطاء: " ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾؟ قال: عما كان في الجاهلية. قال: قلت: وما ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾؛ قال: ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه، وعليه مع ذلك الكفارة. قال: قلت: فهل في العود من حد تعلمه؟ قال: لا، قال قلت: فترى حقًّا على الإمام أن يعاقبه؟ قال: لا، هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين الله ، ولكن يفتدي" (٤) رواه ابن جرير. وقيل: معناه فينتقم الله منه بالكفارة، قاله سعيد بن [جبير] (٥) وعطاء (٦)، ثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد رجب الجزاء، ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة، وإن تكرر ما تكرر سواء الخطأ في ذلك والعمد. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: من قتل شيئًا من الصيد خطأ وهو محرم، يحكم عليه فيه كلما قتله، فإن قتله عمدًا يحكم عليه فيه مرة واحدة، فإن عاد يقال له: ينتقم الله منك، كما قال الله (٧). وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا عمرو بن علي، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد وابن أبي عدي، جميعًا عن

стр. 1685

هشام - هو ابن حسان -، عن عكرمة، عن ابن عباس، فيمن أصاب صيدًا يحكم عليه ثم عاد قال: لا يحكم عليه، ينتقم الله منه (١). وهكذا قال شريح ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي (٢)، رواهن ابن جرير، ثم اختار القول الأول. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا العباس بن يزيد العبدي، حَدَّثَنَا المعتمر بن سليمان عن زيد بن أبي المعلى، عن الحسن البصري أن رجلًا أصاب صيدًا فتجوز عنه، ثم عاد فأصاب صيدًا آخر، فنزلت نار من السماء فأحرقته، فهو قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (٣). وقال ابن جرير في قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾: يقول عز ذكره: واللّه منيع في سلطانه، لا يقهره قاهر ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانع، لأن الخلق خلقه، والأمر أمره، له العزة والمنعة. وقوله: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ يعني: أنه ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه. وللّه الحمد والمِنّة. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾. قال ابن أبي طلحة: عن ابن عباس في رواية عنه، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير وغيرهم، في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ يعني: ما يصطاد منه طريًا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما يتزود منه مليحًا يابسًا (٤). وقال ابن عَبَّاس في الرواية المشهورة عنه: صيده ما أخذ منه حيًا (٥) ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما لفظه ميتًا، وهكذا روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو وأبي أيوب الأنصاري ﵁، وعكرمة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وإبراهيم النخعي والحسن البصري (٦).
следующие страницы →