← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

لعائشة ﵂: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ " قال: "هم أصحاب البدع" (١). وهذا رواه ابن مردويه وهو غريب أيضًا ولا يصح رفعه، والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفًا له فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق فمن اختلف فيه ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: فرقًا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله تعالى قد برأ رسول الله ﷺ مما هم فيه وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. وفي الحديث: "نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد" (٢) فهذا هو الصراط المستقيم وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له والتمسك بشريعة الرسول المتأخر وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء والرسل برآء منها كما قال الله تعالى: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [الحج] ثم بيّن لطفه سبحانه في حكمه وعدله يوم القيامة فقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾. وهذه الآية الكريمة مفصلة لما أجمل في الآية الأخرى وهي قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] وقد وردت الأحاديث مطابقة لهذه الآية كما قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا الجعد أبو عثمان، عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: فيما يروي عن ربه ﵎: "إن ربكم رحيم من همّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة. ومن همّ بسيئة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله ولا يهلك على الله إلا هالك" (٣) ورواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث الجعد أبي عثمان به (٤). وقال أحمد أيضًا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله : "من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو أغفر، ومن عمل قِراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئًا جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إلي شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، ومن اقترب إلي ذراعًا اقتربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة" (٥) ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة،

стр. 1857

عن وكيع، عن الأعمش (١) به، ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع به. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا شيبان، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من همّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كُتبت له عشرًا ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم يُكتب عليه شيء، فإن عملها كُتبت عليه سيئة واحدة" (٢). واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام: تارة يتركها لله، فهذا تكتب له حسنة على كفّه عنها لله تعالى وهذا عمل ونية ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة كما جاء في بعض ألفاظ الصحيح فإنما تركها من جرائي أي من أجلي، وتارة يتركها نسيانًا وذهولًا عنها فهذا لا له ولا عليه لأنه لم ينو خيرًا ولا فعل شرًا، وتارة يتركها عجزًا وكسلًا عنها بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا بمنزلة فاعلها. كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (٣). وقال الإمام أبو يعلى الموصلي: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا مكي، وحدثنا الحسن بن الصباح وأبو خيثمة، قالا: حدثنا إسحاق بن سليمان كلاهما عن موسى بن عبيدة، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، عن جده أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من همّ بحسنة كتب الله له حسنة فإن عملها كتبت له عشرًا، ومن همّ بسيئة لم تُكتب عليه حتى يعملها، فإن عملها كُتبت عليه سيئة، فإن تركها كُتبت له حسنة يقول الله تعالى إنما تركها من مخافتي"، هذا لفظ حديث مجاهد يعني ابن موسى (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الرُّكَين بن الربيع، عن أبيه، عن عمه فلان بن عَميلة، عن خُرَيم بن فاتك الأسدي، أن النبي ﷺ قال: "إن الناس أربعة والأعمال ستة، فالناس موسع له في الدنيا والآخرة وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع له في الآخرة وشقي في الدنيا والآخرة، والأعمال موجبتان ومثل بمثل وعشرة أضعاف وسبعمائة ضعف، فالموجبتان من مات مسلمًا مؤمنًا لا يشرك بالله شيئًا وجبت له الجنة، ومن مات كافرًا وجبت له النار، ومن همّ بحسنة فلم يعملها فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها كُتبت له حسنة، ومن همّ بسيئة لم تُكتب عليه ومن عملها كُتبت واحدة ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة كانت عليه بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله كانت بسبعمائة ضعف" (٥) ورواه الترمذي والنسائي من حديث الرُّكَين بن

стр. 1858

الربيع، عن أبيه، عن بشير بن عميلة، عن خريم بن فاتك به ببعضه، والله أعلم (١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ ، قال: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها بلغو فهو حظه منها، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله فإِن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكون ولم يتخطّ رقبة مسلم ولم يؤذ أحدًا فهي كفّارة له إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ " (٢). وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ " (٣). وعن أبي ذرّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الدهر كلّه" رواه الإمام أحمد وهذا لفظه (٤) والنسائي وابن ماجه والترمذي، وزاد: "فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ اليوم بعشرة أيام" ثم قال: هذا حديث حسن (٥). وقال ابن مسعود: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ من جاء بلا إله إلا الله، ومن جاء بالسيئة يقول بالشرك (٦)، وهكذا جاء عن جماعة من السلف ﵃ أجمعين، وقد ورد فيه حديث مرفوع الله أعلم بصحته (٧)، لكني لم أروه من وجه يثبت، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًا وفيما ذكر كفاية إن شاء الله وبه الثقة. ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾. يقول تعالى آمرًا نبيه ﷺ سيد المرسلين أن يخبر بما أنعم به عليه من الهداية إلى صراطه

стр. 1859

المستقيم الذي لا اعوجا فيه ولا انحراف ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أي: قائمًا ثابتًا ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل] وليس يلزم من كونه ﷺ أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية، أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها لأنه ﵇ قام بها قيامًا عظيمًا وأكملت له إكمالًا تامًا لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال، ولهذا كان خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق حتى الخليل ﵇. وقد قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن حفص، حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، أنبأنا سلمة بن كهيل، سمعت ذرّ بن عبد الله الهمداني يحدث عن ابن أبزى عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: "أصبحنا على ملة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين" (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد أخبرنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قيل لرسول الله ﷺ : أي الأديان أحب إلى الله تعالى؟ قال: "الحنيفية السمحة" (٢). وقال أحمد أيضًا: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: وضع رسول الله ﷺ ذقني على منكبه، لأنظر إلى زَفَّن (٣) الحبشة حتى كنت التي مللت فانصرفت عنه. قال عبد الرحمن عن أبيه قال: قال لي عروة: إن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ يومئذٍ: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة" (٤)، أصل الحديث مخرج في الصحيحين (٥) والزيادة لها شواهد من طرق عدة، وقد استقصيت طرقها في شرح البخاري ولله الحمد والمنّة. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر] أي: أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله

стр. 1860

تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى. قال مجاهد في قوله: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾: النسك: الذبح في الحج والعمرة (١). وقال الثوري، عن السدي، عن سعيد بن جبير ﴿وَنُسُكِي﴾ قال ذبحي (٢)، وكذا قال السدي والضحاك (٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أحمد بن خالد الوهبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله قال: ضحّى رسول الله ﷺ في يوم عيد النحر بكبشين وقال حين ذبحهما: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" (٤). وقوله : ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال قتادة: أي من هذه الأمة (٥)، وهو كما قال، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء] وقد أخبرنا تعالى عن نوح أنه قال لقومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة] وقال يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف] وقال موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ [يونس] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ الآية [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ [المائدة] فأخبر تعالى أنه بعث رسله بالإسلام، ولكنهم متفاوتون فيه بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضًا، إلى أن نسخت بشريعة محمد ﷺ التي لا تنسخ أبد الآبدين، ولا تزال قائمة منصورة وأعلامها منشورة إلى قيام الساعة، ولهذا قال ﵇: "نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد" (٦) فإن أولاد العلات هم الإخوة من أب واحد وأمهات شتى، فالدين واحد وهو

стр. 1861

عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات، كما أن إخوة الأخياف عكس هذا بنو الأم الواحدة من آباء شتى، والإخوة الأعيان الأشقاء من أب واحد وأم واحدة. والله أعلم. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر استفتح ثم قال: " ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ "، "اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك" ثم ذكر تمام الحديث (١) فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد وقد رواه مسلم في صحيحه (٢). ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾. يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة له والتوكل عليه ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ أي: أطلب ربًا سواه، ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يربيني ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي: لا أتوكل إلا عليه ولا أنيب إلا إليه، لأنه رب كل شيء ومليكه وله الخلق والأمر. فهذه الآية فيها الأمر بإخلاص التوكل كما تضمنت التي قبلها إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وهذا المعنى يقرن بالآخر كثيرًا في القرآن كقوله تعالى مرشدًا لعباده أن يقولوا له: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة]، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩] وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل]، وأشباه ذلك من الآيات. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، إخبار عن الواقع يوم القيامة في جزاء الله تعالى وحكمه وعدله، أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد وهذا من عدله تعالى كما قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨] وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] قال علماء التفسير: أي فلا يظلم بأن يحمل عليه سيئات غيره، ولا يهضم بأن ينقص من حسناته وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر] معناه كل نفس مرتهنة بعملها السيء، إلا أصحاب اليمين فإنه قد يعود بركة أعمالهم الصالحة على ذرياتهم وقراباتهم كما قال في سورة الطور ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا

стр. 1862

أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] أي: ألحقنا بهم ذريتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة وإن لم يكونوا قد شاركوهم في الأعمال، بل في أصل الإيمان، وما ألتناهم أي أنقصنا أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئًا حتى ساويناهم وهؤلاء الذين هم أنقص منهم منزلة، بل رفعهم تعالى إلى منزلة الآباء ببركة أعمالهم بفضله ومنته، ثم قال: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] أي: من شر. وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: اعملوا على مكانتكم إنا عاملون على ما نحن عليه فستعرضون ونعرض عليه، وينبئنا وإياكم بأعمالنا وأعمالكم وما كنا نختلف فيه في الدار الدنيا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ [سبأ]. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾. يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ أي: جعلكم تعمرون الأرض جيلًا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن وخلفًا بعد سلف. قاله ابن زيد وغيره (١)، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾ [الزخرف] وكقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] وقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]. وقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ أي: فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوئ والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك، كقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء]. وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ أي: ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به، ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره. وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ترهيب وترغيب أن حسابه وعقابه سريع، فيمن عصاه وخالف رسله ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن والاه واتبع رسله فيما جاؤوا به من خبر وطلب. وقال محمد بن إسحاق: يرحم العباد على ما فيهم، رواه ابن أبي حاتم (٣). وكثيرًا ما يقرن الله

стр. 1863

تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين، كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦] وقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر] إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهذا وهذا لينجعَ في كلٍّ بحسبه، جعلنا الله ممن أطاعوا فيما أمر، وترك ما عنه نهى وزجر، وصدقه فيما أخبر، إنه قريب مجيب سميع الدعاء جواد كريم وهاب. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، [حدثنا زهير] (١) عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا، أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط أحد من الجنّة، خلق الله مائة رحمة فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها وعند الله تسعة وتسعون" (٢). ورواه الترمذي عن قتيبة، عن عبد العزيز الدراوردي، عن العلاء به، وقال: حسن (٣)، ورواه مسلم، عن يحيى بن يحيى وقتيبة وعلي بن حجر، ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء (٤). آخر تفسير سورة الأنعام [ولله الحمد والمنة] (٥)، اللهم مُنّ علينا بالعفو والعافية، وهب لنا جزيل الإنعام، وصلّ وسلم على سيدنا محمد وآله.

стр. 1864

تفسير سُوْرَةُ الأَعْرَافِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾. قد تقدم الكلام في أول سورة البقرة على ما يتعلق بالحروف وبسطه واختلاف الناس فيه. قال ابن جرير: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبي، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس ﴿المص (١)﴾ أنا الله أفصل (١)، وكذا قال سعيد بن جبير (٢). ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: هذا كتاب أُنزل إليك أي من ربك ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ قال مجاهد وقتادة والسدي: شك منه (٣)، وقيل: لا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به. ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ولهذا قال: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أي: أنزلناه إليك لتنذر به الكافرين. ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم قال تعالى مخاطبًا للعالم: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من ربِّ كل شيء ومليكه ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ كقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف] وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] وقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف]. ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾. يقول تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أي: بمخالفة رسلنا وتكذيبهم، فأعقبهم ذلك خزي الدنيا

стр. 1865

موصولًا بذل الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ [الأنعام] وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾ [الحج] وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾ [القصص]. وقوله: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ أي: فكان منهم من جاءه أمر الله وبأسه ونقمته بياتًا أي ليلًا، أو هم قائلون من القيلولة وهي الاستراحة وسط النهار، وكلا الوقتين وقت غفلة ولهو، كما قال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف] وقال: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ [النحل]. وقوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾ أي: فما كان قولهم عند مجيء العذاب، إلا أن اعترفوا بذنوبهم وأنهم حقيقون بهذا، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾ [الأنبياء]. قال ابن جرير: في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ من قوله: "ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم"، حدثنا بذلك ابن حميد، حدثنا جرير، عن أبي سنان، عن عبد الملك بن ميسرة الزرّاد، قال: قال عبد الله بن مسعود، قال رسول الله ﷺ : "ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم"، قال: قلت لعبد الملك: كيف يكون ذاك؟ قال: فقرأ هذه الآية: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾ (١). وقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾. كقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ [القصص] وقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ [المائدة] فيسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضًا عن إبلاغ رسالاته، ولهذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ قال: عما بُلّغوا (٢). وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن الحسن، حدثنا أبو سعيد الكندي، حدثنا المحاربي، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام يسأل عن رعيته والرجل يسأل عن أهله والمرأة تسأل عن بيت زوجها والعبد يسأل عن مال سيده" قال الليث: وحدثني ابن طاوس مثله، ثم قرأ: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ

стр. 1866

الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين بدون هذه الزيادة (١). وقال ابن عباس في قوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾: يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون (٢). ﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ يعني: أنه تعالى يخبر عباده يوم القيامة بما قالوا وبما عملوا من قليل وكثير وجليل وحقير، لأنه تعالى الشهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا يغفل عن شيء بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام]. ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾. يقول تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ﴾ أي: للأعمال يوم القيامة ﴿الْحَقُّ﴾ أي: لا يظلم تعالى أحدًا كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء] وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون]. فصل والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال وإن كانت أعراضًا إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجسامًا، قال البغوي: يروى نحو هذا عن ابن عباس (٣). كما جاء في الصحيح من أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف (٤). ومن ذلك في الصحيح قصة القرآن وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون فيقول: من

стр. 1867

أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك (١). وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر: "فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح"، وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق (٢). وقيل: يوزن كتاب الأعمال كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سجلًا كل سجل مد البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها لا إله إلا الله فيقول: يا ربِّ وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم. فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان، قال رسول الله ﷺ : "فطاشت السجلات وثقلت البطاقة" رواه الترمذي بنحو من هذا وصححه (٣). وقيل: يوزن صاحب العمل كما جاء في الحديث: "يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة" ثم قرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] (٤). وفي مناقب عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ قال: "أتعجبون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده لهم في الميزان أثقل من أحد" (٥). وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحًا، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها، والله أعلم. ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾. يقول تعالى ممتنًا على عبيده فيما مكّن لهم، من أنه جعل الأرض قرارًا وجعل فيها رواسي وأنهارًا، وجعل لهم فيها منازل وبيوتًا، وأباح لهم منافعها، وسخّر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم فيها معايش أي مكاسب وأسبابًا يكسبون بها ويتجرون فيها ويتسببون أنواع الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقد قرأ الجميع: معايش بلا همز إلا عبد الرحمن بن هرمز الأعرج فإنه همزها (٦) والصواب الذي عليه الأكثرون بلا همز، لأن معايش جمع معيشة من عاش يعيش عيشًا ومعيشة أصلها معيشة، فاستثقلت الكسرة على الياء فنقلت إلى العين فصارت

стр. 1868

معيشة، فلما جمعت رجعت الحركة إلى الياء لزوال الاستثقال فقيل معايش ووزنه مفاعل، لأن الياء أصلية في الكلمة بخلاف مدائن وصحائف وبصائر، جمع مدينة وصحيفة وبصيرة من مدن وصحف وأبصر، فإن الياء فيها زائدة، ولهذا تجمع على فعائل وتهمز لذلك، والله أعلم. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾. ينبه تعالى بني آدم في هذا [المقام] (١) على شرف أبيهم آدم، ويبين لهم عدوهم إبليس، وما هو منطوٍ عليه من الحسد لهم ولأبيهم آدم ليحذروه ولا يتبعوا طرائقه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ [الحجر] وذلك أنه تعالى لما خلق آدم ﵇ بيده من طين لازب، وصوّره بشرًا سويًا ونفخ فيه من روحه، أمر الملائكة بالسجود له تعظيمًا لشأن الله تعالى وجلاله، فسمعوا كلهم وأطاعوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين، وقد تقدم الكلام على إبليس في أول تفسير سورة البقرة (٢)، وهذا الذي قررناه هو اختيار ابن جرير، أن المراد بذلك كله آدم ﵇. وقال سفيان الثوري عن الأعمش، عن منهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ قال: خُلقوا في أصلاب الرجال، وصُوروا في أرحام النساء، رواه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه (٣)، ونقل ابن جرير: عن بعض السلف أيضًا أن المراد بخلقناكم ثم صورناكم الذرية. وقال الربيع بن أنس والسدي وقتادة والضحاك في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي: خلقنا آدم ثم صورنا الذرية (٤)، وهذا فيه نظر، لأنه قال بعد ذلك: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فدل على أن المراد بذلك آدم وإنما قيل ذلك بالجمع، لأنه أبو البشر، كما يقول الله تعالى لبني إسرائيل الذين كانوا في زمن النبي ﷺ : ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧] والمراد آباؤهم الذين كانوا في زمن موسى، ولكن لما كان ذلك منة على الآباء الذين هم أصل، صار كأنه واقع على الأبناء، وهذا بخلاف قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ الآية [المؤمنون] [فإن المراد من آدم المخلوق من السلالة] (٥) وذريته مخلوقون من نطفة، وصحَّ هذا لأن المراد من خلقنا الإنسان الجنس لا معينًا، والله أعلم.

стр. 1869

﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾. قال بعض النحاة في توجيه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (١): لا هنا زائدة، وقال بعضهم: زيدت لتأكيد الجحد، كقول الشاعر: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله فأدخل "إن" وهي للنفي على ما النافية لتأكيد النفي (٢)، قالوا: وكذا ههنا ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ مع تقدم قوله: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] حكاهما ابن جرير وردهما، واختار أن منعك مضمن معنى فعل آخر، تقديره ما أحرجك وألزمك واضطرك أن لا تسجد إذ أمرتك ونحو هذا، وهذا القول قوي حسن، والله أعلم. وقول إبليس لعنه الله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ من العذر الذي هو أكبر من الذنب، كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني لعنه الله وأنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له؟ ثم بين أنه خير منه بأنه خلق من نار، والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسًا فاسدًا في مقابلة نص قوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] فشذّ من بين الملائكة لترك السجود فهذا أبلس من الرحمة أي وأيس من الرحمة فأخطأ، قبحه الله في قياسه، ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضًا، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة، ولهذا خان إبليس عنصره ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة. وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم" هكذا رواه مسلم (٣). وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، حدثنا نُعيم بن حماد، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "خلق الله الملائكة من نور العرش وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم" قلت لنعيم بن حماد: أين سمعت هذا من عبد الرزاق؟ قال: باليمن (٤). وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح: "وخلقت الحور العين من الزعفران". وقال ابن جرير: حدثنا القاسم حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن ابن شوذب، عن

стр. 1870

مطر الوراق، عن الحسن في قوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ قال: قاس إبليس وهو أول من قاس (١). إسناده صحيح. وقال: حدثني [عمرو] (٢) بن مالك، حدثني يحيى بن سليم الطائفي، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس (٣). إسناد صحيح أيضًا. ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾. يقول تعالى مخاطبًا لإبليس بأمر قدري كوني: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ أي: بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي، فما يكون لك أن تتكبّر فيها. قال كثير من المفسرين: الضمير عائد إلى الجنة، ويحتمل أن يكون عائدًا إلى المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ أي: الذليلين الحقيرين، معاملة له بنقيض قصده ومكافأة لمراده بضده، فعند ذلك استدرك اللعين وسأل النظرة إلى يوم الدين، قال: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾ أجابه تعالى إلى ما سأل، لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع، ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب. ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾. يخبر تعالى أنه لما أنذر إبليس ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] واستوثق إبليس بذلك، أخذ في المعاندة والتمرّد، فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: كما أغويتني. قال ابن عباس: كما أضللتني (٤)، وقال غيره: كما أهلكتني لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه على ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: طريق الحق وسبيل النجاة، لأضلّنهم عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي. وقال بعض النحاة: الباء هنا قسمية كأنه يقول فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم (٥). قال مجاهد: صراطك المستقيم يعني الحق (٦).

стр. 1871

وقال محمد بن سوقة، عن عون بن عبد الله: يعني طريق مكة (١). قال ابن جرير: الصحيح أن الصراط المستقيم أعمّ من ذلك. (قلت): لما روى الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا أبو عقيل - يعني: الثقفي عبد الله بن عقيل -، حدثنا موسى بن المسيب، أخبرني سالم بن أبي الجعد، عن سبرة بن أبي الفاكه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ قال: فعصاه وأسلم" قال: "قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطِّول؟ (٢) فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهاد النفس والمال، فقال: تقاتل فتقتل فتُنكَح المرأة ويقسم المال؟ قال: فعصاه وجاهد". وقال رسول الله ﷺ فمن ذلك منهم فمات، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، وإن قتل كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقًا على الله أن يدخله الجنة أو وقصته دابة كان حقًا على الله أن يدخله الجنة" (٣). وقوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ أشككهم في آخرتهم ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أرغبهم في دنياهم ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ أشبه عليهم أمر دينهم ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ أشهي لهم المعاصي (٤). وقال ابن أبي طلحة في رواية العوفي كلاهما عن ابن عباس: أما من بين أيديهم فمن قبل دنياهم، وأما من خلفهم فأمر آخرتهم، وأما عن أيمانهم فمن قبل حسناتهم، وأما عن شمائلهم فمن قبل سيئاتهم (٥). وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنّة ولا نار، ومن خلفهم من أمر الدنيا فزينها لهم ودعاهم إليها، وعن أيمانهم من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وعن شمائلهم زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها، أتاك يا بن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله (٦). وكذا روي عن إبراهيم النخعي والحكم بن عتيبة والسدي وابن جريج، إلا أنهم قالوا: من بني أيديهم الدنيا، ومن خلفهم الآخرة (٧).

стр. 1872

وقال مجاهد: من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون (١). واختار ابن جرير: أن المراد جميع طرق الخير والشر، فالخير يصدهم عنه والشر يحسنه لهم. وقال الحكم بن أبان، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ ولم يقل من فوقهم، لأن الرحمة تنزل من فوقهم (٢). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ قال: موحدين (٣). وقول إبليس هذا إنما هو ظنّ منه وتوهّم، وقد وافق في هذا الواقع، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾ [سبأ] ولهذا ورد في الحديث الاستعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان من جهاته كلّها، كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا نصر بن علي، حدثنا عمرو بن مُجمِّع، عن يونس بن خباب، عن ابن جبير بن مطعم يعني: نافع بن جبير، عن ابن عباس، وحدثنا عمر بن الخطاب يعني: السجستاني، حدثنا عبيد الله بن جعفر، حدثنا عبد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يونس بن خباب، عن ابن جبير بن مطعم، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يدعو: "اللّهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللّهم استر عوراتي وآمن روعاتي، واحفظني من بين يديّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بك اللّهم أن أُغتال من تحتي" (٤). تفرد به البزار وحسّنه. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبادة بن مسلم الفزاري، حدثني جرير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، سمعت عبد الله بن عمر يقول: لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي: "اللّهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللّهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللّهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللّهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي، قال وكيع: من تحتي يعني الخسف (٥)، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث عبادة بن مسلم به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد (٦).

стр. 1873

﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾. أكّد تعالى اللعنة [عليه] (١) والطرد والإبعاد والنفي عن محل الملأ الأعلى، بقوله: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ قال ابن جرير: أما المذؤوم فهو المعيب، والذأم غير مشدد العيب يقال: ذأمّه يذأمه ذأمًا فهو مدؤوم، ويتركون الهمزة فيقول: ذمته أذيمه ذيمًا وذامًا، والذام والذيم أبلغ في العيب من الذم، قال: والمدحور: المُقْصي (٢)، هو المبعد المطرود. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما نعرف المذؤوم والمذموم إلا واحدًا (٣). وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن التميمي عن ابن عباس: اخرج منها مذؤومًا مدحورًا قال مقيتًا (٤). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: صغيرًا مقيتًا (٥). وقال السدي: مقيتًا مطرودًا (٦)، وقال قتادة: لعينًا مقيتًا (٧). وقال مجاهد: منفيًا مطرودًا (٨). وقال الربيع بن أنس: مذؤومًا منفيًا والمدحور المصغر (٩). وقوله تعالى: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ كقوله: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء]. ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾. يذكر تعالى أنه أباح لآدم ﵇ ولزوجته حواء الجنة أن يأكلا منها من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة (١٠)، فعند ذلك حسدهما الشيطان وسعى في المكر والوسوسة والخديعة، ليسلبهما ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن ﴿وَقَالَ﴾ كذبًا وافتراء

стр. 1874

﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ أي: لئلا تكونا ملكين أو خالدين هاهنا، ولو أنكما أكلتما منها لحصل لكما ذلكما، كقوله: ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] أي: لئلا تكونا ملَكين، كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أي: لئلا تضلوا ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] أي: لئلا تميد بكم. وكان ابن عباس ويحيى بن أبي كثير يقرآن: (إلا أن تكونا ملِكين) بكسر اللام (١)، وقرأه الجمهور بفتحها، ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أي: حلف لهم بالله ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فإني من قبلكما هاهنا وأعلم بهذا المكان، وهذا من باب المفاعلة، والمراد أحد الطرفين، كما قال خالد بن زهير ابن عم أبي ذؤبب: [وقاسمها] (٢) بالله جَهدًا لأنتُم … ألذّ من السلوى إذ ما نَشُورها (٣) أي: حلف لهما بالله على ذلك حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله. وقال قتادة في الآية: حلف بالله إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكم فاتبعاني أرشدكما، وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله انخدعنا له (٤). ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾. قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أُبي بن كعب ﵁، قال: كان آدم رجلًا طوالًا كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع فيما وقع به من الخطيئة، بدت لي عورته عند ذلك وكان لا يراها، فانطلق هاربًا في الجنة فتعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة، فقال لها: أرسليني. فقالت: إني غير مرسلتك، فناداه ربه : يا آدم أمنّي تفر؟ قال يا رب إني استحييتك (٥). وقد رواه ابن جرير وابن مردويه من طرق، عن الحسن، عن أُبي بن كعب، عن النبي ﷺ مرفوعًا (٦)، والموقوف أصح إسنادًا. وقال عبد الرزاق: عن سفيان بن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته السنبلة، فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما، وكان الذي وارى عنهما من سوآتهما أظفارهما، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، ورق التين يلزقان بعضه إلى بعض، فانطلق آدم ﵇ موليًا

стр. 1875

في الجنة، فعلقت برأسه شجرة من الجنة، فناداه الله يا آدم أمنّي تفرّ؟ قال: لا ولكني استحييتك يا رب، قال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة عما حرمت عليك، قال: بلى يا رب ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدًا يحلف بك كاذبًا، قال: وهو قول الله : ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ [الأعراف] قال: فبعزتي لأهبطنّك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدًّا، قال: فأُهبط من الجنة وكانا يأكلان منها رغدًا، فأهبط إلى غير رغد من طعام وشراب، فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصد، ثم داسه ثم ذرّاه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ (١). وقال الثوري: عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قال: ورق التين (٢). صحيح إليه. وقال مجاهد: جعلا يخصفان عليهما من ورق الجنة، قال: كهيئة الثوب (٣). وقال وهب بن منبه في قوله: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٧]، قال: كان لباس آدم وحواء نورًا على فروجهما لا يرى هذا عورة هذه ولا هذه عورة هذا، فلما أكلا من الشجرة بدت لهما سوآتهما (٤)، رواه ابن جرير بسند صحيح إليه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة، قال: قال آدم أي رب أرأيت إن تبت واستغفرت، قال: إذًا أدخلك الجنة، وأما إبليس فلم يسأله التوبة وسأله النظرة، فأعطى كل واحد منهما الذي سأله (٥). وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن الحسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أكل آدم من الشجرة، قيل له: لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني، قال: فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كرهًا ولا تضع إلا كرهًا، قال: فرنّت (٦) عند ذلك حواء، فقيل لها: الرنّة عليك وعلى ولدك (٧). وقال الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه (٨).

стр. 1876

﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾. قيل: المراد [بالخطاب باهبطوا] (١) آدم وحواء وإبليس والحية، ومنهم من لم يذكر الحية، والله أعلم، والعمدة في العداوة آدم وإبليس، ولهذا قال تعالى في سورة طه قال: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ الآية [طه: ١٢٣]، وحواء تبع لآدم، والحية إن كان ذكرها صحيحًا فهي تبع لإبليس، وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات، والله أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو دنياهم، لذكرها الله تعالى في كتابه أو رسوله ﷺ . وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: قرار وأعمار مضروبة إلى آجال معلومة، قد جرى بها القلم وأحصاها القدر وسطرت في الكتاب الأول. وقال ابن عباس: ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ القبور (٢)، وعنه قال: ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ [فوق] (٣) الأرض وتحتها (٤)، رواهما ابن أبي حاتم. وقوله: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ كقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه] يخبر تعالى، أنه جعل الأرض دارًا لبني آدم مدة الحياة الدنيا، فيها محياهم وفيها مماتهم وقبورهم ومنها نشورهم ليوم القيامة، الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين ويجازي كلًا بعمله. ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾. يمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش، فاللباس ستر العورات وهي السوآت، والرياش والريش ما يتجمل به ظاهرًا، فالأول من الضروريات والريش من التكملات والزيادات. قال ابن جرير: الرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من الثياب (٥). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس وحكاه البخاري عنه: الرياش المال (٦). وهكذا قال

стр. 1877

مجاهد وعروة بن الزبير والسدي والضحاك (١) وغير واحد. وقال العوفي، عن ابن عباس: الريش اللباس والعيش والنعيم (٢). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرياش الجمال (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أصبع، عن أبي العلاء الشامي، قال: لبس أبو أُمامة ثوبًا جديدًا فلما بلغ ترقوته قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : "من استجد ثوبًا فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به كان في ذمة الله وفي جوار الله وفي كنف الله حيًا وميتًا" (٤) ورواه الترمذي وابن ماجه من رواية يزيد بن هارون عن أصبع هو ابن زيد الجهني، وقد وثقه يحيى بن معين وغيره، وشيخه أبو العلاء الشامي لا يعرف إلا بهذا الحديث، ولكن لم يخرجه أحد، والله أعلم (٥). وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا مختار بن نافع التمار، عن أبي مطر، أنه رأى عليًا ﵁ أتى غلامًا حدثًا، فاشترى منه قميصًا بثلاثة دراهم ولبسه ما بين الرسغين إلى الكعبين، يقول حين لبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي. فقيل: هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن النبي ﷺ ؟ قال: هذا شيء سمعته من رسول الله ﷺ يقول عند الكسوة: "الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي" (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ قرأ بعضهم ولباسَ التقوى بالنصب، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء (٧)، و ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ خبره. واختلف المفسرون في معناه، فقال عكرمة: يقال: هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة، رواه ابن أبي حاتم (٨). وقال زيد بن علي والسدي وقتادة وابن جريج: ولباس التقوى الإيمان (٩)، وقال العوفي عن

стр. 1878

ابن عباس: [العمل الصالح (١)، قال الديال بن عمرو عن ابن عباس] (٢): هو السمت الحسن (٣) في الوجه. وعن عروة بن الزبير: لباس التقوى خشية الله (٤). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ولباس التقوى يتقي الله فيواري عورته فذاك لباس التقوى (٥)، وكلها متقاربة، ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه ابن جرير حيث قال: حدثني المثنى حدثنا إسحاق بن الحجاج، حدثني إسحاق بن إسماعيل، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن، قال: رأيت عثمان بن عفان ﵁ على منبر رسول الله ﷺ عليه قميص فوهي محلول الزرّ، وسمعته يأمر بقتل الكلاب وينهى عن اللعب بالحمام، ثم قال: يا أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والذي نفس محمد بيده ما أسرّ أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر" ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال: السمت الحسن (٦)، هكذا رواه ابن جرير من رواية سليمان بن أرقم، وفيه ضعف. وقد روى الأئمة الشافعي وأحمد والبخاري في كتاب الأدب من طرق صحيحة عن الحسن البصري، أنه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام يوم الجمعة على المنبر (٧). وأما المرفوع منه فقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير له شاهدًا من وجه آخر حيث قال حدثنا [محمود بن محمد المروزي، حدثنا حامد بن آدم المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن سلمة بن كهيل، عن جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله ﷺ : ما أسرَّ عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر] (٨).

стр. 1879

﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾. يحذِّر تعالى بني آدم من إبليس وقبيله، مبينًا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم ﵇، في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته بعد ما كانت مستورة عنه، وما هذا إلا عن عداوة أكيدة، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾. قال مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا فتضع المرأة على فرجها النِّسعة (١) أو الشيء وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله … وما بدا منه فلا أحلّه (٢) فأنزل الله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ الآية (٣). قلت: كانت العرب ما عدا قريشًا لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش وهم الحُمْس (٤) يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسي ثوبًا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه، ثم يلقيه فلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوبًا جديدًا، ولا أعاره أحمسي ثوبًا طاف عريانًا، وربما كانت امرأة فتطوف عريانة فتجعل على فرجها شيئًا ليستره بعض الستر فتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله … وما بدا منه فلا أحله وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل، وكان هذا شيئًا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك، فقال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ فقال تعالى ردًا عليهم: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لمن ادعى ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: هذا الذي تضعونه فاحشة منكرة والله لا يأمر بمثل ذلك ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته.

стр. 1880

وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل والاستقامة ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات، فيما أخبروا به عن الله وما جاؤوا به من الشرائع وبالإخلاص له في عبادته، فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين، أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة وأن يكون خالصًا من الشرك. وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ اختلف في معنى قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ فقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ يحييكم بعد موتكم (١). وقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدنيا كذلك تعودون يوم القيامة أحياء (٢). وقال قتادة: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ قال: بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئًا ثم ذهبوا ثم يعيدهم (٣). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولًا كذلك يعيدكم آخرًا، واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير، وأيده بما رواه من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: "يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلًا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين" وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث شعبة (٤)، وفي صحيح البخاري أيضًا من حديث الثوري به. [وقال ورقاء بن إياس أبو يزيد، عن مجاهد ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، قال: يبعث المسلم مسلمًا والكافر كافرًا (٥). وقال أبو العالية: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ رُدُّوا إلى علمه فيهم] (٦) (٧). وقال سعيد بن جبير: كما بدأكم تعودون كما كتب عليكم تكونون (٨)، وفي رواية كما كنتم عليه تكونون. وقال محمد بن كعب القرظي: في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدئ خلقه عليه وإن عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملوا

стр. 1881

بأعمال أهل الشقاء ثم صاروا إلى ما ابتدؤوا عليه (١). وقال السدي: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ يقول: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ كما خلقناكم فريق مهتدون وفريق ضلال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم (٢). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ قال: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمنًا وكافرًا (٣). قلت: ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري: "فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة" (٤). وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو [غسان] (٥)، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة وإنما الأعمال بالخواتيم" هذا قطعة من حديث البخاري من حديث أبي غسان محمد بن مطرف المدني في قصة قزمان يوم أحد (٦). وقال ابن جرير: حدثني ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال: "تبعث كل نفس على ما كانت عليه" (٧) وهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه، عن الأعمش به، ولفظه: "يبعث كل عبد على ما مات عليه" (٨) وعن ابن عباس مثله، قلت: ويتأيد بحديث ابن مسعود، قلت: ولا بد من الجمع بين هذا القول إن كان هو المراد من الآية، وبين قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" (٩). وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله تعالى: "إني خلقت

стр. 1882

عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" الحديث (١)، ووجه الجمع على هذا، أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلّهم على معرفته وتوحيده والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم الميثاق بذلك وجعله في غرائزهم وفطرهم، ومع هذا قدّر أن منهم شقيًا ومنهم سعيدًا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] وفي الحديث: "كلّ الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" (٢) وقدر الله نافذ في بريته، فإنه هو ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ٣] و ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]. وفي الصحيحين: "فأما من كان منكم من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة" (٣) ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ ثم علّل ذلك فقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية. قال ابن جرير: وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدًا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عنادًا منه لربه فيها، لأنه لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضلّ وهو يحسب أنه مهتدٍ، وفريق الهدى فرق، وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية (٤). ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾. هذه الآية الكريمة ردّ على المشركين فيما كانوا يعتمدونه، من الطواف بالبيت عُراة كما رواه مسلم والنسائي وابن جرير، واللفظ له من حديث شعبة، عن سلمة بن كَهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء، الرجال بالنهار والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله … وما بدا منه فلا أُحله فقال الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٥). وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية، قال: كان رجال يطوفون بالبيت عُراة فأمرهم الله بالزينة، والزينة اللباس وهو: ما يواري السوأة وما سوى ذلك من جيد البزِّ والمتاع، فأُمروا أن يأخذوا زينتهم عند كلّ مسجد (٦). وهكذا قال مجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وقتادة والسدي والضحاك ومالك، عن الزهري وغير واحد من

стр. 1883

أئمة السلف في تفسيرها أنها نزلت في طواف المشركين بالبيت عُراة (١). وقد روى الحافظ ابن مردويه من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا، أنها نزلت في الصلاة في النعال (٢). ولكن في صحته نظر، والله أعلم، ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب لأنه من الزينة والسواك لأنه من تمام ذلك. ومن أفضل اللباس البياض كما قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا، قال: قال رسول الله ﷺ : "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم وإن خير أكحالكم الإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر" (٣) هذا حديث جيد الإسناد، رجاله على شرط مسلم ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم به، وقال الترمذي: حسن صحيح (٤). وللإمام أحمد أيضًا وأهل السنن بإسناد جيد عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بثياب البياض فالبسوها فإنها أطهر وأطيب وكفّنوا فيها موتاكم" (٥). وروى الطبراني بسند صحيح عن قتادة عن محمد بن سيرين: أن تميمًا الداري اشترى رداء بألف وكان يصلي فيه (٦). وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية، قال بعض السلف جمع الله الطب كله في نصف آية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾. وقال البخاري: قال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة (٧). وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفًا أو مخيلة (٨)،

стр. 1884

إسناده صحيح، وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا همام، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: "كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده" (١). ورواه النسائي وابن ماجه من حديث قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة" (٢) وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سليمان بن سليم الكناني، حدثنا يحيى بن جابر [الطائي] (٣) سمعت المقدام بن معد يكرب الكندي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان فاعلًا لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" (٤). ورواه النسائي والترمذي من طرق عن يحيى بن جابر به، وقال الترمذي: حسن وفي نسخة حسن صحيح (٥). وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا سويد بن عبد العزيز (٦)، حدثنا بَقيّة، عن يوسف بن أبي كثير، عن نوح بن ذكوان، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت" (٧). ورواه الدارقطني في الأفراد، وقال: هذا حديث غريب تفرد به بَقيّة. وقال السدي: كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون عليهم الودك (٨) ما أقاموا في الموسم، فقال الله تعالى لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية، يقول: لا تسرفوا في التحريم (٩). وقال مجاهد: أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله (١٠). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ يقول: ولا تأكلوا حرامًا ذلك الإسراف (١١). وقال عطاء الخراساني: عن ابن عباس قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ في الطعام والشراب (١٢).

стр. 1885

وقال ابن جرير: وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ يقول الله تعالى: إن الله لا يحب المتعدّين حدّه في حلال أو حرام الغالين فيما أحل بإحلال الحرام أو بتحريم الحلال، ولكنه يحب أن يحلّل ما أحلّ ويحرم ما حرم وذلك العدل الذي أمر به (١). ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾. يقول تعالى ردًّا على من حرّم شيئًا من المآكل أو المشارب أو الملابس من تلقاء نفسه من غير شرع من الله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين، الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ الآية، أي هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حبًا في الدنيا فهي لهم خاصة يوم القيامة، ولا يشركهم فيها أحد من الكفار، فإن الجنّة مُحرّمة على الكافرين. قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو حُصين محمد بن الحسين القاضي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون البيت وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ فأمروا بالثياب (٢). ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أحد أغير من الله فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله" (٣) أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن شقيق، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود (٤)، وتقدم الكلام على ما يتعلق بالفواحش، ما ظهر منها وما بطن في سورة الأنعام (٥). وقوله: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال السدي: أما الإثم فالمعصية والبغي أن تبغي على الناس بغير الحق. وقال مجاهد: الإثم المعاصي كلها وأخبر أن الباغي بغيه على نفسه (٦)، وحاصل ما فسر به

стр. 1886

الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي هو التعدي إلى الناس فحرم الله هذا وهذا. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ أي: تجعلوا له شركاء في عبادته ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولدًا ونحو ذلك مما لا علم لكم به، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠، ٣١]. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾. يقول تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي: قرن وجيل ﴿أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: ميقاتهم المقدر لهم ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ثم أنذر تعالى بني آدم أنه سيبعث إليهم رسلًا يقصون عليهم آياته وبشر وحذر، فقال: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ أي: ترك المحرمات وفعل الطاعات ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾ ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ أي: كذبت بها قلوبهم واستكبروا عن العمل بها ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها مكثًا مخلدًا. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)﴾. يقول: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ أي: لا أحد أظلم، ممن افترى الكذب على الله أو كذب بآياته المنزلة ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ اختلف المفسرين في معناه: فقال العوفي، عن ابن عباس: ينالهم ما كتب عليهم وكتب لمن كذب على الله أن وجهه مسوَدٍّ (١). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول: نصيبهم من الأعمال من عمل خيرًا جزي به، ومن عمل شرًا جزي به (٢). وقال مجاهد: ما وعدوا به من خير وشر (٣)، وكذا قال قتادة والضحاك (٤) وغير واحد. واختاره ابن جرير.

стр. 1887

وقال محمد بن كعب القرظي: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قال: عمله ورزقه وعمره (١)، وكذا قال الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢)، وهذا القول قوي في المعنى، والسياق يدل عليه وهو قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ ونظير المعنى في هذه الآية كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ [يونس] وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان]، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، يخبر تعالى أن الملائكة إذا توفت المشركين تفزعهم عند الموت وقبض أرواحهم إلى النار يقولون لهم: أين الذين كنتم تشركون بهم في الحياة الدنيا وتدعونهم وتعبدونهم من دون الله؟ ادعوهم يخلصوكم مما أنتم فيه قالوا: ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ أي: ذهبوا عنا فلا نرجو نفعهم ولا خيرهم ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: أقرّوا واعترفوا على أنفسهم ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾. ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾. يقول تعالى مخبرًا عما يقوله لهؤلاء المشركين به، المفترين عليه المكذبين بآياته ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: من أمثالكم وعلى صفاتكم ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: من الأمم السالفة الكافرة ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ يحتمل أن يكون بدلًا من قوله في أمم، ويحتمل أن يكون في أمم أي مع أمم. وقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ كما قال الخليل ﵇ ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [العنكبوت: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة]. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ أي: اجتمعوا فيها كلهم ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ أي: أخراهم دخولًا، وهم الأتباع لأولاهم وهم المتبوعون، لأنهم أشدّ جرمًا من أتباعهم فدخلوا قبلهم فيشكوهم الأتباع إلى الله يوم القيامة لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل فيقولون:

стр. 1888

﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ أي: أضعف عليهم العقوبة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ [الأحزاب]. وقوله: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ أي: قد فعلنا ذلك وجازينا كلًا بحسبه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ [النحل] وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ [النحل]. ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ أي: قال المتبوعون للأتباع ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ قال السدي: فقد ضللتم كما ضللنا (١). ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ وهذه الحال كما أخبر الله تعالى عنهم في حال محشرهم في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾ [سبأ]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾. قوله: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ قيل: المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء، قاله مجاهد وسعيد بن جبير: ورواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وكذا رواه الثوري عن ليث، عن عطاء، عن ابن عباس (٢). وقيل: المراد لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، رواه الضحاك عن ابن عباس، وقاله السدي وغير واحد (٣)، ويؤيده ما قاله ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن المنهال هو ابن عمرو، عن زاذان، عن البراء أن رسول الله ﷺ -ذكر قبض روح الفاجر، وأنه يُصعد بها إلى السماء فيصعدون بها، فلا تمر على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون فلان بأقبح أسمائه التي كان يُدعى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء فيستفتحون بابها له فلا يُفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٤) هكذا رواه وهو قطعة من حديث طويل رواه أبو داود

стр. 1889

والنسائي وابن ماجه من طرق عن المنهال بن عمرو به (١). وقد رواه الإمام أحمد بطوله فقال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر - مرتين أو ثلاثة" ثم قال -: "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان - قال - فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ " فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله : "اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى". قال: فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ ، فيقولان له: وما عملك؟ فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد البصر - قال -: ويأتيه رجل حسن الوجه وحسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له: من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المُسُوح (٢) فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود (٣) من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت

стр. 1890

على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا. فيستفتح فلا يفتح له - ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا - ثم قرأ -: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]. فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه (١) لا أدري. فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر؟ فيقول: "أنا عملك الخبيث فيقول ربّ لا تقم الساعة" (٢). وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يونس بن خباب، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى جنازة فذكر نحوه، وفيه: "حتى إذا خرج روحه صلى عليه كلُ ملك السماء والأرض وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم، وفي آخره، ثم يُقيض له أعمى أصم أبكم في يدهِ مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابًا، فيضربه ضربة فيصير ترابًا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين"، قال البراء: "ثم يفتح له باب من النار ويُمهد له فرش من النار" (٣). وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وابن جرير واللفظ له من حديث محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فيقولون ذلك حتى يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب أدخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. فيقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله ، وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس

стр. 1891

الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فيقولون ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال من هذا؟ فيقولون: فلان فيقولون: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة فإنه لم يفتح لك أبواب السماء فترسل بين السماء والأرض فتصير إلى القبر" (١). وقد قال ابن جريج في قوله: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ لا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم (٢). وهذا فيه جمع بين القولين، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ هكذا قرأه الجمهور وفسروه بأنه البعير. قال ابن مسعود: هو الجمل ابن الناقة، وفي رواية زوج الناقة (٣). وقال الحسن البصري: حتى يدخل البعير في خرق الإبرة (٤) وكذا قال أبو العالية والضحاك وكذا روى علي بن أبي طلحة العوفي عن ابن عباس (٥). وقال مجاهد وعكرمة عن ابن عباس: إنه كان يقرؤها (يلج الجُمَّل في سم الخياط) بضم الجيم وتشديد الميم يعني الحبل الغليظ في خرم الإبرة (٦)، وهذا اختيار سعيد بن جبير، وفي رواية أنه قرأ حتى (يلج الجُمْل) (٧) يعني: قلوس السفن وهي الحبال الغلاظ. وقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ قال محمد بن كعب القرظي ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾، قال: الفرش ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ قال: اللحف (٨)، وكذا قال الضحاك بن مزاحم والسدي (٩) ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾. لما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر حال السعداء فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم ضد أولئك الذين كفروا بآيات الله

стр. 1892

واستكبروا عنها، وينبه تعالى على أنه الإيمان والعمل به سهل لأنه تعالى قال: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾ ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ أي: من حسد وبغض كما جاء في صحيح البخاري من حديث قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا" (١). وقال السدي في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ لآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان فشربوا من إحداهما فينزع ما في صدورهم من غلّ فهو: الشراب الطهور واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبدًا (٢). وقد روى أبو إسحاق عن عاصم، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نحوًا من هذا (٣) كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] إن شاء الله ربه وبه الثقة وعليه التكلان. وقال قتادة: قال علي ﵁ إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ رواه ابن جرير (٤). وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة، عن إسرائيل قال سمعت الحسن يقول قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (٥). وروى النسائي وابن مردويه واللفظ له من حديث أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أهل الجنة يرى مقعده من النار"، فيقول: لولا أن الله هداني فيكون له شكرًا. وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: "لو أن الله هداني فيكون له حسرة" (٦). ولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون؛ أي: بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم. وإنما وجب الحمل على هذا لما ثبت في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله

стр. 1893

الجنة" قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" (١). ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥)﴾. يخبر تعالى بما يخاطب به أهل النار على وجه التقريع والتوبيخ إذا استقروا في منازلهم ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ أن ههنا مفسرة للقول المحذوف وقد للتحقيق أي: قالوا لهم: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ كما أخبر تعالى في سورة الصافات عن الذي كان له قرين من الكفار ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾ [الصافات] أي: ينكر عليه مقالته التي يقولها في الدنيا ويقرعه بما صار إليه من العذاب والنكال وكذلك تقرعهم الملائكة يقولون لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [الطور] وكذلك قرّع رسول الله ﷺ قتلى القليب يوم بدر فنادى "يا أبا جهل بن هشام ويا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة - وسمى رؤوسهم - هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا، وقال عمر: يا رسول الله تخاطب قومًا قد جيفوا؟ " فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا" (٢). وقوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي: أعلم معلم ونادى مناد ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ أي: مستقرة عليهم ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: يصدّون الناس عن اتباع سبيل الله وشرعه وما جاءت به الأنبياء ويبغون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها أحد ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ أي: وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون أي: جاحدون مكذبون بذلك لا يصدقونه ولا يؤمنون به، فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكر من القول والعمل لأنهم لا يخافون حسابًا عليه ولا عقابًا فهم شر الناس أقوالًا وأعمالًا. ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾. لما ذكر تعالى مخاطبة أهل الجنة مع أهل النار نبه أن بين الجنة والنار حجابًا وهو: الحاجز المانع من وصول أهل النار إلى الجنة، قال ابن جرير: وهو السور الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] وهو الأعراف.

стр. 1894

الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ (١). ثم روى بإسناده عن السدي أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ وهو السور وهو الأعراف (٢). وقال مجاهد: الأعراف حجاب بين الجنة والنار سور له باب (٣). قال ابن جرير: والأعراف جمع عُرْف وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عرفًا، وإنما قيل لعرف الديك عرفًا لارتفاعه (٤). وحدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن عُبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: الأعراف هو الشيء المشرف (٥). وقال الثوري عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: الأعراف سور كعرف الديك (٦). وفي رواية عن ابن عباس: الأعراف جمع تل بين الجنة والنار حبس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار، وفي رواية عنه هو سور بين الجنة والنار (٧). وكذا قال الضحاك (٨) وغير واحد من علماء التفسير. وقال السدي: إنما سمي الأعراف أعرافًا لأن أصحابه يعرفون الناس (٩). واختلف عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم؟ وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، نصّ عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف ﵏، وقد جاء في حديث مرفوع رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن إسماعيل، حدثنا عبيد بن الحسين، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا النعمان بن عبد السلام، حدثنا شيخ لنا يقال له أبو عباد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله ﷺ عمن استوت حسناته وسيئاته فقال: "أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون" (١٠). وهذا حديث غريب من هذا الوجه. ورواه من وجه آخر عن سعيد بن سلمة، عن أبي الحسام، عن محمد بن المنكدر، عن رجل

стр. 1895

من مزينة قال: سئل رسول الله ﷺ عمن استوت حسناته وسيئاته فقال: "إنهم قوم خرجوا عصاة بغير إذن آبائهم فقتلوا في سبيل الله" (١). وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معشر حدثنا يحيى بن شبل، عن يحيى بن عبد الرحمن المزني، عن أبيه قال: سئل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف قال: "هم ناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم ومنعهم من النار قتلهم في سبيل الله" ورواه ابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن أبي معشر به (٢). وكذا رواه ابن ماجه مرفوعًا من حديث أبي سعيد الخدري (٣) وابن عباس، والله أعلم بصحة هذه الأخبار المرفوعة، وقصاراها أن تكون موقوفة وفيه دلالة على ما ذكر. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن الشعبي، عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف قال: فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة وخلفت بهم حسناتهم عن النار، قال: فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم (٤). وقد رواه من وجه آخر أبسط من هذا فقال: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال: قال الشعبي أرسل إليّ عبد الحميد بن عبد الرحمن وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش فإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكرًا ليس كما ذكرا فقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة. فقالا: هات. فقلت: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف فقال: هم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ فبينما هم كذلك إذا طلع عليهم ربك فقال لهم اذهبوا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم (٥). وقال عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر الهذلي قال: قال سعيد بن جبير وهو يحدث ذلك عن ابن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ثم قرأ قول الله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون]، ثم قال: الميزان يخف بمثقال حبة، ويرجح قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل
следующие страницы →